{"ً":{"ٌ":7713,"ٍ":"شرح لمعة الاعتقاد لخالد المصلح","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح لمعة الاعتقاد\nالمؤلف: خالد بن عبد الله بن محمد المصلح\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١٩ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1030,"ٕ":1,"ٖ":1770155417,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18","19"],"ٚ":[{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [١]","level":1,"page":1},{"title":"شرح مقدمة المؤلف ﵀","level":2,"page":2},{"title":"الإيمان وأقسامه من حيث الإجمال والتفصيل","level":3,"page":3},{"title":"معنى كون أسمائه ﷿ حسنى وصفاته عليا","level":3,"page":4},{"title":"شرح البسملة","level":3,"page":5},{"title":"الحمد والثناء على الله ﷿ بصفات الكمال وتنزيهه عن صفات النقص","level":3,"page":6},{"title":"منهج السلف في تأليف كتب العقائد","level":3,"page":7},{"title":"معنى عنوان الكتاب وسبب تسميته","level":3,"page":8},{"title":"الواجب في النصوص المتعلقة بالأسماء والصفات","level":2,"page":9},{"title":"العمل فيما أشكل من نصوص الصفات","level":3,"page":10},{"title":"معنى المحكم والمتشابه في القرآن","level":3,"page":11},{"title":"صحة نفي التمثيل وإثبات التشبيه","level":3,"page":12},{"title":"الطريق التي زاغ بها أهل الضلال والانحراف عن نصوص الكتاب والسنة","level":3,"page":13},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":14},{"title":"الفرق بين التعطيل والتمثيل","level":3,"page":15},{"title":"الفرق بين الإحكام الخاص والتشابه الخاص والإحكام العام والتشابه العام","level":3,"page":16},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [٢]","level":1,"page":17},{"title":"أحكام المتشابه من الآيات والصفات","level":2,"page":18},{"title":"جعل عهدة المتشابه على ناقله","level":3,"page":19},{"title":"وجوب إثبات اللفظ والإيمان بأن له معنى","level":3,"page":20},{"title":"رد علم المتشابه إلى قائله","level":3,"page":21},{"title":"ذم التأويل","level":2,"page":22},{"title":"معنى التأويل في الآية على قراءة","level":3,"page":23},{"title":"منهج الإمام أحمد بن حنبل والشافعي في آيات الصفات","level":2,"page":24},{"title":"معنى عدم التعرض للتأويل","level":3,"page":25},{"title":"كلام الإمام الشافعي ومنهج السلف في الصفات","level":3,"page":26},{"title":"لا نعطل الله من صفاته لأجل تشنيع المبتدعة","level":3,"page":27},{"title":"معنى قول أحمد: (بلا حد ولا غاية)","level":3,"page":28},{"title":"قبول ما جاء عن الله ورسوله في الصفات وعدم رده","level":3,"page":29},{"title":"المراد من كلام أحمد (لا كيف ولا معنى)","level":3,"page":30},{"title":"معنى قوله ﷺ: (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)","level":3,"page":31},{"title":"وجوب الوقوف على ما كان عليه سلف الأمة","level":2,"page":32},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [٣]","level":1,"page":33},{"title":"بعض صفات الله ﷿ التي جاءت في القرآن","level":2,"page":34},{"title":"سبب ذكر المؤلف بعض أنواع الصفات دون غيرها","level":3,"page":35},{"title":"مذاهب الناس في آيات الصفات","level":3,"page":36},{"title":"صفة الوجه","level":3,"page":37},{"title":"أقسام الصفات","level":3,"page":38},{"title":"ذكر بعض الصفات الخبرية لله جل وعلا","level":2,"page":39},{"title":"خلاف العلماء في صفة النفس","level":3,"page":40},{"title":"صفة النفس","level":3,"page":41},{"title":"موقف أهل الكلام من صفة اليد","level":3,"page":42},{"title":"صفة اليدين","level":3,"page":43},{"title":"موقف أهل التأويل والتعطيل من صفة الوجه","level":3,"page":44},{"title":"ذكر بعض الصفات الفعلية لله ﷿","level":2,"page":45},{"title":"صفة الغضب","level":3,"page":46},{"title":"صفة السخط","level":3,"page":47},{"title":"صفة الكراهة","level":3,"page":48},{"title":"صفة المحبة","level":3,"page":49},{"title":"صفة الرضا","level":3,"page":50},{"title":"صفة المجيء وموقف المخالفين لأهل السنة من هذه الصفة","level":3,"page":51},{"title":"بعض صفات الله الفعلية التي جاءت في السنة","level":2,"page":52},{"title":"صفة العجب","level":3,"page":53},{"title":"صفة الضحك والرد على من عطلها","level":3,"page":54},{"title":"إثبات الصفات مع نفي التمثيل والتكييف","level":3,"page":55},{"title":"صفة النزول","level":3,"page":56},{"title":"الكلام على صفتي الاستواء والعلو","level":2,"page":57},{"title":"صفة العلو","level":3,"page":58},{"title":"صفة الاستواء على العرش","level":3,"page":59},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [٤]","level":1,"page":60},{"title":"تابع إثبات صفتي العلو والاستواء","level":2,"page":61},{"title":"جواب الإمام مالك للسائل عن الاستواء","level":3,"page":62},{"title":"شرح حديث الجارية وما في معناه","level":3,"page":63},{"title":"حديث الأوعال","level":3,"page":64},{"title":"من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة","level":3,"page":65},{"title":"حديث النبي ﷺ مع حصين بن المنذر الخزاعي","level":3,"page":66},{"title":"إثبات صفة الكلام لله تعالى بالأدلة","level":2,"page":67},{"title":"نداء الله ومناجاته لموسى بحرف وصوت","level":3,"page":68},{"title":"أنواع الوحي وكلام الله لبعض الرسل","level":3,"page":69},{"title":"كلام الله قديم لا أول له متجدد حسب فعله سبحانه","level":3,"page":70},{"title":"كلام الله عام لجميع الناس يوم القيامة","level":3,"page":71},{"title":"كلام الله وعلاقته بجميع الرسل","level":3,"page":72},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [٥]","level":1,"page":73},{"title":"إنكار صفة الكلام لله تعالى يؤدي إلى إنكار الرسالة","level":2,"page":74},{"title":"القرآن الكريم.","level":2,"page":75},{"title":"القرآن أجزاء وأبعاض يتلى ويحفظ ويكتب ويسمع","level":3,"page":76},{"title":"أجر قارئ القرآن","level":3,"page":77},{"title":"القرآن سور وآيات وكلمات","level":3,"page":78},{"title":"القرآن بدأ من الله وإليه يعود","level":3,"page":79},{"title":"القرآن منزل غير مخلوق","level":3,"page":80},{"title":"القرآن صراط الله المستقيم المنزل من عند الله","level":3,"page":81},{"title":"القرآن العظيم من كلام الله سبحانه","level":3,"page":82},{"title":"القرآن كتاب الله المبين وحبله المتين","level":3,"page":83},{"title":"من أقسام علوم القرآن","level":2,"page":84},{"title":"القرآن فيه خاص وعام وأمر ونهي","level":3,"page":85},{"title":"القرآن ناسخ ومنسوخ","level":3,"page":86},{"title":"القرآن محكم ومتشابه","level":3,"page":87},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [٦]","level":1,"page":88},{"title":"دحض شبه الطاعنين في القرآن","level":2,"page":89},{"title":"تكذيب الله لمن وصف القرآن بالشعر","level":3,"page":90},{"title":"تحدي الله للمكذبين أن يأتوا بمثل القرآن","level":3,"page":91},{"title":"القرآن كلمات وحروف وألفاظ من الله","level":2,"page":92},{"title":"إقسام الله على أن القرآن كلامه","level":2,"page":93},{"title":"القرآن كلام الله لفظه ومعناه","level":2,"page":94},{"title":"منزلة إعراب القرآن في الشرع","level":2,"page":95},{"title":"حكم من جحد حرفا من القرآن","level":2,"page":96},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [٧]","level":1,"page":97},{"title":"إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة","level":2,"page":98},{"title":"مذاهب الفرق في إثبات الرؤية","level":3,"page":99},{"title":"حصر الرؤية في الآخرة على المؤمنين","level":3,"page":100},{"title":"شبهات حول مسألة الرؤية","level":2,"page":101},{"title":"الجواب على المستدلين لنفي الرؤية بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار)","level":3,"page":102},{"title":"الجواب على المستدلين لنفي الرؤية بقوله تعالى: (لن تراني)","level":3,"page":103},{"title":"خلاف أهل السنة والجماعة في إثبات رؤية الكفار لربهم يوم القيامة","level":3,"page":104},{"title":"ترك التخصيص إذا أوهم معنى قبيحا","level":3,"page":105},{"title":"حقيقة الرؤية وذكر بعض أدلتها","level":2,"page":106},{"title":"حجب الكافرين عن رؤية الله ومعناه","level":3,"page":107},{"title":"الحكمة في تشبيه رؤية الله برؤية الشمس والقمر","level":3,"page":108},{"title":"إثبات زيارة المؤمنين لله ﷿","level":3,"page":109},{"title":"رؤية الله في الدنيا","level":2,"page":110},{"title":"لا يرى الله ﷾ في الدنيا يقظة","level":3,"page":111},{"title":"خلاف العلماء في حكم رؤية الله في المنام","level":3,"page":112},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [٨]","level":1,"page":113},{"title":"الإيمان بالقدر","level":2,"page":114},{"title":"تعريف القدر لغة وشرعا","level":3,"page":115},{"title":"مراتب القدر","level":3,"page":116},{"title":"الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب الإيمان بالقدر","level":3,"page":117},{"title":"أنواع الإرادة","level":2,"page":118},{"title":"الإرادة الشرعية","level":3,"page":119},{"title":"أمثلة على الإرادة الكونية والشرعية","level":3,"page":120},{"title":"الإرادة الكونية","level":3,"page":121},{"title":"مخالفة العاصين وعلاقتها بإرادة الله","level":3,"page":122},{"title":"ما قدره الله لا يخرج عن اللوح المحفوظ","level":3,"page":123},{"title":"لا مهرب عما قدره الله","level":3,"page":124},{"title":"كل ما في الكون لا يخرج عن تقدير الله","level":3,"page":125},{"title":"كل ما في الكون تحت تصرف الله وإرادته","level":3,"page":126},{"title":"أفعال العباد وضلال الطوائف فيها","level":2,"page":127},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [٩]","level":1,"page":128},{"title":"وجوب الإيمان بالقدر","level":2,"page":129},{"title":"الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية","level":3,"page":130},{"title":"الخلاف في عود الضمير في قوله تعالى: (نبرأها)","level":3,"page":131},{"title":"كل شيء بقدر","level":3,"page":132},{"title":"خلق أفعال العباد","level":3,"page":133},{"title":"كل أفعال الله ﷿ فيها حكمة ولكن قد تخفى على البعض","level":3,"page":134},{"title":"الكلام على خلق الشر وتقديره","level":2,"page":135},{"title":"نسبة الشر إلى الله","level":3,"page":136},{"title":"خلق الله للشر وتقديره له","level":3,"page":137},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [١٠]","level":1,"page":138},{"title":"حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية","level":2,"page":139},{"title":"الأدلة على أن للعبد مشيئة واختيارا","level":3,"page":140},{"title":"موقف القدرية من القدر","level":3,"page":141},{"title":"الرد على من يحتج بالقدر على فعل المعاصي","level":3,"page":142},{"title":"احتجاج الجبرية على المعاصي بالقدر","level":3,"page":143},{"title":"النقض على الجبرية في احتجاجهم بمحاجة آدم وموسى","level":2,"page":144},{"title":"ذكر الكسب ليس مختصا بالأشعرية","level":2,"page":145},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [١١]","level":1,"page":146},{"title":"عقيدة أهل السنة في الإيمان والجواب على مخالفيهم","level":2,"page":147},{"title":"الإيمان قول واعتقاد وعمل","level":3,"page":148},{"title":"أول من قال بالإرجاء من الفقهاء","level":3,"page":149},{"title":"وجه الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء","level":3,"page":150},{"title":"الإيمان يزيد وينقص","level":3,"page":151},{"title":"هل يدخل جنس العمل في مسمى الإيمان","level":2,"page":152},{"title":"وجوب الإيمان بكل غيب أخبر به النبي ﷺ","level":2,"page":153},{"title":"من خصائص المؤمن الإيمان بالغيب كله","level":3,"page":154},{"title":"وجوب الإيمان بالإسراء والمعراج","level":3,"page":155},{"title":"بيان أن الإسراء كان يقظة لا مناما، وكان بالروح والجسد","level":3,"page":156},{"title":"موقف قريش من الإسراء والمعراج","level":3,"page":157},{"title":"مجيء ملك الموت إلى موسى ﵇","level":3,"page":158},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [١٢]","level":1,"page":159},{"title":"من الإيمان بالغيب الإيمان بأشراط الساعة","level":2,"page":160},{"title":"بعثة النبي ﷺ من أشراط الساعة","level":3,"page":161},{"title":"أقسام أشراط الساعة","level":3,"page":162},{"title":"فائدة معرفة أشراط الساعة وعلاماتها","level":3,"page":163},{"title":"الأشراط الكبرى للساعة","level":2,"page":164},{"title":"من أشراط الساعة خروج الدجال","level":3,"page":165},{"title":"من أشراط الساعة نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال","level":3,"page":166},{"title":"من أشراط الساعة خروج يأجوج ومأجوج","level":3,"page":167},{"title":"من أشراط الساعة خروج الدابة","level":3,"page":168},{"title":"من أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها","level":3,"page":169},{"title":"وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنته","level":2,"page":170},{"title":"عذاب القبر ونعيمه حق","level":2,"page":171},{"title":"فتنة القبر","level":3,"page":172},{"title":"هل يفتن الأنبياء والشهداء في قبورهم؟","level":3,"page":173},{"title":"هل يفتن الصغير والمجنون والمعتوه في قبورهم","level":3,"page":174},{"title":"الرد على من أنكر فتنة القبر وعذابه","level":3,"page":175},{"title":"سؤال منكر ونكير للميت وسبب تسميتهما بهذين الاسمين","level":3,"page":176},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [١٣]","level":1,"page":177},{"title":"الإيمان بحشر الخلائق","level":2,"page":178},{"title":"الشفاعة العظمى للنبي في الموقف","level":2,"page":179},{"title":"حساب الله للخلائق يوم القيامة","level":2,"page":180},{"title":"كيفية محاسبة الله للمؤمنين والكافرين","level":3,"page":181},{"title":"نصب الموازين للحساب","level":3,"page":182},{"title":"نشر الدواوين وتطاير الصحف بأعمال العباد","level":3,"page":183},{"title":"وصف الميزان","level":3,"page":184},{"title":"صفة الحوض","level":2,"page":185},{"title":"صفة الصراط ومن يجوزه","level":2,"page":186},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [١٤]","level":1,"page":187},{"title":"أنواع الشفاعة في الآخرة","level":2,"page":188},{"title":"معنى الشفاعة لغة واصطلاحا","level":3,"page":189},{"title":"الشفاعات التي اختص بها النبي ﷺ","level":3,"page":190},{"title":"شفاعة الأنبياء وقت اجتياز الصراط","level":3,"page":191},{"title":"الشفاعات المشتركة بين الأنبياء وغيرهم","level":3,"page":192},{"title":"شروط الشفاعة","level":3,"page":193},{"title":"الشفاعة المنفية في القرآن عن الكافرين","level":3,"page":194},{"title":"وصف الجنة والنار ووصف أهلهما","level":2,"page":195},{"title":"عقيدة أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان","level":3,"page":196},{"title":"الجنة والنار لا تفنيان","level":3,"page":197},{"title":"صفات أهل الجنة والنار","level":3,"page":198},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [١٥]","level":1,"page":199},{"title":"ذبح الموت يوم القيامة","level":2,"page":200},{"title":"خصائص النبي ﷺ في الدنيا","level":2,"page":201},{"title":"دلائل نبوة النبي ﵊","level":2,"page":202},{"title":"وجوب الإيمان برسالة النبي ﷺ","level":2,"page":203},{"title":"خصائص النبي ﷺ في الآخرة","level":2,"page":204},{"title":"شفاعته للقضاء بين أهل الموقف","level":3,"page":205},{"title":"شفاعته لأهل الجنة بدخولها","level":3,"page":206},{"title":"لواء الحمد المعقود للنبي ﷺ في الموقف","level":3,"page":207},{"title":"حوض النبي ﵊","level":3,"page":208},{"title":"إمامته وقدوته للأنبياء في الموقف","level":3,"page":209},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [١٦]","level":1,"page":210},{"title":"أصحاب النبي ﷺ والمفاضلة بينهم","level":2,"page":211},{"title":"أصحاب محمد ﷺ هم خير الصحاب الأنبياء","level":3,"page":212},{"title":"المفاضلة الخاصة بين الصحابة دون التنقص لأحد","level":3,"page":213},{"title":"ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل كترتيبهم في الخلافة","level":3,"page":214},{"title":"خلاف أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي","level":3,"page":215},{"title":"أدلة استحقاق الخلفاء الراشدين للخلافة على الترتيب","level":2,"page":216},{"title":"إجماع الصحابة على تقديم أبي بكر ومبايعته","level":3,"page":217},{"title":"استخلاف أبي بكر لعمر وفضله","level":3,"page":218},{"title":"فضل عثمان ﵁","level":3,"page":219},{"title":"فضل علي بن أبي طالب ﵁","level":3,"page":220},{"title":"الالتزام بسنة النبي ﷺ وخلفائه من بعده","level":2,"page":221},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [١٧]","level":1,"page":222},{"title":"الشهادة للعشرة المبشرين بالجنة","level":2,"page":223},{"title":"كل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له","level":2,"page":224},{"title":"من اعتقاد أهل السنة أنهم لا يقطعون لأحد بجنة أو نار","level":2,"page":225},{"title":"شهادة النبي ﷺ لمعينين بالنار","level":3,"page":226},{"title":"أهل السنة لا يكفرون بالذنوب","level":2,"page":227},{"title":"من عقيدة أهل السنة الحج والجهاد مع كل إمام","level":2,"page":228},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [١٨]","level":1,"page":229},{"title":"حقوق الصحابة ﵃","level":2,"page":230},{"title":"تعريف الصحابي وتفاوت الصحابة في الصحبة","level":3,"page":231},{"title":"وجوب محبة الصحابة وتوليهم والكف عن ذكر مساوئهم","level":3,"page":232},{"title":"وجوب اعتقاد فضل الصحابة والكف عما شجر بينهم","level":3,"page":233},{"title":"حرمة سب الصحابة","level":3,"page":234},{"title":"فضل أمهات المؤمنين ﵅ وحقوقهن","level":2,"page":235},{"title":"حكم سب الصحابة","level":3,"page":236},{"title":"من هن أمهات المؤمنين؟ وكم عددهن؟","level":3,"page":237},{"title":"أفضل أمهات المؤمنين خديجة وعائشة","level":3,"page":238},{"title":"حكم من قذف أمهات المؤمنين","level":3,"page":239},{"title":"فضل معاوية ﵁","level":2,"page":240},{"title":"هل يعد أقارب أمهات المؤمنين أقاربا للمؤمنين","level":3,"page":241},{"title":"شرح لمعة الاعتقاد [١٩]","level":1,"page":242},{"title":"طاعة ولاة أمور المسلمين","level":2,"page":243},{"title":"حكم الطاعة في المعصية","level":3,"page":244},{"title":"المقصود بالولاية","level":3,"page":245},{"title":"طرق الولاية","level":3,"page":246},{"title":"فائدة ولاة الأمر","level":3,"page":247},{"title":"التعامل مع أهل البدع","level":2,"page":248},{"title":"هجر أهل البدع","level":3,"page":249},{"title":"ذم الجدال والخصومة في الدين","level":3,"page":250},{"title":"قراءة كتب أهل البدع، وسماع كلامهم","level":3,"page":251},{"title":"تعريف البدعة","level":3,"page":252},{"title":"حكم الانتساب إلى غير الإسلام والسنة","level":3,"page":253},{"title":"بيان مذاهب بعض الطوائف المبتدعة","level":2,"page":254},{"title":"الرافضة","level":3,"page":255},{"title":"الجهمية","level":3,"page":256},{"title":"الخوارج","level":3,"page":257},{"title":"القدرية","level":3,"page":258},{"title":"المرجئة","level":3,"page":259},{"title":"المعتزلة","level":3,"page":260},{"title":"الكرامية","level":3,"page":261},{"title":"الكلابية","level":3,"page":262},{"title":"الانتساب إلى إمام من أئمة أهل السنة في فروع الدين","level":2,"page":263},{"title":"حكم الاختلاف في الفروع","level":3,"page":264},{"title":"خاتمة الكتاب","level":2,"page":265}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"2,1":17,"2,2":18,"2,3":19,"2,4":20,"2,5":21,"2,6":22,"2,7":23,"2,8":24,"2,9":25,"2,10":26,"2,11":27,"2,12":28,"2,13":29,"2,14":30,"2,15":31,"2,16":32,"3,1":33,"3,2":34,"3,3":35,"3,4":36,"3,5":37,"3,6":38,"3,7":39,"3,8":40,"3,9":41,"3,10":42,"3,11":43,"3,12":44,"3,13":45,"3,14":46,"3,15":47,"3,16":48,"3,17":49,"3,18":50,"3,19":51,"3,20":52,"3,21":53,"3,22":54,"3,23":55,"3,24":56,"3,25":57,"3,26":58,"3,27":59,"4,1":60,"4,2":61,"4,3":62,"4,4":63,"4,5":64,"4,6":65,"4,7":66,"4,8":67,"4,9":68,"4,10":69,"4,11":70,"4,12":71,"4,13":72,"5,1":73,"5,2":74,"5,3":75,"5,4":76,"5,5":77,"5,6":78,"5,7":79,"5,8":80,"5,9":81,"5,10":82,"5,11":83,"5,12":84,"5,13":85,"5,14":86,"5,15":87,"6,1":88,"6,2":89,"6,3":90,"6,4":91,"6,5":92,"6,6":93,"6,7":94,"6,8":95,"6,9":96,"7,1":97,"7,2":98,"7,3":99,"7,4":100,"7,5":101,"7,6":102,"7,7":103,"7,8":104,"7,9":105,"7,10":106,"7,11":107,"7,12":108,"7,13":109,"7,14":110,"7,15":111,"7,16":112,"8,1":113,"8,2":114,"8,3":115,"8,4":116,"8,5":117,"8,6":118,"8,7":119,"8,8":120,"8,9":121,"8,10":122,"8,11":123,"8,12":124,"8,13":125,"8,14":126,"8,15":127,"9,1":128,"9,2":129,"9,3":130,"9,4":131,"9,5":132,"9,6":133,"9,7":134,"9,8":135,"9,9":136,"9,10":137,"10,1":138,"10,2":139,"10,3":140,"10,4":141,"10,5":142,"10,6":143,"10,7":144,"10,8":145,"11,1":146,"11,2":147,"11,3":148,"11,4":149,"11,5":150,"11,6":151,"11,7":152,"11,8":153,"11,9":154,"11,10":155,"11,11":156,"11,12":157,"11,13":158,"12,1":159,"12,2":160,"12,3":161,"12,4":162,"12,5":163,"12,6":164,"12,7":165,"12,8":166,"12,9":167,"12,10":168,"12,11":169,"12,12":170,"12,13":171,"12,14":172,"12,15":173,"12,16":174,"12,17":175,"12,18":176,"13,1":177,"13,2":178,"13,3":179,"13,4":180,"13,5":181,"13,6":182,"13,7":183,"13,8":184,"13,9":185,"13,10":186,"14,1":187,"14,2":188,"14,3":189,"14,4":190,"14,5":191,"14,6":192,"14,7":193,"14,8":194,"14,9":195,"14,10":196,"14,11":197,"14,12":198,"15,1":199,"15,2":200,"15,3":201,"15,4":202,"15,5":203,"15,6":204,"15,7":205,"15,8":206,"15,9":207,"15,10":208,"15,11":209,"16,1":210,"16,2":211,"16,3":212,"16,4":213,"16,5":214,"16,6":215,"16,7":216,"16,8":217,"16,9":218,"16,10":219,"16,11":220,"16,12":221,"17,1":222,"17,2":223,"17,3":224,"17,4":225,"17,5":226,"17,6":227,"17,7":228,"18,1":229,"18,2":230,"18,3":231,"18,4":232,"18,5":233,"18,6":234,"18,7":235,"18,8":236,"18,9":237,"18,10":238,"18,11":239,"18,12":240,"18,13":241,"19,1":242,"19,2":243,"19,3":244,"19,4":245,"19,5":246,"19,6":247,"19,7":248,"19,8":249,"19,9":250,"19,10":251,"19,11":252,"19,12":253,"19,13":254,"19,14":255,"19,15":256,"19,16":257,"19,17":258,"19,18":259,"19,19":260,"19,20":261,"19,21":262,"19,22":263,"19,23":264,"19,24":265},"ٜ":{"1":[1,16],"2":[1,16],"3":[1,27],"4":[1,13],"5":[1,15],"6":[1,9],"7":[1,16],"8":[1,15],"9":[1,10],"10":[1,8],"11":[1,13],"12":[1,18],"13":[1,10],"14":[1,12],"15":[1,11],"16":[1,12],"17":[1,7],"18":[1,13],"19":[1,24]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","12,14","12,15","12,16","12,17","12,18","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","14,1","14,2","14,3","14,4","14,5","14,6","14,7","14,8","14,9","14,10","14,11","14,12","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","15,6","15,7","15,8","15,9","15,10","15,11","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","16,6","16,7","16,8","16,9","16,10","16,11","16,12","17,1","17,2","17,3","17,4","17,5","17,6","17,7","18,1","18,2","18,3","18,4","18,5","18,6","18,7","18,8","18,9","18,10","18,11","18,12","18,13","19,1","19,2","19,3","19,4","19,5","19,6","19,7","19,8","19,9","19,10","19,11","19,12","19,13","19,14","19,15","19,16","19,17","19,18","19,19","19,20","19,21","19,22","19,23","19,24"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186],"187":[187],"188":[188],"189":[189],"190":[190],"191":[191],"192":[192],"193":[193],"194":[194],"195":[195],"196":[196],"197":[197],"198":[198],"199":[199],"200":[200],"201":[201],"202":[202],"203":[203],"204":[204],"205":[205],"206":[206],"207":[207],"208":[208],"209":[209],"210":[210],"211":[211],"212":[212],"213":[213],"214":[214],"215":[215],"216":[216],"217":[217],"218":[218],"219":[219],"220":[220],"221":[221],"222":[222],"223":[223],"224":[224],"225":[225],"226":[226],"227":[227],"228":[228],"229":[229],"230":[230],"231":[231],"232":[232],"233":[233],"234":[234],"235":[235],"236":[236],"237":[237],"238":[238],"239":[239],"240":[240],"241":[241],"242":[242],"243":[243],"244":[244],"245":[245],"246":[246],"247":[247],"248":[248],"249":[249],"250":[250],"251":[251],"252":[252],"253":[253],"254":[254],"255":[255],"256":[256],"257":[257],"258":[258],"259":[259],"260":[260],"261":[261],"262":[262],"263":[263],"264":[264],"265":[265]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>شرح لمعة الاعتقاد [١]</span>\nتعد لمعة الاعتقاد للموفق ابن قدامة، من الكتب السلفية النافعة في معرفة اعتقاد أهل السنة في أصول الإيمان، فقد بين فيها منهج السلف الصالح تجاه الآيات والأحاديث الواردة في أسماء الله وصفاته، وموقفهم من المحكم والمتشابه، وغيرها من عقيدة أهل السنة.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>شرح مقدمة المؤلف ﵀</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين،وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فيقول الإمام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: [الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، له الأسماء الحسنى والصفات العلى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٦-٧]، أحاط بكل شيء علمًا، وقهر كل مخلوق عزة وحكمًا، ووسع كل شيء رحمة وعلمًا: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم] .\nسنقرأ فيه إن شاء الله تعالى هذه العقيدة المباركة التي ألفها الإمام الموفق عبد الله بن محمد بن قدامة المقدسي ﵀، وهذا المتن المختصر من متون الاعتقاد، هو متن (لمعة الاعتقاد) وهو كتاب مختصر في العقيدة ألفه مؤلفه ﵀، وضمَّنه مباحث فيما يتعلق بالإيمان بالله ﷿، والإيمان بكتبه، والإيمان برسله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر، وهذا هو أغلب ما ذكره المؤلف ﵀ في هذا الكتاب.\nوقد جرت سنة أهل العلم من أهل السنة والجماعة فيما يؤلفونه من مؤلفات في الاعتقاد أنهم ينسجون مؤلفاتهم ويرتبون كتبهم التي يكتبونها في مسائل الاعتقاد على ضوء ما جاء في حديث جبريل في ذكر أصول الإيمان؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وعلى وآله وسلم عندما سأله جبريل عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) .\nفإذا تأملت في المؤلفات والمتون والعقائد التي كتبها أهل العلم فستجدها منسوجة على نحو هذه الأصول، فإن العلماء يكتبون في الإيمان بالله، ثم في الإيمان بالملائكة، ثم في الإيمان بالكتب، ثم في الإيمان بالرسل، ثم في الإيمان باليوم الآخر، ثم في الإيمان بالقدر خيره وشره.\nوقد يركزون في مؤلفاتهم على نوع من أنواع الإيمان؛ نتيجةً لشدة الحاجة إلى بيان ما يتعلق بذلك الأصل، أو جوابًا على شبهة شاعت في هذا الأصل، لكنهم من حيث الأصل إذا تناولوا مسائل الاعتقاد فإنهم يأتون ببيان أصول الإيمان التي جاءت في حديث جبريل.\nولا غرابة في هذا؛ فإن مباحث الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة مبنية على شرح الأصول الستة: الإيمان بالله والإيمان بالكتب والإيمان بالرسل والإيمان بالملائكة والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره.\nولكن لما كان بعض هذه الأصول ليس فيه خلاف كبير، ولم تنتشر فيه المخالفات؛ قلَّ كلام أهل العلم فيه في هذه المتون وفي هذه المؤلفات التي ألفت في العقائد.\nفمثلًا: الإيمان بالملائكة لا يتكلم عنه المؤلفون في كتب العقائد كلامًا موسعًا، بل يختصرونه ويقتصرون على جمل فيه، وبعضهم قد لا يذكره بالكلية؛ بناءً على وضوحه وظهوره.\nوهكذا كل المؤلفات في العقيدة، الغالب أنها جاءت استجابة للحاجة إلى التأليف؛ إما لبيان وتجلية منهج أهل السنة والجماعة وما كان عليه السلف الصالح، ليتميز عن طريق أهل البدع، وإما جاءت في الجواب والرد على الشبه التي يثيرها هذا السبيل -سبيل أهل السنة والجماعة- فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد.\nوهذه العقيدة هي من العقائد المشهورة المعروفة عند أهل العلم، وهي من تأليف الإمام عبد الله بن محمد بن قدامة، وهو من أئمة فقهاء الحنابلة وعلمائهم، وله مؤلفات مشكورة مشهورة في الفقه، وأما هذا المؤلف فهو مما يتعلق بالاعتقاد، كما أنه ﵀ كتب عدة كتابات في مسائل الاعتقاد في غير هذا المؤلف، فمما كتبه في ذلك واشتهر عنه: كتاب (ذم التأويل) فإنه من الكتب المشهورة التي يستفاد منها في رد وإبطال شبه المنحرفين عن السنة والجماعة في مسائل الاعتقاد؛ لأنه ألفه في بيان ذم التأويل، وذكر أدلة ذلك من الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة.\nكذلك له رسالة في (العلو)، وكذلك له كتاب باسم (تحريم النظر في كتب أهل الأهواء) .","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الإيمان وأقسامه من حيث الإجمال والتفصيل</span>\nوبعد هذه المقدمة التي ذكر المؤلف ﵀ فيها الصفات العظيمة للرب جل وعلا على وجه الإجمال، ابتدأ ﵀ ذكر ما يتعلق بالأصل الأول من أصول الإيمان؛ وهو الإيمان بالله ﷿ فقال: [موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم] .\nهذا إثبات للصفات على وجه الإجمال، وهذا المسلك تلاحظه في كلام العلماء في عديد من الكتب والمؤلفات، فإنهم إذا ذكروا العقيدة يذكرون في أول اعتقادهم الإيمان المجمل، أعني: الذي ينتظم كل شيء، والذي لا يخرج عنه شيء، بحيث يكون كالمظلة التي يستظل بها جميع ما جاء من مسائل في هذا الأمر.\nففيما يتعلق بالصفات: يجب على المؤمن أن يؤمن بما وصف الله به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله ﷺ في سنته، وهذا إيمان مجمل يشمل كل ما يتعلق بصفات الله ﷿ مما أدركه الإنسان وعلمه، أو خفي عنه ولم يعلمه، أو أنه لم يتبين له معناه، فهذا هو الإيمان المجمل.\nوقد ذكر ذلك النبي ﷺ كما جاء في حديث جبريل؛ فإن حديث جبريل تضمن الإيمان المجمل الذي يجب على كل أحد.\nوالإيمان من حيث الإجمال والتفصيل ينقسم إلى قسمين: إيمان مجمل: وهو الإيمان بكل ما جاءت به الرسل.\nوإيمان مفصل: وهو الإيمان بتفاصيل ما جاءت به الرسل.\nفإذا قال الإنسان كما قال المؤلف ﵀: (موصوف بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه الكريم)، فهذا هو الإيمان المجمل بجميع الصفات، والإيمان بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وبكل ما أخبر به رسوله ﷺ عن ربه.\nوأما الإيمان المفصل فهو: أن تعلم بأن الله سميع بصير قدير عليم قوي متين، وأن له وجهًا ويدين، وما إلى ذلك من سائر ما جاء به التفصيل في الكتاب والسنة.\nففي أول عتبات الإيمان يجب على المؤمن أن يؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله، مما يتعلق بالأسماء والصفات وغيرها.\nونحن نتكلم فيما تكلم به المؤلف ﵀ مما يتعلق بالإيمان بالصفات.\nفنؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله مما جاء في الكتاب أو صحت به السنة.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>معنى كون أسمائه ﷿ حسنى وصفاته عليا</span>\nثم قال: (له الأسماء الحسنى، والصفات العلى) أي: ما تقدم من كونه ﷾ ليس له شبيه، وليس له صاحبة ولا ولد، وأنه لا تمثله العقول، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير؛ لا يعني أنه لا يوصف، ولا يعني أنه ليس له أسماء ولا صفات، بل له جل وعلا الأسماء والصفات.\nولذلك بعد أن ذكر ما تقدم من نفي المثل والند والشبيه، وأنه ﷾ لا تمثله العقول، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، قال: (له الأسماء الحسنى، والصفات العلى)، فذكر أن له أسماء وصفات.\nوالأسماء الحسنى، أي: البالغة المنتهى في الحسن، فلا حسن فوق أسمائه، وقد انتهت أسماؤه إلى الحسن جل وعلا، فجمعت كمال المعنى وجمال اللفظ.\nقال: (والصفات العلى) فله جل وعلا الصفات العليا التي لا شيء فوقها.\n(﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٥-٧])، ذكر المؤلف ﵀ هذه الآيات لبيان شيء من أسماء الله وصفاته التي يثبتها أهل السنة والجماعة.\nوثبوت أسماء الله ﷿ جاء من أدلة كثيرة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠]، وثبوت الصفات العلى له سبحانه جاء من أدلة كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، المثل معناه: الصفة، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧] أي: له الصفة العليا.\nقال ﵀: (أحاط بكل شيء علمًا)؛ أي: فما من شيء من الخلق إلا وقد أحاط به علم الرب جل وعلا، فلا خروج لشيء عن علم الله، وعلم الله أحاط بالماضي والمستقبل، وأحاط بالممكن والمستحيل، ولذلك قال العلماء: صفة العلم هي أعظم وأوسع الصفات تعلقًا؛ فهي تتعلق بكل شيء: تتعلق بالماضي والمستقبل، وبالممكن والواجب والمستحيل، وتتعلق بما كان وبما لم يكن؛ فالله جل وعلا أحاط علمه بكل شيء، فلا شيء يخرج عن علم الله ﷿.\nقال ﵀: (وقهر كل مخلوق عزة وحكمًا)؛ وهذا فيه كمال صفاته، مع ما تقدم من الصفات، فهو جل وعلا العزيز الحكيم، لا خروج لأحد عن عزته، ولا خروج لأحد عن حكمه، (ووسع كل شيء رحمة وعلمًا، كما قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]) .","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>شرح البسملة</span>\nيقول ﵀ في افتتاح هذه الرسالة المباركة: (بسم الله الرحمن الرحيم) .\nوهذه الجملة جملة تامة، ومعنى جملة تامة: أنها كاملة تحصل بها الفائدة، مع أنه من حيث النظر الإعرابي للكلمات الموجودة، لا تستقل الكلمات الموجودة بإفادة المعنى، إذ لابد فيها من تقدير، واختلف العلماء ﵏ هذا المقدر على قولين: فمنهم من قدره باسم، ومنهم من قدره بفعل، وهذا الاختلاف ناشئ عن الاختلاف في: هل جملة البسملة جملة فعلية أو جملة اسمية؟ فمن قال: إنها جملة فعلية قدره بفعل، ومن قال: إنها جملة اسمية قدره باسم.\nوكلا الوجهين صحيح مقبول، فيصح أن يقدر باسم، ويصح أن يقدر بفعل، والمسألة قريبة والاختلاف فيها ليس بكبير الشأن.\nوأكثر العلماء رجحوا تقديره بالفعل، وذهب جماعة من العلماء إلى تقديره بالاسم، لكن ينبغي في هذا المقدر أن يكون مناسبًا، أي: أن يكون تقديره مناسبًا لحال القائل، أو لحال الكاتب لهذه الجملة.\nفمثلًا: عند قراءة كتاب نقدر: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي أو أقرأ، وعند دخول المسجد: بسم الله الرحمن الرحيم دخولي أو أدخل، وعند الذبح: بسم الله الرحمن الرحيم ذبحي أو أذبح، وعند الكتابة: بسم الله الرحمن الرحيم كتابتي أو أكتب وهلم جرًا.\nوهذا التقدير يناسب أن يكون في آخر الكلام لا في أوله؛ تيمنًا بالبداءة بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) .\nويصح أن يتقدم - أي: يصح أن يأتي مقدمًا- كما في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، ولم يقل: باسم ربك اقرأ؛ لأن التقديم في هذه الصورة مناسب، وذلك أن المقصود الأكبر هو القراءة؛ فلذلك قدمه على البسملة.\nلكن الأنسب في غالب موارد البسملة أن يكون المقدر المضمر مؤخرًا، فتقول: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي، أو: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الحمد والثناء على الله ﷿ بصفات الكمال وتنزيهه عن صفات النقص</span>\nقال المؤلف: (الحمد لله المحمود بكل لسان)؛ وهذا شروع في الرسالة بالحمد بعد البسملة.\nواعلم أن الرسائل والكتب والكلام يفتتح: إما بالبسملة، وإما بالحمد غالبًا، وإما أن يفتتح بهما كما فعل المؤلف ﵀ في هذه الرسالة، فإنه افتتح هذه الرسالة بالبسملة، وافتتحها أيضًا بالحمد.\nوالحمد هو: الإخبار بمحاسن المحمود محبة وتعظيمًا.\nفقول القائل: الحمد لله، أي: أنه يخبر بمحاسن المحمود وهو الله جل وعلا؛ محبة وتعظيمًا له جل وعلا؛ ولذلك يلاحظ أنه بعد ذكر الحمد في كتاب الله ﷿، وفي غالب الكلام أن يأتي بعده ذكر أوصاف المحمود، أو ذكر أفعاله، والأفعال هي في معنى الصفات.\nوهنا قال المؤلف ﵀: (الحمد لله المحمود بكل لسان)، أي: أن من صفاته جل وعلا أنه محمود بكل لسان، وهذا يدل على عظيم استحقاقه للحمد؛ لأنه ما من لسان إلا يحمد الله جل وعلا، واللسان هنا يشمل في الأصل والابتداء لسان المقال، ويشمل لسان الحال، فما من أحد إلا وهو حامد لله ﷿ بلسان الحال وبلسان المقال.\nقال: (المعبود في كل زمان)؛ أي: المستحق للعبادة في كل زمان، فهو جل وعلا المعبود على مر العصور وتعاقب الدهور وتوالي الأيام وكر الليالي، فهو جل وعلا المستحق أن يعبده العابدون من الإنس والجن والملائكة، وغيرهم من خلق الله ﷿ على توالي الزمان.\nقال: (الذي لا يخلو من علمه مكان) أي: لا يشغر ولا يتعطل مكان من الأمكنة عن علمه، بل أحاط جل وعلا علمه بكل شيء، ووسع كل شيء رحمة وعلمًا.\nقال: (ولا يشغله شأن عن شأن)؛ وهذا من بديع صفات الله ﷿، وهو أنه لا يشغله أمر عن أمر، فالشأن هنا بمعنى الأمر، أي: لا يشغله أمر عن أمر، فهو جل وعلا الذي لا تكثر عليه المسائل، ولا تشغله المطالب، يسمع سؤال كل سائل، ويعطي كل من سأله ودعاه.\nوهو جل وعلا يدبر أمر الكون، فما يكون شيء إلا بمشيئته وتقديره ﷾، لا يشغله إعطاء هذا عن إعطاء غيره، ولا إحياء هذا عن إماتة غيره، ولا تدبير هذا عن تدبير غيره، بل كل شيء بقضاء وقدر، فهو على كل شيء قدير، أحاط جل وعلا بكل شيء، فلا خروج لشيء من خلقه عن قدره ومشيئته وعلمه، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] .\nقوله: (جل عن الأشباه): أي عظم عن الأشباه، فهو جل وعلا عظيم عن أن يشبهه شيء، أو أن يكون له ند.\nوالأشباه: جمع شبيه، والأنداد: جمع ند، فالله ﷾ متعالٍ عن أن يكون له مثيل، ومتعالٍ عن أن يكون له ند، والند يطلق على المثل ويطلق على الضد، فهو ليس له مثيل وليس له مضاد، بل هو الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد.\nقال ﵀: (وتنزه)، أي: تقدس (عن الصاحبة)، أي: الزوجة، (والأولاد) أي: تنزه عن أن يتفرع منه شيء ﷾، وعن أن يكون له ولد، فليس له ولد جل وعلا، كما قال ﷾ عن نفسه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:١-٣] .\nقال: (ونفذ حكمه في جميع العباد) أي: مضى، والحكم هنا حكمه القدري، فحكم الله جل وعلا القدري نافذ في كل أحد، فلا خروج لأحد عن حكم الله ﷿، وكل شيء بقضاء وقدر، وما من شيء إلا ويجري عليه حكم الله جل وعلا.\nقوله: (لا تمثله العقول بالتفكير) أي: لا تدرك العقول مثالًا له، ومهما أمضت من الوقت في النظر والتأمل والتفكر والتدبر؛ فإنها لا تصل إلى تمثيله، فالمعنى: أنه لا تصل العقول إلى مثله بالتفكير.\n(ولا تتوهمه القلوب بالتصوير) أي: لا تستطيع القلوب أن تدرك صورته جل وعلا، أي: أن تجعله ﷾ في صورة من الصور، فالقلوب تعجز عن تصويره ﷾، قال جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]؛ أي: أنه جل وعلا ليس له مثيل؛ فليس له ما يمثل به ولا ما يلحق به في الصورة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقد قال الله جل وعلا في نفي المثل عنه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، أي: ليس له سمي، وليس له نظير كما قال سبحانه: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢]، وما أشبه ذلك من الآيات التي نفى الله جل وعلا فيها عن نفسه الكفؤ والند والنظير.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>منهج السلف في تأليف كتب العقائد</span>\nأيها الإخوة! إن النصوص التي حث الله جلَّ وعلا فيها الأمة على اتباع النبي ﷺ كثيرةٌ جدًا، ولا نستطيع أن نأتي على أكثر مما ذكرنا لِقِصَر الوقت، إلَّا أن في سيرة الصحابة وفيما عملوه، وما حفظته دواوين السنة لنا من هديهم في اتباع رسول الله ﷺ، وما جنوا به من البركات والخيرات؛ شاهدٌ على ذلك، فإن جيل الصحابة أكمل الأجيال، وهو خير القرون كما قال النبي ﷺ: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) خيريتهم لم تكن لأنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وفلان وفلان من الصحابة، إنما خيريتهم حصلت لما كانوا عليه من العمل والمسابقة إلى اتباع النبي ﷺ، والصحابة لهم تمام الانقياد لما كان يفعله ﷺ.\nومن ذلك نموذج حفظته السنة وهو: أن رسول الله ﷺ (كان يصلي بأصحابه في إحدى المرات فخلع نعليه وهو في الصلاة، فما كان من الصحابة ﵃ إلَّا أن خلعوا نعالهم) تأسيًا واقتداءً برسول الله ﷺ، لبس الخاتم فلبسوه، خلع الخاتم فخلعوه، وهكذا كانوا ينظرون إليه ﷺ، حتى أنهم حفظوا لنا حركة لحيته وهو يصلي؛ لشدة تأسيهم به؛ ونظرهم إلى أفعاله ليقتدوا بها ويتأسوا.\nومن عجيب ما حفظوه لنا: عدد ما في رأسه ولحيته من الشيب! فحفظوا أن في رأسه ولحيته سبع شعرات من الشيب فقط لا غير، وهذا دليل على أن الصحابة جعلوا رسول الله ﷺ تحت المجهر عندهم، يرقبون فعله، وينظرون إلى ما يفعل، وليس نظر ترفُّه وتفكُّه وحب استطلاع، وإنما هو نظر اتباع واقتداء، فكانوا يهتدون ويقتدون به في دقيق الأمر وجليله.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>معنى عنوان الكتاب وسبب تسميته</span>\nوهذا الاعتقاد الذي في هذه الرسالة هو اعتقاد مختصر؛ ولذلك سماه المؤلف ﵀ بـ (لمعة الاعتقاد) واللمعة هي: البلغة والشيء اليسير من العيش، هذا التعريف من حيث اللغة.\nوهذا الكتاب فيه نبذة يسيرة مما يعتقده أهل السنة والجماعة؛ لأنه ذكر فيه نبذًا مختصرة في مسائل الاعتقاد.\nوقال بعض أهل العلم: إن سبب تسمية المؤلف ﵀ لهذا الكتاب بـ (لمعة الاعتقاد)؛ لأن ما ذكره فيه من العقائد ظاهر واضح، تدل عليه الأدلة من الكتاب والسنة، فأدلته من أظهر ما يكون وأوضح ما يطلب؛ ولذلك سماها (لمعة)، من لمعان الشيء؛ وهو ظهوره وعدم خفائه.\nوعلى كل حال: فإنه يصح أن يكون المقصود من هذا الاسم المعنيين، فيصح أن يكون قصده من تسمية هذا الكتاب بـ (لمعة الاعتقاد) أنه نبذة مختصرة، وأنه نبذة ظاهرة واضحة بل جلية في تقرير اعتقاد أهل السنة والجماعة.\nأما (الاعتقاد): فالاعتقاد هو الحكم الذهني الجازم، ولا يلزم من الاعتقاد أن يكون صحيحًا، لكنه اعتقاد وحكم ذهني جازم، أي: لا تردد فيه ولا ارتياب عند صاحبه.\nوقد يكون مطابقًا للواقع فيكون اعتقادًا صحيحًا، وقد يكون مخالفًا للواقع فيكون اعتقادًا فاسدًا، فالاعتقاد إذا كان موافقًا للحق فيوصف بأنه اعتقاد صحيح، وإذا كان مجانبًا للصراط المستقيم وللحق؛ فيكون اعتقادًا باطلًا فاسدًا، والمراد أنه لا يلزم أن يكون الاعتقاد في جميع مواده صحيحًا.\nوقول المؤلف ﵀ في تسمية هذا الكتاب: (لمعة الاعتقاد) أي: بيان ما ظهر من مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة.\nقال ﵀: (الهادي إلى سبيل الرشاد): الهادي، أي: الدال والمبين والموضح.\nإلى سبيل الرشاد؛ أي: إلى الطريق الذي يحصل به الرشد.\nوقوله: (الرشاد) هو: ضد الغي، والهداية هي: ضد الضلال، فجمع المؤلف ﵀ في وصف كتابه وتسميته هذه الأوصاف، وهي الهداية والرشاد والوضوح والظهور.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الواجب في النصوص المتعلقة بالأسماء والصفات</span>\nقال المؤلف ﵀: [وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل، والتشبيه والتمثيل، وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعًا لطريق الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله ﷾: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أمَّلوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه، بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]] .\nذكر المؤلف ﵀ في هذا المقطع ما يجب العمل به فيما يتعلق بالأسماء والصفات، فقال ﵀: (وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به) أي: وجب اعتقاده، والإقرار به، والطمأنينة له.\nوالإيمان هو: الإقرار المستلزم للإذعان والقبول، ولذلك قال: (وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل) .\nفالواجب فيما يتعلق بخبر الله في كتابه، أو ما جاء به الرسول ﷺ من صفات الله ﷿ هو الإيمان بذلك، وأن نقر به ونصدقه، وأن تطمئن قلوبنا له، وأن نقبله كما ذكر المؤلف ﵀، أي: نتلقاه بالتسليم والقبول.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>العمل فيما أشكل من نصوص الصفات</span>\nبعد أن بين المؤلف ﵀ الواجب في أسماء الله وصفاته انتقل ﵀ إلى بيان أن ما جاءت به النصوص مما يتعلق بصفات الله ﷿؛ منه ما هو مشكل، ولذلك قال: (وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا) .\nوالنصوص من حيث دلالتها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: نصوص واضحة الدلالة بينة، ليس فيها لبس؛ فهي واضحة في اللفظ، وواضحة في المعنى، وهذه هي التي تسمى المحكمة.\nالقسم الثاني من النصوص: ما فيه اشتباه، بمعنى: أن معناه فيه نوع غموض وخفاء، وهذا الغموض والخفاء يرجع شيء منه إلى اللفظ، كأن يكون اللفظ مجملًا ويرجع شيء منه إلى الفهم والعلم.\nفالمتشابه من النصوص هو ما احتمل أكثر من معنى.\nوالواجب في المحكم الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا؛ هو الإيمان به وإثباته، أما المتشابه فالواجب فيه هو ما ذكره المؤلف ﵀ فيما سيأتي من كلامه.\nوقبل أن نفرغ من هذه النقطة نقول: إن النصوص في القرآن والسنة من حيث الدلالة والمعنى تنقسم إلى قسمين: القسم الأول منها: ما هو محكم، وهذا النوع هو الواضح الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا، والنوع الثاني من النصوص: هو الذي يحتمل أكثر من معنى.\nوالمحكم مثل قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، فهذا النص محكم لأنه يدل على معنى واحد، وهو أن الله أحد جل وعلا، فقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] معناه واضح يدركه كل من عرف لسان العرب.\nومن النصوص التي يمثل بها العلماء للنص المتشابه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فالمتكلم بالقرآن والمنزل له واحد، وهنا يقول: (إنا نحن) فأتى بضمير الجمع، فهذا الضمير يحتمل أن المنزل للقرآن أكثر من واحد، وأن المتكلم بالقرآن أكثر من واحد، ويحتمل أنه أراد تعظيم نفسه وبيان عظيم قدره؛ لأن العرب تستعمل ضمير الجمع في حق من كان عظيم القدر، رفيع المنزلة والمكانة، فهذا يحتمل هذا المعنى، ويحتمل هذا المعنى.\nوالنصارى يقولون: إنكم تقرُّون التعدد، وأن الله ليس بواحد، والدليل قوله في كتابكم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، و(إنا) لا يمكن أن تدل على واحد، فهذا من المتشابه.\nالواجب في المتشابه أن نرده إلى المحكم، والمحكم في كلام الله ﷿ هنا هو قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، فالمتيقن أن الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، أنه للتعظيم، ونظائر هذا كل ما جاء من الألفاظ التي عبر الله ﷿ فيها عن نفسه بضمير الجمع، فإن ذلك جاء على وجه التعظيم؛ لأن العرب تستعمل هذا الأسلوب.\nإذًا: النصوص الواضحة يجب الإيمان بها، والنصوص المتشابهة يجب ردها إلى المحكم والإيمان بها.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>معنى المحكم والمتشابه في القرآن</span>\nوهنا إشكال: وهو أن الله وصف القرآن بأنه محكم؛ قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، فأخبر بأن القرآن محكم، وأخبر أيضًا بأن القرآن متشابه فقال ﷾: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣]، بينما في آية سورة (آل عمران) قسم الله ﷿ القرآن إلى قسمين: محكم ومتشابه، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، فقسم آيات القرآن إلى قسمين: محكم ومتشابه،\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n أنه لا تعارض؛ لأن الإحكام والتشابه ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: إحكام عام، وتشابه عام.\nوالقسم الثاني: إحكام خاص، وتشابه خاص.\nفالإحكام العام والتشابه العام المراد به؛ إدخال الكلام وتصديق بعضه لبعض، وليس فيه تعارض، فقول الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١] أي: أتقنت آياته، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣] المقصود به: أنه يصدق بعضه بعضًا وليس فيه تعارض، فليس فيه أن آخره ينقض أوله، أو أن بعضه يرد على بعض، بل يصدق بعضه بعضًا كما قال الله جل وعلا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] .\nفالقرآن لا اختلاف فيه، بل يصدق بعضه بعضًا، كما قال سبحانه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، كل هذا من حيث الوصف العام للقرآن.\nلكن الآيات؛ منها ما هو محكم، ومنها ما هو متشابه، فالإحكام والتشابه الخاص؛ هو أن بعضها واضح المعنى جلي المقصد والغاية، وبعضها يحتمل أكثر من معنى، فلا تعارض بين الإحكام العام والتشابه العام، وبين الإحكام الخاص والتشابه الخاص.\nفما أشكل يجب رده إلى ما تبين، والمشكل وغير المشكل هو في حق الآيات من حيث المعنى، أما من حيث تصديق الكلام بعضه لبعض، ومن حيث اتفاق المعاني وتوافقها؛ فهذا وصف لكل القرآن.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>صحة نفي التمثيل وإثبات التشبيه</span>\nوالتشبيه والتمثيل متقاربان، والمقصود بالتشبيه هو: أن تجعل لله ﷿ شبيهًا فيما لا يجوز أن يكون له فيه شبيه.\nوانظر إلى قولنا: فيما لا يجوز؛ لأنه ليس كل تشبيه ممنوعًا، ولذلك استعمل بعض العلماء من المحققين لفظ التمثيل؛ لأنه هو الذي جاء في الكتاب والسنة، ولم يستعملوا لفظ التشبيه؛ لأن التشبيه لفظ غير مطابق للواقع، فإن ما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبر به رسوله ﷺ عنه؛ لابد فيه من قدر من المشابهة في المعنى العام الذي يحصل به فهم النص، فليس كل مشابهة منتفية، ولذلك ليس في القرآن لفظ أنه لا شبيه له، بل الذي في القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، والمماثلة أمر زائد على مطلق المشابهة؛ لأن المماثلة هي المساواة من كل وجه، أما المشابهة فهي اتفاق من بعض الوجوه.\nفمثلًا: علو الله ﷿ مفهوم المعنى، وهو: الارتفاع عن الغير، لكن ما لله من العلو ليس كما للمخلوق من العلو.\nوالسمع مفهوم المعنى، وهو إدراك الأصوات، فسمع الله معناه إدراك الأصوات، لكن الصفة التي اتصف بها ﷾ ليست هي كسمع المخلوق.\nإذًا: ينحصر المحظور في التمثيل، أما التشبيه فلابد منه في قدر، وهذا القدر هو الاشتراك في المعنى العام.\nونقول: إن مراد المؤلف ﵀ بالتشبيه هنا هو التمثيل؛ ولذلك قال ﵀ فيما تقدم: (جل عن الأشباه والأنداد) ومقصوده: أنه تعاظم عن أن يكون له مثيل ﷾.\nفملخص ما في هذه النقطة هو أن نقول: إن طريق أهل السنة والجماعة هو إثبات النصوص كما أثبتها الله أو أثبتها رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فلا نكيف صفات الله، ولا نمثل الله بخلقه، ولا نعطل النصوص بتحريف أو تأويل، بل نثبت النصوص كما جاءت في الكتاب والسنة، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الطريق التي زاغ بها أهل الضلال والانحراف عن نصوص الكتاب والسنة</span>\nثم بعد أن بيَّن الواجب فيما يتعلق بالأسماء والصفات في كلام الله وفي كلام رسوله ﷺ، ذكر المؤلف ﵀ ضلال من ضلَّ، وطريق من أخل بمنهج أهل السنة والجماعة- منهج الصحابة- الذين تلقوه عن النبي ﷺ.\nقال ﵀: (وجب الإيمان به، وتلقيه، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل) .\nوهذه الطرق التي ذكرها ﵀ هي أربع طرق: الرد والتأويل والتشبيه والتمثيل، وحقيقتها ترجع إلى طريقين: التعطيل والتمثيل.\nفهذا التفصيل: (الرد والتأويل والتشبيه والتمثيل)، يرجع إلى طريقين بهما يحصل الزيغ فيما يتعلق بخبر الله عن نفسه، أو خبر النبي ﷺ عن ربه.\nالأول: التعطيل: وهو إبطال ما جاءت به النصوص؛ إما إبطالًا كليًا، أو إبطالًا جزئيًا.\nوالثاني: التمثيل: هو أن يجعل ما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبر به رسوله ﷺ عن ربه نظير ومثل ما للمخلوق، وهذا لا شك أنه من أعظم المحرمات؛ لأنه شرك بالله ﷿.\nفالمؤلف أحسن في بيان ما يجب، حيث قال: (وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول)، ثم ذكر بعد ذلك طرق الغي والضلال والزيغ فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد فقال: (وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل) .\nقال ابن القيم ﵀ في نونيته وهو يبين زيغ طريق أهل الضلال، وسلامة طريق أهل الحق قال: فالجحد والإعراض والتأويل والتـ ـجهيل حظ النص عند الجاني فذكر أربع طرق: الجحد والإعراض والتأويل والتجهيل.\nوقوله: حظ النص، أي: نصيب النص، وهكذا يقابل أهل الزيغ نصوص الكتاب والسنة: إما بالجحد، وإما بالإعراض، وإما بالتأويل، وإما بالتجهيل، وكل هذا مؤداه واحد؛ وهو ترك العمل بالنص.\nهذا حظ النص عند الجناة من أهل التأويل الذين خالفوا طريق أهل السنة والجماعة- طريق سلف الأمة- في معرفة ما يجب لله ﷿، وما أخبر الله به في كتابه، أو أخبر به رسوله ﷺ في سنته.\nثم قال ابن القيم ﵀: لكن لدينا حظ التسليم مع حسن القبول وفهم ذي إحسان وقوله: لكن لدينا أي: أهل السنة والجماعة.\nفطريق أهل السنة والجماعة هو التسليم مع حسن القبول، فهو ليس تسليمًا مع ضيق وضجر وقلق ورفض، بل تسليم مع حسن قبول، ولذلك قال بعد التسليم: (مع حسن القبول وفهم ذي إحسان) .\nوهكذا ينبغي أن نعامل النصوص.\nيقول ﵀: (وترك التعرض لها بالرد)؛ والرد منه التكذيب، ومنه الإبطال.\nوالتأويل هو: صرف اللفظ عن ظاهره، وتفسيره بما لم يرده الله ورسوله، هذا هو التأويل، ومعنى التأويل هنا هو: تفسير النص هنا بما لم يُرده الله ورسوله.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الأسئلة</span>","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الفرق بين التعطيل والتمثيل</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما الفرق بين التعطيل والتمثيل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n الفرق بين التعطيل والتمثيل أن التعطيل: إبطال ما دلت عليه النصوص، أو إلغاء ما دلت عليه النصوص؛ إما إلغاءً كليًا أو جزئيًا.\nوالتمثيل: هو أن يجعل لله مثيل.\nوالله تعالى أعلم.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفرق بين الإحكام الخاص والتشابه الخاص والإحكام العام والتشابه العام</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما هو الفرق بين الإحكام الخاص والتشابه الخاص؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n الإحكام الخاص، يعني: أن الآية ليس لها إلا معنى واحد، والتشابه الخاص، يعني: أن الآية تحتمل أكثر من معنى، كما مثلنا بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وبقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فإن الآية الأولى لا تحتمل إلا معنى واحدًا.\nوالآية الثانية يحتمل الضمير فيها معنيين كما تقدم.\nأما التشابه العام فهو الذي يعم القرآن كله، والإحكام العام هو الذي يعم القرآن كله، ومعناه: أنه متقن وأنه يصدق بعضه بعضًا، ويندرج تحته الإحكام الخاص والتشابه الخاص، والله قد وصف القرآن بالإحكام في قوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١]،ووصفه كله بأنه متشابه في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا ٍ﴾ [الزمر:٢٣]، وفي آية (آل عمران) قسم الله الآيات إلى قسمين فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، أي: بعض آياته محكمات والأخرى متشابهات، ولا تعارض، فالإحكام العام بمعنى الإتقان، والتشابه العام بمعنى أن يصدق بعضه بعضًا، فليس فيه اضطراب ولا اختلاف، كما قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢] .\nوأما التشابه الخاص الذي ذكره الله في آية (آل عمران)، والإحكام الخاص، فالإحكام الخاص هو: الآيات واضحة المعنى التي لا إشكال في معناها.\nوأما قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، فهي التي تحتمل أكثر من معنى، أو في معناها خفاء وعدم وضوح، فالإحكام العام والتشابه العام يندرج تحته الإحكام الخاص والتشابه الخاص.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>شرح لمعة الاعتقاد [٢]</span>\nأثبت السلف ﵃ ما أثبته الله ﷾ لنفسه من الصفات أو أثبته له رسوله ﷺ من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل، ورد المحكم إلى المتشابه، فيجب الوقوف حيث وقف السلف رضوان الله عليهم أجمعين.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>أحكام المتشابه من الآيات والصفات</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nقال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه لمعة الاعتقاد: [وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله اتباعًا لطريق الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله ﷾: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]، وقال في ذم مبتغي التأويل بمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران:٧]] .","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>جعل عهدة المتشابه على ناقله</span>\nقال: (ونجعل عهدته على ناقله): العهدة: هي الدَرَك وما يترتب على الشيء، فنجعل عهدة الكلام، أي: ما يترتب عليه من إثبات ما يثبت، ونفي ما ينفى، ودرك هذا الكلام على ناقله الذي نقله إلينا، وهذا في نصوص السنة النبوية.\nقال: (اتباعًا لطريق الراسخين في العلم) أي: ونحن في هذا متبعون، ولسنا مبتدعين؛ والرسوخ في العلم: هو أن يكون المرء مدركًا لمعاني كلام الله وكلام رسوله ﷺ، عالمًا بمقاصد الكتاب والسنة، فكلما كان الإنسان راسخ القدم في فهم كلام الله وكلام رسوله فإنه من الراسخين في العلم؛ لأن الرسوخ أصله الثبوت والقرار، ولا يكون ذلك إلا لمن عقل عن الله وعن رسوله ﷺ.\n(اتباعًا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله ﷾: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]، (آمنا به) أي: آمنا بهذا القرآن، (كلٌ): أي: كل ما في هذا القرآن من محكم الآيات ومتشابهها، (من عند ربنا) فلا نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض؛ فهذا سبيل الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، إنما نؤمن بكل ما في القرآن؛ فما عقلنا معناه واتضح فالحمد لله؛ وما لم يتبين لنا معناه آمنا به على مراد الله، وعلى مراد رسوله ﷺ.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>وجوب إثبات اللفظ والإيمان بأن له معنى</span>\nتقدم الكلام على جزءٍ من هذا المقطع، وقلنا: إن نصوص الكتاب تنقسم إلى قسمين من حيث الدلالة: ما هو واضح الدلالة، وما هو خفي الدلالة، فواضح الدلالة الذي لا يحتمل إلا معنىً واحدًا هو المحكم، وأما ما خفيت دلالته أو احتمل أكثر من معنى فإنه المتشابه، والواجب في المحكم الإيمان به والعمل، والواجب في المتشابه الإيمان به ورد معناه إلى ما دل عليه المحكم، وهذا هو سبيل الراسخين في العلم.\nيقول ﵀: (وما أشكل من ذلك) أي: ما وقع فيه إشكال، كأن اشتبه في دلالته ومعناه، ومن ذلك آيات الصفات، فإن البحث هنا فيها بالذات والخصوص، أما من حيث الأصل فإنه يشمل البحث في آيات الصفات وفي غيرها.\nيقول ﵀: (وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا) وهذا لا إشكال فيه، فإنه لا يمكن أن يلغي أحد شيئًا من كتاب الله ﷿، ولا من سنة النبي ﷺ إذا ثبتت وصحت، لكن البحث في المعنى فيقول: (وجب إثباته لفظًا وترك التعرض لمعناه) أي: وجب إثبات اللفظ، وأما المعنى: فيجب ترك التعرض له، بمعنى: أن نعرض عن قول شيءٍ لم يتبين لنا فيه حجة أو برهان، فلا نقول في آيات الله، ولا فيما جاء عن النبي ﷺ من قبل أنفسنا أو آرائنا، بل ما أشكل علينا إذا أمكن أن نرده إلى المحكم فذاك المطلوب، وهذا الذي ينبغي أن يكون.\nوإذا لم نتمكن من ترجيح شيء في معنى هذا المشكل فالواجب ألا نقول فيه شيئًا ليس لنا فيه حجة، وليس لنا فيه برهان، بل نقف ونقول: الله أعلم بمراده.\nفمعنى قول المؤلف ﵀: (وترك التعرض لمعناه) أي: يجب علينا أن نقف في المعنى، وليس مقصود المؤلف ومعنى كلامه أننا نقول: إنه ليس له معنى، إذ ليس في كلام الله ﷿ ما لا معنى له، بل كل كلام الله ﷿ له معنى؛ لأن الله ﷿ خاطبنا بلسان عربي مبين، يدرك معناه، ويعرف مبتغاه، لكن إذا اشتبه علينا شيء من المعنى وجب علينا الوقوف في تحديد المعنى.\nإذًا: ما أشكل من الآيات، وما أشكل من الأحاديث فلم نفهم المعنى، فيجب علينا إثبات اللفظ الذي جاء به النص، وأما معنى هذا النص فالواجب علينا أن نتوقف فيه حتى يأتينا برهان أو حجة، ونستطيع من خلالها أن نقول: إن معنى الآية كذا وكذا، وهذا هو معنى قول المؤلف ﵀: (وجب إثبات لفظه، وترك التعرض لمعناه) .\nوبعض الناس يظن أن المؤلف ﵀ أراد بقوله: (وترك التعرض لمعناه) أي: أنه ليس له معنى، وهذا يأباه سياق الكلام، فإن المؤلف ﵀ يتكلم عن الآيات المشكلة، وإنما جاء الإشكال لكون المعنى فيها غير واضح، فهو لم يقل: ليس لها معنى، أو أنها كلام لا يقصد منه شيء، إنما أراد المؤلف أن الواجب في المشتبه من المعاني إذا لم يتبين معناه التوقف.\nإذًا: إذا أشكل عليك شيء من كلام الله ومن كلام رسوله، فما هو الطريق الذي تسلكه؟ الطريق الذي تسلكه: أن تطلب حل هذا الإشكال من كلام الله ومن كلام رسوله، فإن وفقت إلى ذلك فالحمد لله، وهذا المطلوب والمبتغى، وإذا حيل بينك وبين هذا ولم تتوصل إلى المعنى فعند ذلك تثبت أن الكلام له معنى؛ لأن الله خاطبنا بما له معنى، ثم تقول: الله أعلم بمراده.\nكما سيأتي في كلام الشافعي ﵀ الذي نقله المؤلف: (ليس في كلام الله ولا في كلام رسوله ﷺ ما لا معنى له)، ومن قال: إن آيات الصفات لا معنى لها، أو أن كلها معناها لا نعلمه؛ فقد بخس القرآن حقه، وجنى على النصوص)، وهو ما أشار إليه ابن القيم ﵀ في قوله: فالجحد والإعراض والتأويل والتـ ـجهيل حظ النفس عند الجاني التجهيل: أي: أنه ليس له معنى، هذا معنى قوله ﵀.\nفكل من أعرض عن الكتاب، وجحد ما جاءت به النصوص من الصفات وكل من أوَّل وحرف كلام الله عن مواضعه وكل من قال: إن النصوص ليس لها معنى، أو أن لها معنى لا نعلمه في جميع مواردها؛ فإنه قد جنى على النصوص؛ فكل هذا من أنواع الجنايات على كلام الله وكلام رسوله.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>رد علم المتشابه إلى قائله</span>\nيقول ﵀: (ونرد علمه إلى قائله) أي: علم هذا المعنى، ومعناه: أنه إذا كنا سنرد العلم إلى قائله فإن الكلام له معنى.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>ذم التأويل</span>\nيقول ﵀: (وقال في ذم مبتغي التأويل) أي: قال الله تعالى في ذم مبتغي التأويل -التحريف- وطلب المعنى لمتشابهه، (فأما الذين في قلوبهم زيغ) أي: انحراف وميل عن الحق إلى الضلال (فيتبعون ما تشابه منه) أي: يفرحون بالمتشابه ويتمسكون به؛ (ابتغاء الفتنة) أي: هذا الفعل منهم إنما أرادوه وفعلوه لأجل أن يوقعوا الفتنة، والفتنة: منها ما يتعلق بالشهوات، ومنها مايتعلق بالشبهات، المراد بالفتنة هنا ما يتعلق بالشبهات التي تزيغ عن الحق، وتصرف عن الهدى.\n(وابتغاء تأويله) أي: وطلب معناه مع أن معناه ليس بميسورٍ لهم.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>معنى التأويل في الآية على قراءة</span>\n(وما يعلم تأويله) أي: وما يدرك معناه وتفسيره.\n(إلا الله والراسخون في العلم)، فالراسخون في العلم يدركون تأويله، وعلى هذه القراءة يكون معنى التأويل في الآية: التفسير.\n(وما يعلم تأويله) أي: تفسيره وكشف معناه وبيانه (إلا الله والراسخون في العلم) فالراسخون في العلم يعلمون معنى كلام الله وكلام رسوله، ويردون ما اشتبه عليهم من المعاني إلى ما اتضح؛ فيتبين لهم المعنى.\nقال ﵀: (فجعل ابتغاء التأويل) أي: ابتغاء التفسير في المشكل مع عدم العلم (علامةً على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم) لأنه قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] .\nيقول: (ثم حجبهم عما أملوه) أي: منعهم عما أملوه من إدراك المعاني مع الزيغ الذي في قلوبهم.\n(وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] أي: ما يعلم حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه إلا الله.\nوأما على القراءة الثانية: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) أي: أن أصحاب الزيغ لا يتوصلون إلى فهم المعاني؛ لأنه لم تصح مقاصدهم، بل مقاصدهم تحريف الكلم عن مواضعه، ولذلك لا يمكن أن يصل الإنسان إلى الحق بنية فاسدة، بل لا بد في التوصل إلى الحق من نية صالحة وعقلٍ سليم، فمن فقد النية الصالحة في العقل والنظر فإنه لا يصيب الحق؛ لأن النوايا الفاسدة تحجب وتمنع من الوصول إلى الحق.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>منهج الإمام أحمد بن حنبل والشافعي في آيات الصفات</span>\nقال ﵀: [فجعل ابتغاء التأويل علامةً على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أملوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ في قول النبي ﷺ: (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا) أو (إن الله يرى في القيامة) .\nوما أشبه هذه الأحاديث: نؤمن بها، ونصدق بها، لا كيف، ولا معنى، ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين.\nنؤمن بالقرآن كله: محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفةً من صفاته لشناعةٍ شنعت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ، وتثبيت القرآن] .\nنعم، هذا الكلام الذي نقله المؤلف ﵀ عن الإمام أحمد بن حنبل بيان لمنهج أهل السنة والجماعه في آيات الصفات، وقد نقل ﵀ عن جماعة من أئمة السلف في هذا لبيان القاعدة التي يسير عليها الإنسان فيما يتعلق بالأسماء والصفات.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>معنى عدم التعرض للتأويل</span>\nقوله ﵀: (من غير تعرض لتأويله) يحتمل معنيين: المعنى الأول: من غير تعرض لطلب كيفيته وحقيقته، وهذا يشمل المحكم والمتشابه، فما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به رسوله عنه؛ نثبته دون التعرض لتأويله.\nالمعنى الثاني: من غير تعرض لتفسيره، وهذا لا يكون في جميع آيات وأحاديث الصفات، لكن في المتشابه فقط؛ فانتبه إلى الكلام.\nقوله ﵀: (من غير تعرض لتأويله)؛ إن كان المقصود جميع آيات وأحاديث الصفات؛ فالمقصود بالتأويل هنا التكييف، أي: تكييف حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله ﷺ.\nوإن كان المقصود بالتأويل هنا التفسير، فإن هذا يختص بالمتشابه من آيات وأحاديث الصفات، لا الجميع.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>كلام الإمام الشافعي ومنهج السلف في الصفات</span>\nقال ﵀: [قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁: (آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله] .\nوهذا من عميق فقه الإمام الشافعي ﵀؛ فيجب على المؤمن أن يقر في قلبه، وأن يطوي فؤاده على هذا العقد: (آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله) أي: على مقصود الله جل وعلا، وعلى ما أراده الله ﷾، لا على ما أتوهمه أو أظنه أو أتخيله، إنما على مراد الله ﷿.\nوقوله: (وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله)؛ هكذا يجب أن يكون المؤمن في كلام الله ﷿؛ في المحكم والمتشابه، وهذا هو معنى كلام المؤلف ﵀ الذي تقدم معنا في قوله: (وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا وترك التعرض لمعناه)، فترك التعرض لمعناه أن نقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ.\nيقول ﵀: [وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات؛ لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله، من غير تعرض لتأويله، وقد أمرنا بالاقتفاء بآثارهم، والاهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة)،وقال عبد الله بن مسعود ﵁ (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)] .\nما تقدم من النقل عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمهما الله، درج عليه السلف وأئمة الخلف ﵃؛ فـ (كلهم متفقون على الإقرار) أي: الإثبات، (والإمرار) أي: وعدم التعرض لما جاءت به النصوص برد أو تأويل أو تجهيل أو إعراض، (والإثبات) لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>لا نعطل الله من صفاته لأجل تشنيع المبتدعة</span>\nقال ﵀: (ولا نزيل عنه صفةً من صفاته لشناعة شنعت) أي: لا نعطل الله عن صفاته لأجل ما يشنعه أهل التشبيه والزيغ، الذين يصفون أهل السنة بصفات لينفروا الناس عن الحق الذي جاءوا به وقالوا به؛ حيث إنهم يصفون أهل السنة والجماعة بأنهم حشوية ومجسمة، وأنهم لا علم عندهم، وما أشبه ذلك من الأوصاف التي تنفر عن الحق، ولا يغرنك ما يجعله أهل الباطل على منهجهم من بهرجة، حيث يقولون: نحن أهل العقول والبصائر، وأهل النظر والفكر والعلم، وأما الذين يثبتون الصفات فهم حشوية مجسمة، مشبهة ممثلة، وما أشبه ذلك من الألفاظ التي ينفرون بها من ينفرون عن الحق.\nهذا معنى قول الإمام أحمد: (لا نزيل عنه صفةً من صفاته لشناعة شنعت) أي: لا يمكن أن نعطل الله ﷿ عما أخبر به عن نفسه، أو أخبر به رسوله؛ لأجل قول من يقول: إنكم مشبهة! إنكم مجسمة! إنكم! إنكم! إنما نقول بما قال الله، وبما قاله رسوله ﷺ.\n(ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك) أي: كيف حقيقة ذلك؛ فالكنه هو الحقيقة، ونحن لا نعلم كيف كنه الصفات ولا حقيقتها؛ فإن علمها إلى الله ﷿.\nقوله: (إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن): (إلا) هنا منقطعة، يعني: لكن نصدق الرسول ﷺ ونثبت القرآن، أي: نثبت ما جاء في الكتاب والسنة من الخبر عن الله ﷿، دون أن نلج في معرفة كيفيات ذلك.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>معنى قول أحمد: (بلا حد ولا غاية)</span>\nقال ﵀: (بلا حد ولا غاية) أي: أننا لا نحد لذلك حدًا من قبل أنفسنا، وقوله: (ولا غاية) أي: ولا نحدد نهاية من قبل أنفسنا، ولا يعني هذا الكلام أن صفات الله جل وعلا ليس لها حد، فإن أول من قال: إنه لا حد للصفات ولا غاية ولا نهاية جهم بن صفوان، يقول أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ في كتاب (الرد على الجهمية): لم يعلم عن أحدٍ من العالمين أنه تكلم بهذا الكلام قبل جهم بن صفوان، ومراد جهم بن صفوان بقوله في الصفات: إنه لا حد لها ولا غايه؛ مراده تعطيل الله عن صفاته، ولذلك قيل: (من قال: لا حد ولا غاية، فقد قال بأنه لا إله، وأن الله لا شيء؛ لأنه ما من شيء إلا له حد وغاية.\nوقد سئل الإمام أحمد ﵀ عن بعض صفات الله ﷿ فقيل له: بحد أو لا؟ قال: بحد، واستدل لذلك بقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٧٥] قال: حافين من حول العرش، أي: محدقين، وهذا حد، وأهل السنة والجماعة متفقون على أن الله فوق سماواته، على خلقه، بائنٌ من خلقه ﷾؛ ولا شك أن هذا حد.\nولذلك اتفق سلف الأمة على إثبات أن للصفات حدًا وغاية؛ لكنهم نفوا أن يكون لهذه الصفات حد يعلمه الإنسان؛ ولذلك قالوا: له حدٌ لا يعلمه غيره، كما ذكر ذلك أبو سعيد ﵀؛ فقال: ولا يجوز لأحدٍ أن يتوهم لحده غاية، ولكن نؤمن بالحد، ونكل علمه إلى الله تعالى.\nفافهم معنى قول الإمام أحمد ﵀: (بلا حد ولاغاية) كما اتفق على ذلك سلف الأمة، ونقل ذلك شيخ الإسلام ﵀، وأيضًا نقله قبله أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي ﵀، ونقل عن ابن المبارك والإمام أحمد وعن جماعة من أهل العلم.\nقال ﵀: (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى:١١])، ونقول كما قال)، أي: كما قال الله تعالى وكما قال رسوله.\n(ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك) أي: لا نتجاوز الكتاب والسنة، (ولا يبلغه وصف الواصفين) أي: لا يدرك حقيقة صفاته وما له من بديع الصفات وصف الواصفين، بل هو العليم الخبير لا يحيط الخلق به سبحانه وبحمده.\nقال ﵀: (نؤمن بالقرآن كله: محكمه ومتشابهه) المؤلف ﵀ قسم القرآن إلى قسمين: المحكم والمتشابه، فالمحكم: هو الذي لا يحتمل إلا معنىً واحدًا، والمتشابه مثل: (عبد الرحمن) فإنه يحتمل أكثر من معنى.","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>قبول ما جاء عن الله ورسوله في الصفات وعدم رده</span>\nقال ﵀: (ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ)، أي: فالواجب فيما جاء عن النبي ﷺ الإيمان لا الرد، فكل من رد ماجاء عن النبي ﷺ؛ فإنه قد زاغ عن الصراط المستقيم، ووقع في مهلكة؛ لأن من رد قول الله ﷿ يوشك أن تدركه الفتنة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّة﴾ [الأنفال:٢٥]، ومن أعظم الفتنة رد قول رسول الله ﷺ.\nقال ﵀: (ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه) وهذا لا إشكال فيه، فكل من وصف الله بأكثر مما وصف به نفسه زاغ عن الصراط المستقيم؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة صفات الله إلا من طريق خبر الله عن نفسه، أو خبر رسوله ﷺ عنه، فلا نزيد في الصفات أكثر مما جاءت به النصوص، بل يجب التوقف والتزام ماجاءت به النصوص.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المراد من كلام أحمد (لا كيف ولا معنى)</span>\nالإمام أحمد ﵀ قال في الأحاديث التي جاء فيها الخبر عن صفات الله ﷿؛ كحديث النزول: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا) وحديث: (أن الله يرى يوم القيامة)، قال ﵀: نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى.\nوقد فرح كثيرُ من المبتدعة بهذا المنقول عن الإمام أحمد ﵀، وهو مما نقله حنبل عن الإمام أحمد ﵀.\nفـ (لا كيف)، لا إشكال فيها، أي: أننا نثبت ما أخبر الله به من هذه الصفات دون النظر في كيفية ذلك، فإن الكيفيات لا سبيل إلى إدراكها ولا إلى علمها، بل هي مما اختص الله بها نفسه، فلا سبيل إلى علم كيفية نزول الله ﷿، ولا سبيل إلى معرفة كيفية سائر ما أخبر الله به من الصفات عن نفسه، بل الواجب الإيمان بتلك الصفات دون التعرض للكيفيات؛ لأن كيفية الشيء فرع عن معرفة الشيء نفسه، فإذا كنت لا تعرف الشيء ولا تحيط به فأنت جاهل بكيفيته؛ لأن الكلام في الكيفية فرع عن الكلام في الذات وفي الشيء نفسه.\nفإذا قال لك قائل: كيف سمع الله؟ فقل له: كيف الله؟ فسيقول لك: لا أعرف، وهو الذي لا يمكن أن يتكلم الإنسان بغيره.\nفحينئذٍ تقول: كذلك صفاته لا تعرف، ولا يمكن أن يدركها الإنسان؛ لقصر عقله وضعفه عن إدراك ذلك، فإن الله لم يطلب منا الإيمان بكيفيات الصفات، إنما طلب منا الإيمان بالصفات نفسها لا بكيفياتها، بل كيفياتها تدخل في قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] أي: حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه لا يعلم إلا من طريق الله ﷿، والله لم يعلمنا ذلك؛ فلا سبيل إلى علم هذا.\nثم قوله: (ولا معنى) أي: لا تأويل، وليس المراد نفي المعنى مطلقًا؛ فإنه مما ينبغي أن يعرف وأن يعلم أنه ليس مراد الإمام أحمد ﵀ بقوله: (لا معنى)، أننا لا نعرف معنى ما أخبر الله به عن نفسه من الصفات، بل إن كلام الإمام أحمد ﵀ صريح صراحةً واضحة بأن آيات الصفات لها معان، وقد صرح بذلك في مواضع عديدة، وقد بين ﵀ أنه إنما ينكر تأويلات الجهمية، وليس الإنكار للمعاني، فإنها ثابتة.\nالمفوضة هم الذين قالوا: إن الله تكلم بكلام لا نعلم ولا ندرك معناه، أو أنه ليس له معنى؛ فرحوا بقول الإمام أحمد وما نقل عنه من قوله: (ولا معنى)؛ فظنوا أن المعنى المنفي هنا هو أصل المعنى والتفسير لآيات الصفات وأحاديثها، وخفي عليهم أن ما نقل عن الإمام أحمد في هذا الكلام يرد عليهم، كما سيأتي بعد قليل، كما أن المنقول عن الإمام أحمد ﵀ يدل دلالة واضحة على أن مراده: (لا معنى)، أي: لا تأويل وتحريف للكلم عن مواضعه مما يسلكه الجهمية ومؤولة الصفات.\nفمعنى قوله: (لا كيف ولا معنى)، أي: لا نكيفها ولا نحرفها بالتأويل؛ فنقول: معناها كذا وكذا دون أن يكون عندنا من الله في ذلك برهان.","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>معنى قوله ﷺ: (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)</span>\nقال ﵀: (وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم -أي: آثار السلف- والاهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات)، أين ذلك الخبر؟ قال ﵀: (فقال النبي ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) أي: الزموا سنتي، وسنته هي: طريقته ﷺ، وهديه.\n(وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)؛ أول وأحق من يصدق عليه وصف الخلفاء هم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين.\nويدخل فيهم كل من تحقق بالرشد والهداية من علماء الأمة؛ لأن علماء الأمة خلفاء رسول الله ﷺ في أمته؛ فإن النبي ﷺ قال: (العلماء ورثة الأنبياء)، فالعلماء هم خلفاء الرسل في أممهم.\nقال ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، وإنما يكون راشدًا مهديًا من سلم من الغي والضلال.\nفالراشد: هو السالم من الغي، والمهدي: هو من سلم من الضلال، فمن سلم من هاتين الآفتين كمل علمه وصح عمله، فكمال العلم والعمل في الرشد والهداية؛ لأن المانع من الحق أحد أمرين: الأمر الأول: عدم العلم، الأمر الثاني: اتباع الهوى.\nفمن كان مهديًا فقد حصل العلم، ومن كان راشدًا فقد سلم من اتباع الهوى، وإذا تحقق للإنسان الرشد والهدى فقد فاز بإصابة الحق وصلاح العمل، ولذلك فذكر الرسول ﷺ لهذين الوصفين ليس عبثًا ولا لغوًا، وليست أوصافًا مترادفة، وإنما هي أوصاف مقصودة؛ لتكشف من هم الذين ينبغي للإنسان أن يسلك سبيلهم، وأن يتمسك بهديهم.\nوهذا الحديث يفيدنا أن سنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تسع الإنسان في السلامة من كل ضلال، فكل من لم يسعه هدي النبي ولا هدي الخلفاء الراشدين فإنه ضالٌ لا محالة، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يقتصر عند موارد الاشتباه على ما دل عليه الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، وما كان عليه الخلفاء الراشدون المهديون.\nقال ﷺ في بيان عظيم وجوب التمسك بهذا: (عضوا عليها بالنواجذ -أي: الأضراس- وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة)، فكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة يحصل بها الزيغ عن الصراط المستقيم، والخروج عن هدي خير المرسلين ﷺ.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>وجوب الوقوف على ما كان عليه سلف الأمة</span>\nثم قال ﵀: [وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)] .\n(اتبعوا) أي: اتبعوا سنة من قبلكم من الأئمه المهديين، (ولا تبتدعوا) أي: لا تحدثوا (فقد كفيتم) أي: قد كفاكم الله أن تحدثوا شيئًا في الدين، أو أن تقولوا فيه ما لم يقل، أو ما لم يأت به الخبر عن نبيكم؛ فإن الله قد أتم الدين وأكمله، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فكل من لم يقتصر على ذلك فإنه يزعم أن الدين لم يكتمل، وأنه بحاجة إلى مزيد.\nقال رحمه: [وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ كلامًا معناه: قف حيث وقف القوم؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصرٍ نافذٍ كفوا، وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدث بعدهم؛ فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر، لقد قصر عنهم قوم فجفو، وتجاوزهم آخرون فغلو، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدىً مستقيم.\nوقال الإمام أبو عمر الأوزاعي ﵁: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول.\nوقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها قال: فشيءلم يعلمه هؤلاء علمته أنت؟ قال الرجل: فإني أقول: قد علموها، قال: أفوسعهم ألايتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم، قال: فشيء وسع رسول الله ﷺ وخلفائه، لايسعك أنت؟ فانقطع الرجل، فقال الخليفة وكان حاضرًا: لا وسَّع الله على من لم يسعه ما وسعهم] .\nهذه النقول عن الأئمة ﵏ فيها تقرير ما تقدم من وجوب الوقوف في النصوص على ما كان عليه سلف الأمة ﵏.\nيقول عمر بن عبد العزيز ﵀ كلامًا معناه: (قف حيث وقف القوم) القوم المراد بهم: سلف الأمة، وما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ.\n(فإنهم عن علم وقفوا): هذا فيه الرد على الذين يقولون: إن طريق السلف أسلم وطريق الخلف أعلم وأحكم.\nبل طريق السلف أعلم وأحكم وأسلم، وأما طريق الخلف فليس فيه علم ولا سلامة ولا حكمة، بل هو مخالف لما كان عليه سبيل الأقدمين من السلف الصالحين.\nفقوله: ﵀: (فإنهم عن علم وقفوا) أي: لم يقفوا عجزًا، ولا كما يزعمون اشتغالًا بالجهاد ونشر الدين، إنما وقفوا عن علم، فوقوفهم وقوف بصيرة، وليس وقوف عجزٍ أو انشغال.\n(وببصر نافدٍ كفوا) أي: ببصرٍ بعيد النظر كفوا عن التعرض للصفات بطلب كيفياتها وتحريفها عما دلت عليه النصوص، (وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى) أي: كان لهم من القدرة والمكانة والقوة ما يتمكنون به كشف معاني تلك النصوص، وبيان كيفياتها، لو كان ذلك خير، ولو كان ذلك فضل، لكنهم أعرضوا عن ذلك؛ لأنهم يعلمون أنه لا سبيل إلى علم ذلك.\nفهم أهل اللسان وهم شهدوا التنزيل وهم الذين تلقوا عن الرسول ﷺ، فلما أعرضوا دل ذلك على أن إعراضهم هو الصواب والصحيح، (فلئن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه مايشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فالواجب الاقتصار على ما كانوا عليه، فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدىً مستقيم) فالواجب لزوم طريقهم.\nكذا ما نقله ﵀ عن الأوزاعي، وكذا ما نقله عن الأدرمي في المناظرة، فالواجب على المؤمن أن يقف حيث وقف أولئك، وقد أحسن الخليفة لما قال: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم، كما قال رسول الله ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ) .\nيقول: [وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم، والراسخين في العلم، من تلاوة آيات الصفات، وقراءة أخبارها، وإمرارها كما جاءت، فلا وسع الله عليه] .\nونقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.\nوبهذا يكون المؤلف انتهى من المقدمة، ويبدأ بعد هذا بذكر شيء من الصفات؛ نسأل الله ﷾ العلم النافع والعمل الصالح.","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>شرح لمعة الاعتقاد [٣]</span>\nلا أحد أعلم بالله من الله، ومن رسوله ﷺ؛ فما وصف الله ﷿ به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ، وجب قبوله والإيمان به من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تعطيل ولا تأويل، وما نفاه الله ﷿ عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ، فإنه يجب نفيه.\nوذكر المؤلف هنا مجموعة من الصفات الذاتية والخبرية والفعلية لله ﷿ على منهج السلف الصالح.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>بعض صفات الله ﷿ التي جاءت في القرآن</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [فمما جاء من آيات الصفات قول الله ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقوله ﷾: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقوله تعالى إخبارًا عن عيسى ﵇ أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]، وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقوله تعالى في الكفار: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد:٢٨]، وقوله تعالى: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]] .","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>سبب ذكر المؤلف بعض أنواع الصفات دون غيرها</span>\nفي هذا المقطع ذكر المؤلف ﵀ عددًا من الآيات التي ذكر الله تعالى فيها شيئًا من صفاته.\nيقول المؤلف رحمه الله تعالى بعد أن فرغ من المقدمة التي بين فيها سبيل أهل السنة والجماعة في صفات الله ﷿، وفي آيات الصفات وأحاديثها؛ قال رحمه الله تعالى: (فمما جاء من آيات الصفات قول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]) إلى آخر ما ذكر.\nإن الملاحظ فيما ذكره من آيات الصفات وفيما ذكره من أحاديثها أنه أتى بالآيات المتضمنة للصفات التي وقع فيها مخالفة لأهل السنة والجماعة ولطريق السلف الصالح، فإنه لم يذكر الصفات التي يثبتها مثبتة الصفات.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>مذاهب الناس في آيات الصفات</span>\nوالناس من حيث إثبات الصفات ينقسمون في الجملة إلى قسمين: قسم ينفي الصفات، وهؤلاء هم المعطلة، وقسم يثبت الصفات بالجملة، وهؤلاء أقسام: منهم -وهم أفضل الأمة وخيرها وأوسطها وأتبعها لطريق النبي ﷺ- الذين يثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله ﷺ في سنته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.\nالقسم الثاني: هم الذين يثبتون بعض الصفات، وينفون بعضها، وهؤلاء يطلق عليهم مثبتة الصفات؛ لأنهم يثبتونها بالجملة وإن كانوا يخالفون أهل السنة والجماعة في إثبات كثير من الصفات، حيث لا يثبتونها، ويخالفونهم أيضًا فيما يثبتون حيث إنهم لا يثبتونها على الوجه الذي أثبته الصحابة ﵃ وسلف الأمة الصالح، ومن هؤلاء الأشاعرة، الماتريدية، والكلابية.\nوهناك طائفة غلت في إثبات الصفات وهم الممثلة الذين يثبتون الصفات ويقولون: هي مثل صفات المخلوقين، فهؤلاء مثبتة الصفات، لكنهم غلوا في الإثبات.\nوالمؤلف ﵀ ذكر آيات وأحاديث الصفات التي خالف فيها مثبتة الصفات، يعني: التي خالف فيها الأشاعرة والماتريدية والكلابية وأشباههم، فبحثه ليس مع الذين نفوا الصفات بالكلية؛ لأن البحث مع أولئك ينحو منحى آخر، يحتاج إلى أن يناقشوا في أصل النفي، أما هؤلاء فمعهم شيء من الحق وهو فيما أثبتوه من الصفات، ولكنهم أخطئوا فيما أولوه من الصفات، فنحتاج إلى أن نقول لهم: إنه يلزمكم فيما أثبتم من الصفات نظير ما نفيتم، ونظير ما فررتم منه فيما نفيتم، فإما أن تثبتوا الجميع وإما أن تنفوا الجميع.\nومقصودي من هذا الكلام: أن نعرف لماذا ذكر المؤلف ﵀ هذه الآيات وهذه الأحاديث المتضمنة للصفات الخبرية والصفات الفعلية، ولم يذكر شيئًا من الصفات المعنوية الذاتية: كصفة السمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والحياة، والكلام؛ وذلك لأن المؤلف ﵀ أراد إثبات ما نفاه وتأخر عن إثباته مثبتة الصفات، كالأشاعرة والكلابية والماتريدية.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>صفة الوجه</span>\nفأولًا: مما ذكر من الصفات: صفة الوجه، وصفة الوجه صفة ثابتة لله ﷿ بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، دليل ذلك ما ذكره المؤلف ﵀ في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] حيث أثبت الله ﷿ لنفسه وجهًا، وأضافه إليه، والأصل فيما أضيف إلى الله ﷿ وكان لا يقوم بنفسه أن يكون صفة له ﷿؛ لأن المضاف إلى الله ﷿ نوعان: إما إضافة أعيان تقوم بنفسها وتستقل، وإما إضافة ما لا يقوم بنفسه ولا يستقل.\nمثال الأول: إضافة الناقة إلى الله ﷿ كما في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣]، فالناقة عين مستقلة قائمة بذاتها، وإضافتها إلى الله ﷿ هي إضافة تشريف وتكريم.\nومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] (بعبده) هذه الإضافة إضافة تشريف، ومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٤] فالإضافة هنا إضافة تشريف، والملاحظ في جميع هذه الإضافات أنها إضافة أعيان مستقلة قائمة، أما إذا كان المضاف لا يستقل ولا يقوم بنفسه، فإنها تكون إضافة صفات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، فالوجه لا يقوم بنفسه مستقلًا، بل لابد أن يكون قائمًا بعين، وكذلك اليد، وكذلك سائر الأمور المعنوية التي أضافها الله ﷿ لنفسه.\nوالوجه يسميه العلماء صفة خبرية، وفي تصنيف الصفات يصنفونه من جملة الصفات الخبرية.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>أقسام الصفات</span>\nوالعلماء يجعلون الصفات أقسامًا، وهذا التقسيم ليس من كلام السلف، أي أنك إذا طلبت في كلام الصحابة والتابعين (صفة خبرية، وصفة ذاتية، صفة فعلية) فلن تجد، لكنه اصطلاح حادث دعت الحاجة إليه؛ فلهذا قبله أهل العلم واستعملوه.\nفالصفات الخبرية: هي التي لا يستقل العقل بإثباتها، أي: هي الصفات التي لا يمكن أن يتوصل إليها إثباتًا من طريق العقل، بل لابد من السمع، ولابد من نقل، ولابد من نص، ولابد من وحي في إثباتها، فلو أن أحدًا قال لك: أثبت لله وجهًا، ما تمكنت من ذلك بالعقل، لأن العقل لا يستقل في معرفة الغيبيات؛ ولذلك سمى العلماء هذا النوع من الصفات: (الصفات السمعية)، أو (الصفات الخبرية)، ومعنى السمعية: أنها جاءت بالسمع -الكتاب والسنة- ومعنى (الخبرية) أنها جاء بها الخبر في كلام الله أو في كلام رسوله ﷺ.\nالنوع الثاني من أنواع الصفات: الصفات الذاتية، وهي الصفات التي يتصف الله ﷿ بها أزلًا وأبدًا: أزلًا: في القدم، وأبدًا: في المستقبل، فهو لا ينفك عنها ﷾، مثاله: صفة الحياة، فإنه جل وعلا متصف بها أزلًا وأبدًا، والدليل قول الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣]، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، فهذه الصفة من صفاته الذاتية.\nمثاله أيضًا: القومية، والسمع، والبصر، والكلام، والقدرة، والعلم كل هذه من الصفات تسمى الصفات الذاتية.\nالقسم الثالث: الصفات الفعلية، وهي التي تتعلق بمشيئة الله ﷿، أي: الصفات التي يتصف بها متى شاء، كرضاه، وغضبه، ونزوله جل وعلا إلى السماء الدنيا، واستوائه على العرش وما أشبهها من الصفات، فهذه الصفات تسمى صفات فعلية، وإنما تسمى صفات فعلية؛ لأنها متعلقة بالمشيئة، ويسميها بعض العلماء: الصفات الاختيارية؛ لأنها متعلقة بالاختيار والمشيئة.\nوالذي بحثه المؤلف ﵀ من هذه الأنواع، أو ذكر له أمثلة من الآيات التي ذكرها، هو الصفات الفعلية والصفات الخبرية؛ لأنها هي التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>ذكر بعض الصفات الخبرية لله جل وعلا</span>","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>خلاف العلماء في صفة النفس</span>\nواعلم أن العلماء من أهل السنة والجماعة ﵏ اختلفوا في النفس على قولين: فمنهم من قال: إن النفس غير الذات، وهي صفة زائدة على الذات كالسمع والبصر، ومنهم من قال: إن النفس هي الذات، وهذا الثاني هو الذي عليه جمهور أهل العلم من أهل السنة، فالذي أضيف إلى الله في قوله سبحانه: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] أي: تعلم الذي عندي ولا أعلم الذي عندك، فالنفس هنا هي ذاته جل وعلا.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>صفة النفس</span>\nثم قال ﵀: (وقوله تعالى إخبارًا عن عيسى ﵇ أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦])؛ هذا فيه إثبات أن الله جل وعلا له نفس، وأنه أضاف إليه النفس؛ لأنها صفة من صفاته، فالنفس صفة من صفاته سبحانه وبحمده؛ وذلك لقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ [المائدة:١١٦]، ولماذا قلنا إنها صفة من صفاته ولم نقل إن الإضافة هنا إضافة تشريف، ونحن قد ذكرنا أن الإضافة نوعان: إما إضافة تشريف وخلق، وإضافة صفة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n الإضافة هنا من إضافة الصفات، ودليل ذلك أن النفس لا تقوم إلا بعين، فلما أضافها إلى نفسه جل وعلا دل ذلك على أنها صفته.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>موقف أهل الكلام من صفة اليد</span>\nوأهل الكلام قالوا: إن قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] أي: نعمتاه، فأولوا اليد وحرفوها وقالوا: هي القدرة، والقوة، والنعمة.\nونقول: هذا من تحريف الكلم عن مواضعه، (بل يداه مبسوطتان) لا يمكن أن يفهم منها غير اليد التي هي صفة الله ﷿، وأما النعمة والقدرة، فهذه من لوازم الصفة، لكن لا يمكن أن نفسر الكلام بلوازمه ونترك ما دل عليه في الأصل، أعني أنه لا يجوز أن نترك المعنى الأصلي ونذهب إلى اللوازم، بل نثبت المعنى الأصلي ونثبت ما يلزم على هذا اللفظ من اللوازم الصحيحة، ولا يمكن أن يلزم على كلام الله ﷿ أو على كلام رسوله ﷺ معنى باطل بوجه من الوجوه.\nإذًا: ثاني ما ذكره المؤلف من الصفات هي صفة اليدين لله ﷿، واستدل عليها بقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] .","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>صفة اليدين</span>\nثم ذكر ﵀ قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وهذا فيه إثبات اليدين لله ﷿.\nواليدان صفة للرب جل وعلا دل عليها الكتاب والسنة وأجمع عليها سلف الأمة، وهما يدان اثنتان كما دل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقد جاء ذكر هذه الصفة في القرآن بعدة صيغ، وعلى عدة أوجه، فجاءت مفردة، وجاءت مثناة، وجاءت مجموعة، جاءت مفردة في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] وجاءت مثناة في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وجاءت مجموعة في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] .\nأما الآية التي في سورة الذاريات وهي: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] فالأيد هنا ليست جمع يد، وإنما الأيد هنا القوة من (أيد) إذا قوي.\nثم قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس:٧١] فيه جمع اليد، فهل يوجد تعارض بين الإفراد والجمع والتثنية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا تعارض، والدليل على أنه لا تعارض قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فلا يمكن أن يكون في كلام الله ﷿ تعارض أو تضارب، والتعارض والتضارب الذي يرد في النصوص إنما هو من قبل الناظر لا من قبل النص، فالنص ليس فيه تعارض، بل هو محكم كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، وكما قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] (حكيم) أي: محكِم، فقد أحكم الله جل وعلا هذا الكتاب، وهو محمود عليه ﷾ لأنه أحكمه وأتقنه، ولذلك قال: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] إذًا: لا تعارض بين الإفراد والتثنية، وبين الإفراد والجمع، فهل نقول: لله يد أم يدان أم أيد؟ الجواب: إن لله يدين لا أكثر؛ لأن الله جل وعلا ذكر صفة اليد مثناة، والتثنية هي من أسماء الأعداد، وأسماء الأعداد لا يراد بها إلا العدد المذكور، فإذا قال قائل: جاء خمسة، لم يمكن أن نقول: جاء ستة في اللسان العربي، وإذا قال قائل: أعطيته عشرة، لم يمكن أن يقال: لا هو يريد تسعة، أو يريد أحد عشر؛ لأن أسماء الأعداد نصوص لا تقبل الزيادة ولا النقص.\nوهل يتعارض التثنية والجمع؟ الجواب: لا تعارض؛ لأن الإفراد جاء ويراد به الجنس، هذا احتمال، الاحتمال الثاني: أن يراد به مطلق اليد ثم جاءت النصوص مبينة لليد، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] (يد الله) مفردة أضافها إلى نفسه، ومعلوم من قواعد اللغة أن المفرد المضاف يفيد العموم، فيصدق عليه اليد واليدان والثلاث والعشر، إذًا: الإفراد لا يعارض التثنية ولا يعارض الجمع، ولماذا لا يعارض التثنية ولا الجمع؟ الجواب: لأن الإفراد يراد به الجنس، أي: إثبات جنس اليد لله ﷾ دون تعرض للعدد، ويراد به أيضًا العموم حيث إنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يصدق عليه الواحد وما هو أكثر من الواحد، فتبين أن: الإفراد لا يعارض التثنية، ولا يعارض الجمع.\nوهل الجمع يعارض الإفراد والتثنية؟ الجواب: لا يعارضهما؛ لأن الجمع يأتي للتعظيم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] مع أن المنزل هو الله جل وعلا، فالقرآن نزل من عنده جل وعلا، قال سبحانه: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وقال: ﴿كِتَاب أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] فهو الذي فصل وهو الذي أحكم جل وعلا، ومع ذلك أخبر عن المنزل بصيغة الجمع، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فالإتيان بصيغة الجمع فائدته التعظيم.\nإذًا: تلخص لنا من هذا أن ما جاء في القرآن في صفة اليد مثنىً لا يعارض الإفراد ولا الجمع، ولا الإفراد يعارض الجمع والتثنية، وكذلك الجمع لا يعارض الإفراد ولا التثنية.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>موقف أهل التأويل والتعطيل من صفة الوجه</span>\nوالوجه صفة خبرية ثبتت بالخبر، وأثبتها أهل السنة والجماعة، أما أهل التعطيل وأهل التأويل فإنهم نفوا هذه الصفة، وقالوا: لا نثبت لله وجهًا، وأن المراد بالوجه هنا هو الأجر والثواب، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] أي: يبقى ما قصد به الله، وهذا صرف للفظ عن ظاهره بغير مرجح أو من دون مرجح، فهو من التحريف الباطل الذي يسميه أهله تأويلًا.\nإذًا: الصفة التي ذكرها المؤلف ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، هي صفة الوجه، وهذه الآية من أقوى الآيات التي يثبت بها أهل السنة والجماعة صفة الوجه لله ﷿؛ وذلك لأن الله ﷿ وصف وجهه بصفتين: ذو الجلال، وذو الإكرام، ومثل هذا لا يسوغ أن يوصف به الأجر والثواب، لأن الأجر لا يوصف بأنه ذو جلال وذو إكرام، إنما الذي يوصف بهذا الوصف هو الله جل وعلا؛ ولذلك ذكر المؤلف هذه الآية لكونها من أصرح الآيات في إثبات صفة الوجه لله ﷿.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>ذكر بعض الصفات الفعلية لله ﷿</span>","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>صفة الغضب</span>\nقال: (وقوله تعالى في الكفار: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦])؛ هذا فيه إثبات صفة الغضب لله ﷿، وهي صفة فعلية أيضًا.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>صفة السخط</span>\nقال: (وقوله تعالى: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَه﴾ [محمد:٢٨]) الشاهد إثبات صفة السخط له ﷾، والسخط والغضب معناهما متقارب، وهما صفتان ثابتتان لله ﷿ بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>صفة الكراهة</span>\nقال: (وقوله: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦])؛ فيه إثبات صفة الكره لله جل وعلا، وهذه الصفات الفعلية لا يلزم عليها أي لازم باطل، بل هي صفات كمال؛ لأن من كمال الله أن يغضب إذا جاء موجب الغضب، وأن يسخط إذا جاء سبب السخط، ويكره إذا جاء موجب وسبب الكره.","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>صفة المحبة</span>\nقال: (وقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤])، فيه إثبات صفة المحبة لله ﷿، والمحبة صفة فعلية اختيارية؛ لأنه يحب من يشاء متى شاء، فهي صفة معلقة بمشيئة الله، فهو يحب من يحب، ويبغض من يبغض جل وعلا.","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>صفة الرضا</span>\nقال: (وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]) هذا فيه إثبات صفة الرضا لله ﷿، والرضا معناه: القبول والمحبة للفعل، وأهل الكلام يؤولون الرضا بالثواب، ويقولون: قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] معناه: أثابهم، فرضاه ثوابه، أو إرادة ثوابه.","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>صفة المجيء وموقف المخالفين لأهل السنة من هذه الصفة</span>\nقال: وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر:٢٢] انتقل المؤلف إلى ذكر الصفات الفعلية الاختيارية لله ﷿.\nواعلم أن الصفات الاختيارية لله ﷿ ينكرها غير أهل السنة والجماعة ويؤولونها بمجيء الأمر أو بمجيء الرحمة، يئولونها بشيء من مخلوقات الله ﷿، ولا يقولون: إنها من صفاته، يقولون: لأن إثبات الصفات الفعلية يلزم منه أن تقوم به ﷿ الحوادث، وقيام الحوادث للأعيان يدل على أنها حادثة، هكذا زعموا في إبطال ما دلت عليه النصوص من إثبات صفات الفعل.\nوالصحيح: أننا نثبت هذه الصفة لله ﷿ ولا نقول ما يقول هؤلاء من أن الله حادث، بل هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، وكل من أبطل شيئًا من هذا فقد أبطل ما دلت عليه النصوص من أن الله فعال لما يريد، كما قال جل وعلا في إثبات صفة الفعل: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٥-١٦] فذكر صفة الفعل بصيغة المبالغة للدلالة على كثرة فعله سبحانه وبحمده.\nفصفات الفعل يثبتها أهل السنة والجماعة لأن الله أثبتها لنفسه في كتابه وأثبتها له رسوله ﷺ، وعلى هذا أجمع سلف الأمة، فلم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا من أئمة المسلمين: إن قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء أمره، ولم يقل أحد منهم في قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠]: إن الذي يأتي الأمر، أو إن الذي يأتي الملائكة، وإن الله جل وعلا لا يأتي، فإن هذا تشكيك في القرآن، بل الواجب إثبات صفات الفعل لله جل وعلا، كما أثبتها لنفسه في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]، وكما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] أي: ويأتي الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] فالمجيء والإتيان فعل له سبحانه وبحمده يفعله متى شاء وكيف شاء.","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>بعض صفات الله الفعلية التي جاءت في السنة</span>\nقال المؤلف ﵀: [ومن السنة قول النبي ﷺ: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا) وقوله: (يعجب ربنا من الشاب ليست له صبوة) وقوله: (يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة)، فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدِّلت رواته نؤمن به، ولا نرده، ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله ﷾ لا شبيبه له ولا نظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وكل ما يخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه]","vol":"3","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>صفة العجب</span>\nثم ذكر من أحاديث الصفات ما رواه الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر ﵁، وفيه قوله ﷺ: (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة)، وفيه إثبات صفة العَجَب لله جل وعلا، والعجب له سببان: الأول: أن يكون العجب ناشئًا عن جهل، وهذا حاشا أن يكون من وصف الله ﷿، فهو العليم الخبير جل وعلا، أحاط بكل شيء علمًا، وهو بكل شيء عليم.\nالثاني من أسباب العجب: التعظيم لخروج الشيء عن نظائره مع عدم سبق جهل، وهذا هو الذي يوصف به الله جل وعلا، فمعنى يعجب أي: يعظم هذه الحال لخروجها عن نظائرها.\nوقد جاء إثبات العجب لله ﷿ في الكتاب في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] وقرئ: (بل عجبتُ) وهي قراءة سبعية، والقراءة التي فيها إضافة العجب إلى نفسه هي التي يستدل بها أهل السنة والجماعة على صفة العجب لله ﷿ من القرآن، فقوله ﷺ: (يعجب ربك) هل هذا عجب ناشئ عن جهل وعدم علم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا، تعالى الله عن ذلك، إنما هو عجب ناشىء عن تعظيم ومحبة لهذه الحال، وقوله: والشاب: هو الناشئ، وهو من بلغ الحلم، واختلفوا في منتهاه فقيل: إلى الثلاثين، وقيل: إلى الأربعين، والمقصود: ثورة الشباب ووقت خفة العقل وسفه الحلم.\nوقوله: (ليست له صبوة)، أي: ليس له ميل إلى الهوى، والصبوة: الميل إلى الهوى، والغالب في الشاب أن يكون ذا صبوة، أي: ذا ميل إلى الهوى، لكن الإنسان إذا أحصن نفسه وعودها على الخير، ورباها على البر، وحبسها عن مشتهياتها في مثل هذا الزمن، كان هذا من دلائل كمال دينه، ورجاحة عقله؛ لأنه لا يفعل ذلك إلا عن وازع عظيم يمنعه من الميل إلى الهوى.\nثم حديث: (يعجب ربك) هو من حديث عقبة، وفي سنده عبد الله بن لهيعة، رواه عنه قتيبة بن سعيد، والحديث ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة؛ لأنه اختلط في آخره، ولكن الصفة لا تبطل بهذا الضعف؛ لأنها قد دلت عليها نصوص أخرى.","vol":"3","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>صفة الضحك والرد على من عطلها</span>\nوقوله: «يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة»؛ هذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه إثبات صفة الضحك لله جل وعلا، والضحك صفة كمال لله جل وعلا.\nوالذين عطلوا الصفات قالوا: كيف يضحك الله! والضحك خفة، والله يتعالى عن هذا.\nفنقول لهم: هذا جهل منكم؛ لأن الضحك ليس خفة في كل موارده، بل من الضحك ما هو كمال وهو الضحك عند ورود سببه الذي يدعو إليه، ثم إن ضحك الله ﷿ ليس كضحك المخلوقين، وهؤلاء إنما قالوا: الصحك خفة لأنهم مثلوا ضحك الله بضحك المخلوق.\nونحن نقول: إن ضحك الله جل وعلا ليس كضحك المخلوق؛ لأنه سبحانه كما قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فليس كمثله شيء في شيء من صفاته سبحانه وبحمده، وقد روى الإمام أحمد وغيره من حديث أبي رزين العقيلي أن رسول الله ﷺ قال: (ضحك الله جل وعلا من قنوط عباده وقرب غيره، فقال أعرابي: أو يضحك ربنا يا رسول الله؟! قال النبي ﷺ: نعم.\nفقال الأعرابي: لا عدمنا الخير من رب يضحك)، فاستدل بضحك الله على كمال صفاته وقرب خيره، وأن من يضحك فالخير منه قريب، والبر والإحسان منه متوقع، وهؤلاء يقولون: لا نصف الله بالضحك؛ لأن الضحك خفة، بل خفت عقولهم فردوا ما دلت عليه النصوص، ولو أنهم اتبعوا سبيل السلف الصالح لما قالوا مثل هذا القول.","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>إثبات الصفات مع نفي التمثيل والتكييف</span>\nثم قال ﵀ في بيان القاعدة العامة بعد ذكر الأمثلة: (فإن هذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به ولا نرده ولا نجحده)، أي: مما ثبت عن النبي ﷺ نؤمن به ولا نرده، وهذا هو الواجب على كل مؤمن، وهو أن يؤمن بكل ما دلت عليه النصوص، وألا يرد على النبي ﷺ قوله، فإن من رد على النبي ﷺ قوله فقد رد ما يجب قبوله، وعرَّض نفسه للفتنة كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، وأي فتنة أعظم من رد قول الله أو قول رسوله ﷺ، بل نؤمن به ولا نرده، ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره.\nوالرد هو التكذيب أو الإعراض، والمقصود به هنا فيما يظهر هو الإعراض.\nوالجحد هو التكذيب مع الإيقان بصدق ما أخبر به الرسول ﷺ.\nوالتأويل هنا هو التحريف.\nفنفى المؤلف رحمه الله تعالى عن طريق أهل السنة والجماعة التكذيب والإعراض والتحريف.\nقال: (ولا نشبهه بصفات المخلوقين) أي: لا نقول: ضحكه كضحكنا، ولا نقول: إن عجبه كعجبنا، ولا نقول: مجيئه كمجيئنا، بل هو ﷿ ليس كمثله شيء، فلا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بصفات المحدثين، أي: الخلق الذين أحدثوا، بل نعلم أن الله سبحانه لا شبيه له، أي: لا مثيل، فنفي الشبيه هنا معناه نفي المثيل، ويوجد في كلام أهل العلم أنهم ينفون الشبيه ويريدون به المثيل لا مجرد ومطلق المشابهة، فإن المشابهة المطلقة ثابتة كما تقدم.\nقال: (ولا نظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]) .\nثم قال ﵀ في نفي أن يصور الإنسان صفات الله ﷿ أو أن يكيفها: (وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه) أي: على خلاف الصورة التي جاءت في خلدك ودارت في بالك وتحرك بها خاطرك، فالله جل وعلا على خلاف ذلك، وقوله: (فإن الله بخلافه) هذه الجملة يمكن أن يراد بها معنى صحيح ويمكن أن يراد بها معنى باطل، لكن مراد المؤلف هنا صحيح، فمراده أن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، وأحسن من هذا في التعبير أن يقال: إن الله تعالى أعظم وأجل من أن يكون كذلك.","vol":"3","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>صفة النزول</span>\nيقول رحمه الله تعالى في ذكر ما جاء في السنة من الصفات: (ومن السنة قول النبي ﷺ: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا»، وهذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه الخبر عن صفة من صفات الله ﷿، وهي نزوله ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول من الصفات الفعلية؛ لأنه يقع بمشيئته واختياره سبحانه وبحمده، ونزوله هو نزول حقيقي، ولا تقل: كيف ينزل؟ ولا يشكل عليك ماهية ذلك وحقيقته وكنهه، فإنك لم تكلف بذلك، وإنما كلفت بأن تؤمن بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله ﷺ عنه.\nوتأويل النزول بغير ما دل عليه ظاهر النص كمن يقولون: تنزل رحمته، أو ينزل ملك من الملائكة، فإن هذا خطأ كبير وتحريف خطير للنص؛ لأن النبي ﷺ يقول: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من داع فأجيبه، هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له) فهل يسوغ أن يقول هذا القول ملك من الملائكة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا؛ لأنه لا يملك أن يجيب، ولا يملك أن يغفر، ولا يملك أن يعطي السائل سؤاله إلا الله جل وعلا، والرحمة لا يمكن أن تقول هذا أو أن تفعله، فهذا نزول مضاف إلى الله جل وعلا نؤمن به ونتعبد الله به، بأن نتعرض لنفحاته ورحماته في مثل هذه الساعات، وفي مثل هذه الأوقات.","vol":"3","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الكلام على صفتي الاستواء والعلو</span>\nقال المؤلف ﵀: [ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وقول النبي ﷺ: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك) وقال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة.\nوقال النبي ﷺ لـ حصين: (كم إلهًا تعبد؟ قال: سبعة؛ ستة في الأرض وواحدًا في السماء، قال: من لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، قال: فاترك الستة واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين، فأسلم وعلمه النبي ﷺ أن يقول: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي)، وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون في الأرض ويزعمون أن إلههم في السماء.\nوروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: (إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا، وذكر الخبر إلى قوله: وفوق ذلك العرش، والله ﷾ فوق ذلك)، فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده، ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله.\nسئل الإمام مالك بن أنس ﵀، فقيل: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.\nثم أمر بالرجل فأخرج] .","vol":"3","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>صفة العلو</span>\nأما صفة العلو التي ذكر المؤلف أدلتها فهي ثابتة بالكتاب والسنة وبإجماع سلف الأمة، والعقل دال عليها، والفطرة المركوزة في نفوس الناس وفي خلق الله تدل عليها، ولذلك يقول شيخ الإسلام: صفة العلو أجمع عليها الناس جميعًا، مسلمهم وكافرهم، وفرعون لما دعاه موسى إلى الله جل وعلا قال لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦-٣٧]، فلم يطلب الله ﷿ في يمين، ولا في شمال، ولا في خلف ولا في أمام، وإنما طلبه في العلو، وهذا دليل على أن الإقرار بالعلو أمر مركوز في الفطر، حتى في فطر البهائم، ولذلك لما كان الجويني من أئمة الأشاعرة يقرر عدم علو الله ﷿، قاطعة الهمذاني وهو يتكلم على المنبر فقال: دع عنا العرش وذكره وأخبرنا عن شيء في قلوبنا، فما قال داع قط: يا ألله! إلا وجد من قلبه طلب العلو، فجعل الجويني يضرب على رأسه ويقول: حيرني الهمذاني حيرني الهمذاني؛ لأنه مهما حاول المحاولون أن يبطلوا هذا فإن فطرهم تأباه؛ ولذلك فهم عند الضرورة لا يتوجهون لا إلى يمين ولا إلى يسار، بل يذوب هذا التنظير وهذه المناقشة، ويرجعون إلى ما دل عليه الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة من الإقرار بعلو الله جل وعلا، فتجد الذي ينكر علو الرب يشير بإصبعه إلى العلو عند الإشارة إلى الله جل وعلا، وهذا أمر فطر الله القلوب عليه، فلا سبيل إلى إنكاره.\nوالمؤلف ذكر من الأدلة على علو الله ﷿ عدة أدلة، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] واقتصر عليه لأنه علو خاص، وإلا فمن الأدلة قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] وقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] وغير ذلك، والأدلة على علو الله ﷿ كثيرة.\nأما الأحاديث فذكر قول النبي ﷺ: (ربنا الذي في السماء تقدس اسمك) وهذا الحديث رواه أبو داود بسند حسن كما قال شيخ الإسلام ﵀، وهو حديث مشهور بأنه حديث رقية المريض؛ لأنه يقرأ على المريض.\nوالشاهد فيه قوله: (ربنا الذي في السماء) و(ربَّنا) بالنصب، لأنه منادى، والتقدير: (يا ربنا) فحذفت ياء النداء.\nوقال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء) أي: في العلو؛ لأن السماء اسم جنس لما علا، ويمكن أن يقال: (في السماء) أي: السقف المحفوظ، وتكون (في) هنا بمعنى (على)، كما قال تعالى حاكيًا عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] والتصليب لا يكون في بطن الجذوع وإنما يكون عليها، فكانت (في) هنا بمعنى (على)، وكقوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥]، والناس لا يمشون في داخلها ولكن عليها، فـ (في) تأتي بمعنى على.\nفقول الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وقوله ﷺ: (ربنا الذي في السماء) معناه: الذي في العلو، وإما أن يكون المراد بالسماء السقف المحفوظ فتكون (في) بمعنى: (على)، فيكون المعنى: الذي على السماء، والله تعالى أعلم.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>صفة الاستواء على العرش</span>\nهذا المقطع عاد به المؤلف ﵀ إلى ذكر مثال من الأمثلة على صفات الله ﷿ التي جاءت في الكتاب والسنة وأثبتها سلف الأمة، فذكر صفتين: صفة الاستواء، وصفة العلو، والاستواء والعلو صفتان مقترنتان في كلام أهل العلم، وسبب الاقتران بين الاستواء والعلو هو أن الاستواء من أدلة العلو؛ لأنه علو خاص.\nيقول ﵀: (من ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]) أي: من الصفات التي يثبتها أهل السنة والجماعة لله ﷿ صفة الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقد ذكر الله جل وعلا هذا في آيات عديدة من كتابه، ولم يأت في آية من هذه الآيات أن الاستواء بمعنى الاستيلاء، أو أن الاستواء بمعنى مخالف لما تكلم به سلف الأمة من أنه العلو والصعود والاستقرار، فإن سلف الأمة تكلموا في معنى الاستواء في هذه الكلمات كما قال ابن القيم: ولهم عبارات عليه أربع قد حصلت للفارس الطعان وهي استقر وقد علا وكذا ارتفع الذي ما فيه من نكران وكذاك قد صعد الذي هو رابع فهذه أربعة معان ذكرها العلماء في معنى الاستواء، وهي ثابتة عن السلف الصالح، والذين خالفوا منهج أهل السنة والجماعة قالوا: الاستواء معناه الاستيلاء، واستدلوا على ذلك ببيتٍ مهلهلٍ محدثٍ مصنوعٍ: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق وهذا إبطال لما كان عليه سلف الأمة بما لا دليل فيه، وبما يلزم عليه من اللوازم الباطلة مالا يلزم على إثبات الاستواء، فهذه الآية فيها إثبات استواء الله ﷿ على عرشه، وهذا أمر دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة، ولم ينقل عن أحد من الأمة أن الله لم يستو على عرشه، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: إن الاستواء مذكور في كل كتاب من كتب الرسل، وجاء به كل رسول.\nولعظيم شأن هذه الصفة ذكرها الله في سبعة مواضع في كتابه، فلا يسوغ مع هذا التعدد والتكرار في ذكر هذه الصفة أن (استوى) بمعنى: استولى، فإن هذا من تحريف الكلم عن مواضعه.","vol":"3","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>شرح لمعة الاعتقاد [٤]</span>\nمن أصول أهل السنة والجماعة أن الله ﷿ مستو على عرشه استواءً يليق به، معلوم المعنى مجهول الكيف، عال على خلقه فوق سماواته غير مختلط بالخلق.\nوأنه سبحانه يتكلم بكلام حقيقي بصوت وحرف، قديم بقدمه، متجدد بفعله، وأنه تعالى يتكلم متى شاء سبحانه وكيف شاء.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>تابع إثبات صفتي العلو والاستواء</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nأما بعد: فكان آخر ما تكلمنا عليه في هذه العقيدة هو قول المؤلف ﵀: (ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، وقول النبي ﷺ: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك»، وذكرنا أن هذا المقطع الذي ابتدأه المؤلف ﵀ بذكر هاتين الآيتين، ثم ذكر بعدها بعض الأحاديث إنما أتى به المؤلف ﵀ لتقرير عقيدة السلف فيما يتعلق بعلو الله ﷿، فإن هذه الآيات دالة على علوه واستوائه على عرشه.\nأما الاستواء فقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه، وهو دال على استوائه على عرشه، وقلنا: إن الاستواء يفيد إثبات العلو، ولذلك يذكر دائمًا مع آيات العلو في كتب الاعتقاد، ووجه ذلك: أن الاستواء علو خاص، وهذا هو الفرق بين آيات العلو وبين آيات الاستواء، فالاستواء علو خاص، وهو علو اختص الله ﷾ به العرش دون غيره من المخلوقات، والعرش مخلوق عظيم خلقه الله جل وعلا، واختصه بهذه الخاصية، وهي أنه استوى عليه جل وعلا بعد أن خلقه.\nوالعرش في لغة العرب: سرير الملك، وهو خلق من خلق الله عظيم.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>جواب الإمام مالك للسائل عن الاستواء</span>\nيقول ﵀ في آخر ما ذكر في هذا الفصل: [سئل الإمام مالك بن أنس ﵀، فقيل: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟]: هذه القصة مشهورة عن الإمام مالك ﵀ تناقلها العلماء، فإنه سأله رجل عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ وكان الإمام مالك ﵀ يحذر من هذا السؤال، فسكت ﵀ سكوتًا طويلًا كما ذكر الذهبي وغيره، حتى علته الرحضاء، أي: حتى علاه العرق من شدة ما اعتراه ﵀ من غرابة هذا السؤال وعظمه، فوفق ﵀ إلى جواب مسدد فقال: (الاستواء غير مجهول)، وفي بعض الروايات: الاستواء معلوم، والمعنى واحد، فغير المجهول هو المعلوم، أي: أن الاستواء لا يجهل في لسان العرب، فيدركه من له فهم بلغة العرب، هذا معنى قوله ﵀: الاستواء معلوم أو الاستواء غير مجهول.\nثم قال: (والكيف غير معلوم)، أي: كيفية هذا الخبر لا سبيل إلى علمها، لأن الله جل وعلا لم يبين لنا كيفية استوائه، فليس عندنا خبر من الله جل وعلا كيف استوى، لكن عندنا منه خبر أنه استوى، فالواجب أن نقف حيث وقف النص، فنثبت استواء الله جل وعلا على عرشه دون أن نتطرق إلى ذلك بطلب الكيفية، فإن الكيفية لا سبيل إلى تحصيلها ولا إلى إدراكها، قال الله جل وعلا، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] وهذا دليل على أن الكيفيات لا سبيل إلى تحصيلها، وأن الكيف مجهول غير معلوم.\nفقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران:٧] معناه: أن حقيقته وكنه خبره وما يئول إليه الخبر لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وهذا معنى قول مالك رحمه الله تعالى: (والكيف غير معقول) أي: لا سبيل إلى عقله وإدراكه؛ لأن العلم بالكيفيات فرع عن العلم بالذات، وليس لنا علم بكيفية الذات حتى نعرف ونعلم كيف صفاته ﷾.\nثم قال ﵀: (والإيمان به واجب) أي: الإقرار المستلزم للإذعان والقبول، والذي يحصل به طمأنينة القلب وسكونه إلى خبر الله وخبر رسوله في هذه الصفة وفي غيرها واجب، فلا يسوغ لأحد أن ينكر الاستواء لكونه لم يعقل كيفيته، بل الواجب على المؤمن أن يقر بالاستواء الذي أخبر الله به عن نفسه، أما الذي يتعلق بالكيفية فأمرها إلى الله؛ لا سبيل إلى إدراكها ولا إلى العلم بها.\nوالإيمان به، أي: بالاستواء الذي أخبر به في كتابه واجب.\n(والسؤال عنه بدعة) السؤال عن كيفية الاستواء وعن كيفية سائر الصفات بدعة، أي: محدث في الدين، وإذا كان بدعة فإن كل بدعة ضلالة كما قال النبي ﷺ: (وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، فالواجب الكف عن هذا، ولو كان خيرًا لسبقنا إليه سلف الأمة.\nثم أمر بالرجل فأخرج من مسجد رسول الله ﷺ لما أحدثه، وفيما ذكره الذهبي ﵀ من هذه القصة، أن الإمام مالك ﵀ قال لهذا الرجل: (وإني لأظنك ضالًا، أخرجوه) فلما أخرجوه نادى الرجل الإمام مالك ﵀ قال: يا أبا عبد الله! لقد سألت عن هذا أهل الكوفة والبصرة والعراق، فلم أجد أحدًا وفق إلى ما وفقت إليه.\nكأن هذا الرجل وجد جواب الشبهة التي دارت في صدره وحارت، وطلب جوابها عند علماء البصرة وعلماء الكوفة وعلماء العراق، فلما أجابه الإمام مالك ﵀ بهذا الجواب شفى ما في قلبه من شبهة، وأزال ما في قلبه من عارض، وهذا الجواب لم يكن جوابًا مخترعًا من الإمام مالك ﵀، بل إنه قد نقل عن غيره من أئمة السلف، فهو منقول عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك ﵀، وقد نقل عن بعض الصحابة كـ أم سلمة، فالمراد: أنه منقول عن غير واحد من سلف الأمة، وقد تلقاه علماء الأمة بالقبول، فكثير من أهل العلم يتناقل هذا القول ويحتج به، وهو قول مسدد في جواب هذه الشبهة.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>شرح حديث الجارية وما في معناه</span>\nوأما قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] فهذا فيه إثبات صفة العلو لله ﷿، وقوله تعالى: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] السماء يحتمل أحد معنيين: المعنى الأول: السقف المحفوظ، والمعنى الثاني: أنه العلو؛ لأن السماء في لغة العرب: اسم جنس للعالي، فعلى المعنى الأول، وهو أن المقصود بالسماء: السقف المحفوظ، يكون قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: من على السماء، فـ (في) بمعنى: (على) .\nوعلى المعنى الثاني، وهو أن السماء اسم لجنس ما علا، تكون (في) على بابها، وليست بمعنى (على)، على أننا نعتقد أن الله جل وعلا محيط بكل شيء، ليس فيه شيء من خلقه، ولا هو في شيء من خلقه جل وعلا، بل هو العالي الذي لا شيء فوقه، فهو سبحانه عال على كل شيء، مستوٍ على عرشه بائن عن خلقه، فليس فيه شيء من خلقه، ولا هو في شيء من خلقه، تعالى الله عما يظن الجاهلون ويقولون علوًا كبيرًا، وهذا الذي ذكرناه في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] يجري في كل ما شابه هذه الصيغة.\nفقوله ﵀: (وقول النبي ﷺ: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك» (.\n(في السماء) فيها وجهان: الوجه الأول: أن المراد بالسماء السقف المحفوظ، والوجه الثاني: أن السماء المراد بها جنس ما علا، تقول: نزل علينا المطر من السماء، يعني: من جهة العلو؛ لأن المطر لا ينزل من السقف المحفوظ، وإنما ينزل من السحاب، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] يعني: يمدد بحبل إلى جهة العلو، فالسماء تطلق على جنس ما علا في لغة العرب، وتطلق أيضًا على السقف المحفوظ الذي جعله الله ﷾ طباقًا.\nففي كل الموارد التي يرد فيها الخبر بأن الله جل وعلا في السماء، إما أن تقول: السقف المحفوظ، فتكون (في) بمعنى (على) وإما أن تقول: جهة العلو، فتكون (في) ظرفية على بابها.\nقال ﵀: (وقال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء قال النبي ﷺ: أعتقها فإنها مؤمنة)، هذا الحديث في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم في قصة ضرب جاريته، حيث سألها رسول الله ﷺ: (من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، ثم سألها: أين الله؟ قالت: في السماء، فقال له النبي ﷺ: أعتقها فإنها مؤمنة) يقول: (رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة) .","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>حديث الأوعال</span>\nقال: [وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: (إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا) وذكر رسول الله ﷺ كم بين كل سماء والتي تليها، وذكر الخبر إلى قوله: (وفوق ذلك العرش والله سبحانه فوق ذلك) أي: فوق العرش، ويمكن أن يقول: والله سبحانه فوق ذلك، أي: فوق كل ما تقدم، وقوله: (والله سبحانه فوق ذلك)، يحتمل أن يرجع إلى العرش، ويحتمل أن يرجع إلى ما عداه من السموات المذكورة.\nوهذا الحديث أخرجه أبو داود وغيره من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁، وهو مشهور عند أهل العلم بحديث الأوعال؛ لأن فيه ذكر الأوعال التي تحمل العرش، وهو حديث صحيح رواه أهل السنن أبو داود والترمذي وابن ماجة، ورواه ابن خزيمة، وقد طعن فيه بعضهم، لكن طعنهم واهٍ، فالحديث ثابت، ولا تنتفي صفة العلو بتشغيب من شغب بتضعيفه لأن الحديث والآيات مستفيضة في الدلالة على أن الله تعالى فوق كل شيء.\nيقول ﵀: [فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله] (هذا) أي: ما تضمنته الآيات والأحاديث المتقدمة من إثبات استوائه جل وعلا وعلوه على عرشه، وما أشبهه مما أجمع السلف على نقله وقبوله، [ولم يتعرضوا لرده، ولا تأويله، ولا تشبيهه، ولا تمثيله] بل جروا في هذه الصفة على ما جروا عليه في سائر الصفات، فهم لا يردون، ولا يكذبون، ولا يحرفون، ولا يمثلون.\nواعلم أنه لا سلامة لأحد في خبر الله أو خبر رسوله ﷺ عما يتصف به الرب جل وعلا إلا بسلوك هذا السبيل، فهو أن يثبت ما أثبته الله لنفسه، أو يثبت ما أثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فإن هذه الاحترازات الأربع، وهي نفي التحريف ونفي التعطيل، ونفي التمثيل ونفي التكييف، يسلم بها المرء من الضلالات في باب الأسماء والصفات، ولذلك كرر المؤلف ﵀ قوله: (ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله)، فإن أهل السنة والجماعة يثبتون ذلك على الوجه اللائق بالله ﷿، وأذكر دائمًا أن حظ النصوص عند أهل السنة التسليم والقبول، مع حسن الفهم كما تقدم ذلك فيما ذكرناه من قول ابن القيم في نونيته: فالجحد والإعراض والتأويل والتجهيل حظ النص عند الجاني أما حظه عندنا فهو التسليم مع حسن القبول وفهم ذي إحسان فإن هذين البيتين يختصران لك الضلالات التي وقع فيها من وقع في باب الأسماء والصفات، ويبينان لك طريق السلامة من هذه الضلالات؛ فيحسن حفظ هذين البيتين.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة</span>\nقال: (وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة)، أي: كتب الأنبياء كالتوراة والإنجيل (أنهم يسجدون في الأرض ويزعمون أن إلههم في السماء) .\nوهذا وصف صادق على الأمة، فإن أهل الإسلام يسجدون في الأرض، ثم إذا سجدوا يقولون: سبحان ربي الأعلى، وبهذا فهم يزعمون أن إلههم في السماء، أي: في العلو؛ وأول ما ينقدح في القلب عند وصف الله أنه الأعلى، علوه جل وعلا بذاته في السماء.\nوهذا أمر وقع فيه الخلاف بين أهل السنة وغيرهم، فإن أهل البدعة ينكرون هذا النوع من العلو ويقولون: الأعلى قدرًا، والأعلى قهرًا، ولا يقولون: الأعلى ذاتًا، والعلو الذي يثبته أهل السنة والجماعة لله ﷿ هو العلو بأنواعه كلها، فله جل وعلا علو الذات، فهو فوق كل شيء سبحانه وبحمده.\nوله علو القدر والشرف، فهو الذي له المثل الأعلى، وله الصفات العلا والأسماء الحسنى، وهو العالي على عباده قهرًا كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] .\nوالمتكلمون الذين ينكرون علو ذاته جل وعلا يقولون: إن قول الله جل وعلا: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وقول الساجد: سبحان ربي الأعلى، إنما هو علو القدر والقهر، وهم في هذا باخسو الله جل وعلا علوه الذي اختص به وهو الأصل، فإن الأصل في العلو الثابت له هو علو الذات، وأما علو القدر وعلو القهر فهو من لوازم علوه جل وعلا.\nفما ذكر في الكتب المتقدمة من أن هذه الأمة موصوفة بأنهم يسجدون في الأرض ويزعمون أن إلههم في السماء وصف مطابق لحال أمة الإسلام.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>حديث النبي ﷺ مع حصين بن المنذر الخزاعي</span>\nثم قال رحمه الله تعالى: (وقال النبي ﷺ لـ حصين) وهو حصين بن المنذر الخزاعي والد عمران بن الحصين ﵁، وكان في مكة أتاه قومه-وكان شيخًا كبيرًا- وقالوا له: إن محمدًا يسفه أحلامنا، ويذم آلهتنا، فأته لعله يسمع منك، فأتى النبي ﷺ، فلما أقبل على النبي ﷺ قال النبي لأصحابه: (أوسعوا للشيخ) -لكبر سنه-فقال له ما قال ينكر على النبي ﷺ تسفيه آلهتهم، فقال له رسول الله ﷺ: (يا حصين! كم إلهًا تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحدًا في السماء، فقال له النبي ﷺ: من لرغبتك ورهبتك؟) يعني: من لما تحب وترغب؟ ومن لما تخاف وترهب؟ ومن الذي تدخره لمطالبك ومطامعك وآمالك فتسأله؟ قال حصين: (الذي في السماء) يعني: الله ﷿، فـ حصين في هذه الحال كافر؛ لأنه أخبر بأنه يعبد سبعة، ولا يكون هذا من مسلم، ومع ذلك يعتقد أن الله في السماء، وهذا دليل من الأدلة التي تضاف إلى ما ذكره شيخ الإسلام وغيره من أن إثبات العلو لا يختص أهل الإسلام بل يقر به كل إنسان من مسلم أو كافر، قال: (فاترك الستة واعبد الذي في السماء) أي: لا تتوجه إليهم بعبادة ولا رغبة، (واعبد الذي في السماء)، أي: أخلص عبادتك لله الذي في السماء.\n(وأنا أعلمك دعوتين -وفي رواية-: كلمتين، فأسلم)، ظاهر هذا السياق أنه أسلم في الحال، والذي يظهر من الروايات الأخرى أنه أسلم بعد حين، ثم أتى النبي ﷺ فقال: (أوفني ما وعدتني، علمني الكلمتن)، فعلمه رسول الله ﷺ كلمتين جامعتين تجمع للإنسان خير الدنيا والآخرة: (اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي) وفي رواية: (وأعذني من شر نفسي) ومن وفق إلى الرشد وإلى الوقاية من شر النفس فقد جمع الله له الخير؛ لأن الوقاية والرشد تحصل بها الهداية، فإن من ألهم رشده، أي: أعطي الهداية ووفق إليها، ووقي شر نفسه، فقد كمل له العلم النافع والعمل الصالح، فهو سأل الله ﷿ ما يعين على الهداية واجتناب ما يمنع منها.\nلأن الذي يحصل به الضلال وعدم الاستقامة أمران: الجهل، وهذا يتوقاه بقوله: اللهم ألهمني رشدي، واتباع الهوى، وهذا يتوقاه بقوله: وقني شر نفسي، فإن الإنسان قد يكون عالمًا بالحق لكن يحول بينه وبين اتباعه والأخذ به نفسه واتباع شهواته، فإذا وقي هذا ووفق إلى ذلك فقد كمل له الخير، وهذا الحديث رواه الترمذي وقال: غريب، وقد حسنه جماعة من العلماء، وهو من رواية الحسن بن أبي الحسن البصري عن عمران ﵁.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>إثبات صفة الكلام لله تعالى بالأدلة</span>\nقال الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى: [فصل: ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم يسمعه منه من شاء من خلقه، سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة، وسمعه جبريل ﵇، ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورنه.\nقال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وقال سبحانه: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١] وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١١] * ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢] وقال سبحانه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله.\nوقال عبد الله بن مسعود ﵁: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، روي ذلك عن النبي ﷺ) وروى عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ أنه قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلًا بهمًا، فيناديهم بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان) رواه الأئمة، واستشهد به البخاري.\nوفي بعض الآثار أن موسى ﵇ ليلة رأى النار، فهالته، ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعًا استئناسًا بالصوت، فقال: لبيك لبيك! أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك، فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى] .\nهذا الفصل خصه المؤلف ﵀ بذكر صفة جليلة من صفات الرب جل وعلا وهي صفة الكلام، والله سبحانه موصوف بالكلام أزلًا وأبدًا، فالكلام صفة من صفات الذات، وهي صفة من صفات الفعل باعتبار الآحاد والأفراد، أما باعتبار الأصل فالكلام من الصفات الذاتية.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>نداء الله ومناجاته لموسى بحرف وصوت</span>\nيقول ﵀: (وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى﴾ [طه:١١] * ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّك﴾ [طه:١٢]) .\n(فلما أتاها) أي: أتى الشجرة، (نودي يا موسى) أي: ناداه الله جل وعلا، فالمنادي هو الله جل وعلا، ودليل ذلك ما ذكره المؤلف وهو قوله سبحانه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، ولا يسوغ أن يصدر هذا من غير الله جل وعلا، فلا يسوغ أن يصدر من مخلوق كما تقول المعتزلة؛ لأن المخلوق لا يمكن أن يقول لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، فهذا الكلام لا يجوز أن يصدر إلا من الرب جل وعلا.\nويقول ﵀: (وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله جل وعلا)؛ لأنه لا يجوز أن يوصف بهذا إلا الله المتكلم بذلك، فلا يجوز أن يكون من خلق خلقه، ولا يجوز أن يكون من الشجرة، ولا من ملك، إنما هو من الله جل وعلا.\nفموسى ﵇ اختصه الله جل وعلا بالتكليم، نداءً ونجاءً، والله جل وعلا قد أخبر في عشرة مواضع في كتابه بأنه ينادي، والنداء في لغة العرب: الكلام بصوت عال، فدل ذلك على أن كلام الله بحرف وصوت؛ لأنه لا يمكن أن يكون الكلام نداء إلا إذا كان بصوت، ولذلك ميز الله جل علا في كلامه لموسى بين نوعين من الكلام، بين النداء الذي يدعى به البعيد، ويسمع بصوت عال، وبين النجاء الذي يكون بين المتقاربين الذي لا يحتاج معه إلى رفع الصوت، قال الله ﷿: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] فجمع الله لموسى بين النداء وهو الصوت العالي، وبين النجاء وهو الكلام بصوت خفي، فدل ذلك على أن كلام الله جل وعلا بصوت.\nوفي قوله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ذكرنا وجهًا من أوجه التحريف المعنوي، قالوا: (كلم) معناها: جرح، هذا نجعله من أمثلة التحريف المعنوي، وهذه الآية يجتمع فيها أيضًا نوع آخر من أنواع التحريف سلكه بعضهم وهو التحريف اللفظي، حيث نصبوا لفظ الجلالة في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] فجعلوا موسى هو المتكلِّم، هكذا طلب أحد أئمة البدع من بعض القراء أن يقرأ الآية، قال له: اقرأ: (وكلم اللهَ موسى تكليمًا)، فأجابه بقوله: إن أجبتك في هذه فكيف تصنع في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] يعني: لا سبيل إلى إلغاء تلك القراءة؛ لأنه واضح في تلك القراءة أن الكلام مضاف إلى الله جل وعلا، فهذه الآية حاول بعضهم أن يحرفها تحريفًا لفظيًا لكنه عجز.\nقال ﵀ بعد ذلك: (قال عبد الله بن مسعود ﵁: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء)، روي ذلك عن النبي ﷺ)، وفي الصحيحين: (إذا تكلم الله في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم) والضمير في (كأنه) يعود إلى كلام الله ﷿، فـ (كأنه سلسلة) أي: أن صوت الله ﷿ كالسلسلة على الصفوان، والسلسلة: الحديدة التي يربط بعضها بعضًا بحلق صغيرة، أي: كضرب سلسلة على صفوان، والصفوان هو الحجر، أي: يصدر صوت عظيم ينفذهم من جراء تكلم الرب جل وعلا.\nثم قال ﵀: (وروى عبد الله بن أنيس عن الرسول ﷺ أنه قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلًا، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان)، يحشر، أي: يجمع الخلائق يوم القيامة، والخلائق: بني آدم والجن وسائر ما خلقه الله جل وعلا، فكل ما له روح يبعثه الله ﷿ يوم القيامة، كما قال الله جل وعلا في ذكر الحشر: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] فالوحوش تحشر يوم القيامة، والوحوش هي كل حيوان متوحش، فإذا كانت الحيوانات المتوحشة التي تفر وتهرب من غيرها تحشر، فما بالك بالحيوانات التي تألف الناس وتكون بينهم! فإن حشرها أيسر، وإنما ذكر الوحوش لأنها في الغالب تهرب ممن يريدها ويطلبها، فهي لا تتمكن يوم القيامة من الهرب من الله جل وعلا، بل يأتي بها الله جل وعلا محشورة، وكما قال تعالى في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨] أي: كل هؤلاء يحشرون إلى الله ﷿، فكل ما يدب على الأرض ويطير في السماء فإنه يحشر إلى الله جل وعلا، هذا معنى قول النبي ﷺ: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة)، لكن هنا ذكر صفة حشر بني آدم لأنهم هم المقصودون الأولون بحشر يوم القيامة؛ لأن الجزاء والحساب يطغو عليهم قبل غيرهم، وما يكون من جزاء وحساب لغيرهم فهو تابع لهم.\nقوله: (حفاة عراة غرلا) أي: مجردين من كل لباس، (حفاة): أي: ليس معهم ما يقيهم حر وأهوال ذلك اليوم، (غرلًا): أي: قد كمل خلقهم، فما فرط الله من خلقهم في شيء، بل يأتون غرلًا، أي: غير مختونين كما خلقهم الله جل وعلا: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] .\n(فيناديهم الله جل وعلا بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) أي: يسمعه كل أحد، قوله: (أنا الملك أنا الديان): هذا فيه فائدة، وهي أن الناس في حشرهم متفاوتون في المكان على اتساع المكان، فهم منتشرون فيه، فيهم البعيد وفيهم القريب، يسمعهم الله جل وعلا، يقول: أنا الملك أنا الديان، وهذا لا يكون إلا من الله جل وعلا.\n(أنا الملك): فلا ملك غيره جل وعلا في ذلك اليوم، كما قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، بل كل ملك يسقط فلا يبقى إلا ملك الله جل وعلا، مع أنه مالك الدنيا والآخرة، ولكن يظهر ملكه في ذلك اليوم؛ لأنه لا منازع له فيه سبحانه وبحمده.\n(أنا الديان): أي: أنا الذي أحاسبكم، فالديان فعال من المحاسب، أي: كثير الحساب، فهو يحاسبهم جل وعلا حسابًا سريعًا يقضي به الحقوق، ويجزي به على الأعمال.\nيقول ﵀: (رواه الأئمة واستشهد به البخاري)، والشاهد في هذا الحديث قوله: (يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان)، وهذا فيه فائدة، وهي أن كلام الله جل وعلا بصوت، فإن الله جل وعلا أخبر بأن النداء بصوت، وإنما ذكر الصوت هنا تأكيدًا، وإلا فالنداء لا يكون إلا بصوت رفيع كما ذكرنا عن لسان العرب.\nثم ذكر بعد ذلك: قال: (وفي بعض الآثار أن موسى ﵇ ليلة رأى النار) إلى آخر ما ذكر.\nوالله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>أنواع الوحي وكلام الله لبعض الرسل</span>\nثم قال ﵀: وقال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١]، فذكر الله ﷿ في هذه الآية مراتب الوحي، وجعلها ثلاث مراتب.\nالمرتبة الأولى: الإلهام.\nالمرتبة الثانية: التكليم المباشر.\nالمرتبة الثالثة: التكليم بواسطة، فقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا﴾ [الشورى:٥١] هذه هي المرتبة الأولى، وقوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١] هذه المرتبة الثانية، وهي التي حصلت لموسى ﵇، وقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] وهذه المرتبة الثالثة والتي يشترك فيها جميع الرسل.\nفالآية دالة على أن الله جل وعلا يتكلم وأن كلامه جل وعلا أنواع، وهذه الآية احتج بها أهل البدعة على أن كلام الله معنى، ولا يلزم أن يكون كلام الله باللفظ، حيث قالوا: إنكم تقولون: إن من مراتب التكليم: الوحي؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا﴾ [الشورى:٥١] أي: إلهامًا، والإلهام إعلام سريع على وجه الخفاء؛ لأن الوحي في لغة العرب هو الإعلام السريع الخفي، وهذا لا يختص الرسل، بل يكون لكل من شاء الله أن يلهمه، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل:٦٨]، فأخبر بإيحائه إلى النحل، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص:٧]، مع أنها ليست بنبية ولا رسولة، فهذا الوحي هو الإلهام، لكن هل هذا كلام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ليس بكلام عند الإطلاق، إنما الكلام في لغة العرب عند الإطلاق لابد فيه من ألفاظ، يقول ابن مالك: كلامنا لفظ مفيد كاستقم فالكلام لا يصح أن يوصف بأنه كلام عند الإطلاق إلا إذا توفر فيه وصفان: الوصف الأول: اللفظ، الوصف الثاني: إفادة المعنى، ولذلك يقول: كلامنا-أي: كلام العرب-لفظ مفيد فاستقم فلابد أن يكون لفظًا، ولابد أن يكون مفيدًا لمعنى، وإلا فلا يوصف بأنه كلام، والمراد: أن احتجاجهم بهذه الآية ليس في محله؛ لأن الله جل وعلا لم يذكر أقسام الكلام عند الإطلاق، وإنما ذكر أقسام الوحي.\nومن الوحي ما يكون إلهامًا، وهذا لا إشكال فيه، لكنه لا يسمى كلامًا، وإنما الكلام ما تلفظ به صاحبه.","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>كلام الله قديم لا أول له متجدد حسب فعله سبحانه</span>\nوالكلام الذي يثبته أهل السنة والجماعة لله ﷿ كلام قديم، بمعنى أنه كلام لا أول له، فليس الكلام صفة حادثة بعد أن لم تكن، وهذا معنى كلام المؤلف ﵀: إنه متكلم بكلام قديم.\nلكن هل هذا الكلام حادث الأنواع، أي: متجدد، أم أنه كلام تكلم به ثم فرغ منه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n أنه كلام متجدد، ولذلك فهو بهذا الاعتبار من صفات الأفعال، فلما نادى الله ﷿ آدم وحواء بعدما وقع منهما ما وقع من المخالفة، فهو نداء حادث في وقته وليس نداء متقدمًا في الأزل.\nولما أنزل الله القرآن على رسوله، فإنه تكلم به وقت نزوله، فالله جل وعلا يتكلم بكلامه متى شاء وكيف شاء، ولكن هذه الصفة لم يزل متصفًا بها، أي: أن الكلام ليس حادثًا بعد أن لم يكن، هذا معنى قول المؤلف ﵀: (أنه متكلم بكلام قديم) .\nقال ﵀: (يسمعه منه)، أي: يسمع كلامه منه جل وعلا لا من غيره، (من شاء من خلقه)، وهذا السماع سماع مباشرة لا بواسطة؛ ولذلك قال: (سمعه موسى ﵇ منه)، أي: من الله جل وعلا (من غير واسطة)، فلم يكن بين الله وموسى ﵇ واسطة في سماع الكلام، بل سمعه مباشرة، وهذا لا يختص بموسى ﵇ من كل وجه، أعني أن أصل سماع الكلام مباشرة ليس خاصًا بموسى، بل كلم الله ﷿ رسوله ﷺ مباشرة في ليلة الإسراء، بل كلم بعض أفراد هذه الأمة بعد موته كما في حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال له: (إن الله جل وعلا قد كلم أباك كفاحًا) أي: من غير واسطة، وذلك بعد استشهاده ﵁ في غزوة أحد.\nوأما في الآخرة فإنه يكلم كل أحد كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي في الصحيحين: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان)، والترجمان: هو المفسر الذي يكشف عن معنى الكلام، بل سيكلمه مباشرة بدون واسطة، لكن ما جرى لموسى ﵇ من الكلام في رسالته أمر زائد على ما جرى للأنبياء، ولذلك يوصف موسى ﵇ بأنه كليم الرحمن، ولما يأتي الناس -كما في حديث أبي سعيد وغيره- في المحشر إلى موسى يقولون له: أنت الذي كلمك الله، وخط لك التوراة بيده.\nفذكروا ما اختص به دون غيره، وإذا نظرت إلى ذكر الله ﷿ للرسل، تجد أن ما اختص الله به موسى مخالف لهم جميعًا، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] وهذا خطاب للنبي ﷺ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] ثم ذكر الرسل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٣-١٦٤] ثم ذكر موسى مفردًا فقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فدل هذا على أن نصيب موسى من تكليم الله له مخالف لما تقدم حتى للنبي ﷺ، فإن ما اختص الله به موسى من صفة التكليم مخالف لغيره، فدل ذلك على أن نصيب موسى من هذه الصفة لست لغيره من الرسل.\nولذلك قال المؤلف ﵀: (سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة)، ولم يذكر النبي ﷺ؛ لأن نصيب موسى في هذه الفضيلة وفي هذه الصفة لم يشاركه فيها أحد، ودليل ذلك من القرآن واضح في آيات النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] وذكر جملة من الأنبياء، ثم بعد ذلك قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ولم يقل فقط: (وكلم الله موسى)، بل أكد ذلك بقوله: (تكليمًا) فدل ذلك على أن حظه ونصيبه من التكليم الذي جرى له ﵇ مخالف للرسل، وهذا هو السبب في كونه ﵇ يوصف بأنه كليم الرحمن، وأن الناس يقولون له يوم المحشر: أنت الذي كتب الله لك التوراة بيده، وكلمك بنفسه.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>كلام الله عام لجميع الناس يوم القيامة</span>\nيقول ﵀: (وسمعه جبريل ﵇) أي: تلقاه جبريل عن الله جل وعلا، قال: (ومن أذن له من ملائكته ورسله)، أي: يسمع كلام الله ﷿ من يأذن الله ﷿ له أن يسمع كلامه من ملائكته ورسله.\n(وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه)، في الآخرة يحتمل أنه في الجنة، ويحتمل أنه في الموقف، ولكن المراد: أنه يكلمهم في الجنة، وخص المؤمنين بالتكليم مع أن ظاهر الحديث: أنه يكلم أهل الإيمان وغيرهم؛ لأن تكليمه لأهل الإيمان أعلى ما يكون من الكلام، أما تكليمه لأهل الكفر فإنه تكليم تقريع وتوبيخ وتعذيب، وليس تكليم إكرام ومنة.\nوتكليمه لأهل الكفر لا إشكال فيه، دل عليه قوله ﷺ: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه)، والخطاب هنا ليس خاصًا بالصحابة، بل يعم كل أحد، ويدل له ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة، وفيه: (إن الله يخلو بعبده الكافر، فيقول: ألم أسودك؟ ألم أربعك؟ ألم أجعلك ترأس؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: أكنت تظن أنك ملاقي؟ فيقول الرجل: لا، فيقول الله ﷿: اليوم أنساك كما نسيتني) وهذا لا يمكن أن يكون من مسلم، ولا يكون إلا من كافر.\nثم قال المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر الآيات الدالة على إثبات هذه الصفة للرب جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وذكرنا أن هذه الآية من أصرح الآيات في إثبات صفة الكلام لله جل وعلا،؛ لأن الله أكد كلامه بالمصدر في قوله: (تكليمًا)، والعجيب أن المحرفين قالوا: إن هذه الآية تدل على أن موسى لم يحصل له من الفضل أكثر من غيره، وإنما معنى الكلام هنا: الجرح، كقول النبي ﷺ: (الله أعلم بمن يكلم في سبيله)، أي: يجرح، فقالوا: معنى «وكلم الله موسى تكليما»، أي: جرحه بأظافير الحكمة، هكذا حرفوا الكلم عن مواضعه، مع أن المقام مقام بيان وتشريف؛ لأن الله ﷿ ابتدأ الكلام بقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣]، ثم إنه ذكر تكليمه جل وعلا لموسى وأكد ذلك بالمصدر، ومع ذلك حرفوا الكلم عن مواضعه وقالوا: إن المراد هنا بالتكليم التجريح، وهذا لاشك أنه يدخل فيما ذكره الله تعالى من تحريف الكلم عن مواضعه.\nوقال سبحانه: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وهذا دليل على أن الله ﷿ كلم موسى، وأنه اختصه بشيء من الكلام لا يشاركه فيه أحد من الناس.\nولكن هل هذا يدل على أن موسى ﵇ أفضل من نبينا ﵊؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا، لأن الاختصاص بفضيلة خاصة لا يلزم منه الفضل من كل وجه، وهذه قاعدة مطردة في كل ما ورد من الفضائل، فسيدنا موسى ﵇ فضل على نبينا ﷺ في هذا، لكن النبي ﷺ أفضل منه من حيث العموم، بما خصه الله به وحباه به من الفضائل.\n﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فدل ذلك أن تكليم الله لموسى ليس خاصًا بموسى، بل من الرسل من كلم الله ﷿.","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>كلام الله وعلاقته بجميع الرسل</span>\nيقول ﵀: (ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم): المقصود بالقديم: الأول الذي ليس قبله شيء، فكلامه ليس صفة حادثة بعد أن لم يكن، بل كلامه جل وعلا من صفاته الذاتية التي لم يزل متصفًا بها ولا يزال متصفًا بها، وقد اتفق على إثبات هذه الصفة لله جل وعلا أهل السنة والجماعة، أئمة هذا الدين من الصحابة فمن بعدهم، فلا خلاف بينهم في إثبات هذه الصفة.\nبل هذه الصفة دل عليها كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله ﷺ، فلا مجال لإنكارها، بل إن إنكار هذه الصفة يفضي إلى إنكار الصفات من أصلها، ولذلك فالذين ينكرون أن يرسل الله رسولًا إما أن ينكروا أن الله يكلم أحدًا، وإما أن ينكروا أن الله ينزل على رسوله كتابًا كما قال الله ﷿: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس:٢]، فجعل الله ﷿ سبب تعجب الكفار أن يوحي إلى رجل منهم؛ ولذلك قال القائل منهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فأنكر أن يكون القرآن كلام الله جل وعلا.\nفالإنكار لمسألة تكلم الله ﷿ وصفة الكلام له جل وعلا من أخطر ما يكون؛ لكونه يوافق قول المكذبين للرسل، فيلغي الرسالة، ويلغي أن يكون الله جل وعلا قد أرسل رسلًا مبشرين ومنذرين، وأنه أوحى إليهم، وأرسل إليهم.\nفهذه المسألة من أخطر ما يكون، ولذلك اتفق الرسل جميعًا على إثبات هذه الصفة، فكل الرسل أخبروا أقوامهم بأن الله أوحى إليهم، وأنه كلمهم، وأنه بعثهم وأرسلهم، فإثبات صفة الكلام مما أجمعت عليه الكتب السماوية كلها، فمن أنكر هذه الصفة فقد أنكر ما اتفق عليه الرسل جميعًا.","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>شرح لمعة الاعتقاد [٥]</span>\nصفة الكلام من الصفات التي أجمع سلف الأمة على إثباتها للمولى ﷿ كما يليق بجلاله، من دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم، فهو صفة من صفاته غير مخلوق، وقد أضافه المولى ﷿ إلى نفسه، ولا يضاف الكلام إلا إلى من قاله مبتدئًا.\nوالقرآن مكون من سور وآيات، وأجزاء وأبعاض، ومنه محكم ومتشابه، وعام وخاص وناسخ ومنسوخ.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>إنكار صفة الكلام لله تعالى يؤدي إلى إنكار الرسالة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فيقول الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: [وروى عبد الله بن أنيس، عن النبي ﷺ أن الله قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلًا بهمًا، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قُرُب: أنا الملك أنا الديان)، رواه الأئمة، واستشهد به البخاري.\nوفي بعض الآثار: (أن موسى ﵇ ليلة رأى النار؛ فهالته ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعًا استئناسًا بالصوت، فقال: لبيك لبيك، أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك وأمامك، وعن يمينك وعن شمالك)؛ فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى.\n(قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى)] .\nهذا تتمة للفصل الذي بدأنا فيه، والذي جعله المؤلف ﵀ لتقرير عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بصفة الكلام لله ﷿، وإثباتهم صفة الكلام لله جل وعلا على ما يليق بجلاله وكماله، وذكرنا أن صفة الكلام صفة ثابتة له ﷿ بالكتاب والسنة وبإجماع سلف الأمة؛ فإن الأمة أجمعت على إثبات هذه الصفة للرب جل وعلا، بل إن الكتب كلها تثبت هذه الصفة، والرسل جميعهم جاءوا مخبرين بأن الله ﷿ أوحى إليهم وكلمهم، وأنه ﷾ بعثهم إلى الناس، وأنزل عليهم كتبًا تكلم بها، فهذه الصفة ثابتة أجمع عليها أهل الإيمان والإسلام على مَرِّ العصور.\nومن أنكر صفة الكلام فقد شابه أهل الكفر؛ وذلك أن الكفار أنكروا إرسال الله ﷿ الرسل، وسلكوا في ذلك طريقين: الأول: تكذيب أن يكلم الله جل وعلا أحدًا من رسله.\nالثاني: أنهم قالوا: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١]، فسلكوا في تكذيب رسالات الرسل هذين المسلكين: إما تكذيب أن يبعث الله إلى الناس رسولًا: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس:٢]، ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف:٦٣]، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١]؛ فهذه مسالكهم في إبطال الرسالة؛ ولذا قال العلماء: إن حقيقة إنكار صفة الكلام التطرق والتوصل إلى إنكار بعث الله ﷿ للرسل.\nوتقدم لنا أن الله جل وعلا كلم موسى ﵇، وأن ما خص الله به موسى من الكلام فارق به سائر الأنبياء والرسل، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وكما قال جل وعلا في خطابه لموسى: (يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] .\nثم قال المؤلف ﵀ في الاستدلال على هذه الصفة: وروى عبد الله بن أنيس، عن النبي ﷺ أن الله قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة)، وذكر صفة حشر بني آدم، فذكر أربعة أوصاف: (عراة حفاة غرلًا بهمًا)، واللفظ الذي في الصحيح ذكر الأوصاف الثلاثة الأولى: (حفاة، عراة، غرلًا)، وأما الصفة الرابعة: (بهمًا)، فقد جاءت في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن أنيس الذي ذكره المؤلف ﵀.\nقالوا: (يا رسول الله! وما بهمًا؟ قال: ليس معهم شيء) .\nقال: (فيناديهم بصوت)؛ وهذا هو محل الشاهد في الحديث، (يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب: أنا الملك أنا الديان)، وهذا الحديث رواه جابر بن عبد الله ﵁ عن عبد الله بن أنيس، وهو الحديث الذي رحل جابر في طلبه من المدينة إلى الشام، لما بلغه أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يحدث عن فصل القضاء والحكم بين الناس، فاشترى بعيرًا؛ فشد عليه رحله، ثم رحل إلى الشام، فطرق الباب على عبد الله بن أنيس، فقال: إنه قد بلغني أنك تحدث حديثًا عن رسول الله ﷺ لم أسمعه، فخشيت أن تموت أو أموت قبلك قبل أن أسمعه، فأخذه منه ﵁، وفيه ما ساقه المؤلف من حشر الخلائق.\nقال المؤلف: (رواه الأئمة، واستشهد به البخاري) .\nوأصل الحديث في الصحيحين من حيث ثبوت صفة الحشر، ونداء الله ﷿ للخلائق يوم المحشر في صحيح الإمام مسلم.\nثم قال ﵀: (وفي بعض الآثار)، أي: عن الأنبياء المتقدمين: (أن موسى ليلة رأى النار)، هذا الأثر رواه ابن أبي عاصم في كتاب الزهد بسنده إلى وهب بن منبه، ووهب بن منبه من الرواة الذين أكثروا النقل عن بني إسرائيل، قال الذهبي ﵀ في ترجمته: له غزارة علم في الإسرائيليات وصحائف أهل الكتاب.\nيعني أن غالب ما عنده من العلم هو من الإسرائيليات وصحائف أهل الكتاب، وهذا من ذلك والله أعلم، وهو يروي عن ابن عباس، وأبي هريرة.\nوهذا الأثر من روايته عن أهل الكتاب في الإسرائيليات أو من صحائف أهل الكتاب، يقول فيه: (إن موسى ليلة رأى النار هالته ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعًا استئناسًا بالصوت، فقال: لبيك لبيك)، أي: أجيبك إجابة بعد إجابة.\n(أسمع صوتك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟)، وهذا فيه أنه سأل عن الله ﷿ (بأين) التي هي أعظم الكبائر عند أهل الكلام؛ مع أن النبي ﷺ سأل الجارية، فقال لها: (أين الله؟ وموسى في هذا الأثر الإسرائيلي قال: أين أنت؟ قال: أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك)، وهذا ليس فيه أن الله مخالط للخلق بل هذا لا ينافي ما تقدم مما نعتقده ودل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة: أن الله جل وعلا بائن من خلقه، ليس فيه شيء من خلقه ولا هو في شيء من خلقه، بل هو العلي جل وعلا مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، والإحاطة المذكورة هنا إنما هي إحاطة العلم والقرب، وليست إحاطة المخالطة والممازجة؛ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\n(فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله.\nقال: (كذلك أنت يا إلهي)، يعني: هكذا صفة الإله، (أفكلامك أسمع) يعني: هذا الكلام الذي أسمع، وهو النداء: يا موسى، (أكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى)، ولا شك أن الكلام الذي سمعه موسى ﵇ في تلك الليلة هو كلام رب العالمين؛ لا يماري في ذلك صاحب عقل سليم، وصاحب قلب من الشبه سليم؛ لأن الله جل وعلا قال في تلك الليلة: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢]، وقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، ولا يمكن أن يكون هذا صادرًا عن غير الله جل وعلا؛ لأنه لا يجوز لمخلوق من خلق الله ﷿ أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، فعلم بهذا أن الكلام الذي سمعه موسى ﵇ هو كلام رب العالمين، وهذا واضح جلي يدركه كل أحد يطلع على كلام الله ﷿، ويقرأ ما جاء في شأن هذه القصة من كلام الله ﷿، وما جاء في السنة النبوية من ذلك؛ لكن هؤلاء لما انحرفت قلوبهم وانصرفت عن الحق شبهوا فشبه عليهم، وخلطوا فاختلط عليهم الأمر، فكانوا كما قال الله ﷿: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة:١٧٦]، أي: لفي اختلاف ونزاع وتفرق واضطراب، كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥]، أي: في أمر مضطرب مختلط فاسد، هكذا هي حال كل من خالف الكتاب، أو أعرض عنه، أو لم يقبل ما جاء فيه.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>القرآن الكريم</span>.\nسماته والرد على المخالفين فيها\nقال المؤلف ﵀: [فصل: ومن كلام الله سبحانه: القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين؛ بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.\nوهو سور محكمات وآيات بينات، وحروف وكلمات] .","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>القرآن أجزاء وأبعاض يتلى ويحفظ ويكتب ويسمع</span>\nثم قال: (له أول وآخر)، ولا إشكال في أن للقرآن أولًا وآخرًا، فأوله بسم الله الرحمن الرحيم في سورة الفاتحة، وآخره ما ذكر الله في آخر سورة الناس: ﴿مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦] .\nيقول ﵀: (وأجزاء وأبعاض)، هذا يرد به على الأشاعرة والكلابية الذين قالوا: إن كلام الله معنى قائم في النفس، ليس له حرف ولا أجزاء ولا أبعاض، وليس فيه أحرف ولا كلمات، بل حتى الذين قالوا: إنه معنى واحد أو ثلاثة أو خمسة يقولون: هذا التقسيم ليس أجزاء ولا أبعاضًا، بل الكلام الذي يصفون به الله ﷿ معنى قائم أزلي أبدي؛ فهو في الأزل والأبد لا يتبين منه حرف ولا صوت، معناه واحد؛ إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بغير ذلك كان على حسب ما عبر عنه من توراة أو إنجيل، هكذا قالوا، وهم بهذا يكذبون القرآن، ويكذبون ما جاء عن النبي ﷺ، وما أجمعت عليه الأمة.\nإذًا: مراد المؤلف من قوله: (وأجزاء وأبعاض)، أي: أن كلام الله حروف وكلمات وأجزاء كما تقدم، وليس معنى قائمًا بالنفس.\nقال: (متلو بالألسنة محفوظ في الصدور)، أي: تقرؤه ألسنة المسلمين، محفوظ في صدورهم، فلا يخرج عن كونه متلوًا بالألسنة ولا يخرج بكونه محفوظًا في الصدور عن أن يكون كلام رب العالمين.\nوذكر المؤلف هذا حتى لا يقول قائل: إن القرآن الذي بين أيدينا ليس كلام الله، وإنما هو شيء في صدورنا، وفي صحائف من كتب، وألسنة من قرأ، فنقول له: لا؛ لأن الكلام يضاف إلى من تكلم به ابتداء لا إلى من قرأه أو كتبه أو حفظه، فنحن نقول: قال رسول الله ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، هذا كلام النبي ﷺ، والرواة الذين نقلوه نقلوه على أنه كلامه ﷺ، والأمة لما تلقت هذا الحديث تلقته عنهم على أنه من النبي ﷺ، فهو من النبي تلفظ به من تلفظ، وكتبه من كتبه، وحفظه من حفظه، ولا يخرجه هذا كله عن أن يكون كلامه، وهذا هو مراد المؤلف بقوله: (متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف)، فكل هذا لا يخرج القرآن عن كونه كلام رب العالمين، فهو كلام الله ﷿ سواء كان متلوًا أو مسموعًا أو محفوظًا أو مكتوبًا.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>أجر قارئ القرآن</span>\nيقول ﵀: (من قرأه فأعربه، فله بكل حرف عشر حسنات)، ليس معنى (فأعربه) أن يقول: هذا مبتدأ وهذا خبر، وهذا فعل وهذا فاعل، وهذا جار وهذا مجرور، بل معنى (أعربه): أتقن قراءته، فيكون المعنى: رتله؛ لأن قول الله تعالى: ﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤]، قيل: الترتيل: هو أن تقرأ القرآن كما أنزل معربًا، فلا تجر المفتوح، أو ما أشبه ذلك من أنواع اللحن التي تجري بسبب ضعف اللسان، فقوله ﵀: فأعربه، أي: أتقن قراءته على الوجه الذي نزل به.\nمن قرأه، أي: القرآن، فأعربه فله بكل حرف، أي: بكل كلمة، عشر حسنات، كما قال النبي ﷺ فيما رواه الترمذي من حديث ابن مسعود: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (آلم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، قال الترمذي ﵀: حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>القرآن سور وآيات وكلمات</span>\nقال ﵀: (وهو -أي: القرآن- سور محكمات)، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، فالإحكام هنا في قوله ﵀ المراد به: سور متقنات، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]، فليس فيه اضطراب، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وهذا هو الإحكام الذي يوصف به القرآن كله، ومنه قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣]، فمعنى المتشابه: الذي يصدق بعضه بعضًا، ليس فيه تعارض، ولا ينقض آخره أوله، ولا يكذب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضًا، وهذا من الإحكام.\nإذًا: قوله ﵀: (وهو سور محكمات)، يريد أنه متقن يصدق بعضه بعضًا، لا فيه خلل ولا عيب، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.\nقال ﵀: (وآيات بينات)، المؤلف ﵀ بين لنا مما يتكون القرآن، فيتكون من سور.\nوهذا أكبر ما يكون من الاجتماعات في القرآن، فأكبر التقسيمات للقرآن: سور، ثم آيات، ثم أحرف؛ ولذا قال: (وهو سور محكمات وآيات بينات)، ومعنى بينات: أي: واضحات الدلالة لا لبس فيها ولا غموض لمن فتح الله بصيرته وهدى قلبه.\nقال: (وحروف وكلمات)، إما أن يريد بالحرف الكلمة، وهذا الاستعمال العربي الأول الفصيح الذي جاءت به السنة؛ فالحرف يطلق على الكلمة لا على المفرد الهجائي، ومنه ما رواه ابن مسعود ﵁، في قوله ﷺ: (من قرأ حرفًا من كلام الله فله به حسنة)، فليس المراد بالحرف هنا المفرد الهجائي، إنما المراد بالحرف: الكلمة، ولذا قال: (لا أقول: آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) لأن القارئ لا يقول: ألم، ولكن: ألف، لام، ميم، فكل حرف من هذه الأحرف هو كلمة؛ لأنه لا ينطق حرفًا واحدًا؛ فالحرف في كلام العرب معناه: كلمة.\nفمثلًا: قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، كم فيها من أحرف؟ أربعة؛ لأن الحرف كلمة (قل.\nهو.\nالله.\nأحد) هذا هو الحرف في كلام النبي ﷺ ولسان العرب.\nأما الاصطلاح الحادث بعد ذلك من أن الحرف هو المفرد الهجائي، فـ (قل) فيها حرفان، ولفظ الجلالة (الله) فيه خمسة إذا حسبنا التشديد، و(أحد) فيها ثلاثة أحرف.\nفهذا المقصود بالكلمة في قول النبي ﷺ: (من قرأ حرفًا من كلام الله)، أن الهمزة والحاء والدال ثلاثة حروف في قوله: (أحد)؛ فقول المؤلف ﵀: (وحروف وكلمات)، قد يكون هذا من عطف الترادف؛ لأن الحروف هي الكلمات، وقد يكون مراده بالحروف الحرف الهجائي؛ لأن الكلمة تتكون من حروف هجائية، فيكون بهذا قد جرى على الاصطلاح الحادث.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>القرآن بدأ من الله وإليه يعود</span>\nقوله ﵀: (منه بدأ)، هذه اللفظة جاءت عن جماعة من السلف الصالح، ومعناها: أنه هو المتكلم به ولم يبتدئ من غيره، فهو المتكلم بالقرآن سبحانه وبحمده، فـ (من) هنا لابتداء الغاية، والضمير يعود إلى الله جل وعلا، فهو الذي بدأه وتكلم به، لم يكن من غيره ولم يبدأ من غيره؛ لأن الجهمية يقولون: كلام الله، لكنه بدأ من غيره، ففي قصة موسى يقولون: بدأ من الشجرة، والشجرة هي التي تكلمت، أو من ملك، فهو الذي تكلم، وهم بهذا كاذبون مكذبون للقرآن الكريم، مكذبون لما عليه النبي ﷺ والصحابة والتابعون.\nدليل ذلك الآيات الكثيرة في كلام الله جل وعلا، التي تخبر بأن القرآن تكلم به الرب، من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦]؛ فـ (من) هنا لابتداء الغاية، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، وكذلك قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، ومنه قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١]؛ فـ (من) في هذه الآيات كلها وما يشابهها تفيد ابتداء الغاية، وهذا دليل قول المؤلف ﵀: (منه بدأ) .\nويعبر بعض السلف عن هذه الكلمة بقولهم: (منه خرج)، ويريدون بهذا أن الكلام خرج ابتداء من الله جل وعلا، وقد جاء ذلك في بعض الأحاديث، ففي جامع الترمذي من حديث أبي أمامة ﵁، قال النبي ﷺ: (وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه)، قال أبو النضر -أحد رواة الحديث-: يعني القرآن، وهذا الحديث قال عنه الترمذي: غريب، وقد جاء ما يعضده من طريق جبير بن نفير مرسلًا في مسند الإمام أحمد، وذكره الترمذي، قال: قال رسول الله ﷺ: (إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه)، وقد تكلم بهذا السلف، ومرادهم بهذه العبارة: أن الكلام من الله ابتدأ ولم يخلقه في غيره كما تقول المعتزلة والجهمية، ومرادهم أيضًا من هذه العبارة: أن الكلام صفة الله ﷿، فالمتكلم إذا خرج منه الكلام هل يخرج مخلوقًا أو صفة له؟ صفة له؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥]، هل يخرج الكلام الذي منهم خلق وعين أم أن الكلام صفة له وإن تكلم به وظهر منه؟! الكلام صفة له، وإن ظهر منه وخرج منه، لكنه يكون على وجه الصفة.\nقال ﵀: (وإليه يعود)، أي: إلى الله جل وعلا يعود القرآن، وإليه يرجع، وقد جاء ذلك في عدة آثار، منها عن ابن مسعود ﵁: قال ﷺ: (يوشك أن ينزع القرآن منكم، قالوا: يا رسول الله! كيف ينزع وقد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في كتبنا، فقال: يسرى عليه في ليلة، فلا يبقى في الصدور منه كلمه، ولا في الصحف منه آية، ويصبح الناس منه فقراء)، أي: ليس معهم منه شيء، وهذا معنى ما ذكره السلف ﵏ من قولهم: (وإليه يرجع)، فالقرآن يرجع إلى الله ﷿، ولكن بعدما يتعطل العمل به ولا ينتفع الناس منه؛ وذلك في آخر الزمان، وهذا لعظيم مكانة القرآن عند الرب جل وعلا، فكما أن البيت يرفع وهو القبلة، فكذلك القرآن يرفع وهو صفة الله ﷿، لأن الناس يعرضون عنه، فإذا أعرضوا عنه رفعه الله ﷿ لعدم انتفاع الناس به.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>القرآن منزل غير مخلوق</span>\nقال ﵀: (منزل غير مخلوق)، هذا فيه رد على الجهمية والمعتزلة، فقوله: (منزل)، رد على من قال: إن القرآن ليس من لدن الله جل وعلا، وقوله: (غير مخلوق)، رد على من قال: إنه منزل من الله، وهو كلام الله لكنه مخلوق، وهذا قول الجهمية الذين جرت منهم فتنة عظيمة على أهل الإسلام في أول القرن الثالث الهجري، حيث فتنوا الناس وعذبوا العلماء في مسألة خلق القرآن، وآزرهم في ذلك المأمون، فلما توفي سنة ثمان عشرة ومائتين للهجرة تولى كبر هذه الفتنة بعده ابنه المعتصم.\nواستمرت الفتنة حتى رفعها الله وأنقذ الأمة بالإمام أحمد بن حنبل، كما قال علي بن المديني ﵀: إن الله أنقذ هذا الدين بـ أبي بكر في الردة، وبـ أحمد يوم الفتنة أو يوم المحنة؛ فإن الله ثبت الإمام أحمد على الحق والهدى حتى غدا إمام الدنيا في زمانه وما بعده، حيث ربط الله قلبه وسدده ووفقه إلى التمسك بما دل عليه الكتاب والسنة؛ من أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فقول المؤلف ﵀: (منزل غير مخلوق) يرد به على الجهمية الذين قالوا: القرآن كلام الله لكنه مخلوق، فقال: (منزل) كما يعتقد أهل السنة والجماعة وكما تعتقد الجهمية، لكنه غير مخلوق.\nفكلام الله صفة من صفات الله، وليس خلقًا من خلقه.","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>القرآن صراط الله المستقيم المنزل من عند الله</span>\nقال: (وصراطه المستقيم): وصف القرآن بأنه الصراط المستقيم، والصراط في لغة العرب الطريق الواسع، وقد فسر جماعة من العلماء قول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، بأنه القرآن، وقد قال الله ﷿ في وصف رسوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]؛ فالصراط المستقيم هو كتاب الله الحكيم.\nقال ﵀: (وتنزيل رب العالمين)، يدل على ذلك الآيات الكثيرة التي أخبر الله فيها بتنزيل الكتاب: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:٢]، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢]، وما إلى ذلك من الآيات الكثيرة التي يخبر الله فيها بتنزيل الكتاب من لدنه جل وعلا.\n(نزل به الروح الأمين)، أي: جبريل، (على قلب سيد المرسلين)، أي: محمد ﷺ، (بلسان عربي مبين)، قال الله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢]، فأنزل الله ﷿ هذا القرآن على قلب محمد ﷺ كما قال المؤلف ﵀، ولا إشكال في أنه نزل بلسان عربي، أي: بكلام عربي، ليس فيه اشتباه ولا التباس، فهو مبين ظاهر واضح الدلالة والمعاني.","vol":"5","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>القرآن العظيم من كلام الله سبحانه</span>\nبعد أن قرر المؤلف ﵀ في الفصل السابق إثبات صفة الكلام لله جل وعلا من الكتاب والسنة والآثار، انتقل إلى الحديث عن القرآن الذي وقع الخلاف فيه بين طوائف من أهل الإسلام؛ فأنكروا أن يكون القرآن كلام الله جل وعلا، كما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الدين ومن بعدهم.\nيقول ﵀: (ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم): (من) هنا للتبعيض؛ لأن كلام الله جل وعلا لا يقتصر على القرآن، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩]؛ فكلام الله جل وعلا كثير متنوع، منه ما يتعلق بالخلق، ومنه ما يتعلق بالشرع، فكلامه الشرعي: هو الذي أوحاه إلى رسله، وكلامه الكوني الخلقي هو الذي يوجد به ما يوجد ويحدث به ما يحدث من أمره سبحانه وبحمده؛ وبه يدبر أمر مملكته جل وعلا.\nقوله ﵀: (ومن كلام الله) .\nأي: من كلامه الشرعي الذي تلكم به فيما يتعلق بالشرائع والأديان القرآن العظيم، فهو كتاب الله الحكيم الذي أنزله على النبي محمد ﷺ، وهو حجة الله على هذه الأمة، وهو أعظم آيات الأنبياء، قال النبي ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم وغيره: (ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي)، يعني: كان أعظم وأجل ما أوتيه النبي ﷺ من الآيات: القرآن؛ ولذلك لم يذكر غيره ﷺ، ثم بين عظيم هذا الذي خص به ﷺ؛ فقال: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا)، لعظيم بركة القرآن وأثره؛ لأنه ليست آية محصورة في زمان أو مكان بل هي آية ممتدة في كل زمان ومكان، فهي آية باقية، ولذا فإن تأثيره وأثره ما زال إلى الآن من أعظم ما يكون.\nوالمراد: أن هذا القرآن كلام الله جل وعلا، ما الدليل على هذا؟ الأدلة على هذا تفوق الحصر؛ فإن الله ﷾ أخبر بأنه أنزل القرآن من لدنه جل وعلا، وأنه تكلم به، ووصفه بأنه كلامه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، ولا خلاف بين أهل التفسير أن المراد بكلام الله في الآية القرآن، فالأدلة من الكتاب والسنة على أن القرآن كلام الله أكثر من أن تحصر، وهذا مما أجمع عليه السلف، وهو معلوم من الدين بالضرورة.\nولذلك من جحد أن القرآن كلام الله فهو كافر، وقد تلكم بهذا سلف الأمة، فقالوا: من جحد أن القرآن كلام الله كفر، وذلك لأن الأدلة على هذا من أوضح وأكثر ما يكون، ولذلك قالوا: مما يعلم من الدين بالضرورة أن القرآن كلام الله، أي: لا يحتاج الإنسان إلى أن يصل إلى هذه النتيجة من خلال التفكير والنظر والتدبر وإعادة الفكر في النصوص حتى يستنتج ويتوصل إلى أن القرآن كلام الله، بل إنه يصل إلى ذلك بأدنى نظر في كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ، وآثار الصحابة والتابعين وسلف الأمة الصالحين، وكون القرآن من كلام الله من أظهر ما يكون.","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>القرآن كتاب الله المبين وحبله المتين</span>\nيقول ﵀: (وهو كتاب الله المبين)، كتاب الله أضافه إلى نفسه؛ لأنه الذي تكلم به، ووصفه بأنه المبين؛ لأنه أبان السبل هدى الله به من الضلالة، وأخرج به من الظلمات إلى النور، وهو الكتاب الذي يهدي إلى الصراط المستقيم.\nقال: (وحبله المتين)، أي: حبله جل وعلا الممدود منه بينه وبين خلقه.\nوقد روى الترمذي من حديث زيد بن أرقم: أن النبي ﷺ وصف الكتاب بأنه (حبل ممدود من السماء)، والمقصود بالحبل المدود من السماء: القرآن، حيث قال ﷺ: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا؛ كتاب الله حبله المدود من السماء)، وقد جاء هذا عن عبد الله بن مسعود وغيره.\nوقد فسر جماعة من أهل العلم قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران:١٠٣]، بأنه القرآن، وقيل: الإسلام، وقيل: عهد الله، وقيل: طاعته وأمره، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكل هذا حق.\nيعني: كل هذا يجب الاعتصام به، وكله من حبل الله ﷿، ويجمع هذا أن يقال: إن حبله القرآن؛ لأنه إذا اعتصم بالقرآن فقد اعتصم بطاعة الله وأمره، واعتصم بدين الإسلام، فالقرآن هو أجمع هذه المعاني، ولذلك قال رحمه الله تعالى: وكل هذا حق.\nالمقصود: أن المراد بقوله: (وحبله المتين)، أي: وحبله الشديد القرآن الكريم هو حبله، وقد وصفه الله ﷿ بذلك، وقد جاء وصفه في سنة النبي ﷺ كما في حديث زيد بن أرقم.","vol":"5","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>من أقسام علوم القرآن</span>","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>القرآن فيه خاص وعام وأمر ونهي</span>\nقال: (وخاص وعام)، الخاص: ما كانت دلالته قاصرة على حكم معين، والعام: هو اللفظ الذي يندرج تحته أفراد متعددة، وهذا يتوصل إليه على وجه التفصيل في كتب التفسير ودراستها.\nمثال الخاص: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، هذا حكم خاص بالنبي ﷺ لا يشركه فيه أحد، أما العام فأكثر آيات الكتاب عامة، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١]، هذه تعم كل من مات وترك ولدًا من أهل الإسلام؛ فهي آية عامة.\nقال ﵀: (وأمر ونهي)، أي: فيه أمر ونهي، فالأمر والنهي كقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]، (اعبدوا الله) هذا أمر، (ولا تشركوا به شيئًا) هذا نهي.\nومراد المؤلف بهذا أن القرآن ليس -كما يقولون- معنى واحدًا، إنما هو معانٍ، فإن الأشاعرة قالوا: إن القرآن معنى واحد؛ فيه أمر ونهي، وأحكام وقصص، وحكم، المهم أنهم جعلوا القرآن الذي فيه من المعاني ما فيه معنى واحدًا، وهذا تكذيب لما في القرآن من المعاني المتعددة، وهذا مراد المؤلف ﵀ بقوله: (وخاص وعام، وأمر ونهي) .\nثم قال ﵀: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، يعني: هو في هذا كله مؤتلف متفق لا يعتريه باطل ولا يتسرب إليه خلل، بل لا يأتيه الباطل لا من أمامه ولا من خلفه (تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) وهذا معناه: أن القرآن منزل من عند الله جل وعلا.","vol":"5","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>القرآن ناسخ ومنسوخ</span>\nقال ﵀: (وناسخ ومنسوخ)، ناسخ: أي ناقل للحكم السابق إلى حكم جديد، والنسخ في اللغة: النقل والإزالة، تقول: نسخت الشمس الظل، أي: أزالته، وتقول: نسخت الكتاب، أي: نقلته، فالنسخ في اللغة بمعنى النقل والإزالة، أما في الاصطلاح: فهو رفع حكم شرعي أو لفظه بحكم آخر أو لفظ آخر.\nومن هذا نفهم أن النسخ يكون للألفاظ، ويكون للأحكام دون الألفاظ.\nمثال الناسخ في كلام الله ﷿: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٩]؛ فإن هذه الآية ناسخة للتوجه للقبلة إلى بيت المقدس.\nومنسوخ، أي: ومرفوع الحكم، مثاله: قول الله ﷿: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]، فإن الله في هذه الآية طلب الوصية للوالدين والأقربين، وفي آية المواريث بين أنصباء الورثة من الوالدين والأقربين، ثم بين النبي ﷺ أنه: (لا وصية لوارث) .","vol":"5","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>القرآن محكم ومتشابه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمنه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] .\nوهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١]، وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فقال الله سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، وقال بعضهم: هو شعر، فقال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]] .\nقول المؤلف ﵀: (وفيه محكم ومتشابه)، الضمير يعود إلى القرآن، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧]، (هن) يعني: أصله، (وأخر متشابهات)، فالقرآن فيه محكم ومتشابه، ومعنى الإحكام في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] الإتقان؛ فهو صفة لكل القرآن.\nلكنه قال في تقسيم القرآن: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، فما معنى الإحكام والتشابه هنا؟ الإحكام هنا هو الآيات التي ليس فيها إلا معنى واحد؛ فهي آيات واضحة المعاني ليس فيها التباس ولا اشتباه.\nوالتشابه في قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، أي: آيات تحتمل أكثر من معنى، فقوله ﵀: (فمنه محكم ومتشابه)، أي: فيه ما هو واضح لا التباس فيه، وفيه ما خفي معناه واحتمل أكثر من معنى، وهذا القسم نصل إلى فهمه برده إلى المحكم.","vol":"5","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>شرح لمعة الاعتقاد [٦]</span>\nأجمع سلف الأمة رضوان الله عليهم على أن القرآن الكريم كلام الله ﷾، وليس شعرًا، ولا نثرًا من كلام بني البشر، وإلا لأتى بمثله العرب، وقد تحداهم أن يأتوا ولو بسورة مثله؛ إذ هو معجز في معانيه وألفاظه.\nثم إن القرآن كلام الله بحرف وصوت لفظه ومعناه من الله ﷿.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>دحض شبه الطاعنين في القرآن</span>\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فيقول المؤلف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وهذا هو الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١]، وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فقال الله سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، وقال بعضهم: هو شعر، فقال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]، فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنًا؛ لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر.\nوقال ﷿: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣]، ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]، فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم.\nوقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩]، بعد أن أقسم على ذلك.\nوقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١] ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١-٢]، وافتتح تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة.\nوقال النبي ﷺ: (من قرأ القرآن فأعربه؛ فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه؛ فله بكل حرف حسنة)، حديث صحيح.\nوقال ﵊: (اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه) .\nوقال أبو بكر وعمر ﵄: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه.\nوقال علي ﵁: من كفر بحرف منه فقد كفر به كله.\nواتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه.\nولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف] .\nهذا صلة ما في الفصل من تقرير أن القرآن كلام الله جل وعلا؛ فقد افتتح المؤلف ﵀ هذا الفصل بقوله: (ومن كلام الله سبحانه: القرآن العظيم)، ويقول ﵀: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وقد تكلمنا على هذا وقلنا: إن قوله تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، دليل على أن القرآن منزل من الله جل وعلا؛ لأن (من) هنا لابتداء الغاية، فالله جل وعلا هو المتكلم بالقرآن، وهو المنزل له، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦] .","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>تكذيب الله لمن وصف القرآن بالشعر</span>\nقال ﵀: (وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١])، يعني: أن الذي تحدى الله ﷿ الإنس والجن بأن يأتوا بمثله هو هذا القرآن الذي كذب به أهل الكفر حيث قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ:٣١]، أي: ولا بالذي تقدمه وسبقه من الكتب.\n(وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥])، و(إن) هنا بمعنى ما النافية، فهي تنفي أن يكون هذا القرآن شيئًا من الأشياء إلا قول البشر، أي: قول محمد ﷺ، وقد كذبهم الله جل وعلا بهذا، وقال: فإذا كان قول البشر فأتوا بمثله؛ فإنكم لا تعجزون بأن تأتوا بمثله وأنتم أصحاب اللسان والبيان.\nقال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، وهذا في حق من قال: إن القرآن قول البشر، فقد تهدد الله جل وعلا وتوعد أنه سيصليه سقر، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٧-٣٠]، وهي نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية؛ فتهدد الله وتعود كل من قال: إن القرآن كلام البشر بهذا الوعيد الشديد.\nقال المؤلف: (وقال بعضهم -أي: بعض العرب- هو شعر، فقال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩])، أي: ما علمنا محمدًا ﷺ الشعر، فهو لا يقول شعرًا، وما يكون منه من بيت أو شبهه، فإنه لا يوصف بسببه بأنه شاعر، إنما هو شيء مما قد يرد عن كل أحد، ولا يوصف من قال بيتًا أو بيتين أو ثلاثة بأنه شاعر، فرسول الله ﷺ لم يعلمه ربه ﷿ الشعر، وذلك أن الشعر وظيفة أهل البيان الذين ينشئون المعاني والألفاظ من قبل أنفسهم، ويتجاوزون الحدود في وصف ما يصفون أو قول ما يقولون، وقال الله ﷿: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤-٢٢٦]، فلما كان هذا هو الوصف الغالب لهؤلاء نفى الله جل وعلا عن رسوله أن يكون شاعرًا، بل نفى عنه تعلم الشعر فضلًا عن أن يكون قائلًا له.\n(وما ينبغي له): أي: ويستحيل عليه، (إن هو) أي: ما هذا القول وهذا الذي جاء به محمد ﷺ ﴿إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]، وشتان بين قول رب العالمين وبين ما ينشئه الشعراء أو يقوله أصحاب البيان من الفصحاء؛ فالبون بينهما شاسع، والفرق بينهما كالفرق بين صفات الله ﷿ وبين صفات المخلوقين: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .\nوكل من سمع القرآن وقرأه يعلم أنه ليس قول البشر إنما هو قول رب العالمين، أما قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف:١٠٤]، فـ (إن) هنا بمعنى ما النافية، أي: ما هو إلا ذكر وقرآن مبين، (فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنًا لم يبق شبهة لذي لب أو عقل وبصيرة، بأن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر) .","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>تحدي الله للمكذبين أن يأتوا بمثل القرآن</span>\nقال: (وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]) .\nأتى المؤلف بهذه الآية كدليل من الأدلة على أن القرآن كلام الله وليس بكلام البشر أو غيرهم، ووجه الدلالة هو أن الله جل وعلا تحدى كلًا من الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، أي: معينًا، ومع هذا فإنهم يعجزون عن أن يأتوا بمثله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾، أي: لا يتمكنون ولا يتوصلون إلى الإتيان بمثله، ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾، أي: ولو كان بعضهم يعين بعضًا في طلب ذلك وتحصيله.\nوهذه الآية هي من الآيات المعجزة الدالة على أن هذا القرآن كلام الله ﷿؛ لأن النبي ﷺ قد أوحى الله إليه بأن يتحدى كلًا من الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وهذا التحدي ليس مقصورًا على وقت النبي ﷺ وزمنه، بل هو ممتد بامتداد الزمان والمكان؛ فمع كثرة المعارض المكذب وشدة سعيه في إبطال دعوة النبي ﷺ وتكذيب رسالته مع ذلك لم يأت أحد من الخلق يدعي أنه جاء بمثل هذا القرآن، وهذا دليل معجز واضح بين على أنه كلام رب العالمين، وأنه لا يأتي به بشر بل لا يأتي بمثله بشر.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>القرآن كلمات وحروف وألفاظ من الله</span>\nيقول ﵀ في الاستدلال: (فلما نفى الله عنه أنه شعر)، أي: نفى عن القرآن أنه شعر، (وأثبته قرآنًا لم يبق شبهة)، الشبهة هي: عارض يعتري القلب ويحول بينه وبين رؤية الحق ومعرفته وإدراكه.\nيقول ﵀: (لم يبق شبهة لذي لب)، أي: لصاحب عقل، وصاحب بصر (في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي جاء به محمد ﷺ) .\n(الذي هو كلمات)، أي: أنه مكون من كلمات وحروف وآيات؛ (لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد: إنه شعر)، ولولا أن هذا القرآن الذي يخبر الله أنه منه وأنه قوله، ونفى أن يكون قول البشر لو لم يكن محل الخلاف هو القرآن لما نفى أنه شعر، فلما نفى أنه شعر وبين أنه ليس بقول البشر علم أنه قول رب العالمين، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، في ما ساقه المؤلف من الآيات الدالة على أن القرآن كلام الله جل وعلا.\nقوله: (وقال ﷿: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣])، ذكر المؤلف دليلًا آخر من الأدلة الدالة على أن القرآن كلام الله، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، أي: في شك واشتباه وعدم بصيرة، (فأتوا بسورة من مثله)، فتحداهم الله جل وعلا أن يأتوا بسورة من مثل ما أنزل الله جل وعلا على رسوله، فـ (من) هنا بيانية، أي: فأتوا بسورة مثل إحدى سور القرآن.\nوهذا يبين لنا أن التحدي لهؤلاء كان على مراتب: فتحداهم الله جل وعلا أن يأتوا بمثل القرآن، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله، ثم انتهى التحدي إلى أن يأتوا بسورة من مثله، فلم يأتوا، وأقل سورة في القرآن عدد آياتها ثلاث، وهي سورة الكوثر، وهذا يدل على عظيم إعجاز هذا القرآن، وأنه من البيان والفصاحة والقوة في الألفاظ والمعاني، وأنه في أعلى طبقات الكلام لفظًا ومعنى بما لا يمكن أن يدرك شأوه وأن يبلغ حده أبلغ البلغاء وأعظم الفصحاء، بل إن رسول الله ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم يميز المؤمن بين كلامه وبين كلام رب العالمين، وترى الفرق واضحًا بينًا بين كلام الله ﷿ وبين كلام الذي أوتي جوامع الكلم، فكيف بغيره؟! فيتميز للإنسان ما قاله رسول الله ﷺ من الكلام وما جاء به كلام رب العالمين.\nيقول ﵀: (ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل)، هذا فيه بيان أن القرآن ألفاظه ومعانيه من كلام رب العالمين، فإن الله جل وعلا تحداهم ليس فقط أن يأتوا بألفاظ مثل ألفاظ القرآن، بل أن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله في ألفاظه ومعانيه، فإن إعجاز القرآن لا يقتصر على إعجاز الألفاظ، بل إعجاز القرآن في لفظه ومعناه، وهذا هو الذي وقع عليه التحدي.\nقوله: (قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [يونس:١٥])، أي: واضحات لا لبس فيها لا في ألفاظها ولا معانيها، (﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس:١٥])، أي: قال الذين لا يخافون، أو لا يطمعون؛ فالرجاء يطلق على الخوف الطمع، فقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس:١٥]، أي: الذين لا يطمعون في لقائنا، أو الذين لا يخافون لقاءنا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف:١١٠]، أي: من كان يخاف لقاء ربه، أو من كان يطمع في لقاء ربه، فالرجاء يطلق على الخوف والطمع، فهو من المعاني المشتركة، يقول: (﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس:١٥])، يقولون هذا في معرض الاحتجاج والاعتراض على القرآن وعلى ما جاء به الرسول ﷺ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾، أي: أحضر لنا قرآنًا غير هذا، أو بدله، أي: غير فيه بحذف بعضه أو بالزيادة عليه أو ما أشبه ذلك من أنواع التبديل والتغيير، فجاء الجواب من رب العالمين: (﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥])، ولو كان من قول النبي ﷺ، أو كان هو الذي تكلم به وأنشأه، أو كان قول جبريل، لكان يمكن أن يبدل أو أن يغير، لكن الله ﷿ أخبره بأنه لا يمكنه أن يبدله أو أن يأتي بغيره؛ لأنه رسول رب العالمين، ولذلك قال: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، أي: ما أتبع إلا ما أوحاه الله إلي، فإذا كان رسولًا متبعًا فليس إليه تبديل القرآن ولا الإتيان بغيره.\nقال ﵀: (فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم) بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس:١٥]؛ فالقرآن هو كلام الله ﷿ الذي تلاه رسوله ﷺ على هؤلاء.\n(وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]): الضمير (هو) يعود إلى القرآن، فهو آيات بينات، أي: واضحات في صدور الذين أوتوا العلم، وهذه الآية لها معنيان: الأول: أن القرآن آيات واضحات في صدور الذين مَنَّ الله عليهم بالعلم، فليس فيه التباس ولا اشتباه.\nالثاني: أنه آيات محفوظات في صدور الذين أوتوا العلم، ولذلك قال: (في صدور الذين أوتوا العلم) .\nفقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، يحتمل أنه يريد: أنه بين في صدورهم، ويعلمون أنه الحق ويدركون معانيه، ويحتمل أنه: محفوظ في صدورهم، ويحتمل أنه يريد الأمرين، وهو الصواب، أي: أن القرآن في صدور الذين أوتوا العلم حفظًا وفهمًا، فكلما علا نصيب الإنسان من فهم كتاب الله ﷿ كلما كان داخلًا في هذه الآية وكان حقيقًا بها.\nفقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، لا يقتصر على حفظه بل على فهمه وهو الأهم ففهم القرآن أهم من حفظ بعض حروفه كما نقل ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄، حيث قالا: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه)، وليس هذا دعوة إلى أن يترك الإنسان حفظ القرآن، لكنه دعوة إلى أن يجتهد في فهم معناه، وإدراك معانيه، كاجتهاده في حفظه أو أشد، بل ذكر شيخ الإسلام ﵀: أن الصحابة كانت عنايتهم الفائقة في فهم الكتاب، وكان الذي يحفظ الكتاب منهم هم القلة، فالأكثرون كانوا يعتنون بمعاني كلام الله ﷿، ولهم عناية بالحفظ، لكن كانت عنايتهم بالفهم أعظم؛ لأن الفهم هو المقصود الأول من هذا الكلام الذي أوحاه الله ﷿ لرسوله ﷺ.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>إقسام الله على أن القرآن كلامه</span>\nقال ﵀: (وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩]): (إنه لقرآن كريم) أي: هذا الكلام الذي جئت به يا محمد قرآن كريم، ومعنى: (كريم): كثير الخير والبركة والإحسان والفضل والأجر، فالكريم فعيل بمعنى فاعل مكرم لأهله، يشفع لهم في القبر، ويشفع لهم في الآخرة، ويحصلون به خيرًا كثيرًا، كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، فهو مبارك في لفظه ومعناه مبارك على حافظه والعامل به مبارك في الدنيا والآخرة والبرزخ والمحشر، بركته من أعظم البركات، نسأل الله ﷿ أن يرزقنا بركة هذا الكتاب المبين.\n(فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) أي: محفوظ، والمراد بالكتاب المكنون هنا: اللوح المحفوظ؛ فالكتاب في الكتاب المكنون، ولا يخلو هذا من أحد معنيين: المعنى الأول: أن يكون ذكره في الكتاب المحفوظ، لا جميع آياته وكلماته، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦]، أي: هذا القرآن مذكور في زبر الأولين، وليس أنه قد جاءت به الرسل التي سبقت النبي ﷺ.\nالمعنى الثاني: أن القرآن بجميع آياته وألفاظه في الكتاب المكنون قبل أن يتكلم الله جل وعلا به، وهذا معنى ثانٍ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩]، والمقصود به اللوح المحفوظ والمطهرون هم الملائكة، ومن استدل بهذه الآية على أنه لا يجوز مس المصحف إلا بطهارة؛ فإن استدلاله لا يصح على هذا المعنى؛ لأن الكتاب المكنون ليس القرآن، إنما الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ.\nيقول رحمه الله تعالى: (بعد أن أقسم على ذلك)، أي: أقسم على قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٨]، والقسم هو قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٥-٧٧] .\nوقوله: (لا أقسم): للعلماء فيها أقوال: منهم من قال: إن (لا) هنا زائدة صلة، والتقدير: أقسم بمواقع النجوم، وقيل: هي لنفي كلام سابق مقدم، أي: لا أنظر إلى ما تقولون، ولا أستمع إلى شبهكم، وأقسم بمواقع النجوم، فهي لنفي كلام سابق، وقيل: إنها تفيد التوكيد والتحقيق لهذا القسم؛ فإن العرب تزيد (لا) في القسم لتوكيده، وقيل: هي للنفي، أي: لست محتاجًا إلى أن أقسم لوضوح الأمر وبيانه، والصحيح: أن (لا) هنا صلة تفيد توكيد القسم، ولا نحتاج إلى أن نقدر منفيًا كما ذكرت في الأقوال السابقة.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>القرآن كلام الله لفظه ومعناه</span>\nقال رحمه الله تعالى: (وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١] ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١-٢] وافتتح تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة) .\nأراد المؤلف ﵀ بهذا أن القرآن حروف ومعان، وأن الحروف كلام الله، وأن المعاني كلام الله، لا أن الحروف كلام الله دون المعاني، ولا أن المعاني كلام الله دون الحروف، بل القرآن حروفه ومعانيه كلام الله تعالى، وهذا الذي أجمع عليه سلف الأمة، وهو يرد بهذا على من قال: إن القرآن كلام الله من حيث المعنى، أما الحروف فإنها ليست كلام الله كما هو قول الكلابية والأشعرية، وأول من قال إن المعاني هي كلام الله دون الحروف هو عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهو أول من أظهر هذا القول في الإسلام، ثم تبعه عليه أبو الحسن الأشعري، ثم قال به كثير من الناس ممن يتبع هذين بعد ذلك، والذي عليه سلف الأمة ودل عليه الكتاب والسنة: أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه، فليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الألفاظ، بل الحروف والمعاني هي كلام الله جل وعلا.\nأما هذه الحروف المقطعة التي افتتح الله بها بعض السور، فقد اختلف العلماء ﵏ في تفسيرها على أقوال كثيرة نجملها في ثلاثة: القول الأول: أنه لا معنى لها مطلقًا، وليس لها معنى في ذاتها، وهذا القول قول مجاهد بن جبر إمام التفسير، وقد أخذ تفسيره عن ابن عباس وغيره من الصحابة، لكنه ممن اختص بـ ابن عباس ﵁.\nهذا القول استدل له بأن الله ﷿ وصف القرآن بأنه كتاب عربي مبين، وأنه أنزله بلسان عربي مبين، والعرب لا تعرف لهذه الحروف المقطعة معاني؛ هذا القول الأول.\nالقول الثاني: أن هذه الحروف لها معانٍ، وانقسم هؤلاء إلى قسمين، قسم قالوا: لها معنى الله أعلم به، ولا ندرك نحن معناها، والقسم الثاني قالوا أقوالًا في بيان معانيها، فمنهم من قال: إنها أسماء للسور، ومنهم من قال: إنها أسماء للرسول، ومنهم من قال: إنها أسماء من أسماء الله ﷿، ومنهم من قال: إنها تعبر عن عمر هذه الأمة، وقيل غير ذلك.\nالقول الثالث: التوقف، ومعنى التوقف: أنهم لا يجزمون بأحد القولين، لا يقولون: إن لها معنى، ولا يقولون: ليس لها معنى، بل يتوقفون.\nهذه ثلاثة أقوال لأهل العلم في الحروف المقطعة التي افتتح الله بها بعض سور القرآن، والراجح من هذه الأقوال الثلاثة هو القول الأول، وهو: أن ليس لها معنى مطلقًا.\nوإذا كان ليس لها معنى، فهل منها فائدة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نعم، منها فائدة، وفائدتها بيان إعجاز القرآن، وذلك الملاحظ في جميع موارد هذه الأحرف: أنه يأتي بعدها ذكر القرآن تعظيمًا وامتنانًا، ولم ينخرم هذا الاطراد إلا في موضعين فقط من جميع المواطن، حيث كانت هذه الأحرف معقبة متلوة بذكر القرآن: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١-٢] ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١-٢] ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:١-٢] وما أشبه ذلك من المواطن التي تذكر فيها هذه الحروف، ثم بعد ذلك يشيد الله جل وعلا بالقرآن الكريم، ولم ينخرم هذا إلا في سورة الروم: ﴿الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:١-٣] .\nوأيضًا في العنكبوت ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١-٢] .\nلكن إذا تأملت في هذه السور التي لم يأت فيها ذكر القرآن صريحًا تجد أنه ذكر فيها ما لا يتلقى إلا من القرآن، فمثلًا قال تعالى في سورة الروم: ﴿الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:١-٣]، هذا خبر عن واقع، وهو ما حدث من ظهور فارس على الروم: ﴿غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٢-٣]، وهذا لا يتلقى من غير القرآن، فلذلك تجد أنه ما لم يذكر فيه القرآن صريحًا في المواضع التي ذكرت هذه الحروف المقطعة ذكر فيها شيء يتعلق بالقرآن، أو لا يمكن ألا يتوصل وألا يحصل إلا من القرآن، فعادت كسائر المواضع أنها بيان للإعجاز.\nووجه الإعجاز في هذه الأحرف: أنها من كلام العرب الذي يتكون من هذه الكلمات، ومع ذلك عجزوا عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بسورة من مثله.","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>منزلة إعراب القرآن في الشرع</span>\nقال المؤلف ﵀: (وقال النبي ﷺ: (من قرأ القرآن فأعربه) أي: أفصح في قراءته وأبان، ولم تلتبس عليه الكلمات، (فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه) أي: مال عن القراءة التي جاء بها النبي ﷺ، (فله بكل حرف حسنة)، وقد روي هذا من حديث ابن مسعود ﵁ في جامع الترمذي وفيه: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، والحديث صحيح، قال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.\nثم ذكر حديث رسول الله: (اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم)، أي: يعتنون بإقامة كلماته، (لا يجاوز تراقيهم)، أي: أنه لا ينفذ إلى قلوبهم؛ لأن الترقوة هي العظمة التي تحيط بالنحر؛ فهم يقتصرون في قراءة القرآن على إقامته على اللسان دون أن ينفذ إلى قلوبهم إصلاحًا وتزكية وتربية، هذا معنى قوله ﷺ: (لا يجاوز تراقيهم) وقوله: (يتعجلون أجره ولا يتأجلونه)، أي: يتعجلون تحصيل نفعه والكسب من ورائه في الدنيا ولا يتأجلونه، أي: ولا يحتسبون ذلك عند الله ﷿ في الآخرة، فهم يقرءون إما ليحصلوا كسبًا دنيويًا أو ما أشبه ذلك من الأمور التي يدركها بعض من يقرأ القرآن في الدنيا، ولا ينظرون إلى ثواب الآخرة وأجرها، وما أعد الله ﷿ لأهل القرآن فيها.\nوقال أبو بكر وعمر ﵄: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه)، إعراب القرآن، أي: الإفصاح به وإدراك معانيه.\nلماذا جاء التركيز على الإعراب؟ لأن الإعراب سلم الفهم، فلا يمكن للإنسان أن يفهم كلام الله إلا إذا أعربه، ولذلك قال ابن عطية ﵀: إعراب القرآن أصل في الشريعة؛ لأن به تقوم معانيه التي هي من الشرع.\nفالمقصود: أن إعراب القرآن بلغ هذا الشأن وهذه الأهمية وهذه المنزلة؛ لأنه سبيل فهم الألفاظ، فإذا لم يقم الإنسان الإعراب لم يتمكن من فهم القرآن، وليس الإعراب أن يعرف الفاعل من المفعول دون أن يفهم ما يترتب على هذا الفهم من الفاعل والمفعول.\nبل المقصود من الإعراب: أن يفهم كلام الله ﷿، وأن يدرك المعنى الذي جاءت به الآيات.","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>حكم من جحد حرفًا من القرآن</span>\nوقال علي بن أبي طالب ﵁: (من كفر بحرف فقد كفر به كله)، وهذا مما لا إشكال فيه: فمن أنكر كلمة أجمعت الأمة أنها من القرآن فقد كفر به كله، أي: كفر بجميعه؛ لأن الإيمان لا يتم ولا يثبت بناؤه ولا يستقر قراره إلا بعد أن نؤمن بجميع القرآن، فمن آمن ببعضه وكفر ببعض فإنه لم يؤمن به؛ لأن الله لم يرض من الإيمان بالكتاب إلا أن يؤمن بجميع ما أخبر به ﷾، وجميع ما أخبر به رسوله ﷺ.\nوإنما قلنا: ما أجمع عليه العلماء؛ لما وقع من الخلاف في بعض الحروف، هل هي من القرآن أم لا؟ وذلك تبعًا لاختلاف أهل القراءات، فلذلك من كفر بحرف أجمع العلماء على أنه من القرآن فقد كفر به كله.\nقال ﵀: (واتفق المسلمون على عد سور القرآن، وآياته، وكلماته وحروفه)، فأهل الإسلام اعتنوا بهذا القرآن عناية فائقة في ضبطه والإحاطة به، ومعرفته، وهذا من نعمة الله ﷿ على هذه الأمة: فإنه ﷾ لم يكل حفظ القرآن إلى فئة من الناس، بل إن الأمة تلقت هذا القرآن جيلًا بعد جيل ينقله السلف عن الخلف بكلمات ثابتة واضحة تلقته الأمة قرنًا بعد قرن، ولم يجر فيه أي تغيير، فاذهب حيث شئت من أرض ِأو في سماء تجد أن الأمة متفقة على هذا القرآن ليس بينهم اختلاف فيه، نعم.\nقد يختلفون في طريقة أداء القرآن من حيث القراءة، لكنهم لا يختلفون على حروفه وكلماته وآياته، فهي محفوظة بحفظ الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] .\nيقول: (ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر؛ لأنه آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف) .\nوكل هذا لبيان وإبطال قول الذين قالوا: إن القرآن معاني لا حروف، والمؤلف ﵀ أطال في مسألة الحرف والمعنى؛ لكونه يرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن القرآن معناه من الله وحروفه من جبريل أو محمد ﷺ.\nولو كانت الحروف من غير الله لما بلغت هذا المبلغ من التعظيم والحفظ والصيانة والمكانة، وأنتم تعلمون أن كلام النبي ﷺ قد أجاز العلماء نقله بالمعنى، لكن هذا لم يأت في القرآن، فالأمة مجمعة أنه لا يجوز نقل القرآن إلا كما سمع، وكما تلقته الأمة عن النبي ﷺ.\nوبهذا يكون قد انتهى الفصل المتعلق بتقرير أن القرآن كلام الله، ونقف عليه، ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>شرح لمعة الاعتقاد [٧]</span>\nإن مما أجمع السلف رضوان الله عليهم وجاء به القرآن والسنة إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وقد فصل الشيخ أدلتهم والرد على غيرهم في هذه المسألة وما يتعلق بها تفصيلًا حسنًا.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فيقول الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: [فصل: والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا وإلا لم يكن بينهما فرق، وقال النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) حديث صحيح متفق عليه، وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير] .","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>مذاهب الفرق في إثبات الرؤية</span>\nهذا الفصل عقده المؤلف رحمه الله تعالى لبيان عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الرؤية، فإن أهل السنة والجماعة يؤمنون بما دل عليه كلام النبي ﷺ صراحة من أن المؤمنين يرون ربهم، وإثبات الرؤية جاء في كتاب الله ﷿ وفي سنة النبي ﷺ، واتفق عليه صحابة رسول الله ﷺ والتابعون ومن تبعهم من أئمة الدين.\nفالرؤية من أعظم ما ينعم به أهل الجنة نسأل الله أن نكون منهم، والأدلة متواترة مستفيضة في إثبات هذا الفضل.\nوقد خالف في إثبات الرؤية المعتزلة والرافضة والجهمية، وكذلك خالف في هذا الأشاعرة، فهم يقولون: بأن المؤمنين يرون ربهم، لكنهم يخالفون أهل السنة والجماعة في هذا الإثبات، فيقولون: يرونه من غير معاينة ولا مواجهة، وهذا القول انفردوا به دون سائر الناس، وهو من عجائب الأقوال؛ لأن إثبات الرؤية في غير جهة ومن غير معاينة أمر لا يعقل، إذ لابد للرؤية من أن يكون المرئي في جهة وأن يعاين، وإلا فلا تقع رؤية، ولذلك قال محققوهم -أي محققو الأشاعرة-: إن قولهم في الحقيقة قول المعتزلة الذين ينفون الرؤية، أي: ينفون رؤية المؤمنين لله ﷿ في الآخرة.\nفهذه الصفة يثبتها أهل السنة والجماعة كما دل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف.\nيقول المؤلف ﵀: (والمؤمنون يرون ربهم)، المؤمنون: هم كل من آمن بالله وباليوم الآخر وأتى ببقية أصول الإيمان، (يرون ربهم بأبصارهم)، فأثبت الرؤية وأثبت آلتها، فالباء بقوله: (بأبصارهم) للاستعانة، أي: لبيان الآلة التي تحصل بها الرؤية، أي يرونه بأعينهم، وإنما نص على الأبصار نفيًا لقول من يقول: إن الرؤية ليست رؤية بصر وإنما هي رؤية كشف، فيكشف لهم من المعارف والعلوم ما ليس لغيرهم، يكشف لهم يوم القيامة من معرفة الرب جل وعلا مالم يكن يعرفونه، وأيضًا للرد على الأشاعرة بالتنصيص على الأبصار لأنهم يقولون: إنهم يرونه من غير معاينة ولا في جهة، فإنه لا يدرك ولا يعقل رؤية بالبصر إلا ما كان في جهة.\nوالمعتزلة أولوا هذا الذي جاءت به النصوص إلى أنه رؤية كشف أو رؤية ثواب الله ﷿، فالذين لا يثبتون الرؤية يؤولونها برؤية الثواب أو برؤية كشف يحصل لأهل الإيمان.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>حصر الرؤية في الآخرة على المؤمنين</span>\nوقوله ﵀: (والمؤمنون يرون ربهم بأبصارهم) يفيد حصر الرؤية في أهل الإيمان، فخرج بذلك أهل الكفر وأهل النفاق، أما أهل الكفر فلأنهم ليسوا مؤمنين لا في الظاهر ولا في الباطن، وأما أهل النفاق فلأنهم لم يحققوا الإيمان الذي به يحصل الفضل والسبق، وإن كانوا قد أتوا بالإسلام في الظاهر، لكنه لم ينفذ إلى قلوبهم فلم ينتفعوا به.\nأما دليل حصر الرؤية بالمؤمنين فالأدلة في ذلك كثيرة: منها: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] كما ذكر المؤلف ﵀، فالوجوه التي بشرها الله ﷿ بالنضارة يوم القيامة هي وجوه المؤمنين ولا تكون للكفار، بل وجوه الكفار عليها غبرة ترهقها قترة.\nفالوجوه الناضرة هي وجوه أهل الإيمان كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٦]، فالمسودة هي وجوه أهل الكفر، وكذلك قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فقد جاء تفسير الزيادة: بأنها النظر إلى الله ﷿ كما في الصحيح للإمام مسلم من حديث صهيب وفيه: (إذا دخل أهل الجنة الجنة ناداهم الله أو ناداهم مناد: إن لكم موعدًا عند الله ﷿ يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يدخلنا الجنة ويعيذنا من النار؟ فيقول: بلى، فيكشف الحجاب، فينظرون إلى الله ﷿) فما يكون من نعيم الجنة شيء عندهم ألذ ولا أطيب ولا أكمل ولا أرضى من النظر إلى الله جل وعلا!!","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>شبهات حول مسألة الرؤية</span>","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>الجواب على المستدلين لنفي الرؤية بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار)</span>\nفالأدلة متواترة على إثبات النظر لأهل الإيمان، ولا يلزم منه أن يدرك الناظر ربه جل وعلا، فإن النظر لا يلزم منه الإحاطة والإدراك، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وقد استدل نفاة الرؤية بهذه الآية على ما ذهبوا إليه من أنه لا يرى جل وعلا، يقول الله جل وعلا: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فإذا كانت لا تدركه الأبصار فإنه لا يرى.\nنقول في الجواب على هذا: إن نفي الإدراك أمر زائد على نفي النظر، ولم يأت دليل ينفي النظر، وأما نفي الإدراك فقد تنظر إلى الشيء لكن لا تدركه، فالإنسان ينظر إلى السماء لكنه لا يحيط بها ولا يدركها، وينظر إلى القمر ولكنه لا يدركه ولا يحيط به، وينظر إلى الشمس ولكنه لا يدركه ولا يحيط به، بل ينظر إلى المخلوق الصغير الذي يمكن أن يحاط بوصفه ولكن قد لا يدركه ولا يحيط به، فليس من لازم الرؤية الإدراك، والمنفي في الآية هل هو مجرد النظر أو أصل النظر أم أنه الإدراك؟ المنفي هو الإدراك، وفرق بين نفي الإدارك ونفي الرؤية.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>الجواب على المستدلين لنفي الرؤية بقوله تعالى: (لن تراني)</span>\nواستدلوا على نفي الرؤية بقول الله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ولكن هذا الاستدلال في غير محله؛ لأن نفي الرؤية في قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] هو في تلك الساعة، ولو كان يستحيل أن يرى لقال لموسى: إنني غير مرئي، أو لا تمكن رؤيتي بالكلية، أما ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فهو نفي للطلب الذي طلبه في تلك الساعة، و(لن) لا تفيد تأبيد النفي كما زعمه بعض المعتزلة حيث قالوا: (لن) تفيد التأبيد، وقد رد عليهم أهل اللغة وأئمة اللسان وقالوا: إن (لن) لا تفيد التأبيد، فسقط استدلالهم.\nوبقية الأدلة سالمة محفوظة من أن يطرأ عليها ما يناقضها أو يردها: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَرُنَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] .","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>خلاف أهل السنة والجماعة في إثبات رؤية الكفار لربهم يوم القيامة</span>\nهل يرى الكفار الله جل وعلا يوم القيامة؟ ذكرنا قول المؤلف ﵀: (والمؤمنون يرون ربهم بأبصارهم)، في حصر الرؤية للمؤمنين، فإن أهل الكفر لا يوصفون بالإيمان وأهل النفاق لا يوصفون بالإيمان وإن كانوا مسلمين في الظاهر، وهذا في الجنة لا إشكال فيه، فإن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن، فما ذكر من نعيم أهل الجنة من التنعم بالنظر إلى الله ﷿ لا يكون إلا لأهل الإيمان؛ لأنه لا يدخلها إلا مؤمن.\nأما في عرصات القيامة فاختلف العلماء ﵏ من أهل السنة في رؤية الكفار لله ﷿ على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يراه في أرض المحشر يوم القيامة إلا أهل الإيمان دون غيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فأخبر الله ﷿ عن حجب الكفار عن الرؤية، فقوله: (يومئذ) يعني: يوم القيامة، وهذا عليه أكثر أهل العلم من المتأخرين.\nالقول الثاني: أنه يراه المؤمنون من هذه الأمة ويراه أيضًا أهل النفاق، أي: أهل الكفر الباطني، أما من أظهر الكفر فإنه لا يراه، واستدلوا لهذا بحديث أبي سعيد وأبي هريرة في الصحيحين وفيه: قال النبي ﷺ: (إذا جمع الله الناس نادى مناد: ليتبع من كان يعبد شيئًا ما كان يعبد، فيتبع أهل الشمس الشمس، ويتبع عباد القمر القمر، ويتبع عباد الطواغيت الطواغيت، فلا يبقى إلا هذه الأمة وفيها منافقوها، فيأتيهم الله ﷿ في صورة غير التي يعرفون، ثم يأتيهم بالصورة التي يعرفونها؛ فيسجد أهل الإيمان وفيهم أهل النفاق، فيريدون أن يسجدوا فلا يتمكنون من السجود) فقالوا: إن هذا الحديث يدل على أنهم يرونه.\nالقول الثالث: أنه يراه أهل المحشر مسلمهم وكافرهم، ولكن هذه الرؤية يختلف فيها الناس، كما أن رؤية الله جل وعلا في الجنة يختلف فيها أهل الجنة تفاضلًا ومنزلة، فكذلك الرؤية في المحشر، فإنهم يتفاوتون فيها تفاوتًا بينًا كبيرًا، فأهل المحشر ينقسمون إلى قسمين في الرؤية، فأهل الإيمان يرونه رؤية تعريف، وهذه دون ما يكون لهم في الجنة، أي: أنها أنزل مما يكون لهم في الجنة، ولذلك إذا رأوه جل وعلا في الجنة لم يكن شيء أنعم ولا أطيب من النظر إليه ﷿، فدل ذلك على أنها خلاف ما كان في أرض المحشر.\nثم إن أهل الجنة إذا قال لهم المنادي: إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، يقولون: ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يدخلنا الجنة؟ ألم ينجنا من النار؟ ولم يذكروا تلك الرؤية التي جرت في المحشر، فالرؤيا التي تكون لأهل الإيمان في المحشر دون ما يكون لهم في الجنة، فهي رؤية تعريف.\nأما رؤية الكفار على هذا القول بأنهم يرونه في المحشر، فإنها رؤية تعذيب وتحسير، وليست رؤية تنعيم وتكليم، واستدلوا لهذا بقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، بنفس الآية التي استدل بها القائلون بعدم الرؤية، كيف ذلك؟ قالوا: إن الحجب لا يكون إلا بعد اطلاع، وهذه الأقوال كلها مما تكلم به أهل السنة والجماعة، فالخلاف في هذا خلاف محتمل، لا يخرج من اختار قولًا من هذه الأقوال عن دائرة أهل السنة باختياره.","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>ترك التخصيص إذا أوهم معنى قبيحًا</span>\nيبقى تنبيه مهم: أنه على القول بالثالث، وهو أن أهل المحشر جميعهم يرون الله مسلمهم وكافرهم، لا يسوغ أن يطلق بأن الكفار يرون الله، فلا يسوغ أن يأتي أحد ويقول: الكفار يرون الله؛ لأن إطلاق الرؤية يقتضي التكريم والتنعيم، ورؤية الكفار لله ﷿ ليست رؤية إكرام وتنعيم، فلا يسوغ هذا الإطلاق؛ لأن الإطلاق يوهم الإنعام والتكريم، وأفضل النعيم هو نعيم أهل الجنة، فلا يسوغ إشراك الكفار فيها، أو تسويتهم بأهل الإيمان.\nالوجه الثاني الذي يمتنع به الإطلاق: أنه ما ورد في الشريعة من الأحكام العامة كقول: الله خالق كل شيء، إذا كان يلزم من تخصيصه نقص فإنه لا يسوغ التخصيص، وكذلك إذا كان يلزم من التخصيص معنى قبيح فإنه لا يسوغ التخصيص، مثاله كما قلنا: الله خالق كل شيء، هل يسوغ للإنسان أن يقول: الله خالق الكلاب، أو يدعو فيقول: يا خالق الكلاب! ارزقني؟ لا يسوغ، لماذا لا يسوغ مع أن الله خالق كل شيء ومن ذلك الكلاب؟ لأن مثل هذا يوهم معنى قبيحًا، والحكم العام إذا كان تخصيصه يقتضي معنى قبيحًا فإنه لا يسوغ أن يأتي به الإنسان.\nمثله أيضًا: الإرادة، فما من شيء في الكون إلا أراده الله تعالى، ولكن لا يسوغ للإنسان أن يقول: يا مريد الزنا! ارزقني العفاف؛ لأن الإرادة وردت عامة في كل شيء، فتخصيصها إذا كان يترتب عليه إيهام معنى قبيح فإنه لا يجوز التخصيص.\nمثاله الرؤية، جاء الخبر بأنه ما من أحد إلا سيرى الله: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته)، وهذا من الأدلة التي استدل بها القائلون بأن الكافرين يرون الله في المحشر، وفي رواية: (ما منكم أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) قالوا: إن هذا يلزم منه أنهم يرونه في المحشر حتى الكفار، فإذا ورد النص المطلق فلا يسوغ أن نخصص ونقول: يراه الكفار يوم القيامة، وذلك للمعنى الأول الذي ذكرناه؛ ولأن التخصيص يوهم معنى قبيحًا، فلأجل هذين المعنيين منع أهل العلم من إطلاق إضافة الرؤية للكفار، بل لابد من التخصيص، يقال: يرونه في المحشر ثم يعذبون بالاحتجاب أو ما أشبه ذلك من التقييدات.","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>حقيقة الرؤية وذكر بعض أدلتها</span>","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>حجب الكافرين عن رؤية الله ومعناه</span>\nيقول ﵀: وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] (إنهم) أي: أهل الكفر، (عن ربهم لمحجوبون) فهم محجوبون عن النظر إلى الله ﷿، وهذا في حق الكفار.\nيقول المؤلف ﵀: (فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا)، فدلالة الآية على إثبات الرؤية من وجهين: الأول: حجب الكفار عن ربهم.\nالوجه الثاني: مفهوم المخالفة وهو أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا، ولذلك ذكر المؤلف ﵀ نوعي الدلالة في الآية: دلالة المطابقة، ودلالة المخالفة، فدلالة المطابقة في قوله: حجب أولئك في حال السخط، ودلالة المخالفة في قوله: أن المؤمنين يرون ربهم في حال الرضا.\nفإذا كان من عقوبة أهل الكفر أنهم لا يرونه ﷾ حال الغضب، فكذلك تدل الآية بمفهوم المخالفة أن المؤمنين يرون ربهم ﷾.\nقال: (وإلا لم يكن بينهم فرق) أي: إذا لم يكن أهل الإيمان يرونه في حال الرضا وهم كالكفار في الحجب، فما فائدة الإخبار بأن الكفار يحجبون عن الله ﷿؟! فدلت الآية دلالة واضحة على أن أهل الإيمان ينعمون برؤيته جل وعلا كما أن أهل الكفر يعاقبون بحجبهم عنه ﷾.","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>الحكمة في تشبيه رؤية الله برؤية الشمس والقمر</span>\nوقال النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) حديث صحيح متفق عليه، وهذا الحديث رواه الإمام البخاري والإمام مسلم وغيرهما من حديث جرير بن عبد الله، وقد جاء من حديث غيره، لكن هذا اللفظ في حديث جرير بن عبد الله يقول شيخ الإسلام ﵀: وهو من أصح الأحاديث.\nوقد أجمعت الأمة على قبوله وتلقيه بالقبول.\nوفيه إثبات رؤية المؤمنين لله ﷿: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر) والمشار إليه هو القمر المعروف الذي في السماء، وفي بعض الروايات: (كما ترون الشمس ليس دونها سحاب، والقمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته) أي: لا يلحقكم ضيم في رؤيته، بل ترونه في سعة، وفي رواية أخرى: (لا تضامّون في رؤيته) أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض لتروه بل هو جلي واضح؛ فالناس إذا أرادوا أن يتراءوا الشمس، هل يحتاج أحدهم أن يقترب إلى الآخر حتى يرى الشمس أم أن كل واحد يراها وهو منفرد عن الآخر بدون تضام واجتماع؟ وهل يلحقهم ضيم في رؤيتها؟ لا، فمن أوسع ما يكون رؤية القمر والشمس، أما رؤية الهلال في أول إهلاله فيحتاج الناس فيه إلى تضام حتى يروه في الغالب، لذلك تجد أحدهم يقترب من الآخر ليريه مكان الهلال، وكذلك يحصل عليهم ضيم؛ لأن إدراكه ليس بالأمر السهل، أما رؤية الشمس والقمر فإنه لا تضام فيها ولا ضيق على أهلها؛ ولذلك ذكر النبي ﷺ في الرؤيا القمر والشمس لأمرين: الأمر الأول: أنهما أعظم ما يرى في الدنيا، فأعظم ما يراه أهل الدنيا وأوضحه الشمس والقمر.\nالثاني: أن كيفية رؤية الشمس والقمر من أسهل ما يكون، فيراها الحاضر والبادي، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، فليس هناك إشكال في رؤيته، فلا عسر في الرؤية، فهي من أسهل ما يكون، فاجتمعت سهولة الرؤية ووضوحها، فالوضوح من أوضح ما يكون، والسهولة واليسر من أسهل وأيسر ما يكون، ولذلك قال النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) .\nيقول ﵀: (وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي)، أي: فلو قال قائل: إن هذا تمثيل، فقد شبه النبي ﷺ ربه ﷿ بالقمر.\nنقول: لا، ليس التشبيه للمرئي بالمرئي، إنما التشبيه للرؤية، فالكاف في قوله ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون) لتشبيه الرؤية، ولذلك قال: (كما ترون)؛ (ما): هنا مصدرية، و(ترون) فعل، ما المصدرية والفعل الذي بعدها تؤول بمصدر تقديره: كرؤيتكم، هذا معنى قوله ﵀: (هذا تشبيه للرؤية)، فالمعنى: إنكم سترون ربكم كرؤيتكم القمر، أي: في الوضوح وعدم التضام والضيق في الرؤية، فالتشبيه للرؤية لا للمرئي، أما الله جل وعلا فليس كمثله شيء وهو السميع البصير.\nقال ﵀: (فإن الله لا شبيه له ولا نظير) .\nأي: لا مثيل له ولا مساو؛ لأن الله تعالى نفى عن نفسه الند والنظير والمثيل والكفء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، فليس له ند، ولا يمكن أن يمثل بغيره، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] .\nفلا يجوز أن يقال: المرئي كالمرئي فالله تعالى كالقمر، بل تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>إثبات زيارة المؤمنين لله ﷿</span>\nيقول ﵀: (والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه): هذا فيه إثبات زيارة المؤمنين لله ﷿، وحديث الزيارة رواه الدارقطني وغيره عن ابن مسعود وأنس وأبي هريرة وابن عباس وعن غيرهم من الصحابة ﵃، وقد جاء ذلك أيضًا عن جماعة من التابعين.\nيقول شيخ الإسلام ﵀ في حديث الرؤية: وهذه الأحاديث عامتها إذا جرد إسناد الواحد منها لم يخل عن مقال قريب أو شديد، لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها في نفس الأمر.\nيعني: أن الزيارة ثابتة، وإن كان أفراد هذه الأحاديث ضعيفة.\nقال ﵀: بل قد يقتضي القطع بثبوت الزيارة، فقد روي عن الصحابة والتابعين ما يوافق ذلك، وذكرنا أن المروي عن الصحابة في الزيارة من طريق ابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وأنس، وحديث أنس أمتن الأحاديث في ذلك لم تذكر فيه الزيارة، فقد روى الإمام مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن في الجنة لسوقًا يأتيه أهل الجنة كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو على ثيابهم ووجوههم فيزدادون طيبًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا طيبًا وجمالًا أو حسنًا وجمالًا، فيقولون لأهليهم: لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقول أهلهم لهم: وأنتم أيضًا ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا)، فهذا الحديث في صحيح مسلم ليس فيه زيارة لله ﷿، لكنه جاء عند الدارقطني بأسانيد متعددة عن جملة من الصحابة أن هذه الزيادة ليس سببها الريح فقط، بل سببها الريح ورؤية المؤمنين الله ﷿، كما قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] (ناضرة) أي: اكتسبت نضرة وجمالًا، ثم ذكر السبب في هذه النضارة وهي النظر إلى الله ﷿ فقال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] .\nإذًا: أحاديث الزيارة ثابتة، فزيارة المؤمنين لله ﷿ ثابتة، ولذلك قال المؤلف ﵀: (ويزورونه) .\nقوله: (ويكلمهم) فيه إثبات الكلام أيضًا، وهو ثابت في الصحيحين وفي غيرهما: (ما منكم أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)، وهذا يعم المسلم والكافر، لكن الفرق في نوع التكليم، فإن تكليم الله لأهل الإيمان تكليم رحمة وبر وتنعيم، وأما تكليمه لأهل النفاق فهو تكليم تقريع وتعذيب وذم، وتكليم الله للكفار ليس مقتصرًا على أرض المحشر، بل يكلمهم في المحشر ويكلمهم إذا صاروا إلى النار نسأل الله السلامة والعافية منها؛ فإنهم إذا سألوا التخفيف من العذاب يقول الله ﷿ لهم فيها: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فهذا كلام رب العالمين لأهل النار، فنفي التكليم إنما هو في حال من الأحوال في أرض المحشر، أو يكون المنفي من التكليم هو تكليم البر والإحسان والرحمة والإنعام.\nقال ﵀: (ويكلمونه) فيكلمهم الله ﷿ ويكلمونه.\nقال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، وهذه من أقوى الأدلة التي يثبت بها أهل السنة والجماعة نظر المؤمنين لله ﷿ يوم القيامة، فإن الله أخبر عن وجوه أهل الإيمان بالنضارة، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] أي: حسنة جميلة منعمة مكرمة، فيها من البهاء والنور والجمال ما ليس في غيرها، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: إلى الله جل وعلا ناظرة، فأضاف نظر أهل الإيمان إلى الرب، ثم النظر بأي شيء كان؟ بالقلوب أم بالوجوه؟ بالوجوه، ولذلك قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]، فنص على الوجوه التي فيها آلة النظر، وهذا دليل ما ذكره المؤلف ﵀ من أنهم يرونه بأبصارهم؛ لأنه أخبر عن الوجوه بأنها ناضرة إلى ربها، فالوجوه هي التي تنظر إلى ربها وتنظر إليه بأبصارها، بالآلة التي يحصل بها النظر في الوجه وهي البصر، فلا يمكن أن يقول قائل: إنها رؤية كشف؛ لأن الكشف لا يكون للأبصار، بل يكون للقلوب، ولا يمكن إن يقال: إنه نظر إلى النعيم؛ لأن الله أضاف النظر إليه جل وعلا فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] فلا يسوغ أن يقال: إلى نعيم ربها، لأنه أضاف النظر إليه جل وعلا، فمن حرف الكلم عن مواضعه وقال: إنه النظر إلى النعيم يكون قد خرج عما دلت عليه الآية من إضافة النظر إليه جل وعلا، فهذه الآية من أقوى وأظهر وأصرح الأدلة في إثبات نظر المؤمنين لربهم جل وعلا، نسأل الله أن نكون منهم.","vol":"7","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>رؤية الله في الدنيا</span>","vol":"7","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>لا يُرى الله ﷾ في الدنيا يقظةً</span>\nمسألة: هل يرى الله ﷿ في الدنيا أو لا؟ جواب هذه المسألة: أن أهل السنة والجماعة ذهبوا إلى أن الله ﷿ لا يراه أحد من الناس في الدنيا؛ لقول النبي ﷺ: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت) كما في صحيح الإمام مسلم، وهذا يدل دلالة واضحة على أن رؤية الله في الدنيا لا تكون، وأن كل من قال: إنه رأى الله أو ادعى ذلك فإنما أتي من قبل وهم أو خيال أو ظن، والذي رآه ليس هو الله جل وعلا؛ لأن الله ﷾ لا يرى في الدنيا، وقد منع الله جل وعلا أحد أولي العزم من الرسل وهو موسى ﵇ من أن يراه، فكيف بمن دونه من سائر المؤمنين؟ فإن الله جل وعلا لما قال له موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فمنعه من أن يراه، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ذلك فيما يتعلق بأهل الإيمان، والخلاف الذي وقع هو في رؤية النبي ﷺ ربه، هل رأى الله جل وعلا أم لا؟ فقد اختلف أهل السنة والجماعة على قولين، فأنكر هذا جمهورهم، فمن الصحابة ابن مسعود وغيره، وأثبت رؤية النبي ﷺ لربه يقظة جماعة من العلماء، واحتجوا لذلك بما جاء عن ابن عباس وجماعة من الصحابة من أن النبي ﷺ رأى ربه.\nولكن هذا الذي ذكروه ليس في كلام الصحابة ما يؤيده، بل ما في كلام الصحابة إما إثبات الرؤية مطلقًا كما جاء ذلك عن ابن عباس وعن غيره، وإما أن يكون ذلك مقيدًا برؤية القلب أو الفؤاد، فما كان مطلقًا فإنه يحمل على المقيد من كلامهم، والصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم أن النبي ﷺ لم ير ربه يقظة، إنما رآه في المنام، وما كان من الرؤية التي ذكرها بعض الصحابة فهي رؤية قلب وفؤاد وليست رؤية عين.","vol":"7","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>خلاف العلماء في حكم رؤية الله في المنام</span>\nمسألة: هل يرى الله جل وعلا في المنام؟ من العلماء من قال: إنه يرى في المنام، والأكثرون على أنه لا يرى، وأن ما يراه الإنسان في منامه ويظن أنه الله جل وعلا فليس هو الله؛ لأن الله عز وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقد قال النبي ﷺ: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) والموت: هو مفارقة الروح البدن مفارقة تامة كاملة، ولا يصدق هذا على النائم؛ لأن النائم ميت من بعض الوجوه فقط، ولا يصدق عليه أنه ميت مطلقًا، فلا يمكن أن نحمل قول النبي ﷺ: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) على حال النوم باعتبار أن النوم موت، لكن نقول: إن الموت الذي أراده النبي ﷺ هو الموت الكامل الذي يحصل به تمام مفارقة الروح للبدن، وينقطع به العمل، أما النائم فموته موت نسبي وليس موتًا تامًا، وهذا يدل على أنه لا يرى في المنام.\nوذهب جماعة من العلماء إلى أنه يرى في المنام، وقال شيخ الإسلام: إن النائم يمكن أن يرى الله ﷿ وما يراه في منامه هو على قدر إيمانه، فكلما كمل إيمانه كان رؤيته أتم وأكمل.\nوالذي يظهر أنه لا يمكن لأحد أن يجزم بأنه رأى الله جل وعلا، أما النبي ﷺ فقد رأى ربه ولا إشكال في منامه، فقد جاءت فيها أحاديث متعددة منها حديث: (رأيت ربي البارحة بأحسن صورة)، فهذا يحمل على رؤية المنام، وأما من عدا النبي ﷺ فإنه لا دليل على ثبوت الرؤيا في حقه.\nثم ما تراه لا تجزم بأنه الله؛ لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المؤلف ﵀ فيما يتعلق بالرؤية، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.","vol":"7","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>شرح لمعة الاعتقاد [٨]</span>\nالإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة التي يجب على العبد اعتقادها والإيمان بها، ومن مراتب القدر مرتبة الخشية والإرادة، وهي تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية، فلا يقع شيء في الكون إلا بإرادة الله ﷾، فلا محيد للعبد ولا مهرب عن مقدوره جل وعلا.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>الإيمان بالقدر</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومن صفات الله تعالى أنه فعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يكون إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥] .\nروى عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فقال جبريل: صدقت) متفق عليه، وقال النبي ﷺ: (آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره)، ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت) .\nولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره وفعل نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن الله أنزل الحجة علينا بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا يجزى على حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره] .","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>تعريف القدر لغة وشرعًا</span>\nوالقدر يطلق في اللغة على التقدير، والمراد به في كلام النبي ﷺ في مثل قوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) المراد به: علم الله بالكائنات وحكمه فيها.\nوعرفه جماعة من العلماء بأنه الحكم الكوني، يعني: الحكم وقضاء الله ﷿ في الكون، وعرفه آخرون بأنه علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه، وهذا تعريف يسير سهل يجمع لك بيان القدر وبيان مراتب الإيمان بالقدر.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>مراتب القدر</span>\nوالإيمان بالقدر على مراتب: أولها وثانيها: الإيمان بعلم الله ﷿، وأنه ما من شيء إلا بعلمه، وأنه ما من شيء من علمه إلا وقد كتبه الله ﷾.\nالثالث: مشيئته، فما من شيء إلا بمشيئته جل وعلا.\nالرابع: خلقه، فما من شيء في الكون إلا وهو من خلقه ﷾.\nوقد قال بعض العلماء في ذلك نظمًا: علم كتابة مولانا مشيئته وخلقه وهو إيجاد وتكوين وهذا يجمع لك تعريف القدر.\nقوله: (وهو إيجاد وتكوين) بيان معنى الخلق وأنه يطلق على الإيجاد، ويطلق أيضًا على التكوين.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب الإيمان بالقدر</span>\nهذا الفصل ذكر فيه المؤلف ﵀ ما يتعلق بالإيمان بالقدر، والإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان الذي لا يتم إيمان أحد إلا بها، فلابد للمؤمن أن يؤمن بالقدر خيره وشره، وكل من كان غير مؤمن بالقدر فإنه لم يحقق الإيمان الذي تحصل به النجاة من النار.\nوقد دلت الأدلة في الكتاب والسنة، وأجمع سلف الأمة من الصحابة ﵃ والتابعين وأئمة الدين على وجوب الإيمان بالقدر، وأنه ما من شيء إلا بقضاء وقدر، وقد قال ابن عباس ﵁ في بيان منزلة الإيمان بالقدر: (الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده)، وهذا يدل على أن كل من لم يؤمن بالقدر فقد انتقض توحيده؛ لأن الإيمان بالقدر أساس التوحيد، فهذا معنى قوله ﵀: (نظام التوحيد)، أي: به ينتظم وبه يستقيم وبه يستقر فمن لم يؤمن بالقدر لا توحيد له، ومن لم يؤمن بالقدر لا إيمان له، فالإيمان بالقدر أصل من أصول الدين، ومن أصول الإيمان وأركانه التي لا يتم إيمان أحد إلا بها.\nوقد قال ابن عمر ﵁ لما بلغه إنكار من ينكر الإيمان بالقدر ويقول: إن الأمر أنف، قال: (والذي نفس ابن عمر بيده، لو أنفق مثل جبل أحد ذهبًا ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر)، وجاء مثل هذا عن غير واحد من الصحابة ﵃.\nوقد أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن والدارقطني وابن حبان وابن خزيمة وغيرهم من أئمة أهل السنة حديث عبد الله بن فيروز بن الديلمي الذي جاء إلى أبي بن كعب فقال: إن في نفسي شيئًا من القدر، فحدثني لعل الله أن يذهبه عني، فقال له أبي ﵁: (إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو أنه رحم أهل سماواته وأهل أرضه لكانت رحمته لهم، وإنه لو أنفق أحد مثل جبل أحد ذهبًا لم يتقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال له: وائت ابن مسعود فاسأله) .\nيقول ابن الديلمي: فأتيت ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بما حدثني به أبي عن النبي ﷺ، فدل ذلك على أن الصحابة ﵃ مجمعون على الإيمان بالقدر، وأنه من لم يؤمن بالقدر مات على غير الإسلام.\nولذلك جاء في حديث عبادة بن الصامت في وصيته لابنه الوليد بن عبادة لما قال له: واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) وفي رواية: (فمن مات على غير هذا أحرقه الله بالنار) فدل ذلك على وجوب الإيمان بالقدر.\nوأمر القدر أمر خطير عظيم، إنكاره ينقض التوحيد كما ذكرنا في كلام ابن عباس ﵁، وهو تكذيب للقرآن وانتقاص لرب العالمين، ولذلك لما سئل الإمام أحمد ﵀ عن القدر قال: القدر قدرة الله ﷿؛ فمن أنكر القدر فقد أنكر قدرة الله جل وعلا.\nوكل هذا يبين لنا منزلة الإيمان بالقدر، وأن الاختلال في الإيمان به اختلال في أصل الإيمان؛ ولذلك لا يخلو كتاب من كتب الاعتقاد من الحديث عن القدر وبيان منزلته، وبيان ما الذي يجب فيه.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>أنواع الإرادة</span>\nيقول ابن قدامة في هذه العقيدة: (ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد) .\nهذا تقرير ما يتعلق بالقدر في إثبات صفات الفعل لله جل وعلا، وأن الإيمان بالقدر فرع عن الإيمان بأنه فعال لما يريد، وإن من قال: إنه لا يقدر مقادير الأشياء وأن في الكون ما يكون بلا تقديره ولا خلقه ولا مشيئته، فإنه مكذب لإيمانه بأن الله جل وعلا فعال لما يريد، فإذا كان جل وعلا فعال لما يريد فإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.\nوقوله ﵀: (فعال لما يريد) مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] في بيان صفة الرب جل وعلا فيما أخبر به سبحانه وتعالى عما أخبر به عن نفسه في كتابه، و(فعال) جيء بها على صيغة المبالغة لإفادة معنيين: المعنى الأول: كثرة الفعل، والثاني: عظم الفعل، فصيغة المبالغة تستعمل لأحد هذين المعنيين؛ إما لكثرة الشيء وإما لعظمه ولو لم يكن كثيرًا، والذي في حقه جل وعلا المعنيان، فأفعاله كثيرة ﷾، ما يكون من شيء إلا بأمره وتقديره، وأيضًا هذه الأفعال عظيمة كبيرة المنزلة والمكانة ورفيعة الشأن.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>الإرادة الشرعية</span>\nالنوع الثاني من الإرادات: الإرادة الدينية الشرعية الأمرية، كل هذه من أسمائها، فتسمى الإرادة الدينية، وتسمى الإرادة الأمرية، والإرادة الشرعية، وهي لا تكون إلا فيما يحبه الله ﷾ ويرضاه، فلا يدخل في هذا النوع من الإرادة شيء من المبغوضات والمكروهات لرب العالمين، بل ليس فيها إلا ما يحبه الله تعالى ويرضاه.\nإذًا: فهمنا أن الإرادة في كلام الله ﷿ وفي كلام رسوله ﷺ تنقسم إلى قسمين، وهذا أساس في فهم باب القدر والسلامة من الضلال فيه؛ لأن من ضل في هذا الباب لم يميز بين هذين النوعين من الإرادة: بين الإرادة الكونية الخلقية، وبين الإرادة الشرعية الدينية.\nإذًا: الإرادة الشرعية تختص بما يحبه الله ويرضاه، وتختص بما يتعلق بمحاب الله ﷾، أما الإرادة الكونية الخلقية فهي تشمل جميع الحادثات والكائنات بلا استثناء.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>أمثلة على الإرادة الكونية والشرعية</span>\nمثال النوع الأول من الإرادة وهي الإرادة الكونية الخلقية قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] قلنا: إن الإرادة هنا إرادة كونية؛ لأنها تشمل كل ما في الكون، فإنه داخل في إرادته هذه سواء كان يحبه أو لا يحبه.\nمثال آخر: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، ومثال الإرادة الكونية أيضًا قول نوح ﵇ لقومه في نصيحته لهم: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] أي نوع من الإرادة هنا: الشرعية التي يحبها ويرضاها أو الكونية التي تنتظم كل ما يقع في الكون؟ الكونية.\nقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] الإرادة المذكورة في الآية هي الكونية؛ لأنه بها يقع الضلال والفساد، ويقع الخير والصلاح؛ لأنها تنتظم كل شيء، وهذه الآية تشكل على بعض طلبة العلم، ويظن أنها تجمع نوعي الإرادة، لكن هذا ليس مقصودًا، فليس المقصود إثبات نوعي الإرادة، إنما الإرادة هنا إرادة واحدة وهي الإرادة الكونية: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] .\nوالمشيئة: هل تنقسم إلى مشيئة شرعية ومشيئة كونية أم أنها مشيئة واحدة تنتظم كل شيء؟ المشيئة واحدة لا تنقسم إلى شرعية دينية وخلقية كونية، بل هي واحدة في كل شيء، ولذلك فالإرادة الكونية هي المشيئة.\nيقول المؤلف ﵀ بعد أن ذكرنا هذين القسمين: (لا يكون شيء إلا بإرادته) أي الإرادة الكونية، (ولا يخرج شيء عن مشيئته) والمشيئة تشمل كل ما يكون ولا تنقسم، بخلاف الإرادة.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>الإرادة الكونية</span>\nيقول ﵀: (فعال لما يريد) الإرادة هنا: المقصود بها الإرادة الكونية، وإنه لمن المهم لمن أراد أن يفهم باب القدر أن يميز بين نوعي الإرادة، النوع الأول: الإرادة الكونية، وتسمى الإرادة الخلقية، وهذه الإرادة الكونية الخلقية تعني كل ما يقع في هذا الكون، فالإرادة الكونية يحصل بها كل شيء في الكون من خير وشر، من أمر البشر ومن أمر غيرهم، فكل ما يجري في الكون مندرج تحت الإرادة الكونية، من خير وشر من صلاح وفساد من حوادث ووقائع في السماوات والأرض وفي البشر وغيرهم، فهي الإرادة الشاملة المحيطة لكل الوقائع في الكون، وهي التي يقصدها العلماء في قولهم: ما من شيء إلا بإرادة الله ومشيئته.\nفمقصود العلماء بهذا: كل شيء، وكل ما يقع في الكون؛ ولذلك قال المؤلف: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته)، فالمشيئة هنا والإرادة هي الإرادة الكونية التي تنتظم جميع الحادثات والكائنات بلا استثناء، هذا النوع الأول من الإرادة، وهذا النوع من الإرادة هل يتعلق بمحبة الله ﷿؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا يتعلق بالمحبة، يعني: لا يلزم من هذا أن يكون مما يحبه الله ﷾، فليس كل ما يقع في الكون محبوبًا له، لكنه ما من شيء في الكون إلا وهو مراد له جل وعلا، فصلاح الصالحين، وفساد المفسدين وما إلى ذلك من وقائع الدنيا هي كلها مندرجة تحت إرادته الكونية له سبحانه وبحمده.\nولذلك لما قال أحد المبتدعة لأحد العلماء: سبحان من تنزه عن الفحشاء.\nسجع به هذا المبتدع في مجلس أحد العلماء، يريد بهذا أن ما يقع من الشر والفساد في الدنيا ليس من إرادته سبحانه وبحمده، فماذا أجابه العالم المدرك لمعنى ما يقول هذا المبتدع؟ قال: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء.\nأيهم أعظم إجلالًا لله ﷿؟ الثاني، لأنه إذا كان الله جل وعلا المالك، فإنه لا يسوغ أن يكون في ملكه ما لم يرد، لكن لا يلزم من أن يكون جميع ما في ملكه محبوبًا له، فإن الزنا والسرقة وفساد المفسدين وترك التاركين للتوحيد والواجبات الشرعية لا يحبه ولا يرضاه، ومع ذلك فهو جل وعلا يقدره لحكمة بالغة، فهو مما يريده الله ﷿ الإرادة الكونية الخلقية التي تنتظم جميع الكائنات والحادثات، ولا يخرج عنها شيء من خلق الله ﷿.","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>مخالفة العاصين وعلاقتها بإرادة الله</span>\nيقول ﵀: (ولو عصمهم لما خالفوه): هذا فيه الجواب عن إشكال: هل معصية العاصين تقع بمشيئة الله أو بغير مشيئته؟ بإرادة الله الكونية أو بغير إرادته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n تقع بمشيئته وإرادته وهو على كل شيء قدير جل وعلا، لكنه مكنهم من مخالفته وأذن لهم في عصيانه لحكمة قضاها؛ ولذلك قال: (ولو عصمهم) أي: منعهم من الوقوع في المعصية أو منعهم من ترك الواجب (لما خالفوه)، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه)، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨] أي: في الإيمان والصلاح والتقوى والهدى، ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨] فمنهم مؤمن ومنهم كافر كما قال جل وعلا، والمذكور في سورة هود هو المشار إليه في سورة التغابن، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]، فقسم الله الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، هذا في المآل، وفي العمل أيضًا قسمهم قسمين: قسمًا يؤمن، وقسمًا يكفر.\nفقوله ﵀: (ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه) أدلة هذا من القرآن كثيرة منها ما ذكرناه.","vol":"8","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>ما قدره الله لا يخرج عن اللوح المحفوظ</span>\n(ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور): أي: ما يصيبك وما ينزل بك، لا يتجاوز ما رقم وكتب في اللوح المسطور، وهو: اللوح المحفوظ الذي كتب فيه القلم مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة.\nفالمؤلف أثبت مرتبتين من مراتب القدر: المشيئة حيث قال: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور) ثم قال: (ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور)، فأفادنا أن القدر مكتوب، وهذا من مراتب القدر، أن تؤمن بأن الله كتب مقادير كل شيء، فما من شيء إلا قد كتبه الله جل وعلا، وجرى به القلم الذي خلقه الله جل وعلا.\n(أراد ما العالم فاعلوه) وهذه هي الإرادة الكونية التي تنتظم فعل بني آدم كلهم.","vol":"8","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>لا مهرب عما قدره الله</span>\nيقول: (ولا محيد) يعني: لا مفر ولا مخرج ومهرب (عن القدر المقدور) وهذا ما قاله عبادة ﵁ لابنه: (واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك) وهذا قد جاء مرفوعًا إلى النبي ﷺ من غير حديث عبادة ﵁، وفيه وجوب الإيمان بأن ما نزل بك لا يمكن أن يندفع عنك مهما فعلت، وما صرفه الله عنك لا يمكن أن يصيبك مهما سعى الناس أن ينزل بك.\nوهذا معنى ما ذكره النبي ﷺ لـ ابن عباس في الوصية الشهيرة المعروفة: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإذا اجتمعوا على أن يضروك بشيء، فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) أي: قضي الأمر وفرغ منه، ليس الأمر وليد الساعة أو الآن، أو يمكن زحزحته وتغييره، بل هو أمر قضاه الله وقدره قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.\nلما خلق القلم قال له: (اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة)، فإذا أيقن العبد بهذا اطمأن وعلم أنه لا مفر من تقدير الله ﷿ ولا محيد من القدر المقدور، أي: التقدير الذي قدره الله جل وعلا.","vol":"8","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>كل ما في الكون لا يخرج عن تقدير الله</span>\nقال ﵀: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره): فنؤمن بأنه ليس في الكون شيء يخرج عن تقدير الله ﷿، فكل حركة وسكون في بر أو بحر أو سماء أو أرض أو في بني آدم أو في غيرهم؛ هي من تقدير الله جل وعلا، حتى نبض عروقنا ولحظ أعيننا وسير أقدامنا كله بتقدير الله جل وعلا، واجعل في بالك أنه ما من حي أو ميت في سماء أو أرض إلا بتقدير الله جل وعلا.\nدليل ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] فكل شيء هو مخلوق بتقدير الله ﷿، فالقدر ينتظم كل كائن في الكون، لا يخرج عنه شيء من خلق الله ﷿ في العالم.","vol":"8","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>كل ما في الكون تحت تصرف الله وإرادته</span>\nيقول: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره): ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإيمان العبد بهذا يورثه عظيم التوحيد لله جل وعلا، ويعقبه عظيم التعظيم والمحبة لله ﷿، الذي بيده مقاليد الأمور يصرفها كيف شاء، يهب لمن يشاء ما يشاء، ويمنع من يشاء ما يشاء، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد-أي: صاحب الغنى- منه الجد، فالجد والغنى لا ينفع صاحبه إذا جرده الله منه، فكم من إنسان يملك من المال العريض الشيء الكثير، لكنه لا يستطيع أن يدخل إلى جوفه قطرة ماء إما لمرض أو لمانع، فكل شيء في هذا الكون لا يصدر إلا عن تدبير الله جل وعلا.","vol":"8","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>أفعال العباد وضلال الطوائف فيها</span>\nقوله: (خلق الخلق وأفعالهم): هذا فيه الرد على القدرية، واعلم أن القدر ضل فيه طائفتان من الناس: الطائفة الأولى: القدرية الذين قالوا: إن الله لم يشأ معصية العاصين، ولم يقدر مخالفتهم، فالله لم يخلق أفعال العباد، بل العباد هم الذين يخلقون أفعالهم.\nوقابل هؤلاء طائفة أخرى غلو في إثبات القدر وهم الجبرية الذين قالوا: إنه ليس للإنسان اختيار ولا له فعل، وإنما هو كالريشة في مهب الريح، لا تملك لنفسها تصريفًا ولا توجيهًا، فأفعال الخلق هي أفعال الله جل وعلا، ليس لهم إرادة ولا اختيار، وإنما هم مجبورون على ما يكون منهم.\nويشير ﵀ في قوله: (ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم) إلى الرد على الذين نفوا أن يكون فعل الخلق من تقدير الله وخلقه، وهم القدرية الذين يقولون: إن فعل المخلوق ليس مقدرًا من الله جل وعلا.\nيقول ﵀: (وقدر أرزاقهم وآجالهم) أي: ما ينالهم من الرزق، والأرزاق جمع رزق، والرزق: هو كل ما يصل إلى الإنسان من نعمة الله ﷿، يشمل هذا النعم الحسية والمعنوية، فيدخل في الرزق صلاح القلب واستقامة الحال، وصلاح العمل، والتقوى والإيمان، فهذا من رزق الله جل وعلا، ويدخل فيه ما يقوم به البدن، فرزق الله يشمل ما يقيم القلوب والأبدان، فكله يدخل في رزق الله.\nقال: (وآجالهم) أي: قدر ﷾ أعمارهم وآجال أعمالهم، وآجال ما يكون منهم.\n(يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته) أي: هو في فعله جل وعلا بين الهداية والإضلال، لا يخرج عن الرحمة والحكمة.","vol":"8","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>شرح لمعة الاعتقاد [٩]</span>\nالقدر سر الله في خلقه، فمن رام البحث عنه وقع في الهاوية، ولهذا زاغ من زاغ وضل من ضل في هذا الباب بسب التعمق والبحث.\nفعلى كل مسلم أن يؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، سواء ظهرت له الحكمة في هذا الأمر أم لم تظهر.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>وجوب الإيمان بالقدر</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥] .\nروى ابن عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فقال جبريل: صدقت) رواه مسلم.\nوقال النبي ﷺ: (آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره) ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت)] يقول المؤلف ﵀ في صلة كلامه عما يتعلق بالقدر وما يجب من الإيمان به: (أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه): وقد تكلمنا على هذا في الدرس السابق، وذكرنا عند قوله: (أراد ما العالم فاعلوه) أن ما يكون في هذا الكون من خير وشر، ومن صلاح وفساد، ومن طاعة ومعصية؛ كله مراد لله جل وعلا، يدخل في إرادته لا يخرج شيء عما أراده الله جل وعلا، وهذه الإرادة هي الإرادة الكونية الخلقية القدرية، أي: التي يصدر عنها خلق الله ويصدر عنها كل شيء، فهي تنتظم كل ما يكون في الكون.\nوقوله ﵀: (ولو عصمهم لما خالفوه)؛ فيه بيان أن ما يكون من المعصية إنما هو بتقدير الله جل وعلا، ولو شاء لمنع العاصي من أن يعصيه، ولذلك قال ﵀: (ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه)، وقد ذكر الله جل وعلا هذا في مواضع عديدة من كتابه، فذكر أنه لو شاء جل وعلا لهدى الناس جميعًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣]، وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩]، فكل هذه الأدلة تدل على أن الله جل وعلا لو شاء هداية أهل المعصية وأهل الكفر لهداهم، لكن هذه المشيئة ليست حجة لهم على ما هم عليه من كفر وعصيان كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف.\nوالذي نريد أن نقرره الآن: أنه ما من شيء في الكون إلا بمشيئة الله ﷿، ومعلوم أن الإيمان بأن مشيئة الله أحاطت بكل شيء، مرتبة من مراتب الإيمان بالقدر، وقد ذكرنا المراتب في الدرس السابق، وقلنا: إن أولها: علم الله ثم كتابته ثم مشيئته ثم خلقه.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية</span>\nقال ﵀: (وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]) هذه الآية فيها إثبات الإرادة لله جل وعلا، وهي هنا الإرادة الكونية الخلقية؛ لأن الله ﷾ ذكر فيها إرادة الهداية وإرادة الضلال، وما الذي ينتظم هذين النوعين من الإرادة؟ الإرادة الكونية هي التي تنتظمهما؛ لأن هذه الإرادة يصدر عنها كل شيء يحدث في الكون من صلاح وفساد، وهداية وضلال، وخير وشر، فهذا النوع من الإرادة هو الذي يسمى بـ (الإرادة الكونية) وهي: بمعنى المشيئة.\nونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]، فإنه مطابق لمعنى هذه الآية، حيث ذكر الله مشيئته للهداية ومشيئته للإضلال، وهنا ذكر إرادته للهداية وإرادته للإضلال، فالإرادة هنا هي المشيئة هناك، فيكون المعنى: ما من شيء في الكون إلا بإرادة الله ﷿، وهذه الإرادة هي الكونية.\nالإرادة الثانية هي: الإرادة الشرعية، مثالها قوله تعالى: ﴿إنما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب:٣٣] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧] .\nفهذه الإرادة المذكورة في هاتين الآيتين هي الإرادة الشرعية.\nوما الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية؛ لأن هذه المسألة هي التي يسلم الإنسان بمعرفتها من الضلال فيما يتعلق بباب القدر؟ الإرادة الشرعية تتعلق بالمحبة والرضا، فلا يريد الله إلا ما يحبه ويرضاه، وأما الإرادة الكونية فلا تتعلق بمحبة الله ورضاه بل هي متعلقة بكل واقع في الكون من خير أو شر، ومن صلاح أو فساد وغير ذلك، هذا هو الفرق.\nوهناك فرق آخر بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، وهو: أن الإرادة الشرعية غير لازمة الوقوع، فيحتمل أن لا تقع، فالله ﷿ يريد من الناس أن يعبدوه كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فالعبادة مرادة لله من جميع الناس، ولكن هل حصلت منهم جميعًا؟ لم تحصل كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨] أي: فمنهم مؤمن ومنهم كافر، فالإرادة الشرعية غير لازمة الوقوع، فقد تقع وقد لا تقع.\nفإذا قيل: من أي أنواع الإرادة أمر الله ﷿ الناس بالصلاة؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n من الإرادة الشرعية؛ وكيف عرفنا أنها من الإرادة الشرعية؟ الجواب: لأنه مما يحبه الله ويرضاه؛ ولأنه قد لا يقع، فكثير من الناس لا يصلي كأهل الكفر وبعض من هو مسلم يترك الصلوات أو بعضها.\nوالمقصود: أن الإرادة الشرعية تتميز بميزتين: أولًا: أنها محبوبة لله ﷿ مرضية.\nثانيًا: أنها غير لازمة الوقوع.\nأما الإرادة الكونية فهي لا تتعلق بالمحبة، وإنما تتعلق بكل شيء في الكون، هذا فرق.\nوالفرق الثاني: أنها لازمة الوقوع، فلابد أن تقع، ولا يمكن أن تتخلف.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الخلاف في عود الضمير في قوله تعالى: (نبرأها)</span>\nوالآية تضمنت إثبات جميع المراتب: الكتابة، والعلم، والمشيئة، والخلق: فقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] الضمير في قوله (نبرأها) للعلماء فيه أقوال: منهم من يقول إنه يعود إلى المصيبة، لقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: من قبل أن نبرأ المصيبة، أي: من قبل أن نوجدها، وهذا يدل على الخلق والمشيئة.\nوقيل: يعود الضمير على الأرض، فقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: من قبل أن نبرأ الأرض، وهذا يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو: (إن الله ﷾ كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) .\nالقول الثالث في ضمير (نبرأها): إنه يعود على الأنفس، أي: من قبل أن نبرأ الأنفس، أي: نخلقها، وهذا مطابق لحديث عبد الله بن عمرو ولحديث عبد الله بن مسعود ﵄، وغيرهما من الصحابة الذين أخبروا بالتقدير قبل الخلق، وأن الملك يؤمر بأربع كلمات، ثم ينفخ فيه الروح، وهذه الأربع الكلمات هي قبل الخلق؛ لأن نفخ الروح جاء بعدها، فأي هذه الأقوال الثلاثة أرجح؟ من حيث النظر أرجحها الأخير؛ لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الأنفس قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] فأقرب مذكور هو الأنفس، وقال ابن القيم ﵀: إنه يصلح أن يكون الضمير عائدًا إلى كل ما تقدم، ثم قال: وهو أحسن، فيكون قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي: من قبل أن نخلق المصيبة، ومن قبل أن نخلق الأرض، ومن قبل أن نخلق الأنفس، وكل هذه المعاني صحيحة دل عليها الكتاب والسنة، فتحمل الآية على جميع هذه المعاني.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>كل شيء بقدر</span>\nثم قال المؤلف ﵀ في الاستدلال لما تقدم من أن الله خالق كل شيء وأنه ما من شيء إلا بقضاء وقدر: (قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]): (إنا) الضمير يعود إلى الرب جل وعلا، وتكلم الله ﷿ بضمير الجمع، وهو يريد التعظيم لنفسه جل وعلا، (كل شيء): يشمل كل شيء في هذا الكون، فكل شيء في هذا العالم قد خلقه الله ﷿ بقدر، (بقدر): الباء هنا سببية، ويمكن أن تكون للمصاحبة؛ يعني: أنه مع تقدير، وليس خاليًا عن التقدير فهو متلبس بتقدير الله ﷿، وقدر الله محيط به، وقد روى الإمام مسلم عن طاوس قال: (أدركت أناسًا من أصحاب النبي ﷺ يقولون: كل شيء بقدر)، وهذه حكاية لإجماع الصحابة على هذا.\nثم قال ﵀: (وسمعت عبد الله بن عمر يقول: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس) يعني: حتى الضعف وعدم إدراك ما تحب، والكيس، أي: الفطنة والذكاء وإدراك المطلوب، فكل شيء بقضاء وقدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] وهذا إجماع أهل الإسلام.\nفقد دلت الأدلة في الكتاب والسنة ودل أيضًا إجماع سلف الأمة على أنه ما من شيء إلا بقضاء وقدر، وعلى هذا مضى أهل العلم وأئمة الدين، ولم يقع خلاف في ذلك إلا عند أن تكلم معبد الجهني فيما يتعلق بالقدر وأن الأمر أنف، وقد رد الصحابة ﵃ عليه كـ ابن عمر وواثلة بن الأسقع وغيرهما، فردوا على هذه الشبهة، وبينوا خطرها، وأنه لا يبلغ الإنسان الإيمان إلا بأن يسلم لله ﷿ ويؤمن بالقدر.\nقال ﵀ في ذكر الأدلة: (وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]) أي: خلق كل شيء مصاحبًا للقدر، فليس هناك شيء بلا تقدير، فقد خلق كل شيء وقدر كل شيء تقديرًا، وأكد القدر بذكر المصدر تأكيدًا له وتقريرًا لمعناه، وأنه لا شيء إلا بقدر، وأما الخلق فإنه لم يؤكد فقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الفرقان:٢]، أما القدر فذكره مؤكدًا لتقريره ولنفي شبه المعارضين الذين يقولون: إن الله جل وعلا لم يقدر بعض أفعال الخلق، وليس كل شيء بقضائه وقدره.\nثم قال ﵀: (وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]) .\nهذه الآية من الأدلة الدالة على ما تقدم من أنه ما من شيء في الكون من حركة وسكون يقع من الأنفس إلا بقضاء الله وقدره، يقول الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ)، وهذا يشمل كل ما يصيب الإنسان وينزل به مما يفرح به ويسر، ومما يسوءه ويكدره، فكل شيء بقضاء وقدر، فقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد:٢٢] أي: أنه مكتوب، وهذا يدل على شيئين: على علم الله بهذا المصاب وبهذا النازل، وعلى أنه ﷾ قد كتبه، وهذه الآية تدل على العلم وتدل على الكتابة.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>خلق أفعال العباد</span>\nقال ﵀: (خلق الله الخلق وأفعالهم): خلق الله الخلق، أي: الأعيان، وأفعالهم: أي: ما يصدر عنهم من أعمال وأقوال وسائر ما يعد من كسبهم سواء كان ظاهرًا أو مستترًا، فكله خلق الله جل وعلا كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وسيأتي دليل ذلك في كلام المؤلف ﵀.\nقال: (وقدر أرزاقهم وآجالهم): أرزاقهم، أي: أرزاق الخلق، وآجالهم: أي: أعمارهم، وتقدير الأرزاق والآجال هو على مراحل ومراتب، فالتقدير الكلي السابق هو الذي جرى به القلم لما قال الله جل وعلا له: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، كما في حديث عبادة وغيره، فهذا تقدير سابق، وجاء أيضًا في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (أن الله قدر مقادير الأشياء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) .\nوهناك أيضًا التقدير الذي يكون في الأرحام، وهو ما جاء به الخبر عن جماعة من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ قال: (إن الله يبعث ملكًا فيكتب أجل الإنسان وعمله ورزقه، وشقي أو سعيد) جاء هذا في حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث حذيفة وغيرهم.\nوقد اتفق سلف الأمة على أن الشقي من شقي في بطن أمه، أي: أن الشقاء يكتب قبل الخلق، وقد أشار حديث ابن مسعود الذي في صحيح مسلم إلى مراحل وأطوار الخلق، وما يكون من مجيء الملك لكتابة الأربع الكلمات التي تكون قبل خلق الإنسان.\nقال ﵀: (يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته): وهذا يدل على أن ما يكون من هداية المهتدين ومن ضلال الضالين، إنما هو بمشيئة الله ﷿، ومشيئته ليست مجردة عن حكمته بل كل ما شاءه فلحكمة، فهو الحكيم الخبير سبحانه وبحمده.","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>كل أفعال الله ﷿ فيها حكمة ولكن قد تخفى على البعض</span>\nقال المؤلف ﵀ في الاستدلال لما تقدم: (قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]): (لا يسأل) أي: الله جل وعلا لا يُسأل عما يفعل، يعني: عما يكون منه من خلق وتقدير، (وهم يسألون) أي: الخلق يسألون، وفي هذه الآية نفي السؤال عن الله ﷿، فلماذا: هل لكونه يفعل لغير حكمة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا، وإنما (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) هذا لكمال حكمته وعلمه جل وعلا، وأنه يضع الأشياء في مواضعها، وأنه ليس في فعله خلل ولا عبث ولا فساد حتى يسأل عنه، بل فعله في غاية الحكمة، فله فيما يقضي ويقدر الحكمة البالغة، هذه الحكمة قد يدركها الإنسان بنظره وفكره وتدبره، وقد يحال بينه وبين إدراكها، لكن امتناع الحكمة من أن تدرك ومن أن يعقلها الإنسان لا يدل على أنه ليس لهذا الفعل حكمة أو ليس لهذا القضاء أو هذا القدر حكمة، بل لابد له من حكمة، لكن هذه الحكمة قد تخفى ولا تدرك.\nفقوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] هذا لكمال حكمته جل وعلا وعلمه وأن ما يفعله ليس فيه خلل ولا عبث، وأنه جل وعلا يضع الأشياء في مواضعها، خلافًا لمن استدل بهذه الآية على نفي التعليل، فقال: إن الله يفعل لا لحكمة.\nوهذا لجهلهم بكلام الله ﷿ وصفاته وما يجب له، لأن المؤمن يدرك أن الله جل وعلا حكيم كما وصف نفسه بذلك، وحكمته لا تقتصر على شيء من فعله جل وعلا أو من قضائه وقدره، بل هي منتظمة جميع أفعاله، وجميع أقضيته، وجميع ما يقدره الله جل وعلا.\nوهذه الآية بدأ بها المؤلف في بداية الأدلة الدالة على ما تقدم من الكلام لبيان أنه يجب على الإنسان إذا عجز عن إدراك الحكمة في قضاء الله ألا يعارض القدر، بل يجب أن يسلم للقدر، فالقدر سر الله في خلقه، لم يُطْلِع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، فإذا عجز الإنسان عن إدراك شيء مما يقضيه الله ويقدره، فالواجب عليه أن يسلم وألا يتهم الله جل وعلا بظلم أو بشيء من ذلك، بل يجب عليه أن يعتقد كمال الرب وأن يتهم نفسه، وأنه جل وعلا لعلمه وحكمته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولذلك لما جاء ابن الديلمي إلى أبي بن كعب وقال له: (إن في نفسي شيئًا من القدر) قال له مبتدئًا الجواب: (لو أن الله عذب أهل سماواتته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته أوسع لهم وأفضل لهم) .\nفالواجب على المؤمن فيما يتعلق بالقدر إذا وقع في قلبه شيء أن يطلب حله من كلام الله وكلام رسوله ومن سؤال أهل العلم، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] فإن لم يجد جوابًا فالواجب عليه أن يرد هذا الاشتباه إلى ما يعلمه من عظيم صفات ربه، وأنه الحكيم العليم الخبير الذي لا يظلم الناس شيئًا، وأن يعلم أن قدر الله من جملة ما يدخل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فإنه ليس كمثله شيء في شأن من شئونه، فإذا اعتقد العبد أنه ليس كمثل ربه شيء، فإنه ينحل ما قد يورثه الشيطان أو ما يوسوسه الشيطان من انتفاء الحكمة أو وجود الظلم أو ما أشبه ذلك في شيء من أقضية الله وقدره، وليكن على باله قول الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>الكلام على خلق الشر وتقديره</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥] .\nروى ابن عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فقال جبريل: صدقت) رواه مسلم.\nوقال النبي ﷺ: (آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره) ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت)] يقول المؤلف ﵀ في صلة كلامه عما يتعلق بالقدر وما يجب من الإيمان به: (أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه): وقد تكلمنا على هذا في الدرس السابق، وذكرنا عند قوله: (أراد ما العالم فاعلوه) أن ما يكون في هذا الكون من خير وشر، ومن صلاح وفساد، ومن طاعة ومعصية؛ كله مراد لله جل وعلا، يدخل في إرادته لا يخرج شيء عما أراده الله جل وعلا، وهذه الإرادة هي الإرادة الكونية الخلقية القدرية، أي: التي يصدر عنها خلق الله ويصدر عنها كل شيء، فهي تنتظم كل ما يكون في الكون.\nوقوله ﵀: (ولو عصمهم لما خالفوه)؛ فيه بيان أن ما يكون من المعصية إنما هو بتقدير الله جل وعلا، ولو شاء لمنع العاصي من أن يعصيه، ولذلك قال ﵀: (ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه)، وقد ذكر الله جل وعلا هذا في مواضع عديدة من كتابه، فذكر أنه لو شاء جل وعلا لهدى الناس جميعًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣]، وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩]، فكل هذه الأدلة تدل على أن الله جل وعلا لو شاء هداية أهل المعصية وأهل الكفر لهداهم، لكن هذه المشيئة ليست حجة لهم على ما هم عليه من كفر وعصيان كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف.\nوالذي نريد أن نقرره الآن: أنه ما من شيء في الكون إلا بمشيئة الله ﷿، ومعلوم أن الإيمان بأن مشيئة الله أحاطت بكل شيء، مرتبة من مراتب الإيمان بالقدر، وقد ذكرنا المراتب في الدرس السابق، وقلنا: إن أولها: علم الله ثم كتابته ثم مشيئته ثم خلقه.","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>نسبة الشر إلى الله</span>\nلكن يبقى\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل الشر في فعل الله ﷿ أو في مفعوله، يعني: في مقضيه وما يقدره؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ليس في فعله شر بالكلية، ودليل هذا ما رواه الإمام مسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁ في دعاء الاستفتاح الذي كان يقوله النبي ﷺ في صلاته: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين وفيه: لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) فقال النبي ﷺ في الثناء على ربه: (والشر ليس إليك)، أي: لا ينسب إليك، ويفهم هذا من قوله: (والخير كله في يديك)، فإذا كان الخير كله في يديه فإنه لا ينسب إليه الشر، ولا يوصف به، ولذلك فالشر في كلام الله ﷿ وفي كلام رسوله ﷺ لا يضاف إلى الله جل وعلا، بل إما أن يضيفه الله ﷿ للمخلوق المقضي المقدر، من ذلك قول الله تعالى في سورة الفلق: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١-٢] أي: من شر الذي خلقه الله، فأضاف الشر للمخلوق، ومنه أيضًا هنا: (وقني شر ما قضيت)، فأضاف الشر للمخلوق في سورة الفلق، وأضافه في هذا الحديث للمقضي، حيث أتى ذكر الشر دون ذكر فاعله في كلام الله ﷿ مع التصريح بأن الخير من الله، فلا يضاف إليه الشر.\nومنه قول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦-٧]، ثم قال في المغضوب عليهم والضالين: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، فلم يذكر فاعل ذلك وذكر المفعول والواقع، وهو الغضب والضلال.\nويذكر الشر على وجه الإجمال، أي: يندرج في غيره ولا يكون منصوصًا عليه، مثل قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] ومنه قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] فلا يشك مؤمن يدرك معاني كلام الله ﷿ وما كان عليه السلف الصالح من مفهوم هذه الآية أن الشر مندرج في هذه الآية لعموم قوله: (كُلَّ شَيْءٍ) فكل شيء من خلق الله ﷿.\nإذًا: ليس في كلام الله ولا كلام الرسول ﷺ إضافة الشر إلى الرب جل وعلا، وإنما يرد على هذه الصيغ أو الصور التي ذكرناها قبل قليل، فالشر ليس من فعله، إنما يكون في المقضي المقدر، وإنما أضفناه للمقضي المقدر لأنه شر، فالمرض شر، والمعصية شر، ولكنها شر نسبي وليس شرًا محضًا، فهي شر من جهة وخير من جهة: شر من جهة المخالفة أو من جهة ما يلحق الإنسان من ضرر، وأما ما يترتب على وجود هذه الأشياء، فإنه يترتب على وجودها الحكمة البالغة والرحمة الواسعة، فمراد المؤلف ﵀ في سياق هذه الآيات والأحاديث هو تقرير أن القدر يشمل الصلاح والفساد، ويشمل الخير والشر، ويشمل الطاعة والمعصية.\nوحديث الحسن بن علي ﵁ رواه الخمسة ونبه ابن حبان وابن خزيمة إلى أن لفظ: (في قنوت الوتر) في قول الحسن: (علمني رسول الله ﷺ دعاءً أقوله في قنوت الوتر) زيادة تفرد بها أبو إسحاق السبيعي وخالفه فيها شعبة، وشعبة أحفظ من أبي إسحاق، والبون بينهما شاسع، ولذلك رجح جماعة من العلماء رواية شعبة على رواية أبي إسحاق، ورواية شعبة ليس فيها ذكر القنوت، إنما قال: (علمني النبي ﷺ دعاءً) وليس فيه أنه يقال في الوتر، ولكن جاء عند النسائي من طريق ثانية: أن النبي ﷺ علمه في دعاء الوتر، فيعضد ما ذكره أبو إسحاق السبيعي عن بريد ابن أبي مريم، فيصح ما ذهب إليه الجمهور من أن هذا الدعاء يقال في قنوت الوتر.\nوالله تعالى أعلم.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه.","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>خلق الله للشر وتقديره له</span>\nقال: (روى ابن عمر أن جبريل قال للنبي ﷺ: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر بالقدر خيره وشره» الشاهد في هذا الحديث قوله: (وبالقدر خيره وشره)، والحديث مشهور من حديث عمر ﵁ في الصحيحين وغيرهما.\nوفيه وجوب الإيمان بالقدر، لقوله: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره)، وفيه أيضًا فائدة تدل على ما تقدم من شمول التقدير لكل ما يكون في الكون وهي في قوله: (خيره وشره) فالقدر -وهو: ما يقضيه الله جل وعلا- يكون فيه خير ويكون فيه شر، قال ﷺ: (وتؤمن بالقدر خيره وشره) .\nوقوله ﷺ: (آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره)، هذا الحديث رواه الحاكم في كتابه علوم الحديث، وهو مثال للحديث المسلسل؛ لأن النبي ﷺ أخذ بلحيته وذكر الحديث، وراوي الحديث أنس بن مالك أخذ بلحيته عند حكاية قول النبي ﷺ عند قوله: (آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره)، وهكذا تسلسل هذا الوصف في الرواة، إلا أن الحديث فيه ضعف؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي وهو ضعيف.\nوعلى كل حال فالشاهد من هذا الحديث قوله: (خيره وشره وحلوه ومره)، وهذا يفيد ما أفاده حديث عمر ﵁ في الصحيحين وفيه قوله: (وبالقدر خيره وشره) .\nقال: (ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت) .\nالمقصود من سياق هذا الحديث أن القدر ينتظم الشر، فالشر صادر عن تقدير الله، وليس خارجًا عن قدر الله لعموم قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] والآيات الدالة على أن القدر يشمل الخير والشر كثيرة.","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>شرح لمعة الاعتقاد [١٠]</span>\nأفعال العباد من الطاعات والمعاصي كلها مخلوقة لله ﷿، ولكن ليس في ذلك حجة للعاصي على فعل المعصية؛ لأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، فعلى المسلم أن يجتنب المعاصي كلها، وألا يتذرع ويحتج بالقدر على فعل المعاصي، فإن هذا هو مسلك الشيطان وأهل الشرك ومن تبعهم من الجبرية، وقد رد الشيخ عليهم، وبين وجه الضلال في مذهبهم.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنتهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا يُجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره] .\nفهذا له صلة بما تقدم من البحث في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالقدر.\nيقول ﵀: (ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإرسال الكتب وبعثة الرسل) .\nفي هذا المقطع من كلام المؤلف ﵀ إبطال احتجاج أهل المعصية والكفر على ما هم عليه أو على ما هم فيه من معصية الله والكفر به.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>الأدلة على أن للعبد مشيئة واختيارًا</span>\nفقوله ﵀: (وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة) واضح، وأما أدلة هذا فذكر المؤلف ﵀ منها: (قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]) أي: طاقتها، أي: ما تتسعه من العمل فعلًا وإيجادًا وتركًا واجتنابًا، فالله جل وعلا لا يكلف نفسًا إلا ما تقدر عليه وما تستطيعه.\nقال المؤلف ﵀: (وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦])، وتقوى الله هي: فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، فالأمر وهو إيجاد المطلوب، والنهي وهو ترك المحرم كله ينتظمه قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] أي: اتقوا الله ما قدرتم وتمكنتم من ذلك.\nقال ﵀: (وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]) وهذا فيه أن ما يكون من الإنسان هو كسبه وعمله، وأنه يجازى على هذا الكسب والعمل يوم القيامة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] أي: تجازى بما عملت وبما قدمت، فلا يظلم صاحب الطاعة بنقص طاعته، ولا يظلم صاحب المعصية بالزيادة عليه في إساءته ومعصيته.\nقال ﵀: (فدل-أي: دل ما تقدم- على أن للعبد فعلًا وكسبًا)، أي: أثرًا في إيجاد فعله، واختيارًا في إيجاد فعله، وكسبًا، فينسب إليه ما يكون من العمل.\nقال المؤلف ﵀: (يُجزى على حسنه -يعني: من الفعل والكسب- بالثواب، وعلى سيئه-يعني: من الفعل والكسب- بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره)، أي: ما يكون من فعله وكسبه، من حسناته وسيئاته، فكل ذلك واقع بقضاء الله وقدره، فيجتمع في هذا كمال الإيمان وكمال العبودية لله ﷿، حيث يؤمن العبد بالشرع ويعمل ويصدق ويؤمن بالقدر، وبه ينتظم إيمانه ويستقيم إسلامه، ولا قرار للإيمان إلا بهذا، وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المؤلف ﵀ فيما يتعلق بالإيمان بالقدر.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>موقف القدرية من القدر</span>\nيقابل هؤلاء القدرية وهم الذين نفوا خلق الله ﷿ لأفعال العباد، وهؤلاء حادوا وانحرفوا عن الصراط المستقيم، وخالفوا هدي سيد المرسلين ﷺ، وما عليه الصحابة وأئمة الدين، لكنهم في البدعة أخف من الجبرية الذين احتجوا بالقدر على إبطال الشرع فهؤلاء عندهم تعظيم للأمر والنهي، وعندهم تعظيم للشريعة، بخلاف أولئك الذين أبطلوا الشرائع وأهدروها وليس لها عندهم قيمة؛ لأنه ما من شيء في الكون إلا محبوب لله، فإذا كان كل ما في الكون محبوب لله ﷿ فقد بطل الشرع وبطل الدين، ولا حاجة إلى الشرائع ولا حاجة إلى بعثة الرسل الذين أرسلهم الله جل وعلا إلى الخلق مبشرين ومنذرين.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>الرد على من يحتج بالقدر على فعل المعاصي</span>\nيقول المؤلف ﵀: (ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة في ترك أوامره واجتناب نواهيه) .\nوالحجة هي: كل ما يحتج به الخصم من حق أو باطل، فليس من لازم الحجة أن تكون حقًا، بل قد تكون باطلًا، فالحجة إذا كانت باطلًا فهي حجة زاهقة ذاهبة مضمحلة داحضة، وإذا كانت حقًا فهي برهان وبينة.\nفقوله ﵀: (فلا نجعل قضاء الله وقدره حجة) أي: لا نجعلها مما يحتج به في المخاصمة، ولا نجعلها حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، كما فعل الجبرية الذين قالوا: إن المحبوب هو ما قدره الله وقضاه، فأبطلوا الشرع باحتجاجهم بالقدر.\nيقول ﵀: (بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل) أي: علينا الحجة البالغة التي ينقطع بها العذر بإنزال الكتب، وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، أي: فقد بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين حتى لا يبقى للناس على الله حجة يحتجون بها ويتذرعون بها على ما هم فيه من كفر، وعلى ما هم عليه من عدم التوحيد.\nومما ينبغي التنبه له أن بطلان الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع مستقر في الفطر وأنه مما اتفقت عليه الأمم، فإن الأمم متفقة على أنه لا يسوغ إبطال الشرائع بكون الأمر قد قضاه الله وقدره، وقد ذكر أئمة هذا الدين وعلماء المسلمين أوجهًا كثيرة لإبطال الاحتجاج بالقدر، وهي حجة قد يحتج بها كثير من العصاة على تسويغ ما هم عليه من باطل، وعلى مضيهم فيما هم فيه من مخالفة أمر الله وأمر رسوله ﷺ.\nوهذه بعض الأوجه التي يستدل بها على بطلان الاحتجاج بالقدر في إبطال الشريعة وفي عدم العمل بها: أول هذه الأوجه: أنه يلزم من احتج بالقدر على ترك الواجب وفعل المحرم أن يسوغ كل فساد يقع عليه من غيره، فكل من احتج بالقدر على إبطال الشريعة يقال له: قم صل، وافعل ما أمرك الله أن تفعل، أو اترك ما نهاك الله عنه، فإن قال: ما كتب الله لي، أو هذا أمر قدره الله علي؛ فإن من لازم حجته أن يقال له: كل ظلم يقع عليك في مالك أو أهلك أو نفسك فإنه يجب عليك أن تقبله وألا تنكره؛ لأن الناس يشتركون جميعًا في كونهم تحت قدر الله ﷿، لا خروج لهم ولا قدرة لهم على أن ينفكوا عن قضاء الله وقدره، فإنه إذا كان ذلك فإنه لا يسوغ لك أن تنكر ظلم الظالم لك؛ لأن ظلم الظالم لك هو بقدر الله ﷿، وهذا مما لا يقبله أحد مهما كان، حتى لو كان محتجًا بالقدر في إسرافه ومعصيته فإنه إذا جاء عند هذه المسألة لا يمكن أن يقبل الاحتجاج بالقدر، بل يرد الاحتجاج بالقدر ليأخذ حقه وليرفع عن نفسه الظلم في ماله أو أهله أو أي شيء من شئونه.\nإذًا: هذا هو الوجه الأول من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع.\nالوجه الثاني من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع؛ أن من لازم ذلك أن كل من أخبر الله عنهم من أهل الكفر وأوعدهم بالهلاك أو أوقع عليهم هلاكًا، أنهم في الحقيقة معذورون، فإذا كانوا معذورين فلماذا يعذبهم الله جل وعلا، فإنه بعث الرسل لقطع العذر، فلم ينفع بعث الرسل لهؤلاء؛ لأنهم كذبوا وخالفوا وأوقع الله عليهم من العذاب والعقاب ما ذكره الله جل وعلا في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ، وأجمعت عليه الأمم، فدل ذلك على أن الاحتجاج بالقدر باطل؛ لأنه لو لم يكن باطلًا لكان إبليس وفرعون وقوم نوح وغيرهم من الأمم التي أخبر الله بإهلاكها وعقابها لكانوا معذورين فيما هم فيه من الكفر؛ لأنه بقضاء الله وقدره.\nالوجه الثالث من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر: أن الاحتجاج بالقدر على إبطال الأمر والنهي وعلى إبطال الشريعة، يفضي إلى التسوية بين أولياء الله ﷿ وبين أعدائه؛ لأن المميز والفارق بين أعداء الله وبين أوليائه أن هؤلاء امتثلوا الأمر فكانوا أولياء لله ﷿، وأن هؤلاء عصوا الله ﷿ وخالفوا أمره فكانوا أعداءً له جل وعلا، فإذا كان الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة صحيحًا، فإن من لازم ذلك أن يلغى التفريق بين المؤمنين والكفار، وبين الأعمى والبصير، وبين المهتدي والضال، وقد جاء في كتاب الله في مواضع كثيرة ذكر الفرق بين هؤلاء كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر:١٩-٢١] .\nولو كان القدر حجة للفريقين على ما هم فيه لانتفى الفرق ولاستوى هؤلاء جميعًا، وقد قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، وهذا استفهام فيه إنكار التسوية بين هذين الفريقين.\nالوجه الرابع من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر على الشريعة: ما جاء من حديث علي بن أبي طالب في الصحيحين قال: قال ﷺ: (ما من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة وعلم مقعده من النار.\nفقال بعض الصحابة: ففيمَ العمل يا رسول الله؟! أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل؟ قال النبي ﷺ: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .\nفلم يجعل النبي ﷺ القدر مسوغًا لترك العمل، بل لما قالوا له: أفنتكل على الكتاب وندع العمل؟ قال لهم ﷺ: (اعملوا) ولم يقل: اتركوا، أو: اعتمدوا على الكتاب، أو: اعتمدوا على التقدير وإنما قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .\nوكذلك جاء في حديث سراقة بن مالك في صحيح الإمام مسلم أن رجلًا سأل النبي ﷺ، فقال: (يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ فقال النبي ﷺ: بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، فقال رجل: ففيمَ العمل؟ فقال النبي ﷺ: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) وهذا يبين لنا أن الاحتجاج بالقدر من أبطل ما يكون في إبطال الشرائع، أي: أن الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة وعدم العمل بها وإهدار الأمر والنهي من أفسد ما يكون؛ لقول النبي ﷺ: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .\nومن أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر أيضًا: أنه لو كان القدر حجة على إبطال الشريعة لما عذب الله أحدًا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه لو عذبهم مع كون القدر حجة لهم لكان ظالمًا لهم، حيث إنه لم يمض ما هو حجة، لكن لما كان القدر ليس حجة في إبطال الشريعة عذب الله من خالف أمره، وجعل المخالفة سببًا للعقوبة.\nوبعد هذا العرض الموجز لبعض الأوجه التي يتبين بها فساد الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة وترك العمل، نعلم علمًا يقينًا لا يخالطه ريب ولا شك أن أهل السنة والجماعة على حق في هذا، وأنهم وسط بين الفريقين المختلفين: بين من ألغى قدر الله ﷿ وقدرته على خلق أفعال العباد، وبين من ألغى قدرة الإنسان واختياره فيما يكون منه وما يصدر عنه.\nقال ﵀: (ونعلم أنه سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك) .\nوهذا أيضًا يضاف إلى الأوجه التي يبطل بها الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة.\nفنعلم أنه سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، أي: المستطيع على القيام بما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، وأنه لم يجبر أحدًا على المعصية، أي: ليس هناك إجبار على المعصية، بل العاصي يعصي الله جل وعلا بإرادته واختياره، وكون الله جل وعلا علم ذلك وكتبه وشاءه وخلقه، لا ينافي اختيار العبد، بل العبد مختار لما يفعل ولما يقع منه من معصية الله ﷿ في ترك الواجبات ومواقعة المنهيات والمحرمات، فالعبد ليس مجبورًا على معصية الله ﷿، بل له الاختيار التام في طاعة الله ﷿ والتزام شرعه، وفي معصيته ﷾ والإعراض عن دينه، ولذلك رتب الله العقاب والثواب على امتثال الأمر وترك النهي، فمن امتثل فاز بالفضل، ومن أعرض وتنكب وواقع ما حرم الله ﷿ استحق العقوبة.\nقال ﵀: (ولا اضطره إلى ترك الطاعة) أي: ما اضطره الله جل وعلا إلى ترك طاعة، بل معصية العاصي هي بفعله ومشيئته واختياره، وطاعة الطائع هي بمشيئته واختياره؛ ولذلك إذا وقعت المعصية إكراهًا لم تترتب عليها العقوبة، حتى لو كانت هذه المعصية أكبر ما يكون من المعصية ألا وهي الكفر، كما قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فإن الله ﷾ استثنى من المؤاخذة من أكره وكان منشرح الصدر بالإيمان ومطمئن القلب بحقائق الإسلام، فإنه لا يؤاخذ على ما يكون منه، فدل ذلك على أن الإكراه يخرج الإنسان عن التكليف.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>احتجاج الجبرية على المعاصي بالقدر</span>\nوذلك أن القدر انقسم الناس من حيث الإيمان به إلى طوائف: فطائفة غلت في إثبات القدر، وجعلت كل ما يكون من الإنسان وما يقع في هذا الكون محبوبًا لله ﷿ مرضيًا، فكل ما في الكون هو محبوب لله جل وعلا عندهم، وهو فعله ومشيئته، ولا فعل للإنسان ولا مشيئة ولا إرادة، فألغوا فعل الإنسان ومشيئته واختياره وإرادته، وقالوا: كل ما في الكون إنما هو فعل الله ولا فعل لغيره، ومشيئة الله ولا مشيئة لغيره، فاحتجوا بالقدر وبما يقع من قضاء الله وقدره على أمره ونهيه ودينه وشرعه، فجعلوا القدر حجة لإبطال الشرع، وهؤلاء إمامهم فيما ذهبوا إليه إبليس، حيث قال كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦]، فأضاف الإغواء إلى الله ﷿، واحتج بإغواء الله له جل وعلا وعدم هدايته على فعل نفسه، وعلى صحة ما هو عليه، فزاده ذلك من الله جل وعلا بعدًا وعذابًا.\nوقد سلك هذا المسلك أهل الشرك أيضًا: فاحتجوا بالقدر على معصية الله ﷿، كما قال الله ﷿ عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام:١٤٨]، فأخبر الله جل وعلا عما سيقوله المشركون من أن ما يقع منهم من الشرك وتحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله؛ أن ذلك واقع منهم بمشيئة الله ﷿، فاحتجوا بالقدر والقضاء على مخالفة أمر الله جل وعلا في توحيده وإفراده بالعبادة، وقد كذَّبهم الله جل وعلا في ذلك.\nكما أن هذه الحجة هي حجة أهل التفريط والتقصير الذين أسرفوا على أنفسهم يوم القيامة، فإن مما ذكر الله جل وعلا من أقوالهم: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧]، فلم ينفعهم ذلك في دفع عذاب ولا رفع عقاب، وقد قال أهل الشرك كذلك: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا﴾ [النحل:٣٥]، ولما دعاهم جل وعلا وأمرهم بالإنفاق والإطعام والصدقة قالوا كما قال تعالى حاكيًا عنهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] فاحتجوا بالقدر على إبطال الأمر والنهي وعلى إبطال الشرع، وهذا من أخبث وأخطر الأقوال وأرداها؛ لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة.","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>النقض على الجبرية في احتجاجهم بمحاجة آدم وموسى</span>\nومما ينبه إليه في مسألة الاحتجاج بالقدر على المعصية هو أن الجبرية الذين غلوا في إثبات القدر، وجعلوا القدر، حجة على إبطال الشريعة، يستدلون بما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ في محاجة موسى آدم، حيث قال النبي ﷺ: (حج آدم موسى، فإن موسى قال سائلًا الرب جل وعلا: أرنا أبانا الذي أخرجنا من الجنة، فلما رآه قال: يا آدم! أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لمَ خرجت وأخرجتنا من الجنة؟ فقال آدم ﵇ لموسى: يا موسى! أنت الذي اصطفاك الله بتكليمه فكلمك، وكتب لك التوراة بيده، بكم وجدت ذلك مكتوبًا علي قال: بأربعين سنة، قال النبي ﷺ: فحج آدم موسى)، هذا الحديث يحتج به الذين يقولون: إنه يسوغ أن يحتج بالقدر على المعصية؛ قالوا: إن آدم رد على موسى بأن الله كتب عليه المعصية، حيث قال له: فبكم وجدت مكتوبًا علي قبل أن أخلق: وعصى آدم ربه فغوى؟.\nوالصحيح أنه لا حجة لهم في هذا الحديث على ما ذهبوا إليه من الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع؛ لأن الموضوع والمحاجة بين آدم وموسى: هل هي في المعصية أم في المصيبة وهي الإخراج من الجنة؟ وهل قال: يا آدم! لمَ عصيت الله وأكلت من الشجرة، أو قال له: لمَ أخرجتنا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n أن المحاجة والمناقشة وقعت في المصيبة التي ترتبت على وقوع المعصية وهي الإخراج من الجنة، فأجاب آدم بأن المصيبة من قدر الله ﷿، وهذا لا يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة من أنه يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، فإذا نزلت بالإنسان مصيبة احتج بالقدر، ومن ذلك قول النبي ﷺ المروي في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، وقال النبي ﷺ: (استعن بالله ولا تعجز، فإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، أو قدّر الله وما شاء فعل)، فكان الاحتجاج بالقدر على المصيبة.\nولذلك إذا أصابك شيء مما تكره؛ ففاتك خير أو نزل بك ضر، فإنك تقول: قدر الله وما شاء فعل، فدل هذا على أنه يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، وهذا إجماع من أهل السنة والجماعة ولا خلاف بينهم فيه، لكن هل يسوغ لأحد أن يحتج بالقدر على المعصية؟ الجواب: لا.\nفآدم ﵇ احتج بالقدر على الإخراج -وهي المصيبة التي نزلت به وببنيه- لا على المخالفة، وهذا هو الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀ ورجحه، وأبطل سائر ما ذكر من الأوجه في إبطال المحاجة؛ لأن من العلماء من قال: إن آدم حج موسى لكونه أباه أو غير ذلك من الأوجه.\nالمهم أن هذا هو أرجح الأقوال، وابن القيم ﵀ سلك مسلكًا آخر فقال بعد أن ذكر كلام شيخه: ويكون هناك وجه آخر يصلح أن يكون جوابًا في هذه المحاجة وهو: أن آدم ﵇ إنما احتج بالقدر على المعصية بعد أن وقعت وتاب منها.\nفيقول ﵀: فيجوز للإنسان إذا وقعت منه معصية وتاب الله عليه منها أن يحتج بالقدر إذا عاتبه أحد.\nفمثلًا: إنسان أسرف على نفسه بشرب الخمر وسائر ألوان المعاصي ثم تاب، فجاءه شخص وقال: أنت ما فيك خير، وأنت شارب خمر، وأنت سراق، وما أشبه ذلك، فله أن يقول: ذلك بقدر الله؛ لأنه في الحقيقة بقدر الله، فساغ الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها، وهذا هو الذي وقع من آدم، فإنه ما احتج بالقدر - على ما وجه ابن القيم ﵀- على الاستمرار والمضي في المعصية، وإنما احتج بالقدر على أنها قد وقعت وانتهت فلا تعيرني بها، ومن تاب تاب الله عليه، والتوبة تجب ما قبلها، فبطل احتجاجهم بهذا الحديث على مسألة الاحتجاج بالقدر في إبطال الشريعة.\nوإنما أطلنا في هذا وبينا أوجه إبطال وإفساد احتجاجهم بالقدر على إبطال الشريعة الإسلامية؛ لأن كثيرًا ممن ابتلوا بالتصوف يحتجون بالقدر على أخطائهم، وكثير ممن يسرفون على أنفسهم في المعاصي إذا أمروا بالمعروف أو نهوا عن المنكر قالوا: ما قدر الله لنا الطاعة، وما هدانا الله لترك المعصية، وما أشبه ذلك من الحجج الباردة التي يبطلون بها الشريعة.","vol":"10","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>ذكر الكسب ليس مختصًا بالأشعرية</span>\nقول المؤلف ﵀: (فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا) .\nانتقد هذا بعض أهل العلم فقال: إن هذا فيه شائبة أشعرية حيث قال: فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا، والصحيح أن كلام المؤلف ليس عليه مؤاخذه، وأنه سالم وجارٍ على طريقة أهل السنة والجماعة، وذكر الكسب ليس دليلًا على أشعرية المؤلف؛ لأن الكسب قد ذكره الله تعالى فقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، وقد ذكر المؤلف ﵀ هذه الآية قبل ذكر الكسب، ففهم من الكسب ما دلت عليه الآية من أنه فعل الإنسان الذي يكون باختياره وإرادته ومشيئته.\nأما الأشعرية فلهم في القدر قول عجب خالفوا به الناس، حيث قالوا: إن أفعال الخلق كسب لهم وليس لهم عليها قدرة، وهذا القول لا نطيل فيه؛ لأنه من الأقوال المستبشعة والمستغربة والتي لا حقيقة لها ولا معنى لها؛ ولذلك فهم يرجعون إلى أنهم يقولون بقول الجبرية، فهم يقولون: إن فعل العبد كسب له لكن لا قدرة له عليه، وهذا لا يمكن أن يكون.\nإذ كيف يكون فعله كسبًا له ولا قدرة له عليه؟! فمن قال: إن كلام المؤلف هنا فيه شائبة أشعرية أو فيه إيهام أو إبهام، ففي قوله نظر وتكلف؛ لأن المؤلف ﵀ ذكر هذا بعد ذكر الآية التي فيها الكسب وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، فيكون معنى الكسب الذي ذكره هو ما دلت عليه الآية، وبهذا يكون قد انتهى ما يتعلق بمسائل القدر في هذا الفصل، وينبغي للمؤمن أن يقر قلبًا وأن يقر فؤادًا بأن الله جل وعلا لا يظلم الناس شيئًا كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وكما قال ﷾: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] فإذا استقر في قلب العبد هذا اطمأن من أن يقع ظلم من الله ﷿ أو تعارض بين الشرع والقدر، بل الأمر كله لله جل وعلا يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، والعبد له اختيار ومشيئة وإرادة، ومشيئته وإرادته لا تخرج عما قدره الله وعلمه وكتبه وشاءه وخلقه.\nوالله تعالى أعلم.\nوالحمد لله رب العالمين.\nوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"10","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>شرح لمعة الاعتقاد [١١]</span>\nمسائل الإيمان من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة، وبين أهل الأهواء قديمًا وحديثًا، فعلى المسلم أن يعلم قول أهل السنة والجماعة في هذا الباب؛ لأنه من أهم الأبواب، بل هو من صميم عقيدة المسلم.\nوكذلك يجب على المسلم الإيمان بكل ما جاء في كتاب الله، أو صح عن رسول الله ﷺ من أخبار الغيب، سواء أدرك معناه وعقله أم لم يدركه.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>عقيدة أهل السنة في الإيمان والجواب على مخالفيهم</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فجعل عبادة الله تعالى وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين.\nوقال رسول الله ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، فجعل القول والعمل من الإيمان.\nوقال تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤]، وقال رسول الله ﷺ: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة أو خردلة أو ذرة من الإيمان) فجعله متفاضلًا] .\nتقدم الكلام على ما في هذا الفصل، وذكرنا أن الإيمان الذي ذكره المؤلف بقوله: والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان، هو عقد أهل السنة والجماعة في بيان معنى الإيمان، وأن لهم على ذلك عبارات متعددة، منها هذه العبارة، ومنها أن الإيمان قول وعمل، ومنها أن الإيمان قول وعمل ونية، كل هذا مما جاء عن سلف الأمة ومعناه متفق وإن اختلف لفظه.","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>الإيمان قول واعتقاد وعمل</span>\nوقول المؤلف ﵀: (والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان) فيه رد على أهل البدع فيما يتعلق بالإيمان، فإن المخالفين في الإيمان على طرق، أشدهم مخالفة الجهمية الذين يقولون: الإيمان هو معرفة القلب، وهذا قول جهم ومن أخذ بقوله، ومعنى هذا: أنه لا يحتاج إلى قول، ولا يحتاج إلى عمل، ولا يحتاج إلى إقرار بالقلب، بل يكفي فيه عندهم مجرد المعرفة.\nوالقول الثاني: هو قول مرجئة الفقهاء الذين قالوا: الإيمان قول باللسان وعقد بالجنان، فأخروا العمل عن مسمى الإيمان، وهؤلاء يسمون بمرجئة الفقهاء، وهم الذين عابهم سلف الأمة وذموا قولهم، فإن هذا القول متقدم على قول الجهمية، أي: سابق لقول الجهمية الذين قالوا: إن الإيمان مجرد معرفة القلب، فما جاء من ذم السلف للإرجاء إنما هو ذم لما أحدثه مرجئة الفقهاء من تأخير العمل وإخراجه عن مسمى الإيمان.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>أول من قال بالإرجاء من الفقهاء</span>\nوقد تزعم هذا القول وتكلم به جماعة من الفقهاء من أوائلهم حماد بن أبي سليمان، وممن نسب إليه الأولية في هذا القول ذر بن عبد الله الهمداني، وهو من العباد النساك، ونسب هذا القول إلى غير هذين، لكنه اشتهر في فقهاء الكوفة وهم من كان على طريقة أبي حنيفة ﵀؛ ولذلك ينسب هذا القول إلى الحنفية؛ لأنه كثر فيهم.\nوقد اختلف العلماء هل هو قول أبي حنيفة أم لا؟ فمنهم من قال: إنه قول أبي حنيفة، وهو المشهور عند نقلة الأقوال، ومنهم من قال: إن أبا حنيفة قال به ثم رجع عنه، وليس هناك في كلام منقول عنه ما يشهد لقوله به أو رجوعه عنه، والذي يظهر أنه جار على ما كان عليه السلف من أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، أي: قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان.\nوأما ما حدث من مرجئة الفقهاء فإنه قول انتشر في الحنفية فنسب إلى مذهب أبي حنيفة، وهو قول مخالف لقول أهل السنة والجماعة.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>وجه الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء</span>\nووجه المخالفة بين قول مرجئة الفقهاء وبين قول أهل السنة والجماعة، هو في إخراج العمل، فالمرجئة لم يدخلوا العمل في الإيمان، وقد اضطرب قولهم، نظرًا لكون هذا القول فيه نوع إشكال في العمل -عمل القلب- هل هو من الإيمان أم لا؟ فبعضهم قال: عمل القلب من الإيمان، وعلى هذا يلزمهم أن يدخلوا عمل الجوارح، وبعضهم أخرج عمل القلب عن مسمى الإيمان، يقول شيخ الإسلام يرحمه الله: ويلزمهم على هذا أن يوافقوا جهم في قوله: إن الإيمان هو مجرد المعرفة.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>الإيمان يزيد وينقص</span>\nوالخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء خلاف حقيقي وليس خلافًا لفظيًا كما ذكر ذلك ابن أبي العز ﵀ في شرحه للطحاوية، فالخلاف حقيقي يترتب عليه خلاف معنوي، فإن جمهور العلماء وأهل السنة والجماعة يقولون: إن الصلاة والزكاة -وهما رأس العمل- من الإيمان، ومرجئة الفقهاء يقولون: إنهما ليسا من الإيمان.\nويرد عليهم بقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فجعل الله ذلك من الدين، فدل ذلك على أنها داخلة في الإيمان وأنها من الإيمان، فعلم بهذا أن الخلاف الواقع بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء هو خلاف حقيقي، وإنما قال من قال: بأنه خلاف لفظي بناءً على أن عمل القلب هل يدخل في الإيمان أو لا؟ وهل يؤثر في زيادة الإيمان أو لا؟ وقد ذكر الطحاوي ﵀ في متنه ما يدل على أن هذا القول مضطرب، فقال ﵀: (الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان)، فلم يذكر العمل، ثم قال: (وجميع ما صح عن النبي ﷺ من الشرع والبيان كله حق والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء)، ثم قال: (والتفاضل بينهم في الخشية)، فجعل الإيمان متفاضلًا حيث قال: (والتفاضل بينهم في الخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى)، هكذا قال ﵀ في متن الطحاوية، وهذا يدلك على أن هذا القول فيه من الاضطراب ما فيه، إذ كيف يقول: الإيمان واحد، ثم يقول: وأهله في أصله سواء؛ لأنه لو كان الإيمان واحدًا لم يكن أهله في أصله سواء؛ لأن إيحاءه بأن له أصلًا وفروعًا يدل على أن العمل داخل فيه.\nثم قوله: (والتفاضل بينهم في الخشية والتقوى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى) يدل على أنه يثبت تفاضلًا، ومرجئة الفقهاء على أن الإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص بناءً على أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، والزيادة والنقصان إنما هي في الأعمال.\nفهذا القول الذي ذكره المؤلف ﵀ في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة قد انتظم في الرد على هذه الطوائف كلها، سواء الجهمية أو المرجئة -مرجئة الفقهاء- أو الكرامية، ولم نذكر قول الكرامية لأنه قول مندثر لا قائل به، فهم يقولون: الإيمان قول اللسان فقط.\nوالصحيح هو: مادلت عليه النصوص من أن الإيمان قول باللسان، وعقد بالجنان، وعمل بالجوارح، فترتب على هذا الاعتقاد اعتقاد أن الإيمان يزيد وينقص، ولذلك قال: (يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية)، وهذا يخالف فيه كل الفرق التي خالفت في حقيقة الإيمان، فيخالف فيه الجهمية، ويخالف فيه مرجئة الفقهاء، ويخالف فيه الكرامية، ويخالف فيه الخوارج والمعتزلة؛ لأن الخوارج والمعتزلة وإن كانوا يقولون كما يقول أهل السنة والجماعة: الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، ولكنهم يخالفون في زيادة الإيمان ونقصانه، ويقولون: الإيمان شيء واحد، إما أن يثبت جميعًا وإما أن ينتفي جميعًا، هذا هو قولهم فيما يتعلق بالإيمان.\nقال: (قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]) وهذا فيه دليل على ما تقدم من أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، وبين ذلك المؤلف ﵀ فيما قال: (فجعل عبادة الله وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين، وقال ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فجعل القول والعمل من الإيمان، وقال: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]) .\nوبهذا فرغ المؤلف من الاستدلال لبيان حقيقة الإيمان وأنه قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، ثم انتقل إلى دليل الزيادة والنقصان، فذكر قوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤] .\nثم قال: (وقال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤] وقال ﷺ: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال برة أو خردلة أو ذرة من الإيمان) فجعله متفاضلًا)، وهذا دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، أما الزيادة فبالنص، وأما النقصان فبالمفهوم، كما قال سفيان بن عيينة لما سئل: أينقص الإيمان؟ قال: (إنه لا يزيد شيء إلا وينقص) .","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>هل يدخل جنس العمل في مسمى الإيمان</span>\nثم اعلم أن من المسائل التي يكثر الكلام فيها مسألة دخول جنس العمل في مسمى الإيمان، يعني: إذا لم يعمل الإنسان شيئًا بالكلية وإنما قال بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأقر بقلبه بالألوهية لله، وبالرسالة لمحمد ﷺ، فهل يكفي هذا في الإسلام وتحقق الإيمان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا يكفي، وقد خالف في هذا مرجئة الفقهاء، وتبعهم بعض من تبعهم ممن ينتسب إلى السلف وقال: إن هذا هو اعتقاد السلف، وهذا غلط وخطأ وجناية على السلف فيما قالوا، فليس في كلام السلف شيء يدل على ما ذكر من أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، بل كلامهم واضح وجلي في خلاف هذا وأن العمل من الإيمان.\nوقول من يقول: إن تخلف جنس العمل لا يؤثر قول محدث تكذبه الأدلة من الكتاب والسنة، ويكذبه ما نقل عن سلف الأمة من أن الإيمان قول باللسان، وعقد بالجنان، وعمل بالأركان.\nومن قال هذا القول إنما تأثر بقول من قال من مرجئة الفقهاء: إن العمل ليس من الإيمان، ولا فرق بين هذا وذاك في الحقيقة، وإذا تأمل الإنسان لم يجد فرقًا بين من يخرج جنس العمل عن مسمى الإيمان وبين من يقول: إن الإيمان قول باللسان، وإقرار بالقلب كما هو قول مرجئة الفقهاء.\nوالمشكلة أن الذين يقولون بهذا القول إنما قالوا به نتيجة الفرار من التكفير في بعض الأعمال، وهذا هو منشأ قولهم، فمنشأ قول مرجئة الفقهاء إنما كان ردة فعل للخوارج الذين كانوا يكفرون الأئمة ويكفرون المسلمين بكبائر الذنوب.\nولما كان الإيمان عندهم أصلًا واحدًا أشكل عليهم ما يقوله الخوارج من أنه إذا كان الإيمان شيئًا واحدًا فإما أن يثبت جميعًا أو أن ينتفي جميعًا؛ فقال مرجئة الفقهاء: إن الإيمان شيء واحد إما أن يثبت جميعًا وإما أن ينتفي جميعًا وليس منه العمل، فأخرجوا العمل حتى يسلم لهم بقاء الإيمان فيما إذا خالف الإنسان بسرقة أو زنا أو شرب خمر أو بغير ذلك من الأعمال المحرمة التي نفى الله ورسوله الإيمان عن فاعلها، فكان أول قولهم ردة فعل ثم تكوَّن بعد ذلك هذا المذهب، وهو مذهب المرجئة.\nوأما من ينصر هذا وينسبه إلى السلف من المتأخرين، فكذلك تكرر الأمر، فهناك -مثلًا- من يكفر بترك الصلاة، ومن يكفر بالحكم بغير ما أنزل الله، فلما رأى هؤلاء أن التكفير بهذه المسائل خلافي وسعوا الخلاف وجعلوا المسألة لا تتعلق بهذين العملين وبالتكفير فيهما أو بأشباههما، وإنما قالوا: لا نكفر بالعمل إلا باستحلال أو بانتفاء عقد جنان، أو بترك القول بالشهادة، فوقع فيما وقعوا فيه سلفهم من مرجئة الفقهاء.\nفالواجب على المؤمن أن يتحرى في عقيدته ما دل عليه الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، وألا يكون عقده ودينه عرضة لردود الأفعال، فإن من كان كذلك يوشك أن يرد الباطل بالباطل، والواجب على المؤمن أن يرد الباطل بالحق لا أن يرده بباطل مثله، فإنه لا ينفع نفسه ولا يرد الشر عن المسلمين برد الباطل بالباطل، وهذه مسألة قد ألفت فيها مؤلفات، وكتب فيها كتب وكتيبات، وإنما أحببنا أن نشير إلى بعض ما في هذه المسألة، ومن طلب المزيد فليرجع إلى ما ذكره العلماء في ذلك.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>وجوب الإيمان بكل غيب أخبر به النبي ﷺ</span>\nقال المؤلف ﵀: [ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا منامًا، فإن قريشًا أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات، ومن ذلك: أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فرد عليه عينه] .\nابتدأ المؤلف ﵀ هذا الفصل بوجوب الإيمان بالغيب، وبكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون في الدنيا ومما يكون في الآخرة.\nقوله ﵀: (ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه، فيما شاهدناه أو غاب عنا) هذا الإيمان يسمى (الإيمان المجمل) الذي يجب أن يقر في قلب كل مؤمن، وهو أن يعتقد ما قاله ﷺ ويؤمن به، ويصدق به، وأنه حق على حقيقته، هذا هو الواجب على أهل الإيمان، سواء علموه أو لم يعلموه، أدركوه أو لم يدركوه، ظهر لهم أو خفي، من عالم الغيب أو من عالم الشهادة، فيجب أن يؤمنوا بكل ذلك.","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>من خصائص المؤمن الإيمان بالغيب كله</span>\nومن خصائص أهل الإسلام وأهل الإيمان أنهم يؤمنون بالغيب، ولذلك قال تعالى في أول صفة ذكرها لأهل الإيمان في كتابه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [البقرة:٢-٣]، فأول صفة ذكرها لعباده المتقين الذين يهتدون بالقرآن أنهم يؤمنون بالغيب، وهو الذي يميز بين أهل التقوى والدين والإيمان، وبين أهل الحجود والكفر والإعراض، فيجب على المؤمن أن يؤمن بكل ما أخبر به تعالى في كتابه، أو أخبر به رسوله ﷺ إيمانًا جازمًا لا يدخله ريب ولا شك.\nوهذا هو الإيمان المجمل، ولذلك قال: (يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ)، أي: سواء علمناه أو لم نعلم، بلغنا أو لم يبلغنا، فيجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ.\nقال: (وصح به النقل عنه)، أي: ما أخبر به في الكتاب، أو صح به النقل عنه، فالأول يشمل الكتاب والسنة، وأما قوله: (أو ما صح به النقل) فهذا يختص بالسنة؛ لأن النقل إنما تطلب صحته فيما كان من خبر النبي ﷺ بخلاف خبر الله ﷿.\nقوله: (فيما شاهدناه)، أي: فيما أدركناه، ووقع عليه بصرنا وهو من عالم الشهادة.\nوقوله: (أو غاب عنا) يعني: مالم ندركه ولم نشاهده.\nقوله: (نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ماعقلناه وجهلناه): ما عقلناه: أي: ما أدركته عقولنا وفهمته، وما لم تدركه عقولنا ولم تفهمه، فالواجب الإيمان بجميع هذا، ولا يوقف الإنسان إيمانه بما أخبر الله به ورسوله على إدراك العقل وفهمه، فإن العقل قد يحار في إدراك خبر من الأخبار أو إدراك أمر من الأمور، لكنه لا يجوز له أن يتوقف في إيمانه بذلك، بل يجب عليه أن يؤمن بما أخبر الله به ورسوله.\nوالشريعة تأتي بما يحار فيه الإنسان، لكنها لا تأتي بما تحيله العقول، أي: تتحير في إدراكه وكيفية وحقيقته، فلا يمكن أن تأتي الشريعة بما تحيله العقول، أي: بما تمنعه العقول وتقول إنه مستحيل.\nفيجب الإيمان بما أخبرت به الشريعة، سواء أدركنا ذلك بعقولنا أم لم ندركه، يعني: أدركنا حقيقته بعقولنا أو لم ندرك ذلك.","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>وجوب الإيمان بالإسراء والمعراج</span>\nيقول ﵀: (ولم نطلع على حقيقته معناه)، ثم مثل لذلك فقال: (مثل حديث الإسراء والمعراج) .\nوالإسراء: هو انتقال النبي ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، فأسرى الله ﷿ برسوله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، هذا هو الإسراء، وقد أخبر به ﷿ في كتابه وسبح نفسه عليه، فدل ذلك على أنه من عظيم قدرته، وأنه دال على عظيم صفاته وكمال قوته جل وعلا.\nوقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] أي: ليرى ويشهد آياتنا الدالة على صدق خبرنا، وقد وقع ذلك له ﷺ.\nأما المعراج فجاء ذكره في القرآن الكريم في سورة النجم في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:١-٩]، وكل هذا كان في تلك الليلة، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١٠-١٢] أي: أتجادلونه وتناقشونه على ما رأى من تلك الآيات العظيمة الكبيرة التي تجلت له وشاهدها في تلك الليلة في معراجه؟! فالمعراج ثابت بالقرآن أيضًا، وثبوته في السنة لا مجال لإنكاره ولا شك فيه ولا ريب، فإن السنة قد دلت على ذلك دلالة واضحة جلية يدركها كل عقل مؤمن وقلب سليم، ولكن هل نحن ندرك كيف كان ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا ندرك كيفية ذلك؛ لأن إدراك الكيفيات أمر زائد على التصديق بالخبر، فنحن نصدق بالخبر لكننا لا ندرك كيفية ذلك، ولذلك مثل به المؤلف على الأمور التي يجب الإيمان بها وإن كنا لا نعقل معناها، لأنا ولم نطلع ولم نشاهد كيف أسري به ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى سابع سماء، ثم عاد في ليلة واحدة، فكل هذا جرى له ﷺ في ليلة واحدة!","vol":"11","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>بيان أن الإسراء كان يقظة لا منامًا، وكان بالروح والجسد</span>\nيقول ﵀: (وكان يقظة لا منامًا)، وهذا عليه جمهور أهل العلم، ودل عليه كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ، فإن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح لا بالروح وحدها كما يقوله من يقوله، بل كان بهما جميعًا كما دلت على ذلك النصوص، وهو ظاهر كتاب الله وظاهر سنة النبي ﷺ.","vol":"11","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>موقف قريش من الإسراء والمعراج</span>\nقوله: (فإن قريشًا أنكرته وأكبرته): أي: أنكرت الإسراء والمعراج وأكبرته، وعدته من أكبر دلائل كذب النبي ﷺ؛ ولذلك فرحوا به وشنعوا على النبي ﷺ فيه؛ حتى إن بعض أهل الإسلام ممن أسلم مع النبي ﷺ ارتد بسبب ما وقع في قلبه من شك وريب وشبهة من خبر النبي ﷺ، وكان على رأس من أسلم أبو بكر ﵁، لكنه قال لما قالوا له ذلك: (إن كان قال ذلك فهو صادق، فإني أصدقه في أعظم من ذلك، أصدقه في خبر السماء الذي يأتيه في أي ساعة من ليل أو نهار) .\nثم قال: (ولم تنكر المنامات)، أي: لو كان الإسراء منامًا لما كان هناك وجه لإنكار قريش؛ لأن قريشًا لا تنكر المنامات، وإنما أنكرت على النبي ﷺ وجادلت في الإسراء الذي كان بالروح والجسد لا بالروح فقط.","vol":"11","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>مجيء ملك الموت إلى موسى ﵇</span>\nقال: (ومن ذلك)، أي: مما يجب التصديق به وإن لم ندرك حقيقته ولم نعقل كيفيته ما أخبر به النبي ﷺ (من أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فرد إليه عينه) .\nوهذا الخبر جاء من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله بعث ملك الموت إلى موسى ﵇ ليقبض روحه، فجاءه فقال له: إن الله أمرني بقبض روحك، فلطمه موسى ففقأ عينه، فرجع ملك الموت إلى الله جل وعلا وقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، فرد الله ﷿ على الملك عينه، وأمره بأن يذهب إلى موسى وأن يضع يده على جلد ثور فما وقع تحت يده من الشعر فله به سنوات من العمر) الحديث.\nوالشاهد من هذا الحديث هو ما أخبر به النبي ﷺ من فقء عين الملك، فإن هذا مما أخبر به النبي ﷺ وقد لا يدركه كثير من الناس، فعدم إدراكهم له وعدم تصورهم لذلك لا يعني أنه يسوغ لهم أن ينكروه وأن يردوه، بل الواجب عليهم أن يؤمنوا به ويقبلوه.\nوهذا مثال آخر ذكره المؤلف لما يجب الإيمان به مما أخبر به النبي ﷺ، وصح به النقل مما غاب عنا ولم نعلم حقيقته وكيفيته.\nوالله أعلم.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"11","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>شرح لمعة الاعتقاد [١٢]</span>\nما سيأتي من أشراط الساعة، وما سيحصل في البرزخ ويوم القيامة؛ كله من الغيب الذي يجب على المسلم الإيمان به، وكذلك ينبغي على المسلم الاستعداد لذلك بالطاعة وتجنب المعصية.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>من الإيمان بالغيب الإيمان بأشراط الساعة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ومن ذلك أشراط الساعة، مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل] .\nهذا الفصل لما بدأه المؤلف ﵀ بقوله: (ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه)، علمنا أنه يتكلم عما يتعلق بالإيمان بالغيب، وقلنا: إن الإيمان بالغيب من أوصاف المتقين التي يجب على المؤمن أن يتحلى بها، فإنه لا تقوى ولا إيمان إلا لمن صدق النبي ﷺ فيما أخبر به من أمر الغيب، سواء أدرك حقيقته ومعناه، أم لم يدرك حقيقته ومعناه.\nومثل المؤلف ﵀ لما يجب الإيمان به مما أخبر به النبي ﷺ وصح النقل عنه بالإسراء والمعراج، فإن حديث الإسراء والمعراج مما لا تدرك العقول حقيقته ويصعب عليها إدراك كيف كان ذلك للنبي ﷺ، لكنه من آياته ﷺ، كذلك مثل بما جاء من الخبر في قصة مجيء ملك الموت لموسى ﵇.\nوهنا يقول ﵀ في صلة ما وقفنا عليه: (ومن ذلك)، أي: ومما يجب الإيمان به مما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه ﷺ (أشراط الساعة)، فقوله: (ذلك) المشار إليه هو ما تقدم في أول الفصل.\nوقوله: (أشراط الساعة)، أشراط: جمع شرط، بفتح الراء وهي العلامة، والمقصود بأشراط الساعة: علاماتها التي تدل على قربها ودنوها.","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>بعثة النبي ﷺ من أشراط الساعة</span>\nوأعظم هذه العلامات وأولها ظهورًا بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والتي تليها)، وقد أشار الله جل وعلا إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] فجعل انشقاق القمر مقارنًا لاقتراب الساعة، وانشقاق القمر هو ما جرى من الآية العظيمة للنبي ﷺ في مكة كما جاء عن ابن مسعود وغيره في الصحيح وغيره: (أن الله شق للنبي ﷺ القمر فلقتين: فلقة على الجبل، وفلقة دونه، فرآه أهل مكة، فقالوا: سحرنا محمد)، فهذا أيضًا من الآيات الدالة على قرب الساعة.","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>أقسام أشراط الساعة</span>\nوالأشراط تتنوع، وقد أخبر بها النبي ﷺ في أحاديث كثيرة مستفيضة، فلا إشكال في ثبوت علامات الساعة وأشراطها، فإنه قد جاء الخبر عنها في كتاب الله ﷿ في قوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَزِفَتْ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم:٥٧-٥٨]؛ فهاتان الآيتان في سورة النجم فيهما الدليل على قرب الساعة وقرب علاماتها؛ لأن الله ﷿ أخبر بأن النبي ﷺ نذير من النذر الأولى، ثم أخبر بقرب الساعة لما ذكر نذارة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورسالته.\nفأشراط الساعة كثيرة متنوعة ثبتت بكتاب الله ﷿ وبسنة النبي ﵌، وهذه العلامات تنقسم إلى أقسام: قسم منها ظهر في عهد النبي ﷺ، كبعثته وانشقاق القمر وما أشبه ذلك من الآيات التي أخبر بها ﷺ وظهرت في زمانه.\nوقسم منها ظهر بعد موته ﵌، وهذا ينقسم إلى قسمين: آيات وأشراط صغرى، وهي كثيرة لا حصر لها، ومنها ما رواه مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل عن الساعة، فقال النبي ﷺ في جواب جبريل: (ما المسئول عنها بأعلم بها من السائل)، ثم سأله عن علاماتها وأماراتها، فذكر من ذلك: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى العراة الحفاة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)، فهذه من العلامات التي أخبر بها النبي ﷺ وجاءت في حديث اتفقت الأمة على قبوله والعمل به، فهو من أصح الأحاديث، وهذا الذي تضمنه الحديث هو من علامات الساعة الصغرى.\nالقسم الثاني من علامات الساعة: العلامات الكبرى، وهذه العلامات ليست على درجة واحدة، بل هي متفاوتة في الدلالة على قرب الساعة، فمنها ما يكون بين يدي الساعة مباشرة، وهو ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: (إن أول ما يكون من الآيات خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها) ثم قال النبي ﷺ: (فأيهما كانت قبل كانت التي بعدها تليها) فهذا يدل على أن الأولية في أشراط الساعة الكبرى نسبية، فمنها ما يكون قريبًا ومباشرًا للساعة يدل على اختلال نظام الكون وقرب حصولها، ومنها ما يكون من العلامات الكبار والأشراط البينة الكبرى، لكنها ليست قريبة بين يدي الساعة، أي: ليست في القرب كالتي أخبر بأنها أول ما يكون من شأن الساعة، وذلك كخروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك من الآيات التي أخبر بها كالخسف الذي يكون في المغرب، والخسف الذي يكون في المشرق، والخسف الذي يكون في جزيرة العرب.","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>فائدة معرفة أشراط الساعة وعلاماتها</span>\nهذه الأشراط كلها علامات تدل على الساعة وتبين وتوضح قربها، والواجب على المؤمن أن يستشعر قرب الساعة لا بمجرد آية أو آيتين، بل بمجموع هذه الآيات، ومنها بعثة النبي ﷺ، وقد أخبر الله ﷿ بقرب الساعة ودنوها فقال: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١] وقوله تعالى: ﴿أَزِفَتْ الآزِفَةُ﴾ [النجم:٥٧]، وما إلى ذلك من الآيات التي أخبر الله ﷿ بقرب الحساب وقرب قيام الساعة التي يقوم الناس فيها لرب العالمين.\nفالواجب على المؤمن ألا ينتظر آية معينة يستدل بها على قرب الساعة، بل الآيات كثيرة منتشرة منها ما حصل ومنها ما سيحصل، ومنها ما هو واقع وحاصل في دنيا الناس، ومن ذلك: ما أخبر به النبي ﷺ كما في الصحيحين بقوله: (لا تقوم الساعة حتى يقل العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، وتشرب الخمر)، فهذه علامات قائمة في دنيا الناس اليوم، فإن العلم قليل والجهل منتشر، والزنا فاشٍ، وإن كان لا يلزم من فشوه أن يكون فاشيًا في كل بلاد العالم، لكن ظهور الزنا فيما نسمعه وينقل إلينا من ظهوره في بلاد الكفار أمر واضح وجلي، وكذلك شرب الخمر استهان به كثير من الناس من المسلمين ومن غيرهم.\nوالمراد: أن العلامات منها ما يعايشه الناس، ومنها ما قد جاء وفرغ منه، ومنها ما هو مستقبل، أي: يستقبله الناس ولم يأت بعد، فالواجب على المؤمن أن يستفيد من هذه الأشراط لا في حسبها وعدها أو وقعت أو لم تقع، وإنما في الاستعداد لليوم الآخر؛ لأن الله ﷿ إنما ذكرها في مساق التنبيه ولفت النظر إلى قرب قيام الساعة الذي يوجب للإنسان العمل الصالح، ويوجب للإنسان استدراك ما مضى وما فات من صالح العمل، ولذا قال الله ﷿: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨]، وقال النبي ﷺ كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: (بادروا بالأعمال ستًا: الدجال الدابة الدخان طلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة-يعني: يوم القيامة-وخاصة أحدكم) يعني: موته، فهذه الست التي ذكرها النبي ﷺ هي من علامات الساعة، فينبغي للإنسان أن يبادرها، ومنها ما هو من علامات الساعة الكبرى، وهي الأربع الأولى التي ذكرها رسول الله ﷺ.\nفالواجب على المسلم أن يبادر، ولذلك قال النبي ﷺ: (بادروا بالأعمال)، فالفائدة المرجوة من معرفة أشراط الساعة هي المبادرة، لا ما يهتم به كثير من الناس اليوم من عدها، وهل انحسر الفرات عن جبل من ذهب أو لم ينحسر؟ وهل قد حصل خسف في المشرق وخسف في المغرب؟ وما إلى ذلك من خلاف ونزاع في تحديد بعض أشراط الساعة، وإنما المقصود والمراد هو أن يتهيأ لها أهل الإسلام، وأن يستعدوا لذلك اليوم.","vol":"12","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>الأشراط الكبرى للساعة</span>\nثم إن الساعة منها ماهو عام كالساعة التي هي صعق وموت كل بني آدم وجميع الخلائق، ومنها ما يكون خاصًا وهي موت الواحد منا، فإن القيامة الصغرى هي أن تموت، وقد قرر الله ﷿ في كتابه في كثير من المواضع ذكر القيامتين: الخاصة التي تتعلق بكل واحد منا، والقيامة التي تعم الناس ويهلك فيها جميع الخلق.\nإذًا: فائدة بحث هذه الشروط ليس في مجرد عدها أو معرفتها والنظر في وقوعها أو لا، وإنما النظر في المبادرة بالعمل الصالح والاستعداد لها.","vol":"12","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>من أشراط الساعة خروج الدجال</span>\nقال ﵀: (مثل خروج الدجال): وهذا من أشراط الساعة الكبرى، والدجال كما قال النبي ﷺ: (ما من نبي أرسله الله ﷿ إلا وأنذر أمته الدجال)، وجاء عن النبي ﷺ في شأنه وحاله وعمله ما لم يسبقه إليه أحد من الرسل المتقدمين.\nوخروج الدجال أمر مجمع عليه، وهو خروج حقيقي يحصل به من الفتنة والشر ما الله به عليم.","vol":"12","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>من أشراط الساعة نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال</span>\nقال ﵀: (ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله)، وهذا أيضًا مما جاء به الخبر عن النبي ﷺ ودل عليه الكتاب، فإن عيسى رفعه الله تعالى إليه كما قال الله جل وعلا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، فهو مرفوع عند الله جل وعلا لم يمت، ثم ينزله الله ﷿ متى شاء، فإذا نزل في وقت هذه الفتنة العظيمة، فيكون على يديه نهايتها وإبطالها وقتل الدجال.","vol":"12","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>من أشراط الساعة خروج يأجوج ومأجوج</span>\nقال ﵀: (وخروج يأجوج ومأجوج)، وهذا دل عليه قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء:٩٦-٩٧]، فجعل خروج يأجوج ومأجوج مقترنًا باقتراب الوعد الحق.\nويأجوج ومأجوج خلق من خلق الله ﷿ عظيم، وقد أخبر الله في كتابه أن ذا القرنين بنى سدًا يمنعهم من الانتشار والإفساد في الأرض، فإذا أذن الله خرجوا ووقع الفساد منهم، ووقع ما أخبر به النبي ﷺ من الأعمال التي تكون منهم من الكفر والشر الذي يعم الأرض، ثم تبطل فتنتهم ويبطل شرهم بإذن الله تعالى.","vol":"12","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>من أشراط الساعة خروج الدابة</span>\nقال: (وخروج الدابة): وخروج الدابة أمر أخبر الله به في قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ﴾ [النمل:٨٢]، فهذا ما أشار إليه المؤلف بقوله: (وخروج الدابة) .\nوخروج الدابة ثابت في السنة في أحاديث لا مجال لردها، فهي تبلغ حد الاستفاضة والتواتر.\nوالدابة ليس هناك وصف دقيق لها وكيف تكون، ولكن هناك وصف لما تخرج من أجله، وهو: أنه يحصل بها بيان وتمييز المؤمن من الكافر.","vol":"12","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>من أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها</span>\nقال ﵀: (وطلوع الشمس من مغربها): وهذه آية سماوية آفاقية تدل على انخرام نظام الكون، وقد جاءت الإشارة إليها في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، فهذه الآية دالة على خروج الشمس من مغربها، وهي آية عظيمة كبرى تُرد بعدها التوبة ويغلق بابها، ولا ينتفع أحد بعد ذلك بعمل لم يكن قد علمه من قبل، وهذه الآية من أوضح الآيات وأعمها وأظهرها دلالة على دنو الساعة وقربها.\nقال ﵀ بعد ذلك: (وأشباه ذلك مما صح به النقل)، وهو كثير من الآيات الصغرى والآيات الكبرى.","vol":"12","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنته</span>\nقال المؤلف ﵀: [وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة] .\nعذاب القبر: هو ما يكون من العذاب الذي يكون في القبر، ونعيمه: أي النعيم الذي يكون في القبر.\nوعذاب القبر ونعيمه ثابت بالكتاب والسنة، وقد أجمع عليه سلف الأمة، فأدلة الكتاب وأدلة السنة في ثبوته كثيرة.\nيقول المؤلف: (وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة) أي: أمر بالاستعاذة منه في كل صلاة.\nوعذاب القبر: أي العذاب الواقع في القبر، وهذا من باب إضافة الشيء إلى محله، وليس هذا حصرًا على القبور، فمن لم يقبر فإنه يدركه عذاب القبر ونعيمه ولو لم يكن في قبر، فهو إضافة للعذاب إلى محله الغالب، وإلا فإن العذاب يكون للمقبور ويكون لغير المقبور.\nودليله من الكتاب قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فأخبر الله ﷿ في هذه الآية بأن آل فرعون يعرضون على النار غدوًا وعشيا، ثم أخبر ما يكون من حالهم يوم القيامة، فقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] .\nومن الأدلة التي يستدل بها العلماء على عذاب القبر قول الله ﷿: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح:٢٥] .\nومن الأدلة الدالة على عذاب القبر أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠]، فذكر الله ﷿ حالهم في العذاب وقت قبض أرواحهم، ثم قال: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) فذكر بعد ذلك عذاب الحريق الذي هو عذاب بالنار، نسأل الله السلامة والعافية.\nوالمراد: أن الأدلة الدالة على العذاب الواقع في القبر كثيرة، وكذلك النعيم فإن أدلته كثيرة في سنة النبي ﷺ.\nوقوله: (وقد استعاذ النبي ﷺ منه) أي: من عذاب القبر، وذلك فيما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (استعيذوا بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) وقد قال ابن عباس: (إن النبي ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن) وقالت عائشة ﵂ كما في الصحيحين (إن النبي ﷺ كان يستعيذ من أربع: من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)، وهذا العذاب يستحقه كل من كان كافرًا بالله العظيم، فإنه يعذب في القبر عذابًا دائمًا كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦] ولم يذكر لذلك منتهى، ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، ففهم من هذا أن عذابهم دائم ومستمر.\nالنوع الثاني من العذاب: العذاب المنقطع، وهو ما يكون لبعض العصاة الذين يعذبون جزاء ما اقترفوا من جرم وما وقعوا فيه من ذنب، ثم يرفع عنهم العذاب.\nومن أدلة أن العذاب في القبر متفاوت من حيث الدوام وعدمه، ومن حيث الشدة والخفة، حديث ابن عباس ﵁ في قصة مرور النبي ﷺ على القبرين حيث غرز على كل قبر جريدة وقال ﷺ: (لعله يخفف عنهما مالم ييبسا)، فدل ذلك على أن عذاب القبر ليس على درجة واحدة، بل هو متفاوت من حيث الشدة والخفة، وهو أيضًا متفاوت من حيث الدوام والانقطاع، فالكفار عذابهم فيه دائم، وأما أهل الإسلام الذين وقع منهم بعض المعاصي التي يستحقون العقوبة من أجلها في القبر فإنه قد يكون منقطعًا، وهذا العذاب الذي يصيب بعض أهل الإسلام في القبر يكفر الله به عنهم من الخطايا، ويكون حاطًا عنهم ما قد يعاقبوا بسببه في النار، فهو من جملة ما يصاب به المسلم، ويكفر به من خطاياه، حتى لا يعاقب عليها في الآخرة.","vol":"12","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>عذاب القبر ونعيمه حق</span>\nقال المؤلف ﵀: [وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة، وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق، والبعث بعد الموت حق، وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١]، ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهمًا، فيقفون في موقف القيامة، حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ، ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل] .\nما ذكره ﵀ هو في بيان ما يجب الإيمان به واعتقاده مما يندرج تحت الإيمان باليوم الآخر.","vol":"12","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>فتنة القبر</span>\nقال: (وفتنة القبر حق) أي: الامتحان الواقع للموتى في قبورهم إذا دفنوا، فإن أهل القبور إذا دفنوا يمتحنون ويختبرون ويسألون ويقال للميت: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهذا السؤال يسأله الإنسان سواء قبر أو لم يقبر، لكن من كان سيقبر فإنه سيسأل في قبره؛ لحديث أنس وغيره، أن النبي ﷺ قال: (إذا وضع العبد في قبره أتاه ملكان)، فإتيان الملكين هو من أجل السؤال، وهو الفتنة التي تكون في القبر، وقد أخبر النبي ﷺ بفتنة القبر وبينها في أحاديث مستفيضة تبلغ حد التواتر، فلا مجال لإنكارها ولا للتكذيب بها، وهذه الفتنة هي لجميع أهل التكليف، أعني: هي لجميع من كان مكلفًا.","vol":"12","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>هل يفتن الأنبياء والشهداء في قبورهم</span>؟\nواختلفوا في الأنبياء هل يفتنون أم لا؟ والصحيح: أنهم لا يفتنون؛ لأن الأنبياء هم المسئول عنهم لا المسئولون، كما أنهم اختلفوا في الشهداء هل يفتنون أم لا؟ والصحيح: أنهم لا يفتنون؛ لقول النبي ﷺ: (كفى ببارقة السيوف فوق رءوسهم فتنة)، فهذا مما يعطاه أهل الشهادة.","vol":"12","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>هل يفتن الصغير والمجنون والمعتوه في قبورهم</span>\nواختلفوا فيمن مات دون البلوغ، ومن بلغ وهو مجنون أو معتوه لا عقل له، فهل هؤلاء يفتنون أم لا؟ على قولين لأهل العلم: فمنهم من قال: إنهم يفتنون ويمتحنون، وهذا قول أكثر أهل العلم.\nوالقول الثاني: أنهم لا يفتنون ولا يختبرون؛ لأنه ليس معهم عقل، وهذا في حق المجانين، وليس عليهم تكليف من أجل أن تقع عليهم الفتنة والاختبار، وهذا في حق الصغار.\nوالذين قالوا بالفتنة استدلوا بما رواه مالك وغيره: أن أبا هريرة كان إذا صلى على جنازة قال: (وقه عذاب القبر)، ومن جملة ما يكون في عذاب القبر ما يكون من الفتنة؛ لأن الفتنة قد يعقبها العذاب، فاستدل بعضهم بهذا على أن الصغار ومن لا عقل له يفتنون، والذي يظهر أنهم يفتنون والعلم عند الله، ولكن هذه الفتنة لا شيء فيها عليهم؛ لأن من لا عقل له يمتحن يوم القيامة، فإن أجاب دخل الجنة وإن امتنع ولم يجب فإنه يكون من أهل النار، والله حكم عدل كما قال عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤] .","vol":"12","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>الرد على من أنكر فتنة القبر وعذابه</span>\nيقول ﵀ في بيان الفتنة: (وفتنة القبر حق)، أي: ثابتة لا مجال لإنكارها وردها، ومن أنكرها من المعتزلة وغيرهم إنما أنكروها لكون عقولهم قصرت عن إدراك هذه الفتنة العظيمة التي تكون في القبور، وقالوا أيضًا: إننا نفتح القبر ولا نرى ملائكة تسأل، ولا بدنًا يُقعد، ولا نراه يضرب بمرزبة من حديد وما أشبه ذلك مما جاء به الخبر في فتنة القبر.\nوالجواب عن هذا أن يقال: إن ما ذكره النبي ﷺ من الإقعاد والسؤال إنما هو في الأصل للروح لا للبدن، وذلك أن دار البرزخ التي بين الدنيا والآخرة يقع الحكم فيها على الأرواح لا على الأبدان، وما يكون مما ذكر بلوغه للبدن أو ظهر أثره حسًا على الأبدان إنما هو تبع، وإلا فالأصل أن أحكام دار البرزخ تتعلق بالأرواح ولا تتعلق بالأبدان، فالبدن لا يظهر عليه إقعاد، ولا يظهر عليه أثر الضرب الذي أخبر به النبي ﷺ لمن لم يجب ولم يوفق في فتنة الملكين، فإنهما كما في حديث أنس في الصحيحين: (يضربانه بمرزبة بين أذنيه أو بمطرقة من حديد يبن أذنيه فيصيح فيسمعه كل أحد إلا الثقلين) فهذا إنما يكون على الروح لا على البدن.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ وأيضًا ابن القيم أنه قد يظهر أثر ذلك على البدن، وقد يقوى اتصال الروح بالبدن، فيقعد البدن، ولا تقل: كيف؟ فإن هذا أمر لا ندركه نحن، فإننا لو فتحنا القبر أو وضعنا جهاز تصوير بعد الدفن فلن نجد بدنًا يقعد، ولا ملكًا يأتي؛ لأن البدن متعلق بالروح، والآن الروح يحصل لها ما ذكر النبي ﷺ من الانتقال والسؤال وما إلى ذلك، ولا يظهر على البدن أثر، كما أن الإنسان إذا نام ورأى في المنام أنه يدخل في عراك وقتال تجده يتأثر ويستيقظ فزعًا، وقد يجد أثر هذا على بدنه وهو في منام؛ لأن الروح مرتبطة بالجسد، والحكم في الدنيا الأصل أنه على الأجساد، فكذلك ما أخبر به النبي ﷺ من عذاب القبر ونعيمه، فالأصل فيه أنه واقع على الأرواح وما يكون للأبدان إنما هو تابع، وهكذا ما يكون من نعيم الروح في الدنيا فهو تابع لنعيم البدن، أما الآخرة فيقترن الروح بالبدن اقترانًا تامًا في التعذيب والتنعيم، أي: في العذاب والنعيم، فيكون عليهما جميعًا.\nفالذين أنكروا ما أخبر به النبي ﷺ من عذاب القبر ومن فتنة القبر، ومن سؤال منكر ونكير وما أشبه ذلك، إنما اعتمدوا في الإنكار على العقل والحس، وقالوا: لا ندرك ذلك ولا نشاهده.\nفنقول: نعم، أما العقل فلا مجال لإعماله فيما أخبر به النبي ﷺ مما يكون من أمر الغيب؛ لأنه بأي عقل يوزن خبر الله وخبر رسوله؟ كما قال الإمام مالك: ليت شعري بأي عقل نزن الكتاب والسنة؟! وأما الحس فنقول: إن الحكم ليس على الأبدان حتى تعترضوا، وإنما الحكم في دار البرزخ على الأرواح لا الأبدان.","vol":"12","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>سؤال منكر ونكير للميت وسبب تسميتهما بهذين الاسمين</span>\nثم قال ﵀: (وسؤال منكر ونكير حق): هذا بيان تفصيل الفتنة، وأن الفتنة تكون بسؤال منكر ونكير.\nومنكر ونكير ملكان كريمان، وإنما سميا بهذين الاسمين منكَر-بفتح الكاف- ونكير؛ لأنهما لا يعرفهما الإنسان، فهما غير معروفين لمن يأتيان إليه، فالنكارة هنا ليست لفعلهما، ولا لحالهما، وإنما النكارة لكون الإنسان يجهلهما.\nوقيل: إنهما يأتيانه على صورة منكرة فظيعة، تدهش العقول وتذهب الألباب، وتذيب القلوب، وهذا الموقف هو الذي يحصل به الفضل لأهل الفضل كما في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فالثبات الذي يكون في الآخرة منه ما يكون في القبر عند سؤال منكر ونكير، بل هو سبب نزول هذه الآية كما في الصحيح، فهذان الاسمان لهذين الملكين إنما هما في الحقيقة وصف لحالهما وليس تقليلًا لشأنهما، فهما من الملائكة الكرام الذين سخرهم الله ﷿.\nوقد جاء إطلاق هذين الاسمين عليهما في السنة فيما رواه ابن حبان في صحيحه، وأيضًا جاء في مسند الإمام أحمد، فهذان الاسمان لهذين الملكين ثبتا بالسنة، وإن كان بعض أهل العلم يضعف ما ورد في ذلك.\nثم قال: (والبعث بعد الموت حق): البعث هو ما أخبر به الله به ﷿ من قيام الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلًا، ولعلنا نترك التفصيل بما يتعلق بالبعث إلى الدرس القادم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"12","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>شرح لمعة الاعتقاد [١٣]</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بكل ما ورد من أخبار النبي ﷺ في أمور الآخرة، ومن ذلك: الشفاعة العظمى الخاصة بالنبي ﷺ، وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه أهل الموقف، ثم ما يتبع ذلك من حساب ونصب للموازين، ووزن للأعمال، وتطاير الصحف، ونشر للدواوين، والجواز على الصراط.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>الإيمان بحشر الخلائق</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهمًا، فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ، ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-١٢] .\nوالميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣]] .\nهذا صلة لما تقدم من الكلام على الإيمان باليوم الآخر، والمؤلف ﵀ ذكر شيئًا مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر ولم يستوعبه، وقد تقدم أن الإيمان باليوم الآخر يقتضي الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يكون بعد الموت، كما قال ﵀: (والبعث بعد الموت حق)، ثم قال: (وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور) (فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١]) .\nوقد جاء النفخ في القرآن في ثلاثة مواضع: الموضع الأول قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧]، هذه النفخة الأولى وتسمى نفخة الفزع.\nوالنفخة الثانية والثالثة في سورة الزمر في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، فحصل من هذا ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام والبعث.\nوالمؤلف ﵀ ذكر في هذه الآية نفخة البعث التي يقوم بها الناس لرب العالمين، كما قال الله ﷿: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١-٣]، ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤-٦]، فهذا القيام عقب النفخ هو الذي يقوم به الناس من قبورهم، ويحشرون به إلى ربهم، قال ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] أي: يأتون من كل مكان، ويجتمعون من كل صوب، والنسل في قوله تعالى: (ينسلون) يدل على كثرة وعظم هذا البعث، وأنه بعث عظيم يأتي بالناس ويجمعهم من كل مكان.\nقال ﵀: (ويحشر الناس يوم القيامة) .\nبعد أن ذكر البعث وقيام الناس لرب العالمين ذكر الحشر، ويحشرون: أي يجمعون، وهذا الجمع ليس خاصًا بالناس، وإنما خصهم المؤلف ﵀ بالذكر لكونهم هم الذين يقصدون بالبعث والنشور والحشر؛ لأن مقصود الحساب والجزاء أن يتبين أهل السعادة وأهل الشقاء، وأما بعث ونشر وحشر غيرهم فهو تابع، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥]، فالوحوش تحشر وتجمع، وقال تعالى في حشر الخلائق:: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨]، أي: كل ما طار وما درج وكل ما خلقه الله ﷿ يحشر يوم القيامة، فكل ذي حياة يبعث يوم القيامة ويؤتى به إلى أرض المحشر.\nقوله ﵀: (ويحشر الناس) تخصيص لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، فيحشرون ويجمعون على الصفة التي ذكرها الله ﷿.\nوسمى اليوم بيوم القيامة؛ لأنه ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، ولأنه اليوم الذي يقام فيه الميزان بالقسط، ولأن الله ﷿ يقيم فيه العدل؛ فهذا هو سبب تسمية هذا اليوم بيوم القيامة.\nقال ﵀ في صفة حشر الناس: (حفاة عراة غرلًا بهمًا)، وهذه الأوصاف جاءت بها السنة، ففي حديث ابن عباس في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنكم ملاقو ربكم حفاة عراة غرلًا)، وأما زيادة: (بهمًا) فجاءت في مسند الإمام أحمد بسند لا بأس به، قال رسول الله ﷺ: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهمًا، قالوا: ما بهمًا يا رسول الله؟ قال: ليس معهم شيء)، أي كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام:٩٤]؛ فكل الناس يأتي يوم القيامة ليس معه شيء من هذه الدنيا إلا ما كان من العمل الصالح، كما قال النبي ﷺ في الصحيحين: (يأتي الرجل يوم القيامة فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه -جهة شماله - فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار)، وإنما ذكر العمل عن اليمين وعن اليسار؛ لأن به يحصل فكاكه مما بين يديه.\nيقول المؤلف ﵀ في بيان ذلك الموقف: (حفاة): أي ليس معهم شيء يقي أقدامهم، (عراة): ليس معهم ما يستر أجسادهم، (غرلًا): قد تم خلقهم فلا نقص فيهم بوجه من الوجوه، حتى هذه القطعة التي تؤخذ من الذكور عند ختنهم بعد ولادتهم تعاد: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، فلا يضيع شيء من خلق الناس: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤]، أي: يحفظ كل قطعة وكل جزء وكل ذرة من خلق الإنسان، ويعلم أين ذهبت؛ فيجمعها الله ﷿ ويتركب منها هذا الخلق يوم القيامة.\nقال: (فيقفون في موقف القيامة)، أي: في أرض المحشر يقفون قيامًا على أقدامهم في ذلك اليوم الشديد العصيب.","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>الشفاعة العظمى للنبي في الموقف</span>\nقال ﵀: (حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ) .\nفإنهم يقفون مدة طويلة، وهذه المدة ليست مدة لهو وابتهاج ونظر؛ إنما هي مدة عظيمة طويلة يطولها الله على أهل المعصية والكفر، ويقصرها جل وعلا ويخففها على أهل الإيمان والتقى والصلاح الذين قال الله فيهم: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨]، اللهم اجعلنا منهم! يقول النبي ﷺ فيما رواه الإمام مسلم من حديث المقداد بن الأسود: (تدنو الشمس يوم القيامة من رءوس الخلائق.\nقدر ميل أو ميلين، فيكون الناس في عرقهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه العرق إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه العرق إلى حقويه - يعني إلى منتصف جسمه - ومنهم من يأخذه العرق إلى ثدييه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا)، هكذا يتفاوت الناس في شدة ذلك اليوم بسبب صهر الشمس لهم بقدر ما كان من أعمال لهم في هذه الدنيا قف الآن في الشمس وانظر مدى أثرها عليك، وهل تطيق ذلك أو لا؟ فما ظنك بهذه الشمس عندما تدنو من رءوس الخلائق قدر ميل أو ميلين، والميل إما أن يكون ميل المكحلة، وهو الجزء الذي يدخل في أداة الاكتحال، وإما أن يكون المسافة المعروفة، وكلاهما قريب.\nيقف الناس في ذلك الموقف العصيب الشديد، ثم يضيقون لطول الموقف وشدته، فيطلبون فكاكًا من ذلك الموقف، ويطلبون شفاعة سادات الخلق وهم الرسل الكرام، فيبدءون بآدم أبي البشر، فيأتون إليه ويقولون له: يا آدم! أنت الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، فاشفع لنا، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! يعنون: من الشدة والكرب، فيقول: لست لها، اذهبوا إلى نوح، فيذهبون إلى نوح فيعتذر ويحولهم إلى إبراهيم، فيعتذر إبراهيم ويحولهم إلى موسى، فيعتذر موسى ويحولهم إلى عيسى وهكذا أربعة من أولي العزم من الرسل خامسهم آدم ﵇، فيحولهم عيسى ﵇ إلى النبي ﷺ.\nفيأتون إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك الموقف الشديد العظيم فيقولون: ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟! فيقول النبي ﷺ: (أنا لها، أنا لها)، فيقوم ﷺ ويخر لله ﷿ ساجدًا، فيقال له: (ارفع رأسك، واشفع تشفع) فيشفع النبي ﷺ في فصل القضاء، أي: أن يأتي الله جل وعلا لفصل القضاء بين الخلائق، وهذه هي الشفاعة العظمى التي اختص بها رسول الله ﷺ، وهو المقام المحمود الذي يحمده عليه الناس كلهم مسلمهم وكافرهم.\nوهذه الشفاعة لجميع الخلق مسلمهم وكافرهم؛ لأن الموقف موقف عظيم يضيق بالناس، سواء المسلم منهم والكافر، ولذا فإن هذه الشفاعة فيها نوع شفاعة للكفار، لكنها لا تنفعهم في الحقيقة، إذ إن ما يقبلون عليه وما يقدمون إليه أعظم مما خلفوا، فهو يشفع فيهم ليتخلصوا من شدة وكرب الموقف وينتقلوا إلى النار؛ نعوذ بالله من الخذلان والكفران، وهناك يكون الأمر أشد وأعظم.\nوهذه الشفاعة مشار إليها أيضًا عند أنواع الشفاعة، وهي الشفاعة العظمى والمقام المحمود الذي يحمد فيه النبي ﷺ كل الخلائق.","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>حساب الله للخلائق يوم القيامة</span>\nقال: (ويحاسبهم الله ﵎)، أي يحاسب الناس، وظاهر هذا أن الحساب لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم.","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>كيفية محاسبة الله للمؤمنين والكافرين</span>\nذكر الله جل وعلا المحاسبة، ووصف حسابه بأنه سريع، ووصف نفسه بأنه سريع الحساب، وهذه المحاسبة لا تختص بأهل الإيمان، بل تكون لأهل الإيمان وأهل الكفر، إلا أن أهل الإيمان حسابهم يسير، كما قال الله ﷿: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] .\nأما من نوقش الحساب فإنه يعذب، كما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من نوقش الحساب عذب، قالت: يا رسول الله! ألم يقل الله ﷿: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] فقال: لا، إنما ذلك العرض)، أي: أن الله ﷿ يعرض الأعمال على أهل الإيمان ويقررهم عليها، لكنه لا يحاسبهم عليها ولا يعاقبهم بها.\nأما الكفار فإنهم يحاسبون؛ لكن محاسبتهم ليست محاسبة موازنة تحصى فيها حسناتهم وسيئاتهم، فينظر أيهما يرجح؛ لأن الكافر لا حسنات له، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، والهباء هو الأشياء المتطايرة في شعاع الشمس، وهل هذه توزن أو يتكون منها شيء؟ لا يتكون منها شيء؛ ولذلك قال الله ﷿ في الكافر: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، أي: لأنه لا عمل له يوزن، لكن المحاسبة التي ثبتت لأهل الكفر هي إحصاء الأعمال وعرضها على الكفار.\nوأما المحاسبة التي توضع فيها الحسنات في كفة والسيئات في كفة؛ فلا تكون لأهل الكفر، لأنهم ليس لديهم حسنات حتى توزن وينظر هل ترجح بما معهم من السيئات أو لا؛ إنما معهم سيئات، وهي التي تهوي بهم في النار، نسأل الله السلامة والعافية.\nأما أهل الإيمان فهم يحاسبون، وحسابهم عرض أعمالهم عليهم، وأيضًا الموازنة بين الحسنات والسيئات، وينقسم الناس في هذا إلى أقسام: منهم من ترجح حسناته، ومنهم من ترجح سيئاته، ومنهم من تستوي الحسنات والسيئات.","vol":"13","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>نصب الموازين للحساب</span>\nيقول ﵀: (وتنصب الموازين)، أي: تقام كما قال الله ﷿: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]، فالله ﷿ يضع الموازين.\nوقول المؤلف: (الموازين)، يظهر منه أن الوزن ليس بميزان واحد بل بموازين متعددة، لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾، أي: الموازين العدل التي لا تحيف ولا تضل، فلا يهضم صاحب الطاعة شيئًا ولا يبخس شيئًا، ولا يحمل صاحب السيئات شيئًا من السيئات لم يعمله، بل هي موازين قسط.\nوالميزان معروف في كلام العرب، وهو ما يوزن به الشيء، والوزن للأعمال هو الأصل، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) .\nولا تقل: كيف يوزن العمل؟ فيوم القيامة شأنه مختلف عن شأن الدنيا؛ فإن الأعمال يكون لها وزن عند الله ﷿ يزنها بها ﷾، فنحن نؤمن بالميزان، لكن لا ندرك كيفية الوزن؛ لأن حقائق ما أخبر الله به مما يكون في الآخرة أمر لا تتصوره العقول بل نؤمن بما أخبر الله به ورسوله على مراد الله وعلى مراد رسوله دون أن نلج وأن ندخل في طلب الكيفيات والحقائق لتلك الأخبار.\nإذًا: ذكرنا أن الأصل في الوزن أن يكون للأعمال، ولكن هل يوزن غير الأعمال؟ نعم يوزن العمال وتوزن الصحائف، كما في حديث عبد الله بن مسعود في مسند الإمام أحمد، حيث قال النبي ﷺ لما ضحك الصحابة من دقة ساقي عبد الله: (أتضحكون من دقة ساقيه! فوالله إنهما لفي الميزان أثقل من جبل أحد)، وفي صحيح الإمام مسلم: أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالرجل الكافر العظيم -العظيم الوزن والجرم- فلا يزن عند الله جناح بعوضة)، فهذا يدل على أن الوزن يكون للعمال كما يكون للأعمال، لكن هل هذا عام في الجميع، الله أعلم؟ والذي نوقن بأنه عام وللجميع هو وزن الأعمال.\nكذلك توزن السجلات، والسجلات هي دواوين العمل التي يسجل فيها ما يكون من الإنسان، ودليل ذلك: ما رواه الإمام الترمذي في جامعه والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الله بن عمرو بسند جيد قال: (يؤتى برجل يوم القيامة ويؤتى معه بتسعة وتسعين سجلًا كل سجل مد البصر، فتوضع في كفة من السيئات، ويؤتى ببطاقة فتوضع في الكفة الأخرى فتطيش تلك السجلات)، وهذه البطاقة فيها لا إله إلا الله، فدل هذا على وزن سجلات الأعمال.\nفقوله ﵀: (وتنصب الموازين)، المقصود فيه الموازين التي توزن بها الأعمال والعمال وسجلات العمل، وهذا كله في حق أهل الإيمان، أما الكفار فليس لهم حسنات توزن، بل كل ما قدموه من حسنات يذهب هباء منثورًا، وهل هذا ظلم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا، تعالى الله عن أن يظلم أحدًا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا)، هذا لكونهم جوزوا وكوفئوا على هذه الأعمال في الدنيا، والله لا يظلم الناس شيئًا؛ فيقدمون يوم القيامة ليس لهم عمل.","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>نشر الدواوين وتطاير الصحف بأعمال العباد</span>\nيقول ﵀: (وتنشر الدواوين)؛ النشر ضد الطي، وهو: البسط والكشف والإشاعة، والدواوين: جمع ديوان، وأصل الديوان: الجريدة التي يتكون منها الكتاب، فالديوان قرطاس من قراطيس الكتاب، فالدواوين هي القراطيس التي يكون فيها عمل بني آدم، وتنشر هذه الدواوين على الخلق، وقد ذكر الله ﷿ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-١٢] .\nيقول ﵀: (وتتطاير الصحائف) الصحائف: جمع صحيفة، وهي الدواوين، وهي صحف الأعمال.\n(إلى الأيمان والشمائل)، أي: أن من الناس من يأخذ كتابه بيمينه -نسأل الله أن نكون منهم- ومنهم من يأخذ كتابه بشماله، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، وهؤلاء هم أهل السعادة أهل التوحيد والإيمان، أهل الإسلام يؤتون كتبهم بأيمانهم، ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، الحساب اليسير هو عرض العمل عليه؛ فيعرضه الله عليه ويقرره به ويقول له: قد غفرت لك، وتطوى تلك الصحائف ويئول إلى الجنة، ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ بفوزه ونجاته.\n﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ وهذا يأخذ كتابه بيده اليسرى، وإنما قال: (وراء ظهره) بناء على سوء الحال، وأن الإنسان يخفي هذه الصحيفة ولا يفرح بها، ويتمنى أن لم تصل إليه لما فيها من سوء الشهادة عليه، وبيان مآله ومصيره، وأنه من أهل النار، ولذلك يخفيها، ولذا قال الله تعالى في صفة أخذها: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق:١٠-١١]، أي يقول: يا ثبوراه! يا ثبوراه! وذلك لما بان له واتضح من عظيم الخسارة، وكثير الفوات الذي حصله في ذلك الموقف.\n﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:١٢]، أي: ويحرق بالنار -نعوذ بالله- ويُصلَى كما تصلي ما تطبخه على النار، كذلك هذا الذي أخذه كتابه وراء ظهره يصلى سعيرًا، وقد ذكر الله ﷿ الأخذ بالأيمان والشمائل في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ [الحاقة:١٩-٢٥] هذا السر يبينه لنا الله فيه كيف يأخذ كتابه من وراء ظهره (فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥-٢٧]، يا ليت الموتة السابقة كانت القاضية ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨-٢٩] .\nهذا الخبر في سورة الحاقة ذكر الله فيه انقسام الناس في أخذ الكتاب؛ فذكر الأخذ بالشمائل، وهنا ذكر موضع الأخذ، وأنه يؤخذ من وراء الظهر.\nومن العلماء من قال: إن الناس في أخذ الكتاب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: منهم من يأخذ كتابه بيمينه، ومنهم من يأخذ كتابه بشماله، ومنهم من يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، والذي يظهر والعلم عند الله: أن الناس ينقسمون في ذلك إلى قسمين: - قسم يأخذ كتابه بيمينه.\n- وقسم يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره.\nولا تعارض بين ما في آية الحاقة، وبين ما في آية الانشقاق؛ فإن آية الانشقاق أخبرت بأنه يأخذه من وراء ظهره، وآية الحاقة أخبرت بأنه يأخذه بشماله.","vol":"13","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>وصف الميزان</span>\nقوله ﵀: (والميزان له كفتان ولسان)، هكذا جاء في بعض الآثار، ويشهد لهذا ما في حديث عبد الله بن عمرو في جامع الترمذي ومستدرك الحاكم؛ حيث ذكر أن السجلات توضع في كفة، والبطاقة التي كتب فيها لا إله إلا الله توضع في الكفة الأخرى، قال ﵀: (وتوزن به) أي بالميزان (الأعمال) وذكرنا أن الوزن يكون للعمل وللعامل وللصحائف ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: وأعماله ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢] اللهم اجعلنا منهم.\nما معنى وصفهم في الآية بالمفلحين، في قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؟ المفلح هو من أمن من الطالب وأدرك المطلوب، فهؤلاء أمنوا مما يخافون ويرهبون، وأدركوا ما يطلبون ويرجون، فتحقق لهم الفلاح.\n﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: خفت وطاشت ولم يكن لها ثقل ترجح بالميزان ﴿فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣] هذا في حق أهل الكفر، وهذا مما يستدل به على أن الكفار يحاسبون وتوزن أعمالهم، لكن الوزن ليس وزن الموازنة بين الحسنات والسيئات؛ لأنهم كما ذكرنا لا حسنات لهم إنما توضع سيئاتهم وتبين بها سوء حالهم ومنقلبهم.","vol":"13","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>صفة الحوض</span>\nقال المؤلف ﵀: [ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا] .\nهذا بيان شيء مما يكون في ذلك الموقف، قال: (ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة)، الحوض: هو مجتمع الماء، فيكون لنبينا محمد حوض في أرض المحشر، دليل ذلك: أن الله جل وعلا قال لنبيه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، ومن الكوثر الذي أعطاه الله ﷿ رسوله ﷺ ذلك الحوض في ذلك الموقف، والأصل في معنى الكوثر: الخير الكثير، والله ﷿ قد أعطى رسوله ﷺ خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة، من ذلك ما خصه به من الحوض المورود، وإنما وصف الحوض بأنه حوض مورود؛ لكثرة من يرده من الناس، وذلك أن حوض النبي ﷺ أكثر أحواض الأنبياء واردًا.\nوفي جامع الترمذي من حديث سمرة: (أن لكل نبي حوضًا، وأعظم الأنبياء حوضًا النبي ﷺ)، والحوض كما هو ثابت في الكتاب فقد تواترت به سنة النبي ﷺ، وأجمع عليه سلف الأمة وعلماؤها وأئمتها، وهو من أعظم ما خص الله به رسوله ﷺ في أرض المحشر.\nقوله: (ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء؛ من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا)، هكذا جاء وصف الحوض عن النبي ﷺ في الصحيحين من حديث أبي ذر وثوبان وغيرهما من الصحابة.\nفإن النبي ﷺ أخبر: (بأن الله قد أعطاه حوضًا ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وعدد كيزانه كعدد نجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ بعده أبدًا)، وجاء في رواية أبي ذر عند مسلم: (طعمه أحلى من العسل)، وجاء أيضًا في رواية ثوبان، وجاء في رواية أبي ذر أيضًا أن: (طوله وعرضه سواء طوله شهر) هكذا جاءت الأحاديث في وصف هذا الحوض، نسأل الله ﷿ أن نكون ممن يرد على رسول الله ﷺ فيه؛ فمن شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا.\nوموضع هذا الحوض قبل الصراط فيما يظهر من سياق ما يكون في الموقف: أنهم يشربون منه قبل أن يردوا الصراط.","vol":"13","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>صفة الصراط ومن يجوزه</span>\nثم ذكر المؤلف ﵀ الصراط قال: [والصراط حق يجوزه الأبرار، ويزِل عنه الفجار] .\nالصراط على وزن فعال بمعنى مفعول، أي: مصروط، والصراط في لغة العرب يطلق على الطريق الواسع الرحب الذي لا ضيق فيه؛ ولذلك قال جماعة من العلماء: إن الصراط واسع؛ لأنه لا يطلق هذا الوصف إلا على ما اتسع، وقال آخرون في وصفه حسب ما جاءت به بعض الآثار من أنه: (أدق من الشعرة وأحد من السيف)، ولا يعارض هذا وصفه بالصراط لكونه صراطًا مسلوكًا يمر عليه الناس، فالصراط هو الجسر المضروب على جسر جهنم، ولا يدخل أحد الجنة إلا بالمرور عليه، فكل من صار إلى الجنة فقد مَرَّ على الصراط.\nوالصراط إنما يمر ويسير عليه أهل الإسلام دون غيرهم، وأقصد بأهل الإسلام كل من كان مسلمًا سواء من هذه الملة أو من الأنبياء من قبل، فأهل الكفر لا يجوزون الصراط ولا يأتون إليه، بل يصار بهم إلى النار ابتداءً، كما في حديث أبي سعيد وأبي موسى في الصحيحين: (أنه ينادى في الناس يوم القيامة فيقال: من كان يعبد شيئًا فليتبعه)؛ فيتبع عباد الشمس الشمس، ويتبع عباد القمر القمر، ويتبع عباد الطواغيت الطواغيت، ويصيرون إلى النار يلقون فيها يكبكبون، كما قال الله ﷿: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء:٩٤-٩٥]، فيلقون فيها إلقاءً.\nأما الصراط فإنه لا يجوزه ولا يمر عليه إلا أهل الإسلام، وذلك أن كل أمة كانت تعبد شيئًا فإنها تتبع ما كانت تعبد، ثم يبقى أهل الإسلام في مكانهم في أرض المحشر؛ فيأتيهم الله ﷿ في الصورة التي يعرفون فيسجدون له، ثم بعد ذلك يجوزون الصراط على حسب أعمالهم.\nيقول ﵀: (والصراط حق يجوزه) أي: يعبره وينفذ منه (الأبرار، ويزل عنه الفجار)، أي، يسقط ويتباطأ سير أهل الفجور والفسق، لكنه ليس زللًا أو سقوطًا مؤبدًا، إنما على حسب ما يكون من العمل.\nالناس في عبورهم على الصراط يتفاوتون كما وضحت السنة: (فمنهم كالبرق، ومنهم كالريح الشديدة، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم كركاب الإبل، ومنهم يمشي على رجليه، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من تخطفه الكلاليب)، أسرعهم من يمر كلمح البصر، ثم بعد ذلك كالبرق، ثم كالريح الشديدة، ثم كأجاويد الخيل، ثم كأجاويد الإبل، على حسب الترتيب السابق، وهذا التفاوت في السير على الصراط ناشئ عن التفاوت في العمل، قال الله ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠]، فالسابقون إلى الطاعات والمبرات والخيرات في الدنيا هم السابقون إلى فضل الله ورحمته، والفوز بالنجاة في الآخرة، والنجاة من النار والفوز بالجنة، نسأل الله أن نكون منهم.\nوالله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"13","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>شرح لمعة الاعتقاد [١٤]</span>\nمن مذهب أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة بأنواعها، واعتقاد أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، وقد خالف في ذلك بعض أهل البدع، وقد ذكر الشيخ حفظه الله في هذه المادة المسائل بدلائلها وما فيها من تفصيلات.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>أنواع الشفاعة في الآخرة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ويشفع نبينا ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحمًا وحممًا؛ فيدخلون الجنة بشفاعته.\nولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨] .\nولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين] .\nهذا المقطع من كلام المؤلف ﵀ فيه بيان لما يكون من أنواع الشفاعة في ذلك اليوم العظيم، وقد تقدمت لنا إحدى الشفاعات التي تكون في ذلك اليوم، وهي شفاعة النبي ﷺ في أهل الموقف في أن يأتي الله جل وعلا لفصل القضاء، ومن الشفاعات التي تكون يوم القيامة: ما ذكره المؤلف ﵀ في قوله: (ويشفع نبينا ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر) .","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>معنى الشفاعة لغة واصطلاحًا</span>\nالشفاعة في اللغة: من الشفع، وهو جعل الفرد زوجًا، ولذلك تسمى الركعتين شفعًا؛ فالشفع: هو جعل الفرد زوجًا.\nهذا من حيث اللغة.\nوأما من حيث المعنى الاصطلاحي: فالشفاعة هي التوسط في جلب الخير أو دفع الضر؛ فتكون الشفاعة دائرة على أمرين: جلب المنفعة ودفع البلاء، وشفاعة نبينا ﷺ وشفاعة من يشفع يوم القيامة هي لدى الله جل وعلا في أن يجلب الخير للمشفوع ويدفع عنه البلاء والشر، وهذه الشفاعة التي تكون يوم القيامة أنواع ودرجات: منها: ما هو للمؤمنين جميعًا؛ وإن كانوا يتفاوتون في نصيبهم منها.\nومنها: ما يكون للأنبياء.\nومنها: ما يكون للنبي ﷺ دون غيره.\nفشفاعة النبي ﷺ تنقسم إلى قسمين: ١- شفاعة خاصة به لا يشركه فيها غيره.\n٢- شفاعة له ولغيره، أي: تكون منه ومن غيره.","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>الشفاعات التي اختص بها النبي ﷺ</span>\nأما الشفاعة التي اختص بها النبي ﷺ دون غيره فهي أنواع: النوع الأول: هو شفاعته في فصل القضاء، وهي الشفاعة العظمى التي يشفع فيها النبي ﷺ عند الله جل وعلا في فصل القضاء وإراحة الناس من الموقف، وقد جاء خبرها في الصحيحين وغيرهما من المسانيد والسنن، وهو أمر مجمع عليه، ولا خلاف فيه بين أهل الإسلام.\nالنوع الثاني: شفاعته ﷺ في دخول الجنة لأهل الجنة، كما في حديث أنس عند مسلم: (أنا أول شفيع في الجنة)، وقد جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: أن أهل الإيمان يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة في دخول الجنة، فيعتذر ويحيلهم إلى نوح، ونوح يحيلهم إلى إبراهيم، وإبراهيم يحيلهم إلى موسى، وموسى يحيلهم إلى عيسى، وعيسى يحيلهم إلى النبي ﷺ في الشفاعة التي تكون في أرض المحشر في فصل القضاء.\nعلى أن بعض العلماء يقول: هذه هي تلك؛ لأنه بعد ذكر هذه الشفاعة جاء ذكر الصراط، وما يكون من أحوال الناس في مرورهم عليه.\nلكن مما لا شك فيه: أن النبي ﷺ هو الذي يشفع لأهل الجنة في دخولها، ويدل على ذلك ما في صحيح مسلم من أن النبي ﷺ قال: (آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك)؛ فدل ذلك على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شفيع لأهل الجنة في دخول الجنة.\nهذا ثاني ما اختص به صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الشفاعات.\nالنوع الثالث: شفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف الله عنه من العذاب، كما في الصحيحين من حديث العباس بن عبد المطلب: أنه قال للنبي ﷺ: (يا رسول الله! عمك أبو طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك، ما أغنيت عنه؟ فقال النبي ﷺ: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، والضحضاح: هو الماء الرقيق على وجه الأرض الذي لا عمق له، والأصل في الضحضاح ما لا قعر له، وقد جاء في بيان ذلك: (أنه في ضحضاح من نار إلى كعبيه)، فهو أهون أهل النار عذابًا ممن يخلد فيها، وهذا التخفيف لا يفيده من حيث الواقع؛ فإنه: (عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه) كما قال النبي ﷺ، وهذا إكرام للنبي ﷺ في تخفيف العذاب وتهوينه؛ فهذا النوع من الشفاعة خاص بالنبي ﷺ.\nإذًا هذه الأنواع الثلاثة هي مما اختص به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.","vol":"14","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>شفاعة الأنبياء وقت اجتياز الصراط</span>\nوهناك نوع من الشفاعة خاص بالأنبياء والرسل لا يشركهم فيه غيرهم، وهو شفاعتهم للناس عندما يجوزون الصراط، فإنه عندما يجوز الناس الصراط لا يتكلم أحد إلا الرسل ودعواهم: (اللهم سلم سلم) كما الصحيحين، وفي رواية سهيل قال النبي ﷺ: (وعند ذلك حلت الشفاعة)، وهذا النوع من الشفاعة هو شفاعة لأهل الإيمان، ولكنها شفاعة خاصة بالرسل، وما جاء في جامع الترمذي من حديث المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: (شعار المؤمنين على الصراط يوم القيامة: اللهم سلم سلم)؛ فهذا لا يعارض ما جاء من أنه لا يتكلم أحد على الصراط إلا الرسل؛ فإن الرسل يصدق عليهم وصف الإيمان بل هم أعلى المؤمنين إيمانًا، فيكون شعار المؤمنين -الرسل- الذين يتكلمون على الصراط ولا يتكلم أحد من الناس سواهم، شعارهم ودعواهم: اللهم سلم سلم؛ لعظم الأمر وشدة الكرب؛ فهم يدعون لأنفسهم ولأممهم ولمن آمن بهم بالسلامة.\nهذه شفاعات ثلاث:","vol":"14","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>الشفاعات المشتركة بين الأنبياء وغيرهم</span>\nوهناك شفاعات للنبي ﷺ يشركه فيها غيره من الرسل والأنبياء، وسائر أهل التقى من الصديقين والشهداء والصالحين، وذلك كشفاعته في قوم استحقوا النار أن يدخلوها فيشفع لهم ألا يدخلوها، وكذلك شفاعته وشفاعة أهل الإيمان في قوم دخلوا النار أن يخرجوا منها، وكذلك شفاعته ﷺ وشفاعة أهل الإيمان في رفع درجات أهل الجنة، فهذه الأنواع الثلاثة من الشفاعات تكون للأنبياء صلى الله عليهم وسلم وتكون لغيرهم من المؤمنين، لكن نصيبه ﷺ وما يكون له منها هل هو مثل غيره أو أعلى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نصيبه منها أعلى من نصيب غيره، فحظه من هذه الشفاعة أعلى من سائر الخلق.\nوهذه الشفاعات كلها جاءت بها النصوص، وأجمع عليها سلف الأمة وعلماؤها وأثبتها أهل السنة والجماعة، وخالفت فيها ثلاث طوائف.\nالمعتزلة والخوارج: فهؤلاء لا يثبتون الشفاعة للنبي ﷺ في أهل الكبائر؛ لأن من دخل النار عندهم لا يخرج منها أبدًا.\nووافقهم في إنكار الشفاعة المرجئة الغلاة: فإنه لا يدخل عندهم النار مؤمن، ولو ارتكب ما ارتكب من الموبقات والسيئات والأعمال القبيحة، فهؤلاء وافقوا الخوارج في نفي الشفاعة، وقالوا: لا شفاعة، وما جاء من نصوص الشفاعة جعلوها في رفع الدرجات، وهذا تكذيب لما دلت عليه النصوص من شفاعة النبي ﷺ وغيره في أهل النار الذين استحقوها، أو الذين دخلوها أن يخرجوا منها.\nيقول المؤلف ﵀: (ويشفع نبينا ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر)، أي: أهل الذنوب الكبيرة الموجبة لدخول النار، والكبائر: جمع كبيرة، وهي: كل ما جاءت النصوص بلعن صاحبه، أو التبري منه، أو ذكر عقوبة له في الدنيا أو الآخرة.\nهذا أقرب ما يقال في ضابط وحدِّ الكبيرة، فهؤلاء أصحاب الكبائر يستحقون النار إن لم يتوبوا منها وكانت سيئاتهم راجحة على حسناتهم، فإذا دخلوها ليمحصوا فقد يشفع فيهم النبي ﷺ أو أحد أهل الإيمان ليخرجوا منها، وأدلة أحاديث الشفاعة أكثر من أن تحصى.\nيقول ﵀: (فيخرجون بشفاعته بعد ما احترقوا وصاروا فحمًا وحممًا)، يخرجون بعدما احترقوا وعذبوا وعوقبوا وصاروا إلى هذه الحال فيخرجون فحمًا وحممًا من جراء الاحتراق بالنار والاصطلاء بها.\nنسأل الله السلامة والعافية، فيلقون في نهر الحياة عند أبواب الجنة، فينبتون فيه كما تنبت في حميل السيل، فينتعشون ويحيون ويكونون من أهل الجنة، فيدخلون الجنة بشفاعته ﷺ.\nثم قال ﵀: (ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات)، وإنما قدم شفاعة النبي ﷺ مع أن غيره يشركه في هذا النوع من الشفاعة؛ لكونه ﷺ أعظم الناس شفاعة، وأعظم الخلق شفاعة، فشفاعته فوق كل شفاعة، وإلا فإن الأنبياء والمؤمنين يشفعون والملائكة تشفع.","vol":"14","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>شروط الشفاعة</span>\nقال ﵀: (قال الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨])، هذا فيه بيان أن أهل الإيمان والملائكة يشفعون، وأنهم لا يشفعون إلا لمن ﵁، وهذا فيه بيان شرط الشفاعة، وأنه لا يُشفع إلا فيمن ﵁، فمن لم يرض الله عنه لا تنفع فيه شفاعة.\n(وهم)، أي: هؤلاء الشافعون وهم الملائكة (من خشيته مشفقون)، وهذا يبين لنا أن شفاعة الشافعين لا تكون عن استحقاق للشفاعة وإنما هي محض فضل الله ﷿ على الشافع والمشفوع.\nولذلك كانت حقيقة الشفاعة: إكرام الله ﷿ للشافع في أن يخلص المشفوع فيه؛ فهي كرامة للشافع بسبب توحيده، وإقراره لله بالإلهية، فيكرمه الله ﷿ بالشفاعة وينفع بها المشفوع، لكن لا يمكن أن تكون الشفاعة إلا بشرطين: برضا الله جل وعلا عن الشافع والمشفوع وبإذنه، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، فتبين لنا من هذا: أن الشفاعة لا تكون إلا لمن ﵁، ولمن أذن له جل وعلا في أن يشفع.","vol":"14","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>الشفاعة المنفية في القرآن عن الكافرين</span>\nقال ﵀: (ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين)، قال الله تعالى في ذلك: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، ونفى الله ﷿ الشفاعة في مواضع كثيرة من كتابه، والشفاعة المنفية في القرآن العظيم هي الشفاعة في أهل الشرك، أو الشفاعة التي يزعمها من يزعمها من المشركين، أو التي يظنها ويتوهمها من لم يفهم كلام الله وكلام رسوله من أن أحدًا يشفع فيه دون إذنه ورضاه.\nوقوله ﵀: (ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين)، موافقة لقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] فنفى الله ﷿ عن أهل الكفر نفع الشفاعة، وهل هذا نفي للنفع بالكلية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذا هو الأصل، إلا أن السنة دلت على أن من الكفار من ينتفع بالشفاعة لكنه ليس نفعًا تامًا، إنما هو نوع تخفيف، ومن ذلك الشفاعة الخاصة بالنبي ﷺ في عمه أبي طالب، وقد وسع بعض أهل العلم الدائرة فجعلها شفاعة تشمل كل من نصر النبي ﷺ من الكفار، ومعلوم أن الكفر درجات، وليس على مرتبة واحدة، فكما أن الإيمان شعب ودرجات؛ فكذلك الكفر يتفاوت فيه أهله، قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، فجعل النسيء: وهو تأخير الأشهر الحرم وتقديمها والتلاعب بها مما يزيد كفر الكافر، والنار معلوم أنها دركات، وهذا التفاوت في دركات النار إنما هو بتفاوت درجات الكفر، فالكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين في رفع العذاب وإزالته، ولكن في تخفيفه، وذلك في مثل عم النبي ﷺ، وهو واضح؛ حيث بين النبي ﷺ نفعه له حيث قال: (إنه في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، والحديث في الصحيحين.\nومن التخفيف للكفار: حديث الشفاعة العظمى؛ فإن الناس يجتمعون يوم القيامة ويأتون إلى الأنبياء طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين في فصل القضاء، هذه الشفاعة هل الذي يطلبها الكفار أو أهل الإيمان؟ كثير من النصوص جاءت مطلقة: (أن الناس يأتون إلى آدم)، ولفظ الناس يصدق على المسلم والكافر، وفي بعض روايات الحديث عند الإمام مسلم في صحيحه قال: (فيجتمع المؤمنون؛ فيأتون آدم) فيكون الطالب للشفاعة هم أهل الإيمان، لكن حتى على هذه الرواية فإن طلب الشفاعة فيه نوع شفاعة للكفار، لكنها شفاعة تخفيف وليست شفاعة رفع؛ لأن ما يقبلون إليه أعظم وأشد مما أدبروا عنه، والمراد أن قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، هل يدخلها التخفيف أو لا يدخلها؛ لأن تخفيف العذاب لا ينتفع به الكافر انتفاعًا تامًا، وإنما يحصل النفع الكامل في رفع العذاب وإزالته.\nفـ أبو طالب مع عظيم نفع النبي ﷺ له في هذه الشفاعة نصيب؛ حيث إنه صار أهون أهل النار عذابًا، فهل ينتفع بهذا؟ لا، فهو يرى أنه أعظم أهل النار عذابًا، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] .","vol":"14","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>وصف الجنة والنار ووصف أهلهما</span>\nقال ﵀: [والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٤-٧٥]] .\nالجنة هي دار النعيم الكامل التي أعدها الله ﷿ لعباده الصالحين، والنار: هي دار العذاب التام التي أعدها الله ﷿ للكافرين والعصاة.","vol":"14","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>عقيدة أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان</span>\nيقول المؤلف ﵀: (مخلوقتان)، أي: الآن، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وأجمع عليه سلف الأمة، ودل عليه الكتاب والسنة؛ ففي القرآن يقول الله ﷿ عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ويقول عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، ويقول: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ:٢١]، ولا يكون هذا إلا فيما أعد ووجد.\nوأما الأحاديث فهي أكثر من أن تحصى، ومن أبرزها ما رواه الإمام مسلم عن النبي ﷺ قال: (لما خلق الله الجنة والنار، قال لجبريل: اذهب فانظر إلى الجنة وما أعددت لأهلها فيها، فيأتي إلى الجنة فينظر إليها فيقول: يا رب! لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم توضع المكاره حول الجنة فيقول الله ﷿: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فينظر فيأتي فيقول: إني خشيت ألا يدخلها أحد لما حفت به من المكاره، ثم يرسله الله إلى النار لينظر إليها وإلى ما أعد لأهلها فيها، فيقول جبريل ﵇ للرب جل وعلا: إنه لا يسمع بها أحد فيدخلها، فتحف بالشهوات، فيأتي إليها فينظر إليها فيقول: إني خشيت ألا ينجو منها أحد لما حفت به من الشهوات) .\nالشاهد في هذا الحديث: قول النبي ﷺ: (لما خلق الله الجنة والنار)، فالجنة وما أعده الله لأهلها موجود، والأدلة على هذا في السنة أكثر من أن تحصى، منها ما رواه أنس وعائشة وابن عباس في الصحيح من قول النبي ﷺ في صلاة الخسوف: (رأيت في مقامي هذا الجنة والنار، وهَمَّ النبي ﷺ أن يتناول قطفًا من الجنة، ولما رأى النار يحطم بعضها بعضًا تأخر)، فالأدلة على وجود الجنة والنار في الكتاب والسنة كثيرة، وهذا مما أجمع عليه أهل الإسلام.\nأما أهل الاعتزال الذين بلاهم الله بمحاكمة النصوص إلى عقولهم فقد قالوا: ما فائدة وجود الجنة والنار الآن؟ لا فائدة، ووجودها الآن عبث، والله منزه عن العبث، وعليه فالجنة والنار ليستا موجودتين، فنفوا وجود الجنة والنار، وقالوا: يخلقهما الله عند الحاجة إليهما، وكذبوا بذلك النصوص الدالة على وجود الجنة والنار، لكن هذا التكذيب هل معهم فيه نص؟ هل لهم فيه بينة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا، إنما معهم عقول كليلة وبصائر حسيرة حكموا بها على النصوص، فأبطلوا ما دلت عليه من وجود الجنة والنار، وما ذكره المؤلف ﵀ من الأدلة على أن الجنة والنار مخلوقتان واضحة وظاهرة يدركها كل من قرأ كتاب الله ﷿، أو سمع ما صح عن النبي ﷺ في ذلك.","vol":"14","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>الجنة والنار لا تفنيان</span>\nقال المؤلف ﵀: (لا تفنيان) أي: لا تضمحلان وهما باقيتان، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم من السلف والخلف، والأدلة عليه دالة.\nواعلم أنه لا خلاف بين أهل السنة وأهل الإسلام في بقاء الجنة وأنها لا تفنى، وإنما الخلاف الذي وقع بين أهل السنة في فناء النار، فذهب جماعة من السلف والخلف من أهل السنة والجماعة إلى أن النار تفنى، ونقل ابن القيم هذا القول عن جماعة من الصحابة منهم عمر وأبو هريرة ﵄ وغيرهما، والذي عليه جمهور السلف والخلف: أن النار باقية، فإن الله ﷾ ذكر عذاب النار وخلوده، وذكر تأبيده في ثلاثة مواضع من كتابه.\nفما ورد من النصوص مما يوهم انقطاع عذاب النار يجب حمله على المحكم الدال على بقائه وتأبيده، فمثلًا قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود:١٠٦] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، فقد قيل: إن قوله تعالى: (إلا ما شاء ربك) يدل على عدم الخلود، وكذلك قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]، أي: مددًا متطاولة، لكن قالوا: هي مدد متطاولة تنتهي، وما أشبه ذلك من النصوص التي ليس فيها ذكر التأبيد.\nولكن مثل هذه النصوص يجب حملها على ما جاء من النصوص الدالة على أن عذاب النار ممتد مؤبد لا ينقطع، وقد ذكر الله ذلك في ثلاثة مواضع من كتابه.\nالموضع الأول: في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:١٦٨-١٦٩]، ولا يمكن أن يقال: هذا لا خلود فيه، فإن الله ذكر الخلود والتأبيد.\nوالموضع الثاني: في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٦٤-٦٥] .\nوالموضع الثالث: في سورة الجن في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣] .\nفهذه المواضع ذكر فيها التأبيد، وهي تقضي على غيرها من النصوص التي قد يتوهم أو يفهم منها أن النار تفنى، فعلم بهذا صحة ما ذهب إليه المؤلف ﵀ وذكره في عقد أهل السنة والجماعة، حيث قال: (لا تفنيان)، وهذا هو الصحيح الذي نؤمن به ونجزم بأنه الصواب، بدلالة الكتاب والسنة، لكن هل هذه المسألة يبدع فيها المخالف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا، لأنه قد نقل عن بعض سلف الأمة هذا القول؛ فهو من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة.\nوالذي انفرد بقول: إن الجنة تفنى هو جهم بن صفوان وتبعه عليه من تبعه، وهو قول محدث لم يسبق إليه، ولم يسبقه إليه أحد من السلف ولا من الخلف.\nفيميز بين فناء النار وفناء الجنة!","vol":"14","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>صفات أهل الجنة والنار</span>\nقال ﵀: (فالجنة مأوى أوليائه) أي: أي مصير ومآل أوليائه، والأولياء هم أهل التقوى، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣]، فكل من حقق الإيمان واتصف بالتقوى فإنه من أولياء الله ﷿ الموعودون بالجنة، كما في الصحيحين، قال النبي ﷺ: (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، فالأولياء هم الصالحون الذين أصلحوا بواطنهم وظواهرهم.\nقال: (والنار عقاب لأعدائه)، وهم كل من حادَّ الله من أهل الكفر والمعصية، ولكنها متفاوتة؛ فالنار دركات: منها ما يكون للعصاة، ومنها ما يكون لأهل الكفر.\nثم قال ﵀: (وأهل الجنة مخلدون)، وسكت ﵀ عن ذكر حال أهل النار، لكنه أجاب عن حالهم بالآية، والسبب -والعلم عند الله-: أن أهل الجنة لا خلاف في أنهم مخلدون، فلا قائل من السلف ولا من الخلف بأن أهل الجنة لا يخلدون، لكن لما كان الخلاف في أهل النار قال المؤلف ﵀: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٤-٧٥]، فأتى بالآية الدالة على تخليد أهل النار.\nوالله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"14","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>شرح لمعة الاعتقاد [١٥]</span>\nالنبي ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين، وقد خصه الله بخصائص كثيرة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك الشفاعة العظمى التي يحمده عليها الأولون والآخرون، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوها، وهو صاحب الوسيلة والفضيلة يوم القيامة، إلى غير ذلك من الخصائص التي شرفه الله بها.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>ذبح الموت يوم القيامة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.\nقال المؤلف ﵀: [ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح؛ فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود ولا موت، ويا أهل النار! خلود ولا موت] .\nتقدم الكلام على أول هذا البحث عند قول المؤلف ﵀: (والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان)، وصلة لهذا الموضوع قال ﵀: (ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح) الموت هو مفارقة الحياة، والصحيح أنه خلق من خلق الله ﷿، ولذلك يؤتى به في صورة كبش أملح، ودليل ذلك قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]، فالموت ليس مجرد العدم؛ إذ العدم ليس بشيء، إنما الموت خلق من خلق الله جل وعلا، وهو مفارقة الحياة، ويؤتى به يوم القيامة إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار -نعوذ بالله من الخسران- في صورة كبش أملح، أي: يمثله الله ﷿ على صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار على مرأى من أهل الجنة والنار، وكل يراه ويعرفه؛ لأنه قد ذاقه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، فإذا جاء لا يؤتى به على صورة منكرة غير معروفة مجهولة للمخاطبين، بل على صورة معروفة معلومة لمن يدعون ويخاطبون من أهل الجنة وأهل النار، فيذبح بين الجنة والنار، أي: يذبح وينتهي الموت، فلا موت بعد هذا الذبح، ثم يقال: (يا أهل الجنة! خلود ولا موت، ويا أهل النار! خلود ولا موت)، وهذا يدل على بقاء كل من أهل الجنة والنار فيما هو فيه إلى أبد الآباد.\nوقد تقدم أن خلود الجنة لا خلاف فيه بين أهل العلم، وأن أول من أحدث القول بفناء الجنة هو الجهم بن صفوان، وهو قول مبتدع أنكره عليه أهل الإسلام، وأما خلود النار ففيه قولان لأهل العلم من السلف والخلف، وجمهور العلماء من السلف والخلف على أن النار باقية خالدة لا تتحول ولا تفنى.\nوالقول الثاني: أنها تفنى، وهو قول لجماعة من الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمة وخلفها، والصحيح من هذين القولين بقاء النار، وأنها لا تفنى، كما دل على ذلك ثلاث آيات في كتاب الله ﷿ في ثلاثة مواضع: الآية الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:١٦٨-١٦٩] .\nوالشاهد ذكر التأبيد، وإلا فإن ذكر التخليد في مواضع كثيرة، لكن الكلام على التأبيد، وأنه لا نهاية للنار.\nالآية الثانية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٦٤-٦٥] .\nالآية الثالثة: في سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣] .\nهذه ثلاثة مواضع في كلام الله ﷿ تدل على صحة ما ذهب إليه جمهور العلماء من السلف والخلف من أن النار باقية لا تفنى، نسأل الله السلامة منها! وقد يرد سؤال وهو: كيف فهم الصحابة القائلون بفناء النار ذلك الفهم من النصوص؟ فنقول: الأفهام تختلف، لكن العبرة بفهم الغالب العام، والذي عليه جمهور الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمة وخلفها أن النار باقية لا تفنى، وقد تكون خفيت عليهم هذه الآيات، بمعنى أنهم ما استحضروها، وربما أجابوا عليها بما في الآيات الأخرى أن التأبيد طول المدة وليس التخليد المطلق، وهذه مسألة أطال العلماء البحث فيها، لكن الكلام على دلالات النصوص لا على ما قال المخالف فيها؛ لأن المخالف قد يخفى عليه النص لما تكلم بالكلام، وقد يكون عنده مانع من القول بدلالة آية أخرى، والمراد أننا بالنظر إلى الأدلة تبين لنا فيما يظهر أنه الصواب: أن النار خالدة لا تفنى كما دلت عليه هذه النصوص، لكن هل يبدع من قال: إن النار تفنى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا، إنما يبدع الذي يقول: إن الجنة تفنى، أما النار ففيها خلاف العلماء المتقدم.","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>خصائص النبي ﷺ في الدنيا</span>\nقال المؤلف ﵀: [فصل: ومحمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين، وسيد المرسلين، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، ولا يقضى بين الناس في يوم القيامة إلا بشفاعته، ولا تدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته.\nصاحب لواء الحمد، والمقام المحمود، والحوض المورود، وهو إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، أمته خير الأمم، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈] .\nهذا الفصل ذكر المؤلف ﵀ في أوله ما خص الله به محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الفضائل والخصائص، والنبي ﷺ أعطاه الله جل وعلا من الخصائص والفضائل ما لم يعط نبيًا غيره، كما في حديث جابر في الصحيحين: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي)، فله من الخصائص والفضائل ما ليس لغيره، وهذه الخصائص منها ما يتعلق به، ومنها ما هو له ولأمته، ومنها ما هو في الدنيا، ومنها ما هو في الآخرة: منها ما هو له خاصة، كقوله: (وبعثت للناس عامة) .\nومنها ما هو له ولأمته كقوله: (نصرت بالرعب)، وأوضح من هذا قوله: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) .\nومنها ما هو في الدنيا كهذه التي ذكرناها.\nومنها ما هو في الآخرة: كشفاعته ﷺ في الموقف؛ فهذه له دون غيره.\nومنها: أن أمته تدخل الجنة قبل الأمم، وهذا له ولأمته صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فما خصه الله به شيء كثير، وما شاركه فيه غيره من الأنبياء ففي غالب موارده له فيه التقدم، وإن كان في بعض الخصائص يتقدم عليه غيره، لكن هذا التقدم لا يعني أنه أفضل منه، بل هو أفضل الخلق ﷺ، كما قال في حديث أبي هريرة وغيره: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر)، وسيادته يوم القيامة تدل على سيادته في الدنيا ولا شك؛ لأنه ﷺ إذا قدمه الله في يوم الجزاء فهو المقدم في هذه الدنيا؛ لأن التقديم يوم القيامة دليل على التقدم في الدنيا، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] .","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>دلائل نبوة النبي ﵊</span>\nقال ﵀: (ومحمد رسول الله)، أي: أرسله الله جل وعلا، وأدلة هذا كثيرة جدًا من الكتاب ومن السنة، والشواهد الدالة على صدقه، والآيات والبراهين الدالة على صحة رسالته؛ كثيرة جدًا لا تنحصر في قول الله ولا في قول النبي ﷺ، بل دلائل صدق نبوة النبي ﷺ منها ما هو حالّ فيه، ومنها ما هو في خبره، ومنها ما هو في أسماء الله ﷿ وصفاته؛ فدلائل النبوة متعددة كثيرة كلها تدل على صحة رسالة النبي ﷺ، وأنه رسول رب العالمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أرسله الله ﷿ إلى الناس عامة.\nيقول المؤلف ﵀: (خاتم النبيين)، أي: ختم الله به النبيين، وقد جاء هذا في قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، فختم الله به الرسالات.\nخاتم لها وجهان: خاتَم وخاتِم، الخاتِم بالكسر هو الذي ختمهم وأغلقت به الرسالة.\nوالخاتَم بالفتح كالخاتم الذي يلبس فيتجمل ويتزين به، ورسول الله ﷺ هو جمال الأنبياء وزينتهم وإمامهم ﷺ، وهو خاتِمهم أي: الذي ختم الله ﷿ به الرسالات، فلا نبي بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.\nوخاتم المرسلين أيضًا؛ لأنه إذا كان خاتم النبيين فهو خاتم المرسلين؛ لأن كل رسول نبي، فإذا كان قد ختم الله به النبوات فإنه قد ختم به الرسالات صلى الله عليه وعلى آله وسلم.\nقال: (وسيد المرسلين)، أي: صاحب الشرف والعلو والمقام الرفيع فيهم ﷺ، ولا ريب أنه ﷺ سيد المرسلين، ويدلك على ذلك تدافع أولي العزم من الرسل للشفاعة في ذلك الموقف حتى تصير إليه ﷺ، فيقول: (أنا لها، أنا لها)؛ فهذا يدل على سيادته وشرفه وعلو مكانته ورفيع منزلته صلى الله عليه وعلى آله وسلم.\nوقد قال النبي ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)، فهو سيد كل من ولده آدم، وسيادته لولد آدم تدل على سيادته للمرسلين؛ لأن المرسلين جميعهم من ولد آدم.","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>وجوب الإيمان برسالة النبي ﷺ</span>\nقال ﵀: (لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته)، ولا شك أنه لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي رسول الله ﷺ، بعثه الله بين يدي الساعة بالحق بشيرًا ونذيرًا، من لم يؤمن بهذا فإنه لا يصح له إيمان، ولا يثبت له عقد، ولا يستقر له في الإسلام قدر، ولذلك كان مفتاح الدخول إلى هذه الشريعة أن يقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله)، فمن لم يشهد بذلك لم يتحقق له إسلام ولا إيمان.\nيقول ﵀: (ويشهد بنبوته)، هذا مكمل للأول، ودليله دليل السابق.","vol":"15","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>خصائص النبي ﷺ في الآخرة</span>","vol":"15","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>شفاعته للقضاء بين أهل الموقف</span>\nقال ﵀: (ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته)، وهذا قد جاءت به النصوص عن النبي ﷺ، منها ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة: أن الأنبياء يتدافعون الشفاعة إذا جاءهم الناس يطلبون منهم، فتصير إلى النبي ﷺ فيقول: (أنا لها، أنا لها)، فيسجد تحت العرش ثم يقول الله له: (ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع)، فيشفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أن يأتي الله ﷿ لفصل القضاء والحكم بين الناس؛ فإذا شفع ﷺ جاء الرب جل وعلا للفصل بين الناس فيما يكون بينهم، هذا معنى قوله ﵀: (ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته)، أي: بتوسطه لدى الله جل وعلا أن يأتي لفصل القضاء، وهذا مما لا شك فيه، وقد ثبتت به السنة، وجاءت الإشارة إليه في قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]؛ فالمقام المحمود جاء بيانه في سنة النبي ﷺ بأنه مقامه بين الناس حين يشفع لهم في فصل القضاء، فإنه يحمده على هذا كل أحد.","vol":"15","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>شفاعته لأهل الجنة بدخولها</span>\nقال ﵀: (ولا تدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته)، الجنة هي دار النعيم الكامل التي أعد الله فيها لعباده الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\nنسأل الله أن نكون من أهلها! هذه الدار لا يدخلها أحد قبل أمة النبي ﷺ، وقد قال النبي ﷺ: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة) أول الأمم دخولًا الجنة أمة الإسلام، أمة النبي ﷺ؛ مع كونها آخر الأمم من حيث الزمن والتاريخ في الحياة الدنيا، لكن هذا التأخر الزمني لم يمنع من أن يسبقوا الأمم قبلهم في دخول الجنة، وذلك لما خصهم الله به من كمال الشريعة، وتمام العبودية لله ﷿.\nويدل لهذا: أن أول شفيع في دخول الجنة هو النبي ﷺ، والنبي ﷺ أشفق ما يكون على أمته؛ ولذلك يشفع في أمته، والأحاديث التي جاءت في ذكر الشفاعة العظمى ومجيء الناس للنبي ﷺ لطلب الشفاعة، إذا نظرت إلى سياقها في أكثر ما ورد في الصحيحين وغيرها من دواوين السنة؛ تجد أنه إذا جاءه الناس لطلب فصل القضاء يشفع النبي ﷺ لدى الله ﷿ في أمته (فأقول: أمتي أمتي، فيقول الله ﷿: أخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) .\nوهذه الشفاعة التي ذكرها أهل العلم في داويين السنة ليست هي الشفاعة العظمى التي هي المقام المحمود، إنما هي شفاعته في بعض من دخل النار من أمته أن يخرج منها، أو من استحق النار ألا يدخلها، والسبب في ذكر هذا دون ذكر الشفاعة العظمى في أكثر هذه الأحاديث: أن الشفاعة العظمى لم ينكرها الخوارج ولا المعتزلة، إنما أنكروا وناقشوا وخالفوا في شفاعة النبي ﷺ في أهل الكبائر، أما شفاعته في الأمم لفصل القضاء فإنهم لم ينكروا ذلك، ولم يخالفوا فيه.\nوالمراد: أن هذه الأمة هي أول الأمم دخولًا الجنة، وهذا معنى قوله ﵀: (ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته) .","vol":"15","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>لواء الحمد المعقود للنبي ﷺ في الموقف</span>\nذكر المؤلف ﵀ شيئًا مما اختص الله به رسول الله ﷺ، فقال: (صاحب لواء الحمد)، واللواء هو الراية التي يحملها قائد الجيش في الغالب؛ فرسول الله ﷺ يرفع له يوم القيامة لواء يحمله، وهذا اللواء يسمى بلواء الحمد، ولذلك أضاف اللواء إلى الحمد فقال: (صاحب لواء الحمد)، والحمد أي حمد الله جل وعلا، وهو: ذكر المحمود بصفات الكمال محبة وتعظيمًا، فالنبي ﷺ هو أعلى الناس حمدًا لربه في ذلك الموقف، ويدل لذلك ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وغيره: أن النبي ﷺ لما ذكر الشفاعة قال: (فأسجد فأحمد الله ﷿ بمحامد يفتحها علي لا أعلمها الآن)، محامد يدركها ويعلمها في تلك الساعة، وفي ذلك الوقت؛ ولذلك يعطى لواء الحمد ﷺ؛ لكونه أعظم الخلق حمدًا لربه في ذلك الموقف.\nوهذا اللواء للعلماء فيه قولان: منهم من قال: إنه لواء معنوي، ومنهم من قال: إنه لواء حقيقي، والصواب أنه لواء حقيقي؛ لأن الأصل فيما أخبر به النبي ﷺ الحقيقة لا المجاز، ولا تقل: كيف يكون حقيقيًا، نقول: أمر الآخرة ليس مما تدرك العقول حقائقه وتتبين كيفياته، بل نؤمن به على ما جاء عن النبي ﷺ دون أن نلج في كيفية ذلك، فإن النصوص قد أخبرت بألوية تكون يوم القيامة، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (ينصب لكل غادر يوم القيامة لواء، يقال: هذه غدرة فلان)، وهذا اللواء حقيقي، ولذلك يشار إليه ويقال: هذه غدرة فلان، وهذا اللواء الذي عقد للغادر لواء حقيقي يدرك، فما المانع من أن يكون لواء الحمد الذي ذكره النبي ﷺ هو لواء حقيقي، وهذا هو الأصل؟! واختلف العلماء ﵏ في سبب اللواء، فقيل: إن اللواء سببه أنه يفتح للنبي ﷺ من الحمد ما لا يفتح لغيره، وقيل: إن هذا اللواء سببه موقف النبي ﷺ في ذلك اليوم، حيث يفتح الله له من الفضل والمكانة والعمل ما ينفع به جميع الناس مسلمهم وكافرهم في الشفاعة في فصل القضاء؛ لأنه قد جاء في بعض الآثار: أن الكفار يطلبون الخلاص من موقف القيامة حتى ولو كان ذلك إلى النار؛ لأن الإنسان في الشدة قد يتصور أن هذا أعلى ما يكون من العذاب، ويغيب عنه أن ما سيقبل عليه أعظم وأشد؛ ولذلك جاء في بعض الآثار: أن شدة الموقف على أهله تحمل الكفار أن يقولوا: ربنا خلصنا ولو إلى النار، ويظنون أن النار أهون من ذلك الموقف، وهي في الحقيقة أشد وأنكى، نسأل الله السلامة والعافية! والمراد أن النبي ﷺ يحمده في ذلك الموقف كل أحد حتى الكفار، وهذا من معاني اللواء المحمود، وثم أقوال أخرى في سبب اللواء المحمود منها: أنه لإجلاس الله ﷿ نبيه ﷺ على العرش، والذي يظهر: أنه لما له من المنزلة في ذلك الموقف، والفضائل العامة التي تعم كل أحد، والخاصة التي تختص بها أمته، وتختصه هو صلى الله عليه وعلى آله وسلم.","vol":"15","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>حوض النبي ﵊</span>\nثم قال: (والمقام المحمود)، أي: صاحب المقام المحمود، والمكان هو مكان القيام؛ وذلك أن النبي ﷺ يقوم المقام المحمود الذي يحمده عليه كل أحد، وهو: شفاعته لفصل القضاء.\nثم قال: (والحوض المورود) ذكرنا ذلك فيما تقدم عند قول المؤلف ﵀ على الحوض: (ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة)، وقلنا: إن معنى الحوض: مجمع الماء، وهو مجمع عظيم يكون للنبي ﷺ، ثبت ذلك للنبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، وبما جاء متواترًا عنه ﷺ من إثبات حوضه يوم القيامة.","vol":"15","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>إمامته وقدوته للأنبياء في الموقف</span>\nقال: (وهو إمام الأنبياء) أي: مقدمهم الذي يؤمه الأنبياء، ويأتمون به، ويقتدون به؛ لعظيم منزلته ورفيع مكانته، وهو إمامهم في الدنيا وإمامهم في الآخرة، أما إمامته لهم في الدنيا؛ فلأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى بهم وأمهم في بيت المقدس ليلة المعراج، وأما إمامته لهم في الآخرة؛ فأولوا العزم وأصحاب العلو والرفعة والمكانة من الأنبياء يتدافعون الشفاعة حتى تصير إليه ﷺ، وهذا من إمامته لهم ﷺ.\nقال: (وخطيبهم) الخطيب هو الذي يتكلم في بيان الحاجة، وقوله: (خطيبهم) أي: خطيب الأنبياء، وقد جاء هذا في جامع الترمذي من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ (أخبر بأنه خطيب الأنبياء إذا وفدوا)، أي: إذا وفدوا على الله ﷿ في أرض المحشر؛ وذلك أنه هو الذي يطلب من الله ﷿ الشفاعة للخلق، ويتأخر عنها كل الأنبياء، ولا يتكلم عندها أحد ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩]، وأولهم رسولنا ﷺ، فهو أول من يكلم الله جل وعلا في المحشر، فهو خطيبهم إذا وفدوا، وشعيب ﵇ خطيب الأنبياء، وقد جاء في وصفه في بعض الآثار: (أنه خطيب الأنبياء)، لكنه خطيبهم في الدنيا، وذلك لجميل بيانه وحسن كلامه في دعوته لقومه ﷺ، أما الخطيب الذي يكون يوم القيامة فهو رسول الله ﷺ.\n(وصاحب شفاعتهم) يعني الذي تصير إليه الشفاعة في ذلك الموقف؛ فإن الأنبياء يتدافعونها حتى تصل إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.\nيقول: (أمته خير الأمم)، ولا شك أن هذه الأمة خير الأمم، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فهاتان الآيتان تدلان على خيرية الأمة في الدنيا، والخيرية في الدنيا تدل على الخيرية في الآخرة.\nوأما الخيرية في الآخرة فقد قال النبي ﷺ كما في حديث علي في مسند الإمام أحمد في بيان ما أعطاه الله ﷿ وخصه: (وجعلت أمتي خير الأمم)، فأمة النبي ﷺ خير الأمم، خيريتها في التوحيد والعمل به، والثواب عليه، وفي الشريعة، وخيريتها في الآخرة لتقدمها على الأمم وسبقها لهم إلى كل فضل، فخيرية الأمة لها من الأوجه والجوانب ما يطول تتبعه وذكره.\nثم قال ﵀: (وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈)، بدأ بهذه الجملة في الكلام عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونشرح ذلك إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"15","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>شرح لمعة الاعتقاد [١٦]</span>\nأصحاب النبي ﷺ خير أصحاب الأنبياء، وأجمع أهل السنة والجماعة على أن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر ﵁، وأنه أحق بالخلافة من غيره، ثم يليه في الفضل عمر، ثم اختلفوا في عثمان وعلي، ثم استقر الإجماع بعد ذلك على أن التفضيل يكون على ترتيب الخلافة، وقد أوصانا النبي ﷺ بالالتزام بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده رضوان الله عليهم أجمعين.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>أصحاب النبي ﷺ والمفاضلة بينهم</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.\nوالصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.\nأما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈، وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى ﵃ أجمعين؛ لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نقول والنبي ﷺ حي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره) .\nوصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ولو شئت سميت الثالث) .\nوروى أبو الدرداء: عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر)، وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة ﵃ على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة.\nثم من بعده عمر الفاروق ﵁ لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان ﵁ لتقديم أهل الشورى له، ثم علي ﵁ لفضله وإجماع أهل عصره عليه] .","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>أصحاب محمد ﷺ هم خير الصحاب الأنبياء</span>\nذكر المؤلف ﵀ في هذا الفصل ما يتعلق بصحابة رسول الله ﷺ بعد أن ذكر فضائل النبي ﷺ وفضائل أمته، فذكر ما خص الله به أصحاب النبي ﷺ من عظيم المنزلة ورفيع المكانة، قال ﵀: (وأصحابه) أي: أصحاب النبي ﷺ (خير أصحاب الأنبياء ﵈) وهذا قد أجمعت عليه الأمة، ودل عليه قول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣] فشهادة هذه الأمة على غيرها من الأمم دليل على خيريتها.\nوخير هذه الأمة هم أصحاب النبي ﷺ؛ لما جاء في البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) كما في حديث عمران بن حصين وغيره.\nهذا الحديث يدل على أن أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ هم أصحاب النبي ﷺ، فهم في الجملة أفضل الأمة، وهم أفضل الناس بعد الأنبياء كما ذكر المؤلف ﵀.","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>المفاضلة الخاصة بين الصحابة دون التنقص لأحد</span>\nهذا الفضل العام في جيل الصحابة ﵃ يشملهم جميعًا، ثم هم بعد هذا الفضل العام يتمايزون في الفضل على درجات متفاوتة، أعلاهم وأرفعهم منزلة وأعظمهم فضلًا أبو بكر ﵁، ولذلك قال المؤلف ﵀: (وأفضل أمته أبو بكر الصديق) فأفضل الأمة بعد نبيها ﷺ أبو بكر الصديق عليه رضوان الله؛ وذلك أن أبا بكر له من الخصائص والفضائل والمزايا ما لا يشركه فيه غيره من أمة النبي ﷺ، بل اختص بها وهي أعلى الفضائل الخاصة.\nثم وصفه ﵁ بـ الصديق؛ لكونه الذي صدق النبي ﷺ، كما جاء ذلك في قوله ﷺ لما وقع ما وقع بين أبي بكر وعمر من المخاصمة، قال: (لقد جئتكم فقلتم: كذبت.\nوقال أبو بكر: صدقت) فشهد له النبي ﷺ بالتصديق، فهو صديق هذه الأمة وهو الصديق الأكبر ﵁.\nثم عمر الفاروق ويصدق عليه أنه صديق، فقد صدق النبي ﷺ أعظم تصديق، لكنه اختص بهذا الوصف؛ لأن الله فرق به بين الحق والباطل، فـ عمر ﵁ معه من القوة ورباطة الجأش وعظيم العزيمة ما حقق الله على يديه الفرق بين الحق والباطل.\nثم عثمان ذو النورين، أي: صاحب النورين ﵁، والنواران هما بنتا النبي ﷺ، حيث خصه الله بأن جمع له بين بنتين من بنات النبي ﷺ، تزوج إحداهما فماتت ثم تزوج الثانية.\nثم بعد ذلك قال: (ثم علي المرتضى): وعلي هو رابع الصحابة ﵃ في الفضل، والمنزلة والمكانة، ووصفه بأنه المرتضى لما روى البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وفيه أن النبي ﷺ استخلفه على المدينة لما خرج إلى غزوة تبوك، فتبع علي رسول الله ﷺ فقال: (أتتركني في النساء والصبيان؟! فقال النبي ﷺ: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟)، فرضي ﵁ فسمي بعد ذلك بالمرتضى، هكذا ذكر بعض أهل العلم في سبب تسميته أو وصفه ﵁ بالمرتضى، وقيل: لأنه رضيه الله ورسوله، وقيل غير ذلك.\nوعلى كل حال: فهذا وصف شاع بين أهل العلم في وصف علي ﵁.\nورضي الله عن الصحابة أجمعين.\nوالمفاضلة بين الصحابة لا يترتب عليها النقص أو التنقص للمفضول، بل بيان الفضل لا يترتب عليه همز المفضول ونقصه، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فإذا ترتب على المفاضلة أن يكون هناك تنقص فإنه لا تجوز المفاضلة في هذه الحال، ولذلك قال النبي ﷺ: (لا تفضلوني على يونس بن متى) فنهى عن المفاضلة بين الأنبياء وعن التفضيل بينه وبين يونس بن متى وهو رسول ونبي ﷺ.\nوالسبب أنه إذا كانت المفاضلة تفضي إلى تنقص المفضول فإنها لا تجوز، فإذا كانت هذه في الأنبياء مع وضوح فضل النبي ﷺ وظهوره وتأكده وتقريره، فكيف بالمفاضلة بين غيرهم؟! فلا يسوغ المفاضلة بين أهل الفضل إذا كان ذلك على وجه التنقص للمفضول، أما إذا كان على وجه بيان الفضل والسبق والمنزلة وما خص الله به أحدهم، فإن هذا لا بأس به، وهذا ليس خاصًا في المفاضلة بين الأنبياء أو الصحابة، بل في المفاضلة بين كل من تجري بينهم مفاضلة، إذا كان يترتب على هذه المفاضلة تنقص المفضول، ولا ينبغي أن يفاضل بين الناس على هذا الوجه؛ لأنه يفضي إلى مفسدة، والمفاضلة ليس المقصود منها إيغار الصدور، ولا تنقص المفضول، وإنما المقصود منها بيان فضل الله ﷿، وما خص به كلًا من أهل الفضل.","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل كترتيبهم في الخلافة</span>\nيقول ﵀: (لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نقول والنبي ﷺ حي -أي بين أظهرهم- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي) .\nالذي في الصحيحين وفي سنن أبي داود وفي غيرهما ذكر أبي بكر وعمر وعثمان دون ذكر علي ﵁، ولذلك قال: ثم نترك المفاضلة بين أصحاب النبي ﷺ بعد ذلك، فقد أجمع الصحابة وأقر النبي ﷺ على فضل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان، وأنهم في الفضل والسبق للصحابة ما لا يحتاج إلى منازعة ولا مناقشة؛ لكون الصحابة أجمعوا على هذا، ولكون النبي ﷺ سمع ذلك منهم ولم ينكره، قال: (فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره) وصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت سميت الثالث) .\nواختلف أهل العلم في الثالث، فقيل: إنه يعني نفسه.\nوقيل: إنه يعني عثمان.\nوالصحيح والذي يظهر أنه يعني عثمان ﵁، وإنما امتنع من تسمية الثالث لكون كثير من أتباع علي ﵁ في ذلك الوقت كانوا ممن وقعت منهم الفتنة في موضوع عثمان ﵁، وما جرى له من الحصار والخروج عليه ﵁، فخشي أن يبين الثالث فيكون ذلك سببًا لوقوع فتنة من أتباعه، ويقع في ذلك مزيد شر لأهل الإسلام؛ لأنه قد وقعت الفرقة وتشقق الناس وافترقوا إلى قسمين في مقتل عثمان ﵁، فخشي من زيادة الشر، فقال: (ولو شئت لسميت الثالث)، فالذي يظهر أن الثالث هو عثمان ﵁.\nيقول ﵀: (وروى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر)، فـ أبو بكر ﵁ أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ، بل هو أفضل الناس بعد الأنبياء.","vol":"16","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>خلاف أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي</span>\nثم بعد أن ذكر الفضل قال: (وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ) والعلماء ﵏ يذكرون مسألة المفاضلة ببين الصحابة، ثم يذكرون الخلافة؛ وذلك لكون هاتين المسألتين من المسائل التي يجب اعتقادها في الصحابة، فبدأ المؤلف ﵀ بذكر الفضل، وبين عقيدة أهل السنة والجماعة في المفاضلة، واعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في تقديم أبي بكر ثم عمر على سائر صحابة رسول الله ﷺ، أما عثمان وعلي فبعد أن أجمعت الأمة على أن الذي يلي الأولين هو عثمان وعلي اختلفوا في أيهما أفضل، فمنهم من قال: الأفضل عثمان ثم علي، أي: فيكون الترتيب أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهذا الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة، واستقر عليه قولهم، وأن ترتيبهم في الفضل والمنزلة كترتيبهم في الخلافة.\nالقول الثاني: أن عليًا مقدم على عثمان، وهذا قال به جماعة من السلف من أشهرهم سفيان الثوري ﵀، وقيل: إنه رجع عنه لما ناقشه من ناقشه من أهل العلم، وبين له تقدم عثمان على علي.\nالقول الثالث: التوقف، أي: لا يقول إن عثمان أفضل ولا علي أفضل.\nوالصحيح من هذه الأقوال هو القول الأول الذي لا ريب في صحته واستقرار قول أهل السنة عليه، وهذه المسألة هل يضلل فيها المخالف؟! الجواب لا يضلل فيها المخالف؛ لأنه قد وقع فيها الخلاف بين السلف، لكن المسألة التي يضلل فيها المخالف هي مسألة الخلافة، فإن ترتيب في الخلافة لا إشكال فيه، وقد اتفق عليه أهل السنة، فمن قال إن عليًا أحق ممن تقدمه بالخلافة فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ لأن المهاجرين أجمعوا على تقدم عثمان في الخلافة على علي ﵁، وقد قال عبد الرحمن بن عوف وهو الذي أوكل إليه عمر ﵁ النظر فيمن يخلفه بين من بقي من أهل الشورى يقول بعد بحث ونظر واستشارة\nو\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n لم أر الناس يعدلون بـ عثمان أحدًا.\nفأجمع المهاجرون والأنصار على خلافة عثمان، بل إن خلافة عثمان خلافة إجماعية لم يقع فيها خلاف بالكلية، حتى علي ﵁ بايعه ووافق، فلم يجتمع الناس في خلافة أحد كما اجتمعوا في خلافة عثمان ﵁، فالذي يطعن في خلافة عثمان أو يقول إن عليًا أولى بالخلافة منه فإنه أضل من حمار أهله كما قال الإمام أحمد ﵀، لظهور الإجماع على خلافة عثمان ﵁.","vol":"16","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>أدلة استحقاق الخلفاء الراشدين للخلافة على الترتيب</span>\nقال ﵀: (وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ؛ لفضله وسابقته وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة) هذه المسوغات والاستدلالات ذكرها المؤلف ﵀ لبيان أفضلية أبي بكر ﵁، وأنه أحق الصحابة بالخلافة بعد النبي ﷺ.\nواعلم أن خلافة أبي بكر للنبي ﷺ أجمع عليها أهل السنة، ولا خلاف بين علماء الملة في أن أحق الناس بالخلافة وأولاهم بعد النبي ﷺ هو أبو بكر ﵁، وإذا نظرت إلى خلافة أبي بكر وجدت أن خلافة أبي بكر قد أومأ إليها النبي ﷺ.\nبل قال بعض العلماء: إن النبي ﷺ قد نص عليها، وأقوى ما يستدل للنص عليها ما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: (ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا لا يختلف عليه الناس ثم قال النبي ﷺ: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر)، فترك الكتابة بناء على أن استحقاق أبي بكر ﵁ أمر مجمع عليه، وأن الله سيصير الأمر إليه شاء من شاء وأبى من أبى.\nومعنى: (يأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر) أي: إلا أن يكون هو الخليفة لرسول الله ﷺ.\nوعلى كل حال: فالنظر إلى ما جاء في السنة يجد الإنسان الشواهد المتضافرة العديدة التي تدل على استحقاق أبي بكر ﵁ للخلافة، وأن خلافته أشبه ما يكون بالمنصوص عليها؛ لفضله وسابقته، فهو أفضل الصحابة ﵃، وهو أسبقهم إلى الإيمان بالنبي ﷺ، وأسبقهم إلى تصديقه، ولم يقاربه أحد في تصديق النبي ﷺ، وقد قدمه النبي ﷺ في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، بل إن عائشة ﵂ لما اعتذرت عن تقديم أبي بكر وقالت: إنه رجل أسف، قال لها النبي ﷺ: (إنكن صواحب يوسف)؛ لأن عائشة ﵂ كرهت أن يتقدم أبوها الناس في مرض النبي ﷺ خشية أن يتشاءم الناس به، فاعتذرت بأنه بكاء، فأبى رسول الله ﷺ إلا أن يكون المقدم في الصلاة أبا بكر ﵁.","vol":"16","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>إجماع الصحابة على تقديم أبي بكر ومبايعته</span>\nقال ﵀: (وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته) وهذا مما وقع، فإن الصحابة أجمعوا على مبايعته ﵁، وإن كان قد وقع في أول الأمر نوع تردد كما جرى في سقيفة بني ساعدة، إلا أن خلافته ﵁ أجمع عليها الصحابة، وما ذكر من تأخر علي بن أبي طالب ﵁ فإنه لم يكن تأخرًا فيه الرفض وعدم القبول لمبايعته، إنما كان لشيء في نفسه ﵁، وأما المبايعة فإنه قد قبل بيعته وقبل المسلمون بيعته ﵁.\nثم إنه لو قدرنا أن عليًا قد صح عنه التأخر للبيعة، فإنه لا يضر وقد أجمعت الأمة وسادات الصحابة وأشرافهم وكبراؤهم وأعيانهم ﵃ على بيعة أبي بكر ﵁، فلا يضر أبا بكر ﵁ تخلف علي عن بيعته، ثم إنه قد رجع إلى الحق ووافق الجماعة إن قلنا بأنه تأخر في بيعته ﵁.\nثم قال ﵀: (ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة)، ولا شك أن هذه الأمة لا يمكن أن يجمعها الله على ضلالة، لا سيما أولئك الذين إجماعهم هو الإجماع المعتبر ﵃، فأجمعوا واتفق أمرهم وانتظم عقدهم على تقديم أبي بكر وخلافته ﵁.","vol":"16","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>استخلاف أبي بكر لعمر وفضله</span>\nقال: (ثم من بعده عمر ﵁ لفضله وعهد أبي بكر إليه)؛ أي: لفضله واستحقاقه الخلافة، فإنه قرين أبي بكر في الفضل، وقد قال النبي ﷺ: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) وقال ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم في حديث أبي قتادة: (إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا) .\nفـ عمر ﵁ قرين أبي بكر في الفضل والمكانة والمنزلة رضي الله عن الجميع، وإن كان السبق لـ أبي بكر ولا شك، لكنه قرنه به رسول الله ﷺ في مواضع عديدة.","vol":"16","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>فضل عثمان ﵁</span>\n(ثم عثمان رضي الله لتقديم أهل الشورى له)، وأهل الشورى هم الذين أوكل إليهم عمر ﵁ النظر فيمن يكون خليفة بعده ﵁، الستة بقية العشرة، وهم: عبد الرحمن بن عوف ولكن ليس له من الأمر شيء، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعلي وعثمان رضي الله عن الجميع، وسابعهم عبد الله بن عمر، ولكن ليس له من الأمر شيء.","vol":"16","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>فضل علي بن أبي طالب ﵁</span>\nثم قال: (ثم علي ﵁هذا رابع الخلفاء الراشدين- لفضله وإجماع أهل عصره عليه)، فله من الفضل والمكانة ﵁ ما تشهد به أهل السنة والجماعة له وتعتقده فيه، وأما إجماع أهل عصره عليه فإنه لم يجمع على خلافة علي ﵁، بل خالف في ذلك من خالف من الصحابة، ووقعت الفتنة بينهم ﵃، فانقسم الناس إلى قسمين: أهل الشام بقيادة معاوية ﵁ ومن معه، وأهل العراق بقيادة علي ﵁ ومن معه.","vol":"16","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>الالتزام بسنة النبي ﷺ وخلفائه من بعده</span>\nثم قال بعد ذلك: [وهؤلاء الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون الذين قال النبي ﷺ فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، وقال ﷺ: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) وكان آخرها خلافة علي ﵁] .\nهذا المقطع يقول فيه المؤلف ﵀: (وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون) أي هؤلاء الأربعة: أبو بكر عمر عثمان علي، هم أولى وأصدق من يدخل في قول النبي ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، فإنهم أصدق من يصدق عليه هذا الوصف، وأحق من يتنزل عليه هذا القول بثلاثة أوصاف: الوصف الأول: أنهم خلفاؤه؛ وهم من أتى بعده ﵁ وقام مقامه.\nالوصف الثاني: أنهم راشدو؛ وهذا ضد الغي.\nالوصف الثالث: أنهم مهديون؛ وهذا ضد الضلال.\nفجمع لهم بين الهدى والرشد وبهما يكمل العلم النافع والعمل الصالح، والهدي المستقيم.\n(عضوا عليها بالنواجذ)، أي: تمسكوا بها تمسك العاض على الشيء بأضراسه ونواجذه.\nثم ذكر ﵀ في الاستدلال على أن هؤلاء هم الخلفاء الراشدون حديث: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) وقد جاء في مسند الإمام أحمد وغيره أن النبي ﷺ قال: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا) أو (ثم يؤتي الله ملكه من يشاء) فدل ذلك على أن الذين يلونه مدة ثلاثين سنة يصدق عليهم الخلافة.\nوبالنظر إلى مدة خلافة هؤلاء ﵃ التي ابتدأت بالسنة الحادية عشرة إلى سنة الأربعين يتبين أنهم ﵃ كلهم داخلون في قوله ﷺ: (الخلافة من بعدي ثلاثون) فإن خلافة علي ﵁ انتهت على رأس الثلاثين، وهذا من الأدلة على أنهم المقصودون بقوله ﷺ: (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) فكان آخرها خلافة علي ﵁.\nنقف على هذا، ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"16","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>شرح لمعة الاعتقاد [١٧]</span>\nمن منهج أهل السنة والجماعة أنهم يشهدون للعشرة المبشرين بالجنة كما شهد لهم النبي ﷺ، ويشهدون لغيرهم ممن شهد له ﵊ بالجنة، ولا يجزمون لأحد بعد ذلك من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من شهد له النبي ﷺ.\nولا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب، وأن الجهاد والحج ماضيان خلف كل بر وفاجر.","vol":"17","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>الشهادة للعشرة المبشرين بالجنة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ونشهد للعشرة بالجنة كما شهد لهم النبي ﷺ فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها، كقوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، وقوله لـ ثابت بن قيس: (إنه من أهل الجنة)] .\nالفصل الذي تقدم كان فيما يتعلق بفضائل الصحابة ﵃، وهذا ذكر فيه الشهادة لمن شهد له النبي ﷺ منهم بالجنة، واعلم أن الشهادة بالجنة نوعان: شهادة لموصوفين وشهادة لمعينين.\nأما الشهادة التي تكون للموصوفين فهي كثيرة في كتاب الله ﷿، وفي سنة النبي ﷺ، يأتي فيها ذكر أن من فعل كذا فله الجنة، كقول النبي ﷺ: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم) فكل من أفشى السلام وحصل منه الحب لإخوانه المسلمين فإنه موعود بهذا الفضل، وهو دخول الجنة، فهذه شهادة لمن اتصف بهذا الوصف، وهذا النوع لا إشكال فيه وهو مجمع عليه.\nالنوع الثاني من أنواع الشهادات بالجنة: الشهادة لمعينين، كالشهادة لمن ذكر المؤلف ﵀، وأول وأبرز من يشهد لهم بالجنة من خصوا بشهادة النبي ﷺ في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وغيره، وفيه قال النبي ﷺ: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)، هذه الشهادة لهؤلاء المعينين هي أشهر الشهادات، وهم المعروفون بأنهم العشرة المبشرون بالجنة؛ لكون النبي ﷺ جمع ذكرهم في حديث واحد.\nيقول المؤلف ﵀: (ونشهد للعشرة) وهم من ذكروا في الحديث، أي: نشهد ونوقن بأنهم من أهل الجنة، وهذه الشهادة مبنية على خبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.\nيقول ﵀: (كما شهد لهم النبي ﷺ فقال: (أبو بكر في الجنة» وأبو بكر هو أبو بكر الصديق ﵁.\n(وعمر): هو عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء، (وعثمان) وهو ثالث الخلفاء عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عن الجميع، هؤلاء كلهم شهد لهم النبي ﷺ بالجنة؛ فنشهد لهم بأنهم في الجنة، وأن خبر النبي ﷺ فيهم صدق، فهم من أهل الجنة قبل أن يموتوا بخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.","vol":"17","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>كل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له</span>\nكذلك شهد النبي ﷺ لغيرهم من الصحابة، يقول المؤلف ﵀: (وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها)؛ اتباعًا للنبي ﷺ، وطاعة لأمره، وتصديقًا لخبره، يقول ﵀: كقوله: (الحسن والحسين) وهما الحسن بن علي والحسين بن علي ﵄، سبطا رسول الله ﷺ (سيدا شباب أهل الجنة) أي: لهما السيادة على شباب أهل الجنة، والسيادة: هي العلو والشرف والارتفاع، فهذه شهادة من النبي ﷺ لهذين الصحابيين الجليلين بالجنة.\nيقول ﵀: (وقوله لـ ثابت بن قيس: (إنه من أهل الجنة» وقد شهد له النبي ﷺ بالجنة، وقصة شهادته ﷺ لـ ثابت بن قيس في الجنة مشهورة معروفة، وهي أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] اعتزل ثابت بن قيس بن شماس ﵁ في بيته وبكى، ففقده النبي ﷺ، فقالوا له: إنه يبكي لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، فإنه كان يرفع الصوت عندك، فهو جهوري الصوت، فخشي أن يدخل في هذه الآية، فقال النبي ﷺ: (إنه من أهل الجنة) فكانت بشارة له بأنه من أهل الجنة.\nكذلك شهد النبي ﷺ لخديجة وشهد لـ بلال ولجماعة من الصحابة ﵃ بأنهم من أهل الجنة، فكل من شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنة فإن من تمام الإيمان به ﷺ أن نصدقه في ذلك، وأن نشهد لمن شهد له ﷺ.","vol":"17","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>من اعتقاد أهل السنة أنهم لا يقطعون لأحد بجنة أو نار</span>\nيقول ﵀: [ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار] بعد أن فرغ من بيان حكم من شهد له النبي ﷺ بالجنة وما الواجب تجاهه، انتقل إلى بيان المسكوت عنهم، ما حكمهم؟ فمن سكت عنه ولم يبين رسول الله ﷺ هل هو من أهل الجنة أو لا، هل نشهد له بالجنة أو لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n يقول: (ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار) ففهم من هذا: أننا لا نجزم لأحد كائنًا من كان بأنه من أهل الجنة أو بأنه من أهل النار، بل الواجب التوقف حتى يأتي بيان من الله أو بيان من رسوله ﷺ بأنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار، وقوله: (لا نجزم) أي: لا نقول ذلك على وجه الجزم والقطع، وهل نقوله على وجه الرجاء؟ الجواب: نعم، نقول فيمن قام فيه دليل الصلاح وعلامات الاستقامة: إننا نرجو أن يكون من أهل الجنة، فنرجو للمحسن ونخاف على المسيء، لكن الرجاء أمر دون الشهادة والجزم، فالبحث في الجزم، فإننا لا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار؛ لأن هذا من الغيب، وهو من الخبر الذي لا يمكن أن يقبل إلا بقول الله أو قول رسوله ﷺ.\nوقول المؤلف ﵀: (لأحد من أهل القبلة) أي: سواء كان من أهل الفضل والإحسان، أو كان من أهل الإساءة والتقصير، فيشمل كل من توجه إلى القبلة من أهل الإسلام، وأهل القبلة هم أهل الإسلام، ويعبر العلماء عن المسلمين بهذا الاسم لكونهم يجتمعون في هذا الأمر، فكل من ادعى الإسلام فإنه لا بد أن يتوجه إلى القبلة، وقد قال النبي ﷺ كما في الصحيح: (من استقبل قبلتنا، وذبح ذبيحتنا، ونسك نسيكتنا؛ فهو المسلم الذي له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين) وهذا يبين أن كل من اتصف بهذا الوصف فإنه من أهل القبلة، فهذا الوصف مأخوذ من هذا الحديث ونظائره، ويوصف أهل الإسلام بأنهم أهل الصلاة؛ ولذلك سمى بعض من ألف في مقالات المسلمين قال: ومقالات المصلين، يريد بذلك أهل الإسلام، فقوله ﵀: (ولا نجزم لأحد من أهل القبلة) يعني: لأحد من أهل الإسلام.\n(بجنة ولا نار) أي: لا نقول: إنه في الجنة، ولا نقول: إنه في النار [إلا من جزم له الرسول ﷺ] فلا نجزم لمعين بأنه في الجنة إلا إذا جاءنا الخبر عن الله أو عن رسوله ﷺ، ولا أنه في النار إلا إذا جاء الخبر عن الله أو عن رسوله ﷺ، يقول: [لكنا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء]، نرجو الإثابة والفضل والأجر والجنة للمحسن، وهو الذي حقق الإسلام بالعمل الصالح والنية الخالصة، وأما المسيء فهو من خالف ذلك، إما فساد في العمل وإما فساد في النية.\nفالمحسن نرجو له فضل الله ﷿ ورحمته، وأما المسيء فإننا نخاف عليه، وذلك أن الحساب بين يدي الله ﷿ لا يجري على الظواهر فحسب، بل إنه يجري على ما يقوم في القلب، وقد يظهر من إنسان الاستقامة وحسن الحال، والباطن على خلاف ذلك، فالعبرة بما يقوم في القلوب وتصدقه الأعمال، كما في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم قال النبي ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم) وفي رواية: (وأعمالكم) فالنظر والحساب والجزاء على ما يقوم في القلوب من الإيمان والتصديق، وحسن الاعتقاد الذي يتبعه صلاح العمل، فإنه لا يمكن أن يستقيم القلب ويصلح وتكون الجوارح على خلاف ذلك، ما لم يوجد مانع.","vol":"17","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>شهادة النبي ﷺ لمعينين بالنار</span>\nفهمنا من كلام المؤلف ﵀ أن الشهادة والجزم بالجنة لا يمكن أن يكون إلا لمن شهد له النبي ﷺ، وكذلك الشهادة بالنار لا يمكن أن تكون إلا لمن أخبر به النبي ﷺ أنه من أهل النار، وقد جاء في الكتاب الخبر عن جماعة أنهم من أهل النار، من ذلك على وجه التعيين أبو لهب وامرأته، فقد شهد الله لهم بالنار: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١-٥] فهذان شهد لهم الله جل وعلا بأنهما من أهل النار.\nكذلك جاءت الشهادة لمعينين بالنار، كشهادة النبي ﷺ لـ عمرو بن لحي الخزاعي أول من بدل دين إبراهيم ﵇ من العرب، حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (رأيته يجر قصبه في النار) وهذا يدل على أنه في النار، فالشهادة للمعينين جاءت في خبر رسول الله ﷺ.\nكذلك شهد لـ أبي طالب بأنه في النار، وجاء في صحيح مسلم الخبر عنه ﷺ أن أباه في النار، لما سأله الرجل عن أبيه فقال: أبوك في النار قال: ثم كأن الرجل وجد في نفسه واشتد عليه الأمر، فهون عليه النبي ﷺ الخبر فقال له: (أبي وأبوك في النار) فهذه شهادة لمعينين.\nلكن هل هؤلاء من أهل القبلة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا، ليسوا من أهل القبلة؛ لأنهم ممن لم يبعث فيهم النبي ﷺ، بل كانوا قبله.\nأما أهل القبلة فإنه لا يجوز الشهادة لأحد منهم مهما بلغ عصيانه وساءت أحواله وكثرت سيئاته بالنار، ما لم يرتكب مكفرًا يخرج به عن ملة الإسلام، ويخلع به عن رقبته ربقة الإيمان، ففي هذه الحال يكون كافرًا مرتدًا، أما ما دام عصيانه لا يصل به إلى حد الكفر فإنه لا يحكم بكفره، ولا يشهد له بالنار.\nكذلك الشهادة بالنار للمرتد، هذه محل خلاف بين أهل العلم؛ لأن كلام المؤلف السابق في أهل القبلة، لكن غير أهل القبلة من الكفار هل يشهد لهم بالنار؟ اختلف العلماء في هذا على قولين: منهم من قال: إنه يشهد لمن علم موته على الكفر بأنه في النار.\nوقال آخرون: إن عقيدة أهل السنة والجماعة أن لا نشهد لمعين بجنة ولا نار ولو كان من أهل الكفر؛ لأننا لا نعلم حكم الله فيه، لكننا من حيث الحكم الدنيوي نحكم بكفره، وأنه من أصحاب الجحيم على وجه العموم، أما على وجه التعيين فنحتاج إلى نص ودليل.\nفهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم، لكل قول ما يسنده ويعضده، والسلامة أن لا نشهد لمعين بنار حتى يقوم الدليل والنص والخبر عن النبي ﷺ بذلك.","vol":"17","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>أهل السنة لا يكفرون بالذنوب</span>\nثم قال ﵀: [ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل، ونرى الحج والجهاد ماضيين مع طاعة كل إمام، برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة، قال أنس: قال النبي ﷺ: (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل)] يقول ﵀: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب) أي: لا نحكم بالكفر على أحد من أهل القبلة الذين ثبت إسلامهم بإقامة الصلاة واستقبال البيت (بذنب) أي: بسبب ذنب.\nالذنب يشمل الصغير والكبير، الدقيق والجليل من الذنوب، ما عدا ما يحصل به الكفر والردة، فمن كفر بالله ﷿ كفرناه، ومن سب النبي ﷺ أو كذبه كفرناه، ومن امتهن القرآن ودنسه كفرناه، فقوله ﵀: (بذنب) يعني من كبائر الذنوب التي لم يأت النص بأنها كفر، كشارب الخمر والزاني والسارق وغير ذلك من الكبائر والذنوب، فإننا لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب؛ لأن الأصل أن من كان إسلامه ثابتًا بيقين فإنه لا ينقل عنه إلا بيقين، وهذه قاعدة مهمة يستفيدها طالب العلم لا سيما عند الاشتباه، والأصل بقاء ما كان على ما كان، وأن من حكم بإسلامه فهو باق على هذا الوصف لا يرتفع عنه إلا بدليل، فإذا اشتبه الإنسان هل هذا يحصل به الكفر أو لا يحصل به الكفر؟ فالأصل أنه لا يحصل به الكفر، وأنه باق على الإسلام.\n(فلا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب) ينبغي أن تقيد هذه الجملة بما عدا ما وقع الخلاف فيه بين أهل العلم من المسائل هل يكفر بها صاحبها أو لا، فهناك من المسائل ما وقع فيها الخلاف بين العلماء وهي من جملة الذنوب.\nفمثلًا: ترك الصلاة، هذا من الذنوب التي اختلف فيها العلماء ﵏ من حيث الكفر إلى قولين: فمنهم من يرى التكفير بترك الصلاة ولو كانت صلاة واحدة إذا تركها عمدًا دون عذر حتى خرج وقتها، لقول النبي ﷺ: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) والحديث الآخر: قال النبي ﷺ: (بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة)، فهذا خارج عن قول المؤلف ﵀: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب) .\nفما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم من الذنوب هل يكفر بها صاحبها أو لا فإنها لا تدخل في هذه الجملة، لوقوع الخلاف بين السلف، والمقصود بالذنوب ما اتفق العلماء على أنها ذنب، كالكبائر من الزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك.\nفأركان الإسلام مما اختلف العلماء ﵏ في تاركها هل يكفر أو لا؛ أعني الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فالخلاف بين العلماء في تاركها مشهور، فهذه خارجة عن بحثنا.\nقوله ﵀ (ولا نخرجه عن الإسلام في عمل) ما لم يكن هذا العمل ينتقض به إسلامه، ويرتفع به عنه وصف الإسلام، مثاله: الذبح لغير الله، فهذا عمل، فهل نخرجه من الإسلام بذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نعم، لكن المقصود بالعمل: ما كان من كبائر الذنوب والخطايا والآثام، أما الشرك فإنه كفر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢]، فلا بد من الحكم بمقتضى ما قام بالإنسان من وصف، فإذا قام به وصف الكفر مع اعتقاده دون عذر مع توفر الشروط وارتفاع الموانع فإنه يحكم بكفره.","vol":"17","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>من عقيدة أهل السنة الحج والجهاد مع كل إمام</span>\nثم قال ﵀: (ونرى الحج والجهاد ماضيين مع طاعة كل إمام، برًا كان أو فاجرًا)، وهذا بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الشأن، وهو ما يتعلق بنظر أهل السنة والجماعة للأئمة، وهم ولاة الأمر الذين يتولون أمر أهل الإسلام، وذكر الحج والجهاد لأن الحج والجهاد من الأعمال التي لا بد فيها من اجتماع، ولا بد لكل اجتماع من أمير، يصدر عن رأيه، ويرجع إليه في تدبير شأنه، فذكر الحج والجهاد ليس قصرًا على هذين العملين، بل هو نموذج للأعمال التي تحتاج إلى اجتماع ولأنها من العبادات التي يحتاج فيها الناس إلى رأي، وإلى أمير يأتمرون به، ويقتدون بعمله، ويسيرون خلفه يرتبهم وينظمهم ويدير شئونهم ويصلح أمورهم: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا فلا بد للناس في مثل هذه الاجتماعات من تدبير، ولذلك نص العلماء ﵏ على مضي الجهاد والحج مع كل أمير برًا كان أو فاجرًا.\nقوله: (نرى الحج والجهاد ماضيين) أي: قائمين، لا يجوز إبطالهما، ولا التوقف عنهما لفساد من يتولاهما أو لتقصيره.\nقوله: (برًا كان أو فاجرًا) برًا: أي قائمًا بالطاعة، عاملًا بها، عادلًا بين الخلق، أو فاجرًا: أي فيما يتعلق بنفسه أو فيما يتعلق بولايته، ففيما يتعلق بنفسه كأن يكون شاربًا للخمر، أو زانيًا، أو غاشًا، وفيما يتعلق برعيته كالغاش، أو الذي يظلم ويأخذ حقوق الناس، فإن هذا يجب له من الطاعة ما يجب لغيره من ولاة الأمر، لما أخبر به النبي ﷺ من وجوب الاجتماع والطاعة حتى ولو حصل التقصير من ولي الأمر.\nوهذا مما تميز به أهل السنة والجماعة، وإنما تميزوا به لاستمساكهم بهدي النبي ﷺ، ولاستمساكهم بما أرشد إليه الله ﷿ من الاعتصام بحبله، والاجتماع على طاعته، وحذرًا وتجنبًا لما نهى عنه من الفرقة والاختلاف، فإن الله ﷾ نهى عن الفرقة والاختلاف، ولو أن كل أحد رأى من أميره أو إمامه أو وليه ما يكره من المعصية، فجعل ذلك مسوغًا لنزع يده عنه وعدم طاعته لما استقام الأمر لأحد؛ لأنه ما من أحد إلا ويخطئ، وما من أحد إلا وعنده تقصير، والتقصير يتفاوت؛ لكن ينبغي للمؤمن أن يصبر على الخطأ، وأن لا يوافق على المعصية، ومع هذا فينبغي ألا ينزع يدًا من طاعة كما دلت على ذلك النصوص المتواترة.\nيقول ﵀: (وصلاة الجمعة خلفهم جائزة)، صلاة الجمعة يقع بها الاجتماع خلفهم مع فجورهم وتقصيرهم، فهي: (جائزة) أي: تبرأ بها الذمة، وفي قوله: (جائزة) رد على من يرى أنه لا تجوز الصلاة خلف أئمة الجور، ولا يعني أن الإنسان مخير بين أن يصلي أو لا يصلي، بل الواجب عليه أن يصلي خلفه، وذكر الجواز هنا لا لاستواء الطرفين، وإنما لرد قول من يقول: إنه لا يصلى خلفهم، وقد صلى صحابة رسول الله ﷺ خلف الحجاج، وحجوا مع الحجاج مع ظلمه وظهور شره، وقتله لأهل الفضل والعلم، وتسلطه على عباد الله، ومع ذلك لم ينزعوا يدًا من طاعة، بل صلوا خلفه وحجوا معه، ولم يكن في ذلك طعن عليهم، بل كانوا في ذلك مهتدين بهدي النبي ﷺ متبعين لسنته.\nثم قال ﵀: [قال أنس: قال النبي ﷺ: (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله ﷿ حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار)] فاجتمع لنا في هذا الحديث ثلاث خلال الصفة الأولى: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ثم بين معنى الكف فقال: ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل؛ فهذا معنى الكف عمن قال: فلا إله إلا الله، لا نكفره بذنب ما لم يكن هذا الذنب مكفرًا، ودلت النصوص على أنه كفر، ولا نخرجه من الإسلام بعمل ما لم تدل النصوص الأخرى على أنه من الكفر والشرك الذي يخرج به الإنسان عن ملة الإسلام.\nثم قال: (والجهاد ماض)، أي: مستمر لا ينقطع ولا يقف، (منذ بعثني الله ﷿ حتى يقاتل آخر أمتي الدجال)، وذلك بقيادة عيسى بن مريم ﵇، يقول: (لا يبطله) أي: لا يبطل الجهاد (جور جائر) أي: ظلم ظالم (ولا عدل عادل) بل هو ماض باق إلى قيام الساعة.\nقال: (والإيمان بالأقدار) هذا ثالث الأصول التي ذكرها النبي ﷺ في هذا الحديث، قال المؤلف ﵀: [رواه أبو داود]، وهذا الحديث أخرجه أبو داود وسكت عنه، وقد ذكر أبو داود في سننه أن ما رواه وسكت عنه فإنه حسن عنده، إلا أن هذا الحديث في بعض رجاله بعض المقال الذي يقصر به عن درجة الصحاح، وما جاء فيه من خلال هي خلال تشهد لها الأحاديث الأخرى فلا إشكال فيما تضمنه من المعاني، ثم ذكر المؤلف ﵀ ما يجب لأصحاب النبي ﷺ وأزواجه، ونؤجل ذلك إن شاء الله إلى الدرس القادم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"17","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>شرح لمعة الاعتقاد [١٨]</span>\nجيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو خير جيل وجد على وجه الأرض، فقد اختارهم الله ﷿ لصحبة نبيه ﷺ، فالواجب على كل مسلم موالاتهم وحبهم، فإن حبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.\nويجب أيضًا معرفة حقوق أمهات المؤمنين زوجات رسول الله ﷺ الطاهرات المبرآت من كل رجس ودنس رضي الله تعالى عنهن.","vol":"18","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>حقوق الصحابة ﵃</span>\nبسم الله الرحم الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن السنة: تولي أصحاب رسول الله ﷺ، ومحبتهم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وقال النبي ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)] .\nيقول المؤلف ﵀ في بيان ما يجب اعتقاده فيما يتعلق بصحابة رسول الله ﷺ: (ومن السنة) أي: التي يجب اعتقادها والعمل بها، وليس المقصود هنا السنة الاصطلاحية التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، بل السنة هنا هي الطريقة التي يسلكها أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالصحابة ﵃.\nقوله: (تولي أصحاب رسول الله ﷺ) التولي: مأخوذ من ولي الشيء إذا قرب منه، والمقصود بالتولي هنا القرب من صحابة رسول الله ﷺ؛ وذلك بمحبتهم وإجلالهم وتقديرهم ومعرفة سابقتهم.\nوهذا بيان مجمل لما يجب للصحابة ﵃، ثم جاء تفصيل ذلك في قوله: (ومحبتهم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم)، فكل هذا إنما هو من معاني التولي، فإن من لوازم التولي ما ذكر ﵀ من هذه الواجبات التي تجب لصحابة رسول الله ﷺ.","vol":"18","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>تعريف الصحابي وتفاوت الصحابة في الصحبة</span>\nقول المؤلف ﵀: (تولي أصحاب رسول الله) أصحاب: جمع صاحب، والصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك ولو كان ذلك ساعة من ليل أو نهار، ولكن لا شك أن الصحابة ﵃، يتفاوتون في الحقوق بقدر تحقق الصحبة لهم، فالذين صحبوه ﷺ أطول وكانت صحبتهم له أحسن وأكمل، فإن لهم من الحق والفضيلة والمزية أكثر مما هي لمن قصر نصيبه من ذلك، فالصحبة وصف كلما ازداد في الشخص تحققه كلما علا حقه وارتفعت قدمه فيما ذكره المؤلف ﵀ من المحبة وذكر المحاسن.\nوأعلى الصحابة صحبة هو: أبو بكر ﵁، فله من المحبة والفضل والسبق والتولي ما ليس لغيره من صحابة رسول ﷺ، فعلى سبيل المثال: من أسلم بعد الفتح ليس كمن أسلم قبل الفتح، كما ميز الله جل وعلا ذلك فقال: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، فهذه الآية ميزت بين طبقات الصحابة، فحق الذين أسلموا قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- من المحبة وذكر المحاسن والترحم والاستغفار والولاية أعظم من حق من جاء بعد ذلك؛ لأن من أسلموا قبل الفتح تحقق الصحبة فيهم أعظم من تحقق الصحبة فيمن أسلموا بعد الفتح، وهذا هو معنى قولنا: الصحبة وصف يزداد فيه الحق بازدياد هذا الوصف، فكلما ازداد نصيب الإنسان من صحبة النبي ﷺ كلما ازداد حقه من هذه الخصال الذي ذكرها المؤلف ﵀.","vol":"18","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>وجوب محبة الصحابة وتوليهم والكف عن ذكر مساوئهم</span>\nيقول ﵀: (ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ ومحبتهم) أي: محبة قلبية، وذلك لما كانوا عليه من عظيم الإيمان وصدق اليقين ورسوخ القدم في سبيل المتقين، ولما كانوا عليه من الذب عن رسول الله ﷺ، ولما كانوا عليه من الدعوة إلى الله ﷿ والنصح للخلق، فهم ﵃ لهم القدم السابقة في هذه الأمور كلها التي لا يمكن أن يُحلقوا فيها ﵃.\nويكفيهم فضلًا أن النبي ﷺ قال فيهم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم) فهم خير الناس، وهم أحق من يدخل في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وهم أحق من يدخل في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، وهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] فالمهاجرون والأنصار السابقون منهم هم الذين ﵃ رضًا مطلقًا فلم يقيد ذلك باتباع بإحسان فيما كان منهم، بل قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] فاشترط الإحسان في التابعين لا فيهم هم.\nفهم ﵃ لهم من الفضائل ما ليس لغيرهم، ولهم من المنزلة والمكانة ما ليس لغيرهم، فحقهم أن يحبوا؛ لأن محبة الصالحين من عبادة الله ﷿ ومن طاعته التي يؤجر عليها الإنسان ويثاب، فينبغي للمؤمن أن يستشعر هذا المعنى وأن يلاحظه، فليست المحبة لكوننا مأمورين بمحبتهم، بل نحن نحبهم محبة قلبية لما كانوا عليه من الفضل، ولما كانوا عليه من الخير، ولما وصلنا عن طريقهم من الشريعة، فهم حفظة الشريعة وحملتها ﵃.\nيقول: (وذكر محاسنهم)، فالواجب ذكر محاسنهم؛ لأن ذكر المحاسن مما يزداد به حبهم ويزداد به توليهم.\nقال: (والترحم عليهم) أي: والواجب أيضًا أن نترحم عليهم وأن ندعو لهم بالرحمة والمغفرة، وأن ندعو لهم بالرضى وبكل خير.\nقال: (والاستغفار لهم)؛ أيضًا يجب طلب المغفرة لهم؛ لأنه ما من إنسان إلا ويخطئ كما قال النبي ﷺ: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) فنحن لا نقول: إنهم معصومون، لكننا نقول لهم: من السبق والفضل والمكانة والخير والتقوى ما يستوجب أن يحبوا وأن يذكروا بإحسان، وأن يترحم عليهم وأن يستغفر لهم ﵃.\nيقول ﵀: (والكف عن ذكر مساوئهم) الكف: الامتناع، فيجب الامتناع عن ذكر مساوئهم، أي: عن ذكر ما ينسب إليهم من المساوئ سواء كانت صحيحة النسبة أو لم تصح؛ لأنهم قد ﵃، ومن ﵁ فلا يسوغ لمؤمن أن يبحث عن عيوبه أو أن يتلقط زلاته أو أن يبحث عن عثراته، فإن هذا مما يضعف مكانتهم وينزل في منزلتهم التي أنزلهم الله ﷿ إياها.\nثم اعلم أن كثيرًا مما يذكر من المساوئ المنسوبة إلى الصحابة: إما أنها آثار لا تصح، وإما أنها صحيحة لكن فيها زيادة أو نقص، وإما أنها غيرت عن الوجه الذي جاءت عليه، فبدل أن تكون إحسانًا حولت إلى أن تكون سيئة ومثلبة.\nكذلك إذا ثبت هذا الذي ينسب إليهم فالواجب أن نعتقد أنهم مجتهدون ﵃، ولا يخلو حالهم عن إصابة فيكون لهم أجران، أو أن يكونوا قد أخطئوا فيكون لهم أجر واحد ﵃، وهذا لا يعني أننا نقول: إنهم معصومون كما تقدم قبل قليل، لكننا نعتقد فيهم كل خير، ونعتقد فيهم كل بر، ونسأل الله لهم العفو والعافية والمغفرة، ﵃ وأرضاهم.","vol":"18","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>وجوب اعتقاد فضل الصحابة والكف عما شجر بينهم</span>\nقال: (والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم) يعني: الكف عن ذكر مساوئهم وعن ذكر ما شجر بينهم، أي: اشتبك ووقع بينهم من خلاف، فإن الواجب الكف عما شجر بينهم، فلا يجوز لمؤمن يرغب في النجاة ويحب السلامة أن يقع في ذكر ما وقع بين الصحابة من خلاف، بل الواجب الإعراض عن تلك الفتنة وعدم الوقيعة فيها أو التكلم بها أو ذكرها.\nقال ﵀: [واعتقاد فضله] أي: يجب أن يعتقد فضلهم، فالواجب أن نعتقد فضلهم ﵃، وأن نعرف ما لهم من السابقة والمكانة؛ ولذلك قال: (واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم) أي: أنهم سبقوا إلى الخير، وسبقوا إلى الفضل، وسبقوا إلى نصرة الشريعة ونصرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.\nثم استدل المؤلف ﵀ لما تقدم من واجبات في حق صحابة رسول الله ﷺ فقال: [قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]] هذه الآية جاءت في سياق بيان الذين يستحقون الأخذ من الفيء، والفيء: هو ما يوقف عليه من أموال الكفار بلا قتال، فجعل الله ﷿ الحق فيها: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:٨] ثم ذكر الله ﷿ ممن يستحق الفيء بعد ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد المهاجرين والأنصار، لكن ليس كل أحد جاء بعدهم إنما من كان على هذه الصفة ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، فهذا فيه الدعوة لهم بالرحمة والدعوة لهم بالمغفرة.\nقال: [وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]] وهذا من أبرز ما تميز به الصحابة ﵃ أنهم أشداء على أعداء الله الذي يحادون الله ويكذبون رسله، وهم فيما بينهم أهل رحمة وتواضع وخفض جناح وذلة وتقارب، حتى إنه وصفهم الله ﷿ بهذا الوصف في قوله تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] والرحماء: جمع رحيم، والرحيم: هو الذي يسعى في إيصال الخير وقطع الشر عن المرحوم، فهم ﵃ كانوا يسعون في إيصال كل خير لكل من يعرفونه من أهل الإسلام، ويسعون في قطع كل شر عمن يعرفونه من أهل الإسلام ﵃ وأرضاهم، وكفى بتزكية الله ﷿ لهم تزكية في هذه الآية وفي غيرها من الآيات.","vol":"18","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>حرمة سب الصحابة</span>\nقال: [وقال النبي ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)] هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد ﵁، وقد ذكر مسلم له قصة وهي: أن خلافًا وقع بين خالد بن الوليد ﵁ وبين عبد الرحمن بن عوف، فتكلم خالد ﵁ في عبد الرحمن وسبه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: (لا تسبوا أصحابي) يقول هذا ويوجه هذا لـ خالد بن الوليد، وخالد صحابي، لكنه من الذين أسلموا بعد الفتح، أي: بعد صلح الحديبية، فهو ممن تأخر إسلامه، فنهى رسول الله ﷺ أصحابه الذين تأخر إسلامهم أن يسبوا وأن يتكلموا فيمن تقدم إسلامهم كـ عبد الرحمن بن عوف وغيره من الصحابة الذين أسلموا قبل الفتح، فكيف بمن جاء من غير الصحابة من بعدهم؟! فإذا كان الصحابة فيما بينهم يتفاضلون هذا التفاضل ففضل الصحابة -على وجه الإجمال- على من بعدهم كفضل الأولين منهم على المتأخرين.\nمعنى هذا: أن هذا النهي نهي لكل مسلم عن أن يسب أحدًا من أصحاب النبي ﷺ سواء كان ممن تقدم إسلامه أو ممن تأخر إسلامه؛ لأن نسبة من بعد الصحابة إلى الصحابة كنسبة المتأخرين منهم إلى المتقدمين، وهذا دليل على ما ذكرنا قبل قليل من أنه كلما ازداد وصف الصحبة في شخص فإنه يستحق من الفضل والمكانة والمحبة وسائر ما يلزم من التولي أكثر من غيره، فإن عبد الرحمن بن عوف يستحق من المحبة والتولي والاستغفار والترحم، أكثر ممن جاء بعده كـ خالد بن الوليد، وإن كان الجميع يشتركون في أصل الحق وهو التولي والمحبة والاستغفار والكف عن مساوئهم والكف عما شجر بينهم والاستغفار لهم، وما إلى ذلك مما تقدم ذكره في كلام المؤلف.\nفنهى رسول الله ﷺ أهل الإسلام عن سب أصحابه، فكل من كان صاحبًا للنبي ﷺ فإنه لا يجوز سبه، لكن أيهما أعظم وأشد في السب: أن يسب الإنسان أبا بكر ﵁ أو أن يسب وحشيًا ﵁؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n أن يسب أبا بكر.\nوأيهما أعظم أن يسب عمر أو أن يسب من تأخر إسلامه أو من تأخر إيمانه من الصحابة ﵃؟ الجواب: لا شك أن سب عمر ﵁ أعظم، ولذلك يجب أن يكف المؤمن عن سب كل أهل الإيمان من صحابة رسول الله ﷺ، لكن يشتد الأمر بالمؤاخذة والذنب بقدر ما يكون من الوقيعة فيهم ﵃، فسب معاوية -مثلًا- ممن أسلم بعد فتح مكة، أو عمرو بن العاص ﵁ محرم؛ لكن سب أبي موسى وأبي هريرة أعظم من سبهما، وكذلك سب طلحة والزبير وسعد وسعيد أعظم من سب أبي موسى وأبي هريرة، وكذلك سب أبي بكر وعمر أعظم من سب من دونهم من الصحابة ﵃.\nفقوله: (لا تسبوا أصحابي) نهي عن سب الجميع، ويتأكد هذا النهي في حق من عظمت منزلته في الصحبة وطالت صحبته لرسول الله ﷺ.\nوقوله ﷺ: (فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا) أي: مثل جبل أحد وهو جبل معروف بالمدينة، يقع في جهة الشمال منها، فلو أنفق غير الصحابي مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم، أي: ما بلغ في الأجر والمثوبة قدر ما ينفق أحد المتقدمين من الصحابة ملء يديه، فالمد هو: ملء اليدين أو نصيفها أي: نصف المد، وهذا يبين أن الفضل فيما يقوم في القلب، وأن السابقة لها فضل عند الله ﷿ كما قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] .\nفكل من سبق إلى الفضل فله من المنزلة والمكانة ما ليس لغيره ممن تأخر عن هذا الفضل وعن هذا الخير، فمعنى الحديث: لو أنفق قدر ما تملأ اليدين نفقة في سبيل الله، فإن نفقة الواحد منهم نصف المد خير من أن ينفق غيره مثل جبل أحد ذهبًا.","vol":"18","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>فضل أمهات المؤمنين ﵅ وحقوقهن</span>\nقال المؤلف ﵀: [ومن السنة: الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق، التي برأها الله في كتابه، زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم.\nومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين ﵃] .","vol":"18","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>حكم سب الصحابة</span>\nيقول المؤلف ﵀: (ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ) وقبل أن نتكلم عن هذا المقطع نسأل: ما هو حكم سب أصحاب رسول الله ﷺ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n سب أصحاب رسول الله ﷺ لا يخلو من أحوال: الحالة الأولى: أن يسبهم بالكفر، بمعنى أن يكفر من علم إسلامه منهم، ويقول -مثلًا-: الصحابة كفروا إلا نفرًا قليلًا، فهذا لا شك في كفره.\nالحالة الثانية من أحوال السب: أن يسبهم ويلعنهم ولا يتهمهم بالكفر، فهذا لا شك أنه ذنب عظيم كبير يوجب المؤاخذة والعقوبة، وهذا باتفاق أئمة الدين ولا خلاف بينهم.\nالحالة الثالثة: أن يصفهم بما لا يقدح في دينهم من بغض أو ما أشبه ذلك، فهذا أيضًا من المحرمات، والفارق بين هذا والذي قبله أن الذي قبله اختلف العلماء فيه على قولين: فقيل: إنه يكفر، وقيل: إنه لا يكفر، أما هذا الذي هو سب بما يقدح وينقص منزلتهم لكن بما لم يلحقهم به نقص في دينهم فإنه يكون من الكبائر والآثام.\nفهذه هي منازل ومراتب سب الصحابة ﵃.\nوأشهر من عرف بسب الصحابة هم الباطنية الرافضة عليهم من الله ما يستحقون، فإنهم يتقربون إلى الله بسب الصحابة، وهم لا يزدادون بهذا من الله إلا بعدًا، ويسوغون هذا ويبررونه بحب آل البيت، وأهل السنة والجماعة أعظم منهم حبًا لآل البيت، وأعظم منهم نصرة لله ورسوله، وقد جمعوا بين الفضيلتين، وليس بين حب آل البيت وحب الصحابة تعارض، بينما عند الرافضة أنه لا ولاء إلا ببراء، ولا ولاء لأهل البيت إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر، والسابقين الأولين من الصحابة ﵃.\nونحن نقول: لا ولاء إلا بولاء، فلا ولاء لأهل البيت إلا بمحبة وولاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.","vol":"18","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>من هن أمهات المؤمنين؟ وكم عددهن</span>؟\nومن جملة حقوق الصحابة ما بينه المؤلف ﵀ في هذا المقطع حيث قال: (ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء)؛ أزواج النبي ﷺ أي: من نكحهن ﷺ.\nوهن ﵅ قد أثنى الله عليهن وبين منزلتهن في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] وهذا الخبر من الله ﷿ فيه بيان ما لهن ﵅ من المنزلة، فهن أمهات المؤمنين، ومعنى الأمومة هنا أي: في الحرمة والاحترام والتوقير والإعظام والإكرام، وليست أمومة نسب بلا شك، ولا توجب محرمية، أي: ليست أمومة تبيح الخلوة، وتبيح ما يستبيحه الإنسان من النظر إلى أمه وما إلى ذلك، وإنما هي أمومة احترام وإجلال وتقدير لما لهن ﵅ من المنزلة، فهن أزواج النبي ﷺ في الدنيا وأزواجه في الآخرة.\nوالمؤلف ﵀ أثبت هذا لجميع أزواج النبي ﷺ وهو كذلك، فهن ﵅ في أصل هذه المنزلة سواء باستحقاقهن ذلك.\nيقول: (المطهرات المبرآت من كل سوء) المطهرات: اللواتي طهرهن الله جل وعلا، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] فلا شك أن المراد بأهل البيت في هذه الآية زوجات النبي ﷺ، فهن من أهل البيت بنص القرآن؛ لأن الكلام السابق واللاحق كله في شأن زوجاته ﷺ وفي شأن نساء النبي ﷺ.\nوقوله: (المبرآت من كل سوء) أي: أنهن سليمات بريئات من كل سوء يلحقه أحد بهن، وزوجات النبي ﷺ منهن من توفيت في حياته وهن خديجة بنت خويلد أول زوجات النبي ﷺ، وزينب بنت خزيمة الهلالية ﵂، وهي مشهورة بـ أم المساكين، هاتان الزوجتان توفيتا في حياة النبي ﷺ.\nوبقي من أزواجه: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وصفية بنت حيي، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث الهلالية، وميمونة بنت الحارث المخزومية، وأم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية وسودة بنت زمعة.\nوأما مارية فليست زوجته، وإنما هي سريته ﵂.\nفتلك هن اللواتي توفي عنهن رسول الله صلى اله عليه وسلم، أضف إليهن الثنتين اللتين توفيتا قبله، فيكون المجموع إحدى عشرة امرأة تزوجها النبي ﷺ.\nهؤلاء هن زوجات النبي ﷺ ولهن من الحق والمكانة ما ذكر ﵀.","vol":"18","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>أفضل أمهات المؤمنين خديجة وعائشة</span>\nثم ذكر التفضيل بين زوجات النبي ﷺ فقال: (أفضلهن خديجة بنت خويلد -وهي أول زوجاته- وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه) ذكر المؤلف ﵀ في المفاضلة عائشة وخديجة، وقد اختلف العلماء ﵏ في التفضيل بين هاتين الزوجتين من أزواج النبي ﷺ، وأما من بقي من الزوجات فإنهن لم يذكرن، أي: لم يذكر العلماء ﵏ التفاضل بينهن، فالخلاف في التفضيل بين زوجات النبي ﷺ إنما هو في خديجة وعائشة، وعلم بذلك أن أفضل زوجات النبي صلى اله عليه وسلم هما: خديجة بنت خويلد وعائشة بنت أبي بكر ﵄.\nوأما أقوال العلماء: فمنهم من قال: خديجة أفضل، ومنهم من قال: عائشة أفضل، ومنهم من توقف وقال: لا نفضل، ومنهم من قال: إن خديجة أفضل من وجه وعائشة أفضل من وجه، خديجة في صدر الإسلام لما كان لها من المكانة في نصرة النبي ﷺ وإعانته وتثبيته على الرسالة، وعائشة أفضل في آخر حياة النبي ﷺ لما كان لها من حفظ الشريعة وحسن التبعل للنبي ﷺ، حتى إنه لما سئل ﷺ: (من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، ثم قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها) فلها من المنزلة ﵂ ما لم يشاركها فيه أحد، فيكون الفضل مقسومًا بين خديجة ﵂، وبين عائشة، وكل لها فضل.","vol":"18","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>حكم من قذف أمهات المؤمنين</span>\nيقول ﵀ في حق عائشة: (التي برأها الله في كتابه) أي: برأها من الإفك الذي اتهمت به ﵂، فهي زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، وهذا لا تختص به عائشة ﵂ بل يشركها فيه جميع زوجات النبي ﷺ.\nقال: (فمن قذفها) أي: قذف عائشة ﵂ (بما برأها الله منه) أي: بما طهرها الله من الإثم ومن الزنا والفاحشة: (فقد كفر بالله العظيم)، ولماذا كفر بالله العظيم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لأنه كذب القرآن الذي فيه البراءة واضحة جلية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] فسماه الله ﷿ إفكًا لكذب وفداحة ما وقعوا فيه من وصف عائشة ﵂ بما وصفوها به من الزنا الذي برأها الله منه! ﵂.","vol":"18","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>فضل معاوية ﵁</span>\nيقول ﵀: (ومعاية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين ﵃) جاء ذكر معاوية على وجه الخصوص للرد على الذين سبوه وكفروه ووقعوا فيه ﵁، فـ معاوية بن أبي سفيان وقع فيه الرافضة والخوارج فكفره الخوارج، وكفره الرافضة وسبوه وشتموه، وهو ﵁ من صحابة رسول الله ﷺ، له من الحق مثلما لغيره، فهو داخل في كل ما للصحابة من فضائل وما لهم من الحقوق ﵁.","vol":"18","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>هل يعد أقارب أمهات المؤمنين أقاربًا للمؤمنين</span>\nووصفه المؤلف ﵀ بقوله: (خال المؤمنين) لأنه أخو أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ﵂ زوج النبي ﷺ، وهذا الوصف اختلف العلماء ﵏ فيه على قولين: هل يوصف إخوان زوجات النبي ﷺ بأنهم أخوال المؤمنين وأخواتهن بأنهن خالات المؤمنين فتكون -مثلًا- أسماء بنت أبي بكر خالة المؤمنين، ويكون عبد الله بن عمر خال المؤمنين؟ وكذلك اختلفوا في بناتهن هل يوصفن بأنهن أخوات المؤمنين؟ واختلفوا أيضًا في آبائهن -آباء أمهات المؤمنين- هل يوصفون بأنهم أجداد المؤمنين وأمهاتهن جدات المؤمنين؟ الذي عليه جمهور العلماء أنهم لا يوصفون بذلك؛ لأن هذه الفضيلة خاصة بزوجات النبي ﷺ دون غيرهن، وهي أمومة حرمة واحترام وتقدير وفضل وإجلال، وليست أمومة نسب حتى تنتشر وتتسع، فوصف معاوية بخال المؤمنين هو من هذا الوجه، وقد ذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجوز أن يوصف بهذا الوصف.\nيقول: (وكاتب وحي الله) أي: أنه كتب الوحي للنبي ﷺ، فهو من كتبة الوحي ﵃، وأحد خلفاء المسلمين ﵃ إذ اجتمع عليه المسلمون بعد تنازل الحسن بن علي ﵁ عن الخلافة، فاجتمع المسلمون في سنة إحدى وأربعين على معاوية ﵁، وأصبح بذلك الخليفة للمسلمين الذي ولي من قبله من الخلفاء.\nوالله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"18","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>شرح لمعة الاعتقاد [١٩]</span>\nمن ضروريات حياة الناس أن يكون لهم إمام، لتستقيم حياتهم وتصلح معيشتهم، حتى قيل: إمام غشوم ولا فتنة تدوم.\nولما كانت الإمامة بهذه المنزلة أمر الشرع بطاعة ولاة الأمور ما لم يأمروا بمعصية، فإن أمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.","vol":"19","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>طاعة ولاة أمور المسلمين</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nأما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن السنة: السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار الخليفة وسمي (أمير المؤمنين)، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين] .\nعاد المؤلف ﵀ إلى ذكر ما يجب لولاة الأمر من أئمة المسلمين، وقد بينا أن قوله ﵀: (من السنة) أي: من الطريقة التي سار عليها أهل السنة والجماعة، وسلكها أئمة هذا الدين من الصحابة فمن بعدهم.\nقوله: (السمع والطاعة لأئمة المسلمين) السمع معناه: القبول، والطاعة معناها: الامتثال، وليس المراد بالسمع هنا إدراك الأصوات، إنما المراد بالسمع في مثل هذا المقام القبول، والطاعة: التنفيذ والامتثال، ومنه قول القائل في صلاته: سمع الله لمن حمده، أي: أجاب الله من حمده، فالسمع ليس المراد منه في مثل هذه الموارد إدراك الأصوات، بل المراد به ما هو أكثر من ذلك من قبول ما يقول وامتثال ما يأمر.\nوالأئمة جمع إمام، والإمام هو من يؤتم ويقتدى به ويجتمع عليه.\nوقوله ﵀: (لأئمة المسلمين) أي: الذين يأتم بهم أهل الإسلام ويجتمعون عليهم.\nقال: (وأمراء المؤمنين) أي: من تأمروا على أهل الإيمان، فحقهم أن يسمع لهم وأن يطاع لهم، وأدلة هذا أكثر من أن تحصى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] فأمر الله ﷿ بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر الذين لهم ولاية، وهذه الآية لا تختص بمن له الولاية العليا فحسب، بل هي شاملة لمن له الولاية العليا ومن كان دونه من أصحاب الولايات، فإنه يطاع كل ولي فيما له فيه ولاية، هذا هو الواجب، وهذا هو الذي دلت عليه الآية.\nوأما السنة فقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة ففي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (على المرء المسلم السمعُ والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا طاعة، أو فلا سمع ولا طاعة) وهذا يدل على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر، وقد قال جرير بن عبد الله ﵁ في بيان ما بايع عليه رسول الله ﷺ: (بايعت رسول الله ﷺ على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم)، وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر على أثرة علينا، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) .\nكل هذه الأدلة وغيرها كثير في سنة النبي ﷺ تدل على السمع والطاعة، بل إن النبي ﷺ أمر بوجوب السمع والطاعة عند الاختلاف والتفرق كما في حديث العرباض بن سارية: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) الحديث.\nومن سنته ﷺ: السمع والطاعة، ولو كان المتأمر عبدًا حبشيًا، أي: ممن لا يرى له العرب حقًا في الولاية، هذا هو المقصود من التمثيل بالعبد الحبشي، وليس ذمًا له أو انتقاصًا له، لكن لما كانت العرب تأبى نفوسهم في ذلك الوقت أن يتأمر عليهم مثل هذا ذكره رسول الله ﷺ، يعني: حتى ولو كان على هذه الصفة.","vol":"19","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>حكم الطاعة في المعصية</span>\nولما أخبر ﷺ باختلاف الأمور بعده كما في صحيح الإمام مسلم لما قالوا له: (أفلا ننابذهم؟ فقال النبي ﷺ: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، وفي حديث عبادة: (وألا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان) .\nفهذا كله يدل على وجوب السمع والطاعة في المعروف فيما فيه مصلحة العباد والبلاد، أما إذا كان الأمر في معصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية كائنًا من كان، لأن الله فرض طاعة ولاة الأمر وجعلها فرعًا عن طاعته، وهذا هو السر في أن الله لم يُعد ذكر الأمر في الطاعة في ذكر طاعة ولاة الأمر؛ لأن طاعتهم ليست طاعة مستقلة بل هي طاعة تابعة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ لم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما قال: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] فلم يذكر فعل الطاعة في حق ولاة الأمر؛ لأنها تابعة لطاعة الله ورسوله، أما طاعة الله فهي واجبة استقلالًا، وطاعة النبي واجبة استقلالًا كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .\nوهذه مسألة تميز بها أهل السنة والجماعة عن غيرهم، وإذا راقبت وتأملت خيرة سلف الأمة من الصحابة فمن بعدهم وجدتهم على هذه السنة الظاهرة المشتركة بينهم ﵏ ورضي الله عنهم، لتضافر الأدلة عليها.\nولا يعني هذا ألا يأمر الإنسان بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، بل الواجب هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن على ما تقتضيه الشريعة.\nيقول ﵀: (برهم وفاجرهم) أي: تجري الطاعة لمن كان برًا ولمن كان فاجرًا، سواء كان برًا في خاصة نفسه وولايته أو كان فاجرًا في خاصة نفسه وولايته، ما لم يبلغ الفجور إلى الكفر، فإذا بلغ فلا طاعة لكافر، ومما حكى القاضي عياض إجماع المسلمين عليه أنه لا طاعة للكافر إذا تولى على المسلمين.\nقال ﵀: (ما لم يأمروا بمعصية الله فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله)، لا إشكال في هذا، والأدلة على هذا الأمر واضحة وجلية.","vol":"19","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>المقصود بالولاية</span>\nقال ﵀: (ومن ولي الخلافة) أي: من تولى الأمر.\nوالخلافة المقصود بها الولاية سواء كانت الخلافة متسعة الرقعة كخلافة الراشدين وخلافة بني أمية وبني العباس في أولها، أو كانت الخلافة ضيقة، كالحال في أواخر الدولة العباسية، فإن حال الناس في آخر الخلافة الإسلامية -خلافة بني العباس- تقسمت بلاد المسلمين وأصبح لكل جهة ولاية وولي، بل إن هذا الأمر كان في عهد الصحابة ﵃، فكان معاوية على الشام وكان علي ﵁ على العراق ومصر واليمن والحجاز، فهذا التقسم ليس أمرًا حادثًا، ومع هذا يجب طاعة كل من ولي أمر المسلمين في تلك الجهة التي هو فيها.","vol":"19","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>طرق الولاية</span>\nقال ﵀: (ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وجبت طاعته، أو غلبهم بسيف حتى صار خليفة وجبت طاعته) وهذا فيه بيان طريقة الولاية: منها: ما تكون عن اجتماع ورضًا.\nومنها: ما يكون عن غلبة وظهور، والواجب في الولايتين من حيث السمع والطاعة واحد؛ لأنه يجب السمع والطاعة لمن اجتمع عليه أهل الإسلام ورضوا به ونصبوه خليفة عليهم أو إمامًا لهم، وكذلك يجب طاعة من تغلب وظهر بقوة على المسلمين، جمعًا للكلمة ودفعًا للشر الذي يحصل بالفرقة والاختلاف والمنازعة وإراقة الدماء.","vol":"19","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>فائدة ولاة الأمر</span>\nقال ﵀: (وسمي أمير المؤمنين وجبت طاعته، وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين) كل هذا مما يجب لولاة الأمر، وبه تنتظم مصالح الدنيا ومصالح الآخرة، ففي هذا الأصل تنتظم مصالح الناس في دينهم وفي دنياهم فإنه لا استقامة للناس في دنياهم بلا ولاة، ولا يمكن أن يقوم الدين بلا ولاية، وهذا أمر لا إشكال فيه، ولذلك جاءت الشريعة بالتأمير في الاجتماع العارض، فإذا سافر ركب من ثلاثة فأكثر أمروا عليهم أميرًا كما جاء ذلك في السنة، فكيف بالاجتماعات الدائمة القائمة؟! فالإمارة والولاية فيها من باب أولى، ومن باب آكد ولا خلاف في هذا، وقد قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا وأمثلة وشواهد هذا في حال غياب الولاية وما يحصل من فساد بين الناس موجودة في التاريخ الحديث والتاريخ القديم؛ لأن الناس إذا لم يكن لهم سلطان يردعهم ويصلح شئونهم ويدير أمورهم -ولو كان في سلطته جور وظلم وتعد ومعصية- فسدت أحوالهم ومعيشتهم.","vol":"19","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>التعامل مع أهل البدع</span>\nقال المؤلف ﵀: [ومن السنة: هجران أهل البدع ومباينتهم] .","vol":"19","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>هجر أهل البدع</span>\n(من السنة) أي: من طريقة السلف التي كان عليها صحابة رسول الله ﷺ ومن بعدهم من أئمة الدين هجران أهل البدع، والهجر: هو الترك والإعراض، والهجر سنة في محلها، وذلك فيمن يستحق الهجر، فقد هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين تخلفوا عنه في غزوة تبوك، وأمر المسلمين بهجرهم.\nفالهجر يختلف حكمه باختلاف الباعث عليه وما يحققه، لكن ندرك أن الهجر مصلحة، أي أن الهجر مقصوده تحصيل المصلحة كما هو الشأن في جميع أحكام الشريعة، فإذا كان الهجر يترتب عليه مفسدة فإنه لا يؤمر به وليس من الشرع، إنما يؤمر به ويعمل به إذا كان مصلحة.\nيقول ﵀: (هجران أهل البدع) المقصود بأهل البدع هنا: من كانوا على طريقة مخالفة لطريق السلف ينافحون عنها ويدعون إليها ويعملون بها، وليس المراد بأهل البدع من وقع في مخالفة لطريق أهل السنة والجماعة في أمر من الأمور، إنما المقصود من كان طريقه مختلفًا عن طريق أهل السنة، يدعو إلى غير هدي السلف الصالح، ويعمل به وينافح عنه، وسيمثل المؤلف ﵀ لأهل البدع الذين يقصدهم ويعنيهم بكلامه بقوله: (كالرافضة والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم) أي: ممن كان على مرتبتهم ودرجتهم، فالمقصود بأهل البدع الذين من السنة هجرهم هم: من كان على طريق مخالف لطريق أهل السنة والجماعة في قوله وعقده، وعمله ودعوته.\nقال ﵀: (هجران أهل البدع ومباينتهم) أي: عدم الاختلاط بهم حتى لا يشتبه حالهم على الناس فيقبلون منهم.","vol":"19","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>ذم الجدال والخصومة في الدين</span>\nقال المؤلف ﵀: [وترك الجدال والخصومات في الدين]: الجدال المقصود به: المماراة والمناقشة التي لا مصلحة فيها ولا فائدة، وليس المراد بالجدال ما كان محققًا للمصالح مبينًا للحق ذابًَّا عن السنة، فإن هذا مأمور به في أهل الكفر الذين هم أشد من أهل البدعة كما قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] فأمر الله بالمجادلة وأمر بصفة هذا الجدال أن يكون بالتي هي أحسن، يعني: بأحسن ما يحصل به بيان الحق وتوضيحه، وإيصاله إلى المقصود بالمجادلة.","vol":"19","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>قراءة كتب أهل البدع، وسماع كلامهم</span>\nقال المؤلف ﵀: [وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة] .\nالمقصود: الجدال الذي لا نفع فيه والذي يقصد فيه المجادل إظهار قوة عقله، وسرعة بديهته، وعظيم حجته، ولا يقصد منه إظهار الحق وبيانه، فإن هذا لا يقبل، وليس من هدي السلف.\nقال ﵀: (وترك النظر في كتب المبتدعة) لما في ذلك من الشر، فإن القلوب إذا لم تتمكن من الحق يُخشى عليها أن تنصرف وأن تزيغ وأن تضل وأن تفتتن، فكان حقًا على أهل السنة أن يجتنبوا كتب المبتدعة على وجه العموم، لكن إذا دعت حاجة إلى أن يطالع إنسان كلامهم ليرد عليهم أو يبين باطلهم أو يكشف زيف قولهم فهذا لا بأس به.\nقال: (والإصغاء إلى كلامهم) كذلك الإصغاء هو كمطالعة كتبهم، فإنه لا ينبغي أن يُصغى لكلامهم.","vol":"19","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>تعريف البدعة</span>\nقال: (وكل محدثة في الدين بدعة) بعد أن بين هجر المبتدع بين ما هي البدعة، والبدعة هي: كل محدثة في الدين، أي: كل محدثة في طريق التعبد لله ﷿، فالبدعة هي: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بها صاحبها مضاهاة الشريعة، هذه هي التي عنى المؤلف ﵀ أهلها بقوله: هجران أهل البدع.","vol":"19","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>حكم الانتساب إلى غير الإسلام والسنة</span>\nقال المؤلف ﵀: [وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع] أي: كل من خلع على نفسه اسمًا خلاف ما رضي الله لأهل هذه الملة من الأسماء فإنه مبتدع، قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] فالله ﷿ سمى أهل هذه الملة بالمسلمين، وقيل: إن الضمير يعود إلى إبراهيم فيكون هذا من تسمية إبراهيم التي رضيها الله ورضيها رسوله ﷺ، فكل من تسمى بغير هذا الاسم فهو مبتدع.\nقال ﵀: (وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع) أما السنة فالتسمي بها جائز؛ لقوله ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) فالمستمسك بالسنة مستمسك بهدي النبي ﷺ، والانتساب إلى السنة مفخرة وفضيلة؛ لأنه انتساب إلى ما أمر الله ﷿ ورسوله بالانتساب إليه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وقال ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) أما ما عدا هذين الوصفين فإنه ينبغي للمؤمن ألا ينتسب إليه، حتى تلك الأوصاف التي يقصد بها شيء من التميز عن غير أهل السنة من الألفاظ الحادثة ينبغي أن يتجنبها الإنسان ويكتفي بما اكتفى به سلف الأمة، فالانتساب الذي هو فضل ومفخرة هو الانتساب إلى كتاب الله ﷿ وإلى سنة رسوله ﷺ.","vol":"19","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>بيان مذاهب بعض الطوائف المبتدعة</span>\nقال المؤلف ﵀: [كالرافضة والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم] .\nمثل بأسماء من أسماء الطرق المبتدعة التي سلك أهلها طريقًا مخالفًا لأهل السنة والجماعة وانتسبوا لها.","vol":"19","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>الرافضة</span>\nقوله: (كالرافضة): هم الإثنا عشرية، الذين رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، فإنهم سمو (رافضة) لأنهم سألوا زيدًا عن أبي بكر وعمر فترضى عنهما وترحم عليهما فرفضوه، فسموا من ذلك الوقت (رافضة) .\nوهم لا يرضون بهذا الاسم وإنما يسمون أنفسهم بـ (الشيعة) لكن هذا الاسم قد علق بهم، وعرفوا به فلا مناص لهم من التخلي عنه إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه سلف الأمة الأبرار من أهل البيت وغيرهم، فإن الفضل والسبق لم يختص في أهل البيت، بل غير أهل البيت كـ أبي بكر ﵁ أفضل من كثير ممن هم من أهل البيت من حيث العموم، وإن كان أهل البيت لهم من الخاصية والسبق كونهم من بيت النبوة، لكنه ليس فضلًا مطلقًا يسقط كل فضل ويُغيب كل منقبة.","vol":"19","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>الجهمية</span>\nقال ﵀: (والجهمية): وهم الذين ينتسبون إلى الجهم بن صفوان، وهم أهل بدعة وضلالة، وهم درجات: منهم الغلاة، ومنهم دون ذلك، ويطلق هذا الوصف على المعتزلة؛ لأن المعتزلة في كثير من أقوالهم جهمية.","vol":"19","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>الخوارج</span>\nقال: (والخوارج): الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ﵁ وكفروه وكفروا من معه، وكفروا من يقابله، فقد كفروا عليًا وعثمان وكفروا معاوية وسائر صحابة رسول الله ﷺ، وأهل الإسلام في ذلك الزمان.","vol":"19","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>القدرية</span>\nوأما (القدرية) فهم الذين قالوا بالقدر، وقالوا: إن الله جل وعلا لم يخلق أفعال العباد، بل العباد هم الذين يخلقون أفعال أنفسهم.","vol":"19","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>المرجئة</span>\n(والمرجئة) هم الذين أرجئوا العمل عن الإيمان فقالوا: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.","vol":"19","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>المعتزلة</span>\nقال: (والمعتزلة) والمراد بالمعتزلة: هم الذين عطلوا الصفات فلم يثبتوا صفة لله ﷿، وهم أتباع واصل بن عطاء.","vol":"19","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>الكرامية</span>\nوأما الكرامية: فهم أتباع عبد الله بن كرام، وهم من الممثلة الذين غلوا في إثبات الصفات حتى قالوا: يد الله كأيدينا.","vol":"19","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>الكلابية</span>\nوالكلاّبية: هم أتباع عبد الله بن سعيد بن كلّاب ممن حاول أن يسلك طريقًا يرد به على المعتزلة فكان على طريق مخالف لطريق السلف وطريق المعتزلة، فلم يصب قول السلف فيما ذهب إليه، ومنه أخذ الأشعري كثيرًا من أقواله.\nوهذه الفرق قد ألفت فيها مؤلفات، وتكلم عليها العلماء ﵏ كلامًا وافيًا واسعًا، والمقصود إعطاء لمحة عن أصول هذه الفرق، وإلا فالذي يطلب الزيادة يجدها في مظانها.\nوقال المؤلف ﵀: [ونظائرهم، فهذه فرق الضلال وطوائف البدع، أعاذنا الله منها]: هذه المذكورات هي من فرق الضلال التي خالفت هدي سلف الأمة، وما كان عليه الصحابة ﵃، ونسأل الله أن يعيذنا وإياكم من البدع ما ظهر منها وما بطن.","vol":"19","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>الانتساب إلى إمام من أئمة أهل السنة في فروع الدين</span>\nقال: [وأما النسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع فليس بمذموم]: الانتساب إلى إمام في فروع الدين، أي: في مسائل الأحكام العملية، فالمقصود بفروع الدين الأحكام العملية التي تكون في الصلاة والحج والزكاة والمعاملات، فالانتساب إلى إمام من الأئمة في هذا (كالطوائف الأربع فليس بمذموم)؛ أي: كالذي ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة أو ينتسب إلى أحمد أو ينتسب إلى مالك أو ينتسب إلى الشافعي فإنه لا بأس بهذه النسبة، وهذه النسبة لا تخرجه عن أهل السنة والجماعة؛ لأن هؤلاء الأئمة هم أئمة أهل السنة والجماعة، فتقليدهم تقليد لإمام من الأئمة الذين أخذوا بقول من أقوال الصحابة أو بقول يسعه ويقبله مذهب أهل السنة والجماعة.\nقوله ﵀: (كالطوائف الأربع) المراد بالطوائف الأربع المذاهب الأربعة: مذهب أبي حنيفة ومذهب مالك ومذهب الشافعي ومذهب أحمد، وهل هذا محصور في هؤلاء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا، إنما هو على وجه التمثيل، فمن اقتدى في قول بإمام من الأئمة من الصحابة فمن دونهم فإنه لا بأس به، وإن انتسب إليه فلا بأس به، وإنما ذكر الطوائف الأربع لأنها الأشهر في الانتساب، وهي المذاهب التي بقيت واشتهرت وظهرت وأصبح لها أتباع ومؤلفات.","vol":"19","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>حكم الاختلاف في الفروع</span>\nقال المؤلف ﵀: [فإن الاختلاف في الفروع رحمة]: وقد جاء ما يشهد لهذا في كلام المؤلف ﵀ فإنه قال: (واختلافهم رحمة) والاختلاف في الفروع العملية رحمة لما فيه من السعة، قال عمر بن عبد العزيز: (لم يسؤني أن أصحاب النبي ﷺ اختلفوا، فإن في اختلافهم رحمة) وقال غير واحد من السلف: (في الخلاف توسعة) .\nوالمقصود بالخلاف: الخلاف في مسائل العمل لما فيه من التوسعة ورفع الحرج عن الناس.\nقال المؤلف ﵀: [والمختلفون فيه محمودون] يعني: هذا الاختلاف لا يلحق المختلفين فيه ذنب، بخلاف الاختلاف الذي يكون في أصول الدين فإن أصحابه مذمومون وهم الذين قال الله جل وعلا فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٥٩]، فإن هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا هم الذين فرقوه في أصل الاعتقاد، فتشعبت بهم الطرق وكانوا شيعًا قال الله ﷿: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] أي: ليس أتباعك، وقد برأ الله ﷿ رسوله منهم، فكل من فرق دينه ولم يعتصم بما جاء به الكتاب وما جاءت به السنة فقد دخل في الاختلاف المذموم، إذًا: عندنا اختلاف مذموم، واختلاف سائغ مقبول.\nأما الاختلاف المذموم فهو الاختلاف الذي يكون في أصل الدين الذي يخالف به الإنسان طريق السلف الصالح.\nوأما الاختلاف السائغ المقبول فهو: الاختلاف في مسائل الأحكام الفرعية.\nوقوله ﵀: (والمختلفون فيه محمودون)، أي أنهم لا يذمون؛ لأنهم مجتهدون فيما وقع بينهم من اختلاف، فلا يخرجون عن الأجر والأجرين، فمن أصاب منهم فله أجران ومن أخطأ منهم فله أجر.\nقال المؤلف ﵀: [مثابون في اجتهادهم] أي: سواء أصابوا أم أخطئوا، ثم قال: [واختلافهم رحمة واسعة] وهذا جاء في كلام كثير من العلماء، وأما حديث: (اختلاف أمتي رحمة) فليس له إسناد يعتمد عليه، وقد تناقله بعض العلماء في كلامهم واستشهدوا به، لكن ليس له ما يستند إليه، أي: من حيث السند، أما الذي جاء بسند ضعيف فهو ما رواه البيهقي من حديث ابن عباس بلفظ: (واختلاف أصحابي رحمة)، لكن الحديث ضعيف فيه تطاعن، وأيضًا في سنده راو متروك.\nوقوله ﵀: (واختلافهم رحمة واسعة) هل هذا باعتبار الاختلاف ذاته أو باعتبار ما حصل به من التوسعة على الناس؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n باعتبار ما حصل به من التوسعة على الناس، وهل يعني هذا أن الاتفاق عذاب؟ الجواب: لا، فكون الاختلاف رحمة لا يعني أن الاتفاق عذاب، بل الاتفاق مطلوب ولذلك قال: [واتفاقهم حجة قاطعة] وإنما كان الاختلاف رحمة لما فيه من التوسيع على المجتهدين وعلى العاملين، أما على المجتهدين فالتوسعة عليهم أنهم إذا أخطئوا لا ينالهم ذنب باجتهادهم أو بخطئهم، بل ينالون الأجر لأجل اجتهادهم وإن كانوا لم يصيبوا الصواب.\nوأما الناس الذين يقلدون ويسألون العلماء، فهؤلاء أيضًا يحصل عندهم سعة إذا أخذوا بقول أحد العلماء فيما ذهب إليه، ولذلك قال يحيى بن سعيد: (لم يكن الخلاف سببًا للهلاك فيمن كان قبلنا)، يعني: من الصحابة، فإنهم كانوا يختلفون فيحلل أحدهم أمرًا ويحرمه الآخر، فلا يرى من حلل أن المحرم قد هلك لتحريمه ولا يرى من حرم أن المحلل قد هلك بتحليله، فالخلاف فيه رحمة وتوسعة للناس، ولكن لا يعني ذلك أن اتفاقهم عذاب، فكون الشيء رحمة لا يلزم منه أن يكون المقابل عذابًا، ودليل ذلك أن الله ﷿ الليل رحمة لنا لنسكن فيه، فهل يعني هذا: أن النهار عذاب؟ الجواب: لا، فمقابل الليل النهار ومع ذلك لم يكن عذابًا، فالمقصود بالرحمة هو ما يحصل به من الرفق بهم والإحسان إليهم، ولا يعني هذا أن مضاده ومقابله يكون عذابًا.\nقال ﵀: (واتفاقهم حجة قاطعة) يشير بذلك إلى الإجماع، فإن الإجماع حجة بكتاب الله ﷿ وبسنة رسوله ﷺ وبإجماع السلف، لكن الاتفاق الذي يكون حجة قاطعة هو ما اتفق عليه علماء الإسلام، والإجماع المعتبر المنضبط هو ما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ.","vol":"19","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>خاتمة الكتاب</span>\nثم قال المؤلف ﵀ في آخر هذه العقيدة: [نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله ﷺ في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله، آمين.\nوهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا] .\nختم المؤلف ﵀ هذه الرسالة بالدعاء بسؤال الله ﷿ العصمة من شرين: البدعة والفتنة، والبدعة هي من الفتنة، لكنه ذكرها لما لها من الخطورة، والفتنة تكون بالبدعة وتكون بالمعصية وتكون بغير ذلك.\nثم قال: (ويحيينا على الإسلام والسنة)، والحياة على الإسلام رحمة وفضل، ويكمل ذلك باتباع سنة النبي ﷺ.\nثم سأل الله ﷿ مسألتين: المسألة الأولى في الدنيا وهي مقدمة ما يكون في الآخرة، فسأله أن يكون في الدنيا ممن يتبع رسول الله ﷺ في الحياة في ظاهر الأمر وباطنه، في عقده وقوله وعمله، ونتيجة ذلك ما سأل الله: (ويحشرنا في زمرته بعد الممات) أي: في جماعته وفي حزبه بعد الممات، فإن الحشر في حزبه من أسباب الفلاح والنجاة.\nقال: (برحمته وفضله) يعني: لا بجهدنا وعملنا، إنما ذلك محض فضل الله ورحمته كما قال النبي ﷺ: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) .\nقوله: (آمين) .\nأي: اللهم استجب.\nثم قال: (وهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسلمًا) .\nختم هذه الرسالة بالحمد لله ﷿ على التوفيق إلى هذا العقد وإلى كتابة هذا العقد لينتفع به من ينتفع، نسأل الله ﷾ أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما تعلمناه نافعًا لنا يوم العرض عليه.\nوبهذا نكون قد انتهينا من هذه العقيدة المباركة (متن لمعة الاعتقاد) تأليف الإمام الموفق ابن قدامة ﵀.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"19","page":24}]}