{"ً":{"ٌ":7625,"ٍ":"الرد على شبهات المستعينين بغير الله","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/الرد على شبهات المستعينين بغير الله - بن عيسى - ط طيبة","files":["rdshmsghal.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الرد على شبهات المستعينين بغير الله\nالمؤلف: أحمد بن إبراهيم بن حمد بن محمد بن حمد بن عبد الله بن عيسى (ت ١٣٢٧هـ)\nالناشر: مطبعة دار طيبة - الرياض - السويدي\nالطبعة: ١٤٠٩_١٩٨٩م\nعدد الصفحات: ١٠٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":483,"ٕ":1,"ٖ":1770154785,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"بداية الرد على شبه العراقي","level":1,"page":22},{"title":"فصل: في رد قول العراقي الذي مضمونه: \"أن نداء الصالحين والأنبياء وسؤالهم ليس بعبادة\"","level":1,"page":27},{"title":"فصل: وقد أمر الله بدعائه، وشرعه لعباده، وأحبه منهم","level":1,"page":41},{"title":"فصل: والدعاء صلاة وهو اسمه لغة","level":1,"page":44},{"title":"فصل: في رد قول العراقي - كذبا وبهتانا -: (صرح الحنابلة بكراهة طلب الحاجات من الأموات كراهة تنزيه على وجه مخصوص: وهو طلبها بالكتابة ودس الورق في أنقاب القبر)","level":1,"page":49},{"title":"فصل: الجواب عند استدلال العراقي على دعواه بحديث الأعمى وحديث «ياعباد الله احبسوا»","level":1,"page":76},{"title":"فصل: في رد ما استدل به العراقي على دعواه بما روي عن ابن عمر وابن عباس: أن رجله خدرت، فقيل: اذكر أحب الناس إليك فقال: يا محمد","level":1,"page":89},{"title":"فصل: في رد قول العراقي الجاني: إن السجود لغير الله محرم، والتوسل لم يذكره الفقهاء في كبائر الذنوب ولا صغارها. ورد هذه السفسطة","level":1,"page":91},{"title":"فصل: في رد افترائه علينا بأنا كفرنا الصحابة في قولهم للنبي ﷺ: اجعل لنا ذات أنواط","level":1,"page":94}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,9":4,"1,11":5,"1,12":6,"1,13":7,"1,14":8,"1,15":9,"1,17":10,"1,18":11,"1,19":12,"1,20":13,"1,21":14,"1,22":15,"1,23":16,"1,24":17,"1,25":18,"1,26":19,"1,27":20,"1,28":21,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,94":88,"1,95":89,"1,96":90,"1,97":91,"1,98":92,"1,99":93,"1,100":94,"1,101":95,"1,102":96,"1,103":97},"ٜ":{"1":[5,103]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103"],"ٞ":{"1":[1],"22":[2],"27":[3],"41":[4],"44":[5],"49":[6],"76":[7],"89":[8],"91":[9],"94":[10]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة </span>التحقيق\nالحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحق المبيوقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة-٢١] وقال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف-١٢٨] .والآيات القرآنية الدالة على أن العزة والمنعة والدولة والنصر – كل ذلك – آيل إلى من حقق التوحيد، وصبر على الأذى، كثيرة جدا، وفي الآيات الكونيةما يشهد لذلك ويصدقه، ويجسد هذا الوعد ويحققه. ولو استطردنا في ذكر الآيات الكونية التي منها: أخبار الرسل مع أممهم، والمصلحين مع أقوامهم، لطال بنا المقام، واتسعت ذاكرة الكلام. ولكن نشير إلى ذلك بدعوة سلفية واجهت أعداء ألداء، أقوياء أشداء، صمدت أمامهم صمود الجبل الشامخ، ورمت نحورهم برماح العلماء والمشايخ، معقلة عددهم، وضعف ذات يدهم.\nهذه الدعوة هي: دعوة الإصلاح والتجديد في نجد، التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى -.لقد كابدت هذه الدعوة في بدء قيامها أنواع الاضطهاد، وصنوف الظلم، وألوان العذاب، حتى إن الدولة العثمانية ألقت كامل قواها في سبيل القضاء على هذه النواة الصغيرة ... فجندت الجيوش الحربية لقتالهم، واستنفرت القدرات العلمية لهتكهم، وحذرت الناس من الاستماع لدعوتهم وقولهم، وألصقت\nالافتراءات والكذبات بهم. ولكن بحمد الله تعالى: كل هذه الجنود تضعضعت وانكسرت، وفشلت أمام جنود الحق وتقهقرت.\nأما الجنود الحربية فقد هيأ لها أوائل آل سعود – رحمهم الله تعالى –شبانا يرون القتل مجدا، وشيبا في الحروب مجربينا.\nوأما الجنود العلمية فقد هيأ لها الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى_ طلابا للعلم عن السنة يذودون، وبالكتاب يصولون ويجولون. فنفوا عن الكتاب تحريف المحرفين، وانتحال المبطلين، وشبهات المشبهينن. وأشهد أن نبينا وقدوتنا وسيدنا محمد المبعوث بالهدى والنور، والسعادة\nوالسرور، صلى الله عليه صلاة دائمة ما تعاقب الليل والنهار. وعلى آله البررة الكرام الأطهار، وأصحابه المصطفين الأخيار، وسلم تسليما كثيرا.\nأما بعد:\nفإن خروج المناوئين لدعوة الرسل وأتباعهم، وإثارتهم الشبه تارة، والأحقاد أخرى، أمر قدره الله ﷿ وشاءه وقضاه، وصبغه بحكمته البالغة في الكمال منتهاه، وسيره سنة في الأمم لا تخرج عنه ولا تتعداه.\nوقد سبق في علم الله: أن العاقبة للمتقين، والدائرة على الضالين المكذبين. ولكن الله سبحانه أراد أن يمحص المؤمنين ويبلوهم، ويختبر محبتهم له وصبرهم، بتسليط هؤلاء المناوئين عليهم، وسومهم بأنواع العذاب على أيديهم.\nحتى إذا كان الناس على صنفين: مؤمنين أخيار. وكافرين فجار. أنجز الله\nلعباده المؤمنين وعده، وأنزل لنصرهم ملائكته وجنده.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات ١٧١ _١٧٢_١٧٣) وقال تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾","vol":"1","page":5},{"text":"وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة-٢١] وقال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف١٢٨] .والآيات القرآنية الدالة على أن العزة والمنعة والدولة والنصر – كل ذلك – آيل إلى من حقق التوحيد، وصبر على الأذى، كثيرة جدا، وفي الآيات الكونيةما يشهد لذلك ويصدقه، ويجسد هذا الوعد ويحققه. ولو استطردنا في ذكر الآيات الكونية التي منها: أخبار الرسل مع أممهم، والمصلحين مع أقوامهم، لطال بنا المقام، واتسعت ذاكرة الكلام. ولكن نشير إلى ذلك بدعوة سلفية واجهت أعداء ألداء، أقوياء أشداء، صمدت أمامهم صمود الجبل الشامخ، ورمت نحورهم برماح العلماء والمشايخ، مع قلة عددهم، وضعف ذات يدهم. هذه الدعوة هي: دعوة الإصلاح والتجديد في نجد، التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى -.لقد كابدت هذه الدعوة في بدء قيامها أنواع الاضطهاد، وصنوف الظلم، وألوان العذاب، حتى إن الدولة العثمانية ألقت كامل قواها في سبيل القضاء على هذه النواة الصغيرة ... فجندت الجيوش الحربية لقتالهم، واستنفرت القدرات\nالعلمية لهتكهم، وحذرت الناس من الاستماع لدعوتهم وقولهم، وألصقت الافتراءات والكذبات بهم.\nولكن بحمد الله تعالى: كل هذه الجنود تضعضعت وانكسرت، وفشلت أمام جنود الحق وتقهقرت. أما الجنود الحربية فقد هيأ لها أوائل آل سعود – رحمهم الله تعالى –شبانا يرون القتل مجدا، وشيبا في الحروب مجربينا.\nوأما الجنود العلمية فقد هيأ لها الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى_ طلابا للعلم عن السنة يذودون، وبالكتاب يصولون ويجولون. فنفوا عن الكتاب تحريف المحرفين، وانتحال المبطلين، وشبهات المشبهين","vol":"1","page":6},{"text":"كل ذلك بفضل الله أولا وآخرا، فله الحمد والشكر وحده لا شريك له. ولم يزل لكل قوم من الفريقين وارث، لعلومهم وأفكارهم ناشر باعث. وكان من بين الوارثين للقوم المخذولين، رجل بلغ من الوقاحة منتهاها، ومن\nالجهالة أخبثها وأرداها، ذلك الرجل هو: داود بن سليمان بن جرجيس، المنفق سلعته بالكذب والزور والتلبيس، المحامي عن المشركين والوثنيين إخوان إبليس. ألف كتبا قرر فيها الشرك والسفاهات، وجلب إليها أردأ الحجج والبينات، وملأها بالأكاذيب والترهات. وقد ورث القوم الصالحين المنصورين، عالم جليل، فاضل نبيل، اشتهربالديانة والصلاح، والسعي إلى ما يقرب من الفلاح. ذلك العالم هو الشيخ: أحمد ابن إبراهيم بن عيسى – رحمه الله تعالى وتولاه -.تصدى لسفسطات الجاني المذكور فنقضها الواحدة تلو الأخرى، وأوضح ما وقع فيها من الشرك ونصر الهوى، ومجانبة الأمانة والتقوى، كل ذلك في رسالةصغيرة الحجم، كبيرة الفائدة والعلم، امتازت بحسن عبارتها، ونصوع حجتها، ووضوح أدلتها، وقوة مخاصمتها. وقد سمى هذه الرسالة: \"الرد على شبهات المستغيثين بغير الله\" وهي التي بين يديك. فمع هذه الرسالة نتركك لتأخذ العلم من مخبئه ومستودعه، وتلذذ بمشاهدةجمالها ونضرته، والله المسؤول المرجو أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nكتبه الفقير إلى عفو ربه القدير عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريمغفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين ٩/٢/١٤٠٩هـ","vol":"1","page":7},{"text":"النسخ المعتمدة\nطبع هذا الكتاب لأول مرة في مصر على نفقة الشيخ محمد نصيف. وهو الذي أشرف على طباعتها. ولم يذكر تاريخ الطبعة. وقد اعتمد في هذه الطبعة على نسخة خطية منقولة من خط المؤلف كتبها: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عامر، سنة ١٢٩٧هـ.ثم أعيد طبع الكتاب على نفقة محمد بن جميح ضمن مجلد كبير جمع عدةكتب ورسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولبعض علماء نجد. واعْتُمِد في هذه الطبعة على نسختين: إحداهما خطية أخذت من مكتبة الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف قاضي شقراء، وثانيتهما: نسخة الشيخ\nمحمد نصيف، المتقدم ذكرها. وقد اعتمدت النسخة الثانية، لصحتها غالبا، وكمالها، فإن في طبعة الشيخ\nمحمد نصيف – ﵀ – نقصا، كما في ص ٣١ من الطبعة التي بين يديك. وقد أثبت أغلب الفروق بين النسختين في الحاشية.\nاسم الكتاب:\nطبع باسم \"الرد على شبهات المستعينين بغير الله\" في الطبعة الأولى. أماالطبعة الثانية فقد كتب على وجهها: \"الرد على شبهات المستغيثين بغير الله\".ولعل ما وقع في الطبعة الثانية خطأ، وذلك لأن المشرف على الطبع ذكر في بيان الأصول المعتمدة في الطبع اسم الكتاب موافقا للطبعة الأولى. لذا أثبت هذاالاسم على وجه هذه النسخة.","vol":"1","page":9},{"text":"ترجمة المؤلف\nهو الشيخ العالم العلامة المحقق الداعية: أحمد بن الشيخ العالم العلامةالمحقق: إبراهيم بن حمد بن محمد بن حمد بن عبد الله بن عيسى. ينتهي نسبه إلى قبيلة بني زيد المنحدرة من قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرةابن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ولد هذا العالم الجليل في موطن أبائه \"شقراء\" يوم الخميس، العاشر من ربيعالأول، عام ١٢٥٣هـ. نشأ في حجر والده العلامة إبراهيم بن عيسى. فرباه تربية حسنة، وغرس في قلبه حب العلم وأهله. فحفظ القرآن وتعلم مبادئ الكتابة والقراءة. ثم شرع في طلب العلم بهمةعالية، ورغبة صادقة. قرأ على والده: التوحيد والفقه والحديث والأصول. كما لازم علامة نجد ومفتيها الأكبر: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين. قام برحلات علمية، منها إلى مكة، والرياض، والعراق. فقرأ في مكة على:\nالعالم الجليل محمد بن سليمان حسب الله الشافعي المكي. والشيخ العلامة المحقق حسين بن محسن الأنصاري الخزرجي. وقرأ في الرياض على: الشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه الشيخ عبد اللطيف. وفي العراق على نعمان الألوسي. وصالح بن حمد المبيض.\nولاه عبد العزيز بن رشيد قضاء المجمعة وبلدان السدير عام ١٣١٧هـ.","vol":"1","page":11},{"text":"وكان الشيخ قبل ذلك في مكة تاجرا في الأقمشة يتحرى الصدق والأمانة والوفاء بالعهد، وينتهز الفرص لدعوة من يتعاطى معه التجارة.\nقال الشيخ الفاضل محمد نصيف:\nوكان – أي المترجم له – يتردد بين جدة ومكة لشراء الأقمشة من الشيخ عبد القادر بن مصطفى التلمساني. كان يدفع له أربعمائة جنيه ويشتري بألف، ويسدد الباقي على أقساط بضمانة مبارك بن مساعد.\nوقد دام التعامل بينه وبين الشيخ التلمساني زمنا طويلا. وكان لصدقه وأمانته وفائه بوعده أثر طيب في نفس التلمساني. حتى إنه لم ير ضرورة للضامن..وقال له:\n\" إني عاملت الناس من أربعين عاما فما وجدت أحسن من التعامل معك يا وهابي، فيظهر أن ما يشاع عنكم يا أهل نجد مبالغ فيه من خصومكم السياسيين....\"\nفسأله الشيخ أحمد أن يبينها له.\nفقال التلمساني: يقولون إنكم لا تصلون على النبي ولا تحبونه.\nفأجابه الشيخ أحمد: سبحانك هذا بهتان عظيم. كيف ومن لم يصل عليه في التشهد في الصلاة فصلاته باطلة، ومن لا يحبه فكافر.\nوإنما نحن أهل نجد ننكر الاستعانة والاستغاثة بالأموات، ولا نستغيث إلا بالله وحده، ولا نستعين إلا به سبحانه، كما كان على ذلك سلف الأمة.\nوقد استمر النقاش بينه وبين التلمساني ثلاثة أيام. وأخيرا هدى الله الشيخ التلمساني للحق، وصار موحدا ظاهرا وباطنا.\nثم سأله الشيخ التلمساني أن يوضح بعض أوجه الفرق بينهم وبين خصومهم – يعني في توحيد الأسماء والصفات – فقال الشيخ أحمد:\nإننا نعتقد أن الله فوق سماواته، مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، من غير تشبيه ولا تجسيم ولا تأويل، وهكذا في جميع آيات الصفات والأحاديث، كما هي عقيدة السلف الصالح، وكما جاء عن الإمام أبي الحسن الأشعري في","vol":"1","page":12},{"text":"كتابيه: الإبانة في أصول الديانة، ومقالات الإسلاميين واختلاف المصلين.\nوقد دامت المناظرة بينهما خمسة عشر يوما. لأن الشيخ التلمساني كان أشعريا، درس في الجامع الأزهر كتب العقائد: السنوسية، وأم البراهين، وشرح الجوهرة، وغيرها.\nوقد انتهت هذه المناقشة الطويلة باقتناع الشيخ التلمساني بأن عقيدة السلف هة الأسلم والأعلم والأحكم.\nثم صار الشيخ التلمساني داعيا من دعاة العقيدة السلفية، وطبع كتبا كثيرة ووزعها بالمجان..\nثم قال الشيخ المحسن المفضال محمد نصيف:\nوإذا كان الله ﷾ قد هدى الشيخ التلمساني على يد الشيخ أحمد بن عيسى، فقد هداني – أنا أيضا – على يده، اهـ.\nولقد كان للشيخ أحمد مكانة مرموقة عند جميع طبقات الناس لما اشتمل عليه من أخلاق فاضلة، ومعاملة صادقة، وورع نقي، وقلب تقي، ولسان من الفحش بري، ومن الخير دني.\nحتى إنه أشار على الشريف عون بن محمد بأن يهدم القباب المبنية على القبور، فأزالها، تلبية لنصيحته، إلا ما كان من قبر خديجة وابن عباس فإنه تركه مخافة من تشويش السلطان عبد الحميد العثماني.\nوبجانب نشاط الشيخ في الدعوة إلى الله باللسان كان يدعو بقلمه، فيقرر به التوحيد ويؤيد أهله، وينفي الشرك ويحارب جنده. فخلف مؤلفات نفيسة\nمنها:\n١- شرح النونية لابن القيم، في مجلدين كبيرين، قال شيخنا العلامة عبد الله بن جبرين – حفظه الله -: وهو من أنفس الشروح وأجل الكتب في هذا الفن.\n٢- تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدراسي والحلبي، مجلد كبير، طبع ضمن مجموعة كتب طبعها\"الكردي\" عام ١٣٢٩هـ.","vol":"1","page":13},{"text":"٣- الرد على دحلان في كتابه \"خلاصة الكلام\".\n٤- تهديم المباني في الرد على النبهاني.\n٥- الرد على شبهات المستعينين بغير الله. وهو رد على داود بن جرجيس العراقي.\nوهو المقصود بقول ابن عم المؤلف الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى\nأزاح قتام الشرك منه بنبذة ... لها الوحم ردء والحديث مؤيد\n٦- مجموعة قصائد قيلت في مناسبات مختلفة.\nوافته المنية المحتمة بعد صلاة الجمعة في اليوم الرابع من جمادى الثانية من عام ١٣٢٩ في بلدة المجمعة بسدير.\nوصلي عليه صلاة الغائب في المملكة.\nوقد مدحه كثير من العلماء الأجلاء نظما ونثرا، فمن ذلك ما قاله الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى:\nإمام حوى علما وحلما وعفة ... وزهدا ونسكا فضله ليس يجحد\nغزير المعاني لوذعي مهذب ... أديب أريب ألمعي مسدد\nأزاح قتام الشرك منه بنبذة ... لها الوحم ردء والحديث مؤيد\nبقيت ابن إبراهيم للدين ناصرا ... تناضل عن دين الرسول وتنهد\nوقال أيضا فيه:\nهو الفتى نجل إبراهيم من فخرت ... به العلوم على التفصيل والجمل\nهو الإمام الفقيه الحبر قدوتنا ... أكرم به من إمام سيد بطل\nمؤيد راسخ في العلم متبع ... أثر المطهر طه خاتم الرسل\nفرحم الله الشيخ أحمد رحمة واسعة، فلقد كان عالما حقا، مجاهدا صدقا،","vol":"1","page":14},{"text":"قاضيا عدلا، منفقا سحا، وترجمته الحافلة حقيقة بأن تفرد في مجلد، وهو ما نأمله من أصحاب الرسائل العلمية، التي تقدم في شخصيات بارزة.١\n_________\n١ من مصادر الترجمة:\n١- علماء نجد خلال ستة قرون للشيخ عبد الله البسام.\n٢- روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين للشيخ محمد القاضي.\n٣- مقدمة الشيخ محمد نصيف للطبعة الأولى من كتاب ابن عيسى \"الرد على شبهات المستعينين بغير الله\"","vol":"1","page":15},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله الذي أظهر الحق وأناره، ومحق الباطل وأباده، أحمده على ظهور حجج التوحيد ووضوحها، وأشكره على تبديد شبه الشرك وفضوحها.\nوصلى الله على سيدنا محمد المحامي عن توحيد مولاه، القائل:\n\"إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله\" ١ الزاجر لمن إلى ذرائع\n_________\n١) أخرجه الطبراني – كما في مجمع الزوائد – ١٠/١٥٩ عن عبادة بن الصامت، ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث. اهـ. وابن لهيعة قد اختلف العلماء في الاحتجاج بحديثه فمنهم من صححه ومنهم من ضعفه، ولعل الراجح من أقوالهم الاحتجاج بحديثه في الشواهد والمتابعات.\nوقد اعترض البكري على شيخ الإسلام ابن تيمية إيراده هذا الحديث، زاعما عدمصحته. فأجابه شيخ الإسلام بما حاصله:\nهذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه، بل ذكر في ضمن غيره ليتبين أن معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب والسنة، كما أنه إذا ذكر حكم بدليل معلوم ذكر ما يوافقه من الآثار والمراسيل وأقوال العلماء وغير ذلك، لما في ذلك من الاعتضاد والمعاونة، لا أن الواحد من ذلك يعتمد عليه في حكم شرعي.\nولهذا كان العلماء متفقين على جواز الاعتضاد والترجيح بما لا يصلح أن يكون هو العمدة من الأخبار التي تكلم في بعض رواتها لسوء حفظ أو نحو ذلك. وبآثار الصحابة والتابعين، بل بأقوال المشايخ والإسرائيليات والمنامات مما يصلح للاعتضاد.=","vol":"1","page":17},{"text":"الشرك تعدى، القائل لمن قال له \"ما شاء الله وشئت\": أجعلتني لله ندا؟ ١ وعلى آله وصحبه المهتدين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.\nاللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وبك المستغاث، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.\n_________\n=فما يصلح للاعتضاد نوع، وما يصلح للاعتماد نوع.\nوهذا الخبر من النوع الأول. فإنه رواه الطبراني في معجمه من حديث ابن لهيعة. وقد قال أحمد: قد كتبت حديث الرجل لأعتبر وأستشهد به مثل حديث ابن لهيعة. فإن عبد الله بن لهيعة قاضي مصر كان من أهل العلم والدين باتفاق العلماء، ولم يكن ممن يكذب باتفاقهم، ولكن قيل إن كتبه احترقت فوقع في بعض حديثه غلط، ولهذا فرقوا بين من حدث عنه قديما ومن حدث عنه حديثا ... إلى أن قال ﵀: وقد روى الناس هذا الحديث من أكثر من خمسمائة سنة إن كان ضعيفا، وإلا فهو مروي من زمان النبي ﷺ، ومازال العلماء يقرؤون ذلك ويسمعونه في المجالس الكبار والصغار، ولم يقل أحد من المسلمين: إن إطلاق القول إنه لا يستغاث بالنبي ﷺ كفر ولا حرام ... إلخ اهـ من الرد على البكري ص ١٥٣-١٥٤.\n١ أخرجه الإمام أحمد ١/٢١٤-٢٢٤-٢٨٣-٣٤٧. وابن ماجه ١/٦٨٤ من طريق الأجلح الكندي عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس به.\nقال في الزوائد: وفي إسناده الأجلح بن عبد الله مختلف فيه، ضعفه الإمام أحمد، وأبو حاتم، والنسائي، وأبو داود، وابن سعد.\nووثقه ابن معين، ويعقوب بن سفيان، والعجلي. وباقي رجال الإسناد ثقات اهـ\nوقد لخص ابن حجر أقوال أهل الجرح والتعديل فيه، فقال: \"صدوق\" كما في التقريب.","vol":"1","page":18},{"text":"أما بعد:\nفقد وقفت على كراسة لبعض العصريين من أهل العراق سماها:\"أنموذج الحقائق\" وضمنها كثيرا من الهذيان والشقاشق، مضمونها الانتصار للشرك بالله المسمى \"بالتوسل\" وتجويز دعوة الأموات والغائبين من دون الله تعالى، واستحبابه، والتشنيع على من يمنع من ذلك وسبابه.\nفأحببت أن أبين بطلان ما تضمنته كراسته من الشبهات الواهية، والترهات المتناهية، وأن أزيح شبهاته ببراهين التوحيد الساطعة، وأوضح ضلالاته بحجج الكتاب والسنة القاطعة، وكلام علماء الإسلام، ومصابيح الاهتداء في الظلام، لقد خاب ظن المشركين إذ راموا نقض أدلة التوحيد التي هي أرسى من الجبال، وأظهر من الشمس في نحر الظهيرة والبدر في ظلم الليال.\nوالرسالة المذكورة شبه لا شيء، لكن ربما يخيل بها لبعض قاصري الأفهام، أو لعله يحصل عليهم بها إيهام، ونحن نكتب على بعضها ما تنتقض به شبهاته، وتبطل به خيالاته وترهاته، وبالله توفيقي، وعليه اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، عليه توكلت وإليه أنيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nواعلم أن هذا الرجل يكثر من نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية ويظهر تعظيمهما وبينه وبينهما بون كبير فهما رحمة الله عليهما قد شحنا تصانيفهما وملآ تآليفهما بذكر التوحيد وأدلته وإيضاح براهينه، والجواب عن شبه","vol":"1","page":19},{"text":"المشركين من أمثاله، وبيان ضلالهم، وتبديد شملهم، وقطع أوصالهم، وكم لهما في الرد على مثله كتاب وجواب.\nوهذا المخذول إن نقل من كلامهما شيئا حذف بعضه، أو أفسده بالتصرف واستكرهه بالتأويل الباطل١ والتعسف، ليوافق مذهبه وانتحاله وليطابق إفكه وضلاله، ويحسن أن ينشد فيه:\nأيها المدعي وصلا لليلى٢ ... لست منها ولا قلامة ظفر\nإنما أنت من ليلى٣ كواو ... أُلحقت في الهجاء ظلما بعَمر\nواعلم أنه قد تصدى للرد على رسائله، التي مضمونها الدعوة إلى الشرك بالله ووسائله، وانتصب لقمع أباطيله، وإيضاح تلبيسه وأضاليله جمع من العلماء، وجل من الأئمة الفهماء.\nمنهم شيخنا العلامة فقيه زمانه وقدوة عصره وأوانه: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين.\nوشيخنا العلامة الأوحد، واللوذعي الهمام المفرد، ناصرالموحدين، وقامع الملحدين: عبد الرحمن بن حسن.\nومنهم شيخنا العلامة، والأوحد الفهامة: عبد اللطيف بن عبد الرحمن.\nومنهم العلامة المحدث، فخر الديار اليمنية: الشريف محمد بن ناصر الحازمي.\n_________\n١ سقطت: \"بالباطل\" من طبعة نصيف.\n٢ في نسخة محمد نصيف: \"سليمى سفاها\".\n٣ في نسخة محمد نصيف: \"سليمى\".","vol":"1","page":20},{"text":"والشيخ العلامة المحقق: نعمان بن السيد محمود أفندي البغدادي.\nولنقدم بين يدي المقصود مقدمة نافعة، وقاعدة جامعة. فأقول وبالله التوفيق:\nاعلم أرشدك الله تعالى أنه قد قام البرهان والإجماع على أنه لا يجوز لأحد أن يعدل عما في الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها إلى ما أحدثه بعض الناس مما يتضمن خلاف ذلك، ويوقع الناس في تلك المهالك.\nوليس لأحد أن يضع للناس عقيدة أو عبادة من عنده، بل عليه أن يتبع ولا يبتدع، ويقتدي ولا يبتدي، فإن الله سبحانه بعث رسوله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وقال له: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف - ١٠٨] وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة - ٣]\nوالنبي ﷺ علم المسلمين جميع ما يحتاجون إليه في دينهم، فأخذ المسلمون جميع ما يحتاجون إليه في دينهم من العبادات والاعتقادات وغير ذلك من كتاب الله، ومن سنة رسوله، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.\nوليس في الكتاب والسنة والإجماع إلا الحق فإن الله تعالى قال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى","vol":"1","page":21},{"text":"لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل - ٨٩] وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام - ٣٨] .\nفالهدى والنجاة في رد ما اختلف فيه الناس في أبواب العلم إلى صريح الكتاب وصحيح السنة وحسنها، وسبيل سلف الأمة وأئمتها ومن اتبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم بالإسلام والإيمان، فمن اعتمد على هذا الأصل دفع به كل شبهة يوردها مبطل فيما يخالف أصل الدين – أي الإخلاص والمتابعة – فإن الأدلة المجمع عليها ثلاثة:\nالكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة، وفي القياس خلاف بين العلماء هل يكون صحيحه دليلا أم لا؟ وكل قياس يخالف كتابا أو سنة أو نصا أو ظاهرا أو إجماع سلف الأمة وأئمتها فهو فاسد الاعتبار، لا يعول عليه عند جميع العلماء من أهل السنة والجماعة.\nفإذا قال أحد قولا يخالف ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع رد قوله وبطل.\nأما إذا صح قياسه على مدلول كتاب أو سنة، ولم يكن هناك فارق، فأكثر العلماء يقول مثل١ هذا ويحتج به.\nواعلم أن التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، خلق الخلق لأجله ثلاثة أقسام:\n_________\n١في نسخة نصيف: \"بمثل\".","vol":"1","page":22},{"text":"القسم الأول:\nتوحيد الربوبية والملك وهو اعتقاد أن الله تعالى رب كل شيء ومليكه وخالق كل شيء ورازقه والمتصرف فيه وحده بمشيئته وعلمهوحكمته.\nوهذا القسم قد أقر به مشركو العرب كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس - ٣١] . وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون -٨٤] الآيات وما في معناها.\nوهذا التوحيد لا يكفي وحده، ولا يدخل في الإسلام وحده، بل لا بد أن يأتي العبد معه بلازمه وهو\nالقسم الثاني:\nتوحيد الطلب والقصد. وهو توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله لله تعالى، وإفراده بجميع العبادة.\nوهذا التوحيد هو الذي افتتح به الرسل دعوتهم، كما قال أول١ الرسل نوح ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف -٥٩] ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود -٢٦] .\n_________\n١سقطت: \"أول\" من نسخة نصيف.","vol":"1","page":23},{"text":"وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم.\nوقد أخبر الله تعالى أن المشركين يخلصون الدعاء لله في الشدائد كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ [الأنعام – ٦٣ - ٦٤]\nبين تعالى أنه لا ينفعهم إخلاصهم في حال دون حال، ولا ما أقروا به لله تعالى من القدرة على الاختراع كماتقدم في الآيتين، فوجب قتالهم لأنهم لم يخلصوا لله العبادة، ولم يكفروا بعبادة كل ما عبد من دونه. وهذا هو مدلول كلمة الإخلاص \"لا إله إلا الله\".\nومعناها: نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، وإفراده بالإلهية، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف - ١١٠] وقال عن خليله ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف - ٢٦] فتأمل كيف عبر عنها بمدلولها من النفي والإثبات.\nوأخبر الله تعالى عن المشركين أنهم أبوا أن يقروا بمعناها الذي دلت عليه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ. وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات - ٣٥] .","vol":"1","page":24},{"text":"فتبين أن المطلوب منهم بهذه الكلمة ترك عبادة الآلهة، وذلك الترك لا يدخل أحد في الإسلام إلا به، كما قال آزر لابنه إبراهيم ﵇: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ وهذا هو معنى الحنيف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل - ١٢٠] وفسر \"الحنيف\" بأنه المقبل على الله، المعرض عما سواه. قاله ابن القيم.\nوقال ابن كثير: الحنيف المنحرف عن الشرك قصدا إلى\nالتوحيد.\nوكل سورة من القرآن ففيها ما يدل على هذا التوحيد، فتارة يأمر الله به عباده، وتارة ينهاهم عن الشرك المنافي له، كما سنذكر بعض ذلك إن شاء الله في هذا الجواب، وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.\nالقسم١ الثالث:\nتوحيد الأسماء والصفات وهو العلم والاعتقاد بأن الله تعالى بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، حي قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، منزه عن كل عيب ونقص، له المشيئة النافذة، والحكمة البالغة، سميع، بصير، رؤوف، رحيم، على العرش استوى، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، سبحان الله عما يشركون، له الأسماء الحسنى والصفات العلى.\n_________\n١سقطت: \"القسم\" من ط الثانية.","vol":"1","page":25},{"text":"فما أثبت الله لنفسه، وأثبته له رسوله من صفات الكمال ونعوت الجلال وجب إثباته له على ما يليق بجلال الله تعالى وعظمته: إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل.\nوهذا هو الذي عليه الصحابة، والتابعون والأئمة الأربعة، ومن في طبقتهم، ومن بعدهم من أهل الحديث، وأتباع الأئمة الأربعة من أهل الحديث، والفقهاء من أهل السنة والجماعة.\nوأول ما حدث من الإلحاد في أسماء الله وصفاته بنفي ما دلت عليه الأسماء والصفات: مقالة الجعد بن درهم. فأنكر ذلك أهل العلم من التابعين، وضحى به الأمير خالد بن عبد الله القسري، وقصته مشهورة في التاريخ١. قال العلامة ابن القيم:\nولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ ... ـقسري يوم ذبائح القربان\nشكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان\n_________\n١ أخرج القصة البخاري في خلق أفعال العباد ص ٢٩، والدارمي في الرد على الجهمية - مجموع عقائد السلف – ص ٢٥٨، والآجري في الشريعة ص ٩٧ – ٣٢٨، والبيهقي في الأسماء والصفات ص، وفي سننه – كتاب الشهادات – باب ما ترد به شهادة أهل الأهواء ١٠/٢٠٥.\nجميعهم من طريق: عبد الرحمن بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب عن أبيه عن جده قال: شهدت خالد بن عبد الله القسري وهو يخطب، فلما فرغ من خطبته –وذلك يوم النحر – قال:\nارجعوا فضحوا، تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله ﷿ لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، تعالى الله عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرا، ثم نزل فذبحه. =","vol":"1","page":26},{"text":"...............................................................................................................................................\n_________\n= هذا لفظ الآجري.\nوإسناد القصة: ضعيف، علته: عبد الرحمن بن محمد بن حبيب، قال عنه الحافظ في التقريب: \"مقبول\" وقال الذهبي في الميزان: \"لا يعرف\".\nوأبوه محمد بن حبيب، قال فيه الحافظ ابن حجر: \"مجهول\" وكذا قال الذهبي في الميزان.\nوأبوه حبيب بن أبي حبيب قال عنه الدارقطني: \"شيخ بصري لا يعتبر به\" وقال ابن عدي: \"هو قليل الحديث أرجو أنه لا بأس به\" وقال ابن حجر: \"صدوق يخطئ\".\nوأما خالد بن عبد الله القسري فكان أميرا لمكة في ولاية الوليد بن عبد الملك، ثم عزله سليمان بن عبد الملك. وفي سنة (١٠٦) ولاه هشام على العراق، ثم عزله سنة (١٢٥)\nوقتل سنة (١٢٦) قاله خليفة بن خياط.\nقال الذهبي في الميزان في ترجمة \"خالد بن عبد الله\": صدوق لكنه ناصبي بغيض، ظلوم، قال ابن معين: رجل سوء يقع في علي. اهـ ونقل ابن حجر - ﵀ – عن العقيلي أنه قال: لا يتابع على حديثه، وله أخبار شهيرة، وأقوال فظيعة، ذكرها ابن جرير وأبو الفرج الأصبهاني والمبرد وغيرهم اهـ.\nوقد انتصر له ابن كثير في البداية والنهاية ١٠/٢٤. وقال بعد أن نقل عن الأصمعي أنه قال عن أبيه: إن خالدا حفر بئرا بمكة ادعى فضلها على زمزم، وأنه فضل الخليفة على الرسول:\nوالذي يظهر أن هذا لا يصح عنه، فإنه كان قائما في إطفاء الضلال والبدع، كما قدمنا من قتله للجعد بن درهم وغيره من أهل الإلحاد، وقد نسب إليه صاحب (العقد) أشياء لا تصح، لأن صاحب العقد – الأصبهاني – كان فيه تشيع شنيع، ومغالات في أهل البيت، وربما لا يفهم أحد من كلامه ما فيه من التشيع، وقد اغتر به شيخنا الذهبي فمدحه بالحفظ وغيره اهـ\nقال الذهبي في السير٥/٤٢٣ بعد أن ساق قصة قتله للجعد:\nهذه من حسناته، هي وقتله: مغيرة الكذاب اهـ\nقلت: اشتهار القصة، وجزم الحافظين الذهبي وابن كثير وغيرهما من الحفاظ بها يغني\nعن إسنادها والعلم عند الله تعالى.","vol":"1","page":27},{"text":"ثم جاء بعده \"جهم بن صفوان\" فجحد صفات الرب وحكمته، وأنكر ذلك عليه الأئمة ممن الفقهاء وأهل الحديث، وصنفوا المصنفات في رد قوله وإثبات صفات الرب تعالى، واستدلوا بأدلة الكتاب والسنة وآثار السلف على إثبات ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله، لا يتجاوزون القرآن والحديث، وهم العدد الكثير، والجم الغفير.\nوالأمر كما قال نعيم بن حماد الخزاعي، شيخ البخاري، قال: \"من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله تشبيها\".\nوكتبهم مشهورة يتداولها المسلمون. وعدها يخرج بنا عما قصدناه من الاختصار.\nومن أراد الاطلاع على معتقد أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا فليطالع تفسير الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وتفسير الحسين بن مسعود البغوي، وتفسير العماد بن كثير الشافعي، ونحوها من تفاسير أهل السنة.\nوكذلك كتب الحديث: كالصحيحين والسنن والمسانيد، فإن الحق عليه نور. والحمد لله على اتباع الحق، ومعرفة سبيل أهل الإيمان والصدق، حمدا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>بداية الرد على شبه العراقي</span>\n...\nوهذا حين الشروع في رد شبه هذا العراقي.\nقال في كراسته: \"واليمين بالنبي ﷺ منعقد وبسائر","vol":"1","page":28},{"text":"الأنبياء، كما أطبق عليه علماء المذهب سوى الشيخ فإنه خالف أهل المذهب ولم يصرح بمراده، والظاهر أنه لا يستحب عنده بل يكره كراهة تنزيه\" انتهى.\nقوله: سوى الشيخ، يعني به شيخ الإسلام ابن تيمية.\nأقول: انظر إلى هذه الجرأة والكذب على العلماء، ولنذكر كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، قال في \"كتاب الاستغاثة\": وقد اتفق العلماء على أنه لا تنعقد اليمين بغير الله، وهو الحلف بالمخلوقات كالملائكة والكعبة أو أحد من الشيوخ بل ينهى عنه: إما نهي تحريم أو تنزيه، فالصحيح أنه نهي تحريم وهو قول أكثر العلماء، ففي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: \"من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت\" ١ وفي الترمذي عنه أنه قال: \"من حلف بغير اله فقد أشرك\" ٢.\n_________\n١أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الأيمان والنذور – باب لا تحلفوا بآبائكم- ١١/٥٣٠، ومسلم في صحيحه – كتاب الإيمان – ٣/١٢٦٧ كلاهما عن ابن عمر.. به. ورواه أبو داود (٣/٥٦٩) والترمذي (٤/١١٠) .\n٢ أخرجه أبو داود – كتاب الأيمان والنذور – من سننه ٣/٥٧٠، والترمذي –\nكتاب الأيمان والنذور – من سننه٤/١١٠، والإمام أحمد في مسنده، وابن حبان\nفي صحيحه – كما في الموارد ص ٢٨٦، والحاكم في مستدركه ٤/٢٩٧، والبيهقي في سننه ١٠/٢٩ كلهم عن سعد بن عبيدة قال: سمع ابن عمر رجلا يحلف: لا\nوالكعبة، فقال له ابن عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\". =","vol":"1","page":29},{"text":"ولم يقل أحد من العلماء المتقدمين: إنه تنعقد اليمين بأحد من الخلق، إلا في نبينا ﷺ، فإن عن أحمد في ذلك روايتين في انعفاد اليمين به، وقد طرد بعض أصحابه كابن عقيل الخلاف في سائر الأنبياء، وهذا ضعيف، والقول بانعقاد اليمين بالنبي ﷺ ضعيف\n_________\n=ولفظ ابن حبان: \"قال: كنت عند ابن عمر، فحلف رجل بالكعبة، فقال ابن عمر: ويحك لا تفعل.. إلخ\".\nوفي لفظ لأحمد٢/٥٨ – ٦٠: \" قال: كنت مع ابن عمر في حلقة. قال: فسمع رجلا في حلقة أخرى وهو يقول: لا وأبي فرماه ابن عمر بالحصى. فقال: إنها كانت يمين عمر، فنهاه النبي ﷺ وقال: إنها شرك\".\nوقد أعل البيهقي هذا الحديث بقوله بعد إخراجه: \"وهذا مما لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر\".\nثم احتج البيهقي على هذه الدعوى بما أخرجه من طريق الإمام أحمد – وهو في المسند ٢/١٢٥ – ٨٦ – ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن منصور عن سعد بن عبيدة قال: كنت عند عبد الله بن عمر فقمت وتركت رجلا عنده من كندة، فأتيت سعيد بن المسيب. قال فجاء الكندي فزعا. فقال: جاء ابن عمر رجل فقال: أحلف بالكعبة. قال: لا ولكن احلف برب الكعبة. فإن عمر كان يحلف بأبيه. فقال رسول الله ﷺ: \" لا تحلف بأبيك فإنه من حلف بغير الله فقد أشرك\". اهـ. والكندي المذكور اسمه محمد كما جاء في بعض أسانيد أحمد ٢/٦٩. وهو مجهول كما نص عليه أبو حاتم انظر الجرح والتعديل ٨/١٣٢.\nقلت: وهذا الإعلال ليس بجيد، فإن الألفاظ التي تقدم ذكرها ترده. وتصرح بحضور سعد بن عبيدة هذه الحادثة، وقد اجتمع على لفظها ثقتان إمامان: الأعمش عند أحمد والحسن بن عبيد الله النخعي عند ابن حبان.\nويجمع بين الروايتين: بتكرر الحادثة، فمرة سمعها سعد من ابن عمر، ومرة سمعها من الكندي. ومن تأمل اللفظين ظهر له ذلك. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":30},{"text":"شاذ، لم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم، والذي عليه الجمهور: مالك والشافعي وأبو حنيفة أنه لا تنعقد اليمين به، كإحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصحيح. انتهى كلامه.\nفانظر حكاية هذا الضال عن علماء المذهب انعقاد اليمين بالنبي ﷺ وبسائر الأنبياء وانظر حكاية الشيخ الإتفاق على أنه لا بيعقد اليمين بالمخلوقات، إلا بالنبي ﷺ فإن عن أحمد رواية في انعقاد اليمين به، وأن الذي عليه الجمهور عدم انعقاد اليمين به، وانر لى تصحيحه أن النهي عن الحلف بالمخلوقات نهي تحريم، وهذا الملبس يقول: \" ولم يصرح بمرادة \" وأي تصريح أبلغ من هذا، نعوذ بالله من الهوى.\n١ وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في موضع آخر: وأما ما نذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، والخالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات، فإن كلاهما شرك والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من هذا، ويقول ما قال النبي ﷺ:\" من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله \".\n_________\n١ من هنا إلى آخر الفصل سقط من نسخة نصيف.\n٢ أخرجه البخاري في سحيحه - كتاب الأيمان والنذور ١١/٥٣٦ باب لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت.\nومسلمفي صحيحه كتاب الأيمان ٣/١٢٦٧ كلاهما عن أبي هريرة قال: =","vol":"1","page":31},{"text":"فانظر هل صرح بأن الحلق بغير الله شرك أم لا.. يتبين لك كذب هذا العراقي.\n_________\n= قال رسول الله ﷺ: \" من حلف منكم، فقال في حلفن: باللات. فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق \" هذا لفظ لمسلم.\nوفي لفظ لهما: باللات والعزى.\nوالحديث أخرجه أصحاب السنن.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>فصل: في رد قول العراقي الذي مضمونه: \"أن نداء الصالحين والأنبياء وسؤالهم ليس بعبادة</span>\"\n...\nفصل:\nقال العراقي: (إن المانع من نداء الأنبياء والصالحين، وسؤالهم بعد موتهم وفي غيبتهم يستدل على المنع: بأن النداء والطلب عبادة، والعبادة لغير الله شرك، قال: فإذا جاز هذا في حقه ﷺ دل على أنه ليس كما يزعمه الخوارج من أن ذلك عبادة، ودل على أنه إذا جاز في حقه ﷺ جاز في غيره) .\nوالجواب أن يقال: هذا الضال لا يعرف العبادة، ولا ما ذكره العلماء في تعريف العبادة، بل هو لا يعرف ما أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه من توحيد الإلهية، ووجوب إفراده تعالى بالعبادة، بل نشأ على الشرك، وسيط بلحمه ودمه، فلا يعرف غيره، ولا يفهم سواه.\nقوله: (إن المانع من نداء الأنبياء والصالحين وسؤالهم بعد موتهم إلخ..) .\nأقول: انظر إلى شدة جهالته، وعظمة ضلالته، لما رأى شناعة إطلاق القول بجواز دعاء غير الله تعالى عدل إلى لفظ النداء تلبيسا وتمويها على الجهال والطغام، فكأنه لم يسمع ما ذكره الله تعالى في كتابه من أن مدلول النداء والدعاء واحد.","vol":"1","page":33},{"text":"قال الله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا، قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم - ٣] فقوله: ﴿رَبِّ﴾ هذا هو الدعاء، سماه نداء ثم قال: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ فتبين أن النداء في هذه الآية هو الدعاء لا غير.\nوقال في سورة آل عمران: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ﴾ [آل عمران - ٤٨] فقوله: ﴿رَبِّ﴾ هو الدعاء في قوله: ﴿هُنَالِكَ دَعَا﴾ .\nففي سورة مريم قال: ﴿إِذْ نَادَى﴾ وفي سورة آل عمران قال: ﴿دَعَا﴾ والصيغة واحدة، ثم قال: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ .\nوقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء - ٨٧] وفي الحديث مرفوعا: \"دعوة أخي ذي النون، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ما دعا بها مكروب إلا فرج الله\" ١\nوقال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ . [الأنبياء - ٧٦] .\nوقال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر - ١٠] . فمدلول الدعاء والنداء واحد.\n_________\n١ أخرج الترمذي ٥/٥٢٩ نحوه وصححه والحاكم في مستدركه ١/٥٠٥ وهو من\nحديث سعد بن أبي وقاص.\nوأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة ص ١٣٤ ولفظه: \"إني لأعلم كلمة لا\nيقولها مكروب إلا فرج الله عنه\".","vol":"1","page":34},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء - ٨٣] وقوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء - ٨٩] الآية.\nوفي الحديث عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده: \"أن أعرابيا قال يا رسول الله: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا﴾ [البقرة - ١٨٦] إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني أستجيب لهم\". رواه ابن جرير وابن مردويه وأبو الشيخ الأصبهاني من حديث محمد بن حميد عن جرير١ به٢.\n_________\n١في طبعة نصيف: كذا به.\n٢ أخرجه – أيضا – ابن أبي حاتم – كما في تفسير ابنكثير (١/٤١٤ – ط المنار) حدثنا أبي حدثنا يحيى بن المغيرة أخبرنا جرير عن عبدة بن أبي برزة السختياني عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده أن أعرابيا قال يا رسول الله: أقريب ربنا فنناديه أو بعيد فنناجيه؟ فسكت النبي ﷺ فأنزل الله ... إلخ. قال ابن كثير عقبه: رواه ابن جرير (٢/١٥٨ ط الحلبي) عن محمد بن حميد الرازي عن جرير.. به.\nورواه ابن مردويه، وأبو الشيخ الأصبهاني من حديث محمد بن أبي حميد عن جرير.. به. اهـ وأخرجه البغوي في معجمه كما في الدر المنثور للسيوطي.\nوابن أبي خيثمة في جزء جمعه في من روى عن أبيه عن جده، عن محمد بن حميد، والعلائي في كتاب الوشي. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في اللسان.\nوأخرجه الدارقطني في المؤتلف والمختلف ٣/١٤٣٥ – ١٤٣٦، والخطيب البغدادي في \"تلخيص المتشابه\" ١/٤٦٢ جميعهم من حديث الصلب بن حكيم.. به.=","vol":"1","page":35},{"text":"والأدلة على هذا من الكتاب والسنة كثيرة، وكذا كلام العرب، قال كعب بن أسد الغنوي:\nوداع دعا يا من يجيب إلى النداء ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب\nفقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبا١ المغوار منك قريب\nوقال آخر:\nفخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يالا\nوقال آخر:\nفقلت ادعي وأدعو فإن انـ ... ـدى لصوت أن ينادي داعيان\nوفسر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت - ٣٣] بالمؤذن، وهو الذي ينادي بالصلاة.\n_________\n= وإسناده ضعيف، علته: الصلب – بالباء \"الموحدة\" هذا هو الصحيح في اسمه، كمارجحه الخطيب واعتمده الدارقطني وحققه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على تفسيرابن جرير ٣/٤٨٠، ٤٨١ – بن حكيم وهو مجهول قاله ابن حجر في اللسان٣/١٩٥. ونقل عن العلائي قوله: لم أر للصلت ذكرا في كتب الرجال اهـ وتعقبه بأن الدارقطني قد ذكره في المؤتلف والمختلف.\nوللحديث علة ثانية وهي الاضطراب، فتارة يرويه الصلب عن أبيه عن جده. وتارة يرويه عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جده.. كم عند الدارقطني والخطيب وغيرهما. تنبيه: ذكر الشيخ الفاضل محمد رشيد رضا في تعليقه على تفسير ابن كثير أن الذهبي قال في الميزان عن الصلت: مجهول.. اهـ قلت: هذا من كلام الحافظ في اللسان. ولم أر الذهبي ترجم للصلت في الميزان. لذا تعقبه ابن حجر فأورده في اللسان.\nوقال ﵀ أيضا: \".. وزاد الحافظ في لسان الميزان: إنه ليس للصلت ولا لأبيه ولا لجده ذكر في كتب الرجال..\" قلت: صواب عبارة ابن حجر: \"في كتب الرواة\".\n١ في الطبعتين: \"أبي\".","vol":"1","page":36},{"text":"والمقصود أن الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وكلام العرب دل١ على أن النداء الذي هو السؤال والطلب هو مسمى الدعاء، ومعناهما واحد، ويأتي في هذا ما يكفي ويشفي إن شاء الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف - ٥] الآيات.\nوهذا صريح في أن المراد بهذا الدعاء السؤال والطلب من غير الله، وهذه حال الميت والغائب لا يستجيب للداعي، وهو أيضا غافل عنه.\nوهذا الدعاء الذي نهى الله عنه أن يقصد به غيره يجمع من أنواع العبادة كثيرا: منها أن الداعي يتوجه بوجهه وقلبه ولسانه إلى غير الله ويتضمن رجاءه والرغبة إليه والاعتماد عليه، ولذلك وصفه الله تعالى بغاية الضلال، وأخبر ان ذلك يعود عليه بالخيبة والوبال في مقام الحشر، فيخونه ذلك الدعاء أحوج ما يكون إليه.\nإذا تبين هذا فالتحقيق أن بين الدعاء والنداء عموما وخصوصا مطلقا٢، فيجتمعان في السؤال والطلب إذا كان عن رغبة أو رهبة، وينفرد الدعاء إذا كان عبادة كالتسبيح والتحميد والتكبير وغير ذلك.\n_________\n١ في الطبعة الثانية: \"دل\".\n٢ في الطبعة الثانية: \"عموم وخصوص مطلق\".","vol":"1","page":37},{"text":"إذا عرفت هذا فإن أشكل عليك كون الدعاء عبادة فاطلب الأدلة على ذلك من القرآن الكريم١، فإن لم يكفك – لا كفاك الله – فاطلبها من السنة، فإن لم تكفك فقد تم خسرانك.\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام - ٥٦] في سورة الأنعام والمؤمن، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد - ١٤] الآية. وهذه الآية في دعاء المسألة دلت على أنه مختص بالله دون من سواه، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد - ١٤] بين أن دعاء غيره لا يحصل لداعيه غرضه، وهذا جنس الشرك في الإلهية.\nوفي حديث أنس الذي في السنن والمسانيد مرفوعا: \"الدعاء مخ العبادة \"٢ وفي السنن مرفوعا في حديث النعمان بن بشير: \"الدعاء هو العبادة\" ثم تلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ .\nوتقرير هذا في كتاب الله تعالى: فإن الله ﷾ أمر عباده بدعائه ورغبهم فيه، ووعدهم الإجابة فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ\n_________\n١ سقطت: \"الكريم\" من الطبعة الثانية.\n٢ حديث أنس رواه الترمذي في سننه، وسنده ضعيف، ويغني عنه حديث النعمان بن بشير بعده، وهو حديث صحيح الإسناد، وقد تقدم الكلام عليهما.","vol":"1","page":38},{"text":"فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة - ١٨٦] . وأمرهم بدعائه في مواضع كثيرة من كتابه كقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف - ٥٥] إلى قوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف - ٥٦] وقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر - ١٤] وقال: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر - ٦٥] فأوجب على عباده أن يخلصوا له الدعاء بنوعيه: دعاء المسألة، ودعاء العبادة، وكل منهما يتضمن الآخر.\nوقد تقدم أن الله تعالى قد اختص به في قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد - ١٤] وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن - ١٨] . وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن – ٢٠] .\nوهذه الآيات مع ما تقدم فيها الدلالة على أن دعوة غير الله شرك وضلال، كما قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف - ٥] .\nوفي الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه وسلم: \"يخرج عنق من النار له عينان يبصران، وأذنا يسمعان، ولسان ينطق، يقول إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين\" حديث حسن صحيح غريب١.\n_________\n١ أخرجه الترمذي في كتاب صفة جهنم من سننه ٤/٧٠١ حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \" يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان\".. إلخ.\nقال الترمذي: وفي الباب عن أبي سعيد. هذا حديث حسن غريب صحيح، وقد=","vol":"1","page":39},{"text":"أما علمت أن الله تعالى أمر نبيه بإخلاص العبادة له، كما نهاه أن يدعو غيره فقال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر - ٣] وقال في آخر السورة: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر - ٦٤] .\nوقد دعا ﷺ إلى إخلاص جميع أنواع العبادة لله، وخلع الأنداد التي كانت تعبدها أهل الجاهلية من صنم وغيره، وجاهدهم على ذلك حق الجهاد، وناظر النصارى في عبادتهم المسيح بن مريم ﵉، وأنزل الله تعالى النهي عن دعوة الأنبياء والصالحين والملائكة فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء - ٥٦] والآيات بعدها نزلت فيمن يدعو المسيح وأمه والعزير والملائكة في قول أكثر المفسرين من السلف.\nفمن بلغته هذه الأدلة وظن أن رسول الله ﷺ يرضيه الإعراض عن سؤال ربه والرغبة إليه ورجائه١ والاعتماد عليه: فقد ظن برسول الله ﷺ ما هو بريء منه، كما برأه الله تعالى بقوله:\n_________\n=رواه بعضهم عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ نحو هذا. وروى أشعث بن سوار عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ نحوه. اهـ. وقد روى الإمام أحمد ٢/٣٣٦ حديث أبي هريرة باللفظ الذي ذكره المصنف \"يخرج عنق من النار يوم القيامة له..إلخ\" من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ... به وسنده جيد، والأعمش إذا عنعن عن مثل أبي صالح قبل حديثه.\n١ في طبعة نصيف: \"رجاؤه\".","vol":"1","page":40},{"text":"﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن - ٢٠] وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف - ٥] .\nففي هذه الآية من الأدلة على بطلان دعوة غير الله فوائد:\nمنها أن الله حكم على من دعا غيره بغاية الضلال، وبين أن المدعو لا يستجيب له، وأنه غافل عن دعائه، تكذيبا لمن ادعى غير ذلك من المشركين، وأنه يوم القيامة يكون عدوا لمن دعاه في دار الدنيا، وأنه ينكر عبادته له ويبرأ إلى الله منها، كما أخبر عن المسيح ﵇ أنه قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة - ١١٧] فخان المشرك دعاؤه لغير الله أحوج ما يكون إليه، وعامله الله بنقيض قصده.\nويشبه هذه الآية قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ، وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر - ١٣] ففي هذه الآية ست جمل تقطع عرق الشرك، وتبطل دعوة غير الله كائنا من كان:\nالجملة الأولى قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ فهو المختص بالملك، كما هو المختص بالعبادة.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ دليل على أن غيره لا يملك شيئا، فإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يدعى غيره.","vol":"1","page":41},{"text":"وقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ وهذا نقيض ما عند المشركين أن المدعو الميت يسمع ممن دعاه، والله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ آمنا بالله، وكذبنا من أشرك بالله.\nوقوله: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ يدل على أن الاستجابة ممتنعة في حق من دعا غير الله، فخاب أمله، وضل سعيه.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ فيه أن دعوة غير الله شرك بالنص، وأن المدعو يكفر بها يوم القيامة، أي ينكرها ويبرأ إلى الله من ذلك الشرك.\n﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ففيه وجوب الإيمان بما دلت عليه هذه الآية، وتصديقه فيما أخبر.\nوتضمنت هذه الآية أن الدعاء الذي نهى الله عنه في هذه الآية١ أنه دعاء المسألة بدليل قوله: ﴿لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ .\nوالأدوات التي تستعمل في الدعاء كثيرة معروفة، وأكثر ما يستعمل منها في الكتاب والسنة وغيرها \"يا\" الممدودة، كقوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة - ٢٠١] وقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران - ١٤٧] ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة - ٢٨٦] التقدير: يا ربنا.\n_________\n١ سقطت \"الآية\" من الطبعة الثانية.","vol":"1","page":42},{"text":"وتستعمل في الدعاء مذكورة كما جاء في كثير من الأحاديث كقوله: \"يا حي يا قيوم\" ١.\n_________\n١ قال الترمذي في سننه ٥/٥٣٩ – كتاب الدعوات – حدثنا محمد بن حاتم المكتب، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد عن الرحيل بن معاوية أخي زهير بن معاوية عن الرقاشي عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ إذا كربه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب.\nوهو كما قال، فإن الرقاشي ضعيف عندهم. وهو يزيد بن أبان، كما صرح بذلك ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ٩٠ ط الهند) .\nقال النسائي: متروك، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال أحمد: كان يزيد منكر الحديث. وقال ابن معين: في حديثه ضعف ليس بالقوي. وأفحش فيه القول شعبة فقال: لأن أزني أحب إلي من أحدث عن يزيد الرقاشي. لكن قال أحمد بن حنبل: إنما بلغنا هذا في أبان. انظر هذه الأقوال في الميزان والتهذيب. وللحديث شواهد كثيرة منها ما أخرجه الترمذي أيضا في سننه ٥/٤٩٥ حدثنا أبو سلمة يحيى بن المغيرة المخزومي وغير واحد قالوا: حدثنا ابن أبي فديك عن إبراهيم بن الفضل عن المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم، وإذا اجتهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. اهـ قال الحافظ – كما في شرح الأذكار لابن علان ٤/٦ – ورجاله ثقات إلا إبراهيم بن الفضل مولى بني مخزوم فإنهم اتفقوا على ضعفه، وقال البخاري: منكر الحديث، وقد قال: من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه اهـ ورمز السيوطي لضعفه في الجامع الصغير (٥/١١١ من نسخة الشرح) .\nوأخرج الحاكم في مستدركه ١/٥٠٩ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق ثنا القاسم بن عبد الرحمن عن أبسه عن ابن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل به هم أو غم قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه اهـ.","vol":"1","page":43},{"text":"_________\n=قلت: عبد الرحمن بن إسحاق هو: ابن سعد بن الحارث أبو شيبة الواسطي ضعيفعندهم، قال أحمد: ليس بشيء منكر الحديث، وقال ابن معين: ضعيف ليس بشيء. وقال ابن سعد ويعقوب بن سفيان وأبو داود والنسائي وابن حبان: ضعيف. وقال النسائي: ليس بذاك، وقال البخاري: فيه نظر. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي.\nوقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه. (انظر هذه الأقوال في التهذيب) .\nوأخرج النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٣٩٧ أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن إسماعيل بن عون بن عبيد الله بن أبي رافع عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه محمد بن عمر بن علي عن علي قال: \"لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال ثم جئت إلى رسول الله ﷺ أنظر ما صنع، فجئت فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم.. إلخ.\nوسنده ضعيف علته: الانقطاع: فإن محمد بن عمر لم يدرك جده عليا قال الحافظ ابن حجر في التقريب: روايته عن جده مرسلة. ومحمد هذا قال عنه ابن القطان – كما في التقريب – حاله مجهول. وزعم أنه محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن أبي طالب اهـ وقد وهمه الحافظ في هذا الزعم. وقال في التقريب: صدوق من السادسة اهـ وقد وثقه ابن حبان. وقال الذهبي في الميزان: ما علمت به بأسا، ولا رأيت لهم فيه كلاما، وقد روى له أصحاب السنن الأربعة فما استنكر له حديث اهـ.\nوفي السند: عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، قال الحافظ ابن حجر: ليس بالقوي اهـ. وإسماعيل بن عون بن عبيد الله بن أبي رافع، ويقال: إسماعيل بن عون بن علي بن عبد الله..\nقال فيه الحافظ: مقبول اهـ من التقريب.\nتنبيه: وقع في \"عمل اليوم والليلة\" للنسائي: \".. عن إسماعيل بن عون عن عبيد الله بن أبي رافع..\" وهو خطأ، صوابه: \"ابن عبيد الله\" بدل \"عن عبيد الله\".","vol":"1","page":44},{"text":"\"يا ذا الجلال والإكرام\" ١ \" يا بديع السموات والأرض\" ٢، يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما يريد، ونحو ذلك. وهذا كثير مطرد لا يقدر أحد على دفعه.\nويأتي الدعاء أيضا بصيغة الخبر ومعناه الدعاء كقولنا: صلى الله على النبي محمد، وقولهم: بارك الله فيك ونحو ذلك.\nوالعجب أن هذا خفي على من يدعي المعرفة، وسببه نسيان العلم، كما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ\n_________\n= وأخرج النسائي في عمل اليوم والليلة أيضا ص ٣٩٧: أخبرنا محمد بن عبد الأعلىقال: حدثنا المعتمر عن أبيه عن أنس قال: كان من دعاء النبي ﷺ: أي حي أي قيوم.\nوهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقد أخرجه ابن حجر في النتائج من طريقين عن مهتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس \"كان من دعاء النبي ﷺ: يا حي يا قيوم \". قال: وهذا حديث صحيح أخرجه ابن خزيمة. اهـ من شرح الأذكار لابن علان٤/٥.\nوفي الباب أحاديث أخرى ليس هذا موضع بسطها. والله تعالى أعلم.\n١وردت أحاديث في قول النبي ﷺ: \"يا ذا الجلال والإكرام\" منها ما رواه مسلم في صحيحه – كتاب المساجد – ١/٤١٤ عن ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته، استغفر ثلاثا، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام.\nوفي صحيح مسلم أيضا عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ ﷺ إذا سلم، لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام، وفيرواية له: \"يا ذا الجلال والإكرام\".\n٢ تقدم الكلام عليه في \"الرد على القبوريين\" لابن معمر.","vol":"1","page":45},{"text":"مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَقَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان - ١٨] .\nفنسيان الذكر من أعظم أسباب ضلال من ضل عن الهدى، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون - ١١٧] فدلت هذه الآية الكريمة على أن من دعا مع الله إلها آخر أنه كافر بالله لأنه صرف هذا النوع الذي هو من خصائص الإلهية لمن لا ١يستحقه ووضع العبادة في غير موضعها.\nونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام - ١٣٠] فلم ينفعهم ذلك الدعاء في الوقت الذي أملوا فيه نفعه، فوقعوا في نقيض قصدهم، وخاب أملهم وسعيهم، وشهدوا على أنفسهم بالكفر.\n_________\nفي طبعة نصيف:\" إلى من لا \".","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>فصل: وقد أمر الله بدعائه، وشرعه لعباده، وأحبه منهم</span>\n...\nفصل:\nوقد أمر الله سبحانه بدعائه، وشرعه لعباده، وأحبه منهم، وسماه دينا، وأتى فيه بأل المعرفة المؤكدة فقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وهذا شأن العبادات، فما١ أمر به سبحانه عباده، ففعله عبادة، وفي الحديث: \"من لم يسأل الله يغضب عليه\" ٢ وفي حديث آخر: \"الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض\" ٣ فكيف والحالة هذه أن يجعل لله شريكا فيما شرعه لعباده، وأمرهم أن يخلصوه له، ونهاهم أن يجعلوا له شريكا فيه، كما قال: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأنعام - ٧١] . إلى قوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام - ٧١] .\nوقد تقرر أن الدعاء يجمع من أنواع العبادة كثيرا: كإسلام الوجه لمن يدعوه، والرغبة إليه، والاعتماد عليه، والخضوع له، والاطراح والتذلل، فمن أسلم وجهه لغير الله فهو مشرك شاء أم أبى،\n_________\n١ في الطبعة الثانية: مما.\n٢ تقدم في الرد على القبوريين.\n٣ تقدم في الرد على القبوريين.","vol":"1","page":47},{"text":"ومن رغب عن الله إلى غيره فكذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء - ١٢٥] .\nقال ابن كثير في الآية: أي أخلص العمل لربه ﷿، فعمل إيمانا واحتسابا ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي متبع١ في عمله ما شرع الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق..،٢ فمن فقد الإخلاص كان منافقا.. ومن فقد المتابعة كان ضالا جاهلا، ومتى جمعهما فهو عمل المؤمنين، الذين يتقبل منهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون٣.\nو\"الحنيف\" هو المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه، كما تقدم، وهذا هو حقيقة دين الإسلام.\nوقد اشتدت غربته في هذا الزمان وقبله، حتى عاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير، وعظمت الفتنة بأرباب القبور، ورغب كثير عن إخلاص العبادة للذي له الملك كله، والقدرة التامة، والمشيئة النافذة، فجعلوا له شركاء في عبادته.\nوالحاذق منهم يتعلق بأمر الشفاعة، وقد أخبر تعالى أن\n_________\n١ في ابن كثير: أي اتبع.\n٢ حذف الشيخ سطرين من كلام ابن كثير طلبا للاختصار والاقتصار.\n٣ اهـ كلام ابن كثير باختصار.","vol":"1","page":48},{"text":"الشفاعة جميعها له: فمن طلبها من غير الله فقد طلبها ممن لا يملكها، ولا يسمع ولا يستجيب، وفي غير الوقت الذي تقع فيه، ولا قدرة له عليها إلا برضا من هي له، وإذنه فيها، وقبوله، فطلبها ممن هي له في دار العمل عبادة من جملة العبادات، وصرف ذلك الطلب لغيره شرك عظيم.\nومن تدبر آيات الشفاعة حق التدبر علم علما يقينا أنها لا تقع إلا لمن أخلص أعماله كلها لله، واتبع ما جاء به رسوله ﷺ من توحيده وشرائع دينه، فليس لله من عمل عبده إلا الإخلاص، كما قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر - ٣] وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج - ٣٧] وهو لا يقبل الشركة في الأعمال ولا يرضاها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء - ٤٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة - ٧٢]\nوكما صح من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: \"يقول الله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه\" ١.\n_________\n١ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه – كتاب الزهد والرقائق – ٤/٢٢٨٩ عن أبي هريرة.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>فصل: والدعاء صلاة وهو اسمه لغة</span>\n...\nفصل:\nوالدعاء صلاة، وهوة اسمه لغة، وجاء في القرآن كذلك، قالتعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة - ١٠٣] أي اُدع لهم.\nوفي الحديث من هذا كثير: فمن ذلك قوله ﷺ: \"الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث، اللهم اغفر له اللهم ارحمه\" ١.\nقال الحافظ العراقي: المراد بصلاة الملائكة عليه ما فسره به في بقية الحديث من قوله٢: \"اللهم اغفر له اللهم ارحمه\" وهذا دعاء، وشواهده في اللغة كذلك.\nومنه قول الأعشى:\nتقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا\nعليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا\nفإذا كان الدعاء صلاة لغة، وجاء كذلك في الكتاب والسنة\n_________\n١ رواه البخاري في مواضع من صحيحه ٢/١٤٢ \"فتح\"، ومسلم ١/٤٥٩.\n٢ في نسخة نصيف: \"من قولهم\" أي الملائكة.","vol":"1","page":50},{"text":"علم بذلك أن قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام - ١٦٢] يتناول الدعاء، ولا ريب أن الصلاة الشرعية تتضمن الدعوات الواجبة، والتحقيق أنها سميت صلاة لاشتمالها على نوعي الدعاء: دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فلا تخرج عنهما، كما سيأتي تقريره أن شاء الله تعالى.\nوقد أمر النبي ﷺ أصحابه بالإكثار من الدعاء في السجود، فقال: \"فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم\" ١.\nقال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في أصل الصلاة فقيل: هي الدعاء لاشتمالها عليه، وهذا قول جماهير أهل العربية والفقهاء وغيرهم. انتهى.\nوهذا هو الذي قرره العلامة ابن القيم ﵀ كما سيأتي.\nفإذا كانت الصلاة قد اشتملت على الدعاء فلا ريب أنه عبادة، وقد اشتملت على التكبير والتسبيح وهو عبادة أيضا.\nولا يرتاب مسلم أن التكبير والتسبيح لا يجوز أن يستعمل في حق غير الله، لكونه من خصائص الربوبية، فكذلك الدعاء ولا فرق،\n_________\n١ أخرجه مسلم في صحيحه ٤/١٩٦ \"نووي\" عن ابن عباس قال: كشف رسولالله ﷺ الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿ وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم.","vol":"1","page":51},{"text":"فتدبر هذا وما قبله من الأدلة على ذلك. ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر - ٢] .\nقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في معنى قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف - ٥٥] .\nيتضمن نوعي الدعاء، لكنه ظاهر في دعاء المسألة، متضمن لدعاء العبادة، ولهذا أمر بإخفائه وإسراره.\nوقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة - ١٨٦] يتناول نوعي الدعاء، وبكل منهما فسرت الآية: قيل أعطيه إذا سألني، وقيل أثيبه إذا عبدني، والقولان متلازمان.\nوليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه، أو حقيقته ومجازه، بل هذا استعماله في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعا. فتأمله فإنه عظيم النفع.\nوهذا التقرير يأتي في مسألة الصلاة، وأنها نقلت عن مسماها في اللغة وصارت حقيقة شرعية منقولة، أو استعملت في هذه العبادة مجازا بالعلاقة بينها وبين المسمى اللغوي فضم إليهما أركان وشرائط، وعلى ما قررناه لا حاجة إلى شيء من ذلك، فإن المصلي من أول صلاته إلى آخرها لا ينفك عن دعاء: إما دعاء عبادة وثناء، أو دعاء طلب ومسألة، وهو في الحالين داع. انتهى ملخصا١.\n_________\n١ من أول المجلد الثالث من بدائع الفوائد.","vol":"1","page":52},{"text":"وفسر القنوت بالدعاء في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة - ٢٣٨] . قال في شرح التقريب: والقنوت يطلق بإزاء معان: قيل الطاعة، وقيل الدعاء، وبمعنى طول القيام، وبمعنى السكوت في الصلاة.\nقال القاضي عياض: وأصله الدوام على الشيء.\nقال ابن دقيق العيد: وإذا كان هذا أصله فمديم الطاعة قانت، وكذلك الداعي، والقائم في الصلاة، والمخلص فيها، والساكت فيها، كلهم فاعلون للقنوت، انتهى ملخصا.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة انتهى.\nوقد تقدم ما يدل أن الله تعالى يرضى من عبده أن يسأله حاجته وأمره بذلك، ووعده عليه بالاستجابة، فإذا كان الدعاء عبادة فقد أمر الله عباده بعبادته وحده، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء - ٢٣] وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء - ٣٦] ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون - ٣٢] .\nو\"الإله\" هو الذي تألهه القلوب وتعبده بأي نوع كان من أنواع العبادة، وهو الذي فسر به اسمه: الله.\nقال أبو جعفر بن جرير ﵀: \"الله\" مشتق من \"الإله\"، سقطت الهمزة التي فاء الاسم، فالتقت اللام التي هي عين","vol":"1","page":53},{"text":"الاسم، واللام الزائدة وهي ساكنة، فأدغمت في الأخرى، فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة.\nوأما تأويله: فهو على ما روى لنا ابن عباس: هو الذي يألهه كل شيء، ويعبده كل خلق وساق بسنده عن ابن عباس قال: الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. انتهى.\nوقال الزمخشري: \"الله\" أصله \"الإله\" فحذفت الهمزة، وعوض منها حرف التعريف، ولذلك قيل في النداء: يا إله.\nو\"الإله\" من أسماء الأجناس، كالرجل والفرس، اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق. انتهى.\nوفي القاموس: أله إلهة وألوهة وألوهية: عبد عبادة، ومنه لفظ الجلالة، وأصله \"إله\" كفعال بمعنى مألوه، فكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه، والتأله: التنسك والتعبد. والتأليه: التعبيد. انتهى.\nفتبين مما تقرر أن من دعا ميتا أو غائبا فقد اتخذه معبودا بدعائه، ورغبته إليه، ورجائه له، وإقباله عليه، دون من له الأمر كله والقدرة التامة، والمشيئة النافذة، والعلم بما كان وبما يكون، وما لم يكن كيف يكون لو كان، ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس - ٨٣] .","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>فصل: في رد قول العراقي - كذبا وبهتانا -: (صرح الحنابلة بكراهة طلب الحاجات من الأموات كراهة تنزيه على وجه مخصوص: وهو طلبها بالكتابة ودس الورق في أنقاب القبر)</span>\n...\nفصل:\nقال العراقي: (نعم، صرح فقهاء الحنابلة بكراهة طلب الحاجات من الأموات كراهة تنزيه على وجه مخصوص. وهو طلبها بالكتابة ودس الورق في أنقاب القبر. قال: وقد ذكر ذلك ابن مفلح في \"الفروع\" وفسرها بما ذكرته، ونص عبارته عن الفنون، قال - يعني ابن عقيل -: ويكره استعمال النيران، والتبخير بالعود، والأبنية الشاهقة القباب، سموا ذلك مشهدا، واستشفوا بالتربة من الأسقام، وكتبوا إلى التربة الرقاع، ودسوها في الأنقاب، فهذا يقول: جمالي قد جربت. وهذا يقول: أرضي قد أجدبت، كأنهم يخاطبون حيا، ويدعون إلها. انتهى.\nقال العراقي: فانظر إلى حكمه في هذه الأشياء بالكراهة التنزيهية مع قوله١: كأنهم يخاطبون حيا، ويدعون إلها) .\nأقول: سبحان مقلب القلوب. فهاهنا تسكب العبرات، انظر إلى تلبيس هذا الضال، واجتهاده في الدعوة إلى الشرك بالواحد المتعال، ولنذكر كلام ابن عقيل في \"الفنون\" على وجهه الذي نقله\n_________\n١ في الطبعة الثانية: (قولهم) .","vol":"1","page":55},{"text":"عنه صاحب الفروع، قال في الفروع: وفي الفنون: \"لا تخلق القبور بالخلوق، والتزويق، والتقبيل لها،\nوالطواف١ بها، والتوسل بهم إلى الله\" قال: \"ولا يكفيهم ذلك حتى يقولوا بالسر الذي بينك وبين الله، وأي شيء٢ يسمى سرا بينه وبين خلقه، قال: ويكره استعمال النيران.. إلى آخر ما ذكره العراقي.\nفانظر كيف ترك أول الكلام لمصادمته لغرضه، وسقوطه على علته ومرضه، وانظر إلى كلام ابن عقيل، وتصريحه بالنهي عن التوسل، إلى آخر كلامه، يتبين لك أن الله قد أضل هذا٣ وأعماه وأقماه٤ في هوة هواه، وليس هذا بأول قارورة كسرت في الإسلام منه، ومن أمثاله.\nولابن عقيل ﵀ كلام أصرح من هذا الذي ذكره صاحب الفروع عنه، قال أبو الوفاء ابن عقيل:\nلما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع: مثل تعظيم القبور، وإكرامها بما نهى عنه الشرع، وإيقاد٥ السرج،\n_________\n١ في الطبعة الثانية: (الطواف) .\n٢ في طبعة نصيف: (وأي شيء من الله يسمى..) .\n٣ في الطبعة الثانية: (أو) .\n٤ أي أذله أو قمعه. انظر مادة \"قمأ\" في القاموس.\n٥ ٥ في طبعة نصيف: (من إيقاد) .","vol":"1","page":56},{"text":"وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف، ولم يتمسح بالآجر يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته: أبو بكر الصديق، أو محمد أو علي، أولم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر، انتهى كلامه.\nفانظر إلى تصريحه بكفر فاعل هذه الأمور. وهذا الملبس يقول: إنه مكروه عنده كراهة تنزيه إذا كان طلب الحوائج من الأموات بالكتابة ونحوها، فأما طلب الحوائج من الأموات باللسان فمستحب عنده، فسبحان من مسخ عقله، وأظهر تلبيسه وجهله.\nويشبه هذا ما ذكر أن رجلا اجتمع بامرأة ليزني بها، فلما جامعها قال لها: استري وجهك فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام.\nقوله: (صرح فقهاء الحنابلة بكراهة طلب الحاجات من الأموات والغائبين، إلى آخره) .\nجوابه أن يقال: بل صرح فقهاء الحنابلة وغيرهم بإنكاره والنهي عنه، وأن ذلك هو الشرك الأكبر، وأنه كفعل عابدي الأصنام، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة وأئمتها.\nونحن نذكر من كلامهم قليلا من كثير، وغيضا من فيض، وقد تقدم بعض ذلك من كلام الله وكلام رسوله، ولا بد من ذكر ما تيسر من كلام العلماء.","vol":"1","page":57},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم كفر إجماعا\". نقل عنه ذلك أئمة الحنابلة: كصاحب الفروع، وصاحب الإنصاف، وصاحب الإقناع.\nوقال الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته السنية لما تكلم على حديث الخوارج: \"فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من قد مرق من الدين مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذا الزمان قد يمرق أيضا، وذلك بأمور، منها:\nالغلو الذي ذمه الله كالغلو في بعض المشايخ كالشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح.\nفكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، وأنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل.\nفإن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يجعل معه إله آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل الملائكة والمسيح وعزير، والصالحين أو قبورهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق أو ترزق، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة١، انتهى.\n_________\n١ انظر الوصية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية.","vol":"1","page":58},{"text":"وقال ابن القيم ﵀: ومن أنواعه – أي الشرك١ – طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عمن استغاث به، وسأله أن يشفع له، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه.\nقال بعض المحققين: لو جاز طلب الشفاعة من الميت والغائب لما صار لنفي الشفاعة في القرآن معنى، كقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة - ٢٥٤] ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام - ٥١] ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة - ١٢٣] فلا يظهر الفرق بين الشفاعة المنفية في هذه الآيات ونحوها، والمثبتة كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة - ٢٥٥] ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء – ٢٨] ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه - ١٠٩] فلا يظهر الفرق إلا أن المنفية هي التي تطلب من غير الله، ويرغب فيها إلى غيره، والمثبتة هي التي لا تطلب إلا من الله وحده، وهو الإخلاص الذي لا يرضى من العبد سواه، كما تقرر في كلام العلماء.\nقال ابن القيم: والله تعالى لم يجعل استغاثتة بغيره، وسؤاله لغيره\n_________\n١ في طبعة نصيف: (ومن أنواع الشرك) .","vol":"1","page":59},{"text":"سببا للإذن في الشفاعة، وإنما السبب كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك، فجمعوا بين الشرك بالمعبود، وتغيير دينه، ومعادات١ أهل التوحيد، ونسبة أهله إلى التنقص بالأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين له بذمهم وعيبهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص، وظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم يوالونهم عليه، وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم.\nوما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله، واتخذ الله وحده وليه ومعبوده، فجرد حبه لله، وخوفه لله، ورجاءه لله، وذله لله، وتوكله على الله، واستعانته بالله، والتجاءه إلى الله، واستغاثته بالله، وأخلص قصده لله، متبعا لأمره، متطلبا لمرضاته، إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمل عمل لله، فهو لله، وبالله، ومع الله، انتهى كلامه.\nوقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في كتابه في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفا في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة٢:\n_________\n١ في طبعة نصيف: (ومعاداة) .\n٢ اسم الكتاب: (سيف الله على من كذب على أولياء الله) مازال مخطوطا وعندي منه نسخة مصورة.","vol":"1","page":60},{"text":"هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفا في حياتهم١ وبعد مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهمتهم٢ تكشف المهمات، فيأتون قبورهم، وينادوهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات.. وقالوا: فيهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء، وسبعون وسبعة، وأربعون وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور. قال: وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادرة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة، وما اجتمعت عليه الأمة، وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء - ١١٥] .\nثم قال:\nفأما قولهم إن للأولياء تصرفا في حياتهم وبعد الممات، فيرده قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل - ٦٠] ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤] ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المائدة - ١٢٠] ونحوه من الآيات الدالات على أنه المنفرد بالخلق\n_________\n١ في طبعة نصيف: (تصرفات بحياتهم) وفي الطبعة الثانية: (تصرفا بحياتهم) والمثبت من النسخة الخطية للشيخ صنع الله الحنفي.\n٢ في النسخة الخطية من كتاب الشيخ صنع الله (وبهمهم) .","vol":"1","page":61},{"text":"والتدبير، والتصرف والتقدير، ولا شركة١ لغيره في شيء بوجه من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره: تصرفا وملكا، وإحياء وإماتة، وخلقا.... وتمدح الرب تعالى بملكه في آيات من كتابه كقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر - ٣] ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر - ١٣]- وذكر آيات في هذا المعنى - ثم قال:\nفقوله في الآيات كلها: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي من غيره، فإنه عام يدخل فيه من اعتقدته من ولي وشيطان تستمده، فإن من لم يقدر على نصر نفسه فكيف يمد٢ غيره، إن هذا القول وخيم، وشرك عظيم، إلى أن قال:\nوأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول في التصرف في الحياة، قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر - ٣٠] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر -٤٢] الآية، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران - ١٨٥] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر - ٣٨] وفي الحديث: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله\" الحديث٣.\n_________\n١ في المطبوعتين: (شيء) والمثبت من كتاب (سيف الله) .\n٢ سقطت (يمد) من المطبوعتين. وأضفتها من كتاب (سيف الله) .\n٣ أخرجه مسلم في صحيحه – كتاب الوصية – ٣/١٢٥٥ عن أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":62},{"text":"فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان فدل ذلك على أن ليس للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره.. فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره، فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون: إن الأرواح مطلقة متصرفة ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ .\nقال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من المكرمات فهو من المغالطة، لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم به أولياءه، لا قصد لهم فيه، ولا تحدي، ولا علم، كما في قصة مريم ابنة عمران، وأسيد بن حضير، وأبي مسلم الخولاني.\nقال: وأما قولهم: \"فيستغاث بهم في الشدائد ... \" فهذا أقبح مما قبله، وأبدع لمصادرته قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل - ٦٢] ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾\n[الأنعام - ٦٣] وذكر آيات في هذا المعنى. ثم قال:\nفإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره، وأنه القادر على إيصال الخير، فهو المنفرد بذلك، فإذا تعين هو جل ذكره خرج غيره من ملك ونبي وولي، قال:\nوالاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية من قتال أو إدراك عدو، أو سبع، ونحوه، كقولهم:\nيا لزيد، يا للمسلمين، بحسب الأفعال الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة","vol":"1","page":63},{"text":"بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد والمرض، وخوف الغرق، والضيق، والفقر، وطلب الرزق، ونحوه فمن خصائص الله لا يطلب فيها غيره. قال:\nوأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم، كما تفعله جاهلية العرب، والصوفية الجهال، وينادونهم، ويستنجدون بهم، فهذا من المنكرات ... فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك في كشف كربة، أو قضاء حاجة تأثيرا١، فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير.\nوأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات فحاشا لله أن تكون أولياء الله بهذه المثابة، فهذا ظن أهل الأوثان، كما٢ أخبر الرحمن: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس - ١٨] ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر - ٣] ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [يس - ٢٣] فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وولي وغيره على وجه الإمداد منه: إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره.\nقال: وأما ما قالوه: \"إن منهم أبدالا ونقباء، وأوتادا ونجباء، وسبعين وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب هو الغوث للناس\" فهذا من موضوعات إفكهم، كما ذكره القاضي المحدث ابن العربي٣ في\n_________\n١ في المطبوعتين وكتاب \"سيف الله\": تأثير.\n٢ في المطبوعتين: (كذا) والمثبت من مخطوطة \"سيف الله\".\n٣ سقطت: \"ابن العربي\" من المطبوعتين.","vol":"1","page":64},{"text":"\"سراج المريدين\" وابن الجوزي، وابن تيمية. انتهى باختصار. وقال ابن عطية في قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ الآيات [يونس - ١٠٦]: معناه قيل لي: ولا تدع، فهو عطف على ﴿أَقِمْ﴾ وهذا الأمر والمخاطبة للنبي ﷺ، إذا كان هكذا فأحرى أن يتخذ من ذلك غيره، والخطاب خرج مخرج الخصوص، وهو عام للأمة.\nوقال الإمام أبو جعفر ابن جرير في هذه الآية: يقول تعالى ذكره: ولا تدع يا محمد من دون معبودك وخالقك شيئا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا. يعني بذلك الآلهة، يقول: تعبدها راجيا نفعها أو خائفا ضرها، فإنها لا تنفع ولا تضر، فإن فعلت ذلك فدعوتها من دون الله فإنك إذا من الظالمين، يقول: من المشركين بالله، انتهى.\nوهذه الآية لها نظائر كقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء - ٢١٣] وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص - ٨٨] ففي هذه الآيات بيان أن كل مدعو يكون إلها، والإلهية حق لله، لا يصلح منها شيء لغيره، ولهذا قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان - ٣٠] .\nوقال الشيخ قاسم الحنفي في \"شرح درر البحار\": النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد، كأن يكون لإنسان","vol":"1","page":65},{"text":"غائب، أو مريض، أو له حاجة، فيأتي إلى بعض الصلحاء ويجعل على رأسه سترة ويقول: يا سيدي فلان إن رد الله غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك من الذهب كذا، أو من الفضة أو من الطعام كذا، أو من المال كذا، أو من الشمع والزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه:\nمنها أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز، لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق.\nومنها أن المنذور له ميت، والميت لا يملك.\nومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد\nذلك كفر، إلى أن قال:\nفإذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها، وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليهم فحرام بإجماع المسلمين، نقله عنه ابن نجيم في البحر الرائق، ونقله المرشدي في تذكرته وغيرهما عنه١، وزاد: \"وقد ابتلي الناس بهما لا سيما في مولد البدوي\" انتهى.\nوقال العلامة أحمد الرومي الحنفي في كتابه المسمى \"مجالس الأبرار\" بعد كلام سبق في الكلام على زيارة القبور:\nفإذا كان كذلك فاللائق بالزائر أن يتبع السنة، ويقف عند ما شرع له، ولا يتعداه، ليكون الزائر إلى نفسه، وإلى أهل القبور، لأن زيارة القبور نوعان: زيارة شرعية، وزيارة بدعية.\n_________\n١ في المطبوعتين: (عن) .","vol":"1","page":66},{"text":"أما الزيارة الشرعية التي أذن فيها رسول الله ﷺ فالمقصود منها شيئان:\nأحدهما: راجع إلى الزائر، وهو الاتعاظ والاعتبار.\nوالثاني: راجع إلى أصحاب القبور وهو أن يسلم الزائر عليهم، ويدعو له. وأما الزيارة البدعية فهي زيارة القبور لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، والولد، وقضاء الدين وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من الحاجات التي كان عباد الأصنام يسألونها من أصنامهم، فإن أصل هذه الزيارة البدعية الشركية مأخوذ منهم، وليس شيء من ذلك مشروعا باتفاق المسلمين، إذ لم يفعله رسول رب العالمين، ولا أحد من الصحابة والتابعين، وسائر أئمة الدين، بل قد أنكر الصحابة ما هو دون ذلك بكثير، كما روي عن المعرور بن سويد أن عمر صلى صلاة الصبح في طريق مكة ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثارأنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصلها فيها، ومن لا فليمض لا يتعمدها١.\n_________\n١ أخرجه سعيد بن منصور في سننه – كما في الاقتضاء لشيخ الإسلام ص ٧٤٤ – =","vol":"1","page":67},{"text":"وكذلك لما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بويع تحتها النبي ﵊ أرسل إليها فقطعها.\nفإذا كان عمر فعل هذا بالشجرة التي بايع الصحابة تحتها رسول الله ﷺ وذكرها الله تعالى في القرآن حيث قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح - ١٨] فماذا يكون حكمه فيما عداها!\nولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه، حتى كانت الصحابة والتابعون حيث كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد - إلى زمن الوليد ابن عبد الملك - لا يدخل فيها أحد لا لصلاة، ولا لدعاء ولا لشيء آخر مما هو من جنس العبادة، بل كانوا يفعلون جميع ذلك في المسجد.\nوكان أحدهم إذا سلم على النبي ﵇ وأراد الدعاء استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى جوار القبر ثم دعا وهذا مما لا نزاع فيه بين العلماء، وإنما نزاعهم في وقت السلام عليه.\n_________\n=حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن معرور بن سويد عن عمر. قال: خرجنا معهفي حجة حجها فقرأ بنا في الفجر بـ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ و﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المساجد، فقال: ماهذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله. فقال: هكذا أهل الكتاب قبلكم: اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض.\nوأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١/١١٨، ١١٩) وغيره. وقال الحافظ ابن حجر فيالفتح ١/٥٦٩: يثبت – أي عن عمر – اهـ.","vol":"1","page":68},{"text":"قال أبو حنيفة: يستقبل القبلة عند السلام أيضا ولا يستقبل القبر. وقال غيره: لا يستقبل القبر عند الدعاء، بل قالوا إنه يستقبل القبلة وقت الدعاء ولا يستقبل القبر، حتى لا يكون الدعاء عند القبر، فإن الدعاء عبادة كما ثبت بالحديث المرفوع: \"إن الدعاء هو العبادة\".\nوالسلف الصالح من الصحابة والتابعين جعلوا العبادة خالصة لله تعالى، ولم يفعلوا عند القبور شيئا منها، إلا ما أذن فيه النبي ﵊ من السلام على أصحابها، وسؤال الرحمة والمغفرة والعافية من الله لهم.\nوسبب ذلك أن الميت قد انقطع عمله، وهو يحتاج إلى من يدعو له، ويشفع لأجله١، ولهذا شرع في الصلاة عليه وجوبا أو ندبا ما لم يشرع مثله في الدعاء للحي، فإنا لما كنا إذا قمنا إلى جنازته ندعو له، ونشفع لأجله، فبعد الدفن أولى أن ندعو له ونشفع، لأنه في قبره بعد الدفن أشد احتياجا إلى الدعاء منه على نعشه، لأنه حينئذ معرض للسؤال وغيره، على ما روي عن عثمان بن عفان أنه ﵊ كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: \"استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل\" ٢.وروي عن سفيان الثوري أنه قال: \"إذا سئل الميت من ربك يتراءى\n_________\n١ في طبعة نصيف: \"له\".\n٢ أخرجه أبو داود – كتاب الجنائز – من سننه ٣/٥٥٠، وصححه الحاكم في المستدرك وأقره الذهبي ١/٣٧٠. وجود إسناده النووي في المجموع.","vol":"1","page":69},{"text":"له الشيطان في صورة ويشير إلى نفسه – أي- أنا ربك\" قال الترمذي: هذا فتنة عظيمة. وكانوا يستحبون إذا وضع الميت في اللحد أن يقال: اللهم أعذه من الشيطان الرجيم.\nفهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعا وعشرين سنة. وهذه سنة الخلفاء الراشدين، وطريقة جميع الصحابة والتابعين، فبدل أهل البدع والضلال قولا غير الذي قيل لهم، فإنهم قصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحسانا إلى الميت وإلى الزائر سؤالهم الميت والاستغاثة به، وليس هذا إلا الفتنة التي قال فيها عبد الله بن مسعود ﵁: \"كيف إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير تجري على الناس ويتخذونها سنة، إذا غيرت قيل غيرت السنة.\nقال: وقال ابن القيم في إغاثته:\nهذا يدل على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا اعتبارولا التفات إليه، وقد جرى على خلاف السنة منذ زمن طويل، فإذًا لابد أن تكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليهالجمهور، فلا يغرنك إطباقهم على ما حدث بعد الصحابة، بل ينبغي لك أن تكون حريصا على التفتيش عن أحوالهم وأعمالهم، فإن أعلم الناس وأقربهم إلى الله أشبههم بهم، وأعلمهم بطريقتهم، إذ عنهم أخذ الدين وهم أصول في نقل الشريعة من صاحب الشرع، فلا بد لك أن لا تكترث بمخالفتك لأهل عصرك في موافقتك لأهل عصر النبي ﵇، إذ قد جاء في الحديث: \"إذا اختلف","vol":"1","page":70},{"text":"الناس فعليكم بالسواد الأعظم\".\nقال عبد الرحمن بن إسماعيل – المعروف بأبي شامة –: حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق وأتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا، والمخالف له كثيرا، إلا أن الحق ما كان عليه الجماعة الأولى وهم الصحابة، ولا عبرة بكثرة الباطل بعدهم. وقد قال الفضيل بن عياض ما معناه: \"إلزم طريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين\" انتهى كلامه.\nوقال العلامة الرومي أيضا في المجلس السابع عشر في عدم جواز الصلاة عند القبور، والاستمداد من أهلها، واتخاذ السرج والشموع عليها: قال رسول الله ﷺ: \"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" هذا الحديث من صحاح المصابيح، وقال ﷺ: \"إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك\".\nقال بعض المحققين: والصلاة في المواضع المتبرك١ بها من مقابر الصالحين داخلة في هذا النهي، لاسيما إذا كان الباعث عليها تعظيم هؤلاء لما فيه٢ من الشرك، فإن مبتدأ عبادة الأصنام كان في قوم نوح النبي ﵇، من جهة عكوفهم على القبور، كما أخبر\n_________\n١ في طبعة نصيف: (المتبركة من) .\n٢ في طبعة نصيف: (في ذلك) .","vol":"1","page":71},{"text":"الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا. وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا. وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح - ٢١] .\nقال ابن عباس وغيره من السلف: كان هؤلاء قوما صالحين من١ قوم نوح النبي ﵇ فلما ماتوا عكف الناس على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وهذا هو مبتدأ عبادة الأصنام.\nقال: وقال ابن القيم في إغاثته نقلا عن شيخه: إن هذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ القبور مساجد هي التي أوقعت كثيرا من الناس إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بشجر أو حجر.\nولهذا تجد كثيرا من الناس عند القبور يتضرعون ويخشعون ويخضعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلون مثلها في بيوت الله تعالى ولا في وقت السحر، ويرجون من بركة الصلاة عندها، والدعاء لديها ما لا يرجون في المساجد، فلحسم مادة هذه المفسدة نهى ﵇ عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلي بصلاته فيها بركة البقعة، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس،\n_________\n١ في طبعة نصيف: (في) .","vol":"1","page":72},{"text":"ووقت غروبها ووقت استوائها: لأن أوقات يقصد المشركون الصلاة للشمس فيها، فنهى أمته عن الصلاة فيها، وإن لم يقصدوا ما قصده المشركون.\nوإذا قصد الرجل الصلاة عند المقبرة تبركا بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ولرسوله والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى، فإن العبادات مبناها على الاستنان والاتباع، لا على الأهواء والابتداع. فإن المسلمين أجمعوا على ما علموا من دين نبيهم أن الصلاة عند المقبرة منهي عنها. لأن فتنة الشرك بالصلاة فيها، ومشابهة عبادة الأصنام أعظم كثيرا من مفسدة الصلاة عند طلوع الشمس، وحين غروبها، وحين استوائها، فإن النبي ﵇ لما نهى عن تلك المفسدة سدا لذريعة التشبه التي لا تكاد تخطر ببال المصلي، فكيف بهذه الذريعة التي كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك بدعاء الموتى، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل من الصلاة في المساجد، وغير ذلك مما هو محادة ظاهرة لله تعالى ولرسوله؟.\nقال: وقال ابن القيم في إغاثته: من جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وبين ما أمر به، ونهى عنه، وما كان عليه الصحابة والتابعون، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادا للآخر، ومناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا. إلى أن قال:\nوقد آل الأمر بهؤلاء الضالين المضلين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك","vol":"1","page":73},{"text":"كتابا وسماه \"مناسك حج المشاهد\" تشبيها منه للقبور بالبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عبادة الأصنام.\nفانظر إلى ما شرعه النبي ﵇ في القبور من النهي، وبين ما شرعه هؤلاء وما قصدوه من التباين العظيم، ولا ريب أن في ذلك من الفساد ما يعجز الإنسان على حصره:\nمنها تعظيمها الموقع في الافتتان بها.\nومنها تفضيلها على المساجد التي هي خير البقاع، وأحبها إلى الله، فإنهم إذا قصدوا القبور يقصدونها مع التعظيم، والاحترام، والخشوع، ورقة القلب، وغير ذلك مما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره، ولا مثله.\nومنها اتخاذ المساجد والسرج عليها.\nومنها العكوف عندها، وتعليق الستور عليها، واتخاذ السدنة لها.\nومنها النذر لها، ولسدنتها.\nومنها زيارتها لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر، والرزق، والعافية، والولد، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وغير ذلك من الحاجات التي كان عباد الأوثان يسألونها من أوثانهم، وليس شيء منها مشروعا باتفاق أئمة المسلمين، إذ لم يفعل منه شيئا رسول رب العالمين، ولا أحد من","vol":"1","page":74},{"text":"الصحابة والتابعين، وسائر أئمة الدين.\nومن المحال أن يكون شيء منها مشروعا، وعملا صالحا، ويصرف عنه القرون الثلاثة التي شهد فيهم النبي ﵇ بالصدق والعدل، ويظفر به الخلوف الذين شهد فيهم النبي ﵇ بالكذب والفسق، فمن شك في هذا فلينظر هل يمكن بشرا على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو ضعيف أنهم كانوا إذا بدت لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلا عن أن يصلوا عندها، أو يسألوا حوائجهم منها، كلا لا يمكنهم ذلك، بل إنما يمكنهم أن يأتوا بكثير من ذلك عن الخلوف التي خلفت من بعدهم، ثم كلما تأخر الزمان، وطال العهد، كان ذلك أكثر، حتى وجدت من ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن النبي ﵇ ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن الصحابة والتابعين حرف واحد، بل فيها من خلاف ذلك كثير من الأحاديث المرفوعة التي من جملتها قوله ﵇: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرا\" ١ أي فحشا، وأي فحش أعظم من الشرك عندها قولا وفعلا. إلى أن قال:\nفإن غلاة متخذيها عيدا إذا رأوها من مكان بعيد ينزلون عن دوابهم، ويكشفون رؤوسهم، ويضعون جباههم على الأرض، ويقبلون\n_________\n١ أخرجه النسائي في سننه ٤/٨٩ عن بريدة.\nوأخرجه مسلم في صحيحه – كتاب الجنائز – عن بريدة بلفظ أن النبي ﷺ قال: \" نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\" ٢/٦٧٢.","vol":"1","page":75},{"text":"الأرض، ثم إنهم إذا وصلوا إليها يصلون عندها ركعتين، ثم ينتشرون حول القبر طائفين به تشبيها بالبيت الحرام الذي جعله الله تعالى مباركا وهدى للأنام، ثم يأخذون في التقبيل والاستلام، كما يفعل الحجاج في المسجد الحرام، ثم يعفرون جباههم وخدودهم، ثم يكملون مناسك حج القبر بالحلق والتقصير، ثم يقربون لذلك الوثن القرابين، فلا يكون صلاتهم، ونسكهم، وقربانهم، وما يراق هناك من العبرات، ويرفع من الأصوات، ويطلب منه من الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليات لله تعالى بل للشيطان، فإن الشيطان لبني آدم عدو مبين، يصدهم بأنواع مكايده عن الطريق المستقيم.\nومن أعظم مكايده ما نصبه للناس من الأنصاب التي هي رجس من عمل الشيطان، وقد أمر الله المؤمنين باجتنابها، وعلق فلاحهم بذلك الاجتناب، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة - ٩٠] فالأنصاب جمع نصب بضمتين، أو جمع نصب بالفتح والسكون، وهو كل ما نصب وعبد من دون الله تعالى من شجر أو حجر أو قبر أو غير ذلك.\nوالواجب هدم ذلك كله ومحو أثره، كما أن عمر لما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بويع تحتها النبي ﵇ أرسل إليها فقطعها. ثم ذكر حديث أبي واقد الليثي قال: \"خرجنا مع رسول","vol":"1","page":76},{"text":"الله ﷺ على حنين ونحن حدثاء عهد بكفر١، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم وأمتعتهم يقال لها ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ: \"الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: \"اجعل لنا إلها كما لهم آلهة\" لتركبن سنن من كان قبلكم\".\nفإذا كان اتخاذ مثل هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله تعالى، مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها شيئا، فما الظن بغيرها مما يقصده الناس من شجر أو حجر أو قبر، ويعظمونه، ويرجون منه الشفاء ويقولون: إن هذا الشجر وهذا الحجر وهذا القبر يقبل النذر الذي هو عبادة وقربة، ويتمسحون بذلك النصب، ويستلمونه.\nوهذا الشيطان في كل حين وزمان ينصب لهم قبر رجل معظم يعظمه الناس، ثم يجعله وثنا يعبد من دون الله تعالى، ثم يوحي إلى أوليائه أن من نهى عن عبادته وعن اتخاذه عيدا، وعن جعله وثنا فقد تنقصه، وهضم حقه، فيسعى الجاهلون في قتله وعقوبته، ويكفرونه، وما ذنبه إلا أنه أمر بما أمر به الله تعالى ورسوله، ونهى عما نهى الله تعالى عنه ورسوله.\nوالذي أوقع عباد القبور في الافتتان بها أمور:\nمنها الجهل بحقيقة ما بعث الله تعالى به رسوله، من تحقيق\n_________\n١ سقطت: \"بكفر\" من طبعة نصيف.","vol":"1","page":77},{"text":"التوحيد وقطع أسباب الشرك، فالذين قل نصيبهم من ذلك إذا دعاهم الشيطان إلى الفتنة بها، ولم يكن لهم ما يبطل دعوته استجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا منه بقدر ما عندهم من العلم.\nومنها أحاديث مكذوبة وضعها على رسول الله ﷺ أشباه عباد الأصنام من المقابرية، وهي تناقض ما جاء به من دينه، كحديث: \"إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا من أهل القبور\" وحديث: \"إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور\" وحديث: \"لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه\" وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية، وراجت على الجهال والضلال، والله تعالى إنما بعث رسوله لقتال من حسن ظنه بالأحجار والأشجار، فإنه ﵇ جنب أمته من الفتنة بالقبور بكل طريق.\nومنها حكايات حكيت عن أهل تلك القبور، أن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلان نزل به ضر فاستدعى صاحب ذلك القبر فكشف ضره، وفلان دعاه في حاجة فقضيت حاجته، وعند السدنة والمقابرية شيء من ذلك يطول ذكره، وهم كمن أكذب خلق الله على الأحياء والأموات، والنفوس مولعة بقضاء حوائجها، وإزالة ضروراتها، لاسيما من كان مضطرا يتشبث بكل سبب وإن كان فيه كراهة، فإذا سمع أحد أن قبر فلان ترياق مجرب، يميل إليه، فيذهب ويدعو عنده بحرقة وذلة وانكسار، فيجيب","vol":"1","page":78},{"text":"الله تعالى دعوته لما قام بقلبه١ من الذلة والانكسار، لا لأجل القبر، فإنه لو دعا كذلك في الجبانة والحمامة والسوق لأجابه: فيظن الجاهل أن لقبر تأثيرا في إجابة تلك الدعوة، ولا يعلم أن الله تعالى يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرا، فليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضيا عنه، ولا محبا له، ولا راضيا بفعله، فإنه يجيب دعاء البر والفاجر، والمؤمن والكافر، يسر لنا الله تعالى من الدعاء والعمل ما يكون موافقا لرضائه بلطفه وكرمه. انتهى كلام العلامة الرومي رحمه الله تعالى ببعض اختصار.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والله تعالى لم يجعل أحدا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية والإلهية، مثل ما يتفرد به من الخلق والرزق، وإجابة الدعاء والنصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، بل غاية ما يكون العبد سببا، أن يدعو ويشفع، والله تعالى قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة - ٢٥٥] وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم - ٢٦] وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران – ٨٠] .\nفبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، ولهذا كانوا\n_________\n١ في طبعة نصيف: (به) .","vol":"1","page":79},{"text":"في الشفاعة على ثلاثة أقسام:\nفالمشركون أثبتوا الشفاعة التي هي شرك، كشفاعة المخلوق عند المخلوق، كما يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك، فيسألونهم بغير إذنهم، ويجيب الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم، فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله مشركون كفار، لأن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل من رحمته وإحسانه إجابة دعوة الشافعين، ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة-٤] وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر-٤٣] وقال عن صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [يس-٢٣] .\nوأما الخوارج والمعتزلة فإنهم أنكروا شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر من أمته، وهؤلاء مبتدعة ضلال، مخالفون للسنة المستفيضة عن النبي ﷺ، ولإجماع خير القرون.\nالقسم الثالث أهل السنة والجماعة، وهم سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان، أثبتوا ما أثبته الله في كتابه، وسنة رسوله، ونفوا ما نفاه، فالشفاعة التي أثبتوها هي التي جاءت بها الأحاديث، وأما الشفاعة التي نفاها القرآن – كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة – فينفيها أهل العلم والإيمان: مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين الغائبين والميتين قضاء حوائجهم،","vol":"1","page":80},{"text":"ويقولون: إنهم إن أرادوا ذلك قضوها، ويقولون: إنهم عند الله كخواص الملوك عند الملوك يشفعون بغير إذن الملوك، ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم، فيجعلونهم لله بمنزلة شركاء الملك، والله سبحانه قد نزه نفسه عن ذلك. انتهى.\nولو تتبعنا كلام العلماء المنكرين لهذه الأمور الشركية لطال المقام جدا وفيما ذكرنا كفاية لطالب الهدى ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة-٤١] وبالله التوفيق.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>فصل: الجواب عند استدلال العراقي على دعواه بحديث الأعمى وحديث «ياعباد الله احبسوا»</span>\n...\nفصل:\nواستدل العراقي بما روى الطبراني عن ابن مسعود عن النبي ﷺ فيمن انفلتت عليه دابته قال: \"يا عباد الله احبسوا\" وبحديث الأعمى.\nوالجواب أن يقال: سبحان الله! كيف يتعلق بهذا ونحوه المشركون، ويرومون به معارضة الحجج القاطعة من كلام من يقول للشيء كن فيكون، وكلام رسوله الصادق المأمون. ونحن بحول الله وقوته نتكلم على الحديثين، ونبين معناهما، ونوضح منطوقهما وفحواهما، ونقطع شغب كل مشرك وجداله، ونبين باطله ومحاله، فنقول وبالله التوفيق:\nاعلم أن الله سبحانه بعث نبيه ﷺ بالدعوة إلى التوحيد، والنهي عن الإشراك والتنديد، فحمى ﷺ حمى التوحيد، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، حتى إن رجلا قال له: \"ما شاء الله وشئت\" قال: \"أجعلتني لله ندا، بل ما شاء الله وحده\" فكيف يأمر بدعاء الميت والغائب؟.\nبل من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن دعاء الميت والغائب لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة","vol":"1","page":82},{"text":"والتابعين، ولا فعله أحد من أئمة المسلمين، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولو كان هذا جائزا أو مشروعا لفعلوه، ولو كان خيرا لسبقونا إليه.\nوقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب ولا دعاه، ولا استغاث به، ولا استنصر به، ومعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الدواعي والهمم على نقله، بل على نقل ما هو دونه.\nوحينئذ فلا يخلو إما أن يكون دعاء الموتى أو الغائبين أو الدعاء عند قبورهم والتوسل بأصحابها أفضل أو لا. فإن كان أفضل فكيف يخفى علما وعملا على الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة علما وعملا بهذا الفضل العظيم، ويظفر به الخلوف علما وعملا.\nوهذان الحديثان اللذان ذكرهما هذا العراقي إما أن يكون الصحابة الذين رووهما وسمعوهما من النبي ﷺ جاهلين بمعناهما، وعلمه هؤلاء المتأخرون، وإما أن يكون الصحابة علموهما وزهدوا فيهما عملا مع حرصهم على الخير وطاعتهم لنبيهم ﷺ، وكلاهما محال، بل هم أعلم الناس بكلام رسول الله ﷺ، وأطوع الناس لأوامره، وأحرص الناس على كل خير، وهم الذين نقلوا إلينا سنة نبينا ﷺ، فهل فهموا من هذين الحديثين جواز دعاء الموتى والغائبين فضلا عن استحبابه، والأمر به؟؟.\nومعلوم أنهم عرضت لهم شدائد واضطرابات، ومحن وفتن","vol":"1","page":83},{"text":"وسنون مجدبات، أفلا جاؤوا إلى قبر النبي ﷺ شاكين، وله مخاطبين بكشفها عنهم وتفريج كرباتهم؟ والمضطر يتشبث بكل سبب يعلم أن له فيه نفعا، لاسيما الدعاء، فلو كان ذلك وسيلة مشروعة وعملا صالحا لفعلوه.\nفهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور حتى توفاه الله، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين هل يمكن أحدا أن يأتي عنهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أنهم كانوا إذا كانت لهم حاجة، أو عرضت لهم شدة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها، فضلا عن أن يسألوها حوائجهم؟.\nفمن كان عنده في هذا أثر أو حرف واحد فليوقفنا عليه، نعم لهم أن يأتوا عن الخلف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون بكثير من المختلقات، والحكايات المكذوبات، حتى لقد صنف في ذلك عدة مصنفات، ليس فيها حديث صحيح عن رسول الله ﷺ، وإنما فيها التمويهات والحكايات المخترعات، والأحاديث المكذوبات، كقولهم: \"إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور\" وحديث: \"لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه\".\nوفيها حكايات لهم عن تلك القبور بأن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلان دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت، وفلان نزل به ضر فأتى صاحب ذلك القبر فكشف ضره، ونحو ذلك مما يعلم أنه مضاد لما بعث الله به نبيه ﷺ، ويعلم أنه حمى جانب التوحيد، وسد الذرائع الموصلة إلى الشرك، فكيف","vol":"1","page":84},{"text":"يستدل بكلامه على نقيض ما أمر به!؟.\nفأما حديث \"إذا انفلتت دابة أحدكم\" إلى آخره، فالجواب عنه من وجهين:\nأحدهما: أنه لا يصح عن رسول الله ﷺ، فإنه من رواية معروف بن حسان، وهو منكر الحديث، قاله ابن عدي.\nالوجه الثاني: أن يقال: على تقدير صحته، معناه: أن الإنسان إذا انفلتت دابته، وعجز عنها، فقد جعل الله عبادا من الملائكة، أو صالحي الجن، أو ممن لا يعلمه من جنده سواه ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر-٣١] فإن هؤلاء عباد الله أحياء حاضرون، قد جعل الله لهم قدرة على ذلك كما جعل للإنس، فهذا كما إذا انفلتت دابة الإنسان فنادى أحد رفقته يا فلان رد الدابة، فلا بأس بهذا.\nويدل على هذا ما رواه البزار من حديث ابن عباس١ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن لله في الأرض ملائكة سوى الحفظة، يكتبون ما سقط من ورق، فإذا أصاب أحدكم شيء بأرض فلاة، فليناد: أعينوني\"، فأين هذا من الاستغاثة بأهل القبور لو كانوا يعقلون.\nوأما حديث الأعمى فنذكر بحول الله وقوته عنه من صواب الجواب، ما يتبين به الحق ويزول الارتياب، فنقول:\n_________\n١ في المطبوعتين: (من حديث ابن علي) .","vol":"1","page":85},{"text":"ذكر العلماء في معناه قولين: أحدهما أنه توسل بالنبي ﷺ، فيدل على جواز التوسل بالنبي ﷺ، إلا أن التوسل ليس فيه دعاء له ولا استغاثة به، وإنما يسأل الله بجاهه.\nوهذا ذكره الفقيه أبو محمد ابن عبد السلام، فإنه أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي ﷺ، قال وأما التوسل بالنبي ﷺ فيجوز إن صح الحديث، يعني حديث الأعمى.\nقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى: وما زلت أبحث وأكشف ما أمكنني من كلام السلف والأئمة والعلماء هل جوز أحدهم التوسل بالصالحين في الدعاء، أو فعل ذلك أحد منهم فما وجدته، ثم وقفت على فتيا للفقيه أبي محمد ابن عبد السلام أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي ﷺ، وأما بالنبي ﷺ فجوز التوسل به إن صح الحديث في ذلك.\nوذكر القدوري في شرح الكرخي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يجوز أن يسأل الله إلا به. انتهى كلامه.\nوذكر ابن القيم ﵀ عن أبي الحسين القدوري نحو ذلك، فقال: قال القدوري: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، وأن يقول: بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام.\nقال أبو الحسين: أما المسألة بغير الله فمنكرة، لأنه لا حق لغير الله عليه، وإنما الحق له على خلقه.","vol":"1","page":86},{"text":"وأما قوله: بمعقد العز من عرشك. فكرهه أبو حنيفة، ورخص فيه أبو يوسف.\nوقال ابن بلدجي في \"شرح المختار\": ويكره أن يدعو الله إلا به، ولا يقول: أسألك بملائكتك، أو بأنبيائك، ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على خالقه، أو١ يقول في دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك، وعن أبي يوسف جوازه.\nومن قواعد الحنفية أن الكراهة حيث أطلقت فالمراد منها التحريم، وممن ذكر ذلك ابن نجيم في \"البحر\" حيث قال: وأفاد صحة إطلاق الحكم على المكروه تحريما. وذكر العلامة ابن عابدين في \"رد المختار على الدر المختار\" قال: وذكر محمد في المبسوط أن أبا يوسف قال لأبي حنيفة: إذا قلت في شيء أكرهه، فما رأيك فيه؟ قال: التحريم.\nوقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتاب \"اقتضاء الصراط المستقيم\": لفظ \"التوسل\" بالشخص والتوجه به والتوسل به فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة، يراد التسبب به، لكونه داعيا وشافعا مثلا، أو يكون الداعي محبا له مطيعا لأمره، مقتديا به، فيكون التسبب إما بمحبة السائل واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته. ويراد به الإقسام به، والتوسل بذاته. فهذا هو الذي كرهوه ونهوا عنه.\n_________\n١ في المطبوعتين: (ويقول في دعائه) وهو خطأ والمثبت من \"الإغاثة\" ص ١١٤ ط الميمنية.","vol":"1","page":87},{"text":"وكذلك لفظ \"السؤال بالشيء\" قد يراد به المعنى الأول، وهو التسبب به لكونه سببا في حصول المطلوب. وقد يراد به الإقسام، ومن الأول حديث الثلاثة الذين آووا إلى غار، وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم فقالوا: ليدع كل رجل منكم بأفضل عمله، فدعوا الله بصالح أعمالهم، لأن الأعمال الصالحة التي هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله ويتوجه به إليه ويسأله به، وهؤلاء دعوه بعبادته، وفعل ما أمر به من العمل الصالح والتضرع، وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ابنها لما قالت: \"اللهم إني آمنت بك وبرسولك وهاجرت في سبيلك\" وسألت الله أن يحيي ولدها، وأمثال ذلك. وهذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران-١٩٣] الآيات، فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.\nوأما قوله في حديث أبي سعيد: \"أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا\" فهذا الحديث رواه عطية العوفي وفيه ضعف، لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به، والتوجه به، والتسبب به. ولو قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من صفاته، فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله في الحديث الصحيح: \"أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك،","vol":"1","page":88},{"text":"وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك\".\nوالاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، فاستعاذ ﷺ بعفوه ومعافاته من عقوبته، مع أنه لا يستعاذ بمخلوق، كسؤال الله بإجابته وإثابته، وإن كان لا يسأل بمخلوق.\nومن قال من العلماء لا يسأل الله إلا به لا ينافي السؤال بصفاته، كما أن الحلف لا يشرع إلا بالله، ومن حلف بغير الله فقد أشرك، ومع هذا فالحلف بعزة الله ولعمر الله ونحو ذلك مما ثبت عن النبي ﷺ الحلف به لم يدخل في الحلف بغير الله.\nوأما قول بعض الناس: \"أسألك بالله وبالرحم\" وقراءة من قرأ: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره توسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس من باب الإقسام، ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب بالتوسل بدعاء الأنبياء وطاعتهم. انتهىملخصا.\nوقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أيضا: وأما استشفاع الناس بالنبي ﷺ يوم القيامة فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله، كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم في الاستسقاء وغيره.\nوقول عمر ﵁: \"كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا\" معناه: إنا نتوسل بدعائه","vol":"1","page":89},{"text":"وشفاعته، ليس المراد به نقسم عليك به، أو ما يجري هذا المجرى مما يفعل بعد موته وفي مغيبه، كما يقول بعض الناس: \"أسألك بجاه فلان عندك\" ويقولون: \"إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه\" ويروون حديثا موضوعا: \"إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عريض\". فإنه لو كان هذا التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه كماذكر عمر ﵁ لفعلوا ذلك بعد موته، ولم يعدلوا عنه إلى العباس، مع علمهم أن السؤال به والإقسام به أعظم من العباس.\nفعلم أن التوسل الذي ذكروه هو مما بفعل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي يطلب منه ذلك، والميت لا يطلب منه شيء لا دعاء ولا غيره.\nوكذلك حديث الأعمى، فإنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له ليرد الله عليه بصره، فعلمه النبي ﷺ دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي ﷺ شفع فيه، وأمره أن يسأل الله فبول شفاعته، وأن قوله: \" أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة\" أي بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: \"كنا نتوسل إليك بنبينا\" فلفظ التوجه والتوسل في الحديثين بمعنى واحد، ثم قال: \" يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه في\" فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه، وقوله: \"يا محمد يا نبي الله\" هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، فيخاطب المشهود بالقلب كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب.","vol":"1","page":90},{"text":"واعلم رحمك الله ان العبادات مبناها على الأمر والاتباع، لا على الهوى والابتداع، والتوسل الذي جاءت به السنة والأحاديث الصحيحة هو التوسل والتوجه إلى الله بأسمائه وصفاته، وبالأعمال الصالحة كالأدعية الواردة في السنة نحو: \"اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلالوالإكرام، يا حي يا قيوم\" وفي الحديث الآخر: \"اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد \" وكقوله في الحديث الآخر: \"اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك\" وكما حكاه الله سبحانه عن عباده المؤمنين أنهم توسلوا إليه بصالح أعمالهم، فقال تعالى حاكيا عنهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَاسَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران-١٩٣] الآية، وكذلك ما تقدم من قصة الثلاثة الذين آووا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، وكالتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم في حياتهم، كما كان الصحابة يتوسلون بالنبي ﷺ في الاستسقاء، وكذا توسلهم بالعباس، وبيزيد بن الأسود، وتوسل الأعمى بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، فهذا من الأمور المشروعة ولا نزاع فيه.\nوأما التوسل بالذوات فما الدليل على جوازه؟ ومن قال هذا من الصحابة والتابعين؟ وإذا وقع النزاع في مسألة وجب رد ذلك","vol":"1","page":91},{"text":"إلى الله والرسول كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء-٥٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى-١٠] ومعلوم أن هذا لم يكن منقولا عن النبي ﷺ ولا أحد من السلف، ولا ريب الأنبياء والصالحين لهم\nالجاه عند الله لكن الذي لهم عند الله من الجاه والمنازل والدرجات أمر يعود نفعه إليهم.\nونحن ننتفع من ذلك باتباعنا لهم، ومحبتنا، فإذا توسلنا إلى الله بإيماننا بنبيه ﷺ ومحبته وطاعته واتباع سنته كان هذا من أعظم الوسائل.\nوأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته فلا يكون وسيلة، فالمتوسل بالمخلوق إذا لم يتوسل بدعائه أو بمحبته واتباعه فبأي شيء يتوسل؟؟ والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك، مثل أن يقول لأبي الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه: اشفع لنا عند فلان. فهذا جائز، وإما أن يقسم عليه، ولا يجوز الإقسام بمخلوق، كما أنه لا يجوز أن يقسم على الله بالمخلوقين.\nويزيد المقام وضوحا ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد كلام سبق، قال:\nلفظ التوسل والتوجه يراد به أن يتوسل إلى الله ويتوجه إليه بدعائهم وشفاعتهم، فهذا هو الذي جاء في ألفاظ الصحابة من","vol":"1","page":92},{"text":"السلف رضوان الله عليهم، كما في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس وقال: \"اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا\"فهذا إخبار من عمر ﵁ بما كانوا يفعلونه، وتوسل منهم بالعباس كما كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ.\nقال: وهذا هو الذي ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء، قالوا: ويستحب أن يستسقى بالصالحين، وإن كانوا من أقارب رسول الله ﷺ فهو أفضل. انتهى.\nوقد أزحت بحمد الله الإشكال، وأوضحت فيه الحال، وقد قرر جمع من العلماء ما قرره شيخ الإسلام في معنى حديث الأعمى، وبينوا أنه ليس فيه إلا طلب الدعاء من النبي ﷺ، وأنه لا دلالة فيه\nعلى التوسل بالذات كالعلامة السويدي، وابنه، والشيخ نعمان بن العلامة محمود أفندي الآلوسي في رده على هذا العراقي، ونقل كلامهم يفضي إلى التطويل، وقد تقدم ما فيه كفاية لطالب الحق.\nوقال السويدي ﵀ في \"شرح العقد الثمين\" بعد كلام سبق:\nوهذا التوسل الذي ذكره فيه الخلاف فيما إذا كان الداعي يتوجه إلى ربه متوسلا إليه بغيره، مثل أن يقول: أسألك بجاه فلان عندك، أو بحرمته، أو بحقه، وأما إذا توجه إلى ذلك الغير، وطلب منه فهو شرك كما تحقق، انتهى.\nوهذا عين التحقيق، وبالله تعالى التوفيق.","vol":"1","page":93},{"text":"وقد أكثر هذا العراقي من ذكر عبارات الفقهاء في باب الاستسقاء من قولهم: (ويباح التوسل بالصالحين) وأكثر من تكرير عباراتهم في ذلك للتهويل، وطول بذلك أشد التطويل، وظن أن في ذلك دليلا على ما يدعو إليه من الشرك بالله، وحاشا علماء الدين، وأهل الحق واليقين، أن يجوزوا الشرك بالله أو أن يحوموا حول حماه، وإنما معنى ذلك التوسل بدعائهم وابتهالهم لا غير، كما تقدم ذلك والله أعلم.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>فصل: في رد ما استدل به العراقي على دعواه بما روي عن ابن عمر وابن عباس: أن رجله خدرت، فقيل: اذكر أحب الناس إليك فقال: يا محمد</span>\n...\nفصل:\nوذكر العراقي ما روي عن ابن عمر وابن عباس ﵄: \"أن كلا منهما خدرت رجله فقيل لكل واحد منهما: اذكر أحب الناس إليك. فقال: يا محمد\".\nوالجواب أن يقال: سبحان الله، هذا غاية ما عند هذا وأمثاله، ونهاية محصول إشكاله.\nكيف يروم معارضة القواطع القرآنية، والأحاديث النبوية، الدالة على وجوب إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله وحده، ويحاول صرف الدعاء الذي هو مخ العبادة إلى غير الله تعالى بهذا ونحوه. ولنذكر الجواب على ذلك:\nقال الشهاب الخفاجي رحمه الله تعالى في \"شرح الشفاء\" وأثر١ ابن عمر ﵄ رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة. \"خدرت رجله\" أي أصابها خدر، وهو أمر يعتري الرجل لما يصيب العصب، فيمنع من تحريكها بسهولة، ويزول سريعا، لأنه لو امتد كان فالجا، أو مقدماته. فقيل له: \"اذكر أحب الناس إليك\"\n_________\n١ في المطبوعتين: (وروى) .","vol":"1","page":95},{"text":"لأن الناس جربوا في الخدران من أصابه إذا ذكر محبوبه زال بسهولة، لأنه بمسرته تنتعش الحرارة الغريزية فيندفع الخدر \"فصاح يا محمداه\" يعنيه ﷺ، لأنه أحب الناس إليه، وإلى كل مؤمن. \"فانتشرت رجله\" أي امتدت لزوال خدرها، وهذا يقتضي صحة ما جربوه، وقد يقال: إنه وقع مثله لابن عباس ﵁، وفيه يقول أبو العتاهية:\nوتخدر في بعض الأحايين رجله ... فإن لم يقل يا عتب لم يذهب الخدر\nانتهى.\nفهذا جواب ما ذكره ذو اللب المعكوس، والقلب المنكوس. وهل يحتج بمثل هذا الأثر المذكور بصيغة التمريض على جواز الشرك بالله إلا ذو قلب مريض؟.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>فصل: في رد قول العراقي الجاني: إن السجود لغير الله محرم، والتوسل لم يذكره الفقهاء في كبائر الذنوب ولا صغارها. ورد هذه السفسطة</span>\n...\nفصل:\nقال العراقي: (وهاهنا شيء يفيدك إن كنت تزعم أن التوسل ونداء الأنبياء والصالحين وطلب الشفاعة منهم حرام، فقد ذكر الفقهاء من كل مذهب في باب الشهادة: المحرمات الكبائر والصغائر، واستوعبوها، فانظر هل ترى هذا من المحرم؟ ثم قال: نعم، ذكروا أن السجود لغير الله من المحرمات، فإذا كان السجود لغير الله من المحرمات، وهو من أخص العبادات الخاصة بالله لم يحكم على فاعله إلا بالذنب دون الكفر المخرج عن الملة،\nفكيف يكون التوسل كفرا) انتهى.\nأقول: تأمل كلام هذا الضال المخذول، وانظر إلى خروجه عن المسموع والمعقول، يقول: إن السجود لغير الله محرم. فظاهر كلامه أن السجود لغير الله محرم، وليس بشرك عنده، وأيضا: أن السجود لغير الله ذنب، وليس بشرك. فانظر حيرة هذا الجاهل وعمايته، وبلوغه في الضلال غايته ونهايته، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف-٣٣]، فهل صرح القرآن بأن الشرك من","vol":"1","page":97},{"text":"المحرمات أم لا؟! فالشرك أعظم ذنب عصي الله به، وأشد المحرمات تحريما، وأعظمها عند الله تأثيما، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله: \"أي الذنب أعظم عند الله\"؟ قال: \"أن تجعل لله ندا وهو خلقك\" قلت: \"ثم أي\"؟ قال: \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك\" قلت:\"ثم أي\"؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك\" فأنزل الله تصديق ذلك ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان-٦٨] الآيات. فانظر هل سمى الشرك ذنبا؟! والشرك أظلم الظلم، كما في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أيضا قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام-٨٢] شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان-١٣] .\nفليت شعري ما الذي يخرج عند هذا من الملة إذا كان الشرك بالله لا يخرج عنده من الملة، وإنما هو ذنب!؟\nقوله: (فلو كان ذلك كفرا للزم ذكره في باب الردة ... إلى آخر كلامه) .\nيقال: قد ذكر ذلك الجهابذة العلماء، وصرح به النبلاء والفهماء اتباعا لكتاب الله وسنة رسوله، كما تقدم من كلامهم القليل، لكن ثم ماذا إذا أعمى الله بصيرتك ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ .","vol":"1","page":98},{"text":"وقال البخاري ﵀ في صحيحه: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، لقول النبي ﷺ: \"إنك امرؤ فيك جاهلية\" وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء-٤٨] .\nوانظر إلى باب الردة من كل مذهب، فأول ما يذكره الفقهاء أن يقولوا: من أشرك بالله تعالى كفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء-٤٨] .\nومرادهم هذا الذي تسميه أنت وأضرابك: توسلا وتشفعا واستمدادا، وهل ينفعك تسميته بغير اسمه، وتغيير حقيقته ورسمه، فالشرك بالله تعالى الذي قامت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكلام العلماء شرك بالله، شاء المشرك أم أبى. وهل ينفع شارب الخمر تسميته بغير اسمه، أو المرابي تسميته الربا بغير اسمه، والنظر إلى المسمى لا إلى الاسم، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>فصل: في رد افترائه علينا بأنا كفرنا الصحابة في قولهم للنبي ﷺ: اجعل لنا ذات أنواط</span>\n...\nفصل:\nثم كذب العراقي وافترى فقال: (وقد كفر هؤلاء الناس الصحابة بقولهم للنبي ﷺ: اجعل لنا ذات أنواط، ثم ذكر أنهم خوارج، وذكر بعض الأحاديث التي وردت في الخوارج) .\nوالجواب أن هذه الدعوة كاذبة، فتقابل بالرد والمنع، وعدم القبول، ومن المعلوم أن المشار إليهم من أشد الناس تعظيما ومحبة للصحابة، وأعظمهم اتباعا لهم، واقتفاء لآثارهم، ولكن لما تصدوا لبيان شركه، وانتصبوا لهتك باطله وإفكه، وأولجوه المضايق، وبينوا الحجج الواضحة وحققوا الحقائق، فصار قصاراه بهتهم ورميهم بما هم براء منه، وما أشبهه بمن قيل فيه:\nويشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولاسيما أن أولجوه المضايقا\nوالفرق بينهم وبين الخوارج: أن الخوارج يكفرون بكبائر الذنوب،كالزنا والسرقة وشرب المسكر ونحو ذلك، كما ذكره أرباب المقالات.\nوهؤلاء إنما يكفرون بالشرك بالله، كما تقدم بعض بيان ذلك بالأدلة الظاهرة، والحجج المتناصرة، من الكتاب والسنة وكلام علماء الأمة.","vol":"1","page":100},{"text":"وأما الذنوب كالزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوها فحاشاهم من التكفير بذلك كما تقدم، فسبحان من طبع على قلوب من شاء من خلقه بعدله.\nوالخوارج كفروا الصحابة ﵃ بما جرى بينهم من القتال، كما جرى في وقعة الجمل بالبصرة بين علي وطلحة والزبير وعائشة، وكما جرى بين علي ومعاوية في صفين، وتلك الذنوب لا يكفر فاعلها، والصحابة ﵃ لهم حسنات عظيمة ماحية: إيمان، وهجرة، وأعمال، وجهاد. فالخوارج إنما كفروا أهل الإيمان بالذنوب.\nوهذا وأمثاله عادوا أهل التوحيد لما أنكروا عليهم الشرك بالله، ودعوهم إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، كما كان الصحابة ﵃ مع نبيهم ﷺ وبعده، يأمرون بالتوحيد، وينهون عن الشرك.\nفالأشبه بالخوارج على الحقيقة من يكفر أهل التوحيد، وينصر الشرك بالله والتنديد، بل هو أشد من الخوارج لأن الخوارج كفروا بالذنب، وهؤلاء كفروا بمحض الإيمان، كما قال العلامة ابن القيم:\nمن لي بشبه خوارج قد كفروا ... بالذنب تأويلا بلا إحسان\nولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا من التقصير في العرفان\nوخصومنا قد كفرونا بالذي\n... هو غاية التوحيد والإيمان\nفالذي نعتقد وندين الله به وندعو إليه هو: إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، وننكر أن يصرف منها شيء لغير","vol":"1","page":101},{"text":"الله متمسكين في ذلك بكتاب الله وسنة رسوله، وهذا هو سبيل رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين، فمن سبنا وأنكر علينا فقد سب من كان على مثل ما كان عليه الصحابة والتابعون من التوحيد ونفي الشرك، وذلك مسبة للصحابة والتابعين، فالساب في الحقيقة إنما سب الصحابة وأنكر عليهم، لأن الذي أنكره هو دينهم، وبالله التوفيق.\nفهذا آخر ما قصدناه من الكلام على شبهاته، والتنبيه على بعض خزعبلاته، وقد سقطت به - والحمد لله - أباطيله، واجتثت به وساوسه وأضاليله.\nوهذه الشبه الفاسدة، لا تخدش في وجوه براهين التوحيد القاطعة، وأدلة الكتاب والسنة القاطعة، ولو تتبعنا جميع هذيانه، وسوء فهمه لكلام العلماء، وتصرفه فيه بالتأويل والحذف لطال الخطاب، وكثر الجواب، ولكن قد حصل المقصود وهو بيان التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، والجواب عن شبهات المبطلين.\nوالحمد لله على بيان الحجة، ووضوح المحجة، و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ والله المسؤول أن يهدينا وإخواننا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضآلين.\nوكان الفراغ من رقمه عشية السبت المبارك السادس عشر من شهر ربيع الأول من سنة ١٢٩٤ بمكة المكرمة على يد مؤلفه العبد","vol":"1","page":102},{"text":"لفقير إلى رحمة ربه ومغفرته أحمد ابن إبراهيم بن عيسى، عامله الله بلطفه الخفي، وآجره على عوائد بره الحفي، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم١.\n_________\n١في آخر طبعة الشيخ نصيف: (ونقله من خط مؤلفه المذكور، الفقير إلى رحمة ربه الغفور: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عامر. فرغت من زبده سنة ١٢٩٧هـ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.\nقال مصححه: فرغت من التعليق عليه يوم عاشوراء من شهر الله الحرام سنة تسع وأربعمائة وألف. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتدوم وصلى الله على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nعبد السلام بن برجس آل عبد الكريم.","vol":"1","page":103}]}