{"ً":{"ٌ":7740,"ٍ":"شرح لمعة الاعتقاد للمحمود","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح لمعة الاعتقاد\nالمؤلف: عبد الرحمن بن صالح المحمود\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١٢ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1041,"ٕ":1,"ٖ":1770155421,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12"],"ٚ":[{"title":"شرح كتاب لمعة الاعتقاد [١]","level":1,"page":1},{"title":"ترجمة ابن قدامة صاحب (لمعة الاعتقاد)","level":2,"page":2},{"title":"شرح عنوان الرسالة","level":2,"page":3},{"title":"شرح البسملة","level":2,"page":4},{"title":"معنى الحمدلة","level":2,"page":5},{"title":"أقسام العبودية ومعناها","level":2,"page":6},{"title":"شمول علم الله ﷾","level":2,"page":7},{"title":"شمول قدرة الله ﷿","level":2,"page":8},{"title":"تنزيه الله ﷿ عن الند والشبيه والصاحبة والولد","level":2,"page":9},{"title":"نفوذ حكم الله القدري في جميع الخلق","level":2,"page":10},{"title":"تحريم تمثيل الله ﷿ وتوهمه بالعقول والقلوب","level":2,"page":11},{"title":"تنزيه الله ﷿ عن التمثيل","level":2,"page":12},{"title":"إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى لله ﷿","level":2,"page":13},{"title":"إحاطة الله ﷿ بكل شيء","level":2,"page":14},{"title":"قهر الله ﷿ لكل شيء","level":2,"page":15},{"title":"شمول رحمة الله ﷿ لكل شيء","level":2,"page":16},{"title":"إحاطة علم الله ﷿ بالخلق","level":2,"page":17},{"title":"وجوب إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الصفات","level":2,"page":18},{"title":"وجوب الإيمان بكل ما جاء في القرآن والسنة من صفات الله ﷿","level":2,"page":19},{"title":"حجية خبر الواحد العدل والعمل به في العقائد والأحكام","level":2,"page":20},{"title":"شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٢]","level":1,"page":21},{"title":"حكم تأويل أسماء الله وصفاته وذكر أقسام التأويل","level":2,"page":22},{"title":"الرد على مذهب أهل التفويض","level":2,"page":23},{"title":"المحكم والمتشابه في كتاب الله ﷿","level":2,"page":24},{"title":"معنى آية آل عمران والوقف فيها","level":3,"page":25},{"title":"المقصود بالمحكم والمتشابه في القرآن الكريم","level":3,"page":26},{"title":"زيغ وضلال أهل الأهواء والبدع بسبب التأويل الفاسد","level":3,"page":27},{"title":"معنى قول الإمام أحمد: (نؤمن بأحاديث الصفات ولا كيف ولا معنى)","level":2,"page":28},{"title":"أهل السنة لا يصفون الله بأكثر مما وصف به نفسه","level":2,"page":29},{"title":"وجوب إثبات أسماء الله وصفاته من غير تشبيه ولا تعطيل","level":2,"page":30},{"title":"أهل السنة لا يردون شيئا من الأسماء والصفات لشناعة شنعت عليهم","level":2,"page":31},{"title":"معنى قول الشافعي: (آمنت بما جاء عن الله على مراد الله)","level":2,"page":32},{"title":"التعريف بالسلف والخلف","level":2,"page":33},{"title":"معنى اتفاق السلف وأئمة الخلف على الإقرار والإمرار","level":2,"page":34},{"title":"الأمر بالاهتداء بمنهج السلف والتحذير من المحدثات","level":2,"page":35},{"title":"شرح أثر ابن مسعود ﵁ (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)","level":2,"page":36},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":37},{"title":"صفة المجيء من الصفات الثابتة لله ﷿","level":3,"page":38},{"title":"محادة المفوضة لرسول الله ﷺ","level":3,"page":39},{"title":"المقصود بإحصاء أسماء الله ﷿","level":3,"page":40},{"title":"شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٣]","level":1,"page":41},{"title":"كلام السلف ﵏ في الحد والغاية","level":2,"page":42},{"title":"كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في الوقوف عندما وقف عنده الصحابة","level":2,"page":43},{"title":"وصية عمر بن عبد العزيز ﵀ بالوقوف حيث وقف السلف","level":3,"page":44},{"title":"منهج السلف مبني على علم","level":3,"page":45},{"title":"نفوذ بصر السلف ﵏","level":3,"page":46},{"title":"كف السلف عن الخوض في المسائل التي ابتدعها المتأخرون","level":3,"page":47},{"title":"حال من خالف منهج السلف الصالح","level":3,"page":48},{"title":"وصية الأوزاعي ﵀ باتباع آثار السلف وترك آراء الرجال","level":2,"page":49},{"title":"مناظرة عبد الله بن محمد الأذرمي في خلق القرآن","level":2,"page":50},{"title":"ضلال المعتزلة في القول بخلق القرآن","level":3,"page":51},{"title":"ثبات الإمام أحمد ﵀ في قضية القول بخلق القرآن","level":3,"page":52},{"title":"شرح قصة الأذرمي مع المبتدع والعبرة منها","level":3,"page":53},{"title":"من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه فلا وسع الله عليه","level":3,"page":54},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":55},{"title":"معنى قول عمر بن عبد العزيز ﵀: (وببصر نافذ كفوا)","level":3,"page":56},{"title":"عدم التأويل والتكييف يشمل جميع أبواب العقيدة","level":3,"page":57},{"title":"حكم تكفير المعتصم العباسي","level":3,"page":58},{"title":"حكم المخالطة والسلام على من ينفي الصفات والقدر ويسب الصحابة ﵃","level":3,"page":59},{"title":"الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد والأحكام","level":3,"page":60},{"title":"شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٤]","level":1,"page":61},{"title":"إثبات صفة الوجه لله ﷿","level":2,"page":62},{"title":"منهج ابن قدامة في ذكر الصفات","level":3,"page":63},{"title":"الكلام على تقسيم الصفات إلى فعلية وذاتية ونحو ذلك","level":3,"page":64},{"title":"الرد على الذين ينكرون صفة الوجه لله ﵎ أو يؤولونها","level":3,"page":65},{"title":"إثبات صفة اليدين لله ﷿","level":2,"page":66},{"title":"الرد على المنكرين والمأولين لصفة اليدين لله ﷿","level":3,"page":67},{"title":"إثبات صفة النفس لله ﷿","level":2,"page":68},{"title":"الكلام على صفة المجيء والإتيان","level":2,"page":69},{"title":"إثبات صفة المجيء والإتيان لله ﷿","level":3,"page":70},{"title":"سبب تأويل المتكلمين للصفات الفعلية والرد عليهم","level":3,"page":71},{"title":"الكلام على صفة الرضا ونحوها","level":2,"page":72},{"title":"إثبات صفة الرضا لله ﷿","level":3,"page":73},{"title":"الرد على المنكرين والمأولين لصفة الرضا","level":3,"page":74},{"title":"إثبات صفة المحبة لله ﷿","level":3,"page":75},{"title":"إثبات صفة الغضب","level":3,"page":76},{"title":"إثبات صفة السخط لله ﷿","level":3,"page":77},{"title":"إثبات صفة الكره لله ﷿","level":3,"page":78},{"title":"إثبات صفة النزول لله ﷿","level":2,"page":79},{"title":"الرد على شبهة أن السماوات ستكون فوق الله تعالى إذا نزل","level":3,"page":80},{"title":"الرد على شبهة انتقال ثلث الليل الآخر من بلد إلى بلد باستمرار","level":3,"page":81},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":82},{"title":"الجمع بين حديث: (يقبض الله السماوات بيمينه والأرضين بشماله) وحديث: (وكلتا يديه يمين)","level":3,"page":83},{"title":"صفات الله ﷿ لا تشبه صفات المخلوقين","level":3,"page":84},{"title":"كيفية إثبات أسماء الله ﷿","level":3,"page":85},{"title":"معنى قوله ﷺ: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله)","level":3,"page":86},{"title":"منهج الماتريدية في العقيدة","level":3,"page":87},{"title":"معنى قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأييد)","level":3,"page":88},{"title":"أحسن الشروح لكتاب التوحيد من صحيح البخاري","level":3,"page":89},{"title":"الكلام في مسألة: هل يخلو العرش عند نزول الله ﷿ إلى السماء الدنيا","level":3,"page":90},{"title":"تأليف الإمام البخاري في الأسماء والصفات","level":3,"page":91},{"title":"شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٥]","level":1,"page":92},{"title":"إثبات صفة العجب لله ﷿","level":2,"page":93},{"title":"إثبات صفة الضحك لله ﷿","level":2,"page":94},{"title":"وجوب الإيمان بما صح من الأسماء والصفات من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل","level":2,"page":95},{"title":"الكلام على صفة الاستواء","level":2,"page":96},{"title":"إثبات صفة الاستواء لله ﷿","level":3,"page":97},{"title":"الرد على المنكرين والمأولين لصفة الاستواء","level":3,"page":98},{"title":"معنى العرش","level":3,"page":99},{"title":"الكلام على صفة العلو","level":2,"page":100},{"title":"إثبات صفة العلو لله ﷿ وذكر الأدلة على ذلك","level":3,"page":101},{"title":"دليل الفطرة على العلو","level":3,"page":102},{"title":"شبهة أن أهل السنة يستدلون بالأحاديث الضعيفة في العقائد","level":3,"page":103},{"title":"شرح حديث الجارية","level":3,"page":104},{"title":"إثبات مشركي العرب لعلو الله ﷿","level":3,"page":105},{"title":"إثبات العلو لله ﷿ في الكتب القديمة","level":3,"page":106},{"title":"دليل آخر على العلو","level":3,"page":107},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":108},{"title":"الحكمة في تكرار الرقم (سبعة) في كثير من الأشياء","level":3,"page":109},{"title":"تكليم الله ﷿ لأنبيائه ﵈","level":3,"page":110},{"title":"الحكم على حديث: (كم إلها تعبد؟)","level":3,"page":111},{"title":"عدد حملة العرش يوم القيامة","level":3,"page":112},{"title":"معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)","level":3,"page":113},{"title":"الفرق بين التشبيه والتمثيل والتكييف","level":3,"page":114},{"title":"الهوى سبب انحراف أهل البدع في الغالب","level":3,"page":115},{"title":"التعريف بالأشاعرة","level":3,"page":116},{"title":"شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٦]","level":1,"page":117},{"title":"شبهات في مسألة العلو والرد عليها","level":2,"page":118},{"title":"الرد على شبهة أن الله في كل مكان","level":3,"page":119},{"title":"الرد على شبهة القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه","level":3,"page":120},{"title":"الرد على شبهة استلزام إحاطة السماء بالأرض أنه الجهات كلها علو","level":3,"page":121},{"title":"إحاطة السماء بالأرض لا تستلزم أن يكون الله في كل جهة","level":3,"page":122},{"title":"إحاطة السماء بالأرض لا تقتضي إحاطة الله بمخلوقاته","level":3,"page":123},{"title":"كروية الأرض وعدد الاتجاهات بالنسبة لها","level":2,"page":124},{"title":"شرح أثر مالك بن أنس: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول)","level":2,"page":125},{"title":"الكلام على صفة الكلام","level":2,"page":126},{"title":"إثبات صفة الكلام لله ﷿","level":3,"page":127},{"title":"بيان مذهب المعتزلة والأشاعرة في الكلام","level":3,"page":128},{"title":"الرد على الأشاعرة في كلام الله","level":3,"page":129},{"title":"بيان أن كلام الله يسمع","level":3,"page":130},{"title":"إثبات تكليم الله للمؤمنين في الآخرة","level":3,"page":131},{"title":"أدلة إثبات صفة الكلام لله جل وعلا من القرآن","level":3,"page":132},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":133},{"title":"سبب وقوع الأشاعرة في الخطأ في صفة الكلام لله ﷿","level":3,"page":134},{"title":"فساد القول بأن الله ﷿ لا داخل العالم ولا خارجه","level":3,"page":135},{"title":"لا يسمى الله ﷿ بالدهر","level":3,"page":136},{"title":"الخلاف حول مسألة رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج","level":3,"page":137},{"title":"أقسام الوحي","level":3,"page":138},{"title":"الجواب عمن يستشكل صفة النزول بانتقال الليل على مدار الزمان","level":3,"page":139},{"title":"المتكلمون لا يمسكون عن تحديد المكان لله تعالى","level":3,"page":140},{"title":"منهج السلف في رد الشبهات","level":3,"page":141},{"title":"شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٧]","level":1,"page":142},{"title":"إثبات صفة الكلام لله ﷿ بصوت وحرف","level":2,"page":143},{"title":"إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء","level":3,"page":144},{"title":"نداء الله لأهل المحشر بصوت يسمعونه","level":3,"page":145},{"title":"نداء الله لموسى عند تكليمه بصوت يسمعه","level":3,"page":146},{"title":"الكلام على القرآن الكريم","level":2,"page":147},{"title":"بيان أن القرآن الكريم من كلام الله ﷿","level":3,"page":148},{"title":"نزول جبريل ﵇ بالقرآن على النبي ﷺ","level":3,"page":149},{"title":"بيان أن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود","level":3,"page":150},{"title":"حكم ترك الصلاة عند اندراس الإسلام","level":3,"page":151},{"title":"ترتيب سور وآيات القرآن الكريم","level":3,"page":152},{"title":"أجر قراءة القرآن","level":3,"page":153},{"title":"القرآن الكريم له أول وآخر وأجزاء وأبعاض","level":3,"page":154},{"title":"القرآن كلام الله ﷿ كيفما تصرف","level":2,"page":155},{"title":"من القرآن محكم ومتشابه وعام وخاص وناسخ ومنسوخ","level":3,"page":156},{"title":"حفظ الله ﷿ للقرآن وإعجازه وبلاغته","level":3,"page":157},{"title":"معرفة العرب أن القرآن كلام الله، وطعنهم فيه","level":2,"page":158},{"title":"تحدي الله ﷿ للعرب ببلاغة القرآن الكريم","level":3,"page":159},{"title":"كتابة القرآن الكريم في اللوح المحفوظ","level":2,"page":160},{"title":"الحروف المقطعة في القرآن الكريم","level":2,"page":161},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":162},{"title":"إطلاق لفظ (شيء) على جميع المخلوقات","level":3,"page":163},{"title":"كتابة القلم للقرآن الكريم","level":3,"page":164},{"title":"تكليم الملائكة لله ﷿","level":3,"page":165},{"title":"اندراس الإسلام في بعض الأماكن في هذه الأزمنة","level":3,"page":166},{"title":"حكم تكفير الخوارج","level":3,"page":167},{"title":"حكم كتابة القرآن كتابة إملائية","level":3,"page":168},{"title":"تفاوت أجر الذين يقرءون القرآن","level":3,"page":169},{"title":"شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٨]","level":1,"page":170},{"title":"فضل قراءة القرآن وحكم من أنكر شيئا منه","level":2,"page":171},{"title":"خسارة من يتعجل أجر تلاوته في الدنيا","level":3,"page":172},{"title":"فضل إعراب القرآن وتلاوته","level":3,"page":173},{"title":"حكم من كفر بحرف من القرآن الكريم","level":3,"page":174},{"title":"الكلام على مسألة رؤية الله ﷿","level":2,"page":175},{"title":"إثبات رؤية المؤمنين لربهم ﷿ يوم القيامة","level":3,"page":176},{"title":"ذكر المخالفين في مسألة الرؤية","level":3,"page":177},{"title":"الأدلة على إثبات رؤية الله من القرآن","level":3,"page":178},{"title":"الأدلة على إثبات رؤية الله من السنة","level":3,"page":179},{"title":"الرد على منكري الرؤية في استدلالهم بآية (لا تدركه الأبصار)","level":3,"page":180},{"title":"الرد على منكري الرؤية في استدلالهم بآية (لن تراني)","level":3,"page":181},{"title":"رؤية الله ﷿ لا تستلزم التشبيه","level":3,"page":182},{"title":"الإيمان بالقدر","level":2,"page":183},{"title":"مراتب القدر","level":3,"page":184},{"title":"أقسام الإرادة","level":3,"page":185},{"title":"وجوب الإيمان بالقضاء والقدر والكفر بتأثير الكواكب والبشر","level":3,"page":186},{"title":"شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٩]","level":1,"page":187},{"title":"الإيمان بالقضاء والقدر","level":2,"page":188},{"title":"لا يكون شيء إلا بعلم الله ومشيئته","level":3,"page":189},{"title":"لا يخرج شيء عن مشيئة الله تعالى","level":3,"page":190},{"title":"كتابة الله ﷿ كل شيء في اللوح المحفوظ","level":2,"page":191},{"title":"إرادة الله ﷿ الكونية","level":2,"page":192},{"title":"خلق الله ﷿ لكل شيء ومنها أفعال العباد","level":2,"page":193},{"title":"الأرزاق والآجال مقدرة من عند الله ﷿","level":2,"page":194},{"title":"تنزيه الله ﷿ عن الظلم، وإثبات أن كل فعله لحكمة","level":2,"page":195},{"title":"الأدلة من القرآن الكريم على القضاء والقدر","level":3,"page":196},{"title":"الأدلة من السنة على القضاء والقدر","level":3,"page":197},{"title":"لا تعارض بين القدر والشرع","level":3,"page":198},{"title":"إلزام من يحتج على المعصية بالقدر","level":3,"page":199},{"title":"قيام الحجة على الإنسان حتى لا يحتج بالقدر على المعاصي","level":3,"page":200},{"title":"لا يحاسب المرء على ما هو خارج عن إرادته","level":3,"page":201},{"title":"زعم التعارض بين القدر والشرع وهم","level":3,"page":202},{"title":"الاحتجاج بالقدر على المعاصي مشابهة للمشركين","level":3,"page":203},{"title":"منازعة القدر بالقدر","level":3,"page":204},{"title":"مسألة تكليف ما لا يطاق","level":3,"page":205},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":206},{"title":"معنى قوله ﵇: (من أحب أن يبسط له في رزقه)","level":3,"page":207},{"title":"حكم نسبة الشر إلى الله ﷿","level":3,"page":208},{"title":"شرح حديث: (لا يرد القدر إلا الدعاء)","level":3,"page":209},{"title":"الفرق بين الإرادة والمشيئة","level":3,"page":210},{"title":"وجوب تعظيم الله ﷿ وعدم قياسه بخلقه","level":3,"page":211},{"title":"حكم قول (لو) فيما فات","level":3,"page":212},{"title":"حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي","level":3,"page":213},{"title":"حكم الحلف برب المصحف","level":3,"page":214},{"title":"القرآن كلام الله وإن كتب على الورق","level":3,"page":215},{"title":"نصيحة لمن يتخيل ذات الله ﷾ وصفاته","level":3,"page":216},{"title":"القول الحق في دوران الشمس","level":3,"page":217},{"title":"أنواع الشهداء","level":3,"page":218},{"title":"مكان عقل الإنسان","level":3,"page":219},{"title":"شرح كتاب لمعة الاعتقاد [١٠]","level":1,"page":220},{"title":"الكلام على الإيمان","level":2,"page":221},{"title":"تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة","level":3,"page":222},{"title":"تعريف الإيمان عند المخالفين لأهل السنة والجماعة","level":3,"page":223},{"title":"زيادة الإيمان ونقصانه","level":3,"page":224},{"title":"أدلة زيادة الإيمان ونقصانه","level":3,"page":225},{"title":"وجوب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ","level":2,"page":226},{"title":"الرد على القرآنيين والعقلانيين","level":3,"page":227},{"title":"الإيمان بحديث الإسراء والمعراج","level":3,"page":228},{"title":"الإيمان بفقء ملك الموت عين موسى ﵇","level":3,"page":229},{"title":"وجوب الإيمان بما أخبر النبي ﷺ من أشراط الساعة","level":2,"page":230},{"title":"أشراط الساعة قسمان: صغرى وكبرى","level":3,"page":231},{"title":"الإيمان بخروج المسيح الدجال","level":3,"page":232},{"title":"الإيمان بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان","level":3,"page":233},{"title":"الإيمان بخروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان","level":3,"page":234},{"title":"الإيمان بخروج الدابة في آخر الزمان","level":3,"page":235},{"title":"الإيمان بأن من أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها","level":3,"page":236},{"title":"وجوب الإيمان بكل أشراط الساعة التي صح بها النقل","level":3,"page":237},{"title":"وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه","level":2,"page":238},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":239},{"title":"الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء","level":3,"page":240},{"title":"نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان لا ينافي كون النبي ﷺ خاتم النبيين","level":3,"page":241},{"title":"مكان عرش إبليس","level":3,"page":242},{"title":"وجود الدجال","level":3,"page":243},{"title":"منزلة السنة من القرآن ووجوب الأخذ بهما جميعا","level":3,"page":244},{"title":"مكان الجنة والنار","level":3,"page":245},{"title":"فعل الله ﷿ كله عدل ولا يجوز الاعتراض عليه","level":3,"page":246},{"title":"شرح كتاب لمعة الاعتقاد [١١]","level":1,"page":247},{"title":"الإيمان باليوم الآخر وما فيه من مواقف","level":2,"page":248},{"title":"الإيمان بفتنة القبر وسؤال الملكين","level":3,"page":249},{"title":"الإيمان بالبعث بعد الموت","level":3,"page":250},{"title":"البعث والحشر والعذاب يكون على الأجساد والأرواح جميعا","level":3,"page":251},{"title":"النفخ في الصور","level":3,"page":252},{"title":"الإيمان بالحشر","level":3,"page":253},{"title":"الشفاعة الكبرى لفصل القضاء","level":3,"page":254},{"title":"الإيمان بالحساب","level":3,"page":255},{"title":"نصب الموازين ونشر الدواوين","level":3,"page":256},{"title":"تطاير الصحف واستلام الكتب","level":3,"page":257},{"title":"حوض النبي ﷺ","level":3,"page":258},{"title":"الإيمان بالصراط","level":3,"page":259},{"title":"شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر","level":3,"page":260},{"title":"شفاعة الأنبياء والملائكة والمؤمنين","level":3,"page":261},{"title":"الإيمان بوجود الجنة والنار","level":2,"page":262},{"title":"أهمية تدبر حقائق يوم القيامة","level":2,"page":263},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":264},{"title":"معنى الاستثناء في قوله تعالى: (إلا ما شاء ربك)","level":3,"page":265},{"title":"حكم إخراج العمل من مسمى الإيمان","level":3,"page":266},{"title":"أعظم نعيم أهل الجنة","level":3,"page":267},{"title":"حكم القول بتخليد آكل الربا في النار","level":3,"page":268},{"title":"الكلام في صحة قول ابن القيم بفناء النار","level":3,"page":269},{"title":"بيان المراد بقوله تعالى: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)","level":3,"page":270},{"title":"الرؤيا بقدر ووقوعها بقدر","level":3,"page":271},{"title":"لا تعارض بين الدعاء والقدر","level":3,"page":272},{"title":"بيان أن الجنة التي كان فيها آدم ﵇ هي التي أعدت للمتقين","level":3,"page":273},{"title":"حكم عد حروف القرآن ومعنى إعرابه","level":3,"page":274},{"title":"إثبات صفة الكتابة لله ﷿","level":3,"page":275},{"title":"مقدار يوم القيامة على المؤمن","level":3,"page":276},{"title":"المتساقطون من الصراط يدخلون النار","level":3,"page":277},{"title":"شرح كتاب لمعة الاعتقاد [١٢]","level":1,"page":278},{"title":"حقوق النبي ﷺ وخصائصه","level":2,"page":279},{"title":"حقوق النبي ﷺ","level":3,"page":280},{"title":"االنبي ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين","level":3,"page":281},{"title":"اختصاصه ﷺ بالشفاعة العظمى","level":3,"page":282},{"title":"إثبات لواء الحمد للنبي ﷺ","level":3,"page":283},{"title":"إثبات المقام المحمود والحوض المورود للنبي ﷺ","level":3,"page":284},{"title":"فضل أمة النبي ﷺ","level":3,"page":285},{"title":"فضائل الصحابة ﵃","level":2,"page":286},{"title":"فضل أصحاب رسول الله ﷺ","level":3,"page":287},{"title":"عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة","level":3,"page":288},{"title":"إمامة أبي بكر ﵁","level":3,"page":289},{"title":"طعن الرافضة في رسول الله لعدم وصيته لعلي","level":3,"page":290},{"title":"كيف تمت مبايعة أبي بكر","level":3,"page":291},{"title":"خلافة عمر وعثمان وعلي ﵃","level":3,"page":292},{"title":"الأدلة على أفضل الخلفاء الراشدين ﵃","level":3,"page":293},{"title":"ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل كترتيبهم في الخلافة","level":3,"page":294},{"title":"فضل العشرة المبشرين بالجنة","level":3,"page":295},{"title":"الكلام على الشهادة بالجنة والنار","level":2,"page":296},{"title":"نشهد بالجنة لكل من شهد له الرسول ﷺ بها","level":3,"page":297},{"title":"لا نجزم بالنار إلا لمن جزم له الرسول ﷺ","level":3,"page":298},{"title":"عقيدة أهل السنة والجماعة في الحكم على المعين بجنة أو نار","level":3,"page":299},{"title":"منهج أهل السنة والجماعة في الحكم على أصحاب الذنوب والكبائر","level":3,"page":300},{"title":"موقف أهل السنة من أئمة الجور","level":2,"page":301},{"title":"وجوب إقامة الحج والجهاد مع الإمام وإن كان فاجرا","level":3,"page":302},{"title":"الصلاة والجهاد مع الإمام ولو كان فاجرا","level":3,"page":303},{"title":"عقيدة أهل السنة فيما شجر بين الصحابة","level":2,"page":304},{"title":"تولي أصحاب رسول الله ومحبتهم والترضي عنهم","level":3,"page":305},{"title":"السكوت عما وقع بين الصحابة","level":3,"page":306},{"title":"اعتقاد فضل الصحابة ومعرفة سابقتهم","level":3,"page":307},{"title":"الترضي عن أزواج النبي ﷺ","level":3,"page":308},{"title":"أفضل أزواج النبي ﷺ خديجة وعائشة","level":3,"page":309},{"title":"حكم سب الصحابة ﵃","level":3,"page":310},{"title":"فضل معاوية ﵁","level":3,"page":311},{"title":"موقف أهل السنة والجماعة من أئمة المسلمين وأمرائهم","level":2,"page":312},{"title":"موقف أهل السنة والجماعة من هجران أهل البدع والخصومات معهم","level":2,"page":313},{"title":"خطر النظر في كتب أهل البدع والإصغاء إليهم","level":3,"page":314},{"title":"كل فرقة تسمت بغير الإسلام والسنة فهي مبتدعة","level":3,"page":315},{"title":"حكم الانتساب إلى إمام في فروع الدين","level":3,"page":316},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":317},{"title":"المقصود بسنة الخلفاء الراشدين","level":3,"page":318},{"title":"سبب تخصيص الخلفاء الراشدين بهذا الوصف","level":3,"page":319},{"title":"شروط الخروج على الإمام الكافر","level":3,"page":320}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"2,1":21,"2,2":22,"2,3":23,"2,4":24,"2,5":25,"2,6":26,"2,7":27,"2,8":28,"2,9":29,"2,10":30,"2,11":31,"2,12":32,"2,13":33,"2,14":34,"2,15":35,"2,16":36,"2,17":37,"2,18":38,"2,19":39,"2,20":40,"3,1":41,"3,2":42,"3,3":43,"3,4":44,"3,5":45,"3,6":46,"3,7":47,"3,8":48,"3,9":49,"3,10":50,"3,11":51,"3,12":52,"3,13":53,"3,14":54,"3,15":55,"3,16":56,"3,17":57,"3,18":58,"3,19":59,"3,20":60,"4,1":61,"4,2":62,"4,3":63,"4,4":64,"4,5":65,"4,6":66,"4,7":67,"4,8":68,"4,9":69,"4,10":70,"4,11":71,"4,12":72,"4,13":73,"4,14":74,"4,15":75,"4,16":76,"4,17":77,"4,18":78,"4,19":79,"4,20":80,"4,21":81,"4,22":82,"4,23":83,"4,24":84,"4,25":85,"4,26":86,"4,27":87,"4,28":88,"4,29":89,"4,30":90,"4,31":91,"5,1":92,"5,2":93,"5,3":94,"5,4":95,"5,5":96,"5,6":97,"5,7":98,"5,8":99,"5,9":100,"5,10":101,"5,11":102,"5,12":103,"5,13":104,"5,14":105,"5,15":106,"5,16":107,"5,17":108,"5,18":109,"5,19":110,"5,20":111,"5,21":112,"5,22":113,"5,23":114,"5,24":115,"5,25":116,"6,1":117,"6,2":118,"6,3":119,"6,4":120,"6,5":121,"6,6":122,"6,7":123,"6,8":124,"6,9":125,"6,10":126,"6,11":127,"6,12":128,"6,13":129,"6,14":130,"6,15":131,"6,16":132,"6,17":133,"6,18":134,"6,19":135,"6,20":136,"6,21":137,"6,22":138,"6,23":139,"6,24":140,"6,25":141,"7,1":142,"7,2":143,"7,3":144,"7,4":145,"7,5":146,"7,6":147,"7,7":148,"7,8":149,"7,9":150,"7,10":151,"7,11":152,"7,12":153,"7,13":154,"7,14":155,"7,15":156,"7,16":157,"7,17":158,"7,18":159,"7,19":160,"7,20":161,"7,21":162,"7,22":163,"7,23":164,"7,24":165,"7,25":166,"7,26":167,"7,27":168,"7,28":169,"8,1":170,"8,2":171,"8,3":172,"8,4":173,"8,5":174,"8,6":175,"8,7":176,"8,8":177,"8,9":178,"8,10":179,"8,11":180,"8,12":181,"8,13":182,"8,14":183,"8,15":184,"8,16":185,"8,17":186,"9,1":187,"9,2":188,"9,3":189,"9,4":190,"9,5":191,"9,6":192,"9,7":193,"9,8":194,"9,9":195,"9,10":196,"9,11":197,"9,12":198,"9,13":199,"9,14":200,"9,15":201,"9,16":202,"9,17":203,"9,18":204,"9,19":205,"9,20":206,"9,21":207,"9,22":208,"9,23":209,"9,24":210,"9,25":211,"9,26":212,"9,27":213,"9,28":214,"9,29":215,"9,30":216,"9,31":217,"9,32":218,"9,33":219,"10,1":220,"10,2":221,"10,3":222,"10,4":223,"10,5":224,"10,6":225,"10,7":226,"10,8":227,"10,9":228,"10,10":229,"10,11":230,"10,12":231,"10,13":232,"10,14":233,"10,15":234,"10,16":235,"10,17":236,"10,18":237,"10,19":238,"10,20":239,"10,21":240,"10,22":241,"10,23":242,"10,24":243,"10,25":244,"10,26":245,"10,27":246,"11,1":247,"11,2":248,"11,3":249,"11,4":250,"11,5":251,"11,6":252,"11,7":253,"11,8":254,"11,9":255,"11,10":256,"11,11":257,"11,12":258,"11,13":259,"11,14":260,"11,15":261,"11,16":262,"11,17":263,"11,18":264,"11,19":265,"11,20":266,"11,21":267,"11,22":268,"11,23":269,"11,24":270,"11,25":271,"11,26":272,"11,27":273,"11,28":274,"11,29":275,"11,30":276,"11,31":277,"12,1":278,"12,2":279,"12,3":280,"12,4":281,"12,5":282,"12,6":283,"12,7":284,"12,8":285,"12,9":286,"12,10":287,"12,11":288,"12,12":289,"12,13":290,"12,14":291,"12,15":292,"12,16":293,"12,17":294,"12,18":295,"12,19":296,"12,20":297,"12,21":298,"12,22":299,"12,23":300,"12,24":301,"12,25":302,"12,26":303,"12,27":304,"12,28":305,"12,29":306,"12,30":307,"12,31":308,"12,32":309,"12,33":310,"12,34":311,"12,35":312,"12,36":313,"12,37":314,"12,38":315,"12,39":316,"12,40":317,"12,41":318,"12,42":319,"12,43":320},"ٜ":{"1":[1,20],"2":[1,20],"3":[1,20],"4":[1,31],"5":[1,25],"6":[1,25],"7":[1,28],"8":[1,17],"9":[1,33],"10":[1,27],"11":[1,31],"12":[1,43]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16","11,17","11,18","11,19","11,20","11,21","11,22","11,23","11,24","11,25","11,26","11,27","11,28","11,29","11,30","11,31","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","12,14","12,15","12,16","12,17","12,18","12,19","12,20","12,21","12,22","12,23","12,24","12,25","12,26","12,27","12,28","12,29","12,30","12,31","12,32","12,33","12,34","12,35","12,36","12,37","12,38","12,39","12,40","12,41","12,42","12,43"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186],"187":[187],"188":[188],"189":[189],"190":[190],"191":[191],"192":[192],"193":[193],"194":[194],"195":[195],"196":[196],"197":[197],"198":[198],"199":[199],"200":[200],"201":[201],"202":[202],"203":[203],"204":[204],"205":[205],"206":[206],"207":[207],"208":[208],"209":[209],"210":[210],"211":[211],"212":[212],"213":[213],"214":[214],"215":[215],"216":[216],"217":[217],"218":[218],"219":[219],"220":[220],"221":[221],"222":[222],"223":[223],"224":[224],"225":[225],"226":[226],"227":[227],"228":[228],"229":[229],"230":[230],"231":[231],"232":[232],"233":[233],"234":[234],"235":[235],"236":[236],"237":[237],"238":[238],"239":[239],"240":[240],"241":[241],"242":[242],"243":[243],"244":[244],"245":[245],"246":[246],"247":[247],"248":[248],"249":[249],"250":[250],"251":[251],"252":[252],"253":[253],"254":[254],"255":[255],"256":[256],"257":[257],"258":[258],"259":[259],"260":[260],"261":[261],"262":[262],"263":[263],"264":[264],"265":[265],"266":[266],"267":[267],"268":[268],"269":[269],"270":[270],"271":[271],"272":[272],"273":[273],"274":[274],"275":[275],"276":[276],"277":[277],"278":[278],"279":[279],"280":[280],"281":[281],"282":[282],"283":[283],"284":[284],"285":[285],"286":[286],"287":[287],"288":[288],"289":[289],"290":[290],"291":[291],"292":[292],"293":[293],"294":[294],"295":[295],"296":[296],"297":[297],"298":[298],"299":[299],"300":[300],"301":[301],"302":[302],"303":[303],"304":[304],"305":[305],"306":[306],"307":[307],"308":[308],"309":[309],"310":[310],"311":[311],"312":[312],"313":[313],"314":[314],"315":[315],"316":[316],"317":[317],"318":[318],"319":[319],"320":[320]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>شرح كتاب لمعة الاعتقاد [١]</span>\nكتاب لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد لابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى من أفضل الكتب المختصرة في باب العقيدة، وقد بين فيه مؤلفه رحمه الله تعالى مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، والإيمان، والقرآن، والقدر، والإمامة، والصحابة وغيرها، بطريقة مختصرة ميسرة، مستشهدًا على ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>ترجمة ابن قدامة صاحب (لمعة الاعتقاد)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد: فسنبدأ -إن شاء الله تعالى- شرح رسالة من رسائل السلف رحمهم الله تعالى في العقيدة ألا وهي رسالة: (لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد) للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى.\nمؤلف هذه الرسالة هو الإمام الفقيه أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي الصالحي، وهذا الإمام اشتهر لدى العلماء بأنه صاحب (المغني)؛ لأن كتابه (المغني) في الفقه يعتبر أوسع موسوعة في مذاهب العلماء وأقاويلهم في مسائل الشريعة الإسلامية؛ فإنه جمع رحمه الله تعالى في هذا الكتاب العظيم الفريد في بابه بين ذكره لأقاويل الصحابة وأقاويل كبار التابعين وتابعيهم، ثم أيضًا ذكره لأقوال الأئمة الأربعة: الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد، بل وكبار أصحابهم رحمهم الله تعالى، وأيضًا استقصى رحمه الله تعالى الروايات داخل مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.\nثم إنه أيضًا اعتمد على ذكر الأدلة والتعليلات التي ذكرها الفقهاء، ثم لم يترك أيضًا الخلاف هكذا، وإنما أخذ رحمه الله تعالى يرجح ما يراه راجحًا، فصار كتابه الذي طبع في مجلدات عديدة موسوعة من أهم موسوعات الفقه الإسلامي، ومرجعًا من أهم المراجع لدى العلماء من بعده وإلى عصرنا الحاضر، ومن ثّم اشتهر رحمه الله تعالى بأنه صاحب (المغني)، فكأن شهرة كتابه (المغني) غطت على اسمه رحمه الله تعالى، فإذا قيل: صاحب (المغني) انتقل هذا التعريف إلى هذا الإمام الجليل الذي سبق أن ذكرنا نسبه باختصار.\nهذا الإمام الجليل ولد سنة (٥٤١هـ) بفلسطين، ببلدة تسمى جماعيل قرب نابلس، وتوفي رحمه الله تعالى سنة (٦٢٠هـ) .\nوأقول: إن هذا العالم الجليل تميز فوق تميزه العلمي بمثل كتابه (المغني) بمختصراته الأخرى في الفقه، ككتابه (المقنع) الذي يعتبر للمتوسطين، و(الكافي) وهو فوق ذلك، وأيضًا مثل كتابه (العمدة) للمبتدئين، إضافة إلى كتابه (روضة الناظر في أصول الفقه) وهو كتاب مشهور، وغير ذلك من رسائله وكتبه، ومنها هذا الكتاب الذي سنبدأ دراسته في هذه الدروس المتوالية إن شاء الله تعالى.\nوأقول: إن هذا العالم الجليل فوق كونه عالمًا بارعًا مصنفًا كان أيضًا إمامًا مجاهدًا، فقد اشتهر رحمه الله تعالى بمشاركاته في الجهاد في سبيل الله مع صلاح الدين الأيوبي هو وجماعته المقادسة من إخوانه وأبناء عمومته رحمهم الله تعالى، فإن هذه الأسرة كانت مع صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى في جهاده، وشارك في المعارك التي دارت سنة (٥٨٣هـ) لقتال الصليبيين وتحرير بيت المقدس منهم، وكان ابن قدامة رحمه الله تعالى وأفراد أسرته ممن له دور كبير في جهاد الصليبيين.\nإذًا: إمامنا هو إمام علم، وإمام عمل وجهاد، وهؤلاء هم سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى الذين كانت صفاتهم تميزهم بهذا التميز: علم مؤصل، ويعقبه عمل ودعوة وجهاد في سبيل الله.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>شرح عنوان الرسالة</span>\nهذا الكتاب الذي معنا سماه المؤلف رحمه الله تعالى: (لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد) .\nواللمعة هي: ما خالف بين بقية اللون، كأن يكون -مثلًا- اللون أسود وتكون فيه بقعة بيضاء، فتسمى هذه البقعة البيضاء لمعة.\nولذا اشتهرت هذه الكلمة بأن تطلق على لمعة الفرس التي تكون غالبًا في الخيل ونحوها، وتكون هذه اللمعة لمعة بيضاء وبقية الجسم إما أدهم أو قريب من ذلك؛ المهم أنه اشتهر هذا اللفظ بقولهم: لمعة الفرس.\nأو أن اللمعة بمعنى: البلغة من العيش، كما يقول أهل اللغة، وعلى هذا أو هذا فإن المصنف رحمه الله تعالى قصد بكلامه أو بكتابه هذا حين سماه بـ (لمعة الاعتقاد) أنه بلغة من الاعتقاد الصالح الصحيح، ومن ثَّم قال رحمه الله تعالى: (الهادي إلى سبيل الرشاد)، ولاشك أن الاعتقاد الصحيح المبني على الأدلة الصحيحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو هادٍ لمن سلكه وسار عليه إلى سبيل الرشاد.\nوسبيل الرشاد هو في الدنيا بأن يكون من اعتصم بها ممن هدي ورشد واستقام في طريقه، وهو أيضًا سبيل إلى الرشاد في الآخرة حين يهدى من مات على هذا التوحيد الصحيح إلى جنات النعيم، أسأل الله ﵎ أن يجعلنا جميعًا من أهل الجنة، وممن وفق وهدي إلى سبيل الرشاد.\nوعلى هذا فإن الشيخ رحمه الله تعالى لم يرد من رسالته هذه أن تكون كتابًا مفصلًا في الاعتقاد، وإنما أرادها لمعة تبين الطريق، أو أرادها بلغة للسالكين؛ بحيث إنه إذا قرأها الإنسان واستوعبها وفهمها استقام لديه معرفة العقيدة من جوانبها المتعددة، وهو رحمه الله تعالى ربط عقيدته بالأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>شرح البسملة</span>\nبدأ المصنف رحمه الله تعالى رسالته هذه بما يبدأ به المصنفون من أئمة الإسلام رحمهم الله تعالى فقال: بسم الله الرحمن الرحيم والكلام على البسملة منتشر في كافة شروح الكتب من جميع الأنواع، في اللغة وفي النحو وفي كتب العقائد والفقه وغيرها، ولا يكاد من شرح كتابًا من هذه الكتب إلا وتكلم عن البسملة، وعن معناها وما دلت عليه من الأسماء لله ﷾: الله، الرحمن، الرحيم.\nونحن نشير إلى ذلك إشارة مجملة فنقول: قول المؤلف رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم) المعنى: أبتدئ كتابي مستعينًا بالله ﵎، و(باسم): الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: أكتب، وهذا بالنسبة لمن يؤلف كتابًا، كإمامنا هنا، وإذا كان القارئ يقرأ القرآن وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، تكون (باسم) جارًا ومجرورًا متعلقًا بقوله: أقرأ، وإذا كان الإنسان يدخل بيته أو يدخل مكانه ويقول: باسم الله، فيكون معناها: أدخل هذا المكان باسم الله، أي مستعينًا بالله ﵎.\nو(الله) الصحيح فيه: أنه مشتق وليس بجامد؛ لأن العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا في لفظ الجلالة (الله)، فبعضهم قال: إنه علم جامد وغير مشتق، وبعضهم قال: إنه مشتق، ثم اختلفوا في الاشتقاق هل هو من أله يأله فهو مألوه، أو من أله يأله فهو آله؟ فذهب بعض المتكلمين: إلى أنه من أله يأله فهو آله، أي: أن الله يأله عباده، ومن ثمَّ فسروه بتوحيد الربوبية وهو الخلق، أي: أن الله يأله عباده؛ فهو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم إلى آخره، وبناءً على هذا التفسير وقع خطأ كبير عند كثير من المتكلمين حين فسروا كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) بأن معناها: لا خالق إلا الله؛ بناءً على هذا الفهم في الاشتقاق.\nالقول الثاني هو: أنها من أله يأله فهو مألوه، أي: معبود، أي: أن الله ﷾ هو المستحق للعبودية، وهذا هو القول الصحيح، ومن ثَّم جاء تفسير كلمة الشهادة (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق إلا الله ﵎، وهذا هو توحيد العبادة، وهذا هو الصحيح في معنى (لا إله لا الله)، وهو الصحيح أيضًا في اشتقاق كلمة (الله) .\nو(الرحمن الرحيم) اسمان من أسماء الله ﵎؛ الرحمن: اسم، وهو صيغة مبالغة خاص بالله ﷾ لا يوصف به مخلوق.\nوالرحيم أيضًا: اسم من أسمائه ﵎، لكن قد يوصف المخلوق بأنه رحيم.\nونحن نقول: إن اسمه ﵎ (الرحيم) دال على صفة الرحمة، وكذلك أيضًا اسم الله (الرحمن)، ونثبتهما لله ﵎ كما يليق بجلاله وعظمته من غير مشابهة للمخلوقين؛ ولـ ابن القيم رحمه الله تعالى في أول (مدارج السالكين) كلام قيم جدًا حول البسملة، وحول أيضًا اسمه تعالى (الرحمن الرحيم)، فمن أراد فليرجع إليه؛ فإن فيه فوائد جمة.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>معنى الحمدلة</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحمد لله المحمود بكل لسان] .\n(أل) في الحمد للاستغراق، والمقصود بقول القائل: الحمد لله: ذكر أوصاف المحمود، والاعتراف بها، والثناء على الله ﷾ بما هو أهله.\nوقول المؤلف رحمه الله تعالى هنا: (بكل لسان) يدل على أمر مهم، وهو أن الله ﷾ فطر جميع الخلق على حمده ﷾ والاعتراف له بالربوبية، ومن ثمَّ فقوله: (المحمود بكل لسان)، يشمل لسان الحال، ويشمل أيضًا لسان المقال؛ أما لسان الحال فإن الله ﷾ يحمده جميع المخلوقات، وأما لسان المقال فإنه ﷾ المحمود على جميع الألسنة، فمهما اختلفت اللغات فإن الله ﷾ يحمده أهل تلك اللغة بما علموا من أوصافه ﷾ بما هو أهله، وهذا من خصائص الربوبية والألوهية التي لا تكون لأحد.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>أقسام العبودية ومعناها</span>\nثم قال رحمه الله تعالى: [المعبود في كل زمان] .\nأي: أنه ﷾ له العبودية، والعبودية قسمان: القسم الأول منها: عبودية عامة شاملة لا يخرج عنها أحد، بل تشمل جميع الخلق، كما قال ﷿: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، وهو ﷾ معبود -أي: العبودية التي هي مقتضى الربوبية- عند جميع الخلق؛ لأنه ﷾ هو خالقهم، وهو ربهم ﵎، لهذا فإن هذه العبودية العامة الشاملة لا يخرج عنها أحد من إنس ولا من جن، ولا مؤمن ولا كافر، ولا من البشر ولا من الملائكة، ولا من شمس ولا من أرض، ولا من بحر ولا من هواء، فالكل عبيد لله ﷾ مسخرون له ﵎ مطيعون، وهذا مما دلت عليه النصوص الكثيرة؛ فإن الله ﷾ هو الذي خلق الخلق، وهو الذي يأمرهم، وهو الذي يقدر لهم ما يشاء، وهم خاضعون له؛ فحتى بني آدم الذين أعطاهم الله ﷾ عقولًا هم أيضًا في نشأتهم في هذه الأرض وفي حياتهم فيها، بل وفي رزقهم وأجلهم وموتهم وألوانهم وأطوالهم وما يجري داخل أجسامهم من حركات القلب والدم والهضم إلى آخره؛ كل ذلك هو خاضع لله ﷾؛ فليس للإنسان إرادة في أن يختار كيفية معيشته، ولا كيفية نفسه، ولا كيفية ضخ الدم في عروقه إلى آخره.\nإذًا: هذا في الإنسان العاقل المكلف، فكيف بغيره من المخلوقات؟! هذه هي العبودية الشاملة التي لا يخرج عنها أحد.\nالنوع الثاني من العبودية: العبودية الخاصة، وهذه العبودية الخاصة هي التي يتميز بها المؤمنون عن الكفار، فالمؤمنون هم الذين يعبدون الله ﵎ مخلصين له على وفق شريعته التي أمر بها على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام.\nفقول المؤلف رحمه الله تعالى: (المعبود في كل زمان) قد يدخل فيه العبودية العامة وقد يدخل فيه العبودية الخاصة بالمؤمنين.\nوقوله: (في كل زمان) أيضًا وفي كل مكان، والمعنى: أنه لا يخلو زمان أو مكان من وجود من يعبد الله ﷾، وهذا هو الذي علمناه من أخبار رسل الله الكرام، ومما أخبرنا به رسول الله ﷺ بأنه: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بالحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تباك وتعالى) .","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>شمول علم الله ﷾</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [الذي لا يخلو من علمه مكان] .\nوهذا فيه إثبات شمول علم الله ﷾؛ فلا يخلو من علمه أي مكان، سواء كان هذا المكان ظاهرًا أو باطنًا، في جوف البحار أو في جوف الأرض أو تحت صخور الجبال أو ما هو غائب، فعلم الله ﷾ قد أحاط بكل شيء، كما قال ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، فعلمه ﷾ أحاط بكل مكان، كما قال ﷿: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] .","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>شمول قدرة الله ﷿</span>\nثم قال: [ولا يشغله شأن عن شأن] أي: لكمال صفاته، فالمخلوق لضعفه حتى لو كان عنده بعض الصفات لا يستطيع أن يشتغل بأكثر من أمر في وقت واحد، ويندر أن يجمع قواه العقلية لتكون في شغلين متكافئين، وإنما غاية ما يحصل عند الإنسان أن يشتغل بأمر يعمل فيها ذهنه، ثم يشتغل بيده أو برجله بشغلة أخرى لا تحتاج إلى إعمال الذهن، أما ماعدا ذلك فلا يستطيع.\nأما الله ﷾ فهو يسمع، وسمعه وسع السماوات والأرض؛ فيسمع في وقت واحد دعاء الداعين وأقوالهم على اختلاف الزمان والمكان، وهو ﷾ كل يوم في شأن، ولا يشغله شأن عن شأن، فيغفر لهذا، ويتوب على هذا، ويستجيب لهذا، ويرزق هذا، ويحيي هذا، ويميت هذا، ﷾ وتقدس؛ لأنه كامل الصفات، فلا يقاس بغيره، وهذا هو حقيقة فهم أئمة أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى لأسمائه وصفاته؛ حيث إنهم يفهمونها كما يليق بجلاله وعظمته، ومن ثمَّ فلا يحتاجون إلى تأويل.\nأما أهل الكلام الباطل فإنهم أولًا يقعون في التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الله ﵎ ظنوا أنها كصفة فلان فيقعون في التشبيه، ثم يضطرون إلى التأويل والتعطيل؛ أما أهل السنة والجماعة فيثبتون لله الصفات كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يحتاجون إلى تأويل ولا إلى تحريف ولا إلى تعطيل.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>تنزيه الله ﷿ عن الند والشبيه والصاحبة والولد</span>\nثم قال رحمه الله تعالى: [جل عن الأشباه والأنداد] .\nأي: تقدس وتنزه.\nوقوله: (عن الأشباه والأنداد)، الشبيه هو: المشابه ببعض الوجوه دون بعض، وهو ﷾ جل أن يشبه شيئًا من خلقه لا في ذاته ولا في أي صفة من صفاته ﵎، كما أنه أيضًا جل وتقدس عن الند والمثيل، سواء في الربوبية أو في الخالقية أو في أي صفة من صفاته سبحانه؛ فهو الرب المعبود وحده لا شريك له.\nثم قال: [وتنزه عن الصاحبة والأولاد] .\nوهذا بنص القرآن؛ فقد دلت عليه الأدلة المعروفة، فلم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ﷾، فهو ليس له صاحبة ولا ولد، وفي ذلك نقض لما ادعاه المشركون حين قالوا: إن الملائكة بنات الله! أو النصارى حينما يقولون: إنما المسيح ابن الله! أو اليهود حينما يقولون: إن العزير ابن الله! فالابن يحتاج إلى صاحبة، والله ﷾ تنزه عن الصاحبة والولد، وتعالى عما يقول هؤلاء جميعًا علوًا كبيرًا.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>نفوذ حكم الله القدري في جميع الخلق</span>\nثم قال: [ونفذ حكمه في جميع العباد] .\nأي: أن حكمه ﷾ نافذ في جميع العباد، وهذا الحكم النافذ في جميع العباد الأصل فيه أنه حكمه القدري، فما شاء الله كان، وما شاء لم يكن، وهذا هو الذي ينفذ في الجميع: المؤمن والكافر؛ فجميع العباد نفذ فيهم وينفذ فيهم حكم الله ﷾، فهم جاءوا إلى هذه الدنيا بأمر الله، ويحيون بأمر الله، ويموتون بأمر الله، فحكمه فيهم نافذ، وقد يدخل في عموم هذا الكلام أن الله ﷾ وحده هو الذي يحكم بين العباد، كما قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، والخلق هو التقدير، والأمر هو نفاذ شرع الله ﷾؛ فهو ﷾ هو الذي يحكم بين عباده، ويشرع لهم ما يشاء؛ وبما أنه هو القاهر فوق عباده وحكمه القدري هو النافذ فهو أيضًا ﷾ الذي له الشرع والحكم بين عباده، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، ويقول ﷾: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص:٦٥-٦٦]، وقال تعالى بعد ذلك: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]، وقال سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]؛ فهو ﷾ الذي ينفذ حكمه في جميع العباد قدرًا، وهو الذي يجب أن ينفذ حكمه في جميع العباد أمرًا وشرعًا.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>تحريم تمثيل الله ﷿ وتوهمه بالعقول والقلوب</span>\nقال رحمه الله تعالى: [لا تمثله العقول بالتفكير] .\nأي: أنه ﷾ في ذاته وصفاته لا يمكن أن تمثله أو تشبهه العقول في تفكيرها، أي: مهما بلغ العقل في فهمه وسعة خياله أو نحو ذلك فلا يستطيع أن يمثل أو يشبه ذات الله أو صفة من صفات الله ﵎، وكيف يستطيع عقل الإنسان القاصر الصغير أن يمثل ذات الله أو صفة من صفاته، والله ﷾ يقول عن نفسه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، فتصور هذا! فأنى لهذا الإنسان الذي يعتبر خلقًا صغيرًا جدًا يجري على هذه الأرض، وهذه الأرض بالنسبة لكون الله الشاسع لا تمثل إلا ذرة صغيرة جدًا، ومع ذلك فإن الأرضين والسماوات بكواكبها ومجراتها وسعتها تكون كما قال الله ﷾: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، فكيف يأتي العقل ليمثل صفات الله ﷾؟! فالله ﷾ لا تمثله العقول بالتفكير.\nثم قال ﵀: [ولا تتوهمه القلوب بالتصوير] .\nأي: أن القلب مهما توهم لا يمكن أن يصل إلى وهم معين بتصوير ذات الله ﷾ أو صفاته، ولهذا قطع أئمة السلف رحمهم الله تعالى أن كيفية صفات الله ﷾ لا تدرك ولا يحاط بها، ولذا فإن أهل السنة والجماعة يثبتون لله الصفات، لكن الكيفية يكلون أمرها إلى الله ﵎، كما قال تعالى عن نفسه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، أي: أنه ﷾ وإن كان يراه المؤمنون يوم القيامة رؤية عيانية حقيقية إلا أنهم مع رؤيتهم له لا يدركونه، ولا يحيطون به ﷾.\nوفرق بين الرؤية وبين الإدراك، فنحن الآن -مثلًا- نرى السماء أو نرى الشمس أو نرى القمر لكننا لا نستطيع أن ندركه، بل نرى الجبل في الأرض لكن لا نستطيع أن ندرك تفاصيل هذا الجبل ونحو ذلك، ولله المثل الأعلى؛ فالله يرى، لكن مع ذلك هو ﷾ كما قال عن نفسه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فهو سبحانه لا تتوهمه القلوب بتصوير معين، سواء كان هذا التصوير مما يتوهمه القلب لصفة ذاتية لله ﷾ أو لصفة معنوية.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>تنزيه الله ﷿ عن التمثيل</span>\nثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى قاعدة من قواعد أهل السنة المستنبطة من كتاب الله ﵎ فقال: [﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]] .\nوهذا هو منهاج أهل السنة والجماعة، فقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) رد على المشبهة والممثلة؛ فهو ﷾ ليس كمثله شيء، فلا يماثل أحدًا من خلقه، ولا تماثل صفاته صفات أحد من خلقه، ولذا قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]؛ وشيء هنا تعم، لأنها نكرة في سياق نفي وهو قوله: (ليس) .\nوالكاف في قوله: (كمثله) جاءت للتأكيد، والأصل فيه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، فأكدها بقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .\nوبعض العلماء قالوا: إن الكاف بمعنى: مثل، فيكون المعنى: (ليس مثل مثله شيء)، قالوا: وهذا من باب المبالغة: أنه إذا نفى مثل المثل فالمثل من باب أولى، وإذا كان مثل المثل ليس كمثله سبحانه فإن المثل من باب أولى.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هذا لبيان إثبات الصفات لله ﷾.\nفأول الآية رد على المشبهة وآخرها -وهو قوله-: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) رد على المعطلة؛ لأن قوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) اسمان لله دالان على صفة السمع والبصر له ﵎.\nوإذا كان قوله: (السميع البصير) اسمان إلا أن هذين الاسمين لا يمكن أن يثبتا إلا بإثبات مدلولهما، وهو صفة السمع والبصر، ولذا اقترح بعض المعتزلة على أحد خلفاء بني العباس -في زمن تسلط المعتزلة- أن يكتب في سترة الكعبة أو نحوها وكان مكتوبًا عليها: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] اقترح عليه أن يمحو هذه ويكتب: (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) ! فبعضهم يقول: ما الفرق بين (السميع البصير) وبين (العزيز الحكيم)؟ فنقول: إن هذا المعتزلي أراد أن يثبت أن الله عزيز حكيم، وهذان الاسمان قد يرجعهما إلى ربوبيته ونحو ذلك، لكنه أراد أن يمحو: (السميع البصير)؛ حتى ينفي ما دلا عليه من صفة السمع والبصر؛ نظرًا لتوهمه التشبيه.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى لله ﷿</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [له الأسماء الحسنى] .\nوالحسنى هي: الحسنة بالغة الحسن، وهذا بنص القرآن: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، فأسماؤه ﷾ كلها حسنة بالغة الكمال في الحسن.\nثم قال: [والصفات العلى] .\nأي: أن له ﷾ الصفات العالية بكمالها وقدرها وعظمتها؛ لأنها صفات عظيم فهي صفات كاملة.\nثم إن المصنف رحمه الله تعالى أراد أن يمثل في بداية هذه العقيدة لبيان منهاج السلف رحمهم الله تعالى ببعض الصفات التي قد يقع فيها خلاف أو كلام أو نحو ذلك بين الفرق والطوائف فقال: [﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]] .\nفهو أولًا ذكر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، أي: أن له الأسماء الحسنى، ثم قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فجمع رحمه الله تعالى بين الثناء على الله بما هو ثابت من صفاته مثل صفة الاستواء على العرش، وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- في أثناء هذه الرسالة الكلام على صفة الاستواء ومدلوله، والمصنف هنا إنما أراد أن يشير إشارة إلى هذه الآية، لكن أيضًا أراد رحمه الله تعالى مع الثناء أن يبين منهاج السلف رحمهم الله تعالى في إثبات الصفات، وأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الاستواء لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته؛ لأن استواء الله على العرش ورد في كتاب الله ﵎ في سبعة مواضع.\nأما من فسره بالاستيلاء أو نحوه أو تأوله بذلك فتأويله باطل، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- مناقشة ذلك.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>إحاطة الله ﷿ بكل شيء</span>\nثم قال المصنف مستشهدًا: [﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٦]] .\nوهذا لبيان كمال صفاته، فهو سبحانه مالك الملك؛ فمن من المخلوقين يملك شيئًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا أحد! حتى ملوك الدنيا فملكهم ناقص من جهتين: من جهة أنه ملك لا يستطيع هو أن يحرزه ويتصرف فيه كما يشاء؛ ومن جهة أخرى: أن ملكه هذا إما أن يرحل هو عنه أو يرحل عنه ملكه؛ أما مالك الملك الذي له ما في السماوات وما في الأرض فهو الخالق له وهو المالك ﵎.\nوقوله تعالى: (وَمَا بَيْنَهُمَا)، أي: ما بين السماء والأرض؛ (وَمَا تَحْتَ الثَّرَى)، وهذا لبيان أن الله ﷾ له كل شيء.\nثم قال: [﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧]] .\nهذا لبيان كلام الله ﷾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ [طه:٧]؛ لبيان أن الجهر بالقول أو العلانية عنده سواء، ولذا جاء التعليل بقوله: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧]، والسر: قيل: هو ما يسره الإنسان لشخص آخر، فيقال: ساره بكذا، أي: كلمه سرًا بينه وبينه؛ فقوله تعالى: (وَأَخْفَى)، أي: أخفى من هذا السر الذي يكون بين اثنين وهو ما يسره الإنسان في نفسه فلا يخبر به أحدًا؛ فإن كان قوله: (فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ) أي ما يسره الإنسان في نفسه فالذي يظهر -والله أعلم- أن قوله ﵎: (وَأَخْفَى) أي: ما هو أخفى من السر، أي: مما يجهله الإنسان من نفسه هو؛ فإن الإنسان يسر أمرًا فيعلمه، لكن في نفسه أمور هي أخفى مما يسره، فالله ﷾ يعلمها؛ فكيف بما فوق السر من الجهر بالقول؟! لا شك أن الله ﷾ يعلم كل شيء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] .\nولذا قال المصنف هنا: [أحاط بكل شيء علمًا] .\nوهذا هو مدلول الآية التي ذكرت: أن الله أحاط بكل شيء علمًا؛ كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧]، فالله ﷿ قد أحاط بكل شيء علمًا، وهذا نص الآية: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢] .\nوقوله: (بكل شيء)، هذه نكرة تعم، أي: أن علمه أحاط بكل شيء مهما دق أو صغر أو خفي في ليل أو نهار في أعماق البحار أو تحت الثرى أو نحو ذلك، فقد أحاط الله ﵎ وتقدس بكل شيء.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>قهر الله ﷿ لكل شيء</span>\nثم قال: [وقهر كل مخلوق عزة وحكمًا] .\nأي: أنه ﷾ قهر الجميع عزة وحكمًا؛ لأنه ﷾ هو العزيز في ملكه، الحكيم في أمره وشرعه، فهو ﷾ قهر كل مخلوق، وهذا واضح جلي؛ فالكل داخل تحت مشيئته ﷾؛ وسبق أن بينا أن كل مخلوق سائر على ما يقدره الله ﷾.\nولنضرب أمثلة بمن قد يظن أنهم أوتوا قدرة: فلو أن رجلًا أوتي قوة عضلية أو أوتي قوة مال أو قوة سلطان أو قوة في قيادة الجيش أو نحو ذلك من القوى؛ فانظر إلى حال هذا الإنسان بذاته تجده بالنسبة لربه مقهورًا، يأتيه المرض فلا يستطيع أن يرده، ويأتيه الهرم فلا يستطيع أن يوقفه، ويأتيه الموت فيعجز هو ومن في الأرض جميعًا عن أن يؤخروا أجله لحظة! إضافة إلى أنه مقهور في وجوده في هذه الأرض بغير إرادة، وفي ولادته، وفي تحديد لونه وطوله، ونحو ذلك.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>شمول رحمة الله ﷿ لكل شيء</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ووسع كل شيء رحمة وعلمًا] .\nأي: أنه ﷾ قهر عباده، ووسعهم برحمته؛ فكما أنه وسعهم علمًا وسعهم رحمة؛ ورحمة الله ﷾ امتدت ووسعت كل شيء؛ حتى البهائم والحشرات، وحتى الكفار؛ لأننا نشاهد أن الكفار يرحم بعضهم بعضًا، ويرحمون أولادهم، فرحمته ﷾ وسعت كل شيء، كما أن علمه ﵎ وسع كل شيء.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>إحاطة علم الله ﷿ بالخلق</span>\nثم قال المصنف مستشهدًا: [﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]] .\nوهذا مؤكد لما قلناه من قبل؛ فهو ﷾ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ويعلم ما أمامهم مما سيعملونه، سواء عملوه بتخطيط منهم وإرادة أو غير ذلك مما سوف يقع لهم من مقدورات الله ﷾ المستقبلية، كما أنه يعلم ما خلفهم مما عملوه، إذ قد أحصاه الله ﷾ وعلمه وكتبه؛ وعلى هذا فإن علم الله أحاط بكل شيء سابق ولاحق، والله ﵎ علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما قال تعالى عن الكفار حينما يقفون بين يدي الله ﵎ ويطلبون الرجعة: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣]، هذا في الدنيا؛ وقال عنهم في الآخرة: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، ولا تظنوا أن هذا من باب التقدير، بل هذا من باب العلم اليقين الكامل لله، فإن الكافر وهو واقف بين يدي الله يوم القيامة يشاهد العذاب ويوقن بالحقيقة التي لا مراء فيها يرى الحقيقة بأم عينيه ويرى البعث والجزاء والحساب والنار والجنة، قال الله عنه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، أي: أن هذا الكافر لو عاد إلى الدنيا لعاد إلى كفره وشره، وربما لو عاد إلى الدنيا لقال: قد قلنا لكم إن الأمر الصحيح، فهانحن قد رجعنا إلى الدنيا مرة أخرى؛ لكن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام:٢٨] هذا من باب العلم، فالله تعالى يعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهو ﷾ علم ما كان وما لم يكن.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>وجوب إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الصفات</span>\nثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى قاعدة من قواعد منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، فقال رحمه الله تعالى: [موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم] .\nأي: أنه ﵎ موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يصفون الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من غير أن يعطلوا الصفات أو يشبهوها أو يحرفوها أو يتأولوها تأويلًا يبعد بها عن معانيها اللائقة بها، مع قولهم واعتقادهم ويقينهم وإيمانهم أن كيفية هذه الصفات لا يعلمه إلا الله ﷾؛ وهذه هي قاعدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب؛ أي: إثبات الأسماء والصفات لله ﷾ كما وردت في الكتاب والسنة وكما يليق بجلال الله وعظمته، وهذه القاعدة هي التي سار عليها المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه هذا؛ وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكر تفصيل ما ورد من أسماء الله ﵎ وصفاته وبقية مسائل الاعتقاد.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>وجوب الإيمان بكل ما جاء في القرآن والسنة من صفات الله ﷿</span>\nثم أوضحها رحمه الله تعالى ببيان أمر خطير ومهم تميز به أهل السنة والجماعة فقال: [وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل] .\nوهذه هي قاعدة أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يقولون: إن كل ما جاء في القرآن العظيم فإننا نأخذ به.\nوقد يقول قائل: وأيضًا أهل الكلام والمعطلة يأخذون بما في القرآن؟ فنقول: هناك فرق عظيم بين أن يؤخذ بما في القرآن مفسرًا للقرآن بالقرآن ومفسرًا للقرآن بسنة النبي ﷺ ومثبتًا لما ورد، وبين من يأخذ بالقرآن ثم يعمل فيه تحريفًا وتأويلًا.\nفالذي قال -مثلًا- في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]: إن (استوى) بمعنى: استولى، هو في الظاهر أخذ بالقرآن، لكنه في الحقيقة لم يثبت ما في القرآن على الوجه الذي يليق بالله ﷾، فحرف اللفظ والنص عن المعنى اللغوي الدال عليه، وهذا هو التحريف والتأويل الباطل الذي منعه الأئمة رحمهم الله تعالى، لكن أهل السنة والجماعة يأخذون بما في القرآن، ويثبتونه على مقتضى ما عرف من لغة العرب التي نزل بها القرآن مضبوطة ومقيدة بالأدلة الأخرى من الكتاب ومن السنة ومن فهم الصحابة ﵃ جميعًا لهذه النصوص.\nأما أن ينطلق إلى نصوص القرآن ثم يعمل فيها كل إنسان بما يشاء فهذا هو الذي فرق الفرق، فحين تأتي إلى المعتزلة أو الخوارج أو المرجئة أو الرافضة تجد أن كلًا منهم يحتج بآيات من القرآن، فهل معنى ذلك أن مذاهبهم صحيحة؛ لأنهم احتجوا بالقرآن؟ نقول: لا؛ لأن الاحتجاج بالقرآن لابد أن يكون على منهاج صحيح وعلى منهاج سليم، ولا يصح أن الواحد يأخذ من النصوص ما يريد ويدع منها ما لا يريد بناءً على أهوائه؛ فإن هذا هو منهاج أهل الأهواء؛ أما منهاج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى فهو القائم على أسس صحيحة منضبطة في الاستدلال بنصوص الكتاب الكريم، وهكذا في كيفية الاستدلال والفهم.\nولذا قال: (وكل ما جاء في القرآن)، أي: من الأسماء والصفات، فنحن نثبته لله كما يليق بجلاله وعظمته، ونسلم به.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>حجية خبر الواحد العدل والعمل به في العقائد والأحكام</span>\nثم قال: (أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن)، أي: ما صح من حديث رسول الله ﷺ فنحن نأخذ به في باب الاعتقاد، ومن ذلك إثبات الصفات لله ﵎، وهذا هو بيت القصيد في منهاج أهل السنة والجماعة، وهو القضية الكبرى التي هي من القضايا والأصول الكبار التي ميزت أهل السنة والجماعة عن غيرهم من الطوائف، ألا وهي: حجية خبر الآحاد في العقيدة.\nوأقول بهذه المناسبة: إن القول بأن خبر الآحاد إذا صح وتلقي بالقبول يفيد العلم، ويحتج به في باب الاعتقاد، كما يحتج به في باب الأحكام، هو الأصل الذي عليه جماهير السلف رحمهم الله تعالى وجماهير الأئمة، وقد ألفت في هذا الموضوع رسائل مطبوعة، فللشيخ الألباني رسالة، وللدكتور عمر الأشقر رسالة، وللشيخ سليم الهلالي أيضًا كتاب اسمه (الأدلة والشواهد بحجية خبر الواحد) وللشيخ ابن جبرين حفظه الله تعالى رسالة في حجية خبر الواحد وإن كانت في أصول الفقه إلا أنه أيضًا تطرق لقضية الاحتجاج بها في أصول الاعتقاد؛ وأوسع من تكلم في ذلك على حد علمي هو ابن القيم رحمه الله تعالى في آخر (مختصر الصواعق)؛ فإن المائة صفحة الأخيرة من (مختصر الصواعق المرسلة) كلها في بيان هذه القضية، وقد تميز رحمه الله تعالى بأنه أصل القضية من أساسها تأصيلًا قويًا، وأرجعها إلى قضية شهادة أن محمدًا رسول الله، وإلى قضية تبليغ الرسول لهذا الدين، وقضية أن هذا الدين كامل وباقٍِ، وإلى قضايا أخرى، وذكر عددًا من الأدلة الدالة على إفادته العلم وعلى حجيته في باب الاعتقاد وفي غيره.\nوهذا الذي عليه جماهير الأئمة المتقدمين رحمهم الله تعالى هو الذي يجب أن نسوقه حينما نحكي الخلاف في هذه القضية؛ لأن الذي دعانا إلى بيان هذه المسألة المهمة هو ما اطلعت عليه في كتب أصول الفقه للأئمة المتأخرين، ومما يؤسف له: أن بعض من بحث هذه المسائل ممن كتب في أصول الفقه اعتمد على كتب الفقه التي ألفها أولئك الأئمة! فهؤلاء حكوا الخلاف بحسب ما يعلمونه هم، ولما كانت كتب أصول الفقه في غالبها أن من كتبها هم من أئمة الاعتزال أو الأشاعرة أو الماتريدية تأثر مؤلفوها بخلفياتهم الكلامية في كثير من قضايا العقيدة، ومنها هذه القضية التي معنا، وهي حجية خبر الآحاد وإفادته العلم.\nوأقول لكم أيها الإخوة: إن الكتب الكبار التي هي مراجع ألفها غير أئمتنا، منها: (المعتمد في أصول الفقه) والكتاب مطبوع، وهو لـ أبي الحسين البصري، وهو معتزلي، و(المحصول في أصول الفقه) للفخر الرازي، وهو أشعري، و(المستصفى) للغزالي، وهو أشعري، و(البرهان في أصول الفقه) للجويني، وهو أشعري، و(العدة في أصول الفقه) لـ أبي يعلى، وكذلك كتاب (الإحكام في أصول الأحكام) للآمدي، وهذان حنبليان، ولكن الآمدي أشعري، وبالنسبة أيضًا لصاحب (العدة) أبي يعلى يميل كثيرًا إلى مذهب الأشاعرة، وهكذا كثير من كتب أصول الفقه ألفها أئمة إما ماتريدية أو أشاعرة أو معتزلة؛ فلما حكى هؤلاء الخلاف في هذه القضية التي معنا -وهي حجية خبر الآحاد في العقيدة- حكوها بطريقة ينبغي أن يوقف عندها؛ فقالوا: اختلف العلماء في قضية إفادته للعلم، ومن ثَّم في حجيته للعقيدة، على قولين: فقال جماهير العلماء: إن أخبار الآحاد تفيد العلم ولا يحتج بها في العقيدة، والقول الثاني -وهو رواية عن الإمام أحمد -: إنها تفيد العلم، ويحتج بها في العقيدة، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى أنه يكاد يسخر من مذهب الإمام أحمد بن حنبل؛ لقوله إنها تفيد العلم، فقال: ويلزمه أن كل خبر واحد يفيد العلم، يعني: أنه يلزمنا أن أي واحد وأي شخص كان يأتيك بخبر فخبره يفيد العلم، فنقول: هناك فرق بين خبر أي واحد ونقل سنة رسول الله ﷺ التي تروى بالأسانيد الصحيحة، وما عمله علماء الإسلام في الجرح والتعديل وفي غيره إلا لبيان وتوضيح هذه القضية؛ ومن ثمَّ تكلموا في الرجال، وتكلموا في لقاء الرواة بعضهم لبعض، وصحة السماع، والشذوذ والعلة إلى آخره؛ ففرق بين الحديث المصفى الذي ينظر فيه الأئمة فيقولون: هذا إسناد صحيح متصل، رواته عدول ضابطون، ليس فيه شذوذ ولا علة، فإن هذا الحكم ما جاء بسهولة، وإنما جاء من خلال دراسات وبراهين.\nفـ البخاري لما اختار صحيحه اختاره من ألوف مؤلفة من الأحاديث والروايات، وانتقى أصحها، وكذا الإمام مسلم، وكذا غيرهم، وإذا درسنا أسانيد من لا يلتزم الصحيح وتبين لنا صحة أسانيده فنقبلها؛ لذلك فنحن نقول كما قال كثير من الأئمة: إن الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول -أي: لم ينتقدها العلماء الجهابذة- تفيد العلم، ويحتج بها في العقيدة؛ فكيف يأتي هذا ويجعل قول الجمهور هو هذا، ثم يجعل القول بأنها تفيد العلم ويحتج بها في العقيدة قولًا ضعيفًا هزيلًا؟! لذلك فإننا نقول: إن حكاية الخلاف في هذه المسألة التي معنا هي كما يلي: جماهير الأئمة يرون أنه يفيد العلم ويحتج به في باب العقيدة.\nوخالف في ذلك بعضهم فقال: يفيد الظن ويحتج به في العقيدة، كما قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى، فخلاف لفظي، لكنه انتهى في النهاية إلى النتيجة نفسها لما قال: يحتج به في باب العقيدة.\nوبعضهم قال أيضًا: لا يفيد العلم، ولا يحتج به في باب العقيدة.\nلكن مذهب جماهير العلماء وهو إجماع الصحابة ويكاد أن يكون إجماع التابعين رحمهم الله تعالى هو أنها تفيد العلم، ومن ثَّم يحتج بها في باب العقيدة؛ ولهذا لم يفرقوا في روايتهم لهذه الأحاديث بين أحاديث العبادة وبين أحاديث العقيدة.\nإذًا: ما ابتدعه المبتدعة من المعتزلة ومن غيرهم حين قالوا: إنه لا يحتج بأحاديث الآحاد في باب العقيدة معناه: سلخ لجزء كبير من نصوص الاعتقاد، ولا شك أن هذه المقالة مقالة باطلة، وليس هذا موضع تفصيلها، فارجعوا إلى المراجع والكتب التي ذكرتها قبل قليل.\nإذًا: منهاج أهل السنة والجماعة هو: أن كل ما جاء به القرآن أو صح عن المصطفى ﵊ من صفات الرحمن فإنه يجب الإيمان والتصديق به، ويجب تلقيه بالتسليم والقبول؛ فإذا صح الإسناد ودرسناه ولم يعترض عليه أحد من الأئمة، فنأخذه ونتلقاه بالقبول، لأن هذا الذي وصلنا من طريق هؤلاء الأئمة العدول هو المنقول عن رسولنا ﷺ، ولو رددنا هذه الأحاديث لكان ذلك مدخلًا لأن نرد أيضًا أحاديث الأحكام، كما فعلت بعض الطوائف وقالت: ما دام حديث الآحاد محكمًا فكيف نأخذ به في أمورنا كلها؟ ولذا كان الأئمة رحمهم الله تعالى لا يفرقون، ولما قيل لـ إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى: تروي حديث النزول؟! فقال: نعم أرويه.\nفقيل: كيف تروي حديث (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)؟! وكأن السائل توهم أن فيه نوعًا من تشبيه أو مما لا يليق أن ينسب إلى الله ﷾! فانتفض إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى وقال: هذه الأحاديث والروايات هي التي بها نحلل الدماء وبها نحرم، بها نحلل الفروج وبها نحرم، بها نحلل الأموال وبها نحرم، فكيف نأخذ بخبر الآحاد ونقطع به رقبة نفس معصومة، ثم لا نأخذ به حين يأتي بهذا الإسناد نفسه مخبرًا عن صفة من صفات الله ﵎؟! لا شك أن هذا عين التناقض.\nلذلك أخذ بها الأئمة رحمهم الله تعالى، وعملوا بها، ولم يفرقوا رحمهم الله تعالى بينها؛ حتى إن بعضهم صار يصرح بلفظ الشهادة؛ فإذا ساق إسنادًا متصلًا رواته كلهم عدول ثقات أثبات يأتي ويقول: أشهد بالله أن رسول الله ﷺ قال هذا الحديث! ولا شك أنها ليست شهادة على باطل؛ لأنه بناها على علم، فقد وصل بذلك إلى علم اليقين، أما إذا رفضنا هذه الأحاديث فمعناه أنا رفضنا جزءًا كبيرًا من الشريعة، والشيخ رحمه الله تعالى قال: (تتلقى بالتسليم وبالقبول فلا نرد شيئًا منها) .\nوقوله: (وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل كما فعل أهل الباطل) هذا ما سنستكمله -إن شاء الله تعالى- في الدرس القادم.\nوأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٢]</span>\nأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما أخبر الله ﷿ عن نفسه وبكل ما أخبر به الرسول ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وهذا هو المنهج الذي كان عليه الصحابة ﵃، وكان عليه التابعون ومن تبعهم بإحسان، وعليه الأئمة والعلماء من أهل السنة والجماعة إلى يومنا هذا.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>حكم تأويل أسماء الله وصفاته وذكر أقسام التأويل</span>\nقد بينا في الدرس السابق أن منهج السلف الصالح -كما أشار إليه المصنف- قائم على أن الله تعالى يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ، وأن كل ما ورد في كتاب الله تعالى وفي سنته الصحيحة فإنه يتلقى بالقبول والتسليم، ثم إن المصنف قال في آخر كلامه: [وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل] .\nوهذا هو منهج المخالفين لأهل السنة والجماعة؛ فإنهم إذا جاءتهم النصوص يكونون فيها على طرائق: فمنهم من يردها ويقول: حتى ولو جاء الدليل على هذه الصفة أو على هذا الأمر العقدي في كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ فهو غير مقبول، وهذا معنى قول المصنف: (دون التعرض له بالرد)؛ فأهل السنة والجماعة يقبلون ولا يردون ما ورد من ذلك، ولهذا فإن الرد هو رد النص ورد ما دل عليه النص من صفة ونحوها.\nوقوله: (دون التعرض له بالرد والتأويل) أما التأويل فهو: صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به.\nهذا هو التعريف المشتهر عند كثير من أهل أصول الفقه وغيرهم، ولكن لفظ التأويل الوارد في الكتاب والسنة وعند السلف الصالح رحمهم الله تعالى يطلق على إطلاقين: أحدهما: أنه بمعنى التفسير، فيقول الإنسان: تأويل الآية كذا، أي: تفسيرها كذا، وهذا منهج ابن جرير الطبري في تفسيره؛ فإنه دائمًا يقول: القول في تأويل قوله تعالى، أي: تفسير قوله تعالى.\nالثاني: أن التأويل بمعنى الحقيقة التي يئول إليها الشيء، فتأويل صفات الله، أي: حقيقة صفات الله، وتأويل الرؤيا، أي: حقيقة الرؤيا، كما قال الله تعالى عن يوسف أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف:١٠٠]، أي: حقيقة الرؤيا التي رآها أولًا تحققت من خلال ما جرى له عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم؛ ومن هنا فإن هذين المعنيين للتأويل هما المعنيان المشهوران المعروفان عند السلف الصالح.\nوأما المعنى الثالث للتأويل وهو الذي ذكرته أولًا وهو الذي قصده المصنف هنا؛ فهو معنىً حدث بعد الافتراق الذي وقع في هذه الأمة، وهذا التأويل له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون الدليل صحيحًا والصارف عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح صحيحًا، ففي هذه الحالة يكون هذا التأويل صحيحًا.\nالثاني: أن يكون التأويل لغير دليل، بل أحيانًا يكون مخالفًا للدليل، فهذا هو التأويل الباطل، وهو الذي قصده المصنف هنا.\nولهذا قال: (دون التعرض له بالرد والتأويل)، وهو يقصد رحمه الله تعالى بهذا منهج المنحرفين في باب الأسماء والصفات الذين أولوا النصوص، فيأتي أحدهم -مثلًا- إلى قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فيتأول النص الظاهر إلى معنىً آخر بعيد جدًا، فيقول: استوى بمعنى: استولى.\nويأتي إلى قول الله ﵎: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، فيقول: اليدان هما القدرة أو النعمة، أو القدرة والنعمة وهكذا، ويأتي على كل صفة ثابتة فيتأولها إلى معانٍ أخرى، وتكون هذه المعاني بعيدة لم يدل عليها النص، وإن دل عليها فدلالة ضعيفة جدًا، بل إن تأويله هذا مصادم للنصوص الأخرى، ولمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في إثبات هذه الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته، لهذا فإن السلف رحمهم الله تعالى يثبتون الأسماء والصفات لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته دون تأويل، ولهذا قال بعد ذلك: (والتشبيه والتمثيل)، أي: دون التعرض لها بتشبيه؛ والتشبيه هو أن يجعل صفة من صفات الله تعالى مشبهة لصفة من صفات المخلوقين، أو بالعكس: أن يجعل صفة من صفات المخلوقين مشبهة لصفة من صفات الله تعالى.\nوالتمثيل: أن يجعلها مماثلة له، فالفرق بين التشبيه والتمثيل: أن التشبيه إنما يكون في بعض الأشياء، وقد لا يكون فيها جميعًا، أما التمثيل فإنه يكون في جميع الأشياء، فإذا قلت: هذا مثل هذا، فأنت تقصد أنه مماثل له تمامًا، لكن إذا قلت: هذا يشبه هذا فأنت تقصد أن بينهما شبهًا، وأن بينهما أيضًا فرقًا.\nفأهل السنة والجماعة وسط بين أهل التعطيل الذين دخلوا في التأويل والتحريف لنصوص الصفات وأهل التشبيه والتمثيل الذين شبهوا الله بخلقه، وشبهوا صفاته تعالى بصفات خلقه.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الرد على مذهب أهل التفويض</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله؛ اتباعًا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله ﷾: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]] .\nهذه العبارة عند ابن قدامة فيها إشكال! وذلك من جهة أنه قال: (وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا وترك التعرض لمعناه)؛ وسيأتي بعد قليل نقل ابن قدامة عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أنه قال في قول النبي ﷺ: (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا) وقوله: (إن الله يرى في القيامة) وما أشبه هذه الأحاديث؛ يقول الإمام أحمد: (نؤمن بها، ونصدق بها، لا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول ﷺ حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ) .\nفقول الإمام أحمد هنا: (لا كيف ولا معنى)، قد يظن البعض أن منهج الإمام أحمد رحمه الله تعالى -ومثله ابن قدامة في العبارة السابقة- هو التفويض في باب الأسماء والصفات، أي: إثبات ألفاظها فقط دون التعرض لإثباتها حقيقة وإثبات ما دلت عليه من معنىً يليق بجلال الله وعظمته.\nونقول: إن هذا المذهب مذهب أهل التفويض، وهم فرقة مخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة، ولم يقل به أحد منهم، وإنما هو مذهب لطوائف انحرفت عن المنهج الصحيح لأهل السنة والجماعة، ولهذا فإن قول الإمام أحمد هنا: (لا كيف) صحيح، وقوله: (لا معنى) يقصد: أننا لا نتعرض لمعناها بالتأويل والتحريف والتشبيه ونحو ذلك، أي: لا نظهر لها معنىً يخالف ظاهرها الذي دلت عليه، ولهذا قال بعد ذلك: ولا نرد شيئًا منها، ونصدق بما جاء به الرسول ﷺ.\nفهو بين أن منهج السلف إثبات الصفات، وإثبات الصفات لله ﷾ هو إثباتها على ما يليق بجلاله وعظمته، وإثبات المعنى الذي دلت عليه والذي دل عليه النص، وليس المقصود إثبات اللفظ فقط، ولهذا فإن أهل السنة والجماعة يردون على المتأولة، ويردون على الذين يمثلون صفات الله تعالى بصفات خلقه أو يكيفونها، ولنضرب مثلًا بصفة السمع أو بصفة العلم: فإن أهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة، ويعلمون معنى العلم ومعنى السمع، فيثبتون هذه الصفة لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته، ولكنهم وهم يثبتون هذه الصفة لا يتعرضون لتأويلها وتحريفها كما فعل أهل التحريف والتأويل، وأيضًا لا يكيفون هذه الصفة، فلا يقولون: إن كيفية الصفة كذا وكذا، أو يقولون: إنها تشبه صفة الخلق أو أحدًا من الخلق أو نحو ذلك، ومن هنا فقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (ولا معنى) أي: لا نقول: إن لها معاني تخالف ظاهرها؛ فنقع في التحريف والتأويل ونحو ذلك، وإنما نثبتها، والتفويض إنما يكون لكيفية الصفة، لا لحقيقة الصفة وما دلت عليه من المعنى؛ فكيفية صفات الله تعالى نفوضه إلى الله؛ لأننا كما لا نعلم ذاته فإننا أيضًا لا نعلم كيفية الصفات، أما الصفة نفسها فإننا نثبتها لله ﷾، فنفرق بين العلم والقدرة، وبين السمع والبصر، وبين الحكيم والخبير، وبين قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، ونحوها؛ لأننا نعرف من قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] من المعاني غير ما نعلمه من قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وهكذا.\nإذًا: نخلص في هذه القضية إلى أن القول بأن السلف يثبتون ألفاظ نصوص الصفات مجردة، ويفوضون ما دلت عليه، ولا يثبتون لها معاني، هو قول أهل التفويض، وهو مردود، أما منهج أهل السنة والجماعة فهو إثبات هذه الصفات حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته دون تحريف ودون تشبيه، فيثبتونها ويثبتون ما دلت عليه من المعاني، أما الكيفية فهذه يفوضونها إلى الله ﷾، ويقولون: إنه لا يعلم كيفية صفاته إلا الله ﷾.\nهنا قلنا في عبارة الشيخ لما قال: (وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا وترك التعرض لمعناه): إن كان الشيخ قد قصد ما قصده الإمام أحمد في العبارة التالية فما قاله المصنف هنا صحيح، وهو أن أهل السنة والجماعة لا يتعرضون للمعاني التي هي معانٍ تأويلية فيها تحريف لما دلت عليه هذه الصفات من معانٍ، بل يثبتونها ويثبتون ما دلت عليه كما يليق بجلاله وعظمته، أما إن كان قصد المصنف أن نثبت اللفظ فقط ولا نتطرق للمعنى ولا نفهم أي معنىً للصفة فنقول: هذا فيه شيء من التفويض، والمعروف عن أهل السنة والجماعة أنهم بعيدون جدًا عن أهل التفويض؛ لأن مآل مذهب أهل التفويض هو التجهيل للرسول ﷺ ولأصحابه؛ لأن القائل إذا قال: نفوض الصفات ونفوض ما دلت عليه معانٍ يئول بنا الأمر إلى أننا نقرأ قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] فلا نفهم شيئًا؛ وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠]، وقوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وقوله: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦] نقرأ هذه الآيات فلا نفقه منها شيئًا؛ لأننا نفوض المعنى، وهذا المعنى الذي قصده هؤلاء ينتهي بهم إلى التجهيل الذي قال فيه بعض العلماء إنه شر من التعطيل؛ لأن معناه أن الرسول ﷺ والصحابة يتلون القرآن، فما ورد منه متعلقًا بأسماء الله وصفاته فيجب أن يثبتوا لفظه فقط دون أن يثبتوا له أي دلالة وأي معنىً، وهذا مذهب خطير جدًا مخالف لمذهب السلف رحمهم الله تعالى! أما حينما نثبت ما دلت عليه هذه النصوص من معانٍ ونقول: إننا نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته من غير تعطيل ومن غير تشبيه، هذا فإننا نكون قد فهمنا ما دل عليه النص، فنفهم من قوله تعالى: ﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣] إثبات اسمه تعالى العليم واسمه تعالى الخبير، وما دل عليه هذا الاسم (العليم) من صفة العلم، وما دل عليه أيضًا اسمه تعالى (الخبير) من علمه سبحانه وكونه ﵎ مطلعًا على كل شيء، وهكذا بقية النصوص؛ فإذا أثبتنا ذلك فمعنى ذلك أننا لا نفوض، وإنما نثبت الصفة، ونثبت ما دلت عليه هذه النصوص من صفات كما يليق بجلاله وعظمته.\nأما القول بأن أهل السنة والجماعة يثبتون مجرد لفظ الاسم أو الصفة فيقول أحدهم: أثبت العليم، لكن لا أدري ماذا يعني العليم، وأثبت السميع، ولا أدري ماذا يعني اسمه السميع، وأثبت لله صفة الإرادة والقدرة والغضب والرضا، ولا أدري ما معناها، فنقول: هذا معناه تفويض لمعنى هذه الصفات، ويؤدي إلى أنك تجهل النصوص، وتجهل ما دلت عليه، ولا شك أن الله ﷾ أنزل علينا القرآن هدىً ورحمة وتبيانًا لكل شيء، ولا شك أن من المقطوع به من منهج الصحابة ﵃ والسلف الصالح جميعًا، بل هو ضرورة لكل مسلم أننا حسب ما آتانا الله ﷾ من علم نفقه ونعلم نصوص الكتاب ونصوص السنة النبوية، فحينما تأتي آيات في العقائد في أسماء الله وصفاته فإننا نتلوها ونعلم معناها، ونفرق بين هذه الآية وبين تلك الآية، وهذا التفريق مقتضاه أننا نثبت ما دلت عليه من معانٍ، لكن أهل السنة والجماعة يثبتونها كما يليق بجلاله وعظمته؛ فلا يحرفون النصوص، ولا يؤولونها، ولا يعطلونها عما دلت عليه، كما أنهم في المقابل لا يمثلونها، ولا يشبهونها بصفات المخلوقين، وهكذا.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المحكم والمتشابه في كتاب الله ﷿</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى بعد ذلك: [وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]؛ فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أملوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]] .","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>معنى آية آل عمران والوقف فيها</span>\nوهذه الآية في سورة (آل عمران)، وهي قول الله ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، فالقرآن ورد أنه كله محكم، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١]، أي: أنه كله متقن، وورد أنه كله متشابه، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] لأنه يشبه بعضه بعضًا في الإحكام والإتقان؛ ثم إنه تعالى في هذه الآية أخبر أن في القرآن آيات محكمات، وفيه آيات متشابهات، فبين الله ﵎ في هذه الآية أن أهل الزيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وإثارة الفتنة بين الناس لإغوائهم عن الحق.\nوقوله: (وابتغاء تأويله)، أي: تأويل النصوص لتوافق ما عندهم.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، والعلماء ﵏ لهم في الوقف هنا أقوال، والوقف هنا سواء كان على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، أو على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، مبني على معنى التأويل في الآية: فإذا قيل: إن معنى التأويل في الآية هو التفسير، أي: وما يعلم تفسيره إلا الله، فحينئذٍ يجوز الوقف، فيكون المعنى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ في العلم﴾ [آل عمران:٧]؛ لأن الراسخين في العلم يعلمون تأويل وتفسير القرآن الكريم.\nأما على المعنى الثاني المشهور عند السلف، وهو: أن التأويل حقيقة الشيء، فيكون الوقف واجب على قوله: (إلا الله)، ويكون معنى قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، أي: وما يعلم حقيقة هذه الصفة، أو حقيقة ما أعد الله للمؤمنين في الآخرة، أو حقيقة ما أعد الله للكفار في النار إلا الله، ثم قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] يسلمون ويقولون: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المقصود بالمحكم والمتشابه في القرآن الكريم</span>\nوهنا ما هو المحكم والمتشابه في هذه الآية؟ كثر خوض الناس في هذا، وخاصة من تعرض لمسائل علوم القرآن، فقلما تعرض من كتب في المحكم والمتشابه في علوم القرآن إلا وأخطأ في فهم هذه الآية، فالإتقان للسيوطي والبرهان للزركشي وغيرهما من الكتب التي تعرضت لعلوم القرآن لما جاءوا إلى هذه الآية، وتكلموا عن المحكم والمتشابه أخذوا يعرضون بأن المتشابه هو مثل بعض الصفات، فيدخلون الصفات في باب المتشابه، ويجعلون المتشابه فيها إما أن يفوض معناه، وإما أن يتأول، أي: أن تتأول هذه الصفات إلى معانٍ أخرى لم تدل عليها ولم يدل عليها سياق الآيات الكريمات.\nوالحق أن الأسماء والصفات ليست من المتشابه، وإنما هي من المحكم، ولهذا كثرت في الآيات الدالة على هذه الصفات، لكن ما يتعلق بكيفية هذه الصفات هو الذي نقول فيه: إنه لا يعلمه إلا الله ﷾.\nأما معنى الصفة فهو مفهوم، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣]، وقوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١١]، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩]، وغير ذلك من الآيات التي يفقه معناها، وليس فيها إشكال، ونثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته.\nوقد يقول قائل: إذا كان الأمر كذلك فأين المحكم والمتشابه الذي نصت عليه الآية؟ نقول: الراجح أن التشابه المقصود في هذه الآية هو تشابه نسبي يعرض لبعض الناس، وليس هناك آيات بحد ذاتها هي من المتشابه؛ لأن بعض الناس يظن أن هناك آيات هي بحد ذاتها من المتشابه وآيات محكمات.\nونقول: التشابه الذي ذكره الله ﷾ هنا هو التشابه النسبي الذي يعرض للإنسان أحيانًا، ويعرض لبعض الآيات.\nوأهل السنة والجماعة يقولون: نرد المتشابه إلى المحكم، وسأضرب مثالًا ورد في سيرة الرسول ﷺ: ورد في السيرة أنه لما جاء نصارى نجران إلى رسول الله ﷺ والتقى بهم، ودعاهم إلى كلمة التوحيد، احتجوا بآيات من القرآن على قولهم بالتثليث، احتجوا بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] .\nفقالوا: (إنا) و(نحن) تفيد الجمع، فهذا دليل لنا على أن الذي أنزل القرآن جمعًا وليس واحدًا، فهو دليل على أن الله ﷾ وتقدس ليس إلهًا واحدًا، وإنما هو ثلاثة آلهة: الأب والابن والروح القدس! ففي هذه الحالة وقع في هذه الآية تشابه، لكن هذا الاشتباه يعرض لواحد من الناس، لكن أعدادًا كثيرة أخرى لا يعرض لهم فيها اشتباه؛ لأنهم يفهمون أن مثل هذا الجمع قد يتكلم به الجمع، وقد يتكلم به المفرد الذي يعظم نفسه.\nفإذًا: ما دام أنه قد يتكلم به المفرد الذي يعظم نفسه، فإنه والحالة هذه تكون دلالة الآية ليس فيها أي اشتباه، فقوله تعال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، الجمع هنا للتعظيم، والذي نزل القرآن هو الله الذي لا إله إلا هو.\nولهذا فإننا نقول لمن وقع له نوع اشتباه في هذه الآية: الواجب عليك أن ترد المتشابه إلى المحكم، فإذا قال: وما المحكم؟ قلنا: هناك آيات ونصوص صريحة ليس فيها أي اشتباه، مثل قول الله ﷾: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣]، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة:٧٣]، فهذه النصوص صريحة صراحة تامة بأن الله ﷾ واحد لا شريك له، فإذا رددنا هذا المتشابه إلى المحكم تبين لدينا المعنى الصحيح، ولم نقع في الخلط، لكن أهل الزيغ وأهل الفتنة يتبعون ما تشابه منه، فيأتي أحدهم بمثل هذه الآية ويحتج بها على المتشابه، ويقول: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر:٩] وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ [القدر:١] وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف:٣٢]، دالة على أن الله أكثر من واحد، وحال هذا القائل كما قال تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] .\nفإذًا: التشابه الذي ذكره الله ﷾ في هذه الآية هو تشابه نسبي، يعرض لبعض الناس، ويعرض للإنسان أحيانًا، فالإنسان قد يجهل معنى آية من آيات القرآن الكريم، يسمعها لكن لا يستطيع أن يحدد معناها، ولكنه إذا تدبر معناها وعلمه تبين له أن هذه الآية ليس فيها أي اشتباه وهكذا.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>زيغ وضلال أهل الأهواء والبدع بسبب التأويل الفاسد</span>\nفالزائغون الذين حادوا عن منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام، وعن منهج أهل السنة والجماعة، هم الذين يتبعون ما تشابه منه، ويتأولون النصوص ليفتنوا الناس عن منهجهم ودينهم الحق، ويتأولون هذه النصوص تأويلات باطلة، ولهذا لما فتح أهل الكلام باب التأويل لنصوص صريحة احتج عليهم بها القرامطة والباطنية في تأويل نصوص أخرى، ولهذا تجد القرامطة والباطنية والفلاسفة يتأولون النصوص؛ حتى إنهم يتأولون نصوص المعاد، فيقولون بإنكار المعاد، أو بأن المعاد إنما هو روحي وليس جسميًا.\nوالمتأولة من أهل الكلام يكفرون هؤلاء، ويقولون: القرامطة كفار، والفلاسفة كفار؛ لأنهم ردوا النصوص القاطعة وتأولوها تأويلات باطلة لم يدل عليها دليل.\nولا شك أن من أنكر المعاد فهو كافر.\nلا شك أن من أنكر حدوث العالم وقال بقدمه فهو كافر.\nلكن أولئك القرامطة والباطنية قالوا للمتكلمين: كيف تسمحون لأنفسكم بتأويل النصوص ولا تسمحون لنا؟! كيف تسمحون لأنفسكم بأن تتأولوا نصوصًا صريحة في القرآن دالة على صفات الله وتقولون: منهجنا حق، وتأويلنا حق، ويجب التأويل إلى آخره، ثم إذا تأولنا نصوصًا أخرى مشابهة لها قلتم لنا: أنتم كفار؟! ما الفرق بين تأويلنا وتأويلكم؟! وكيف يصير تأويلنا كفرًا، وتأويلكم طاعة وعقيدة صحيحة؟! ألكم على تأويلكم أجران، ونحن لنا على تأويلنا وزران؟! ولهذا تسلط الفلاسفة وتسلطت القرامطة وغيرهم على المتكلمين بسبب ما فتحوا من باب التأويل؛ لأن فتح باب التأويل معناه أن تترك النصوص لكل من شاء أن يعبث بها، ويأتي لأي نص ويبحث عن أي معنى ولو كان بعيدًا، ويقول: هذا هو المقصود؛ ولهذا تجد القرامطة -مثلًا- يتأولون الصيام، ويقولون: الصيام هو حفظ أسرار الدعوة، فقيل لهم: كيف تتأولونه؟ فقالوا: نعم.\nعندنا في اللغة العربية أن صام بمعنى: أمسك، والشاعر العربي يقول: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما أي: خيل ممسكة وخيل غير ممسكة، ونحن أمرنا بالصيام، فالصيام هو الإمساك، والإمساك المقصود به الإمساك عن كشف أسرار الدعوة الباطنية، وهذا تأويل صحيح، هكذا يزعمون! إذًا: هذا التأويل الذي دخل منه هؤلاء ليؤولوا الصلاة والصيام والحج وليؤولوا رءوس العبادات وأركان الإسلام، ما دخلوا إلا لما رأوا المتكلمين من المعتزلة العقلانيين ومن غيرهم ممن سلك مسلكهم يعبثون بنصوص القرآن والسنة الصريحة ويتأولونها! فقوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] قالوا: استولى على العرش! فمن أين جاء هذا؟ ولم يرد في اللغة العربية استوى بمعنى استولى، إلا بيت شعر لا يعرف قائله، ويقال إنه مصنوع لأجل هذا المعنى: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق وهكذا مثل قول الله ﷾: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] بصيغة التثنية، يأتيك المتأول هنا ويقول: اليد هنا القدرة، أو اليد هنا النعمة، فقوله: (بيدي)، يعني: بقدرتي أو بنعمتي، وهذا لا يمكن، بل هذا تأويل بعيد جدًا، بل إن تأويل القرامطة للصيام أقرب من هذا التأويل.\nومن هنا أيها الإخوة في الله! كان تركيز السلف رحمهم الله تعالى في هذا الباب على رد التحريف ورد التأويل؛ لأن التأويل يفتح أبوابًا كثيرة وعظيمة، وأبواب فتنة وزيغ، وحينئذٍ يتلاعب المتلاعبون بنصوص كتاب الله تعالى وما صح من سيرة رسوله ﷺ.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>معنى قول الإمام أحمد: (نؤمن بأحاديث الصفات ولا كيف ولا معنى)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ في قول الرسول ﷺ: (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا)، (وإن الله يرى في القيامة)، وما أشبه هذه الأحاديث: نؤمن بها، ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى] .\nويلاحظ أن الإمام أحمد هنا استشهد بأحاديث فيها دليل على إثبات الصفات لله ﷾ من السنة الصحيحة، فنزول الله تعالى إلى سماء الدنيا ثابت، ودلت عليه الأحاديث الصريحة الصحيحة الكثيرة، ونزوله كما يليق بجلاله وعظمته ثابت أيضًا، يثبته أهل السنة والجماعة.\nوكذلك أيضًا: إن الله يراه المؤمنون في الآخرة دلت عليه الأحاديث المتواترة، وهكذا غيرها من الأحاديث التي تثبت الصفات، قال عنها الإمام أحمد: (نؤمن بها، ونصدق بها، ولا كيف)، أي: لا نكيفها؛ لأننا لا نعلم ذات الله تعالى فلا نكيفها، ثم قال: (ولا معنى)، أي: لا نتعرض بالمعاني الأخرى الباطلة، فنأتي لها بمعانٍ جديدة.\nولهذا قال: [ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ولا نرد على رسول الله ﷺ] .\nولهذا لما كان أحد الأئمة -وهو إسحاق بن راهويه - عند ابن طاهر أمير خراسان يحدث له، ويقرأ عليه الأحاديث، فقرأ عليه بأسانيده أحاديث النزول بطرقها: (إن الله تعالى ينزل كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه)، فقال عبد الله بن طاهر -وفي بعض روايات القصة: أنه أحد الجالسين-: كيف ينزل؟ كيف تحدث بهذه الأحاديث التي فيها أن الله ينزل؟ وإلى الآن كثير من الناس يعترض ويقول: الذي ينزل هو رحمته الذي ينزل هو أمره الذي ينزل هو ملك من الملائكة؛ لأنهم يستثقلون مثل هذا الحديث الذي ثبت عن النبي ﷺ من طرق عديدة صحيحة، ويظنون أنه يلزم منه التشبيه، وأن نزول الله ﷾ إلى السماء الدنيا مثل نزول المخلوقين.\nفهذا الأمير احتار، وقال: كيف ينزل؟ وكيف تحدث بهذه الأشياء؟ فقال له إسحاق بن راهويه: يا أمير! هذه أحاديث رسول الله ﷺ نرويها، بها نحرم الحرام، وبها نحل الحلال، وبها نستحل الفروج، وبها تقطع الرقاب.\nيعني: أننا نثبت بها الأحكام، ونفس الإسناد الذي نقطع به رقبة فلان شرعًا هو الذي نحدث به بمثل هذا الحديث عن الرسول ﷺ.\nفإذا أردتنا أن نرد هذا فلنرد الشريعة الإسلامية من أولها إلى آخرها، ولنرد سنة الرسول ﷺ كلها.\nفكان الأئمة رحمهم الله تعالى يروون هذه الأحاديث لا يفرقون بينها، المهم أن تكون صحيحة الإسناد، ثابتة إلى رسول الله ﷺ، فما دلت عليه من صفة فإنهم يثبتونها كما لو دل عليها القرآن، فلا يفرقون بين القرآن وبين السنة في أي شيء.\nولهذا قال الإمام أحمد: (ولا نرد على رسول الله ﷺ)، أي: ما دام الإسناد ثابتًا فإننا نؤمن به ونصدقه، ونثبت هذه الصفات كما يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ومن غير تكييف، ومن غير تشبيه ومن غير تمثيل.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>أهل السنة لا يصفون الله بأكثر مما وصف به نفسه</span>\nثم قال المصنف: [ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه] .\nقوله: (ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه) قيد مهم في منهج أهل السنة والجماعة، بمعنى: أن الأسماء والصفات توقيفية، وأنه ليس كل معنىً صحيح نثبته لله ﷾ صفة؛ لأنه معنىً صحيح، يشبه هذا أننا لا نأتي إلى عبارة صحيحة ونقول: قال رسول الله.\nفمثلًا: لو جاء واحد وقال: قال رسول الله ﷺ: افعل الخير، وأحسن إلى جارك إحسانًا في الليل وفي النهار.\nفهذا المعنى صحيح، وما المانع من أن يقوله الرسول ﷺ؟ فنقول: لا، حتى ولو كان المعنى صحيحًا فلا يجوز أن ننسبه إلى رسول الله ﷺ ما لم يثبت عنه بالإسناد الصحيح.\nوكذلك أيضًا لا نأتي إلى صفة من الصفات -وإن كان معناها صحيحًا- ونقول: هذه الصفة نثبتها لله.\nفمثلًا: لو أن كلمة (مهندس) أعجبتنا وقلنا: إن فن الهندسة في العصر الحديث تعتبر فنًا دقيقًا ورائعًا، وإن هذا الفن في خلقه رائع وعظيم جدًا، فما المانع من أن نقول: إن الله هو مهندس الكون، وإن من أسمائه المهندس، ومن صفاته هذه الصفة؟!\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا ينبغي ذلك، وإن كان المعنى صحيحًا، فلا يجوز لنا أن نصف الله إلا بما ورد.\nلكن بعض العلماء قالوا: نتساهل في باب الإخبار، يعني: إذا كنت تخبر أو تشرح فلا مانع من أن تأتي بكلمات ولو لم ترد فتنسبها إلى الله ﷾ من باب الإخبار، فتقول مثلًا: إن الله صنع هذه الكون، إذا كنت تريد أن تشرح وتوضح، لكن لا تأتي وتقول: إن من أسمائه تعالى الصانع؛ لأنه لم يثبت هذا الاسم.\nفقالوا: في باب الإثبات حينما تثبت لله اسمًا من أسمائه أو صفة من صفاته لابد أن يكون قد دل الدليل من كتاب الله أو من سنة الرسول ﷺ على ذلك، لكن في باب الإخبار يجوز أن تخبر وأن توضح وأن تشرح هذه الأمور، ولو كان شرحك مما يتعلق بالله ﷾ إذا أحسن الإنسان التعبير، وأتى بالعبارات اللائقة.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>وجوب إثبات أسماء الله وصفاته من غير تشبيه ولا تعطيل</span>\nثم إن الإمام أحمد أيضًا استشهد بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وهذه قاعدة مشهورة لأهل السنة والجماعة، فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على المشبهة، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على المعطلة.\nوقوله: (ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه) واضح.\nثم قال: [لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين] .\nأي: أن الله ﷾ هو العظيم، وهو ذو الجلال والإكرام، فإن الواصفين له مهما وصفوه لن يبلغوا وصفه، ولن يبلغوا المبلغ اللائق به ﷾؛ فإنه ﵎ له الأسماء الحسنى والصفات العليا، ونحن إنما نعلم بعضًا من هذه الصفات، ونعلم بعضًا من المعاني اللائقة بالله ﷾ من هذه الصفات، أما نحن البشر المقصرين، فإننا لا نستطيع أن نصل إلى أن نصف الله ﷾ بكل وصف وبكل اسم ثبت له، لا نستطيع أن نصل في ذلك إلى المبلغ والغاية.\nولهذا فإن الرسول ﷺ أخبرنا أن لله ﷾ أسماء استأثر الله ﵎ بها في علم الغيب عنده، كما قال ﷺ: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فلله أسماء وصفات استأثر بها، فمن أين لبشر أن يحيط بذلك؟! لكن نثبت لله ﷾ ما علمنا مما ورد في الكتاب والسنة من أسمائه وصفاته كما يليق بجلاله وعظمته.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>أهل السنة لا يردون شيئًا من الأسماء والصفات لشناعة شنعت عليهم</span>\nثم قال: [نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك، إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن] .\nوهذا الكلام دل على عدة أمور، دل على بعض الأمور التي سبقت، مثل: أننا لا نكيف، ولا نعلم كنه الصفة، أي لا نعلم كيفية وحقيقة صفات الله ﷾؛ لأن هذه الأمور لا يعلمها إلا الله ﵎، ولكن نحن نثبت الصفات لله كما يليق بجلاله وعظمته، أما كيفيتها فلا يعلمها إلا الله.\nوكذلك أيضًا لا نتعدى القرآن والحديث؛ فنثبت ما ورد فيهما، ولا نتعدى ذلك.\nوقوله: (ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت)، أي: أن كل ما ثبت بالدليل من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ صفة لله فإننا نثبتها، ولا نرد هذه الصفة أو نتأولها لأجل تشنيع المخالفين، مثل أن يأتي قائل ويقول: كيف تثبت لله الوجه وتثبت لله اليدين؛ فإن إثبات الوجه واليدين والعين تجسيم؛ وأنت حين تثبت الصفات كأنك تشبه الله بالمخلوقين، فمن أثبت لله الوجه واليدين فقد أثبت لله أبعاضًا، فهو مجسم؟ فيشنع علينا عندما نثبت هذه الصفات بمثل هذه الشناعات؛ لأن هذا عنده تشبيه، وهذا تجسيم، وهذا لا يليق بالله، وكأنك تمثل الله بخلقه إلى آخره.\nفما هو موقفنا من ذلك؟ هل نخضع لتشنيع هؤلاء، أم ماذا نصنع؟ منهجنا أهل السنة والجماعة أننا لا ننظر إلى التشنيع، بل نثبت لله ما ثبت ولو شنع علينا من شنع، فإذا جاءوا وقالوا: إثبات الوجه لله تجسيم، فنقول: نحن نثبت لله الوجه، وسمه تجسيمًا أو لا تسمه فنحن لا نلتفت إلى قولك، نحن نثبت لله اليدين كما يليق بجلاله وعظمته، وإذا سميت هذا تشبيهًا وتجسيمًا فنحن لا نلتفت لتسميتك، ولن نرد الصفة لأجل تشنيعك علينا بأننا مجسمة أو مشبهة أو حشوية أو نابتة أو غير ذلك، كما أننا -مثلًا- لا نرد محبة أصحاب الرسول ﷺ لأجل تشنيع الرافضة حينما يقولون: لا ولاء إلا ببراء.\nفالرافضة يقولون: من لم يبغض الصحابة فهو ناصبي، فنقول لهم: كيف سميتموه ناصبيًا؟ هذه الشناعات لا نلتفت إليها، نحن نحب أصحاب النبي ﷺ جميعًا، وبالمقابل لو قال لنا ناصبي: لا تحبوا آل البيت؛ لأن محبة آل البيت رفض، فنقول: حتى ولو شنعتم علينا وقلتم إن محبة آل بيت رسول الله ﵌ رفض، فنحن لا نخضع لقولكم، بل نحب آل بيت رسول الله ﷺ المحبة اللائقة بهم، حتى ولو شنعتم وسميتم ذلك رفضًا، وحالنا كما قال الشاعر: إن كان رفضًا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي والآخر يقول: إن كان نصبًا حب صحب محمد فليشهد الثقلان أني ناصبي يعني: أن العبارات والشناعات لا تغير من حقائق الأمور، فنحب أصحاب الرسول، ونحب آل بيت رسول الله، ولو أن هؤلاء سموه نصبًا وأولئك سموه رفضًا.\nكذلك أيضًا نثبت لله الوجه واليدين والاستواء والنزول كما يليق بجلاله وعظمته، حتى وإن سمت المعطلة هذا تشبيهًا أو تجسيمًا أو غير ذلك.\nفلا ينبغي للمتمسك بمنهج أهل السنة والجماعة أن يستسلم لتشنيع هؤلاء، ومثله تمامًا ما يفعله كثير من الناس اليوم، إذا أحدهم رأى الشاب المسلم قال: هذا مطوع متزمت أصولي إرهابي إلى آخره! فلا ينبغي للإنسان أن يترك سنة الرسول وأن يترك التمسك بما أوجب الله عليه وأوجب عليه رسوله ﷺ لأجل شناعات هؤلاء.\nفمثلًا: الذي يرفع ثوبه فوق الكعبين، يقال عنه: إنه متطرف، أو يشنع عليه بأنواع الشناعات، فلا ينبغي للإنسان أن يلبس ثوبًا وينزله تحت الكعبين حتى تزول عنه الشناعة، وإنما يلتزم هدي الرسول ﷺ ولو شنع المشنع، فيجب الالتزام بكل سنة الرسول ﷺ.\nوهكذا مسيرة أهل الزيغ والضلال متشابهة منذ عهد الرسول ﷺ وإلى ما شاء الله، فإنهم في كل وقت يخترعون ألقابًا جديدة يشنعون بها على المتمسكين وعلى المتشبثين بكتاب ربهم وسنة رسولهم ﷺ.\nوالمؤمن الصادق الواثق من نفسه الواثق من منهجه هو الذي لا يعبأ بمثل هذه العبارات، ولا بمثل هذه الشناعات، بل يعتز بدينه اعتزازًا قويًا، والله ﷾ مؤيده وناصره ومثبته.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>معنى قول الشافعي: (آمنت بما جاء عن الله على مراد الله)</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله] .\nوهذه عبارة عظيمة للإمام الشافعي ﵀.\nأي: أنه يؤمن بالله تعالى وبما جاء عن الله في كتابه، وبما جاء عن رسول الله ﷺ في سنته على مراد الله وقصده، وعلى مراد رسول الله ﷺ وقصده.\nوالمعنى: أنني آمنت بهما كما أراد الله ﵎ وأراد الرسول ﷺ.\nوقد يقول القائل: وهل معنى ذلك التسليم: أنني آمنت بما آمنت به لكن لا أعرف معناه؟ فنقول: لا؛ فإن الله تعالى لما أنزل علينا القرآن أراد منا أن نتلوه، وأن نعرف معناه، وأن نفهمه، وأن نعمل به، وإلا فكيف نعمل بالقرآن ونحن لا نفقه معناه؟! قال ﷿: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون:٦٨]، وقال: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] إلى آخر الآيات.\nأذًا: مراد الله لما أنزل علينا هذا القرآن وفيه أسماء الله وفيه صفاته أن نتدبر.\nومن هنا فنحن نثبتها على ما أراد الله؛ لأن سياقات هذه الآيات القرآنية دالة على ذلك، فحينما يقول الله ﷾: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:٢] أراد الله أن نفهم أنه شديد العقاب، لا أن نثبت اللفظ ولا نفقه المعنى، فوالله! لو كان هذا هو المراد ما فقهنا آيات القرآن من أولها إلى آخرها؛ لأنه لا تخلو -تقريبًا- جملة من الآيات في سياق واحد من التذكير بأسماء الله وصفاته، فإذا كنت لا تفهم معنى أن الله شديد العقاب فمعنى ذلك: أنك ما فقهت الوعيد الذي ترتب عليه في هذا النص حينما نهاك الله ﷾ عن مخالفة أمره، وأمرك باتباع ما أمرك وهكذا.\nوكذلك أيضًا على مراد رسول الله، فالرسول ﷺ حدث أصحابه، وقال لهم: (ينزل ربنا)، وقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، وأراد رسول الله ﷺ من الصحابة أن يثبتوا أن الله يُرى كما يُرى القمران، والتشبيه إنما هو للرؤية، وليس للرئي بالمرئي، فهذا هو معنى عبارة الشافعي رحمه الله تعالى.","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>التعريف بالسلف والخلف</span>\nثم قال المصنف: [وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃] .\nالسلف هم السلف الصالح ﵏.\nوقول المصنف هنا: (وأئمة الخلف)، الخلف لها معنىً لغوي ولها معنىً اصطلاحي، كما أن السلف لها معنىً لغوي ولها معنىً اصطلاحي.\nفالمعنى اللغوي للسلف والخلف هو: أن السلف من سبق، والخلف من لحق، فيقال: هؤلاء سلف، وهؤلاء خلف لهم، فمن تقدم سلف، ومن جاء بعدهم يقال لهم خلف، هذا المعنى اللغوي، لكن بعد الخوض وبعد التفرق الذي وقع في الأمة الإسلامية صار لكل من السلف والخلف معنى خاص به، وهذا المعنى يدل دلالة اصطلاحية معينة، فصار السلف يدل على من سار على منهج الرسول ﷺ وأصحابه، سواء كان في عهد الصحابة أو في عهد التابعين، أو من بعدهم إلى آخر الزمان.\nوصار الخلف يصطلح على من حرف وغيرَّ وبدل، فيقال: هذا من الخلف، أي: أنه مغير لا يسير على منهج السلف، فكلمتا (السلف والخلف) كلمتان متقابلتان، فالخلف: كل من يتأول، سواء كان في الزمن الأول -يعني في عصر التابعين ومن بعدهم- أو في العصر الحديث، فكل من تأول النصوص نقول عنه: هذا على منهج الخلف.\nوالمصنف قال: (وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃) وأرضاهم، فكلمة السلف سواء كانت هنا بالمعنى اللغوي أو الاصطلاحي ليس فيها إشكال، لكن كلمة (الخلف) المقصود بها: المعنى اللغوي.\nوقوله: (وأئمة الخلف)، أي: الأئمة الذين جاءوا بعد السلف، فإنهم ساروا على منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ولم يقصد أن أئمة الخلف وأئمة البدع هذا منهجهم، وإنما قصد أئمة الخلف الذين جاءوا بعد أولئك السلف ﵃.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>معنى اتفاق السلف وأئمة الخلف على الإقرار والإمرار</span>\nثم قال المصنف: [كلهم متفقون على الإقرار والإمرار] .\nقوله (على الإقرار) أي: الإقرار واليقين والإيمان والإثبات لتلك الصفات الواردة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ.\nوقوله: (والإمرار) أي: أنهم يمرونها ولا يتعرضون لتأويلها وتحريفها.\nولذا قال المصنف: [والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله] .\nوهذا واضح المعنى، ولكن نقف عند قوله: (والإمرار)؛ لأنه ورد عن جمهرة من السلف أنهم سئلوا عن الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت.\nفهل معنى قولهم: (أمروها كما جاءت) أن نمر بلفظها دون التعرض لها، ودون إثبات ما دلت عليه من المعاني؟ نقول: بعض المفوضة ظنوا أن مثل هذه العبارة دليل لهم على التفويض، لكن الصحيح أنها ليست كذلك؛ فإن السلف رحمهم الله تعالى أثبتوا الصفات، وأثبتوا ما دلت عليه، ثم إذا سئلوا عن الصفات قالوا: أمروها كما جاءت، يعني: لا تتعرضوا لتأويلها كما تعرض لها أهل التأويل.\nوالدليل على ذلك أنه ورد عن السلف مثل هذه العبارة في غير ما حديث، فسئل الإمام أحمد عن أحاديث الوعيد، كقوله ﵊: (اثنتان في أمتي هما بهم كفر) وقوله: (والله! لا يؤمن)، وقوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، فقال رحمه الله تعالى: تمر كما جاءت.\nوسأله بعضهم عن أحاديث الفضائل، أي: التي فيها الفضل العظيم، فقال: تمر كما جاءت، يعني: لا نتعرض لتأويلها وتحريفها والخوض فيها على غير المنهج الحق.\nفدل على أن كلمة (تمر كما جاءت) ليست خاصة بصفات الله؛ حتى لا يأتي قائل ويقول: المقصود بذلك التفويض، وإنما المقصود -كما أشرنا- عدم التعرض لها بتحريف أو بتأويل أو تعطيل أو نحو ذلك.","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الأمر بالاهتداء بمنهج السلف والتحذير من المحدثات</span>\nثم قال المصنف: [وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم] .\nأي: أمرنا بأن نقتدي بهؤلاء السلف رحمهم الله تعالى، وأن نهتدي بمناراتهم العالية المضيئة التي أبرزوا من خلالها المنهج الحق الوسط، منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى.\nولهذا قال: [وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي ﷺ، (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين والمهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم! ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)] .\nوهذا استشهاد من المصنف رحمه الله تعالى بهذا الحديث عن النبي ﷺ، فإن الرسول ﷺ أمر أمته باتباع السنة، وحذرهم من البدع، وأمرهم باتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، ولهذا لو تأملت ما ورد عن الخلفاء الراشدين لوجدته تطبيقًا عمليًا لما في كتاب الله وما في سنته ﷺ، ولم يقع منهم تحريف أو تأويل أو تغيير أو تفويض، وأما الخلاف في باب الأحكام فهذا واقع حتى بين الصحابة، كما حدث حين أمرهم النبي ﷺ بألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فاختلف الصحابة، لكن في باب إثبات الأسماء والصفات لم يقع في هذه العهود المفضلة بين الصحابة ﵃ وأرضاهم أي اختلاف.\nولهذا أمرنا باتباع هدي وسنة الخلفاء الراشدين؛ وذلك في باب العقيدة وفي باب المنهج.\nثم قال ﷺ: (وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، فحذر رسول الله ﷺ من الأمور المحدثة التي هي بدع وضلالات.\nوالبدعة هي: أمر محدث في الدين، فيه مضاهاة لما ورد في الشريعة، وإنما قلنا هذا حتى يخرج عن ذلك الأمور الحادثة التي هي من باب العادات، فلا يقول إنسان مثلًا: إنهم كانوا يركبون الإبل في الزمن القديم، فالسيارات بدعة، لأن هذه الأمور من باب العادات، والأصل فيها الإباحة، وإنما تضبط بقواعد الشرع العامة فقط من خلال المقاصد ونحو ذلك.\nلكن المقصود بالبدعة: أن يبتدع الإنسان أمرًا في الدين، سواء كان هذا الأمر أمرًا عقديًا أو أمرًا يتعلق بالعبادة والشرع، فهو بدعة وضلالة.\nفأهل الأهواء تجد كل واحد منهم ابتدع بدعًا كثيرة مخالفة لنص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فنقول: هذه بدعة، كبدع الجهمية في باب الصفات، وفي باب القدر، وبدع المعتزلة في باب الصفات وفي باب القدر، وبدع الروافض في باب أصحاب الرسول ﷺ وغيرها، وبدع القدرية وبدع المرجئة، هذه كلها بدع محدثة في باب العقائد مخالفة لما كان عليه الرسول ﷺ وصحبه الكرام.\nومثله أيضًا البدع العملية، مثل أولئك الذين يبتدعون أورادًا أو أذكارًا أو موالد أو غير ذلك، فهذه بدع عملية؛ لأن صاحبها يريد أن يتقرب إلى الله ﷾ بهذا العمل، فاخترع هذا الذكر بهذا الشكل وبهذه الصياغة وبهذه الجماعية في هذا الوقت، فهذه الأمور كلها تحول هذا الأمر إلى أمر بدعي.\nولقد حذر رسول الله ﷺ من هذه البدع جميعًا فقال: (وكل بدعة ضلالة)، ولهذا فإن المنهج الصحيح هو السير على منهاج الرسول ﷺ ومنهاج أصحابه، فإن ذلك لا يتعارض أبدًا مع مستجدات العصر.\nبمعنى: أنه لا يمكن أن يأتي زمان -مهما كان هذا الزمان- نحتاج فيه إلى تغيير في شرع الله تعالى؛ لأن الشرع كامل صالح لكل زمان ومكان، فقد تتغير أمور الناس، وتتغير أشكال حياتهم، وتتغير الوسائل، لكن تبقى الأصول التي أمر الله بها وأمر بها رسوله وشرعها الله وشرعها الرسول ﷺ لا تتغير ولا تتبدل أبدًا.\nوهذه هي الثوابت في دين الله تعالى التي لا تقبل التغيير أبدًا، وأي تغيير فيها هو اتهام لهذه الشريعة بالنقص، سواء كان في باب العقائد والتصورات ونحو ذلك، أو في باب الشريعة وتطبيقها، أو في باب العبادات التي يتقرب بها العباد إلى ربهم ﷾، كل هذه الأمور مما جاءت به الشريعة كاملة، ولا تتغير هذه الأمور أبدًا مهما اختلف الزمان، ومهما تغير المكان، وهذا واضح جدًا، والحمد لله تعالى.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>شرح أثر ابن مسعود ﵁ (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)</span>\nقال المصنف ﵀: [وقال عبد الله بن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم] .\nقوله: (اتبعوا)، أي: ابحثوا عن الاتباع، وقوله: (ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم)، أي: أن الشريعة كاملة، ومنهج السلف الصالح الذين طبقوا هذه الشريعة كان منهجًا كاملًا، فلستم بحاجة إلى أن تخترعوا أشياء، ولهذا من العجيب جدًا أن كثيرًا من المسلمين يظن أن الأمور لا تصلح إلا بأن يأتي هو بشيء جديد، ويريد أن يزيد تعبيد الناس لربهم ﵎، فمثلًا: في باب الأذكار نجد أذكارًا مبتدعة؛ ونحن لسنا بحاجة إلى أذكار التيجانية ولا النقشبندية ولا الأحمدية ولا غيرها من الطرق الصوفية، فإن عندنا مما ثبت من كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ مئات الأذكار التي لو طبقناها وأخلصنا في تطبيقها لكنا أعبد الناس، ففي كل حالة وفي كل لحظة من لحظات الإنسان هناك أذكار، فهناك أذكار في الصباح في المساء أعقاب الصلوات في القدوم في الركوب في السفر في النوم في الاستيقاظ، بل حتى والإنسان في أخص خصوصياته مع أهله، كل هذه الأمور ورد فيها ذكر.\nفهل نحن بحاجة إلى أن نقول: إن الناس فعلًا انحرفوا وضلوا، فنحن بحاجة إلى أن نقربهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا، والله! لقد كفينا، ورسول الله ﷺ ما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد أكمل الشريعة، وأكمل التبليغ، ووصلنا هذا كاملًا والحمد لله بأسانيد صحيحة، فلسنا بحاجة أبدًا إلى أن يأتينا أناس يكملون.\nولهذا صارت هذه الأمور ما هي إلا بدع وضلالات؛ لأن فيها اتهامًا للرسول ﷺ بأنه ما كمل هذا الدين، وما كمل التبليغ، وفيها اتهام لربنا ﵎ وتقدس وتنزه أنه لم يكمل لنا الشريعة.\nيقول ابن مسعود: (فقد كفيتم)، نعم نحن مكفيون بكتاب الله ﷿ وبما صح من سنة رسوله ﷺ، ومكفيون بذلك التطبيق العملي من أصحاب الرسول ﷺ، فلسنا بحاجة إلى أن نأتي ببدع نزعم أننا نقرب الناس بها إلى ربهم ﵎.","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الأسئلة</span>","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>صفة المجيء من الصفات الثابتة لله ﷿</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n يقول الله ﷾: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢١-٢٢]، هل هذه صفة من صفات الله ﷾؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نعم، من صفات الله ﵎ هذه الصفة، وهي صفة المجيء، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>محادة المفوضة لرسول الله ﷺ</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال: (ولا نرد على رسول الله ﷺ)، هل هذا فيه رد على المفوضة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نعم، فيه الرد على المفوضة ضمنًا؛ لأن المفوضة كأنهم يردون على الرسول ﷺ ويزعمون أنه ما أوضح هذه الأمور، وإنما نحن نثبتها إثبات لفظ، ولا نثبت ما دلت عليه من معانٍ.","vol":"2","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المقصود بإحصاء أسماء الله ﷿</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة)، فهل نفهم أن لله تسعة وتسعين اسمًا فقط؟ وما معنى أحصاها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذا الحديث لا يدل على أن لله تسعة وتسعين اسمًا فقط، وإنما هذا فيه خبر أن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة، ففيه خبر لمن أحصى هذه التسعة والتسعين، أما الأحاديث الأخرى فقد دلت على أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين، كما في قوله ﷺ: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) .\nأما معنى أحصاها، فالعلماء اختلفوا فيها، والذي يظهر -والله أعلم- أن معنى أحصاها، أي: حفظها ووعاها وعمل بمقتضاها، فلم يحفظها لفظًا، وإنما حفظها وما دلت عليه من معنى، ثم عمل بمقتضاها، فاسم الله السميع يعمل بمقتضاه بأن يعلم أن الله يسمع كلامه، فلا يقول الخنا، ولا يغش، ولا يدلس، وهكذا في بقية أسماء الله ﷾، فمن قام بها وحفظها فإن له هذا الأجر العظيم الذي أخبر عنه النبي ﷺ بقوله: (دخل الجنة) .\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"2","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٣]</span>\nاعلم أن السلف الصالح هم أعلم الأمة بكتاب ربها، وهم أدرى الناس بسنة نبيها، فلا تتجاوز أمرهم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولا تخض في أمور هم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل -لو كان فيها- أحرى، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا فيه بما يكفي، فما فوقهم محِسِّر، وما دونهم مقصر.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>كلام السلف ﵏ في الحد والغاية</span>\nأحب أن أقف وقفة عند عبارة سابقة سأل عنها البعض، ألا وهي قول ابن قدامة رحمه الله تعالى: [ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]] .\nابن قدامة ﵀ يقرر هنا منهج أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته، وهو أنهم يثبتون ما أثبته الله وأثبته رسوله من غير نقص، سواء كان هذا النقص بنفي أو تعطيل أو نحو ذلك، ويثبتونها بغير زيادة، فلا يأتون من عند أنفسهم بصفات ولو ظنوها حسنى، ولا بأسماء ولو ظنوها حسنى، فلا يأتون بشيء لم يرد ليصفوا الله ﷾ به، بل صفات الله سبحانه وتعالى عمادها التوقيف على ما ورد، أي: أننا نثبت ما ورد إثباته، وننفي ما ورد نفيه، ونتوقف عما لم يرد إثباته ولا نفيه.\nثم إن المصنف هنا قال: (بلا حد ولا غاية)، ومقصوده ﵀ أننا نثبت لله ﷾ هذه الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته، ونقول: إن صفاته ليست لها غاية، أي: ليس لعلم الله غاية ومنتهى، كما أنه ليس لكلام الله ﷾ أيضًا غاية ومنتهى، فالله ﷾ بكل شيء عليم، يعلم ما كان وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما أن كلامه تعالى لا ينقضي، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله﴾ [لقمان:٢٧]، وفي الآية الأخرى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩] .\nقال العلماء في تفسير هاتين الآيتين: إن العدد غير مراد، فلا يعني أنه لو جئنا بسبعة أبحر نفدت كلمات الله، بل لو جئنا بسبعة وسبعة وسبعة ما نفدت كلمات الله أبدًا، ومعنى الآيتين: أننا لو قطعنا الأشجار التي على الأرض وبرينا غصونها وأعوادها لتتحول إلى أقلام ثم تحول البحر إلى مداد وحبر وكتب بتلك الأقلام بذلك المداد كلمات الله ما نفدت كلمات الله أبدًا.\nوهذا من عظمة الله ﷾؛ لأن لكل مخلوق منتهى، أما الخالق ﷾ فلا منتهى لأمره وعلمه ولا لكلامه سبحانه.\nولهذا فإن ربنا ﵎ عظيم عظمة لا يمكن أن يتصورها مخلوق، ومهما تصور المخلوق فالله أعظم من ذلك، وأقرب مثال على ذلك أننا إذا قلنا: إن السماوات والأرض كلها بمجراتها وأفلاكها في يد الرحمن ﷾ كخردلة في يد أحد، تبين بذلك كيفية عظمة الله ﷾، وكيف أننا لا نستطيع ولن نستطيع أن نقدر قدره ﷾.\nوقول ابن قدامة: (إن صفاته نثبتها بلا حد ولا غاية) أي: لا نجعل لصفاته منتهى، فهو العظيم الذي لا عظيم فوقه ﷾.\nولكن كلمة الحد هنا كلمة فيها إجمال، ولهذا ورد عن بعض السلف إثبات الحد لله ﷾، فأين ورد إثبات الحد؟ وما معناه؟ وما هو القول الحق في هذه المسألة؟ نقول: ورد إثبات الحد لله ﷾ في باب الاستواء، فقد سئل عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: هل نثبت أن الله على العرش استوى؟ فقال: نعم، نثبت أن الله على العرش استوى.\nفقال السائل: بحد؟ قال: بحد.\nفما الذي قصده ابن المبارك وغيره من السلف من إثبات الحد لله؟ الذي قصده هؤلاء هو أن يثبتوا الفارق بين المخلوق والخالق، فنحن مخلوقون مربوبون نؤمن بأن الله ﷾ فوقنا، ونصدق بأنه على العرش استوى استواءً يليق بجلاله وعظمته ﷾.\nولكن قد يخطر ببال بعض عوام الناس، أو ببال بعض الصوفية الحلولية، أو ببال بعض الذين يقولون: إن الله في كل مكان، أن الله عظيم لا منتهى لعظمته، وإذا كان لا منتهى لعظمته في ذاته فإننا مهما تصورنا شيئًا فالله يمكن أن يكون أعظم من ذلك، والنتيجة: أنه لا يصبح هناك فارق بين الخالق وبين المخلوق، فأراد هؤلاء العلماء أن يقرروا البينونة بين الخالق والمخلوق حتى يردوا على الحلولية وعلى الاتحادية وعلى غيرهم من الصوفية الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق.\nفهؤلاء قالوا: نؤمن بأن الله على العرش استوى، ونؤمن ببينونة الله عن خلقه، وهذه البينونة مقتضاها -كما أشار بعضهم- أن يكون لله حد لا يعلمه إلا هو، حتى نفصل بين الخالق وبين المخلوق.\nولهذا سئل بعض السلف: بحد؟ فقال: نعم، بحد لا يعلمه إلا هو، أي: من باب إثبات البينونة بين الخالق وبين المخلوق، أما إذا أطلقنا هذا الأمر على قول هؤلاء العلماء، وقلنا: إن الله عظيم وبلا حد، فقد يتوهم متوهم أن هذه المخلوقات داخلة في الله ﷾.\nفأراد أن يبين هذه البينونة التي دلت عليها النصوص الكثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ بين الخالق وبين المخلوق.\nوبعض السلف رحمهم الله تعالى قالوا: كلمة الحد لم ترد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ، ومن ثمَّ فنحن لا نطلقها، ولا نقول: بحد، وإنما نقول: على العرش استوى، ونثبت لله الصفات، ونتوقف في هذا.\nإذًا: انتهينا إلى خلاصة مهمة في هذا الباب مفادها: أن من السلف من لم يطلق لفظ الحد، وكأن عبارة ابن قدامة هنا موحية بهذا القول، ولهذا قال: بلا حد ولا غاية؛ لأن هذا اللفظ لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ.\nوبعض السلف أثبت الحد لله، لكن حدًا لا يعلمه إلا هو سبحانه، وإنما أثبتوه للرد على الحلولية وللرد على كثير ممن ينكر علو الله ﷾ واستواءه على العرش، وليثبتوا البينونة بين الخالق والمخلوق، ولهذا نقول: إن لفظ الحد من الألفاظ المجملة، فنستفسر هذا الذي يثبت لفظ الحد: فإن كان يقصد أن الله يحده شيء، فنحن نقول: إن الله ﷾ قد أحاط بكل شيء، والله ﷾ لا يقدر قدره إلا هو، وإن قصد بلفظ الحد بيان البينونة بين الخالق والمخلوق، وأن الله تعالى على العرش استوى، ليس على الأرض بذاته ﷾، وإنما علمه أحاط بكل شيء، فنقول: المعنى الذي أثبته صحيح، ولكن إثباتك للفظ الحد لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ، فنلحق لفظ الحد بلفظ الجسم والجهة والحيز ونحو ذلك، ونستفصل قائلها، فإن أراد معنىً صحيحًا قبلنا المعنى، وإن أراد معنىً باطلًا رددنا الكل، ونتوقف في إثبات هذه الألفاظ حتى ترد في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في الوقوف عندما وقف عنده الصحابة</span>\nقال المصنف ﵀: [وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: قف حيث وقف القوم] .\nوهذا الكلام مروي عن عمر بن عبد العزيز في كثير من كتب السنة.\nوأحب أن أذكر بأن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى له موقف فريد مع أهل البدع، فقد اشتهر رحمه الله تعالى بالعدل، ووصفت بأنها راشدة، فكأنها تابعة لخلافة الخلفاء الراشدين؛ وإن كانت ولايته زمنها يسير إلا أنه حرص على أن يعود بالأمة إلى المنهج الحق والصدق في كثير مما انحرفت عنه، وإلا فالأمة الإسلامية في وقته كانت في غالب أمورها سائرة على المنهج الصحيح، لكن وقع شيء من الظلم وبعض الانحراف، خاصة لما نشأ التفرق والخلاف بين الطوائف والأحزاب ونحو ذلك، فأراد عمر بن عبد العزيز أن يعود بالأمة إلى منهج الصواب.\nوحاول رحمه الله تعالى محاولة جادة، ووفق في ذلك أيما توفيق.\nولكن من الأمور التي كنت أحب أن تفرد ببحث أو دراسة: موقف عمر بن عبد العزيز من المخالفين ومن أهل البدع وتعامله معهم، وهذا النص الذي نقله ابن قدامة هو من أصول موقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>وصية عمر بن عبد العزيز ﵀ بالوقوف حيث وقف السلف</span>\nقال رحمه الله تعالى موصيًا أصحابه وإخوانه: (قف حيث وقف القوم)، والمقصود بالقوم هنا السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين ساروا على منهاجهم ﵃ جميعًا، فلا تغير ولا تبتدع، ولكن انظر ماذا قالوا فقل، وانظر أي موقف وقفوا فقف معهم حيث وقفوا.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>منهج السلف مبني على علم</span>\nثم إنه رحمه الله تعالى علل ذلك بتعليل دقيق جدًا فقال: [فإنهم عن علم وقفوا] .\nوهذه العبارة عبارة منهجية في الصميم، تبين منهج أهل السنة والجماعة.\nفإنهم عن علم وقفوا وليس عن عجز، وبعض المتكلمين المتأخرين الذين ابتدعوا الكلام إذا قيل لهم: إن السلف ما تحدثوا عن ذلك، قالوا: كانوا مشغولين بالجهاد.\nبل إن بعضهم قد يتهم الصحابة ومن بعدهم بأنهم لم تكتمل عقولهم ومعرفتهم العقلية واطلاعهم على القضايا المنطقية، أي أنه يقول: لو اطلعوا على ذلك لتكلموا هذا الكلام.\nوهذا القول قول غير صحيح إطلاقًا، كما قال عمر بن عبد العزيز: (فإنهم عن علم وقفوا)، بمعنى: أن السلف الصالح رحمهم الله تعالى سلكوا ذلك المسلك في باب الأسماء والصفات عن قناعة منهجية علمية، وليس كما يزعم البعض أن هؤلاء السلف إنما يسمعون النصوص وينقلونها كما سمعوها فقط، بل أولئك السلف سمعوا النصوص وفهموها وعرفوا مدلولاتها وأثبتوها، بل هم أرجح الناس عقلًا، وأعظم الناس فهمًا، وأكمل الناس دينًا وتقوى، ومن ثمَّ كان فهمهم أصح الأفهام، وعلمهم أعمق العلم وأدقه بالنسبة لمن بعدهم.\nفهم لما جاءتهم هذه النصوص نظروا إليها بالميزان الصحيح، فوجدوا أن هذه الأمور إنما هي أمور إخبارية تتعلق بالله وأسمائه وصفاته، والخبر عن الله وأسمائه وصفاته مما لا تدخل في مجاله العقول؛ فإن البشر مهما أعملوا عقولهم فلا يمكن أن يصلوا إلى هذه الحقائق، فلما كان الأمر كذلك وكلوا كيفية الاطلاع والعلم بهذه الأمور إلى الخبر الصادق، فوجدوا أن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيها البيان فأثبتوها.\nإذًا: المنهج الحق العلمي الصحيح لأهل السنة والجماعة ليس هو أن تعمل عقلك في كل شيء، وأن تزعم بأن إعمال العقل في كل الأمور هو دليل عمق الفهم ودقة التعبير والتحصيل ونحو ذلك، وإنما المنهج الصحيح هو أن تعطي كل ذي حق حقه، فإذا كان هناك خبر عن غائب فأنت والحالة هذه يجب أن تأخذ الخبر من مصدره؛ لأنه لا مجال لذلك الخبر بالنسبة لعقلك، مهما أعملت فكرك فيه، وهذه قضية منهجية.\nوأما في المجالات الأخرى، التي للعقل فيها مجال فإنهم أعملوا عقولهم، وعمروا الدنيا، وخططوا إداريًا وعسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، بل إن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتبت كتابات مستقلة -وهو قائل هذه العبارات- عن مناهجه في هذا الباب، وفي هذه الأمور كلها، وقبله الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.\nإذًا: في المجال الذي يفيد المسلمين وللعقل وللتفكير فيه مجال فكروا وأنتجوا ما ينفع المسلمين، لكن المجال الذي مهما أعمل الإنسان فيه عقلًا لم ينتج وقفوا.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>نفوذ بصر السلف ﵏</span>\nومن هنا قال رحمه الله تعالى هذه العبارة العظيمة المحددة لمنهج أهل السنة، قال: [فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا] .\nقوله: (وببصر نافذ)، البصر: بصيرة العقل، ولهذا ورد في حديث رواه البيهقي في الزهد وغيره: (إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات) .\nفهؤلاء عن بصر نافذ دقيق جدًا وتبصر حقيقي منهجي كفوا عن الخوض في هذه المسائل، فلم يخوضوا فيها كما خاض المتأخرون، ولم يقولوا: هذا نثبته وهذا لا نثبته، وهذا مجاز، وهذا العقول خالفته وناقضته، ونتأول أو لا نتأول، ما خاضوا في هذه الأمور، وإنما أثبتوا ما ورد، ووقفوا، فهم رحمهم الله تعالى ببصيرة وعقل كفوا عن الخوض فيها، لا عجزًا كما يدعي بعض المتكلمين الذين أشرنا إليهم قبل قليل حينما يسألون عن اختلاف منهجهم عن منهج السلف الصالح السابق، فيأتون بتلك العبارة المشهورة فيقولون: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم! وهذه عبارة خاطئة، بل إن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم، ومذهب الخلف ليس أسلم ولا أعلم ولا أحكم.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>كف السلف عن الخوض في المسائل التي ابتدعها المتأخرون</span>\nثم قال رحمه الله تعالى: [وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى] .\nقوله: (وهم على كشفها كانوا أقوى) أي: إن أولئك السلف الصالح رحمهم الله تعالى لو أرادوا أن يخوضوا في تلك المسائل بعقولهم لاستطاعوا أن يخوضوا فيها، وهذه الأمور التي ابتدعها المتأخرون وقالوها لو كانت خيرًا لسبق أولئك إليها.\nولو كان ما فيها من معانٍ هي مما يليق بالله ﷾ لسبق أولئك ولكشفوها؛ فإنهم كانوا أعمق الناس، وأذكى الناس، وأرجح الناس عقولًا، رحمهم الله تعالى.\nوقوله: (وبالفضل لو كان فيها أحرى)،أي: أنهم كانوا أسبق إلى الفضائل، ولهذا كل من جاء بعدهم أقل فضلًا منهم، والرسول ﷺ أعطى ذلك القرن الخيرية فقال: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) .\nفالقرن الذي نبتت فيه نابتة الافتراق والاختلاف والأقوال البدعية وغيرها، لا يمكن أن يكون أفضل من القرن الذي كان فيه أصحاب رسول الله ﷺ.\nولهذا فهم كانوا أسبق الناس إلى أنواع الفضائل من أولها إلى آخرها، فكانوا أسبق الناس إلى كل فضل وإلى كل خير.\nثم قال رحمه الله تعالى: [فلئن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم] .\nيعني: أن هذه الأمور المحدثات كلها مخالفة لهدي أولئك السلف الكرام رحمهم الله تعالى، ورغبة عن سنتهم، فكل ما ابتدعه المتأخرون -كما أشار عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى- مخالف لهم، ومخالف لهديهم وسنتهم.\nثم قال: [ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي] .\nقوله: (وصفوا منه ما يشفي)، أي: أن أولئك الصحب الكرام نقلوا ما ورد من هذه الصفات ومسائل العقيدة كلها، وكل ما نقلوه إلى من بعدهم هو مما يشفي القلوب، ولهذا من اقتصر على هديهم انشرح صدره، وشفي قلبه، ومن لم يقتصر على ذلك بل ظن أنهم قصروا فأعمل عقله وأدخل نفسه في باب التأويلات الباطلة ونحوها، انتابته الأمراض المتعددة.\nوبلا شك أن اطمئنان السلف الصالح ليس كفوضى المتأخرين، فمن سلك سبيلهم كان أكثر اطمئنانًا، فهم رحمهم الله تعالى وصفوا لنا وبلغونا ما يشفي، وتكلموا بما يكفي؛ فإنهم رحمهم الله تعالى كان كلامهم قليلًا، لكن كان مفيدًا، وكان كلامهم مربوطًا بعمل، بخلاف من كان بعدهم، فقد كثر كلامهم، وقل فقههم، وتقلص عملهم، فأصبح المتأخرون يقولون ما لا يفعلون، ويكثر كلامهم بلا فائدة.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>حال من خالف منهج السلف الصالح</span>\nثم قال رحمه الله تعالى: [فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر] .\nأراد رحمه الله تعالى أن يبين أن منهجهم وسط، فمن أراد أن يغلو ويثبت غير ما أثبتوه، ويظن أنهم أنقصوا بعض الحاجات، فإنه غالٍ عنهم، غير متبع لطريقتهم، ومن دونهم قصر ولم يأخذ بجميع ما جاءوا به، وإنما اكتفى ببعضه ونحو ذلك، فهو مقصر.\nولهذا فلفظة (محسر) هنا ترجع إلى بعض المعاني اللغوية، فإن المقاتل الذي ليس عليه درع ولا على رأسه مغفر يسمى حاسرًا.\nولهذا في قصة بني قينقاع كان يقول أحد المنافقين للرسول ﷺ: يا محمد أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع تضرب أعناقهم مرة واحدة، هذا لا يكون.\nفقوله: حاسر، يعني: ليس معهم سلاح، وليس عليهم دروع، وليس على رءوسهم المغفر الذي يتقون به ضرب السيوف، فهم حُسَّر، ولهذا يقول الله ﷾ بالنسبة للسماء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:١-٤] .\nومعنى (حَسِيرٌ): كليل ضعيف من شدة النظر؛ فإن الإنسان إذا نظر واشتد نظره إلى شيء، ولم ينته فيه إلى أمر، رجع إليه البصر حسيرًا كليلًا؛ لأنه لم يصل إلى غاية، وهذا واضح، فالإنسان منا لو قال له قائل: انظر هنا على بعد خمسة عشر أو عشرين كيلو في ذلك الجبل، ففيه بقعة كذا، ولنفترض -مثلًا- أننا ننظر إليها بالناظور، فجاء هذا الإنسان ينظر بالعين المجردة إلى الجبل، فسيرى الجبل، لكن حين يريد أن ينظر إلى البقعة البيضاء أو السوداء أو نحو ذلك تجده ينظر وينظر وينظر وينظر، ثم في النهاية يكل بصره.\nهذا الإكلال جاء من شدة المبالغة في النظر.\nوهنا يقول عمر بن عبد العزيز: فما فوقهم محسر، أي: من أراد أن يقول أنا أفضل من الصحابة ويثبت ما لم يثبتوه، ويعمل ما لم يعملوه مما فيه هدي الرسول ﷺ فهو محسر، فيرجع كليلًا، ولهذا قيل: إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.\nحتى في باب العبادة نرى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه لما عزم على دوام الصيام أوصاه الرسول ﷺ بالأهون، ولكنه قال: (أنا أستطيع أكثر من ذلك)؛ وما زال يتدرج به حتى قال له: (صم يومًا وأفطر يومًا؛ لا أفضل من صيام داود)، فـ عبد الله بن عمرو كان في شبابه قويًا فاستطاع، لكنه في آخر عمره قال: (ليتني أطعت رسول الله ﷺ) مع أن الأمر كله سنة لكنه لا يريد أن يتخلى عن أمر فارق عليه رسول الله ﷺ.\nفالمهم أن الإنسان إذا غلا في الأمر انتهى به في النهاية إلى الضعف والعجز؛ ولهذا فإن الغلو مردود، والتقصير مردود؛ لأن التقصير معناه التخلي عن بعض الأمور وعن بعض القضايا التي ورد بها الشرع ووردت بها أدلة الكتاب والسنة، كما أن الغلو فيها يؤدي إلى هذا، ومنهج السلف رحمهم الله تعالى وسط في كل الأمور: وسط في باب العبادات وسط في باب المعاملات وسط في باب الأحكام وسط في باب العقائد وسط بين الملل وسط بين جميع الطوائف؛ فإنك تجد إما طائفة غالية في هذا الباب أو مقصرة، فإما إفراط وإما تفريط، ومنهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب وسط، وهذا هو الذي أشار إليه عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.\nولهذا قال شارحًا ذلك: [لقد قصر عنهم قوم فجفوا] .\nفالجافي هو المقصر؛ لأن المقصر هو الذي أعرض، فكأنه أعرض عن بعض منهجهم.\nثم قال: [وتجاوزهم آخرون فغلوا] .\nوهذا تفسير للعبارة السابقة.\nثم قال: [وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم] .\nأي: إن أولئك السلف والصحب الكرام رحمهم الله تعالى كانوا بين ذلك على طريق مستقيم.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>وصية الأوزاعي ﵀ باتباع آثار السلف وترك آراء الرجال</span>\nثم نقل كلمة الإمام الأوزاعي فقال: [وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي ﵁] .\nوهو أحد الأئمة المشهورين، وله فقه عظيم، وهو من أئمة التابعين المشهورين رحمه الله تعالى، متوفى سنة (١٥٧هـ) .\nيقول: [عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس] .\nوهذه وصية لجميع العلماء، فقوله: (عليك) أي: الزم، (بآثار من سلف) أي: آثار السلف رحمهم الله تعالى، (وإن رفضك الناس) أي: وإن ابتعد عنك الناس أو رفضوا مقالك أو رفضوا منهجك أو رفضوا طريقتك فلا تعبأ بهم، فما دمت سائرًا على منهج السلف فلا تعبأ بهؤلاء.\nثم قال: [وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول] .\nأي: إياك أن تجعل معتمدك آراء الرجال ولو زخرفوه وحسنوه بالعبارات المنمقة وغيرها، وتترك الكتاب والسنة.\nلكن آراء الرجال إذا كانت شارحة أو موضحة لمنهج السلف الصالح فإن الاطلاع عليها مما يعين على ذلك؛ لكن إذا كانت آراء الرجال وزخرفتهم للقول وتنميقهم له مخالفة لما ورد من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ فاحذر ذلك حذرًا شديدًا.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>مناظرة عبد الله بن محمد الأذرمي في خلق القرآن</span>\nثم قال رحمه الله تعالى: [وقال عبد الله بن محمد الأذرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها! قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء علمته أنت؟! فقال الرجل: فإني أقول: قد علموها؛ قال: أفوسعهم ألا يتكلموا به، ولا يدعوا الناس إليه أو لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم، قال: فشيء وسع رسول الله ﷺ وخلفاءه لا يسعك أنت؟! فانقطع الرجل، فقال الخليفة -وكان حاضرًا-: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم] .\nقوله: (الأذرمي)، الصحيح: أنه بالذال، أي: الأذرمي، وهو إمام مشهور اسمه: عبد الله بن محمد الأذرمي، تتلمذ على وكيع بن الجراح وسفيان بن عيينة وغيرهم، روى عنه أبو داود، وروى عنه النسائي وعبد الله ابن الإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي وغيرهم، وهذا العالم الفاضل مترجم في (تهذيب التهذيب) في اسم: عبد الله، وقد أشار ابن حجر في (تهذيب التهذيب) إلى هذه القصة التي معنا؛ كما أن ياقوت في (معجم البلدان) لما جاء إلى مدينة أذرمة ترجم لهذا العالم، وأشار إلى هذه القصة.\nوقول ابن قدامة: (لرجل تكلم ببدعة) هذا الرجل هو شيخ المعتزلة في وقته أحمد بن أبي دؤاد، والبدعة التي جرى حولها النقاش هي بدعة القول بخلق القرآن؛ ومنهج هذا الإمام في مناقشة أحمد بن أبي داؤد منهج قوي جدًا، ولقد وفق في أسلوب العرض أيما توفيق.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>ضلال المعتزلة في القول بخلق القرآن</span>\nوأحب أن أقف وقفة قصيرة هنا عند قضية القول بخلق القرآن فأقول: إن قضية القول بخلق القرآن هي القضية التي جعلها المعتزلة عنوانًا لبدعتهم، فإن المعتزلة ينفون عن الله الصفات، ومما نفوه عنه صفة الكلام، فلما كان مستقرًا في نفوس المسلمين أن هذا القرآن الذي معنا هو كلام الله؛ قالوا: لا، هذا القرآن مخلوق من المخلوقات المنفصلة عن الله ﷾، فكما خلق السماوات والأرض وبني آدم خلق هذا القرآن، فلم تقم بالله ﷾ صفة الكلام.\nوالتي نعتقد نحن أنها صفة من صفات الله تليق بعظمته وجلاله.\nواسمحوا لي أيها الإخوة! إذا ذكرت هذه القضية؛ لأنني سئلت عن قضية القول بخلق القرآن؛ وسمعت أن بعض الناس يقول: لماذا تحولت عند المسلمين إلى مشكلة في ذلك القرن، وليس فيها إشكال؛ وسواء قلنا بخلق القرآن أو لم نقل بخلق القرآن فالمسألة يسيرة، وبعضهم قال: ما كانت لتستحق تلك المشكلة والفتنة الكبرى في تاريخ الأمة الإسلامية التي امتحن فيها المؤمنون امتحانًا شديدًا، وثبت الله إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ وبعض العلماء على ذلك! فأقول: إن هذه القضية قضية مرتبطة بمنهج المعتزلة العقلاني؛ فالمعتزلة أدخلوا عقولهم في هذا الباب، ودخلوا هذا المدخل الذي سموه توحيدًا، وذلك من خلال قضايا متعددة أبرزها قضيتان: الأولى: أن إثبات الصفات يلزم منه التشبيه، فقالوا: إن إخلاص التوحيد هو بنفي الصفات عن الله؛ حتى لا نشبه الله بخلقه.\nالثانية: أن المعتزلة ناقشوا النصارى، وناقشوا شرك النصارى، وأن النصارى يقولون بأن هناك ثلاثة آلهة، فقالوا للنصارى: أنتم مشركون تقولون: الأب والابن وروح القدس، هذا شرك بالله؛ فالله واحد لا شريك له.\nفقال النصارى: نحن غير مشركين، نحن نقول: هذه أقانيم لإله واحد، فالأب والابن وروح القدس يساوي إلهًا واحدًا، فجعلوها نظرية رياضية بدهية: ثلاثة تساوي واحدًا.\nوهذا الكلام غير معقول وغير مقبول، فهؤلاء النصارى قالوا: أنتم يا مسلمون! إذا كنتم تتهموننا بأننا نقول بثلاثة آلهة فأنتم تقولون بسبعة أو بعشرة أو بأكثر! قيل لهم: كيف؟ قالوا: أنتم تقولون: الله السميع البصير له الكلام الإرادة القدرة، وتقولون: هذه صفات لله، وهذا شرك أكبر من شركنا؛ لأنكم إذا قلتم: إن صفات الله أزلية مع الله إذًا جعلتم مع الله أكثر من إله، فبسبب هذا النقاش قال المعتزلة: إخلاص التوحيد هو أن ننفي عن الله جميع الصفات؛ لأننا لو أثبتنا لله أي صفة وقلنا إن هذه الصفة أزلية لله فقد أثبتنا مع الله إلهًا آخر، فأدى بهم هذا الفهم القاصر إلى نفي جميع الصفات عن الله ﷾، وذلك من خلال مناهجهم العقلية الباطلة، وضربوا بالكتاب والسنة ونصوصها عرض الحائط، وأعملوا فيها تأويلًا وتحريفًا وتعطيلًا.\nوقد وصلوا في الدولة العباسية إلى مناصب كبرى، ومنها وصول أحمد بن أبي دؤاد قاضي المعتزلة وشيخهم وكبيرهم إلى أن كان قاضي القضاة والمقرب من الخليفة، وقد أثر هذا القاضي المعتزلي على الخليفة حتى أقنعه بهذه البدعة، بل وأقنعه بأنها هي الحق الذي لا حق غيره، وأنه ينبغي له أن يلزم الناس بها، وفعلًا تبنت الدولة آراء المعتزلة، وتحولت قضية الاعتزال من خلاف بين أهل السنة وبعض المخالفين إلى أن تعلن الدولة قرارًا حاسمًا قويًا بأن هذه البدعة هي الحق، بل ويجب على كل إنسان أن يقول رأيه فيها، وأن يقول الرأي الموافق للمعتزلة، فنشأت فتنة القول بخلق القرآن.\nإذًا: هي ليست قضية جزئية، وإنما هي مسألة جعلت عنوانًا لقضية أكبر في باب الاعتقاد وفي باب المنهج وفي باب الصفات، وفعلًا امتحنت الدولة ومن خلفها من أئمة الاعتزال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها مما كان تحت سلطانهم، وكانت تحت سلطانهم كل البلاد الإسلامية في ذلك الوقت الذي اتسعت فيه الفتوحات؛ إذ بلغت إلى حد كبير جدًا في نهاية القرن الثاني، واستمر على ذلك مجموعة من الخلفاء: المأمون والمعتصم والواثق، يوصي بعضهم بعضًا، وكانوا ينشرون مسألة القول بخلق القرآن، وأصدروا قرارات: من لم يقل بخلق القرآن يعزل إذا كان قاضيًا في بلد أو كان فقيهًا أو كان إمامًا! وحاربوا أرزاق الناس.\nوهذا الشيء مؤسف جدًا، حيث يتحول الاختلاف في الرأي إلى أن يتجه الأقوى إلى حرب الناس في أرزاقهم؛ فالله هو الرزاق ذو القوة المتين، لكنه منهج الضعفاء، فمنهج الضعفاء أن تحارب الناس في أرزاقهم، وأن تظن أنك إذا قطعت الرزق قد قضيت على صاحبه، ولهذا فإن بعض العلماء اضطر إلى التورية، فكان بعضهم إذا سئل محاكمة: هل تقول بخلق القرآن؟ قال: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور هذه مخلوقة، ويقصد يديه.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>ثبات الإمام أحمد ﵀ في قضية القول بخلق القرآن</span>\nلكن الإمام أحمد بن حنبل تحول في ذلك الوقت إلى أن تتجه الأنظار إليه؛ لأن صمود الإمام أحمد بن حنبل صار فيصلًا بين قضيتين كبيرتين، ومن هنا ثبت الله الإمام أحمد، فصار الاسم له، وإلا فهناك غيره من العلماء من وقف موقفه رحمه الله تعالى؛ فالإمام أحمد بن حنبل امتحن وسجن وعذب وضرب، وطلب منه الإقامة الجبرية، وامتحن في هذه العهود، ثم امتحن بالرخاء في عهد المتوكل.\nفالإمام الزاهد أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى مر بجميع أنواع الابتلاء التي يمكن أن يمر بها مؤمن صادق وداعية صادق، وكان الإمام أحمد في علمه وفي زهده جبلًا، فهو الذي كان يحفظ مئات الألوف من الأحاديث يحدث بها، ولا شك أن الناس أحوج ما يكونون إلى علمه، فكيف يترك ليسجن ويضرب ويموت تحت التعذيب؟! فجاءه بعض الناصحين وقالوا له: يا إمام! إن الناس يرون فيك فضلًا وعلمًا فأبق على نفسك! أي: أبق على نفسك لا لنفسك وإنما للناس، فلو أنك وريت كما ورى غيرك وانتهت المشكلة؛ لكن الإمام أحمد وقد تحدد الأمر بالنسبة له كان يفقه القضية بعمق، وكان يعرف أن الناس ينتظرون مقالته، وأنه لو قال بخلق القرآن ولو كان موريًا فلربما عذر نفسه أو عذره اثنان بجانبه، لكن ملايين من خلفه ستأخذ الأمر على ظاهره؛ ولهذا كانوا إذا أرادوا أن يحاكموا الإمام أحمد بعد التعذيب لينطق، يكونون قد جمعوا الناس معهم الأقلام حتى يسمعوا مباشرة؛ لأنه لو نقل عن الخلافة أنه أجاب لما صدق أحد، ولكنهم كانوا يجمعون الناس من باب التوثيق، وما كان عندهم توثيق بالصوت والصورة مثلما عندنا، وإنما كان التوثيق أمام الناس، فيجمعون الناس ويدخلونهم قصر الإمارة ومعهم الأقلام؛ ليسمعوا ماذا يقول الإمام أحمد.\nوكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في السجن، فجاءه أحدهم قبل لحظات من المحاكمة المتكررة، وقال له: يا إمام! لو أنك وريت فأبقيت على نفسك! فقال لهذا الرجل: انظر من خلفك، فنظر من خلفه فإذا ألوف قد جلسوا ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد، فقال له الإمام أحمد: يا هذا! لو أن الإمام أحمد ورى ما يدري هؤلاء أن الإمام أحمد يقول بالتورية، من يتحمل أثر إضلال هؤلاء وظنهم أن الإمام أحمد قال بخلق القرآن؟! وفعلًا ثبته الله ﷾، وكان يقول لهم: ائتوني بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ، وكانوا يقولون له: ماذا تقول فيه؟ فيقول: القرآن كلام الله، فيقولون له: هل تقول: إن القرآن مخلوق أم أنه كلام الله منزل غير مخلوق؟ فيقول: ائتوني بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ، ائتوني بدليل! ولو أردنا أن نستطرد ما جرى في تلك القصة لطال المقام؛ فإن فيها عبرًا كثيرة جدًا، فإنهم حاولوا معه محاولات كثيرة، حتى إنهم حاولوا محاولات فكرية، وبحثوا عن الحجج والدلائل ليجدوا ما يلزمونه به حتى يقول بخلق القرآن، ومع ذلك نقض كل شبهة، بل إنه رحمه الله تعالى قد ثبته الله ﷾ حتى بنصائح من داخل السجن، وقد كان مسجونًا مع اللصوص وغيرهم، ولهذا كان بعد الإفراج عنه يترحم على أحد السجناء اللصوص، فأحد أبنائه قال له: يا أبتِ! كثيرًا ما تترحم على هذا؟ قال: هذا واحد من اللصوص التقيت به في السجن، قال: ولماذا تترحم عليه؟ قال: كنت جالسًا في السجن فأتاني أحد أصحابي وجاء ليثبتني ويقول لي: اثبت يا إمام! فقلت له: إنما أخاف ألا أقوى على الضرب؛ يعني: أن الإمام أحمد قد يخاف ألا تقوى نفسه على تحمل الضرب فيقول غير الحق، فكان بجانبه أحد اللصوص يسمع الحوار، فقال له: اثبت يا إمام على الضرب، فو الله إنني لأثبت على الضرب وأنا على باطل، أفلا تثبت على الضرب وأنت على الحق؟! فكان الإمام أحمد بن حنبل يدعو لهذا الإنسان؛ لأنه أعطاه درسًا.\nالمهم أن فتنة القول بخلق القرآن هي البدعة التي وردت في هذه القصة، وجعلها المعتزلة عنوانًا لمنهج فكري عقدي في الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها، فليست كما يقول البعض: لماذا كبرت هذه المشكلة؟ ولماذا ضخمت؟ ونحن نقول: والله لو لم يكن فيها إلا صفة الكلام لله وقد ابتدعها هؤلاء، لكان حقيقًا أن يتحمل الإنسان في سبيل إثبات منهج أهل السنة والجماعة ما تحمل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>شرح قصة الأذرمي مع المبتدع والعبرة منها</span>\nوأما قصة عبد الله الأذرمي فإنها كما حكاها ابن الجوزي في ترجمة الإمام أحمد، وحكاها أيضًا الذهبي في (سير أعلام النبلاء) في المجلد الحادي عشر أيضًا في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل هي: أن هذا الرجل الأذرمي أتي به مقيدًا ليمتحن بالقول بخلق القرآن، وكان كل من يرد الامتحان يكون الخليفة حاضرًا، وقاضي القضاة حاضرًا، وكانت المسألة نوعًا من المحاكمة والنقاش، فدخل وهو في قيوده، ويقال: إن الفتنة كانت في عهد الواثق، والذي يحكيها ابنه: فقال هذا الشيخ: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال الخليفة: لا سلام عليك ولا رحمة؛ مذنب مجرم مرتكب لبدعة إثبات كلام الله ﷾، وأنه يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فقال هذا القاضي بكل أدب: بئس ما علمك مؤدبك، إن الله يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، هنا انتبه أحمد بن أبي دؤاد؛ حيث كان يظن أن أمامه شيخ عادي، فقال أحمد بن أبي دؤاد القاضي المعتزلي: يا أمير المؤمنين! إن الرجل صاحب حجة، فدعني أحاجه؟! قال: تفضل، فبدأت المحاجة بينهما: فقال هذا الشيخ الأذرمي لـ أحمد بن أبي دؤاد: أسألك أو تسألني؟ فقال أحمد بن أبي دؤاد -من باب أن يعرف ما عنده-: اسأل أنت.\nفقال له الشيخ: هذا الذي تدعو إليه -القول بخلق القرآن- أعلمه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر؟ فالمعتزلي قال: لا، فقال له: سبحان الله! شيء علمته ما علمه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر، والله ما هذا علم ينفع، فانقطع.\nولهذا جاء في بعض الروايات أنه قال للخليفة: هذه واحدة، يعني: سجلنا عليه نقطة في انقطاعه في الحوار، فقال أحمد بن أبي دؤاد: أقلني، يعني: أقلني عن الجواب الأول، فإنني أقول: قد علموها.\nإذًا: صارت النتيجة أن أحمد بن أبي دؤاد يدعي أن الرسول ﷺ وأبا بكر علموا هذه البدعة التي قال بها، فقال له ذلك الرجل: لما علموها هل تكلموا بها ودعوا الناس إليها؟ فقال له: لا، لم يتكلموا بها ولم يدعوا الناس إليها، فقال له: أفلا وسعك ما وسعهم؟ يعني: أمر وسع رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًا، ولم يسعك أنت إلا أن ترغم الناس وتلزمهم بذلك؟! فصار الخليفة يردد عبارته الأخيرة: وسع رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر أفلا يسعنا ما وسعهم؟! ويكررها ويفكر فيها، ثم قال في الحال: فكوا قيوده.\nففكوا قيوده، وأطلقوا سراحه.\nويقال: إنه بسبب هذه القصة توقف الخليفة الواثق في آخر أمره عن القول بخلق القرآن، حتى يقال: إنه ما مات إلا وقد تاب من ذلك.\nولننظر إلى منهج هذا الإمام في النقاش؛ حيث قال له: هل علموها أو لا؟ لأن هذا الإنسان ابتدع بدعة جديدة، فإذا كانوا لم يعلموها فكيف صرت أعلم من أصحاب الرسول ﷺ؟ بل أعلم من الرسول ﵊؟! ثم بعد ذلك أيضًا لما قال له إنهم علموها، قال: هل دعوا الناس إليها؟ وفعلًا هم ما دعوا الناس إلى القول بخلق القرآن، فلما تبين أنهم لم يدعوا إليها قال: ألا يسعنا ما وسع هؤلاء؟ فانقطع الرجل المبتدع وأخرس، ولا شك أن هذا من توفيق الله ﷾.\nإذًا: العبرة من هذه القصة هي منهجية هذا الإمام، وكيف أنه أسكته لا بحجج عقلانية وغيرها، وإنما بالحجة القوية اليسيرة في عرضها وفهمها، لكن لأنها كانت منهجية كانت قوية في إفحام هذا المبتدع؛ لأنها كانت تعتمد هذا المنهج الصحيح في أن الأمور ترجع إلى ما كان عليه السلف الصالح، وأن من ابتدع بدعة فقد أحدث، وكانت نتيجة ما وفق الله ﷾ هذا الإمام لهذا العرض القوي: أن قال الخليفة -وكان حاضرًا-: (لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم) .","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه فلا وسع الله عليه</span>\nقال ابن قدامة ﵀ تعليقًا: [وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم، والراسخين في العلم، من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت؛ فلا وسع الله عليه] .\nفما كان عليه الرسول ﷺ والصحابة والتابعون لهم بإحسان يجب أن يتبع.\nوقوله: (بإحسان)؛ لأنه قد وجد في التابعين من كان منحرفًا، لأنه لم يتبع الصحابة ﵃ بإحسان، فلا يتبع.\nوقوله: (والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم)، ولا شك أن من أعظم علامات الرسوخ في العلم هو أن يرجع الإنسان فيما لم يعلم إلى من يعلم؛ ولهذا كل من كان راسخًا في العلم فإنه يقول عن الشيء الذي لا يعلمه: لا أدري؛ فالإمام مالك وهو الإمام مالك سئل عن أربعين مسألة؟ فأجاب عن أربع، وقال عن ست وثلاثين منها: لا أعلم، فكيف بباب أخبار الصفات؟ فالراسخ في العلم هو الذي يقف عند الخبر الصادق، وهذا لا شك أنه من أعظم الرسوخ في العلم.\nوقوله: (من تلاوة آيات الصفات)، يعني: الواردة في القرآن العظيم.\nوقوله: (وقراءة أخبارها) أي: أخبار الصفات الواردة في سنة رسول الله ﷺ، وهكذا كان الأئمة يتلون القرآن، ويعلَّمونه الناس، وإذا مروا على آيات الصفات لا يعطلونها ولا يشبهونها، وإنما يثبتونها، لكن جاء من بعدهم وقال: إذا جئتم عند قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال: قفوا ولا تفهموا من الآية ظاهرها؛ لأن هذه الآية لو وقفنا عند ظاهرها لوقعنا في التشبيه، ولذا يقول: استوى بمعنى استولى، ووجهه بمعنى ذاته؛ وهكذا يعمل فيها تأويلًا، والأئمة من قبله كانوا يقرءونها ويتلونها ويفسرونها بلا تأويل.\nوكذلك أيضًا قراءة أخبار الصفات: كان الأئمة يحدثون بالأحاديث ولا يفرقون بين أحاديث الأحكام وأحاديث الصفات، وإنما كانوا يحدثون بها جميعًا؛ وتعلمون أن مناهج الأئمة في تخريج الحديث على أقسام: منهم من صنف الحديث على الأبواب، مثلما فعل البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم، فهؤلاء بوبوا: الصلاة الزكاة الإيمان القدر إلى آخره.\nومنهم من ذكر الأحاديث حسب الأسانيد، إما حسب أسانيد الصحابة، مثل مسند الإمام أحمد وغيره من المسانيد، أو حسب معجم شيوخه، مثل معجم الطبراني في الصغير، فالذي ذكر أسانيد الصحابي -كالإمام أحمد بن حنبل مثلًا- يذكر كل مرويات هذا الصحابي، ولا يفرق بين العقيدة ولا بين غيرها، ولا يقول: لا تقل إلا أحاديث الأخبار والأحكام فقط، أما أحاديث الصفات فهذه أمرها عظيم، ونخاف أن تشبهوا، ونخاف أن تمثلوا، لم يقل أحد منهم ذلك، بل كانوا يقرءونها ويوردونها ويتلونها ويحدثون بها، ولا يفرقون بينها وبين غيرها من الأحاديث، وهذا منهجهم.\nثم قال: (وإمرارها كما جاءت)، ثم دعا عليه في الأخير فقال: (فلا وسع الله عليه) .\nقوله: (إمرارها كما جاءت) سبق أن شرحناها في عبارة سابقة، أي: أنهم يوردونها كما جاءت بالإثبات؛ فيثبتونها ويثبتون ما دلت عليه من معنى، لكن كيفية هذه الصفة يفوضون علمه إلى الله ﷾، وكما قلنا سابقًا: فإن عبارة أمروها كما جاءت، أو تمر كما جاءت ليست حجة لأهل التفويض؛ لأن الأئمة ذكروها حتى في غير باب الصفات، وقد سبق شرح ذلك في الدرس الأول.\nونقف عند ما ذكره من نماذج الصفات، ونستكمل -إن شاء الله- في الدرس القادم.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الأسئلة</span>","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>معنى قول عمر بن عبد العزيز ﵀: (وببصر نافذ كفوا)</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: (وببصر نافذ كفوا) هل هي من كفَّ أم من كفى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n الذي يظهر لي أنها من كف، وليست من كفى، ويجوز أن تكون من كفى، يعني: وببصر نافذ كفاهم الله مؤنة القول في البدع ونحو ذلك، لكن الأدب أن تكون العبارة: (وببصر نافذ كفوا عن الخوض، وليس عن عجز) أي: ليس عن عجز منهم، وإنما ببصر نافذ كفوا عن ذلك، والعلم عند الله تعالى.","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>عدم التأويل والتكييف يشمل جميع أبواب العقيدة</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل عبارة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى خاصة في باب الأسماء والصفات أم شاملة في جميع العقائد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n عبارة الإمام أحمد شاملة لجميع العقائد، سواء كانت في باب الصفات أو في باب مسائل الإيمان أو في باب القدر أو في غيره، لكن أحيانًا تكون مسائل الصفات هي محك للفارق بين أهل السنة وبين غيرهم من أهل البدع.","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>حكم تكفير المعتصم العباسي</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل المعتصم كافر؛ لأنه دعا إلى هذه البدعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n أئمة السلف رحمهم الله تعالى قالوا كلامًا عامًا، قالوا: من قال بخلق القرآن فهو كافر! لأن القول بخلق القرآن من القضايا الكفرية؛ لأنه من تأويل الصفات وتأويل الصفات كفر، ويجب على الإنسان أن يحذره، لكن ليس كل من قال بشيء من هذا يكون كافرًا بعينه إلا بعد توفر شروطه وانتفاء موانعه، فلو أنه قالها متأولًا وهو صادق في تأويله فقد يكون معذورًا ولا يكفر، ولو أن شخصًا آخر قالها رادًا لحديث الرسول ﷺ ومكذبًا به لكان كافرًا، ولهذا فإن أئمة الأمة الإسلامية ما كفروا كل من قال بخلق القرآن؛ بل قالوا: من قال بخلق القرآن فهو كافر، لكن ما كفروا أحدًا بعينه، وإنما ورد عن بعض السلف تكفير معينين؛ سئل عن فلان المعروف برده للنصوص وببدعته وبغير ذلك، فقال: فلان كافر، فكفره لصفات ولأمور استقرت عنده بأن هذا الشخص غير معذور، وأنه كافر؛ لهذا فالقول بتكفير المعتصم أو المأمون يدخل ضمن هذه القاعدة، فالذي يظهر -والله أعلم- أنه لا يكفر؛ لأنه متأول.","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>حكم المخالطة والسلام على من ينفي الصفات والقدر ويسب الصحابة ﵃</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هناك طائفة من الطوائف غالية في باب نفي الصفات غلوًا فاحشًا؛ حيث ينفون الرؤية واليدين وسائر الصفات؛ بحجة التشبيه، ويقولون: إن المعاصي ليست من قدر الله، ويسبون بعض الصحابة الذين قاتلوا عليًا ﵃ أجمعين؛ فهل يجوز مخالطتهم والسلام عليهم مع إصرارهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذه الطائفة تجمع بين شيء من التشيع وبين تبني أقوال المعتزلة، ومعلوم أن بعض الطوائف -كالرافضة والزيدية- تبنت مذهب المعتزلة في باب القدر والصفات، بل الإباضية -وهم خوارج- الذين على الضد تمامًا من الرافضة تبنوا أيضًا أقوال المعتزلة في الصفات والقدر والقول بخلق القرآن ونفي رؤية الله ﷾ في الآخرة؛ فهذا الذي قالوه هو مذهب المعتزلة؛ وما ذكروه من نفي الصفات ونفي الرؤية وأن المعاصي ليست من قدر الله هذا قول المعتزلة القدرية.\nوأما هل تجوز مخالطتهم والسلام عليهم، فهذا أمر يضبط بضابط الموقف من أهل الكتاب؛ لهذا نفرق بين الداعية إلى البدعة منهم وغير الداعية، ونفرق بين من كان منهم عارفًا بالحق تاركًا له عن قصد ومن كان منهم مقلدًا لشيخه، فالواجب علينا أن نرد عليهم، وأن نبين ضلالهم في هذا الباب، وأن ندعوهم إلى الله ﷾، وإذا كنا نريد أن ندعوهم إلى الله فلابد أن نختلط معهم، ونبين ما عندهم من ضلال.\nثم مع ذلك كله نكره ما عندهم من بدع؛ فما دامت بدعهم قد لا تصل إلى حد الكفر فإننا يجب أن نحفظ لهم ما شاركونا فيه، وهو الإسلام، ونكره ما هم فيه من بدعة، وهذا منهج السلف: الولاء لجميع المؤمنين، والبراء من جميع الكافرين، فمن لم يرتكب منهم ناقضًا لا يكفر، أما من ارتكب منهم ناقضًا من نواقض الإسلام فحكمه حكم الكفار، فالولاية تكون لجميع المؤمنين، والبراءة تكون من جميع الكافرين؛ فالمسلمون المرتكبون لبدعة أو الواقعون في فسق أو كبيرة يوالون على قدر إيمانهم، ويعادون على قدر بدعتهم أو فسقهم إذا كانت بدعتهم غير مكفرة، أما إذا كانت مكفرة يخرج الإنسان بها عن دائرة الإسلام مثل بعض الفرق والطوائف فهؤلاء حكمهم حكم الكفار.","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد والأحكام</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد؟ وما رأيك فيمن يقول: إن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذا منهج ضخم جدًا من مناهج أهل البدع وعلى رأسهم المعتزلة، ومن المؤسف حقًا أن كثيرًا من متكلمي الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية الذين تبنوا عقائد الأشعرية والماتريدية يميلون إلى هذه القضية، وهي أن أخبار الآحاد يؤخذ بها في باب الأحكام، لكنها تفيد الظن، ومن ثمّ لا يؤخذ بها في باب العقائد، وهذا المنهج لا شك أنه منهج مخالف تمام المخالفة لمنهج السلف.\nوأما حكاية الخلاف في هذه القضية، فإن كثيرًا منهم يحكي أن الجمهور يرون أنه لا يفيد العلم، ولا يحتج به في باب العقائد؛ وقلة من الحنابلة أو من غيرهم يرون أنه يفيد العلم ويحتج به في باب العقائد؛ وحكاية الخلاف بهذه الطريقة حكاية معكوسة، بل إن جماهير العلماء يرون أنه يفيد العلم، ويحتج به في باب العقيدة، وقلة ممن تبنى مذاهب المتكلمين من المعتزلة ومن غيرهم قالوا: إنه يفيد الظن، ولا يحتج به في باب العقيدة، ومن تأمل أحوال الأمة الإسلامية في نقلهم لحديث الرسول ﷺ وتفرغ جهابذة العلماء وخاصة علماء الجرح والتعديل يقطع بأن القضية ليست خبر آحاد، وإنما القضية قضية تبديل الرسالة؛ لأن من قال: إنها تفيد الظن، وقال: لا يحتج بها في باب العقائد، معناه أنه جعل لنفسه سلمًا للطعن في جميع سنة الرسول ﷺ؛ ونتيجتها: أن الله ﷾ لم يبلغ، ولم يرسل إلينا هذا بطريقه الصحيح! أما أهل السنة والجماعة فيقولون: إن الرسول ﷺ بلغ الصحابة، والصحابة بلغوها من بعدهم، ووصل إليهم بالأسانيد والطرائق الصحيحة، والإمام البخاري استخرج صحيحه سبعة آلاف حديث من أكثر من ستمائة ألف حديث، والإمام أحمد بن حنبل كان يحفظ مئات الألوف من الأحاديث الموضوعة المكذوبة الضعيفة.\nفالقضية ليست سهلة، القضية ممحصة ومبينة، ومن ثم فإن القول بأن أخبار الآحاد لا يحتج بها في العقائد يناقض ما كان على عهد الصحابة والقرون الثلاثة المفضلة؛ وجماهير العلماء كلهم في منهجهم يقررون أن خبر الآحاد إذا كان صحيحًا ثابتًا بالإسناد الصحيح، ليس فيه علة، وليس فيه شذوذ، ولم يتكلم العلماء فيه؛ فهو يفيد العلم، ومن ثمَّ نأخذ به في باب العقيدة كما نأخذ به في أي باب من أبواب الأحكام الأخرى؛ وتفصيل هذا لعله تأتي له مناسبة أخرى.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.","vol":"3","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٤]</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله ﷿ صفة الوجه، والنفس، والمجيء، والإتيان، والرضا، والمحبة، والغضب، والسخط، والنزول، وذلك على الوجه الذي يليق بالله جل وعلا، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل.\nوقد ضلت في ذلك فرق شتى، فمنهم من حرّف وعطل، ومنهم من شبه ومثل، والحق وسط بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>إثبات صفة الوجه لله ﷿</span>","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>منهج ابن قدامة في ذكر الصفات</span>\nكنا قد وقفنا عند قول الشيخ رحمه الله تعالى: [فمما جاء من آيات الصفات قول الله ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]] .\nبعد أن ذكر المصنف مقدمة جليلة في منهج أهل السنة والجماعة بين فيها وجوب السير على منهاجهم والتحذير من سلوك طريقة أهل البدع المخالفة لطريقتهم وذكر أقوال الأئمة كـ الأوزاعي وعمر بن عبد العزيز وقبلهم عبد الله بن مسعود ﵁، وذكر بعد ذلك القصة التي وقعت في زمن الواثق في محنة القول بخلق القرآن، وكيف أن ذلك الشيخ استطاع بعون من الله وتوفيقه أن يرد على منهج المعتزلة في هذا الباب؛ حيث رد عليهم بمنهج أهل السنة والجماعة القائم على أن هذه الأمور المتعلقة بأسماء الله وصفاته لا يجوز أن يكون رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان من القرون المفضلة قد جهلوها، فكيف يأتي بعد ذلك أفراخ القرامطة والمتأثرون بالفلاسفة والسائرون على المناهج العقلية بتأويلات وتحريفات متعددة؛ ليكونوا هم العالمين بها؟! والأمر يتعلق بأمر غيبي لا مجال للعقل فيه، ألا وهو إثبات أسماء الله ﷾ وصفاته وما ورد في ذلك من أخبار.\nفبعد أن قدم الشيخ هذه المقدمة بدأ يذكر أمثلة، فقال رحمه الله تعالى: (فمما جاء من آيات الصفات)، وسيأتي بعد قليل بذكر أحاديث الصفات، ويلاحظ هنا أن ابن قدامة -لأنه كان متأخرًا- لم يذكر بعض الصفات، مثل: صفة العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر؛ لأن هذه الصفات السبع لم يكن بين أهل السنة والجماعة وبين كثير من العلماء المنتسبين في ذلك الوقت إلى الإمام الشافعي أو أبي حنيفة أو مالك أو حتى أحمد بن حنبل من الأشعرية والماتريدية خلاف في الجملة في إثبات هذه الصفات، ولهذا لم يستشهد بها ولم يذكرها، وإلا فإن هذه الصفات لله ﷾ هي من الصفات الثابتة، والشيخ أراد أن يذكر نماذج، ولهذا قال: (فمما يثبته أهل السنة من الصفات)، فهو ذكر نماذج منها، لكنه ذكر من الصفات ما وقع فيه خلاف، فذكر أول صفة وهي صفة الوجه لله ﵎، واستشهد لها بآية من القرآن، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] .\nوقد وردت صفة الوجه في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وأيضًا ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ، ومن ذلك ما ورد في صحيح البخاري: (أن رسول الله ﷺ تلا قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥]، فقال ﷺ: أعوذ بوجهك، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] فقال: أعوذ بوجهك، ثم قرأ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام:٦٥] فقال ﷺ: هذه أهون)، فاستعاذ ﷺ بوجه الله تعالى؛ ولهذا ورد في الحديث المتفق عليه عن النبي ﷺ من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ حين زاره رسول الله ﷺ وهو مريض وجرى بينهما ما جرى، فقال النبي ﷺ له: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها) .\nفالأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ دلت على أن الله ﷾ له هذه الصفة التي هي صفة الوجه؛ وصفة الوجه نثبتها لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته، لا نتأولها ولا نعطلها ولا نشبهها ولا نكيفها، وإنما نثبتها كما أثبتها السلف الصالح رحمهم الله تعالى.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الكلام على تقسيم الصفات إلى فعلية وذاتية ونحو ذلك</span>\nوهنا ونحن نتكلم عن صفة الوجه لله تعالى أحب أن أقف وقفة قصيرة تتعلق بتقسيم الصفات؛ لأن بعضهم يقول: صفة الوجه واليدين صفات خبرية، وصفة العلم والحياة والإرادة والقدرة والسمع والبصر صفات عقلية، وأحيانًا يقولون: صفة الوجه واليدين والحياة والعلم والسمع والبصر صفات ذاتية، وصفة الرضا والغضب والاستواء والمجيء والنزول والإتيان صفات فعلية، أي: أنها متعلقة بفعله وبإرادته ومشيئته ﷾، وهذه التقسيمات لم تكن معروفة بهذا الشكل لدى السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ولهذا تجدهم يثبتون جميع ما ورد من الصفات دون أن يفرقوا بين صفة وأخرى، كما فعل ابن قدامة هنا، حيث ذكر صفات عديدة لله ﷾ دون أن يميز ويقول: هذه خبرية، وهذه عقلية، وهذه ذاتية، وهذه فعلية.\nولهذا فإنني أنصحكم بقراءة آخر كتاب من صحيح البخاري رحمه الله تعالى الذي عنون له بعنوان: كتاب التوحيد، وهذا الكتاب عظيم جدًا، ومن تأمل تبويب البخاري واستشهاده بالآيات ثم ذكره للأحاديث عن رسول الله ﷺ يرى في هذا الكتاب عجبًا! ومن هنا فإن من تأمل تبويبات البخاري رحمه الله تعالى يجد أنه سار في ذلك أيضًا دون أن يفرق بين اسم من أسماء الله ولا بين صفة من صفات الله؛ فارجعوا إليه، إما إلى متنه أو ارجعوا مع المتن إلى شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الله الغنيمان؛ فإنه شرحه في مجلدين كبيرين، وشرحه من الشروح الوافية المهمة، وهكذا ارجعوا إلى شرح من قبله، مثل شرح ابن حجر في (فتح الباري) أو العيني في (عمدة القاري) أو السيوطي الذي لخص الشرحين في (إرشاد الساري) أو غيرها من شروح البخاري، فيستعين الإنسان بها، لكن شرح الغنيمان لكتاب التوحيد الذي هو آخر كتاب من كتب صحيح البخاري جاء مبسوطًا على وفق منهج أهل السنة والجماعة، مع المناقشة لمن أخطأ أو انحرف في هذا الباب.\nالمهم هو أن هذه التقسيمات إنما جاءت بعد ذلك، وإذا كان بعضها له حظ من المعنى فإن بعض الصفات فعلًا خبرية، مثل صفة الوجه أو اليدين؛ لأنه لا يمكن أن نطلع عليها إلا بخبر الصادق، وبعضها خبري عقلي، مثل صفة العلم لله ﷾ والإرادة، فإن هذه الصفات دلت عليها الأدلة من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ، وأيضًا دل عليها دليل العقل، لكن العمدة في الإثبات أولًا إنما هو النقل؛ لأن هذه متعلقة بأسماء الله وصفاته، لكن لا يمنع بعد إثباتها بالنقل أن ندلل عليها بدليل العقل إذا كان الاستدلال منهجيًا وصحيحًا.\nوكذلك أيضًا التقسيم بأن هناك صفات ذاتية، مثل صفة الحياة لله ﷾، وأن هناك صفات فعلية، هذا أيضًا مما له حظ من المعنى، وقد دلت عليه النصوص؛ فإن بعض صفات الله ﷾ تتعلق بمشيئته وإرادته، فاستواء الله على العرش -مثلًا- له دلالتان: دلالة العلو، وهذه أزلية، ودلالة الاستواء على العرش، وهذه من صفات أفعاله، فليست أزلية؛ ولهذا قال الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، فاستواؤه ﵎ على العرش بعد خلقه له، مثله نزوله ﵎ إلى سماء الدنيا، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء، كل هذا مما يتعلق بإرادته ومشيئته، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكر لذلك.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>الرد على الذين ينكرون صفة الوجه لله ﵎ أو يؤولونها</span>\nونقف عند صفة الوجه لله ﷾؛ لأنها نموذج لبقية الصفات، فنحن نثبتها ولا نتأولها، والذين انحرفوا في هذا الباب تأولوا هذه الصفة قائلين: إن وجهه هو ذاته، فقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، يعني: إلا ذاته، وهذا تأويل باطل؛ لأن دلالة الوجه على الذات لا شك فيها، ودلالة الصفة على الموصوف لا شك فيها، وأن له ذاتًا ليست كذوات المخلوقين لا شك فيها، لكن أن يقال: إن معنى صفة الوجه لله ﷾ هي ذاته، ولا تدل على أن لله وجهًا يليق بجلاله وعظمته، نقول: هذا هو التأويل الخاطئ، بل يجب إثبات هذه الصفة لله ﷾ على ما يليق بجلاله وعظمته؛ وهذا هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يثبتون الصفة ولا يتأولون ولا يكيفون ولا يمثلون، وإنما يثبتون هذه الصفة لأن الله أخبرنا بها، وهو أعلم بنفسه، ولأن رسول الله ﷺ أخبرنا بها وهو ﷺ أعلم بربه، ومن ثمَّ فنحن نسير على منهاجهم، خاصة وأن سلف الأمة أجمعوا على ذلك.\nوقد يقول قائل: ولكن يقول الله ﵎ في كتابه العزيز: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فإن بعض المفسرين من السلف قال: أي: قبلة الله، وظن هؤلاء أن قولهم: قبلة الله، إنما هو تأويل لهذه الصفة، ولهذا لما ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (العقيدة الواسطية) التي هي عقيدة جامعة لمسائل عظيمة، وخالفه من خالفه من أهل الكلام، قال لهم شيخ الإسلام ابن تيمية: أنا أمهلكم ثلاث سنوات، فإن أتيتموني بكلمة واحدة عن السلف رحمهم الله تعالى تخالف ما في العقيدة الواسطية فإنني أعترف لكم بأنني مخطئ.\nأو كلامًا نحو ذلك؟ فبحث المخالفون له، ودعوه إلى مناظرة حول عقيدته الواسطية في قصة ومحنة جرت له رحمه الله تعالى، ولكن الشاهد ما يتعلق بهذه المناظرة فيما نحن بصدده، وهو صفة الوجه لله ﷾.\nوكانت مناظرته حول الواسطية مع مخالفيه من أهل الكلام، وغالبهم أشعرية ﵏ جميعًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فلما جلسنا قالوا لي -وكأنهم كانوا فرحين-: لقد وجدنا عن السلف تأويلًا، قال: فانقدح في ذهني، فقلت: لعلكم تقصدون قول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]؟ قالوا: نعم، نقصد هذه الآية، فإن بعض السلف قالوا: فثمَّ قبلة الله، فقال لهم شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه الآية ليست من الصفات، وما فسروه به بأن المقصود بها: فثمَّ قبلة الله حق؛ لأن الآية جاءت في سياق بيان القبلة: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، أي: أينما تتجهوا بوجوهكم وتعبدون الله ﷾ مخلصين في صلاتكم فثمَّ قبلة الله ﷾، ولا شك أن سياق الآية دال على هذا.\nلكن يبقى في الكلام بقية، ألا وهي أن شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر من كتبه احتج بهذه الآية، وأثبت منها صفة الوجه لله ﵎، فكيف ذلك؟ نقول: نعم، الاحتجاج بهذه الآية على إثبات صفة الوجه لله صحيح، وأرجو أن تنتبهوا لهذه المسألة؛ لأنكم ستجدون أنفسكم محتاجين إليها في بعض القضايا التي هي متعلقة بصفات الله ﷾، فكيف تكون هذه الآية حجة؟ هذه الآية سيقت مساق بيان الضد، لكن لا يعبر عنها بنسبة الصفة إلى الله إلا ما صح أن يكون صفة لله.\nإذًا: قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] المعنى يدل على القبلة، لكنه قال: (وجه الله) فنثبت من هذا صفة الوجه؛ لأنه ما أتى بهذا التعبير إلا والله ﷾ له وجه يليق بجلاله وعظمته، ولهذا اختلف السلف رحمهم الله تعالى في بعض الصفات، مثل صفة الجنب، وذلك عند قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]؛ فبعض السلف قال: نأخذ منها إثبات صفة الجنب لله، وبعضهم قال: لا نثبت؛ لأن سياق الآية يدل على أنها تتحسر على ما فرطت في حق الله وطاعة الله، ولم تأت هذه الآية لبيان الصفة، وكلا القولين فيهما حق؛ لأن الذين قالوا: نثبت منها الصفة قالوا: نحن معكم على أن معنى الآية: على ما فرطت في حق الله وطاعة الله، وهذا واضح الدلالة جدًا، ولو أراد إنسان أن يشرح هذه الآية وقيل له: تلك النفس التي تتأسف يوم القيامة على ما فرطت، ما معنى قول الله تعالى حكاية عنها: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]؟ لفسرها: بأنها تتحسر على ما فرطت في الإيمان بالله وطاعة الله والصلاة والعبادة وغير ذلك، ويكون التفسير صحيحًا، لكن من قال: إنه يؤخذ منها صفة، قال: لا نصف الله ﷾ إلا بما يصح أن يوصف الله ﷾ به، ومن ثمَّ فقوله تعالى: (على ما فرطت في جنب الله) يدل على المعنى الذي دل عليه سياق الآية، وأيضًا نستفيد منه: أن لله جنبًا يليق بجلاله وعظمته، ولا فرق بين الجنب والساق والقدم والرجل والوجه واليدين والعين، وهذه الصفات كلها دلت عليها أدلة صريحة صحيحة، بعضها في كتاب الله وبعضها في سنة رسوله ﷺ.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>إثبات صفة اليدين لله ﷿</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷾: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]] .\nوصفة اليدين لله ﷾ أيضًا مما وردت أدلته نصًا في كتاب الله ﵎ في مثل هذه الآية التي استشهد بها الشيخ، ومثل قول الله ﵎: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]، ومثل قول الله ﵎: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ومثل قول النبي ﷺ في أحد ألفاظ البخاري: (يد الله ملأى لا يغيضها نفقة -يعني: لا ينقصها نفقة- سحاء الليل والنهار)، والسحاء: كثيرة الصب.\nفقوله: (يد الله ملأى) يدل على إثبات صفة اليد لله ﷾.\nوأيضًا قول النبي ﷺ: (يقبض الله السماوات بيمينه والأرضين بشماله)، على رواية مسلم.\nوأيضًا حديث الشفاعة حينما يأتي الناس إلى آدم ويقولون له: (وخلقك الله بيده)، فهذه دالة على إثبات اليدين لله ﷾.\nوالنصوص الواردة في مثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] تدل على صفة اليد؛ وهكذا قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١]، ولا تعارض في ذلك؛ لأن الله ﷾ يتكلم عن نفسه، وهو المعظم لنفسه والمعظم لصفاته، أو يقال: أقل الجمع اثنان، فتتفق آية: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] مع آية: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وآية: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] .","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الرد على المنكرين والمأولين لصفة اليدين لله ﷿</span>\nوالمخالفون لأهل السنة والجماعة في هذه الصفة من المعتزلة وكثير من الأشعرية والماتريدية يقولون: إن اليد بمعنى القدرة، وأحيانًا يفسرونها بمعنى النعمة، وقولهم هذا مخالف لمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ لأنه تأويل لم يدل عليه دليل، والسلف رحمهم الله تعالى هذه الصفة، ومنعوا من تأويلها.\nلكن في صفة اليدين لله جاءت النصوص بدلالة قاطعة تمنع من التأويل، وإني والله حتى هذه اللحظة أعجب كيف تجرأ أولئك العلماء الفضلاء على أن يتأولوا قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]؛ فهذا نص صريح واضح لا يمكن التأويل فيه، ومع هذا قالوا: يداه: نعمته، ما خلقت بيدي: بنعمتي وبقدرتي، وهذا لا يمكن؛ لأن هذا نص صريح في إثبات صفة اليدين لله ﷾.\nولهذا فإنني أقول كما قال من سبقني من أهل العلم: إن تأويلهم لهذه الآية لا وجه له، حتى من دلالة اللغة العربية؛ فقد تكون بعض التأويلات الأخرى -وإن كانت باطلة- لها وجه في اللغة العربية، لكن تأويلهم لليدين تأويل لا وجه له إطلاقًا في اللغة العربية، ولهذا في قول الله ﵎: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] جاءت العبارة وجاء التعبير قاطعًا في هذه المسألة؛ فقال أولًا: (خلقت)، فأضاف الفعل إلى نفسه، وعبر بلفظ (الخلق)، والخلق له دلالته الخاصة، ثم قال: (بيدي)، وأضافها إلى نفسه، ثم جاء معبرًا بلفظ التثنية، وكل ذلك يدل دلالة قاطعة على أن تأويل هذه الآية باطل، وإذا تبين بطلان تأويل هذه الآية فإنه دال على أن تأويلاتهم الأخرى لا دليل عليها، حتى ولو كان لها أحيانًا وجه بعيد من اللغة، إلا أنه يدل على أن منهجم في التأويل منهج غير صحيح.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>إثبات صفة النفس لله ﷿</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى إخبارًا عن عيسى ﵇ أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]] .\nوهذا في إثبات النفس لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته؛ ولهذا يقول الله ﷾ في آية أخرى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨] وورد ذلك أيضًا في أحاديث كثيرة جدًا عن رسول الله ﷺ، كقوله ﷺ: (سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته)، وأيضًا ورد في الحديث القدسي الصحيح الآخر المشهور: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا)، فهذه الآيات والأحاديث عن النبي ﷺ دالة على إثبات هذه الصفة، وأهل السنة والجماعة يثبتونها لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته، لكن ينبغي ألا يفهم منها -وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - أن لله نفسًا منفصلة عن الله ﷾، كما يقال بالنسبة للمخلوق: إن له جسدًا، وله روحًا تسمى نفسًا، فيقولون: خرجت نفسه، يعني: خرجت روحه، فقول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] لا يفهم منه أن لله نفسًا منفصلة عنه، وهذا أيضًا هو الذي تدل عليه النصوص؛ فإن النفس هنا تدل على الصفة وعلى ذات الله ﷾ التي لا تشبه ذوات المخلوقين؛ فقوله ﷾: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨] أي: يحذركم ذاته المتصفة بصفاته، وليس هناك صفة منفصلة اسمها النفس، كما قد يتوهم البعض.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الكلام على صفة المجيء والإتيان</span>","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>إثبات صفة المجيء والإتيان لله ﷿</span>\nثم إن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر صفة أخرى فقال: [وقوله ﷾: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠]] .\nوهاتان الآيتان دالتان على صفة المجيء والإتيان لله ﷾؛ وهما من الصفات الفعلية التي يتصف بها ربنا ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته، وأهل السنة والجماعة يثبتون صفة المجيء، ويثبتون صفة الإتيان؛ لأن النصوص من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ دلت عليها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقال في آية أخرى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام:١٥٨]، فقوله: (يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك) دليل على بطلان من تأول ذلك؛ لأنه ميز بين إتيان الرب وإتيان الآيات، ولو كان إتيان الرب هو إتيان الآيات أو بعض عباد الله أو نحو ذلك كما يقول المتأولة لما ذكره هنا وميزه، وهذا واضح الدلالة.\nوالمخالفون لمنهج أهل السنة والجماعة يقولون: (وجاء ربك) أي: وجاء أمر ربك؛ (يأتي ربك) أي: يأتي أمر ربك، أو يأتي ملك من الملائكة، أو غير ذلك؛ وهذا كله من باب التأويل الباطل؛ فإن هذه النصوص قد دلت على أن الذي يأتي هو الله ﷾، وأن مجيئه وإتيانه كما يليق بجلاله وعظمته لا يلزم منه لوازم النقص التي نعلمها على المخلوقين؛ ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال في الحديث الطويل المتعلق بيوم القيامة: (حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله أتاهم رب العالمين)، وهذا نص صريح أن الذي أتاهم هو رب العالمين ﷾؛ أما تأويله بأنه أمر ربك أو نحو ذلك فهو مخالف لهذه النصوص الصريحة الدالة على أن الذي يتصف بها هو الله ﵎.","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>سبب تأويل المتكلمين للصفات الفعلية والرد عليهم</span>\nوبعض المتكلمين تأول مثل هذه الصفات وقال: إنه لا يجوز أن نثبتها لله ﷾؛ لأن الصفات الفعلية التي هي المجيء والإتيان والاستواء والنزول والغضب والرضا وغيرها يلزم منها حلول الحوادث في ذات الله تعالى؛ ومقصودهم بحلول الحوادث أن كل جسم حلت فيه الحوادث والتغيرات -سواء كانت هذه الحوادث سقمًا أو مرضًا أو نقصًا أو نحو ذلك أو كانت أفعالًا مثل حركة وتلون وغير ذلك -أنه يكون حادثًا؛ فكل جسم حلت فيه هذه الأشياء فهو دليل على حدوثه! واستدلوا على حدوث العالم بهذه القاعدة، فقالوا: دليلنا على أن العالم حادث، وأنه غير أزلي، وأن كلام الفلاسفة بأن العالم قديم باطل، هو أن هذا العالم فيه متغيرات: شمس وقمر وكوكب وأرض وغير ذلك، هذه المتغيرات تدل على أنه حادث.\nوبعد أن قرروا هذه القاعدة، واحتجوا بهذا الدليل، وردوا به على الفلاسفة، وظنوا أنهم قصموا ظهور الفلاسفة القائلين بقدم العالم بهذا الدليل، انتكس عليهم هذا الدليل؛ لأنه دليل ضعيف فيما عندهم من عقيدة، فقيل لهم: إذا قلتم إن هذا الدليل صحيح، إذًا الله ﷾ أيضًا متصف بهذه الصفات التي أنتم تسمونها حوادث؛ فالله لم يكن مستويًا على العرش فخلق العرش ثم استوى على العرش! والله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، والله يجيء يوم القيامة، إذًا: هذه كلها يلزم منها متغيرات، ويلزم منها الحركة، وهذه صفات الإنسان، فينتفي وجه الاعتراض.\nوفعلًا هم لما قيل لهم بهذا الاعتراض، قالوا: إذًا ننفي عن الله الصفات الفعلية، وهذا في الحقيقة أمر عجيب جدًا! والمشكلة أن هذه القضية نشأت منذ زمن طويل قبل الأشاعرة وقبل الماتريدية، أي أنها نشأت منذ عهد ابن كلاب الذي كان سابقًا قليلًا للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فإن ابن كلاب لما جاء وجد الناس في عصره على طريقتين: الأولى: طريقة أهل السنة والجماعة الذين يثبتون جميع الصفات دون أن يفرقوا فيها بين صفات الذات وصفات الفعل الخبرية وغير الخبرية، بل يثبتون الجميع؛ لأن منهجهم واحد، ولا فرق بين الصفات.\nالثانية: الجهمية المعتزلة الذين ينفون عن الله جميع الصفات، ولا يفرقون بين العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والعلم والوجه واليدين وغير ذلك؛ فينفون عن الله ﷾ جميع الصفات.\nونظرًا لأنه دخل في باب من أبواب علم الكلام، وهو دليل حدوث العالم واقتنع بذلك الدليل الباطل، نظرًا لذلك فإن ابن كلاب أتى بمذهب جديد، جمع فيه بين مذهب السلف ومذهب المعتزلة، فأثبت لله الصفات، لكن نفى عن الله ما يتعلق بمشيئته وإرادته، وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- توضيح له في إثبات صفة الكلام لله ﵎؛ لكن المهم هنا أن أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى يثبتون لله المجيء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته، ويقولون: إنها صفات أفعال، فمجيئه إنما هو بمشيئته وإرادته؛ لأن الصفات لله ﷾ على ثلاثة أقسام: القسم الأول: صفات ذاتية يتصف الله بها أزلًا وأبدًا، مثل صفة الحياة والعلم ونحوهما.\nالقسم الثاني: صفات فعلية ليست أزلية، وإنما هي متعلقة بإرادته ومشيئته، مثل استوائه على العرش، ومثل مجيئه يوم القيامة، ومثل نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر.\nالقسم الثالث منها: ما هو ذاتي وفعلي، مثل صفة الكلام لله ﷾، فالله متصف بصفة الكلام أزلًا، وهو ﷾ أيضًا يتكلم إذا شاء متى شاء، فهو ﷾ متصف بهذه الصفة منذ الأزل، وهو ﷾ كلم موسى في ذلك الوقت، أي: بعد أن خلق موسى وكونه في ذلك المكان الذي ذكره الله ﷾ بجانب الطور، وقبل ذلك لم يكلمه ﷾، هذه الصفات التي ذكرناها: صفة المجيء والإتيان وغيرها هي من صفات الفعل التي نثبتها لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته، ونقول: هي متعلقة بمشيئته وإرادته.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>الكلام على صفة الرضا ونحوها</span>","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>إثبات صفة الرضا لله ﷿</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]] .\nصفة الرضا أيضًا يثبتها أهل السنة والجماعة لله ﵎، وقد دلت عليها آيات كثيرة جدًا، كما قال ﷿: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) في أكثر من آية، وأيضًا ورد في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها)، وقوله: (إن الله يرضى لكم ثلاثًا) .\nوصفة الرضا يثبتها أهل السنة والجماعة لله ﷿ كما يليق بجلاله وعظمته، وهي من صفات الأفعال، أي: أن الله ﷾ يرضى عن عبده إذا شاء، وأخبر أنه يرضى عن عبده إذا فعل الطاعة.","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الرد على المنكرين والمأولين لصفة الرضا</span>\nهذه الصفة ومثلها صفة المحبة وغيرها يثبتها أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى دون أن يتأولوها، ومن تأولها بأن المقصود بالرضا إرادة الإنعام، أو بالمحبة إرادة الإنعام ونحو ذلك فهذا تأويل باطل؛ لأنه لم يدل عليه دليل، وأولئك تأولوا مثل هذه الصفة خوفًا من التشبيه؛ لأنك إذا قلت لأحدهم: لماذا لا تثبت لله صفة الرضا أو صفة المحبة؟ قال: لا أثبتها خوفًا من التشبيه! لأن الرضا أو المحبة هي صفة في المخلوق تدل على نوع من ميل القلب ونحو ذلك، وهذا الميل والانكسار إنما يليق بالمخلوق، والله ﷾ منزه عنها! فنقول له: ونحن ننزه الله عن صفات المخلوقين، لكن ماذا تقول عن هذه الآية، قال: أقول: الرضا إرادة الثواب، والمحبة إرادة الإنعام، ونحو ذلك.\nفنقول له: أنت فررت من شيء فوقعت في مثله تمامًا؛ لأنك قلت: إرادة الإنعام، فأثبت لله صفة الإرادة، والإرادة هي أيضًا ميل القلب، فإذا قيل: فلان من البشر يريد هذا الشيء فالمعنى أن قلبه يميل إليه، وإذا قيل: يريد أن يصنع شيئًا، أي: أن نفسه تميل إليه، وهذه من صفات المخلوقين؛ فيلزمك فيما فررت إليه نظير ما لزمك فيما فررت منه، فأنت فررت من إثبات الرضا والمحبة فيلزمك في الإرادة ما لزمك في المحبة؛ فإن قلت: أنا أثبت الصفات السبع -مثلًا- ومنها صفة الإرادة، وقولي: إرادة الإنعام أثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم منها مشابهة المخلوقين، نقول: ونحن نقول لك أيضًا في صفة الرضا وصفة المحبة: نحن نثبتها لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم منها مشابهة المخلوقين.\nوهكذا كل من تأول صفة من صفات الله تعالى فإنه يلزمه فيما فر إليه نظير ما لزمه فيما فر منه، ولا يمكن أن ينفك عنها أي متأول أبدًا؛ حتى المعتزلة الذين نفوا عن الله ﷾ جميع الصفات خوفًا من تعدد الذوات؛ حيث قالوا: ننفي عن الله جميع الصفات حتى نوحد الله؛ حتى لا نقع فيما قاله النصارى: الأب والابن وروح القدس إلى آخره.\nفنقول للمعتزلة: أنتم تنفون هذا عن الله من باب التوحيد؟ فسيقولون: نعم، فنقول لهم: أنتم تقولون: الله موجود أو غير موجود؟ فإن قالوا: الله غير موجود، فقد انتهى الكلام معهم؛ لأنهم ينكرون وجود الله ﷾، وإن قالوا: الله موجود، فسنقول لهم: والمخلوق موجود؛ فإذا كنتم تفرون من تشبيه الله بخلقه وتقولون إننا ننفي عن الله الصفات حتى لا نجعل مع الله غيره فأنتم ملزمون كذلك في صفة الوجود لله ﷾؛ فإنه ﵎ موجود، فإن قالوا: نحن نقول: الله موجود، لكن وجود الله ليس كوجود المخلوقين؛ فالمخلوق وجد من عدم، والمخلوق غير واجب، بل ممكن، والله ﷾ وجوده يليق به، فهو وجود واجب له ﷾ لا يقبل العدم، فنقول لهم: إذا قلتم: لله وجود لا يشبه وجود المخلوقين كذلك أيضًا بقية الأسماء والصفات، فلله أيضًا إرادة لا تشبه إرادة المخلوقين، وله علم لا يشبه علم المخلوقين، وله سمع لا يشبه سمع المخلوقين، وهكذا؛ وكل من اتخذ بابًا من باب التأويل فلابد أن يتناقض قوله.","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>إثبات صفة المحبة لله ﷿</span>\nثم قال المصنف هنا: [وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]] .\nوهذه الصفة أيضًا وردت في أكثر من آية من كتاب الله ﷾، ووردت أيضًا في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ، ومنها حديث النبي ﷺ مع علي بن أبي طالب ﵁ لما قال في خيبر: (لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)، وبقية القصة معروفة حين دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁.\nفقوله: (ويحبه الله ورسوله) دليل على إثبات صفة المحبة، وتأويل هذا لا يجوز.","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>إثبات صفة الغضب</span>\nثم قال الشيخ رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦]] .\nوهذا يدل على إثبات صفة الغضب لله ﵎ وأهل السنة والجماعة يثبتونها لله ﷿ كما يليق بجلاله وعظمته؛ والأدلة عليها من كتاب الله كثيرة معروفة، وهكذا من سنة الرسول ﷺ، ومن ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)، وفي بعض الروايات: (سبقت غضبي) وهذا في الصحيحين وغيرهما؛ فهذه النصوص دالة على إثبات هذه الصفة لله كما يليق بجلاله وعظمته.\nوأهل السنة لا يفرقون بين الغضب وبين غيره، لكن بعض أهل الكلام قال: كيف تثبت لله صفة الغضب، فنحن لا نعرف إلا غضب المخلوق؛ فإن المخلوق إذا غضب يغلي يثور دمه، ويحمر وجهه، ويحتقن، ويبدأ يتفوه بكلمات تدل على غضبه، هذا هو غضب المخلوق! فكيف نثبت لله ﷾ هذه الصفة ونحن لا نعقل ولا نفهم إلا صفة المخلوق؟! والجواب عليه كالجواب عما سبق، فنقول له: نحن نثبت لله صفة الغضب كما يليق بجلاله وعظمته، ولا نقول أبدًا: إن غضبه يشبه غضب أحد من المخلوقين، بل المخلوقون يتفاوتون في غضبهم؛ فغضب الواحد من الناس ليس كغضب مالك خازن النار، فنحن نثبت لله الصفة كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم منها أن يكون غضبه مشابهًا لغضب المخلوقين، لكن أنت أيها المتأول النافي! ماذا تقول عن الغضب لله؟! وبماذا تفسر الآية؟! قال: غضب الله إرادة الانتقام، فنقول له كما قلنا في صفة المحبة: أنت تثبت لله الإرادة هنا، وتقول: إرادة الانتقام، أي: إرادة الله الانتقام من العباد، فماذا تقول في الإرادة؟ فنحن لا نعلم من الإرادة إلا إرادة المخلوق فحينما يريد أن ينتقم يميل إلى الانتقام، ويتجه بنفسه إلى الانتقام، فهذا الميل القلبي هل تثبته لله ﷾ كما هو موجود في المخلوقين؟ فسيجيب ويقول: لا، ولكنني أثبت لله إرادة تليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم إذا كان المخلوق له هذه الصفة أن تكون مشابهة لصفة الله ﷾، ونقول له بكل ثقة: ونحن نقول في صفة الغضب ما تقوله أنت في الإرادة؛ فنحن نثبت لله صفة الغضب كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم منه أن يكون مثل غضب المخلوقين؛ فيلزمك فيما فررت إليه نظير ما لزمك فيما فررت منه.","vol":"4","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>إثبات صفة السخط لله ﷿</span>\nثم قال المصنف: [وقوله تعالى: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد:٢٨]] .\nالشيخ استشهد بجزء من الآية: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد:٢٨]، وهذه الصفة أيضًا نثبتها لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته، ونقول فيها: إن الله ﷾ سخط ويسخط على أهل المعاصي، وهذه المعاصي هي مما يسخط الله ﷾، كما ورد عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح أنه قال في الدعاء المشهور: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، فهذا يدل على أن الله متصف بهذه الصفة كما يليق بجلاله وعظمته، ولا نتأولها.","vol":"4","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>إثبات صفة الكره لله ﷿</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]] .\nوهذه أيضًا صفة من صفات الله تعالى؛ فإن الله ﷾ يكره المعاصي، وكره الله انبعاث هؤلاء المنافقين وخروجهم مع رسول الله ﷺ في الجهاد في سبيل الله؛ نظرًا لما يترتب على خروجهم من الفساد والفتن، وقد ورد عن النبي ﷺ في هذه الصفة مثل قوله ﵊: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) وهذا في صحيح البخاري.\nوقوله: (كره لكم) يدل على إثبات هذه الصفة لله ﷾، كما يليق بجلاله وعظمته.","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>إثبات صفة النزول لله ﷿</span>\nثم إن المصنف رحمه الله تعالى انتقل بعد ذلك إلى السنة فقال: [ومن السنة قول النبي ﷺ: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا)] .\nقوله: (ومن السنة)، هذا يدل على أن منهج المصنف رحمه الله تعالى هو المنهج الموافق للسلف رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يحتجون بالسنة وبأخبار الآحاد في باب العقيدة، وقد سبقت الإشارة إلى هذا، فأهل السنة والجماعة يثبتون لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ، فما أثبته رسوله ﷺ من الصفات يثبتونها، ومن ذلك صفة النزول التي دلت عليها الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ، والتي فيها: (أن الله ﵎ ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الصبح) .\nوصفة النزول لله ﷾ إنما وردت في السنة، ومع هذا فإن السلف رحمهم الله تعالى حدثوا بهذه الأحاديث، ورووها، وأثبتوا ما دلت عليه كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تلزم منها لوازم باطلة، ولا يلزم منها أن يكون نزوله ﵎ مثل نزول المخلوقين؛ ولهذا ألف العلماء رحمهم الله تعالى كتبًا مستقلة في إثبات النزول لله ﵎، وهذه الكتب دالة على عناية السلف بهذه الصفة؛ نظرًا لأنها ثبتت في سنة الرسول ﷺ؛ ونظرًا لأن كثيرًا من المتكلمين بل عامة المتكلمين تأولوا هذه الصفة بتأويلات باطلة، مثل قولهم: إن الذي ينزل هو أمره أو رحمته، ومثل قولهم: إن الذي ينزل ملك من الملائكة، فبين السلف رحمهم الله تعالى أن هذه الأحاديث إنما دلت على إثبات الصفات لله ﷾ دون أن تشبه صفات المخلوقين، ومن ثمَّ فلا يجوز تأويلها.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الرد على شبهة أن السماوات ستكون فوق الله تعالى إذا نزل</span>\nوأحب أن أقف وقفة مع هذه الصفة لله ﷾؛ فإن بعض الناس قد يخطر بباله خواطر تتعلق بهذه الصفة، ومنها: كون جميع البلاد فيها ثلث الليل الآخر، ومنها: أن الله عظيم أكبر من المخلوقات، فكيف ينزل إلى سماء الدنيا؟ والجواب على ذلك: أن هذه الخواطر إنما نشأت من توهم التشبيه، أي: من توهم أن صفات الله مثل صفات المخلوقين، وهذه العلة هي التي بها نفى المنحرفون صفات الله؛ فإذا تأول أحد صفة الكلام أو صفة الوجه أو اليدين لله ﷾ أو نحو ذلك، وفتشت عنه: لماذا تأولت؟ فإنك تجد أنه أولًا شبه ثم عطل؛ فإنه أولًا قرأ الآية، فلما قرأها لم يفهم منها إلا ما هو من صفات المخلوقين، فلما شبه صفة الله بصفات خلقه واستقر هذا في ذهنه فكر وقال: هذا لا يليق بالله، إذًا نتأول هذه الصفة وننفيها عن الله ﷾! وهو لو عظم الله حق تعظيمه ونزهه من التشبيه لأثبت الصفة منذ البداية دون أن يكيفها أو يشبهها بصفات المخلوقين، ولكان منذ البداية مثبتًا لها.\nفنقول فيما يتعلق بصفة النزول: إن الوهم والخواطر التي تخطر في البال إنما نشأت من قياس الله بخلقه أو تشبيه الله بخلقه، فيظن الظان أن نزول الله ﷾ كما هو في حق كوكب من الكواكب، فإنه إذا كان بعيدًا ثم نزل ستصبح السماء فوقه، ويكون في جو الأرض ونحو ذلك، فنقول: هذا خطأ ناشئ من أن الإنسان ما عظم ربه حق تعظيمه؛ لأن الله ﷾ لا يقاس بخلقه، كما يقول الله ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] .\nإذًا: إذا كانت السماوات مطويات بيمينه وإذا كانت الأرض قبضته يوم القيامة، وإذا كانت السماوات السبع والأرضين السبع في يد الرحمن كخردلة في يد أحدكم، فكيف يأتي الإنسان ويفهم أن الله ﷿ إذا نزل فمعنى ذلك أن السماوات ستصبح فوقه أو يصبح العرش فوقه؟! إن نزول الله ﵎ هو نزول يليق بجلاله وعظمته، ولا يشبه نزول المخلوقين، ولا يلزم منه أن يكون العرش فوقه أو السماوات فوقه ما عدا سماء الدنيا؛ تعالى الله عن ذلك، بل الله ﷾ ينزل كما يليق بجلاله وعظمته، ولا نعلم كيفية نزوله، ولهذا لو قيل: كيف ينزل؟ فنقول: كيف هو؟ فسيقول: أنا لا أعرف ذاته؛ فنقول: كذلك أيضًا نحن لا نكيف صفاته ﷾.\nإذًا: فأي ظن من الباطل يظنه الظان فيما يتعلق بنزوله ﷾ هو غير لازم، هذه قضية.","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>الرد على شبهة انتقال ثلث الليل الآخر من بلد إلى بلد باستمرار</span>\nالقضية الثانية: اختلاف الليل والنهار، نحن نقطع يقينًا -ونحن في هذا البلد مثلًا- أنه حين يأتي ثلث الليل فإن الله ينزل، ونزوله يدل على قربنا، كما أن نزوله ﷾ عشية عرفة يدل على قربه ﵎ من أهل عرفة، وهذا القرب هو كما يليق بجلاله وعظمته، لكن نثبته لله ﷾ حقيقة ولا نتأوله، فنحن نقطع بنزوله في ثلث هذا الليل، وكذلك أيضًا في البلد الآخر الذي سيكون بعد ساعة وساعتين لديهم ثلث أيضًا ينزل كما يليق بجلاله وعظمته؛ والله ﷾ لا يقاس بخلقه؛ لأنك أصلًا لو تأملت في القضية الزمنية بالنسبة لليل والنهار لوجدتها محددة ومتعلقة بالشمس والأرض، وما يتعلق بمجراتها، لكن ما فوق ذلك الله أعلم به، ومن ثمَّ كون الإنسان يفهم هذا الفهم القاصر، والسماوات والكون كله بالنسبة لله ﷾ لا يساوي شيئًا ثم يأتي ليقيس، نقول: هذا فهم خاطئ بالنسبة لك؛ لأنه قاصر غير معظم لله ﵎.\nوأضرب لذلك مثالًا في هذه القضية؛ ليتبين أن الله ﷾ لا يقاس بخلقه: نحن جميعًا نعلم أن الإنسان منا متصف بصفة السمع، والله ﷾ متصف بصفة السمع كما يليق بجلاله وعظمته، لكن تعالوا إلى صفتنا نحن؛ ماذا نستطيع أن نسمع حينما تتعدد الأصوات؟! وكم نستطيع أن نسمع؟! والواحد منا لو تكلم واحد أمامه لسمعه، وإذا تكلم اثنان في وقت واحد بكلامين مختلفين فإنه يسمعهما ولكن لا يستطيع أن يميزهما، وقد يستطيع لكن بصعوبة، لكن افترض أن أمامه عشرة أشخاص كل منهم يتكلم بكلام في قضية مختلفة عن الآخر وفي وقت واحد، فإن هذا الإنسان لا يستطيع أن يميز هذا الكلام، وإذا كان سمعه جيدًا قد يميز واحدًا منهم؛ لرفعة صوته أو لقربه منه فقط، لكن البقية لا يمكن أن يميز كلامهم، وافترض أن أمامه ألف شخص كلهم يتكلمون بكلام واحد، ويخاطبونه بموضوعات مختلفة؛ فإن هذا عاشر المستحيلات أن يستطيع الإنسان بحسب ما أقدره الله عليه أن يميز كلامهم، لكن هل هذا يعجز الله ﷾؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا؛ وليس ألف شخص فقط، وإنما يجتمع في يوم عرفة في عرفات أكثر من مليون شخص، وفي غير عرفات أيضًا يجلس من غير الحجاج مئات الملايين من الناس، وكلهم صائمون، وبالنسبة للحجاج كلهم واقفون بعرفات، وكلهم قد رفعوا أكف الضراعة يدعون ربهم ﵎ بمختلف بأنواع الدعاء، وعلى اختلاف اللغات، ومع ذلك هل يغيب عنه شيء؟ وهل يغيب عن سمعه شيء؟! الجواب: لا يغيب عن سمعه شيء.\nإذًا: لو جاء إنسان يريد أن يدخل عقله في القضية ويقول: كيف يسمع ربنا ﵎؟! وكيف يمكن أن يسمع هذه الأشياء كلها بمختلف اللغات من ملايين الأشخاص؟! فنقول: نعم يستطيع، ولا يعجزه شيء.\nوهنا موطن العجز بالنسبة للمخلوق؛ فالله ﷾ متصف بصفة السمع، وصفة السمع تليق به، ولا تشبه صفات المخلوقين.\nوكذلك أيضًا لو جاء قائل يقول: كيف ينزل والوقت في الكرة الأرضية مستمر؟ فنقول: نعم، وليس نزول الله ﷾ كنزول المخلوقين، ولا يلزم منه هذا اللازم، ولهذا ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: (أن الله ﷾ يحاسب العباد يوم القيامة)، أي: يحاسب جميع العباد! ولا يعلم عددهم إلا الله، ومع هذا يحاسبهم في ساعة، ويحاضر كل واحد منهم وحده محاضرة خاصة، ويقرره ﵎ بذنوبه، فكيف يتم هذا؟! بالنسبة لنا نحن البشر لا نستطيع أن نتصور هذا، لكن نؤمن به، ونصدق به؛ لأنه من صفات العليم الخبير ﷾.\nإذًا: كل ما يخطر في البال من هذه الأمور لا يمكن أن يكون في الله ﷿، فأهل السنة والجماعة يثبتون أن الله ينزل، ونزوله حقيقي يليق بجلاله وعظمته، ويعلمون ويوقنون وهم في ثلث الليل الآخر أن الله قريب منهم، ومن ثمَّ تتحرك قلوبهم، وتدمع أعينهم، ويحس الواحد منهم في هذا الوقت بقرب عظيم من ربه ﷾؛ لأنه يوقن بأن الله ﵎ قد قرب منه، وأنه نزل ﵎ إلى سماء الدنيا نزولًا يليق بجلاله وعظمته لا يشبه نزول المخلوقين.\nونقف عند هذا ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.","vol":"4","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>الأسئلة</span>","vol":"4","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الجمع بين حديث: (يقبض الله السماوات بيمينه والأرضين بشماله) وحديث: (وكلتا يديه يمين)</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n كيف نجمع بين قول النبي ﷺ: (يقبض الله السماوات بيمينه، والأرضين بشماله)، وبين قول النبي ﷺ في الحديث الآخر: (وكلتا يديه يمين)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n اختلف العلماء في الجواب على هذا السؤال؛ فبعض العلماء ضعف رواية: (بشماله)، الواردة في صحيح مسلم، وقال: إن هذه اللفظة شاذة، وقال: إن قول النبي ﷺ: (وكلتا يديه يمين) يدل على أن الله ﷾ ليس له شمال، ومن ثمَّ خرجوا من هذا بأن هذه اللفظة ضعيفة.\nالجواب الثاني وهو الذي أرجحه: أنه لا تعارض بين الحديثين، وما دام وردت اللفظة في صحيح مسلم ولا علة في إسنادها؛ فإننا نثبت لله ﷾ هذه الصفة، ونقول: لله يدان، ونقول كما ورد في الحديث: يقبض الله السماوات بيمينه والأرضين بشماله، ونثبتها ونقول: إن قول النبي ﷺ: (وكلتا يديه يمين)، هو لبيان أن كون المخلوق له يمين وشمال، واليمين أفضل وأعلى من الشمال، وهذا لا يلزم بالنسبة لله ﷾، بل لله يدان يمين وشمال، وكلتا يديه يمين، فلا يلزم النقص كما في المخلوق.","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>صفات الله ﷿ لا تشبه صفات المخلوقين</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما رأيكم فيمن قال: إن لله يدًا لا نستطيع وصفها، كيد الباب التي نراها ولا نستطيع وصفها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n أهل السنة والجماعة يثبتون لله صفة اليد، ومعنى اليد معروف في اللغة العربية، لكن يثبتونها لله كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تشبه صفات المخلوقين؛ فالمهم هو أن نثبتها لله، ونحن نفهم معنى اليد في اللغة العربية، فنثبت المعنى، ولكن نقول: إن هذه الصفة لا نعلم كيفيتها، ولا تشبه يد المخلوق، ولا يد الباب، ولا غيره، بل هي صفة تليق بجلاله وعظمته.","vol":"4","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>كيفية إثبات أسماء الله ﷿</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل الأسماء التالية من أسماء الله: المقصود، الدائم، الراضي، فكثيرًا ما نسمع باسم عبد المقصود، وعبد الدائم، وعبد الراضي، ونحن نعلم أن العبودية لله ﷾؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n بالنسبة لبعض الأسماء المنتشرة التي تعبد فيها الأسماء لله ﷾، الأولى بمن يسمي أن يحرص على التسمية بالاسم الوارد الثابت في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ.\nوأسماء الله ﷾ من خلال الاستقصاء في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ كثيرة، وإن كانت أسماء الله غير منحصرة بهذه، لكن بعض الأسماء أحيانًا تكون مشتقة من صفة؛ لأنه لم يرد عن الله ﷾ أن من أسمائه الراضي، لكن اشتقوه من قوله تعالى: ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩]، فهذه الآية اشتق منها اسم الراضي، ثم سمي هذا الشخص بعبد الراضي، وهذا خطأ؛ لأنه لا يشتق لله اسم من الصفة، أما الاسم فإنه يدل على الصفة؛ فيشتق لله من الاسم صفة؛ لأن الاسم علم على الله ﷾ فهو ذو دلالة أكثر من دلالة الصفات، ومن هنا فاسم (عبد الراضي) غير وارد؛ لأن الراضي ليس من أسماء الله، ومثله المقصود ومثله أيضًا الدائم، كل هذه أسماء لم تثبت على حد علمي في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ؛ وأما أخذها من خلال الاشتقاق بأن يشتق لله من الصفة اسم فنقول: هذا العمل غير صحيح.\nونكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"4","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>معنى قوله ﷺ: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله)</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n قول الرسول ﷺ لـ سعد: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله) الحديث؛ فإذا المقصود من قوله: (تبتغي بها وجه الله) هو إخلاص العمل لله، فكيف يمكن إثبات صفه الوجه من هذا الحديث؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n معنى قوله: (تبتغي بها وجه الله) أي: تريد منها وجه الله ﷿، هذا معنى الحديث الذي لا شك فيه؛ لكن أيضًا هو دال على إثبات صفة الوجه لله ﷾؛ لأنه قال: (تبتغي وجه الله)، وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩-٢٠]، والمعنى واضح، والحمد لله.","vol":"4","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>منهج الماتريدية في العقيدة</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما هو منهج الماتريدية في العقيدة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ظهر الآن رسالتان في السوق كلاهما جامعتان، وأصلتا عقيدة الماتريدية ومنهجهم؛ وبالنسبة للماتريدية هم قريبون جدًا من منهج الأشعرية، وليس بينهم وبين الأشعرية إلا بعض الفروقات المتعلقة ببعض مسائل الإيمان ومسائل القدر، وأيضًا في بعض الصفات لله ﷾، أما الكلام على تفصيل ذلك فيطول.","vol":"4","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>معنى قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأييد)</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]، سمعنا أن المراد بالأيدي ليس صفة اليد فما توجيهكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ورد عن بعضهم أنه قال: (بأييد) أي بقوة، وهذا التفسير صحيح، لكن الآية دالة على صفة اليدين لله ﷾.","vol":"4","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>أحسن الشروح لكتاب التوحيد من صحيح البخاري</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n بالنسبة لشرح كتاب التوحيد في صحيح البخاري، هل يقرأ طالب العلم شرحه من فتح الباري لـ ابن حجر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نعم بالنسبة لطالب العلم، أما بالنسبة للمبتدئ فننصحه أن يقرأ شرح كتاب التوحيد -الذي هو آخر كتاب من صحيح البخاري - الذي كتبه الشيخ عبد الله الغنيمان، وهو شرح مطول يقع في مجلدين، وهو مفيد جدًا، وقد استدرك على ابن حجر رحمه الله تعالى بعض الأشياء التي أخطأ فيها.","vol":"4","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الكلام في مسألة: هل يخلو العرش عند نزول الله ﷿ إلى السماء الدنيا</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل يكون العرش عند نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا خاليًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذه مسألة تكلم فيها العلماء: هل يلزم من نزوله ﵎ خلو العرش عن ذاته؟ وفيها قولان للسلف رحمهم الله تعالى: ولعل الصحيح -إن شاء الله تعالى- أنه لا يلزم؛ لأن الله ﷾ لا يقاس بخلقه.","vol":"4","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>تأليف الإمام البخاري في الأسماء والصفات</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل هناك كتاب مستقل للبخاري في الأسماء والصفات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n له كتاب في العقيدة وهو مفصول، لكن يغني عنه كتابه (خلق أفعال العباد) وهو كتاب مستقل، وأيضًا آخر كتاب صحيح البخاري؛ لأن صحيح البخاري اشتمل على عدد كبير من الكتب آخرها كتاب التوحيد، وهو كتاب عظيم جدًا في ذلك.\nوالله أعلم.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.","vol":"4","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٥]</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله جل وعلا صفة العجب، والضحك، والعلو، والاستواء، وذلك كما وردت بها الأدلة بيضاء صافية تسر المتقين.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>إثبات صفة العجب لله ﷿</span>\nبدأ المصنف رحمه الله تعالى بذكر صفات الله ﷾ الثابتة في سنة رسوله ﷺ، فقال: [ومن السنة قول النبي ﷺ: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا)] .\nوقد سبق الحديث عنه في الدرس الماضي.\nثم قال: [وقوله: (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة)] .\nومعنى الحديث: أن الله ﷾ يعجب من هذا الشاب أنه مع نشاطه وقوة رغباته وشهواته المتعددة لا تكون له صبوة، أي: لا يكون له ذنب، ولا يرتكب كبيرة، ولا يرتكب معصية؛ فيعجب ربنا ﷾ من هذا، وهذه الصفة لله ﷾ هي كما يليق بجلاله وعظمته؛ لكن هذا الحديث في حد ذاته تكلم فيه العلماء، فهو حديث رواه الإمام أحمد في المسند والطبراني وغيره، لكنه ضعيف وإن قواه بعض العلماء كـ السخاوي في كتابه (المقاصد الحسنة)، لكن يغني عنه دليلان أحدهما في كتاب الله، والثاني في صحيح البخاري؛ فأما الذي في كتاب الله تعالى فقول الله ﵎: (بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ)؛ على قراءة ضم التاء، وهذه القراءة سبعية؛ قرأ بها حمزة وخلف والكسائي، ومن ثمَّ فإنها قراءة صحيحة أنه يجوز القراءة بها.\nوكذلك ورد في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال في قصة الصحابي هو وزوجه وضيفهم حين استضافوه وليس معهم من الطعام ما يكفي، فأطفئوا السراج، وأوهموه أنهم يأكلون، وجعل الضيف يأكل حتى شبع، فلما أصبح الصباح قال النبي ﷺ لهذا الصحابي: (لقد عجب ربك- وفي رواية: ضحك ربك - من صنيعكما البارحة بضيفكما)، فقوله: (عجب) نأخذ منه ومن الآية إثبات هذه الصفة لله ﷾ التي هي صفة العجب.\nوالعجب والتعجب أحيانًا ينشأ من الجهل، مثل أن يطلع الإنسان على صنعة أو قوة معينة لفارس أو شخص فيعجب من ذلك، وأحيانًا يكون العجب لأمر آخر، وهو كون هذا الشيء جاء على صفة غير معروفة وغير متوقعة وإن كان الإنسان لا يجهلها، ولكن بالنسبة لله ﷾ نثبت له هذه الصفة كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تقاس بصفة المخلوقين، وليس عجبه كعجب المخلوقين؛ فعجب المخلوقين قد ينشأ أحيانًا من جهل وأحيانًا من قلة فهم لهذه القضية، لكن عجب ربنا ﷾ هو صفة تليق بجلاله وعظمته، ولا يترتب عليها جهل، ولا يترتب عليها عدم إدراك ومعرفة لهذا المتعجب منه، بل هي صفة تليق بجلاله وعظمته كما في الحديث الذي تقدم، وفيه أن صحابيين أطعما ضيفهما وتركا نفسيهما، والله ﷾ عليم بهما مطلع عليهما، ومع ذلك يقول الرسول ﷺ: (عجب ربك من صنيعكما البارحة)، وفي رواية: (ضحك ربك من صنيعكما البارحة)، فعجبه ﷾ ليس ناشئًا عن جهل، وإنما هو عجب يليق بجلاله وعظمته، وهذه الصفة نثبتها لله ﷾ كغيرها من الصفات، ولا يلزم منها مشابهة المخلوقين.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>إثبات صفة الضحك لله ﷿</span>\nقال ابن قدامة ﵀: [وقوله: (يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة)] .\nفسر هذا الحديث بأن أحدهما مسلم والآخر كافر، فيقتل الكافر المسلم، ثم إن الكافر يتوب إلى الله تعالى، ويدخل في الإيمان والإسلام، ويحسن عمله فيدخلان الجنة؛ يقول الرسول ﷺ: (يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة) .\nوصفة الضحك نثبتها لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته، وليس ضحكه كضحك المخلوقين، فلا نشبه ولا نتأول ولا نكيف، وإنما نثبت له هذه الصفة؛ لأن الذي أخبرنا بها وأثبتها لله هو أعلم الناس بربنا ﷾، وهو رسول الله ﵌، فهذه الصفة يقال فيها مثلما يقال في صفة السمع أو في صفة القدرة أو في صفة العلم أو غير ذلك: نثبتها لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>وجوب الإيمان بما صح من الأسماء والصفات من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته] .\nوهذا أيضًا مهم جدًا؛ فإن قوله: (مما صح سنده وعدلت رواته) يعني أننا لا نثبت هذه الصفات من هذه الأحاديث إلا إذا كانت هذه الأحاديث ثابتة بطرق صحيحة رواتها عدول ثقات، ليس فيها انقطاع، وليس فيها شذوذ ولا علل؛ وإنما هي رواية صحيحة ثابتة.\nثم قال: [نؤمن به، ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره] .\nأي: لا نرده كما رده بعض الذين يردون أخبار الآحاد ويقولون: لا نقبلها في باب العقيدة، وكذلك أيضًا لا نجحده لأنه ثبت بطرق صحيحة.\nوكذلك أيضًا قال: (لا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره)، فهو رد على من يرد السنة، كما أنه رد على من يقبل السنة لكنه يتأول؛ لأن بعض أهل الكلام وبعض المؤولة يقبل السند، ويقول: لا نرد هذا الحديث بل نثبته؛ لأنه وارد عن رسول الله ﷺ، لكنه يتأول هذا الحديث إذا ورد في صفة من صفات الله ﷾؛ فهو لا يرده ردًا مجملًا أو ردًا كاملًا، وإنما يرده ردًا معينًا، بمعنى: أنه يتأوله ذلك التأويل الذي يؤدي إلى نقض ما دل عليه من معنى وما قصده رسول الله ﷺ حينما أخبرنا بهذا الحديث وأمثاله.\nثم قال بعد أن رد على أهل التأويل: [ولا نشبهه بصفات المخلوقين] .\nوهذا هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يثبتون الصفة ولا يشبهون الله ﷾ بصفات المخلوقين، فلا يقولون: إن صفة الله تعالى كصفة كذا أو كذا من المخلوقات.\nثم قال: [ولا بسمات المحدثين] .\nأي: علامات المحدثين؛ والمحدثون هم المخلوقون، سواء كانوا بشرًا أو ملائكة أو نجومًا أو حجارة أو غير ذلك، فأهل السنة والجماعة لا يشبهون الله سبحانه تعالى بشيء من ذلك.\nثم قال: [ونعلم أن الله ﷾ لا شبيه له ولا نظير] .\nفلا شبيه له ﷾، ولا نظير له، ولا مثيل ولا مثل، ولهذا استشهد بقوله ﷾: [﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]] .\nفنفى عن الله المثل، وأثبت لله الصفات مستشهدًا باسميه ﵎: السميع البصير، وهما دالان على صفة السمع وصفة البصر لله ﷾، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى، وقد سبق بيان ذلك.\nثم إن المصنف رحمه الله تعالى قال: [وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه] .\nوهذا لنفي التكييف، أي: أن البشر لا يستطيعون أن يكيفوا ذاته ولا صفاته، ولهذا فكل ما توهمه الإنسان في صفة من صفات الله ﷾ فإن الله ﵎ بخلاف ذلك؛ لأن الله تعالى لا يعلم ذاته إلا هو، ولا يعلم صفاته إلا هو ﷾؛ فأهل السنة والجماعة لا يكيفونها، ومهما بلغت خيالات الإنسان ليثبت لله ﷾ قريبًا من صفة من صفاته فإن الإنسان لا يستطيع ذلك؛ لأن الله ﷾ أعظم وأجل مما خطر بالبال، بل هو ﵎ على خلاف ما خطر ببالك؛ وهذا منهج أهل السنة والجماعة.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الكلام على صفة الاستواء</span>","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>إثبات صفة الاستواء لله ﷿</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]] .\nالضمير في قوله: (ومن ذلك) عائد إلى ما سبق قبل قليل، وخاصة إلى قوله: (وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه)؛ لأن صفة الاستواء لله ﷾ التي دل عليها قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وآيات أخرى قد يخطر ببال الإنسان أن استواء الله على العرش كاستواء المخلوق؛ أو أن الله محتاج إلى العرش كاحتياج الخلق أو كاحتياج الملك أو نحو ذلك.\nفقال هنا: (ومن ذلك) أي: ومن ذلك الذي نثبته لله ولا يكون شبيهًا بصفات المخلوقين، صفة الاستواء التي دل عليها قوله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] .\nوصفة الاستواء لله ﷾ وردت في سبعة مواضع من القرآن الكريم: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) في سورة (الأعراف) وفي سورة (طه) وفي سورة (الحديد) وفي غيرها من المواضع التي ذكر الله ﷾ فيها استواءه على العرش، وأهل السنة والجماعة يثبتون لله ﵎ صفة الاستواء كما يليق بجلاله وعظمته، وهي دالة على علوه ﵎، ولهذا فسر السلف رحمهم الله تعالى الاستواء بقولهم: إن معنى استوى: علا وارتفع واستقر وصعد، وهذه الصفة التي هي صفة الاستواء دالة على هذه المعاني؛ فإن الله ﵎ عالٍ على خلقه، فهي دالة على صفة العلو لله ﷾ كما سيأتي بعد قليل.\nكذلك أيضًا صفة الاستواء دالة على أن الله ﷾ متصف بالصفات الفعلية، أي أنه ﷾ مستوٍ على العرش كما يليق بجلاله وعظمته، وأن استواءه ﵎ من صفات فعله، ولهذا فإن استواءه كان بعد خلق السماوات وبعد خلق العرش، ولهذا عبر عنها بقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، وكلمة (ثم) تدل على التأخير؛ فإن الله ﷾ ليس مستويًا على العرش في الأزل؛ وإنما استوى على العرش بعد خلق العرش، وبعد خلق السماوات والأرض، ولهذا قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩]، وهذا الإثبات لهذه الصفة هو إثبات من غير تكييف، ومن غير تمثيل، ومن غير تحريف ومن غير تعطيل، وإنما هو إثبات لصفة الاستواء كما يليق بجلال الله وعظمته.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>الرد على المنكرين والمأولين لصفة الاستواء</span>\nوالمخالفون لأهل السنة والجماعة حرفوا وأولوا فقالوا: صفة الاستواء يلزم منها مشابهة الله للمخلوقين، فيلزم منها أن يكون الله ﷾ شبيهًا بالمخلوق إذا جلس على كرسي أو نحو ذلك! وأما قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فقالوا: (استوى) بمعنى استولى! ولكن هل ورد في اللغة العربية استوى بمعنى: استولى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ورد في اللغة العربية استوى بمعنى: صعد، واستوى بمعنى: اشتد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص:١٤]، أي: اكتمل شبابه، لكن ليس في اللغة العربية استوى بمعنى: استولى.\nفلما ضاقت بالمتكلمين المضايق سمعوا -ويقول بعض العلماء: إنهم اخترعوا- بيتًا من الشعر، وهو: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق وقالوا: إن بشرًا هذا ملك العراق، فمعنى قوله: (قد استوى بشر على العراق) أنه ملك العراق، فيأتي الاستواء بمعنى الملك.\nوهذا التأويل الذي تأولوه تأويل عجيب! فإذا كان لفظ الاستواء استواء الله على العرش ورد في القرآن العظيم في سبعة مواضع، فلماذا لم يأت موضع واحد يبين فيه المراد، فيأتي استوى بمعنى استولى؟ ثم نقول ثانية: إن تأويلكم استوى بمعنى استولى هو تأويل بعيد ومخالف لما تقتضيه اللغة العربية؛ لأنه لم يرد في اللغة العربية هذا بهذا اللفظ.\nأما بيت الشعر الذي استشهدتم به فمن قاله؟! وأين يوجد؟! وإلى أي عربي ينسب؟! لو فتشت عن هذا لقالوا: قيل، ويقال، ونقل هذا البيت أول واحد، وتناقله من بعده! ونقول: حتى ولو قاله أحد العرب أو أحد الشعراء فإنه لا حجة بقول شاعر في مقابل أدلة كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ.\nثم نقول ثالثة: إن قولكم: استوى بمعنى استولى، لا يصح من سياق الآية؛ لأنه لا يقال: استولى إلا إذا كان هناك مغالب لهذا الإنسان، فقوله: (استوى بشر على العراق)، يعني: استولى على العراق، ومعنى هذا أنه كان قبله حاكم آخر، فغلبه واستوى على العراق واستولى عليه.\nوقولكم: إن قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، يعني: استولى على العرش، فهل العرش كان قبل ذلك مملوكًا لغير الله ثم إن الله ملكه؟! وهل يمكن أن يقول هذا أحد؟! طبعًا لا يمكن أن يقول هذا أحد، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] لو قيل: إن المعنى: ثم استولى، لأدى ذلك إلى أن يكون هناك مغالب لله ﷾ فغلبه الله ﵎ وتقدس واستولى على هذا العرش؛ وسواء قيل: العرش مخلوق معين، أو قيل: العرش هو الملك، كما يدعي هؤلاء.\nوهذه الأمور وغيرها قد فصلها العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى)؛ حيث نقض هذا التأويل من أكثر من عشرة أوجه، وبهذه الأوجه وغيرها يتبين أن تأويل هؤلاء استوى بمعنى استولى، إنما هو تأويل باطل وزيادة زادوها، ولهذا شبهها بعض العلماء بزيادة بني إسرائيل من اليهود حين قال الله لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨]، أي: راكعين، وأن يقولوا: حطة، أي: حط عنا خطايانا، فعكس هؤلاء اليهود الأمر الإلهي، فدخلوا على أستاههم من خلفهم وهم يقولون: حنطة في شعير! فاليهود زادوا النون في حطة، والمتكلمون زادوا اللام في استوى، فقالوا: استولى، وهذا يدل على أن المنبعين متقاربان، نسأل الله السلامة والعافية! وكل هذا الذي قالوه تحريف للكتاب وتأويل له، وبعد عما كان عليه السلف الصالح رحمهم الله تعالى.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>معنى العرش</span>\nوالعرش المذكور في الآية هو في اللغة العربية سرير الملك، وفي الاصطلاح هو: عرش الله ﵎، وهو مخلوق عظيم جدًا خلقه الله ﵎، وهو أعلى المخلوقات، وهو سقفها، وتحمله الملائكة، كما قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر:٧]، وكما قال تعالى عن يوم القيامة: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] .\nفهو أعظم من السماوات وما فيها من مجرات، وهو أعلى المخلوقات وهو سقفها، والله ﷾ أخبرنا أنه استوى على هذا العرش استواء يليق بجلاله وعظمته لا يلزم منه أي لازم باطل، فلا يلزم أن الله محتاج إلى هذا العرش ولا أنه إذا أبعد هذا العرش يسقط من عليه، تعالى الله عما يتوهمه المتوهمون علوًا كبيرًا بل هو استواء يليق بجلاله وعظمته.","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>الكلام على صفة العلو</span>","vol":"5","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>إثبات صفة العلو لله ﷿ وذكر الأدلة على ذلك</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]] .\nمن هذه الآية وما بعدها من الأدلة بدأ الشيخ يتحدث عن قضية كبرى، ألا وهي قضية إثبات العلو لله ﷾.\nوهذه القضية هي من القضايا الكبار في العقيدة الإسلامية، ومن القضايا الكبار التي خاض فيها المتكلمون قديمًا وحديثًا، وإن الإنسان ليصيبه الحزن حينما يرى كثيرًا من المنتسبين للعلم ممن لم يدرس ويتفهم عقيدة السلف الصالح لا يقر بهذه الحقيقة الكبرى، فلقد خاض المتكلمون منذ القرن الأول وإلى عصرنا الحاضر في إثبات أن الله ﷾ في جهة العلو في السماء، وأنه فوق المخلوقات، ولقد دل على ذلك في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله ﷺ أكثر من ألف دليل، وهذا يدل على أهمية مدارسة منهج السلف الصالح وتربية الأمة وتنشئتهم عليه، ولكن عمي عن هذه الحقيقة ألوف مؤلفة ممن ينتسب إلى الإسلام؛ فقد نشأ منذ القرون الأولى وإلى عصرنا الحاضر فئام ممن نهج منهج المتكلمين أو تأثر بهم، وإذا سألت أحدهم: هل تؤمن أن الله في السماء؟ أو سألته بسؤال رسول الله ﷺ الذي في صحيح مسلم حين سأل الجارية وقال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء)، أو إذا سألته: هل تقر بأن الله ﷾ في العلو فوق خلقه بائن منهم؟ فإنه يقول لك: لا يجوز أن تقول هذا؛ إنك إن قلت هذا فأنت تشبه الله بخلقه، وأنت تجسم الله، وأنت تقول: إن الله متحيز، وكأنه في مكان معين! وإذا قلت له: فماذا تقول؟ يقول: اختلفوا على قولين: فبعضهم يقول: الله في كل مكان، وهذا قول لبعض المتكلمين، وبعضهم له قول آخر فلسفي عجيب يقول فيه: لا داخل العالم ولا خارجه! وأهل السنة والجماعة، وعلى رأسهم سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ، وصحابته من بعده والسائرون على منهاجهم، يقولون: إن الله ﵎ بائن من خلقه في السماء فوق العالم على العرش استوى استواءً يليق بجلاله وعظمته.\nإن هذه القضية الكبرى تكاد تكون من المعلوم بالدين بالضرورة؛ لأن من قرأ كتاب الله من أوله إلى آخره ومن اطلع على سنة رسول الله ﷺ يجد أنه لا تكاد تخلو صفحة من القرآن العظيم إلا وفيها الدلالة على أن الله ﷾ في السماء، وأنه في العلو.\nوهذه القضية قضية كبرى، وقضية مهمة جدًا؛ يميز فيها بين من ينهج منهج السلف الصالح وبين من ينهج نهج من خالفهم من المتكلمين؛ والأدلة صريحة في ذلك، ونحن هنا سنعرض لما ذكره المصنف من أدلة، أما استقصاء الأدلة فارجعوا إليها في الكتب التي ألفت في هذا الموضوع، وبالذات الكتب التي خصصت لهذه القضية، ومنها كتاب (العلو) لشيخنا الذي نشرح كتابه ابن قدامة؛ فإن له كتابًا مطبوعًا اسمه (العلو) ومنها ما ألفه شيخ الإسلام الإمام الذهبي رحمه الله تعالى؛ فإن له كتابًا اسمه (العلو)، وقد اختصره الشيخ الإمام المحدث ناصر الدين الألباني في كتاب عظيم سماه (مختصر العلو) وخرج أحاديثه، فجزاه الله خيرًا، وأثابه، وهناك غيرها من الكتب، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب السنة ومن كتب العقيدة إلا وفيه تقرير للأدلة الدالة على أن الله ﷾ في العلو.","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>دليل الفطرة على العلو</span>\nولم يقتصر الدليل على ذلك؛ بل دل على ذلك الفطرة؛ فإن الله فطر عباده جميعًا -حتى ذلك الذي يقول: إن الله في كل مكان- على أن الله ﷾ في العلو.\nولهذا كان من مواقف السلف رحمه الله تعالى العملية شيء من هذا، فأحد أئمة السلف دخل على أحد الأشاعرة وهو يلقي درسه على المنبر، ويقرر فيه عقيدته الأشعرية؛ وكان مما قرره: إنكار أن الله في العلو، فكان هذا الشيخ يتكلم ويلقي درسه أمام الناس، ويقول: إن الله كان ولا عرش ولا سماوات، وهو الآن على ما كان عليه! ويقرر نفي العلو عن الله ﷾؛ فقال له هذا الشيخ -وهو الهمذاني - أمام الناس: يا إمام! دعنا من أقوالك، ودعنا من هذه الأدلة، وأخبرنا عن هذه الحاجة التي يجدها كل واحد منا: ما أراد ربه قط إلا ورفع بصره إلى السماء؟ قال: فنزل الإمام الجويني من المنبر وهو يقول: حيرني الهمذاني حيرني الهمذاني حيرني الهمذاني، وجلس بين أصحابه يبكي بكاءً شديدًا، ومعلوم أنه في آخر أمره رجع، وأبطل تأويل الاستواء بالاستيلاء، وبين أنه يجب إثبات هذه الصفات على تفصيل في مذهبه رحمه الله تعالى.\nلكن المهم جدًا هو: كيف أن الفطرة التي فطر الله ﷾ العباد عليها دالة يقينًا على أن الله ﵎ في العلو.\nولهذا يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية موقفًا آخر يقول: جاءني أحد مشايخ هؤلاء ممن ينفي علو الله ﷾ في حاجة -وغالب من حاوره شيخ الإسلام في وقته من الأشعرية- وتعمدت أن أنشغل عنه قليلًا، يقول: فكلمني في هذه الحاجة فتشاغلت عنه، يقول: فلما انتظر قليلًا وسئم إذا بي ألمحه وهو يرفع بصره إلى السماء ويذكر ربه ويقول: يا ألله! يقول: فنظرت إليه وقلت له: ماذا صنعت؟ يقول: فاعتذر مني! وكان سببًا في توبته ورجوعه عما كان عليه؛ لأنه كان يقرر أن الله ليس في مكان؛ لا داخل العالم ولا خارجه إلى آخره، لكن في لحظة غفلة منه وجد نفسه فطريًا يرفع بصره إلى السماء متوسلًا مستغيثًا بالله ﷾، فدليل الفطرة دل على هذا.\nوكذلك أيضًا دليل العقل دل على العلو، وسأبين لكم دليل العقل، لكن بعد أن نقف وقفات مع الأدلة التي أوردها الشيخ هنا، فأول دليل ذكره هو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وهو من أدلة علو الله تعالى واستوائه على عرشه.\nالدليل الثاني قال: (وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦])، وقوله: (في السماء) لا يقول عاقل: إن (في) هنا ظرفية، وأن الله داخل في السماء؛ لأن القول بأن الله داخل في السماء يلزم منه أن السماء فوقه، وأنها أكبر منه، وأنها محيطة به، وهذا لا يقول به إنسان.\nإذًا: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، السماء هنا قد يقصد بها العلو، وليس مجرد السماء التي نشاهدها وهي السماء الدنيا أو ما فوقها، فقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: أأمنتم من في العلو؟ والقول بأن السماء هي مطلق العلو مستخدم كثيرًا، فتقول: طار الطائر في السماء، وحلقت الطائرة في السماء، وأنت إذا قلت ذلك هل تقصد أنها دخلت داخل السماء أم تقصد أنها في العلو؟ تقصد أنها ارتفعت في العلو، وهذا واضح.\nويجوز أن نقول: (في) بمعنى (على)، فقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: من على السماء، وهل تكون (في) في اللغة العربية واردة بمعنى (على)؟ نقول: نعم، يقول الله تعالى عن فرعون لما أراد أن يصلب السحرة المؤمنين: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]؛ وهو لن يضعهم داخل جذوع النخل، وإنما سيركز هذه النخل ويصلبهم عليها؛ وهذا واضح والحمد لله.\nثم يقول المصنف: [وقول النبي ﷺ: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك)] .\nهذا الحديث رواه أبو داود والإمام أحمد وغيرهما، لكنه متكلم فيه؛ فبعض العلماء قالوا: إن فيه راويًا يقال له: زياد الأنصاري، قالوا: وهذا الراوي متكلم فيه؛ ومن ثم فنحن حينما نتحدث عن مثل هذا الحديث نقول: هذا الحديث ضعيف، وليس هو الدليل لوحده؛ حتى لا يأتي قائل ويقول: إنكم تحتجون بالأحاديث الضعيفة.","vol":"5","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>شبهة أن أهل السنة يستدلون بالأحاديث الضعيفة في العقائد</span>\nوهنا وقفة لابد من بيانها، ألا وهي: أن مثل هذا الموقف الذي مر معنا الآن -وهو أن ابن قدامة استشهد بحديث تكلم عنه العلماء، وقالوا ضعيف -قد يدخل منه بعض المخالفين لأهل السنة ويقول: إن كثيرًا من أصحاب كتب السنة التي تروى بالأسانيد يذكرون فيها أحاديث صحيحة، ويذكرون أحيانًا أحاديث ضعيفة، فكيف تذكر هذه الأحاديث في باب العقائد؟ وكيف يتساهل في هذا؟ والجواب عن ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن هؤلاء العلماء لم يثبتوا هذه الصفة أو تلك من حديث ضعيف، وإنما يثبتونها من الأحاديث الصحيحة أولًا، فما أوردوه من حديث ضعيف إن تقوى فبها ونعمت، وإن لم يتقو فإن الصفة المقصودة ثابتة؛ لأن الدليل الصحيح دل عليها، وهنا ليس إثبات العلو لله ﷾ مأخوذًا من هذا الحديث الذي معنا، بل هو ثابت بأحاديث أخرى كثيرة وعديدة جدًا؛ بل وهو ثابت بالأدلة من القرآن قبل ذلك.\nالوجه الثاني: أن العلماء وإن أوردوا تلك الأحاديث وهي ضعيفة فإنهم يوردونها بالأسانيد، وإيرادها بالأسانيد يجعل العهدة على القارئ والمطلع، فلو جاء وقال بعد إيراده: هذا حديث صحيح وأثبته، فنقول له: كيف تصححه وهو ضعيف؟ لكن إذا أورده بالإسناد فحينئذٍ من أسند فقد أعذر، فإذا كنت لا تستطيع الحكم على السند فاسأل عنه العلماء: هل هذا الحديث إسناده صحيح أو غير صحيح؟ وابحث عن ذلك؛ لكن ما دام المؤلف أورده وسكت عنه فقد جعل العهدة على القارئ وعلى المطلع، ولهذا تجد أن بعض العلماء -كـ البخاري ومسلم - قال: أنا لا أورد في هذا الكتاب إلا ما هو صحيح.\nوفعلًا ما أوردا إلا ما هو صحيح، لكن غيرهما كـ أبي داود أو الترمذي أو ابن ماجة أو الإمام أحمد لم يقل أحد منهم: أنا لا أورد إلا ما هو صحيح.\nوإنما يورد أحدهم الأحاديث، وأحيانًا يتكلم عليها، ويعلق عليها، وأحيانًا يسكت عنها، والعهدة على من يقرأ ذلك.\nوكذلك أيضًا كتب السنة، كالسنة لـ ابن أبي عاصم أو السنة للالكائي أو غيرهما، فهذه الكتب وإن وردت فيها روايات ضعيفة إلا أنهم أوردوها بالأسانيد، فالعهدة على القارئ.\nالوجه الثالث: أن إيرادها وإن كانت من طرق ضعيفة فيه فائدة كبرى، هذه الفائدة هي: أن هذه الرواية قد تتقوى بغيرها، وقد تقوي غيرها، فأحيانًا تكون هذه الرواية ضعيفة، لكن في كتاب آخر من كتب السنة أو من كتب الحديث تجد نفس هذا الحديث ورد من طريق آخر، فإذا جمعنا ذلك الطريق إلى هذا الطريق تبين منه أنه حديث ثابت؛ وقد يكون هذا الحديث روي من طريق فيه رجل ضعيف، ويتبين في الرواية الأخرى أنه جاء من طريق آخر عن غير هذا الراوي الضعيف، فيتقوى، وكثير من الأحاديث إذا جُمعت طرقها وتصفحها العالم النحرير في مصطلح الحديث يتبين له أنها ترتفع وتتقوى، وتصل إلى درجة الحسن أو تصل إلى درجة الصحيح.\nوقوله: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك)، هذا الحديث كما أشرنا قبل قليل وإن كان ضعيفًا إلا أنه يوافق الأحاديث الدالة على أن الله ﷾ في السماء.\nوقوله: (الذي في السماء) أي: في العلو.\nوقوله: (تقدس اسمك) أي: تنزه اسمك يا إلهنا!","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>شرح حديث الجارية</span>\nثم قال ابن قدامة: [وقال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة] .\nهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، ورواه الإمام مالك، ورواه غيرهما؛ وقد استقصى طرقه أحد الإخوة الفضلاء، فألف رسالة أو جزءًا حديثيًا بعنوان: (أين الله)، تكلم فيه على من رواه، والكتاب جيد ومطبوع وموجود، وقد استقصى روايات كثيرة.\nوهذا الحديث الصريح دل على أمرين مهمين جدًا يخالفان منهج المتكلمين: أحدهما: أنه يجوز السؤال عن الله بأين، وأن هذا السؤال لا يلزم منه لازم باطل، كالتجسيم أو المكان أو غير ذلك؛ لأن الرسول ﷺ وهو سيد الخلق سأل بأين، وقال للجارية: (أين الله؟) .\nالثاني: أن الجارية أشارت بيدها أو برأسها، وقالت: (في السماء)، فأقرها رسول الله ﷺ، وقال: (أعتقها فإنها مؤمنة) .\nإذًا: هذا يدل دلالة صريحة قطعية على أن الله ﷾ في العلو، وأنه في السماء، وأنه يسأل عنه بأين، وأنه لا يلزم من ذلك لازم باطل.\nوالعجيب أن المتكلمين تأولوا تأويلات غريبة جدًا! فبعضهم ضعف رواية: (أين)، وقال: الرواية الصحيحة: (من الله)، فنقول: أين وردت كلمة (من)؟! فإن الأئمة الجهابذة يروون بالأسانيد الصحيحة: (أين)، وهذا كأنه يرد هذه الرواية، فهو يرد الحديث خوفًا من أن يدل على شيء لا يعتقده ولا يقول به.\nوبعضهم أجاب بجواب أعجب من هذا! ألا وهو أنه قال: حينما قال الرسول: (أعتقها فإنها مؤمنة) ما قصد إقرارها بأن الله في السماء، وإنما أراد أن يبين هل هي تعبد الأصنام أم تعبد الله؟ فسألها: (أين الله؟ فقالت: في السماء)، فدل على أنها لا تعبد هبل ولا العزى؛ لأنها لو كانت تعبد واحدًا منهم لقالت: هبل أو العزى في مكة أو في الطائف أو غيره، فلما قالت: (في السماء) دل ذلك على أنها تعبد الله، ولا تعبد الأصنام! وهذا تأويل ضعيف جدًا، اضطر إليه هؤلاء بسبب الاعتقاد الباطل الذي اعتقدوه؛ فإنهم قالوا: إن القول بأن الله في السماء يلزم منه أن الله في مكان، وأن المخلوقات تحوطه، ونحو ذلك من اللوازم الباطلة التي توهموها.","vol":"5","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>إثبات مشركي العرب لعلو الله ﷿</span>\nثم قال المصنف: [وقال النبي ﷺ لـ حصين -وهو والد عمران بن حصين -: (كم إلهًا تعبد؟ قال: سبعة: ستة في الأرض وواحدًا في السماء؛ قال: من لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء)] .\nأي: أنه كان يعبد ستة أصنام في الأرض، وواحدًا في السماء، أي: الله ﷾، فالرسول ﷺ قال له: (من لرغبتك ورهبتك؟)، أي: من هو الذي تعلم أنه يقدر على تحقيق الخير الذي تريده وكشف الضر الذي تخشاه وتريد زواله؟ قال: (الذي في السماء) أي: الله ﷾.\nفالنبي ﷺ قال: [(فاترك الستة، واعبد الذي في السماء؛ وأنا أعلمك دعوتين، فأسلم، وعلمه النبي ﷺ أن يقول: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي)] .\nهذا الحديث حديث صحيح رواه الترمذي وغيره، ووجه الدلالة منه قوله: (وواحدًا في السماء)، وهذا يدل على أنه يقصد أن الله ﷾ في العلو، ولهذا قال: (من لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء) .\nوهذا دال على أن حصينًا كان يؤمن بأن الله ﷾ في السماء حتى قبل إسلامه، ولقد كانوا في الجاهلية يؤمنون بأن الله ﷾ في السماء، وهذا معروف ومشهور عند الجاهليين، فهذا الحديث دل على إثبات العلو لله ﷾.\nوفيما أسلفنا في تفسير الآية السابقة: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ذكرنا أنه لا يقول قائل أبدًا: إن معناها أن السماء تحيط به، أو أنه داخلها، وإنما معناها أنه في العلو، أو على السماء، وكلا المعنيين صحيح.","vol":"5","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>إثبات العلو لله ﷿ في الكتب القديمة</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون أن إلههم في السماء] .\nهذا الكلام مروي عن عدي بن عميرة بن فروة الكندي، وقد رواه عنه بإسناده ابن قدامة في كتابه (العلو)، والذهبي، وقال الذهبي عن هذا الكلام: إنه غريب، أي: أنه لم يرو بإسناد صحيح يعول عليه، وإنما هو نقل من كتب الأقدمين، فقوله في وصف النبي ﷺ وأصحابه: (إنهم يسجدون بالأرض ويزعمون أن إلههم في السماء) نقول: مثل هذا اللفظ إذا كان واردًا في الكتب السابقة فمن المؤكد أن فيه تحريفًا؛ لأن قوله: (يسجدون بالأرض) هذا صحيح، والرسول ﷺ قال عن الخصائص التي اختصت بها أمته: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)، وهذا من خصائص هذه الأمة.\nلكن التحريف -والله أعلم- هو في قوله: (ويزعمون أن إلههم في السماء)؛ لأنه لو كانت العبارة ويقولون أو ويقررون أو ويعتقدون أو نحو ذلك لقلنا: إن هذه العبارة ربما تكون صحيحة المعنى.\nأما إسنادها فقد تبين أنه ليس مما يعتمد، وأن الذهبي قال فيه: إنه غريب.\nلكن يكون المعنى صحيحًا؛ وأما قوله: (ويزعمون) فالزعم فيه نوع من الانتحال، والله ﷿ في السماء حقيقة وليس ادعاءً.","vol":"5","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>دليل آخر على العلو</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: (إن ما بين السماء إلى السماء مسيرة كذا وكذا -وذكر الخبر إلى قوله- وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك)] .\nهذا الحديث أيضًا رواه الترمذي وحسنه، وبعض العلماء تكلم في إسناده، ورواه أيضًا أبو داود وابن ماجة وغيرهم.\nوهذا الحديث أيضًا دال على إثبات صفة العلو لله ﷾، ففيه: (أن ما بين السماء إلى السماء مسيرة كذا)، أي: خمسمائة عام؛ ولكن الشاهد قوله: (وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك)، وهذا نص صريح على أن العرش فوق السماوات، وأن الله ﷾ فوق العرش، وهذا دليل على إثبات صفة العلو لله ﷾.\nفهذه بعض الأدلة على إثبات صفة العلو لله ﷾، وبقيت الإشارة إلى أن الأدلة في هذا كثيرة؛ فأحاديث النزول دالة على العلو، فقوله ﷺ: (ينزل ربنا) يدل على أن الله في السماء، وهكذا أحاديث العروج والصعود إليه، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، أي: إلى الله ﷾.\nوالنبي ﷺكما في الصحيحين وغيرهما- عرج به إلى الله ﷾ حتى بلغ سدرة المنتهى، وكلمه ربه ﵎ من غير واسطة.\nوهذه الأدلة تزيد على ألف دليل، وكلها دالة على أن الله ﷾ في العلو، ونحن نثبت ذلك ونقول: إن الله ﷾ في علو فوق السماوات على العرش استوى، وأنه ﷾ فوق خلقه بائن منهم، ومع ذلك لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.\nونكتفي بهذا، ونسأل الله ﷾ التوفيق والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"5","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>الأسئلة</span>","vol":"5","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>الحكمة في تكرار الرقم (سبعة) في كثير من الأشياء</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما هو السبب في تكرار رقم (سبعة): فأيام الأسبوع سبعة، والأرضون سبع، والسماوات سبع، وكذلك أيضًا الجنة لها سبعة أبواب، والنار لها سبعة أبواب إلخ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n مثل هذا تعلق به الإسماعيلية الباطنية الذين يقولون: إن الأمور كلها تدور على سبعة، فجعلوا الإمامة تنتهي بالسابع بعد جعفر الصادق، وقالوا: إن الإمام بعده إسماعيل بن جعفر، ومن ثم يفترقون عن الجعفرية الإثني عشرية الذين يقولون: إن الإمام بعد جعفر هو موسى بن جعفر، وهؤلاء الباطنيون يقولون: إن الدورات كلها هي دورات سبع، وإن هذا الإمام السابع هو الذي تنتهي به الإمامة، لكن دليل في ذلك؛ لأن من تأمل الأعداد في القرآن الكريم وجد أعدادًا غير سبعة؛ ففي القرآن الكريم عشرة، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]، وقوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢] وفيه ثلاثة، وسبعة، وتسعة عشر، وأربعون، وثلاثون، فلا دلالة في هذا، وإنما هي حكمة لله ﷾ قد لا نعلمها.","vol":"5","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>تكليم الله ﷿ لأنبيائه ﵈</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل تكليم الله للنبي ﷺ كان كتكليم موسى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نعم، تكليم الله ﷾ هو تكليم بدون واسطة، كتكليم الله لموسى، لكنهما افترقا في شيء واحد، وهو أن الله كلم موسى وهو في الأرض، وكلم النبي ﷺ وهو في السماء، ولهذا فإن بعضهم يعلل كون موسى ﵊ هو الذي لقب كليم الله بذلك، وهو أن تكليم الله لموسى كان وهو على الأرض، بينما تكليم الله لآدم ومحمد ﷺ إنما كان وهما في السماء، والله أعلم بحال الإنسان حينما يكون في السماء واختلافه عن حاله حينما يكون في الأرض.","vol":"5","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>الحكم على حديث: (كم إلهًا تعبد</span>؟)\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما حال حديث حصين (كم إلهًا تعبد؟)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذا الحديث حسنه الترمذي، وقال: حسن غريب، والذي يظهر أنه ضعيف، لكن كما أشرنا في الدرس أن مثل هذه الرواية لا يحتج بها العلماء استقلالًا، وإنما ورد إثبات علو الله ﷾ في أدلة كثيرة جدًا.","vol":"5","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>عدد حملة العرش يوم القيامة</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ورد في القرآن الكريم عن الملائكة قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، هل هذا على سبيل الحصر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n بعض المفسرين قال: الله أعلم، لا ندري ما المقصود بـ (ثمانية)، هل هي ثمانية ملائكة أو ثمانية صفوف أو غير ذلك؟ لكن الظاهر -والله أعلم- أن المقصود: ثمانية ملائكة يحملون العرش يوم القيامة.","vol":"5","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n كيف نرد على من يستدل بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] على أن الله تعالى في كل مكان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نرد عليه بأن هذه الآية إنما هي في القبلة، أي: أينما تولوا في صلاتكم فإنما تستقبلون قبلة الله ﷾، وليس كل آية فيها إحاطة الله ﷾ تدل على أن الله في كل مكان، وإلا فهم قد احتجوا قبل ذلك بمثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، فقالوا: قوله: (وفي الأرض إله) يدل على أنه أيضًا يكون في الأرض، وهذا لا حجة فيه.","vol":"5","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>الفرق بين التشبيه والتمثيل والتكييف</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما الفرق بين التشبيه والتمثيل والتكييف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n سبق بيان ذلك، فالتكييف هو أن يبين أو أن يقول: كيفية الصفة كذا وكذا.\nأما التمثيل فهو أن يمثل صفة الله بصفات خلقه، أو بالعكس.\nوأما التشبيه فهو أن يقول: إن صفة الله كذا شبيهة بكذا.\nفالتمثيل معناه المطابقة من كل وجه، والتشبيه هو التشابه من بعض الوجوه دون بعض، والتكييف أن يكيف الصفة، بمعنى: أنه يصفها بصفة لا يشبهها بكذا وكذا، وإنما يريد بها كيفية معينة من طول أو قصر أو عرض أو غير ذلك.","vol":"5","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>الهوى سبب انحراف أهل البدع في الغالب</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n لقد تبين من تأويلات المتكلمين وغيرهم أن منطلقهم في هذا التأويل إنما هو هوىً في النفس، أرجو أن تبينوا هذا الأمر بصورة أمثل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا شك أن أهل البدع إنما يسوقهم الهوى، لكن هذا الهوى أحيانًا قد يكون مبعثه شبهة أو تقليدًا أو غير ذلك، ولكن الهوى خطير جدًا؛ لأنه يعمي صاحبه عن الحق، والواجب على الإنسان أن يقبل الحق ممن جاء به مهما كان.","vol":"5","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>التعريف بالأشاعرة</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n من هم الأشاعرة؟ وما هي معتقداتهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n الكلام حولهم طويل، لكن الأشاعرة والماتريدية لازالوا موجودين في كثير من بلاد العالم الإسلامي، وكثير من الجامعات الرسمية في بعض البلاد الإسلامية يتبنون المذهب الأشعري، ويدرسونه على أنه هو الحقيقة، أو المذهب الماتريدي، وانتشارهم في الحقيقة انتشار كبير جدًا؛ ولهذا فإن واجب السلف والمنتسبين إلى السلف أن يغيروا هذه العقيدة، ويبينوا ما فيها بيانًا واضحًا.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"5","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٦]</span>\nيجب على المرء المسلم أن يؤمن بكل صفات الله ﷿ التي ثبتت في القرآن الكريم، وفي السنة الصحيحة، كما يجب عليه أن يثبتها كما أثبتها السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ومن ذلك صفة العلو التي ثبتت بالأدلة المتواترة من الكتاب والسنة والفطرة والعقل.\nومن صفات الله الثابتة له أيضًا صفة الكلام، فالله تعالى يتكلم بما شاء، متى شاء، كيف شاء، بحرف وصوت، ومن تأول ذلك أو حرفه فقد خالف منهج السلف الصالح.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>شبهات في مسألة العلو والرد عليها</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله] .\nهذه العبارة فيها بيان ما سبق أن ذكرنا من منهج السلف رحمهم الله تعالى في هذه القضية، ونحن في الدرس الماضي تحدثنا عن قضية العلو، وذكرنا أن إثبات علو الله ﷾ من قضايا العقيدة التي دلت عليها الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والفطرة، وأدلة العقول، بل والإجماع؛ فقد أجمع عليها سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>الرد على شبهة أن الله في كل مكان</span>\nتقدم أن المخالفين لمنهج السلف في مسألة العلو يقولون بأحد قولين حينما يسئلون عن علو الله ﷾، فبعضهم يقول: الله في كل مكان، وبعضهم يقول: إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه! والحقيقة أن هذين القولين باطلان، أما من يقول: إن الله في كل مكان فنقول له: هل تثبت لله ﷾ ذاتًا متصفة بالصفة أم لا؟ فإن أثبت لله ﷾ ذاتًا موجودة متصفة بالصفات، فنقول: أين الله؟ فإن قال: في كل مكان، فنقول: هذا هو قول الحلولية؛ بل إن النصارى قالوا بالحلول في المسيح فقط، وإن الصوفية المشبهين للنصارى المنحرفين قالوا بالحلول في بعض الأشخاص أو في بعض الأماكن عدا من قال منهم بوحدة الوجود، وأنتم تزعمون أن الله في كل مكان، فهل معنى ذلك أن الله ﷾ في السماء وفي الأرض وفي الجبال وفي البحار؟ بل وفيما ينزه الله ﷾ عنه من أماكن القذر والوسخ ونحو ذلك؟! أم أنكم لا تثبتون لله ذاتًا، وكأنكم تقولون: إنه لا يوجد إله، وإنما هو شيء مثل الهواء أو مثل الريح لا حقيقة له؟! وإن أثبتم لله ذاتًا، وهذه الذات متصفة بصفاتها، وأن الله تعالى عليم خبير، فعال لما يريد، على كل شيء قدير، يأخذ الكفار أخذ عزيز مقتدر، خلق السماوات والأرض، فهذه الذات هل يقول قائل: إنها في كل مكان؟! لا شك أن هذا القول ينبت منه الحلول الباطل؛ بل الحلول الذي هو أخبث وأقبح من أقوال النصارى وأقوال بعض الصوفية، وحقيقته في النهاية الانتهاء إلى إنكار وجود الله؛ لأن معنى ذلك أنه ﷾ ليس له ذات متميزة.\nوإن قالوا: إن الله ﷾ ليست له ذات حقيقة متصفة، كفروا.\nإذًا: القول بأن الله في كل مكان يقتضي أن الله حال في كل مكان متحد بخلقه، وهذا مما ينزه الله ﷾ عنه أتم التنزيه؛ بل نقول: لما خلق الله ﷾ الخلق، هل خلقهم داخل ذاته أو خارج ذاته؟ إن قلتم خلقهم داخل ذاته فمؤدى ذلك أن يكون الله ﷾ قد حل فيه القاذورات والمخلوقات ونحو ذلك والعياذ بالله! وإن قلتم خلقهم خارج ذاته، فهذا هو الحق، فإن الله ﷾ خلقهم خارج ذاته، كما قال السلف رحمهم الله تعالى: إن الله بائن من خلقه، وإذا كان قد خلقهم خارج ذاته فلابد أن يكون عاليًا عليهم، وهذه لا محيد عنها، ولا يمكن أن يجيبوا بأي جواب يخرج عن هذا.\nوبهذا استدل الأئمة رحمهم الله تعالى، وبينوا به بطلان مذاهب الحلول؛ لأن مقتضى الحلول عدم تنزيه الله ﷾، أما مذهب السلف رحمهم الله تعالى فهو أن الله ﷾ مستو على العرش بائن من خلقه.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>الرد على شبهة القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه</span>\nأما الجواب الثاني الذي يجيب به بعضهم: أن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فهذا الجواب يكثر عند من يشتغل منهم بالفلسفة والمنطق وعلم الكلام، وهذا الجواب أيضًا لا يعقل؛ لأن القول بأنه لا داخل العالم ولا خارجه مستحيل؛ فالقول بأنه ليس داخل العالم يقتضي أنه خارج العالم، والقول بأنه ليس خارج العالم يقتضي بأنه داخل العالم، وأما القول بأنه لا خارج ولا داخل فهذا غير معقول، فإما أن يكون الله ﷿ خارج العالم أو داخله، ولا يمكن أن يتصور الذهن غير هذا أبدًا، فلا يمكن أن يكون الشيء لا داخل هذا الشيء ولا خارجه، بل إما أن يكون داخله وإما أن يكون خارجه؛ ولهذا فإن بطلان هذا القول لا شك فيه؛ لأنه قول يتضمن أمرًا مستحيلًا.\nوبهذا يتبين بطلان دعواهم تلك، وأن ما قاله السلف رحمهم الله تعالى مما هو مستدل عليه بالأدلة الكثيرة هو المنهج الحق.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>الرد على شبهة استلزام إحاطة السماء بالأرض أنه الجهات كلها علو</span>\nوهنا قضية أحب أن أشير إليها في مسألة العلو؛ لأن بعض الناس سألني عنها في أكثر من مناسبة، ولأنه قد يقع في النفس منها شيء، ألا وهي كروية الأرض.\nفبعضهم يقول: إن الأرض كروية، وسواء كنت هنا أو في أوروبا أو في أمريكا أو في جهة اليابان فإن السماء من فوقك، فمعنى ذلك أنك إلى أي جهة اتجهت فأنت تتجه إلى السماء.\nفنقول: نعم، بالنسبة للسماء والأرض ليس هناك جهات، وإنما هناك جهتان: (فوق وتحت) وأما بالنسبة لنا ونحن على الأرض فعندنا ست جهات: (أمام، وخلف، ويمين، وشمال، وفوق، وتحت) .\nفبالنسبة للسماء والأرض لو أن واحدًا علق في السقف وصار رأسه تحت ورجلاه فوق فإنا نقول: السماء فوقه، ولو أن واحدًا مضطجع نقول: السماء فوقه، وإذا كان نائمًا على الجهة اليسرى أو على الجهة اليمنى نقول أيضًا: السماء فوقه.\nإذًا: على كل حال ليس هناك إلا فوق أو تحت، والله ﷾ هو فوق وليس تحت.\nقد يقول قائل: إذًا لو خرقنا في الأرض وانتهينا إلى الطرف المقابل فإننا ننتهي إلى جهة.\nنقول: نعم، لو خرقت وانتهيت إلى الطرف المقابل فإنك ستخرج إلى الجهة المقابلة وتتجه إليها.\nقد يقول قائل: إذًا معنى ذلك أنني إذا اتجهت إلى أي جهة فإنني اتجه إلى الله ﷾.\nفنقول له: هنا فرق، فما دام أنه ليس هناك إلا جهة فوق أو تحت فأنت في أي مكان على الأرض إما أن تطلب الله فوق، أو أن تطلبه تحت (وهو الذي يؤدي إلى مركز الأرض)، وليس هناك جهة أخرى، والمعلوم أن الله ﷾ فوق السماوات، وأنه ﷾ محيط بكل شيء عليم خبير.\nإذًا: مقتضى هذا أن نؤمن -في أي مكان كنا على الأرض- بأن الله ﷾ فوقنا.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>إحاطة السماء بالأرض لا تستلزم أن يكون الله في كل جهة</span>\nوهنا أحب أيضًا أن أشير إلى مسألتين: الأولى منهما: قد يقول قائل: أنا حينما أتجه جهة الأمام فأنا أتجه إلى جهة السماء، ولو اتجهت إلى الأرض مخترقًا الأرض فأنا أيضًا أتجه إلى جهة السماء.\nفنقول له: أنت حينما تطلب أمرًا تأتيه من أقرب الطرق إليه، فالإنسان مفطور على ذلك، فهذا الذي يتجه إلى هذه الجهة يطلب ربه ﷾ في السماء مثل ذلك الذي أراد أن يحج من الرياض -مثلًا- فقال: أذهب إلى دمشق ثم أذهب إلى مكة! فنقول له: حينما تذهب إلى دمشق ثم تتجه إلى مكة ستصل إلى مكة، لكن ستوصف بالجنون أو ضعف العقل؛ لأن الذاهب إلى مكة يجب أن يذهب إليها من أقرب الطرق إليها، ولما كان الله ﷾ العليم الخبير، وهو سبحانه معبودنا وإلهنا نحبه ونتوجه إليه، فإننا نبحث عن أقرب الطرق إليه، وبحثنا عن أقرب الطرق إليه ﷾ إنما يكون بأن نتجه إلى السماء في جهة العلو، فمن طلبه متفلسفًا بطرق معينة فهو شبيه بمن يريد أن يذهب من الرياض إلى مكة عن طريق المغرب أو عن طريق أفغانستان أو غير ذلك.\nإذًا: ونحن على الأرض نطلب ربنا في السماء، ولا يأتي إنسان ويطلب ربه في جهة أخرى زاعمًا أنه يمكن أن يصل إلى هذا الأمر بطريقة معينة، وإنما يطلبه من أقرب الطرق إليه.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>إحاطة السماء بالأرض لا تقتضي إحاطة الله بمخلوقاته</span>\nالثانية: أن القول بأن السماء محيطة بالأرض لا يقتضي أن يكون الله بذاته محيطًا بمخلوقاته كما ادعى أهل الضلال الذين يكيفون ذات الله ﷾.\nوإنما نقول: إن هذه الأرض ما هي إلا ذرة صغيرة في الكون تحيط بها ملايين المجرات، وتحيط بها السماوات وفوق السماوات عرش الرحمن ﷾، والله فوق العرش وهو أعظم منها، ولايقدر قدره إلا الله ﷾، وقد أخبرنا ﷾ أنه يقبض السماوات بيمينه، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، فإذا كانت هذه السماوات وهذه المجرات وما يتبعها مطويات بيمينه، فلا يتصور أحد أن الأرض تحيط بها السماء من كل جانب، وأن الله ﷾ له ذات، وهذه الذات بشكل كيت وكيت وهي تحيط بالمخلوقات.\nوإنما الواجب أن يعلم المرء أن الله ﷾ على العرش استوى، وهذه الأرض وما حولها كلها حقيرة بالنسبة له ﷾.\nومن ثمَّ فلا يلزم ذلك اللازم الباطل، ولهذا شبه بعض علماء السلف رحمهم الله تعالى تشبيهًا في هذه المسألة يوضحها فقال: لو أن نسرًا طار في السماء، وأمسك برجله شعيرة، فهذه الحبة بالنسبة للنسر تحته، فهل يقتضي هذا أن يكون هذا النسر على هذا النحو محيطًا بالحبة؟ لا يلزم، ولله المثل الأعلى.\nوقد أخبرنا الله أن السماوات والأرضين كلها مقبوضة بيد الرحمن ﵎، وعلى هذا فهي لا تساوي شيئًا، كما ورد في الحديث: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) .\nإذًا: الفهم الخاطئ في هذا الأمر نشأ من قصور العقل، ونشأ من التشبيه؛ حيث ظن الإنسان أن الله مثلما نقول: فلك أو جبل أو نحو ذلك، ثم قاس الله ﷾ بها، فإذا كانت السماوات بملايين المجرات في يد الرحمن كخردلة في يد أحدهم، فكيف يتصور أحد ذلك التصور الساذج؟! بل نقول: سبحانك يا إلهنا ما أعظمك! وما عبدناك حق عبادتك، ونؤمن بالله ﷾ وبأسمائه وصفاته، ولا يخطر ببالنا أي شيء من هذا الأمر.\nفالإيمان الصحيح بالله وأسمائه وصفاته وعظمته يجعل الإنسان يعبد ربًا عظيمًا رحيمًا قديرًا خبيرًا أحاط بكل شيء علمًا، يعبد ربًا على العرش استوى استواءً يليق بجلالته وعظمته، يعبد ربًا لا تساوي هذه المخلوقات بالنسبة له شيئًا، وإذا آمن بذلك أيقن يقينًا تامًا أنه لا يمكن أن يكون الله إلا في جهة العلو، وأن أي اعتقاد عدا ذلك من حلول كامل أو حلول محدد بشخص أو مكان، أو القول بإن الله لا داخل العالم ولا خارجه أو نحو ذلك، ما هو إلا دوران حول أنواع من الشرك بالله، نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>كروية الأرض وعدد الاتجاهات بالنسبة لها</span>","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>شرح أثر مالك بن أنس: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول)</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى أيضًا: [سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، فقيل: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم أمر بالرجل فأخرج] .\nالإمام مالك ولد سنة (٩٣ هـ)، وتوفي سنة (١٧٩ هـ)، والإمام مالك رحمه الله تعالى عاصر بعض البدع التي وجدت في عهده، فدخل عليه في أحد الأيام رجل وهو في المسجد في الحلقة، فقال: يا أبا عبد الله!: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ إذًا: عندنا أمران: الأمر الأول: أن السائل يعلم بأنه ورد في القرآن إثبات الاستواء، وأنه دل عليه قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] .\nالثاني: أن السؤال إنما هو على الكيفية؛ لأنه قال: كيف استوى؟ ونحن نقول هذا الكلام لأن جواب الإمام مالك فسره المخالفون لأهل السنة والجماعة تفسيرًا خاطئًا، فالإمام مالك قال: (الاستواء غير مجهول) وفي بعض الروايات أنه قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول)، وهنا قال: (والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) .\nفالإمام مالك قال: (الاستواء غير مجهول) يعني أن معنى الاستواء كما نفقهه، ونحن خوطبنا باللغة العربية، فهذا الاستواء معلوم لنا غير مجهول، لكن ما هو الشيء الذي نجهله ولا نعقله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هو الكيف، لأننا لا نعلم كيف الله فكذلك لا نعلم كيف صفاته ﷾.\nوبعض الذين ينكرون استواء الله ويتأولونه بالاستيلاء يجيبون عن هذا ويقولون: إن قول الإمام مالك: (الاستواء معلوم) يعني أنه مذكور في القرآن، فنقول لهم: لو كان قصد الإمام مالك أن الاستواء مذكور في القرآن لاكتفى بكلام السائل؛ لأن السائل أولًا قال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ ولكان قوله: (الاستواء معلوم) كلامًا لا قيمة له، ولكن السائل سيقول: أنا ما سألتك إلا وأنا أعلم أن الاستواء مذكور في القرآن، لكن أراد الإمام مالك إثبات وبيان قضية منهج السلف رحمهم الله تعالى، ألا وهي أن الاستواء معلوم، أي: نحن نعلم معنى الاستواء بما خوطبنا به في اللغة العربية؛ فإنه بمعنى: علا، وارتفع، واستقر، وصعد، هذه هي الألفاظ الواردة عن السلف رحمهم الله تعالى، وعلى هذا فإن الاستواء معلوم، وأما كونه مذكورًا في القرآن فهذا أمر بدهي، ولا يمكن أن يغفل عنه الإمام مالك، والسائل نفسه ذكر أن سؤاله إنما هو عن الكيفية، والكيفية غير معقولة.\nوهذا هو منهج السلف رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يثبتون الصفات لله ﷾ إثباتًا حقيقيًا، ويثبتون ما دلت عليه من معانٍ، ويقولون: إن الكيفية لا يعلمها إلا الله ﷾.\nوقوله: (والإيمان به واجب)، أي: أن إثبات الاستواء على منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى واجب، ولا يجوز تأويله.\nوقوله: (والسؤال عنه بدعة)، أي أن السؤال عن كيفية الاستواء بدعة، وليس المقصود به السؤال عن إثبات الاستواء؛ لأنه ورد عن النبي ﷺ حديث قال فيه: (إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا)، فهل معنى ذلك ألا نتكلم عن الإيمان بالقدر، ولا نتكلم عن فضل الصحابة؟ الجواب: لا، وإنما المقصود أنه إذا ذكر القدر وخاض فيه الخائضون بالباطل فلا نتكلم، وإنما نكل الأمر إلى الله ﷾، لكن إثبات الإيمان بالقدر أصل من الأصول؛ بل هو ركن من أركان الإيمان، قال فيه النبي ﷺ (وتؤمن بالقدر خيره وشره) .\nإذًا: قوله هنا: (أمسكوا) أي: عن الخوض فيه بالباطل، وهكذا ذكر الصحابة، هل معنى ذلك أننا لا نذكر الصحابة بشيء أبدًا؟ الجواب: لا، وإنما المقصود أنه إذا ذكر الصحابة وتكلم فيما وقع بينهم كما هو ديدن كثير من أهل البدع، فيجب علينا أن نمسك، وألا نخوض في ذلك، وأن نكل ما جرى بينهم إلى الله ﷾، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.\nوقوله: (ثم أمر بالرجل فأخرج)، أي: أن الإمام مالكًا أمر بهذا الرجل فأخرج تأديبًا له وتعليمًا لأصحابه؛ لأن أهل البدع يجب ألا يمكنوا من نشر بدعهم، وهذا هو منهج السلف الصالح، فبعض الناس يظن أن فتح الحوار يدل على منهج علمي واقعي، وأنه ينبغي أن يفتح الإنسان الحوار لكل من هب ودب، فمن كان من هؤلاء من أهل البدع فإنه حينما يكون هناك قدرة للمتمسكين بمنهج أهل السنة والجماعة فيجب عليهم ألا يتهاونوا، فـ عمر ﵁ وأرضاه ما ترك صبيغ بن عسل يتكلم بالمتشابهات، وإنما أتى له بعراجين النخل وضربه حتى قال: والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب عني الذي أجد.\nلكن إذا وجدت البدعة وابتلي بها المسلمون، ولم يكن للمسلمين من أهل السنة والجماعة قدرة على منع الخوض فيها، فحينئذ تشرع مناقشتهم لا أن نفتح نحن الحوار ونقول: تعالوا لنشر بدعكم؛ وذلك لأن البدعة قد يصوغها صاحبها ولا يستطيع الجواب عنها، فتثير في النفس شكًا وريبة، فكيف إذا كان هذا يقع عند المتعلمين؟ فكيف بالعوام؟ وكيف بالنساء؟ وكيف بغيرهم؟ فمثلًا: لو أن إحدى البدع تقام في التلفزيون، ويشاهدها الأطفال والنساء وغيرهم، ونقول لصاحبها: نفتح معك الحوار، وهذا يصلح وهذا يرد، فهذا لا شك أنه سيؤدي إلى بلاء قذر.\nفمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى هو بيان الحق وبيان العقيدة بأدلتها؛ حتى تؤمن النفس ويصفو إيمانها، ولا يخوضون في ذلك إلا عند الضرورات وعند الحاجة، وحينما يكون هناك خطر لا يمكن رده إلا بالنقض والبسط، كما فعل أئمة السلف رحمهم الله تعالى في القرن الثالث والرابع وما بعدهما.","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>الكلام على صفة الكلام</span>","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>إثبات صفة الكلام لله ﷿</span>\nثم قال رحمه الله تعالى: [ومن صفات الله تعالى: أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه منه من شاء من خلقه] .\nوهنا بدأ المصنف يتكلم عن إثبات صفة الكلام لله، وقد ذكر قبل ذلك بعض الصفات، وأعقبها بصفة العلو والاستواء، ثم ذكر كلام الله ﷾.\nفمن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم، ولفظة (قديم) يرى بعض العلماء أنه لم يرد وصف الله ﷾ بالقدم؛ لأن القديم في اللغة العربية هو المتقدم على غيره، والله ﷾ ليس له غير حتى يقال: إنه متقدم عليه، ومن ثمَّ قالوا: إن الأولى وصفه تعالى بالأزلي، والأصح منه أيضًا الاسم الشرعي (الأول الذي ليس قبله شيء) لكن ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ في سنن أبي داود أنه قال: (من قال حين يدخل المسجد: أعوذ بالله العظيم وسلطانه القديم)، وهذا يدل على أن القديم قد يستعمل أحيانًا مرادفًا للأزلي.\nوقوله: (إنه متكلم بكلام قديم)، أي: أزلي، وأهل السنة والجماعة يثبتون لله ﷾ صفة الكلام على ما يليق بجلاله وعظمته؛ لكنهم يقولون: إن كلامه ﵎ قديم النوع حادث الآحاد؛ لأن الكلام من صفات الأفعال، أي أنه ﵎ يتكلم إذا شاء متى شاء، وهو ﷾ يتصف بصفة الكلام أزلًا، وهو ﷾ يتكلم بإرادته ومشيئته؛ ولهذا قال العلماء: هو قديم النوع حادث الآحاد، فقولهم: (قديم النوع) أي أن الله متصف بهذه الصفة في الأزل، وقولهم: (حادث الآحاد) أي أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء.","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>بيان مذهب المعتزلة والأشاعرة في الكلام</span>\nوهذه الصفة أثبتها السلف رحمهم الله تعالى، وأثبتها الأشاعرة؛ لأنهم يثبتون سبع صفات ومنها صفة الكلام، لكن إثبات السلف رحمهم الله تعالى لها هو إثبات حقيقي، أما إثبات أولئك لها فهو مخالف لما دلت عليه النصوص.\nوحتى نبين مذهب السلف في كلام الله فإننا نذكر قول المعتزلة وقول الأشاعرة؛ لأن هذه القضية هي التي بني عليها القول بخلق القرآن، فعند المعتزلة أن كلام الله تعالى هو شيء منفصل عنه، فهو مخلوق، فهم يقولون: إن الله لا تقوم به صفة الكلام، ولهذا قالوا: إن هذا الكلام وهذا القرآن من جنس مخلوقاته؛ فكما أنه خلق السماوات والسماوات منفصلة عنه، كذلك أيضًا تكلم بالقرآن والقرآن مخلوق منفصل عنه، ومن ثمَّ قالوا: القرآن مخلوق؛ لأنهم لا يثبتون لله صفة الكلام التي تقوم به ﵎؛ هذا مذهب المعتزلة.\nوالأشاعرة في مقابل ذلك قالوا: نثبت لله صفة الكلام، لكن الكلام هو الكلام النفسي القائم بذاته، ولا ينفصل عنه.\nإذًا: هما قولان متضادان، فالمعترلة يقولون: لا تقوم به صفة الكلام، وكلامه من جنس مخلوقاته، فهو مخلوق منفصل عنه، والأشاعرة يقولون: الله تقوم به صفة الكلام، وكلامه لا ينفصل عنه، أي أن الله ﷾ يتصف بصفة الكلام أزلًا، وأن كلامه قائم بذاته، وأن الكلام هو ما قام بالنفس فقط، ومن ثمَّ قالوا: إنه بغير حرف وبغير صوت، وعلى هذا فالكلام عندهم هو الكلام الذي في داخل النفس، كما يقال: خواطر النفس، لكن ليس هناك كلام بحرف وصوت مسموع، فجعلوا هذا الوصف لله ﷾.","vol":"6","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>الرد على الأشاعرة في كلام الله</span>\nلو قيل للأشعرية: إذا قلتم إن الكلام يقوم بالله لا ينفصل عنه، فهذا المصحف ماذا تقولون عنه؟ قالوا: هذا المصحف ليس كلام الله! وإنما هو عبارة عن كلام الله أو حكاية عن كلام الله، أي أنه نوع من الإلهام عبر عنه جبريل بهذا المصحف، بل بعضهم قال: عبر عنه محمد! ونحن نطعن في المستشرقين وغيرهم من المبشرين الذين يقولون: إن القرآن من محمد، بينما بعض هؤلاء المتكلمين من الأشاعرة يقول: القرآن كلام محمد عبر به عن كلام الله.\nقيل لهم: هل هناك فرق بينكم وبين المعتزلة، فالمعتزلة يقولون هو مخلوق، وأنتم أيضًا تقولون إنه من كلام محمد؟ قالوا: نعم، القرآن العربي في جانب منه مخلوق، وهو كونه بهذه اللغة العربية، أو بالنسبة للتوراة باللغة العبرانية، أو الإنجيل باللغة السريانية، فهذه كلها مخلوقة لأنها ليست هي كلام الله، وإنما كلام الله هو القائم بذاته الذي لا ينفصل عنه، فقيل لهم: إذًا: ليس بينكم وبين المعتزلة فرق.\nوأهل السنة والجماعة -وهم الوسط- وفقهم الله ﷾ لسيرهم على المنهاج الحق بأن قالوا القول الحق في هذه المسألة؛ فقالوا: القرآن هو كلام الله تعالى تكلم به، والله ﷾ يتكلم إذا شاء متى شاء، ومن كلامه القرآن، فيثبتون الكلام القائم بذاته، ويثبتون لله ما ورد الدليل على أنه كلام الله مثل القرآن؛ ولهذا فإن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله متصف بصفة الكلام أزلًا، وإنه ﵎ كلم موسى في ذلك الوقت الذي وجد فيه موسى لما كان بجانب الطور.\nوالأشاعرة قيل لهم: ماذا تقولون في كلام الله لموسى؟ قالوا: كلمه بكلامه الأزلي القائم بذاته، قيل لهم: فلماذا موسى؟ قالوا: سمع كلام الله الأزلي القائم بذاته! وهذا الذي قالوه لا يعقل أبدًا، وهم إنما قالوا هذا لأنهم لا يثبتون أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء، وعندهم أن كلام الله ﷾ لا ينفصل عنه أبدًا، وإنما هو الكلام الأزلي.\nومن قول أهل السنة أن الله يتكلم، وكلامه ﷾ تسمعه الملائكة ويبلغونه، ويكتب أحيانًا في الصحف، ويكتب في اللوح المحفوظ، وهذا القرآن هو كلام الله، وهو مكتوب في المصاحف؛ ولهذا فإن الكلام إنما هو لمن تكلم به مبتدئًا، فالقارئ للقرآن يتلو القرآن بصوت، لكن المقروء كلام الله تعالى، ولو جاء واحد -مثلًا- وقرأ علينا معلقة امرئ القيس، فهل نقول: هذا هو الذي قال معلقة امرئ القيس أو نقول: المعلقة للشاعر امرئ القيس، وهذا نقلها إلينا أو قرأها علينا أو نحو ذلك؟ فالكلام هو لمن قاله مبتدئًا، والله ﷾ تكلم بالقرآن، وهذا القرآن نقله جبريل وتلقاه محمد ﷺ، وتلقاه الصحابة وكتبوه، فهو كلام الله ﷾.\nإذًا: القضية هنا هي إثبات صفة الكلام لله، وأن الله ﷾ متصف بصفة الكلام أزلًا، وأنه يتكلم إذا شاء متى شاء، فكلم آدم في وقت خلق آدم، وكلم موسى في وقت وجوده، وكلم محمدًا في وقت وجود محمد ليلة المعراج، ويكلم أهل الجنة يوم القيامة حينما يدخلون الجنة، فالآن لو فرضنا أن ثلاثة أشخاص: الأول منهم أخرس لا يتكلم، والثاني: يهذي ليلًا ونهارًا لا يكل، والثالث: عنده قدرة على الكلام لكن يتكلم إذا شاء متى شاء، فأي الثلاثة أكمل؟ فالأول الأخرس وقد نتفق على أنه متصف بصفة نقص؛ لأنه لا يتكلم، لكن إذا جاءنا واحد وقال: هذا المهذار الذي يتكلم ليلا نهارًا أحسن من ذلك الذي يتكلم مرة ويسكت، فنقول: لا، فإنه لا شك أن الأكمل هو الذي يتكلم إذا شاء، هذا بالنسبة للمخلوق، ولله المثل الأعلى.\nوقد دلت النصوص المتكاثرة على أن الله ﷾ متصف بصفة الكلام، وأنه يتكلم إذا شاء متى شاء، وأن من كماله ﵎ أنه كلم موسى في هذا الوقت الذي كان فيه موسى بجانب الطور، كلامًا سمعه موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، أما القول بأنه لا يتكلم فهذه صفة نقص، والقول بأنه لا يتكلم بمشيئته وإرادته هذه أيضًا صفة نقص، والله ﷾ منزه عن النقائص، ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم النوع حادث الآحاد، يسمعه منه من شاء من خلقه، فإذا أراد الله ﷾ كلم عباده فيسمعهم كلامه.","vol":"6","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>بيان أن كلام الله يسمع</span>\nثم مثل المصنف ﵀ بقوله: [سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة] .\nوهذا دل عليه نص القرآن العظيم، في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وجاءت الآية بصفة التأكيد، وبعض أهل البدع أراد أن يجد قارئًا يقرأ بنصب لفظ الجلالة، أي: (وكلم اللهَ موسى)؛ حتى يثبت أن موسى هو فاعل الكلام، يريد بهذا أن ينفي عن الله صفة الكلام، فقال له إمام من أئمة القراء من أهل السنة: هب أننا قرأنا بنصب لفظ الجلالة، فلماذا سنصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]؟ فبهت المبتدع، لأنه ليس هناك خيار إلا أن يحذف الآية، أو يقول: فيها تقديم وتأخير، أما أن يأتي بضمة بدل فتحة أو نحو ذلك ويحل بها المشكلة، فهذه الآية لا تحتمل ذلك.\nثم قال: [وسمعه جبريل ﵇، ومن أذن لهم من ملائكته ورسله] .\nوهذا أيضًا ثبت في الأحاديث الصحيحة، ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ وفيه: (ولكن ربنا إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم يسبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم)، فهذا يدل على أن جبريل والملائكة يسمعون كلام الله ﷾.\nإذًا: هو ﵎ يتكلم بكلام مسموع، وأيضًا رسل الله سمعوا كلامه، كما في قصة موسى، وكما في قصة محمد ﷺ، فإن الله كلمه كفاحًا ليلة المعراج، كما في الصحيحين وغيرهما.","vol":"6","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>إثبات تكليم الله للمؤمنين في الآخرة</span>\nثم قال: [وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه] .\nوهذا أيضًا ورد فيه أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ، منها: (يقول الله ﷿ لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك) إلى آخر الحديث، فهذا نص على أن الله يخاطب أهل الجنة، ويكلمهم ويكلمونه، وهذه أحاديث صحيحة صريحة دالة دلالة قاطعة على ما ذكرناه.\nثم قال: [ويأذن لهم فيزورونه] .\nورد في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أهل الجنة إذا دخلوا فيها نزلوا بفضل أعمالهم، ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربهم)، رواه الترمذي وابن ماجة، لكنه حديث ضعيف، إنما الثابت: أن إن الله يكلم أهل الجنة ويكلمونه، وهذا ورد في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ.","vol":"6","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>أدلة إثبات صفة الكلام لله جل وعلا من القرآن</span>\nثم ذكر المصنف الأدلة على ذلك فقال: [قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]] .\nوقوله: (تكليمًا) مصدر مؤكد أن هذا التكليم حقيقي.\nثم قال: [وقال سبحانه: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]] .\nهذا يدل على أن الله كلمه بكلام مفهوم سمعه: أني اصطفيتك واخترتك على الناس برسالاتي وبكلامي.\nوهذا يدل على أمرين: الأمر الأول: أن الله كلمه بذلك وقال له: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ [الأعراف:١٤٤] .\nالأمر الثاني: أن الله اصطفاه برسالته، واصطفاه بكلامه، ولهذا سمي موسى كليم الله ﷾.\nوقد ذكرنا أن العلم عند الله ﷾ في سبب تسمية موسى كليم الله، مع أن الله كلم محمدًا، وكلم آدم، لكن الله كلم موسى على الأرض، وهو على طبيعته البشرية، بخلاف تكليم الله لآدم فإنه كان وهو في السماء، وتكليم الله لمحمد كان عند أن عرج بروحه وجسده إلى السماء، أما تكليمه لموسى فكان وهو على الأرض، ولعل هذه خصوصية لموسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم.\nثم قال: [وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]] .\nيعني: الرسل، فهذه الآية هي عن رسل الله ﷾: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وهذا واضح.\nثم قال: [وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]] .\nقوله: (إِلَّا وَحْيًا) المقصود به في هذه الآية كلام الله مباشرة؛ لأنه قال: ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى:٥١]، ثم قال بعد ذلك ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١]، فهذه التقسيمات الثلاثة تدل على أن قوله: «إِلَّا وَحْيًا» هو تكليم الله ﷾ لعبده مباشرة.\nثم قال: [وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١١-١٢]] .\nقوله: «فَلَمَّا أَتَاهَا»، أي النار (نُودِيَ)، والنداء لا يمكن أن يكون إلا بصوت، والذي ناداه وكلمه هو الله ﷾، وهذه الآية نص صريح في إثبات كلام الله لموسى، وأن كلامه له بصوت سمعه موسى.\nثم قال: [وقال سبحانه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله] .\nأي: من تكليم الله لموسى أنه قال: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢]، وأيضًا من تكليم الله له أنه قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] .\nوبعض الذين تأولوا صفة الكلام لله يقول: إن الذي كلم موسى ملك، أو إن الشجرة هي التي سمع منها الكلام، وهذا التأويل باطل، ودليل بطلانه أنه لا يمكن أن تقول الشجرة: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، أو يقول الملك: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، ولو كان كلام الملك أو الشجر لقال: إنه هو الله فاعبده، أو إن ربك الله فاعبده، لكن أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] فهذا نص صريح على أن هذا كلام الله جل وعلا، وقد ذكر هذا الدليل ابن قدامة نفسه في قوله: (وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله) .\nونكتفي بهذا، ونسأل الله ﷾ أن يوفقنا، وأن يهب لنا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"6","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>الأسئلة</span>","vol":"6","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>سبب وقوع الأشاعرة في الخطأ في صفة الكلام لله ﷿</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما هي العلة التي بسببها أنكر الأشاعرة والمعتزلة صفة الكلام لله ﷾؟ وهل كان إنكارهم بدليل معين، أم يرون دليلًا عقليًا، كقولهم: إن صفة الكلام نقص فلا يجب أن نصف الله تعالى بها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n الأشاعرة لا ينفون صفة الكلام، بل يثبتون لله صفة الكلام، وإنما وقعوا في الخطأ من جهة فهمهم للكلام حين خصصوه بالكلام النفسي، أما المعتزلة فهم الذين نفوا صفة الكلام عن الله ﷾، ونفيهم لهذه الصفات -ومنها صفة الكلام- إنما كان بسبب شبه عقلية، وإلا فالنقل يرد عليهم من أوله إلى آخره، ومن شبههم العقلية: الخوف من تشبيه الله بخلقه، والخوف من تعدد القدماء؛ لأنه إذا قيل إن الله متصف بصفة الكلام وغيرها من الصفات ظنوا أنه يستلزم التشبيه.","vol":"6","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>فساد القول بأن الله ﷿ لا داخل العالم ولا خارجه</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n قد يقول قائل: إذا لم يكن الله خارج العالم ولا داخله، فإن ذلك يقتضي أن الله بينهما، فكيف نرد عليه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذا الكلام غير صحيح؛ فقولهم لا داخل العالم ولا خارجه مستحيل؛ بل إما أن يكون خارج العالم، وإما أن يكون داخل العالم، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا! وأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله ﷾ متصف بصفة العلو، فهو ﵎ وتقدس بائن من خلقه.","vol":"6","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>لا يسمى الله ﷿ بالدهر</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل من أسماء الله تعالى الدهر؛ لأنه ورد في الحديث: (لا تسبوا الدهر؛ فإني أنا الدهر)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n الدهر ليس من أسماء الله تعالى على القول الصحيح؛ لأن الدهر هو الزمان، والدليل على ذلك ما ورد في نفس الحديث؛ فإنه قال: (فإني أنا الدهر؛ بيدي الليل والنهار، أقلبهما كما أشاء)، ولو أن القول بأن الله هو الدهر صحيح لكانت نسبة الأمور التي تقع إلى الدهر صحيحة.\nلكن لماذا قال: (يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر)؟ الدهر ليس اسمًا من أسماء الله ﷾، وإنما يسب الإنسان الزمان فينتقل السب إلى خالق الزمان وموجد الزمان، وهو الله ﷾؛ لأنه ﵎ هو الذي بيده كل شيء.","vol":"6","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>الخلاف حول مسألة رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل نقول إن الله تعالى لما كلم محمدًا ﷺ، فإن محمدًا رأى الله ﷾؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا؛ لأن مسألة الرؤية غير مسألة الكلام، فأهل السنة يثبتون الكلام، ويثبتون أن محمدًا ﷺ كلمه ربه بلا واسطة، لكن مسألة الرؤية هذه فيها خلاف، والقول الصحيح أن الرسول ﷺ لم ير ربه بأم عينيه، وإنما رآه بفؤاده؛ ولهذا لما سئل: هل رأيت ربك -كما في الحديث الصحيح- قال: (نور أنى أراه)، وفي رواية قال: (رأيت نورًا)، فهذا دليل على أنه لم ير الله، وإنما رأى حجابه النور، وهذا هو القول الصحيح.","vol":"6","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>أقسام الوحي</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n بما أن القرآن كلام الله ﷾، وأنه وحي من الله لنبيه ﷺ، فكيف كان يأتي بواسطة جبريل ﵇؛ إذ إن مقتضى الوحي أن يكون من الله سبحانه لرسوله مباشرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n بل مقتضى الوحي هو كما أخبر الله بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى:٥١]، فالوحي ينقسم إلى هذه الأقسام: إما أن يكلمه الله مباشرة، أو يكون من وراء حجاب، أو يرسل الرسول، وكل ذلك يسمى وحيًا؛ ولهذا فإن الله ﷾ يوحي أحيانًا لعباده مباشرة كما كلم موسى ومحمدًا ﷺ، وأحيانًا يكون عن طريق الملك جبريل ﵊، ولا يقتضي هذا أن يقال: إنه ليس بوحي، بل هو وحي.","vol":"6","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>الجواب عمن يستشكل صفة النزول بانتقال الليل على مدار الزمان</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n يقال إن ثلث الليل يكون مستمرًا على الكرة الأرضية، فكيف نجيب عن نزول الله ﷿؟ وهل يكون الله نازلًا في جميع الأوقات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n سبق أن أجبنا عن هذا، وقلنا إن الله ﷾ لا يقاس بخلقه، فنحن نقطع بأن الله ﷾ ينزل على أهل كل بلد وأهل كل مكان حين يبقى ثلث الليل الآخر، حتى ولو كان هناك آخرون بعد ساعة لهم ثلث الليل؛ لأن الله ﷾ لا يقاس بخلقه، وليس نزوله كنزول المخلوقين، وكما ضربنا مثلًا: لو قال قائل: كيف يسمع الله دعاء الناس له يوم عرفة، وقد اجتمع أكثر من مليون شخص على مختلف اللغات؟ فالإنسان لا يستطيع أن يسمع أكثر من واحد، لكن كيف يستمع الله ﷿ إلى مليون؟ بالنسبة لنا نحن البشر لا نستطيع أن ندرك ذلك، لكن نؤمن بأن الله ﷾ يسمعهم جميعًا، كما أنه يوم القيامة يجتمع آلاف الملايين، وليس مليونًا، ومع ذلك يحدثهم الله جميعًا في ساعة، كل واحد منهم يكلمه ربه ويحاسبه وحده، كما قال ﷺ: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)، فكيف يتم هذا؟! قد يقول العقل: لا يتم هذا، لكن الله ﵎ هو العظيم، ولا يقدر قدره ولا قدر صفاته إلا هو ﷾، وكل الخطأ ناشئ من قياس الله ﷾ بخلقه، والله ﵎ لا يقاس بخلقه، هذا هو الصحيح.","vol":"6","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المتكلمون لا يمسكون عن تحديد المكان لله تعالى</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n أليس قول القائلين: لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي أنهم يمسكون عن الخوض في ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هم ما قالوا: نمسك، وإنما قالوا: نقطع بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فنقول لهم: هذا كلام غير صحيح وفضول لم يرد به الشرع.","vol":"6","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>منهج السلف في رد الشبهات</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n كيف يكون ذكر الشبه والرد عليها؟ وهل لها ضابط؟ وماذا تعرف عن كتاب (شبهات حول الإسلام) لـ محمد قطب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n منهج السلف رحمهم الله تعالى عدم ذكر الشبهات؛ لأن الشبهة أحيانًا تستقر في الذهن، ولا يستقر في الذهن الجواب عليها.\nوأما كتاب (شبهات حول الإسلام) لـ محمد قطب فـ محمد قطب في كتابه (شبهات حول الإسلام) يرى أنه كان هناك شبه في أيام الاستعمار، فكتب هذا للدفاع عن الإسلام، أما الآن فإن الإسلام ليس بحاجة إلى الدفاع عنه، وهذا في الحقيقة يجب أن يكون منهج المسلمين في كل وقت، فلا يستهينون بدينهم، وإيمانهم، وعقيدتهم، بل الواجب عليهم أن يعتزوا بها.\nومن ثمَّ فإن هذا المنهج غير صحيح، لكن إذا صارت القضية منتشرة فترك الشبهة حتى تستقر في النفوس، ثم تختلج ويبحث عن الجواب عنها لا يكون مناسبًا، فمثلًا: في مسألة العلو قد ذكرنا شبهتين من شبه أولئك، وما قلناها إلا لأن كثيرين سأل عنها، ولأنني ما طرحت هذه القضية في محاضرة أو درس إلا وجاءني أربعة أو خمسة يسألون عن هذه القضية؛ لأنهم سبق أن نوقشوا فيها، فنحن ذكرناها لذلك، ولم نكن نقصد أن نذكر الشبهة وندافع عنها، وإلا فلو أننا استقصينا شبههم، لعدت بالمئات ولا أقول: بالعشرات، ولأفنينا أعمارنا في ذكرها والجواب عنها، لكن ذكرنا أبرز القضايا التي تعلق في الذهن، خاصة في العصور المتأخرة لما علمت كروية الأرض، وصارت معلومة لدى الجميع، فصارت مثل هذه الشبهة تأتي عند بعض الناس، ويتكلم عنها، فنحن نجيب عنها كما أجاب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتبه التي تحدث فيها عن هذه القضية؛ لأنها كانت موجودة في زمنه، وأثارها المخالفون من أهل الكلام ومن غيرهم، وإلا فإن منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى واضح كل الوضوح.\nوالله أعلم.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.","vol":"6","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٧]</span>\nالقرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، تحدى الله ببلاغته العرب الفصحاء فعجزوا، بل تحداهم أن يأتوا ببعضه فأبلسوا، بل وتنزل معهم إلى الإتيان بسورة من مثله فأخرسوا، بل ضم إليهم جميع الجن والإنس فعاد الجميع خاسرين، ورجعوا خائبين، فسبحان من تفرد بالكمال والجلال والجمال.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>إثبات صفة الكلام لله ﷿ بصوت وحرف</span>","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء</span>\nٍبعد أن ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن الله ﷾ يتكلم ويكلم عباده، وأن كلامه لهم حقيقة، وأنه ﷾ يكلم عباده فيسمعونه، ذكر أيضًا بعض أدلة هذا فقال: [وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، روي ذلك عن النبي ﷺ] .\nالمصنف رحمه الله تعالى أورد هذا الأثر موقوفًا فقال: (وقال: عبد الله بن مسعود ﵁: إذا تكلم)، وهذا الأثر روي موقوفًا على ابن مسعود بإسناد صحيح، لكنه أيضًا روي برواية أخرى مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وروايته مرفوعة إلى النبي ﷺ أيضًا واردة بإسناد صحيح، وممن رفعها أبو داود رحمه الله تعالى في سننه وغيره، وكل من المرفوع والموقوف صحيح، لكن لما كان الموقوف أصح علقه البخاري في صحيحه، وقد ذكر الشيخ الألباني هذا الحديث في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (١٢٩٣) وقال ﵀: والموقوف -أي: على ابن مسعود - وإن كان أصح إلا أن له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي.\nيعني: لا يمكن أن يقوله ابن مسعود من عند نفسه، فيكون حكمه حكم المرفوع.\nقوله في هذا الحديث: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء)، هذا يدل على إثبات كلام الله، وإثبات أن كلام الله مسموع، وهذا يرد على من قال بالكلام النفسي، أو إن كلام الله ليس بحرف ولا صوت، بل الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم، وكلامه مسموع، وأن أهل السماء يسمعون صوته وكلامه، وكذلك أيضًا لما كلم موسى وكلم محمدًا وكلم آدم سمعوا ذلك.\nثم قال: (روي ذلك عن النبي ﷺ) .\nكأن المصنف هنا أشار إلى المرفوع وإلى الموقوف.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>نداء الله لأهل المحشر بصوت يسمعونه</span>\nثم قال: [وروى عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ أنه قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلًا بهمًا)] .\nعبد الله بن أنيس الجهني المدني المتوفى سنة أربع وخمسين هجرية رحمه الله تعالى، أحد الصحابة المعروفين المشهورين.\nقوله: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة)، أي: ليس عليهم كساء ولا لباس ولا غطاء، (حفاة) أي: غير منتعلين، (غرلًا) أي: غير مختونين، (بهمًا) أي: طليقي الأيدي لا يحملون معهم أي شيء؛ وهذا لبيان أن الناس يبعثون من قبورهم ويحشرون إلى ربهم ﷾ وهم على هذه الحالة، كما في حديث عائشة ﵂ وأرضاها حين قالت للرسول ﵌: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! فبين لها النبي ﷺ أن الأمر أكبر وأعظم وأشد من أن يهتموا بهذا الأمر؛ لأن الأمر خطير جدًا.\n[(فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان)، رواه الأئمة، واستشهد به البخاري] .\nالشاهد من هذا: قوله: (فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)، والنداء كما نعلم جميعًا لا يمكن أن يكون إلا بصوت، وهذا فيه إثبات أن الله ﷾ يتكلم، وأنه ﵎ إذا نادى الخلائق يوم القيامة يناديهم بصوت يسمعونه جميعًا، وهذا الحديث ذكره البخاري أيضًا تعليقًا ورواه الإمام أحمد وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله ﵄، وهو المشهور، وهو الوارد في قصة رحلة جابر بن عبد الله ﵁ وأرضاه حين التقى بـ عبد الله بن أنيس في مصر حين رحل إليه شهرًا كاملًا؛ ولهذا ذكره البخاري في كتاب العلم في الباب الذي عقده في مسألة الرحلة في طلب الحديث، لكنه رحمه الله تعالى ذكره معلقًا.\nوهذا الحديث رواه البيهقي، ورواه البخاري في الأدب المفرد، وهو حديث صحيح، ومن ثمَّ فإن الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى لما تعرض لمسألة إثبات صفة الكلام لله وأنه بصوت، نقل كلام بعض الأشاعرة وتأويلهم للأحاديث الواردة في ذلك، وتضعيفهم لهذه الرواية، وقولهم: إن كلامه تعالى ليس بصوت، فبعد أن نقل كلامهم علق عليه بقوله: والحديث إذا ورد بالطرق الصحيحة فإنه يؤخذ به.\nوكأنه يقول: ما دام إثبات الصوت لله تعالى ثبت في الأحاديث الصحيحة فلا داعي للمماحكة؛ لأنه ورد بأسانيد صحيحة، وكأن ابن حجر رحمه الله تعالى إنما يرد على أولئك الذين ضعفوا هذه الرواية بناءً على مذهبهم في إثبات الكلام النفسي لله، وأن كلامه ﷿ ليس بحرف ولا صوت، فبناء عليه بحثوا عن الحديث فوجدوا أن البخاري رواه معلقًا، فضعفوا هذه الرواية لهذا السبب، فـ ابن حجر المحدث غلب عليه رحمه الله تعالى هنا جانب الحديث، فرد على أولئك وقال لهم: لا تتعرضوا لتضعيفه من أجل ذلك المعنى الكلامي الذي تريدونه، بل إذا ثبت أمر في الأحاديث الصحيحة فيجب أن تقولوا به، ثم بعد ذلك ابحثوا له عن التأويل، لكن لا تضعفوه وتردوا الحديث؛ لأجل أنه خالف ما عندكم.\nومنطق ابن حجر هذا عظيم جدًا، مع أنه رحمه الله تعالى من المائلين إلى مذهب الأشاعرة في كثير من المسائل، إلا أنه هنا وقف وقفة الإمام المحدث، وهذا هو الصحيح، ولهذا فإن هذه الرواية صحيحة، ولا كلام فيها، وحتى لو فرض أن البخاري رحمه الله تعالى علق مثل هذه الرواية فإنه لا يطعن فيها؛ لأنها رويت عند غيره بأسانيد صحيحة، بل إن إثبات أن كلام الله بصوت وارد بأدلة كثيرة جدًا، ولا يمكن أن يقول قائل: إن موسى ﵊ سمع كلام الله بلا صوت، ومن قال ذلك فإنه قال ما لا يعقل.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>نداء الله لموسى عند تكليمه بصوت يسمعه</span>\nثم إن المصنف رحمه الله تعالى قال: [وفي بعض الآثار أن موسى ﵇ ليلة رأى النار فهالته، ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعًا استئناسًا بالصوت.\nفقال: لبيك لبيك ولبيك، أسمع صوتك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك.\nفعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى] .\nهذا الأثر إسرائيلي ضعيف لا يؤخذ به، رواه وهب بن منبه ووهب بن منبه معروف بالروايات الإسرائيلية، لهذا فإن هذا المقطع من قصة موسى أورده السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) في تفسير سورة (طه) الآية العاشرة، حيث ذكر أثرًا طويلًا جدًا بلغ صفحات، وذكر منه هذا، وقال السيوطي: أخرجه أحمد في (الزهد) وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه.\nفإذًا: هذا الأثر رواه وهب بن منبه، فهو أثر إسرائيلي، وعلى هذا فلا يعتد به، لهذا فالأولى بمثل هذا الأثر أن يطرح ولا يؤخذ به، والقضية التي أشار إليها ابن قدامة رحمه الله تعالى قد وردت لها أدلة أخرى في الأحاديث الصحيحة، فمثل هذه الآثار الإسرائيلية لا يؤخذ بها، بل إنني أرى أن متنها فيه نكارة؛ لأنه قال: فأين أنت، قال: (أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك) إلى آخره، وهذا الكلام كلام غير صحيح وغير دقيق لهذا، فما سبق أن ذكرناه كافٍ في بيان ضعف هذه الرواية، وأنها رواية إسرائيلية.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>الكلام على القرآن الكريم</span>","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>بيان أن القرآن الكريم من كلام الله ﷿</span>\nثم إن المصنف رحمه الله تعالى انتقل من الحديث عن إثبات كلام الله إلى قضية أخرى متعلقة بكلام الله تعالى، ألا وهي القرآن العظيم الذي أوحاه الله إلى محمد ﷺ، فقال: [فصل: ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم] .\nتكلم الله بالتوراة وبالإنجيل وبالزبور، وكلم أنبياءه، ومن كلامه أيضًا القرآن العظيم.\nثم قال عن القرآن: [وهو كتاب الله المبين] .\nولا شك أنه كتاب الله الذي أبان الله به المحجة، فهو مبين مفصل محكم، كما أخبرنا الله ﷾ في آيات كثيرة بأنه هدىً ونور وفرقان، ولا يكون هدىً ونورًا وفرقانًا وضياءً إلا إذا كان بين الدلالة واضحًا؛ يقرؤه الجميع فيتعظون به، ويفهمونه على مختلف مستوياتهم؛ فلا يمكن أن يقول قائل: أنا أقرأ القرآن من أوله إلى آخره ولا أفهم منه شيئًا؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] .\nفالقرآن فيه أحكام وفيه مسائل وفيه قضايا لا يعلمها إلا الراسخون في العلم، لكن فيه مواعظ يفهمها الجميع، حتى المرأة وحتى الصغير وحتى العامي، وهذا من نعم الله ﷾ على عباده.\nثم قال: [وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين] .\nولا شك أن من اعتصم بالقرآن واستمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى، واستمسك بهذا الدين القويم؛ فهو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، وهذا واضح المعنى.\nوقوله: (وتنزيل رب العالمين) هذا كما ورد في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًَا﴾ [الكهف:١]، وغيرها من الآيات.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>نزول جبريل ﵇ بالقرآن على النبي ﷺ</span>\nثم قال المصنف: [نزل به الروح الأمين] .\nالروح: هو جبريل ﵇، والأمين: وصف لجبريل؛ لأنه كان أمين وحي الله ﷾، ولا شك أنه أمين؛ فإن الله ﷾ استأمنه على الوحي الذي أوحاه إلى رسله عليهم الصلاة والسلام.\nقال: [نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين] .\nوهو محمد بن عبد الله ﷺ، كما ورد في الآيات الكريمات، أنزله الله على قلب محمد ﷺ، وإنما ذكر القلب هنا؛ لأن القلب هو الذي يعي؛ ولأن النبي ﷺ كان يأتيه الوحي فيأخذه غشيان عظيم يشبه الغيبوبة، فيفصم عنه، فإذا به ﵊ قد وعى كل ما أوحى إليه به جبريل ﵊.\nوالوحي كان ينزل على النبي ﷺ على صور متعددة، لكن هذا هو الأكثر والأغلب، ولهذا كان الصحابة ﵃ وأرضاهم إذا نزل بالنبي ﷺ الوحي يسترونه، فيضعون عليه أحيانًا لفافًا، وأحيانًا يضعون عليه رداءً؛ لأن الوحي يشتد عليه، ولهذا لما نزل قول الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥]، نزلت هذه الآية وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، قال: (وكانت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي، فكادت فخذي أن ترض)، وهذا من شدة ثقل الوحي.\nوأحيانًا كان الوحي ينزل على الرسول ﷺ وهو على ناقة فتبرك الناقة، وأحيانًا تضع رقبتها على الأرض وتحكها في التراب حكًا لشدة ثقل الوحي، والله سماه ثقيلًا فقال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، فكان ثقيلًا حتى في تنزله.\nوأول مرة نزل الوحي على النبي ﷺ غطه الملك غطة شديدة؛ حتى ظنه ﵊ الموت.\nفكان الوحي ينزل على قلب محمد ﷺ، لكن بعد أن ينتهي الوحي ويفصم عنه يكون ﷺ قد وعى جميع ما قال، ولهذا كان بعض الصحابة يحرص ما استطاع أن يرى الرسول ﷺ والوحي ينزل إليه، فبعضهم يقول: قلت لـ عمر بن الخطاب: أريد أن أرى الرسول وهو يوحى إليه، ففي يوم من الأيام كان يوحى إليه، قال: فرفع الستار ونظرت إلى النبي ﷺ وهو يوحى إليه، وقد اشتد عليه الوحي ﵊.\nثم قال المصنف ﵀: [على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين] .\nوهو ﵊ سيد ولد آدم وسيد الأولين والآخرين.\nوقوله: (بلسان عربي مبين) هذا واضح جدًا، كما قال الله ﷾: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف:٢] .\nفالله ﷾ جعل هذا القرآن العظيم بلسان محمد وقومه الذي هو العربية.","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>بيان أن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود</span>\nثم قال: [منزل غير مخلوق] .\nوهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن منزل؛ لأه كلام الله، وأنه غير مخلوق، لا كما يقول المعتزلة كما بينا سابقًا.\nثم قال: [منه بدأ وإليه يعود] .\nأي: أن هذا القرآن بدأ من الله تعالى؛ لأن الله هو الذي تكلم به، والكلام ينسب إلى من بدأ به متكلمًا، وقد ذكرنا هذا وضربنا له مثلًا بقصيدة امرئ القيس المعلقة التي تنقل منذ عهد الجاهلية إلى الآن، وهذا أحيانًا يشرحها، وهذا أحيانًا يسجلها بصوت، لكن المعلقة معلقة امرئ القيس؛ لأن المعلقة هي لمن قالها مبتدئًا، وكذلك أيضًا -ولله المثل الأعلى- هذا القرآن العظيم؛ فهو كلام الله؛ لأنه سبحانه هو الذي ابتدأ هذا الكلام، ومن هنا قال السلف رحمهم الله تعالى كما قال ابن قدامة هنا: منه بدأ.\nوقوله: (وإليه يعود)، أي: إلى الله ﷾ يعود ويرجع هذا القرآن في آخر الزمان، كما ورد في ذلك عدد من الأحاديث والآثار الصحيحة عن النبي ﷺ وعن عدد من الصحابة، منهم عبد الله بن مسعود وأبو هريرة، وهذا أيضًا مما لا يقال بالرأي، فيكون له حكم الرفع.\nفقد ورد في ذلك ما يدل على أن هذا المصحف أو هذا القرآن يرفع في آخر الزمان من صدور الرجال، ويرفع من الكتب، ويرفع من المصاحف، فيعود إلى الله ﷾، وقد ورد في ذلك حديث صحيح رواه الحاكم وصححه، ورواه ابن ماجة في سننه، وهو أيضًا حديث صحيح، عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب)، ومعنى (يدرس): ينقرض، يعني: ينقرض الإسلام شيئًا فشيئًا، والوشي هو النقوش التي على الثوب، فإذا كان الثوب ملونًا وعليه نقوش وزهور فإنها مع قدم الزمن تبدأ تنمحي، فشبه رسول الله ﷺ اندراس الإسلام باندراس هذه النقوش التي على الثوب.\nقال ﷺ: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب؛ حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه حرف)، ومعنى (يسرى): أنه يأتي يوم على كتاب الله تعالى فيمحى ويزال من صدور الرجال ومن الأوراق، حتى لا يبقى منه آية، ويرفع إلى السماء، وهذا هو الشاهد هنا: أنه إليه يعود.\nيقول في بقية الحديث: (وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها)، هكذا رواه ابن ماجة، وفي رواية الحاكم: قال: صلة بن زفر لـ حذيفة: (ما تغني عنهم لا إله إلا الله؛ وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة، فأعرض عنه، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة، تنجيهم من النار، ثلاثًا)، قال: الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وصححه الألباني؛ حيث ذكره في السلسلة الصحيحة رقم الحديث (٨٧) .\nإذًا: الشاهد هنا: أنه يسرى على هذا الكتاب ولا يبقى منه آية في الأرض، وهذا معناه عودته إلى الله سبحانه.","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>حكم ترك الصلاة عند اندراس الإسلام</span>\nوهنا مسألة خارجة عن الموضوع، لكن أحببت أن أشير إليها للفائدة: فهذا الحديث قد يحتج به من لا يرى كفر تارك الصلاة، فيقول: إن هؤلاء لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا حج ولا صدقة، وحذيفة يقول: (تنفعهم لا إله إلا الله)، فدل ذلك على أن من مات وهو يقول لا إله إلا الله فهو من أهل الجنة، وأن تارك الصلاة لا يقتل.\nأقول معلقًا على هذه القضية: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن هذا الحديث ليس فيه حجة لمن قال بذلك، صحيح أن ظاهره أنه قال: (تنفعهم لا إله إلا الله)، لكن الحديث إنما هو في آخر الزمان الذي درست فيه أمور الإسلام، فصار هؤلاء لا يعرفون إلا لا إله إلا الله، فإذا كانوا لا يعرفون صلاة ولا صيامًا فهل يحاسبون عليها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا يحاسبون عليها، فحالهم شبيه بمن أسلم وهو حديث عهد بالإسلام، ولم يعرف أحكام الصلاة ولا غيرها، ثم إنه مات، فهذا تنفعه لا إله إلا الله، لكنه لو علم الصلاة، وقامت عليه الحجة بها، فعلى القول بأنه يكفر -وهو الصحيح- لا تنفعه لا إله إلا الله، بل لابد أن يؤدي الصلاة.\nوكذلك هؤلاء الذين يأتون في آخر الزمان وقد اندرست تلك الأمور العظام من أمور الإسلام، فهؤلاء غير مكلفين بها.\nإذًا: إذا لم يبق معه إلا لا إله إلا الله فإنها تنفعه، وأظن أن المسألة واضحة، والعلم عند الله تعالى.","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>ترتيب سور وآيات القرآن الكريم</span>\nثم قال: [وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات] .\nالقرآن كما هو معلوم سور، وأما تقسيم السور وترتيب الآيات فهو توقيفي لم يكن عن اجتهاد الصحابة ﵃ وأرضاهم، وإنما كان بأمر الرسول ﷺ، إنما اختلف العلماء في مسألة ترتيب السور في المصحف، هل هو ترتيب اجتهادي من عند الصحابة أم أن الأمر موقوف على رسول الله ﷺ؟ والذي يترجح -والعلم عند الله تعالى- أن ترتيبها أيضًا ليس عن اجتهاد من الصحابة، وإنما هو عن أمر الرسول ﷺ، وأن الرسول ﷺ أمر الصحابة أن يقرءوا القرآن على العرضة الأخيرة التي عرضها عليه جبريل، فإن جبريل في رمضان الأخير الذي انتقل الرسول ﷺ بعده إلى الرفيق الأعلى دارس النبي ﷺ بالقرآن مرتين، فلابد أن يكون الرسول ﷺ قد بلغ أولئك الصحابة تلك العرضة الأخيرة، ومنها ترتيب سور القرآن.\nوقوله: (وهو سور محكمات)، لا شك أن القرآن كله محكم كما بينا.\nوقوله: (وآيات بينات) أي: واضحة الدلالات.\nوقوله: (وحروف وكلمات) لا شك أيضًا أن القرآن حروف وكلمات، ومن قال: إن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت فإنه مخطئ، بل كلام الله حروف، والقرآن حروف، وسيأتينا الأدلة الكثيرة التي تدل على أن هذا القرآن العظيم حروف، وأما أولئك الذين قالوا: إن الله يتكلم بغير حرف ولا صوت، أنكروا الأدلة الظاهرة، فما أوصلهم إلى مثل هذا إلا اعتقادهم الفاسد أن كلام الله ﷾ إنما هو الكلام النفسي القائم بذاته.\nإذًا: القرآن الكريم حروف وكلمات، فالله ﷾ تكلم به، ونحن نتلوه، وهو كلام الله ﷾.","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>أجر قراءة القرآن</span>\nثم قال: [من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات] .\nلم يذكر المصنف أن هذا حديث مرفوع أو مروي، وقد ورد حديث عن النبي ﷺ رواه الطبراني وفيه: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (أعربوا القرآن؛ فإن من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، وكفارة عشر سيئات، ورفع عشر درجات)، وهذا الحديث ضعيف، لكن ورد عن النبي ﷺ في مضاعفة الحسنات حديث صحيح رواه الترمذي، وفيه أيضًا: عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول.\n(آلم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، وهذا الحديث الصحيح يغني عن حديث: (من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات) .\nوقوله: (أعربه) المقصود به أنه تلاه تلاوة صحيحة لم يلحن فيها.","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>القرآن الكريم له أول وآخر وأجزاء وأبعاض</span>\nقال ابن قدامة ﵀: [له أول وآخر] .\nأي: أن القرآن له أول وله آخر، ونقول: إنه مفتتح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، ومختتم بقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦] .\nثم قال: [وأجزاء وأبعاض] .\nنقول: القرآن ثلاثون جزءًا، كما نقول: معك جزء من القرآن، ويقول القائل: معي بعض القرآن، أو معي سور منه، أو معي سورة كذا، وهذا كله واضح، فهذا القرآن العظيم تكلم الله به بمشيئته وإرادته.\nوفي قوله (أجزاء وأبعاض) رد على من يزعم أن كلام الله ﷿ واحد؛ لأن الأشعرية يقولون: كلام الله واحد لا يتبعض ولا يتجزأ، وإن القرآن والتوراة والإنجيل واحد، لكن لما عبر عنه بالعربية صار قرآنًا، وبالعبرية صار توراة، وبالسريانية صار إنجيلًا، وهذا خطأ؛ لأن القول بأن كلام الله واحد لا يتبعض غير صحيح، ولهذا قال لهم العلماء: إذا قلتم إن كلام الله واحد، فموسى لما سمع كلام الله هل سمع كلام الله كله أو بعضه؟ فإن قلتم: بعضه، نقضتم قولكم، وإن قلتم: كله، كان قولكم باطلًا؛ لأنه لا يعقل أن يكون موسى سمع كلام الله كله؛ لأن كلام الله ﷿ لا يتناهى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، ولا مفهوم للعدد هنا، فلو جاء سبعة وسبعة وسبعة ما نفدت كلمات الله.\nإذًا: الصحيح: أن موسى سمع ما كلمه الله ﷾ به.","vol":"7","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>القرآن كلام الله ﷿ كيفما تصرف</span>\nقال المصنف ﵀: [متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان] .\nفالمتلو بالألسنة هو كلام الله، لكن الألسنة التي تلت والصوت الذي تلي به ينسب للمخلوق.\nإذًا الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري، ولهذا قال: (محفوظ في الصدور)، فإذا قيل: فلان حافظ لكتاب الله تعالى، فهذا المحفوظ هو كلام الله القرآن، لكن صدره وما في صدره من قلب وما في رأسه من دماغ وغير ذلك هذا كله مخلوق، لكن كلام الله تعالى غير مخلوق.\nفإذا كتب هذا المصحف على الأوراق فهذا المكتوب هو كلام الله.\nإذًا: هو أينما تصرف وكيفما تصرف فهو كلام الله، أما صوت القارئ، وأما صدر الحافظ، وأما أذن السامع، وأما المداد والحبر، وأما الورق المكتوب به فهذه كلها مخلوقة.","vol":"7","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>من القرآن محكم ومتشابه وعام وخاص وناسخ ومنسوخ</span>\nثم قال: [فيه محكم ومتشابه] .\nسبق أن ذكرنا المحكم والمتشابه، وذكرنا أن القرآن فيه ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] .\nوسبق أن بينا أن القرآن كله محكم الإحكام العام، وكله متشابه، أي: يشبه بعضه بعضًا، وفيه آيات محكمات ومتشابهات، وقلنا: إن التشابه أمر نسبي، بمعنى: أنه قد يشتبه على بعض الناس، لكن قد لا يشتبه على الآخرين، وقد سبق أن وضحنا هذه القضية.\nثم قال: [وناسخ ومنسوخ] .\nقال الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] .\nوالمنسوخ ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما نسخت تلاوته وأحكامه.\nالقسم الثاني: ما نسخت تلاوته وبقي حكمه.\nالقسم الثالث: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته.\nوتحصيل هذا في كتب علوم القرآن.\nثم قال: [وخاص وعام] .\nأي: أن فيه آيات خاصة بالنبي، وفيه آيات خاصة بالقضية الفلانية، وفيه آيات تأتي للعموم، وهذا واضح جدًا.\nثم قال: [وأمر ونهي] .\nأي: أوامر ونواهٍ، وهذا أيضًا مشاهد.","vol":"7","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>حفظ الله ﷿ للقرآن وإعجازه وبلاغته</span>\nثم أخذ المصنف يستدل لذلك بالآيات فقال: [﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]] .\nأي: لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه، بل هو تنزيل من حكيم حميد ﷾، والآية واضحة.\n[وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]] .\nأي: مظاهرًا ومساعدًا، فلا يمكن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل ولا يمكن أن يأتوا بسورة منه ولا بآية، ولهذا صنع وجود الخلاف بين النبي ﷺ وقريش وهم أفصح العرب تحديًا، وقد حلفوا كل الحلف على معاندته إلا أنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، فبقي هذا القرآن معجزة، وهذا أيضًا واضح جدًا.","vol":"7","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>معرفة العرب أن القرآن كلام الله، وطعنهم فيه</span>\nثم قال رحمه الله تعالى: [وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١]] .\nوهذا للاستدلال على أن هذا القرآن هو كلام الله، وأن هذا المتلو بالأحرف العربية والكلام العربي هو كلام الله، فهذا يدل على أنه كلام الله، وأن الله تكلم به بحرف وصوت.\nثم قال: [وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فقال الله ﷾: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]] .\nوقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، معروف أن هذا قاله المشركون، وورد في بعض الروايات أن الذي قال هذا هو الوليد بن المغيرة.\nوقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] أي: ما هو إلا قول محمد، وليس كلام الله ﷾، فكذبهم الله ﷾ ورد عليهم بقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، وهذا لبيان أن دعواه أنه قول البشر كذب، بل هو كلام الله ﷾، فكيف يأتي قائل ويقول: هذا كلام محمد، أو يقول: إنه مخلوق؟! بل هو كلام الله منزل غير مخلوق، وهذا نص صريح على أن الله تكلم به، وأنه كلام الله تعالى، ولهذا رد الله على ذلك المشرك الباغي الذي قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فمن قال: إنه قول محمد فهو شبيه بـ الوليد بن المغيرة الذي قال: إن هو إلا قول البشر، نسأل الله السلامة والعافية.\nثم قال المصنف ﵀: [وقال بعضهم هو شعر، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]] .\nأي: ما علمنا الرسول ﷺ الشعر، وما ينبغي للرسول أن يكون شاعرًا، وإنما هذا الذي بلغكم إياه هو كلام الله ﷾ وذكر مبين.\nفسموه شعرًا لأن الشعر أحرف وكلمات، لكن الله ﷾ رد عليهم فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] .\nإذًا: هذا القرآن هو كلام الله وليس كلام شاعر، وهذا يدل على أن العرب كانوا يفهمون من القرآن أنه كلمات شبيهة بكلام العرب وأحرف وكلمات شبيهة بكلام الشعراء، ولهذا قالوا: هو شعر، فرد الله عليهم ببيان أنه ليس بقول شاعر، وأن الرسول لا ينبغي له أن يكون شاعرًا، وإنما هو كلام الله ﷾.\nويفهم من هذا أن القرآن كلام الله، وأنه كلمات، وأنه حروف، وأن العرب فهموا منه هذا، ولهذا لم يعترضوا على هذا وإنما اعترضوا على أن يكون كلام الله ﷾.\nأما أولئك المتكلمون فإنهم يقرون أنه من الله، لكن ينكرون أن يكون كلام الله، ولا شك أن كلامهم غير صحيح.\nثم قال ابن قدامة ﵀: [فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنًا لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر] .\nوهذا كلام واضح الدلالة من ابن قدامة رحمه الله تعالى؛ فهو تعليق جيد بين القضية التي شرحناها قبل قليل، فالعرب على فطرتهم كانوا أفقه -وإن كانوا كفارًا- في مثل هذه المسائل من أولئك المتمسلمين الذين خاضوا في هذه المسائل بلا علم.","vol":"7","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>تحدي الله ﷿ للعرب ببلاغة القرآن الكريم</span>\nثم قال رحمه الله تعالى: [وقال ﷿: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣]] .\nأي: إن كنتم في شك من ذلك فائتوا بسورة من مثل هذا القرآن، وابتدعوا نبوة وديانه جديدة، ثم ادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، لكنهم لا يستطيعون.\nولهذا قال المصنف ﵀: [ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل] .\nوهذا صحيح، إذ لا يمكن أن يتحداهم إلا بشيء هم يفهمونه، ولهذا افتتح الله السور بالحروف المقطعة، تحديًا للعرب، فلما يقول: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١-٢]، كأنه يقول: يا أيها العرب! هذا القرآن هو من الحروف التي أنتم تتكلمون بها، وكلامكم كله يرجع إلى هذه الحروف، وهذا القرآن أيضًا هو متلو بهذه الحروف، ومع ذلك هو كتاب الله لا ريب فيه نزله الله على عبده، وهنا في هذه الآية يقول: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، أي: من مثل هذا القرآن العربي، وطبعًا هم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بمثله.\nالشاهد هنا: أنه لو لم يكن هذا القرآن المتلو هو كلام الله ﷾ بكلماته وحروفه لما صح في التحدي أن يقال لهم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، وهذا بين واضح جدًا.\nثم قال: [وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]] .\nقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ [يونس:١٥]، أي: أن هذا قرآن يتلى عليهم، فإذا تلي عليهم قالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس:١٥] .\nإذًا: هذا القرآن المتلو ليس كلامًا لمحمد؛ وإلا لما قالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس:١٥]، ولما قال النبي ﷺ: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]؛ لأن هذا وحي من الله ﷾، ولو كان كلامًا من عنده لقال: لا أريد أن أقول إلا هذا! لكن قال: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]، أي: وإنما هو وحي أوحاه ربي إلي، هكذا يقول الرسول ﷺ.\nولهذا قال المصنف: [فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم.\nوقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]] .\nأي: أن القرآن آيات بينات في صدور المؤمنين حفظة كتاب الله ﷾، وهذا يدل على أن هذا المحفوظ في الصدور هو كلام الله ﵎.","vol":"7","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>كتابة القرآن الكريم في اللوح المحفوظ</span>\nثم قال: [وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩]، بعد أن أقسم على ذلك] .\nوبداية الآيات: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٥-٧٨]، أي محفوظ، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩] .\nفما هو هذا الكتاب المكنون الذي (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)؟ اختلف العلماء فيه على قولين: قيل: إنه القرآن، أي: المصحف، وقيل: إنه المكتوب في اللوح المحفوظ، وهذا هو الراجح، ولهذا قال: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] .\nفهذا خبر في أن هذا القرآن في ذلك اللوح المحفوظ، وأن ذلك اللوح المحفوظ لا يقربه إلا المطهرون، وهم الملائكة، لكن على القول الأول أنه المصحف فقد يمسه غير المطهر، بل قد يمسه المشرك، فهذا يرجح أن المقصود بالآية أنه مكتوب في اللوح المحفوظ.\nإذًا لما كان مكتوبًا في اللوح المحفوظ ومسطرًا بحروفه وكلماته فهو كلام الله ﷾.","vol":"7","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>الحروف المقطعة في القرآن الكريم</span>\nثم قال: [وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١-٢]، وافتتح تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة] .\nأراد المصنف رحمه الله تعالى بهذا الكلام أمرين: أحدهما: أن ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، حروف، وهي من كلام الله، وداخلة في القرآن.\nوكذلك أيضًا: ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١-٢]، وكذلك ﴿ن﴾ [القلم:١]، ﴿الم﴾ [البقرة:١] إلى آخره.\nوقوله: (وافتتح الله تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة)، أي: أن كل هذه السور افتتحت بهذه الحروف المقطعة، وذكر الله ﷾ القرآن بعد كل حروف مقطعة من هذه السور، إلا في موضع واحد، فمثلًا: قال تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢]، وقال: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١]، وقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١]، وقال: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١]، وقال: ﴿حم﴾ [الأحقاف:١]، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [الأحقاف:٢]، وهكذا كل السور بعد الحروف المقطعة ذكر فيها القرآن العظيم، وهذا دليل على أن هذه الحروف هي كلام الله، وعلى أن المقصود -والعلم عند الله تعالى- من هذه الحروف: بيان إعجاز القرآن العظيم، وكأن الله يقول للمشركين: هذه هي الحروف، ومع ذلك هذا القرآن العظيم من عند الله ﷾ وأنتم لا تستطيعون أن تأتوا بمثله، وهذا يدل على أن هذا القرآن حروف وكلمات، وأنه كلام الله تعالى.\nوأما الموضع الذي افتتحت فيه السورة بالحروف المقطعة ولم يذكر بعده القرآن فهي سورة مريم: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:١-٣] .\nفما ذكره بعضهم من أنه لم تذكر الحروف مقطعة إلا ويذكر فيها كلام الله يستثنى منه هذه السورة، وما قصده ابن قدامة رحمه الله تعالى واضح جدًا.\nنكتفي بهذا، ونستكمل -إن شاء الله تعالى- في الدرس القادم.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"7","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الأسئلة</span>","vol":"7","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>إطلاق لفظ (شيء) على جميع المخلوقات</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n من المعلوم أن الله خالق كل شيء، ولكن هناك أشياء غير محسوسة، فهل اللهجات أو اللغات محسوسة؟ وهل يطلق الشيء على كل شيء محسوس أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n أولًا: بالنسبة للهجات أو اللغات هي محسوسة، أما بالنسبة لعموم خلق الله ﷾ فيطلق عليها شيء، فالله ﷾ خالق كل شيء، وكل شيء موجود سواء كان من الأمور المحسوسة أو غير المحسوسة فهو مخلوق لله ﷾، وكل ما سوى الله ﷾ فهو مخلوق.","vol":"7","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>كتابة القلم للقرآن الكريم</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n قال النبي ﷺ: (أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: رب! وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، أو كما قال ﷺ، فهل كتب القلم القرآن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: رب! وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، أما بالنسبة لكلام الله ﷾ فكلام الله صفة من صفاته، وورد أن القرآن العظيم مكتوب مذكور في اللوح المحفوظ، فهل كتبه القلم في ذلك الوقت أم بعد ذلك هذا علمه عند الله ﷾.","vol":"7","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>تكليم الملائكة لله ﷿</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل للملائكة أن يكلموا الله ﷾ متى شاءوا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n بالنسبة للتكليم فإن كل إنسان يكلم ربه؛ فأنت إذا دعوت ربك ﷾ وقلت: يا ألله! يا رب اغفر لي، فأنت تكلم ربك، أما إذا كنت تقصد الكلام الذي يكلم الله فيه عبده حقيقة، فهذا لا يكون إلا من الله ﷾.","vol":"7","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>اندراس الإسلام في بعض الأماكن في هذه الأزمنة</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل ينطبق كلام حذيفة على تلك المجتمعات التي غابت عن الدين سنين طويلة، وغير ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نعم؛ غربة الدين قد تنطبق على بعض البلاد الإسلامية في بعض الأوقات، وحديث حذيفة الذي فيه: (يدرس الإسلام في آخر الزمان كما يدرس وشي الثوب؛ حتى لا يعرف الناس ما صلاة ولا صيام ولا حج ولا صدقة، ولا يعرفون إلا كلمة (لا إله إلا الله)، فسئل حذيفة: هل تنفعهم لا إله إلا الله؟ فقال: نعم، تنفعهم لا إله إلا الله)، فنقول: نعم، قد يندرس الإسلام في بعض البلاد، وقد اندرس، وأقرب مثال على ذلك ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي، فإن الإسلام هناك كان منتشرًا في كثير من الجمهوريات، ولكن على مدى حكم الشيوعية سبعين عامًا كاد الإسلام أن يندرس؛ حتى إن الناس هناك في كثير من أحوالهم لا يعلمون من الإسلام إلا قليلًا.","vol":"7","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>حكم تكفير الخوارج</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل الخوارج كفار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n اختلف العلماء في كفرهم، والصحيح أنهم لا يكفرون؛ فقد سئل عنهم علي بن أبي طالب ﵁: أكفار هم؟ قال: (من الكفر فروا)، فهم وقعوا في بدعة التكفير، فلا نقع نحن في بدعة التكفير فنكفرهم، هذا هو القول الراجح إن شاء الله تعالى، وإن كان يطلق على بدعهم أنها بدع كفرية.","vol":"7","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>حكم كتابة القرآن كتابة إملائية</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل يجوز كتابة القرآن مرة أخرى حسب كتابتنا التي في الوقت الحاضر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n إذا كان المراد كتابة القرآن كاملًا فلا يجوز كتابته بالرسم الحديث، بل الواجب كتابته بالرسم العثماني ولو خالف الرسم الإملائي الحديث؛ لأن القراءات مرتبطة بالخط العثماني، وليست مرتبطة برسومنا نحن واصطلاحاتنا المتأخرة، فمن الواجب أن يبقى الخط العثماني تكتب به المصاحف، وألا يغير أبدًا، أما إذا كتب الإنسان آية ضمن كتاب معين أو ضمن صفحة من الصفحات أو نحو ذلك، فلا بأس بأن يكتبها بالرسم العثماني أو يكتبها بالرسم الحديث.","vol":"7","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>تفاوت أجر الذين يقرءون القرآن</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل تضعيف الحسنات خاص بمن يتلو القرآن من دون لحن، كما قال المؤلف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا شك أن قارئ القرآن مأجور، لكن الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به له أجر أكبر، كما ثبت في الحديث: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران)، فالأجر ثابت، لكن الماهر بالقرآن أكثر وأعظم أجرًا عند الله ﷾.","vol":"7","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٨]</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون رؤية المؤمنين لربهم ﷿ يوم القيامة، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، ويؤمنون أن رؤية الله ﷿ هي أعظم نعيم أهل الجنة، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ، ويردون على من أول ذلك.\nومن عقيدتهم أيضًا الإيمان بالقضاء والقدر، وأنه سر الله في خلقه، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فعلى العبد الرضا والتسليم.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>فضل قراءة القرآن وحكم من أنكر شيئًا منه</span>","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>خسارة من يتعجل أجر تلاوته في الدنيا</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن موضوع القرآن: [وقال النبي ﷺ: (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة)، حديث صحيح] .\nقول ابن قدامة رحمه الله تعالى عن هذا الحديث: (حديث صحيح) هذا قول مرجوح، ولعل المصنف رحمه الله تعالى اختلط عليه هذا الحديث بالحديث الآخر الصحيح الذي يقول فيه النبي ﷺ: (من قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: «الم» حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، وهذا الحديث رواه الترمذي، وهو حديث صحيح.\nأما الحديث الذي أورده المصنف هنا وفيه: (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة)، ثم قال فيه: (حديث صحيح) فهذا الحديث رواه الطبراني وغيره، وفي سنده رجال ضعفاء، ومن ثمَّ فإن الحديث ضعيف.\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ﵊: (اقرءوا القرآن، قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجرهم ولا يتأجلونه)] .\nهذا الحديث رواه الإمام أحمد وغيره، وهو حديث صحيح الإسناد، وهذا الحديث رواه سهل بن سعد الساعدي ﵁.\nوقوله: (إقامة السهم) يعني: أنها إقامة قوية صحيحة دقيقة، يعني: أنهم يقرءونه ويتلونه تلاوة طيبة جيدة مجودة، ولهذا قال: (يقيمون حروفه إقامة السهم)، لكن قال ﵊: (لا يجاوز تراقيهم)، والترقوة: هي الحلق، يعني: لا يجاوز حلوقهم، ولماذا لا يجاوز حلوقهم؟ لأنهم لا يتلونه لله ﷾، وإنما يتلونه ليقال: فلان قارئ فلان مقرئ فلان مجود فلان ما أحسن قراءته ما أطول تلاوته! كما هو مشاهد في الأزمنة المتأخرة؛ حيث صار التنافس على القراءة وعلى تجوديها وعلى ما يتعلق بها، بل صار هذا التنافس كبيرًا، ومن ثمَّ وقع بعض هؤلاء القراء في أنهم يتعجلون أجرهم في الدنيا، بأن يريد الواحد منهم أن يقال عنه في الدنيا: إنه قارئ مجود.\nوقوله: (ولا يتأجلونه)، أي: لا يقرءون القرآن يقصدون به وجه الله ﷾، ويطلبون فيه الأجر من الله ﵎ يوم القيامة، وهذا مثل بعض الناس الذي يفعل بعض الأمور يريد أجره عاجلًا، فمثلًا: بعض الناس يصبح تاجرًا أو غنيًا، فيتصدق بالصدقات يريد أن يحمى ماله فقط، وليس له هدف من الصدقة إلا أن تحمي ماله، أو أن تشفي مريضه، ولا يريد بذلك الأجر والثواب عند الله ﷾، فهذا يعجل له ثوابه في الدنيا، لكن لا يجد ثواب صدقته يوم القيامة.\nوكذلك أيضًا هذا الصنف من القراء يقرأ أحدهم القرآن يريد الشهرة في الدنيا، ولا يريد الأجر والثواب عند الله ﷾، فهذا قد يعجل له ثوابه في الدنيا، فينال بذلك شهرة وسمعة وثناءً ومنزلة إلى آخره، لكنه يوم القيامة لا يجد أجر ذلك وثوابه عند الله ﷾.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>فضل إعراب القرآن وتلاوته</span>\nقال المصنف ﵀: [وقال أبو بكر وعمر ﵄: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه)] .\nأي: أن كون الإنسان يعرب القرآن ويتلوه تلاوة صحيحة أحب من أن يحفظه على خطأ في الإعراب، وكون الإنسان يحفظ قليلًا من القرآن حفظًا متقنًا وهو ماهر به أفضل من أن يحفظ هذا القدر أو أكثر منه وهو غير متقن له، وما روي عن أبي بكر وعمر رواه ابن الأنباري في كتابه المشهور (الوقف والابتداء)، لكن إسناده إلى أبي بكر أو عمر ضعيف.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>حكم من كفر بحرف من القرآن الكريم</span>\nثم قال المصنف: [وقال علي ﵁: (من كفر بحرف فقد كفر به كله)] .\nهذا الكلام لـ علي بن أبي طالب مروي عنه بسند صحيح، رواه عنه ابن أبي شيبة في المصنف، وأيضًا رواه عنه ابن جرير في مقدمة تفسيره، وهو أثر موقوف صحيح إلى علي بن أبي طالب ﵁، وما دل عليه قول علي ﵁ وأرضاه صحيح.\nولهذا قال المصنف رحمه الله تعالى بعد ذلك: [واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف] .\nفقول علي ﵁ وأرضاه: (من كفر بحرف فقد كفر به كله) قد أجمع العلماء على أن من كفر بحرف من القرآن متفق عليه -أي: اتفق عليه العلماء- ثم أنكره فهو كافر، وهذا يشبه من أنكر القرآن كله أو سورة من سوره أو جزءًا من أجزائه، وهذه قضية واضحة جدًا شبيهة بقولنا: من كفر برسول ورد ذكره في القرآن فقد كفر بجميع الرسل، فلو أن إنسانًا آمن بالرسل جميعًا وصدق بهم واتبع محمدًا ﷺ ثم إنه قال: أنا لا أؤمن برسالة نبي الله صالح أو نبي الله هود أو غيرهما من الأنبياء فإنه يكون كافرًا، بل هو كافر بجميع الرسل؛ لأن السبب الذي من أجله آمن ببقية الرسل موجود في صالح أو في هود، فإذا كفر بواحد فكأنه كفر بالبقية، وكذلك هنا من كفر بحرف من كتاب الله تعالى مجمع عليه فقد كفر بالقرآن كله؛ لأن السبب الذي من أجله أيقن بأن بقية حروف في القرآن كلام الله موجود في هذا الحرف الذي أنكره، فإذا أنكر هذا الحرف فكأنه أنكر القرآن كله، وهذا بإجماع المسلمين، ولم يخالف في ذلك أحد.\nوقوله: (واتفق المسلمون على عد سور القرآن)، يقولون: في القرآن مائة وأربع عشرة سورة، ويعددون آياته، ويعددون كلماته، بل ويعددون حروفه، حتى ذكروا عدد حروف القرآن من أوله إلى آخره، وهذا كله دليل على أن القرآن حروف وكلمات، وهذه القضية أراد المصنف أن يبين بها أن مذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله، وأنه حروف وكلمات، وهذا بخلاف ما ذكره المبتدعة من الأشعرية والماتريدية وغيرهم ممن سار على طريقتهم في قولهم: إن القرآن كلام الله، لكن ليس بحروف، فأما أهل السنة والجماعة فيثبتون أنه حروف، وقد سبقت الأدلة على ذلك.\nوقوله: (ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر)، وهذا لا شك فيه، وهو مقرر في كتب العلماء رحمهم الله تعالى.\nوقوله: (وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف) أي: أن المصنف في هذا الكلام الأخير وفيما قبله مما ذكرناه في الدرس السابق أراد أن يقرر هذه القضية في مذهب أهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى وفي القرآن خاصة، ويبين أن كلام الله تعالى حروف، وبهذا يكون المصنف رحمه الله تعالى قد أنهى الكلام في مسألة بعض أسماء الله وصفاته، وما يتعلق منها بقضيتين كبيرتين: إحداهما: قضية العلو لله تعالى.\nوالثانية: قضية إثبات كلام الله تعالى، ومنه الكلام في القرآن.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>الكلام على مسألة رؤية الله ﷿</span>","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>إثبات رؤية المؤمنين لربهم ﷿ يوم القيامة</span>\nثم انتقل المصنف إلى قضية أخرى لها علاقة بالصفات، لكنها قضية مستقلة، فقال رحمه الله تعالى: [فصل: والمؤمنون يرون ربهم بأبصارهم، ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه] .\nفي هذا الفصل ذكر المصنف قضية من قضايا عقيدة أهل السنة والجماعة، ألا وهي إثبات رؤية المؤمن لربه، وأن الله يرى، وهذا لا يخالف فيه أحد إلا الجهمية الغلاة.\nوالمقصود بقوله: (بأبصارهم) أنهم يرونه رؤية حقيقية، وليست رؤية قلب، ولا رؤية فؤاد، ولا رؤية تعقل وتفكر، وإنما هي رؤية عيانية بصرية، فالمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة، ويرون ربهم أيضًا في الجنة، نسأل الله العظيم الكريم من فضله.\nوأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الرؤية ويقررونها، وقد ذكروا هذه العقيدة وأدلتها في جميع كتب أهل السنة والجماعة، ولم يؤلف أحد في العقيدة قديمًا وحديثًا إلا وذكر قضية الرؤيا، وأن المؤمنين يرون ربهم ﷿، وقد دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والأحاديث الواردة في الرؤية متواترة، وقد أفرد لها بعض العلماء مؤلفات، فممن أفرد لها الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى؛ فإن له كتابًا اسمه (الرؤية)، وهذا الكتاب مطبوع، وأيضًا ممن أفرد لها كتابًا الآجري؛ فإنه كتب كتابًا اسمه: (التصديق بالنظر إلى الله في الآخرة)، وهذا الكتاب أيضًا مطبوع، وغيرهم ذكروا الرؤية ضمن كتب عقائد أهل السنة والجماعة.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>ذكر المخالفين في مسألة الرؤية</span>\nقبل أن نذكر الأدلة نذكر الذين خالفوا في باب الرؤية، فالذين خالفوا في باب الرؤية هم المعتزلة، وسار على منهاج المعتزلة الرافضة؛ فإنهم ينكرون الرؤية تمامًا، وكذلك الزيدية، وكذلك الإباضية ونحوهم من طوائف الخوارج؛ فإنهم أيضًا ينكرون الرؤية.\nأما بالنسبة لغلاة الجهمية والفلاسفة وغيرهم فإنهم ينكرون ما هو أكبر من الرؤية، وأما بقية طوائف أهل السنة المنتسبين إلى السنة فإنهم يثبتون الرؤية في الجملة، فيثبتها أهل السنة، ويثبتها الأشاعرة، ويثبتها الماتريدية، ويردون على المعتزلة في ذلك.\nوالأشاعرة والماتريدية وإن ألفوا كتبًا في إثبات الرؤية وردوا بها على المعتزلة إلا أن نفيهم لعلو الله ﷾ أوقعهم في ورطة فيما يتعلق بإثبات الرؤية؛ لأن المعتزلة قالوا لهؤلاء الأشاعرة: لا يمكن أن تصح الرؤية إلا بإثبات العلو أما إذا نفيتم علو الله، وأثبتم الرؤية، وكانت الرؤية بلا مقابلة، فمعنى ذلك: أنكم تثبتون رؤية علمية، وهذه لا نخالفكم فيها، وبلا شك أن ما ذهب إليه الأشاعرة والماتريدية في هذه القضية مخالف لمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فإثباتهم للرؤية وإنكارهم للعلو فيه تناقض، فهم إما أن يثبتوا أن المؤمنين يرون ربهم، ويرفعون أبصارهم في الجنة فيرونه ويكلمهم ويكلمونه، وبذلك يثبتون الرؤية ويثبتون العلو، أو يسلكوا مسلك المعتزلة الذين نفوا الأمرين جميعًا؛ حيث نفوا العلو لله ﷾، وعلى إثره نفوا رؤية الله ﷾، وحملوه على الرؤية العلمية أو نحوها.\nأما أهل السنة والجماعة فهم الذين وفقهم الله ﷾ بسلوك المنهج الحق.\nقول المصنف هنا: (ويزورونه)، سبق قبل درسين إيراد الحديث الوارد في لفظ الزيارة، وبيان أنه حديث ضعيف.\nوقوله: (ويكلمهم ويكلمونه)، أيضًا سبق الكلام عنه، لكن في هذا إثبات لكلام الله تعالى، وأنه تكليم بمشيئته وإرادته، وهذا رد على الذين يقولون: إن صفة الكلام أزلية، وأن الله لا يتكلم إذا شاء، فكون المؤمنين يرون ربهم في الجنة ويكلمهم ويكلمونه في ذلك الوقت يدل على أن تكليم الله لهم إنما هو خاص في ذلك الوقت، أي: يوم القيامة، فتكليمه لهم وهم في الجنة يدل على أن صفة الكلام لله ﷾ هي بإرادته ومشيئته، وليست قائمة بنفسه أزلية، كما يدعيه الأشاعرة وغيرهم، وهذا واضح، وقد سبق بيانه.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>الأدلة على إثبات رؤية الله من القرآن</span>\nثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى الأدلة على إثبات الرؤية من كتاب الله تعالى فقال: [قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]] .\nقوله: (نَاضِرَةٌ) من النضرة والنور والضياء، وقوله: «إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) أي: تنظر إلى ربها ﷾، وهذه الرؤية هي الرؤية العيانية البصرية التي يثبتها أهل السنة والجماعة.\nوما تأوله المتأولة بقولهم: إن المقصود أنها إلى ثواب ربها ناظرة، أي: منتظرة، فهذا تأويل ضعيف جدًا؛ لأن لفظ (نظر) إذا عدي بـ (إلى) كما في هذه الآية: فإنه لا يكون إلا في باب النظر البصري العيني، وإذا عدي بـ (في) فيكون بمعنى التفكر، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأرض﴾ [الأعراف:١٨٥]، لكن قوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام:٩٩]، المقصود بالنظر هنا البصر، أي: انظروا إلى ذلك الثمر، ومن ثمَّ فإن الآية نص صريح في إثبات الرؤية، وقد قال بتفسيرها جماهير السلف رحمهم الله تعالى؛ فإنهم فسروها على أن المقصود بها: الرؤية، أما تأويلها بغير ذلك فهو تأويل باطل وضعيف.\nثم قال المصنف: [وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق] .\nهذا الاستدلال والاستنباط من هذه الآية استنبطه عدد من علماء أهل السنة، ومنهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى؛ فإنه احتج بهذه الآية على إثبات الرؤية؛ لأن الله تعالى يقول في سورة المطففين عن المشركين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فذكر الله ﷾ من ضمن عذابهم أنهم يحجبون عن ربهم ﵎، وهذا الحجاب لو كان شاملًا للكفار وللمؤمنين لما صار بالنسبة للكفار عذابًا وسخطًا من الله ﷾، ولقال قائل: وما الفرق أيضًا؛ فالمؤمنون محجوبون عن ربهم والكفار محجوبون عن ربهم؟ فلماذا هذا التهديد والوعيد؟! إذًا: استنتجوا من هذا التهديد وهذا الوعيد أن هؤلاء الكفار معاقبون بالحجاب، وأنهم لا يرون ربهم ﷾، وعلى ضوء ذلك فإن مقابلهم من المؤمنين الصادقين لا يحجبون عن ربهم ﷾، وإنما يرونه وينظرون إليه، وهذا دليل صحيح وقوي، وهذا استنتاج دقيق وصحيح.","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>الأدلة على إثبات رؤية الله من السنة</span>\nثم قال المصنف: [وقال النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته) حديث صحيح متفق عليه] .\nوردت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله ﷺ وعن عشرات من الصحابة كلهم يروون أحاديث الرؤية، فهي أحاديث متواترة، والنبي ﷺ نوع الأدلة على ذلك، منها قوله ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، فسأله بعض الصحابة: يا رسول الله! كيف نرى ربنا ونحن جميع وهو واحد؟! فقال لهم رسول الله ﷺ: هذا القمر إذا لم يكن بينكم وبينه سحاب هل تضامون في رؤيته؟) .\nفالجميع يرون القمر، ولا يجدون مشقة في رؤيته وإن كانوا جميعًا، بل يراه الألوف المؤلفة، بل آلاف الملايين لو اجتمعوا لرأوا القمر، ومن ثمَّ فإن النبي ﷺ أثبت في هذه الأحاديث أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانًا كالقمر، وقد ورد أن المؤمنين لا يجدون ألذ ولا أنعم ولا أطيب من رؤية الله ﵎؛ فالجنة وما فيها من النعيم الذي لم يخطر على بال أحد أبدًا؛ فيها أنهار من ماء، ومن خمر، ومن لبن، ومن عسل، وفيها القصور، وفيها شجرة طوبى يسير الراكب تحت ظلها مسافة كذا وكذا، وفيها نعيم مقيم، وفيها الحور العين كأنهن الياقوت والمرجان، وفيها من أنواع النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفيها الخلود وعدم الحزن، ومنها الرضا، فكل هذا النعيم في الجنة يكون النظر إلى وجه الله الكريم ألذ منه وأطيب، نسأل الله الكريم من فضله، وأسأل الله ﷾ ألا يحرمنا جميعًا من النظر إلى وجهه الكريم؛ فإن النعيم المقيم هو النظر إلى وجه الله الكريم.\nإنها نعمة كبرى وعظيمة جدًا أن يشتاق الإنسان إلى ربه ﷾، لكن من هو الذي يتلذذ بذلك النظر، إنهم المؤمنون، كما قال ﷺ: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)، والذي يحب لقاء الله هو الذي عمَّر آخرته وعمل بما أمره الله به، واجتنب ما نهى الله عنه، وآثر الباقية على هذه الدنيا الفانية، ونظر إلى حقارتها وإلى تنافس منافسيها وإلى نكدها وضيق عيشها، وكونها إذا أفرحت أحزنت وإذا أحزنت أفرحت، وعلم أنها لا تدوم على حال فلم يلتفت إليها، وإنما التفت إلى ما عند الله ﷾، فإذا جاء يوم القيامة يأتي آمنًا مطمئنًا، وإذا كان من أهل الجنة ينعم ذلك النعيم العظيم برؤية الله ﷾، إنها والله حقيقة لا شك فيها.\nووالله إن رؤية المؤمنين لربهم عيانًا بأبصارهم يوم القيامة حق لا شك فيه، كما قال ﷿: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣]، إنه لحق مثلما أننا نؤمن بأننا موجودون أحياء، فكيف لا يعمل الإنسان لذلك؟! والرسول ﷺ في أحاديث كثيرة كان يربي أصحابه ويعلمهم، وينقلهم إلى الآخرة، ومن ضمن ذلك هذا الخبر الصادق الذي لا شك فيه: (إنكم سترون ربكم ﷾)، ولهذا فإن النبي ﷺ شبه رؤية الله برؤية القمر؛ لأمور: أولها: سهولة الرؤية إذا أراد الله ﷾.\nثانيها: أن كثرة الناس وكثرة أهل الجنة لا تمنع من رؤية الله ﷾.\nثالثها: أن الرؤية بصرية حقيقية، ولهذا قال ﷺ: (كما ترون القمر ليلة البدر القمر ليس دونه سحاب)، حتى يؤكد هذه الرؤية العينية البصرية.","vol":"8","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>الرد على منكري الرؤية في استدلالهم بآية (لا تدركه الأبصار)</span>\nليس المقصود أن المؤمنين حين يرون ربهم أنهم يكيفونه، بل هو ﷾ لا تحيط به الأبصار، ولهذا قال ﷾: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، والمتأولة احتجوا بهذه الآية على أن الله تعالى لا يرى، وإذا كان المتأولة هم أهل اللغة فإن الرؤية غير الإدراك؛ فأصحاب موسى لما لحقهم فرعون كانوا يرونه، فلما خشوا أن يلحق بهم فرعون قالوا لموسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، فلو كان الإدراك بمعنى الرؤية لكان قولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] خطأ؛ لأنهم يرونهم، ففرعون وقومه يرونهم، ومع ذلك قال موسى ﵊: (كلا)، أي: لا ندرك، ولو كان المعنى (كلا لا نُرى) لكان الكلام أيضًا غير صحيح؛ لأنهم رأوهم ولم يدركوهم بإذن الله تعالى، وذلك لما أذن الله تعالى لموسى بأن يضرب بعصاه البحر.\nإذًا: أحيانًا أنت ترى الشيء ولا تدركه، بل القمر، أو الشمس، أو الكوكب، أو الجبل العظيم نراه، لكن لا ندركه.\nإذًا: قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] آية عظيمة دالة على الرؤية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فإنه قال في أحد مقاماته: ما احتج النفاة بدليل إلا ودل على ضد قولهم، فهذه الآية: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] احتج بها المعتزلة وهي دليل على ضد قولهم؛ لأن قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] نفي، والله ﷾ لا يوصف إلا بما يتضمن مدحًا، فلو كان المعنى أنه لا يُرى أبدًا لم يكن ذلك مدحًا، لكن لما قال: (لا تُدْرِكُهُ) دل على أن نفي الإدراك مع ثبوت الرؤية هو أعظم المدح لله ﷾، فدلت الآية على هذا.","vol":"8","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>الرد على منكري الرؤية في استدلالهم بآية (لن تراني)</span>\nومثله الآية الأخرى لما قال موسى لربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فهذه الآية أيضًا احتج بها المعتزلة، وقالوا: إن قوله: (لن تراني)، يدل أنه لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، وهذه الآية حجة عليهم من عشرة أوجه ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكرها شارح الطحاوية ابن أبي العز رحمه الله تعالى.\nوأشير إلى وجهين فقط، وارجعوا إلى بقية الأوجه هناك: الوجه الأول: أن الله تجلى للجبل، كما قال: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، فالله تعالى تجلى للجبل فاندك، فهذا دليل على أن الله تعالى يُرى.\nالوجه الثاني: أنه لا يليق بكليم الله ﷾ موسى أن يطلب من الله ﷾ ما لا يليق، فموسى لا يمكن أن يطلب أمرًا غير ممكن، وإنما طلب أمرًا ممكنًا، ولكن الله أخبره أنه في الدنيا لا يستطيع أن يقوى عليه.\nوفعلًا فإن الله ﷾ لا يرى في الدنيا، وعلى هذا يكاد يكون إجماع العلماء، أي: أن الله تعالى لا يرى حقيقة في الدنيا، وقد ثبت في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)، والراجح أن رسول الله ﷺ أيضًا لم ير ربه بأم عينيه، وإنما رآه بفؤاده.\nولعل الحكمة في ذلك أن الناس في الدنيا لا يستطيعون أن يقووا على رؤية الله ﷾، لكن إذا كانوا عند الله ﷾ في الآخرة وفي الجنة، فإن الله ﷾ يعطيهم من القوة ما يثبتون ويقوون به على رؤية الله ﷾، وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه الأدلة الكثيرة.","vol":"8","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>رؤية الله ﷿ لا تستلزم التشبيه</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا تشبيه للرؤية، لا للمرئي؛ فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير] .\nهذا استدراك من ابن قدامة، هذا حتى لا يظن ظان أن قول النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر)، تشبيه لله بالقمر، والنبي ﷺ إنما أراد تشبيه مطلق الرؤية، أي: كما أنكم ترون القمر فإنكم أيضًا ترون الله، ولم يقصد تشبيه المرئي بالمرئي، وإنما قصد بيان الرؤية، وأنها حقيقية، أما المرئي -وهو القمر- فإنه لا يشبه الله؛ فإن الله ﷾ لا شبيه له ولا نظير من مخلوقاته ﷾، وهذه قضية واضحة جدًا.","vol":"8","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>الإيمان بالقدر</span>\nثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى فصل آخر، فقال: [فصل: ومن صفات الله تعالى: أنه الفعال لما يريد] .\nوهذا ربط من المصنف رحمه الله تعالى لمسألة القدر بمسألة صفات الله ﷾، ونحن نعلم أن توحيد الله تعالى في ربوبيته وأسمائه وصفاته هو مقتضى الإيمان بالقدر، والإيمان بعلم الله، والإيمان بصفة الإرادة، والإيمان بأن الله هو الخلاق العليم خالق كل شي.","vol":"8","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>مراتب القدر</span>\nفالإيمان بأسمائه وصفاته ﷾ مرتبط بالإيمان بالقضاء والقدر، ولهذا قال رحمه الله تعالى: [ومن صفات الله تعالى: أنه الفعال لما يريد لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته] .\nفمن صفات كماله ﵎ أنه عليم أحاط علمه بكل شيء، فعلم ما كان وما لم يكن، وما سيكون، وما هو كائن، علم ﷾ كل شيء مما سبق، ومما سيأتي، وهذا هو علمه المحيط بكل شيء، وهذه أولى مراتب القدر الأربع التي ربما يعرض لبعضها المصنف.\nالمرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، فإن الله ﷾ كتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، ولهذا ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: رب! وما اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، وفي الحديث الآخر الصحيح أيضًا: (قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، رواه مسلم.\nفهذه أدلة دالة على أن الله كتب، وفي القرآن العظيم أيضًا أدلة على أن الله ﷾ كتب ذلك، منها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، والأدلة على إثبات الكتابة كثيرة جدًا.\nالمرتبة الثالثة من مراتب القدر هي: مرتبة المشيئة والإرادة، أي أن مشيئة الله الكونية القدرية شاملة ومحيطة بكل شيء، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو الذي شاء وأراد كل ما هو موجود، وكل ما سيأتي فالله ﷾ أراده وشاءه كونًا، وهذه أيضًا أدلتها كثيرة جدًا، منها قوله ﷾: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، وقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] .","vol":"8","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>أقسام الإرادة</span>\nوقول المصنف رحمه الله تعالى: (ومن صفاته أنه الفعال لما يريد)، أي أنه ﷾ كما وصف نفسه في القرآن فعال لما يريد، فهو ﷾ يفعل ما يشاء ويختار، وليس لأحد من الخلق اختيار ولا مشيئة إلا ما كان منها داخلًا تحت مشيئة الله ﷾.\nوهذه المشيئة الكونية هي المشيئة العامة الشاملة، وهنا أحب أن أنبه إلى قول المصنف: (أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته)، هنا الإرادة والمشيئة كلاهما بمعنىً، أي: أن المقصود بهما الإرادة الكونية؛ لأن المشيئة لم ترد في كتاب الله تعالى إلا كونية.\nأما الإرادة فإنها وردت في كتاب الله تعالى وفي السنة على قسمين: القسم الأول: الإرادة القدرية التي هي مرادفة للمشيئة، وهذه هي الإرادة الكونية الشاملة، وهي المقصودة هنا من كلام المصنف.\nالقسم الثاني من الإرادة: الإرادة الشرعية، وهذا الإرادة الشرعية مختصة بما يحبه الله تعالى ويرضاه من أمور الشرع، ولهذا فإن الله تعالى يريد منا الصلاة، والتوحيد، والعمل الصالح، ولا يريد منا ترك الصلاة، ولا الشرك، ولا العمل الفاسد المخالف لأمره ﷾.\nفنقول: هذا يريده الله، أي: يريده شرعًا، وهذا لا يريده الله، أي: لا يريده شرعًا لأنه من المعاصي، ودليل هذا من كتاب الله تعالى قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فهذه الإرادة في هذه الآية المقصود بها الإرادة الشرعية، ولا مدخل لها هنا في باب القضاء والقدر، وإنما لها علاقة من طريق سنعرض له فيما بعد إن شاء الله تعالى.\nأما القسم الثاني من الإرادة -وهي التي قصدها المصنف هنا- الإرادة المرادفة للمشيئة، وهي الإرادة الشاملة لكل شيء، فكل شيء يقع في هذا الوجود: وجود الكفار، والمنافقين، والمؤمنين، ووجود العصاة، ووجود الطاعات وغير ذلك، كله بإرادة الله الكونية، وبمشيئته الكونية، وسيوضح المصنف ذلك بعد قليل إن شاء الله تعالى.\nوقوله: (أنه الفعال لما يريد)، قال سبحانه عن نفسه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فهو ﷾ الذي خلق السماوات والأرض، وأوجدنا، وكلفنا، وأنزل علينا، فهل لنا إرادة في ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا، وهل لأحد من الخلق إرادة في هذه الأمور كلها؟ الجواب: لا، وإنما الإرادة الكاملة لله ﷾، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذا يدل على تفرده بالربوبية، فتفرده بالخلق والإرادة والتدبير مقتضٍ لربوبيته ﷾، وأنه وحده الرب الخالق المنعم المتفضل.\nولهذا قال المصنف هنا: (لا يكون شيء إلا بإرادته)، أي: إرادته الكونية.\nوقوله: (ولا يخرج شيء عن مشيئته)، هذا كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩]، فالإنسان له مشيئة، لكنه لا يستطيع أن يخرج عن مشيئة الله القدرية الكونية؛ ولهذا قال: ولا يخرج شيء عن مشيئته.\nوقوله رحمه الله تعالى هنا: (شيء) هذا لبيان العموم؛ حتى يدخل في ذلك المكلفون من البشر، وغير المكلفين من الحيوانات، أو من الجمادات أو غير ذلك، فلا يخرج شيء عن مشيئته، ولهذا لما خلق الله ﷾ السماوات والأرض قال لهما: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، فلا يخرج عن ربوبيته وتقديره أحد؛ حتى الكفار، ولهذا تجد أن الكفار وغير الكفار على حد سواء في خضوعهم لهذه المشيئة القدرية، فهؤلاء جميعًا يوجدون ويخلقون ويعيشون، وتختلف أشكالهم، وألوان أبدانهم، وطولهم، وقصرهم، ورزقهم، وتنفسهم، ومعيشتهم، وسكنهم، ووفاتهم، كل هذه الأمور لا يملكون منها شيئًا، فمن هو الذي يتصرف فيهم كما يشاء، ولا يخرج أحد منهم عن مشيئته وإرادته؟ إنه الله ﷾.","vol":"8","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>وجوب الإيمان بالقضاء والقدر والكفر بتأثير الكواكب والبشر</span>\nثم قال: [وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره] .\nفتقديره الكوني لا يخرج عنه أحد، فكل ما جرى، وكل ما هو جارٍ الآن، وكل ما سيجري فهو بتقدير الله ﷾، ومن ثمَّ فإن الإيمان بالقضاء والقدر هو أساس الإيمان، وأساسه إيمان العبد بربه ﵎.\nومن هنا قال المصنف: [ولا يصدر إلا عن تدبيره] .\nفهو المدبر لكل شيء يجري، أما ما يزعمه بعضهم من أن بعض الملائكة أو بعض الخلق: من ولي، أو رسول، أو نجم أو غير ذلك، له تدبير، فكل ذلك باطل، بل التدبير لله ﷾؛ لأن بعض المشركين -ومن هنا دخل الشرك في عبادة النجوم وعبادة الكواكب، وعبادة الأولياء وغير ذلك- ظنوا أن بعض هؤلاء يملك من الأمر شيئًا، فتجد بعض الناس في حال فقره أو مرضه قد يظن أن من المخلوقات من يملك شيئًا! ولهذا يتعلق بعضهم بساحر، وبعضهم بكاهن، وبعضهم بولي، وبعضهم بصاحب قبر، وكثير منهم يتعلق بالنجم، والذي نجمه نجم الثور، أو نجمه نجم العقرب يتعلق بذلك، وينظر ماذا يقول المنجمون! ومن أين جاء نجم الثور ونجم العقرب وغير ذلك؟ جاء من مذهب الفلاسفة الذين يقولون: إن الله ليس متصفًا بصفات، وإن الله لا يعلم الخلق، وإن الله ليست له إرادة ولا تدبير، ومن ثمَّ فإن الله ﷾ بعيد عن الخلق، وليس له من أمرهم شيء، لا يعلم ماذا يصنعون! فقيل لهم: لمن التدبير؟ قالوا: التدبير للعقول، والأفلاك، والنجوم.\nفتعلقت نفوسهم بتلك النجوم، وقلدهم كثير من المسلمين، وتعلقت نفوسهم بهذه الأبراج، بينما هذا هو الشرك بالله العظيم، وهو شرك نشأ في دار العبودية والربوبية، أما المسلمون فإنهم يوقنون أن الله هو المدبر، كما قال تعالى عن نفسه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] ﷾! فهو كل يوم في شأن، يغفر ذنبًا يقبل توبة يشفي مريضًا يعين ضعيفًا يقوي قويًا يزيل ملكًا يصنع ملكًا، فهو ﷾ في كل يوم يفعل ما يشاء؛ فهو مدبر عليم محيط، هذا هو الإيمان بالقضاء والقدر، أما التعلق بغير الله تعالى فمنشؤه الاعتقاد في هذه المخلوقات من نجم أو ولي أو غيره، أن لها علمًا يحيط، أو أن لها تدبيرًا، وكل ذلك كفر بالله ﷾.\nومن هنا كان إيمان المؤمن بالقضاء والقدر يعصمه من أمور كثيرة، ربما نعرض لها إن شاء الله تعالى، وعلى رأسها عصمته في باب توحيد الربوبية الذي هو أساس وعمدة توحيد الألوهية.\nوثانيًا: عصمته في مسيرته في الحياة؛ لئلا يقع في نفسه تعارض بين القضاء والقدر، وبين الأمر والشرع، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.\nولهذا قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا محيد عن القدر المقدور] .\nأي: أن الجميع لا محيد لهم عما خط له في القدر المقدور، كما قال النبي ﷺ في وصيته لـ ابن عباس: (واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) .\nولهذا قال الصحابي الجليل عبادة بن الصامت ﵁ وأرضاه لابنه في مرض الموت: (واعلم يا بني! أنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك) .\nفمتى يكون المؤمن شاكرًا صابرًا؟ يكون شاكرًا صابرًا إذا رضي بالقضاء والقدر؛ فإن أصابته سراء شكر؛ لأنه علم أن هذا من الله، وبشكره يغفر الله له، ويرفع له درجته، وإذا أصابته الضراء علم أنه قضاء وقدر، فصبر؛ فيؤجر على ذلك، وليس ذلك إلا للمؤمن، هكذا أخبر الرسول ﷺ.\nوبقي في القدر موضوعات نكملها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"8","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٩]</span>\nيجب على كل مسلم ومسلمة أن يؤمن بقضاء الله ﷿ وقدره، فإنه لا يتم إيمان العبد إلا بذلك، كما أنه يجب أن يؤمن العبد أن الله ﷿ لا يفعل شيئًا إلا لحكمة، ولا يظلم أحدًا، ولذا فلا يجوز الاعتراض على القدر، أو الاحتجاج به على فعل المعاصي.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>الإيمان بالقضاء والقدر</span>","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>لا يكون شيء إلا بعلم الله ومشيئته</span>\nيقول ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه (لمعة الاعتقاد) بعد أن ذكر فصولًا سابقة: [فصل: ومن صفات الله تعالى: أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور] .\nهذا هو لب القدر وأساسه؛ لأن الله ﷾ هو خالق هذا العالم، خلقه بإرادته، ولم يوجد هذا العالم رغمًا عنه كما يقول الفلاسفة: إنه آلة موجدة، تعالى الله عما يقولون، بل خلق هذا العالم وأوجده ﷾ بإرادته ومشيئته؛ لأنه ﵎ هو الأول الذي ليس قبله شيء.\nولما كان هذا العالم مخلوقًا له وحده لا شريك له، وخلقه بمشيئته وإرادته، كان هذا دليلًا على أن ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئته وإرادته ﷾، وهذه هي القضية الأولى في باب العقيدة، فإنها ترتبط بمرتبتين وأساسين هما صفتان كاملتان لله ﷾، ثبتت له كما يليق بجلاله وعظمته: الصفة الأولى: أن الله متصف بصفة العلم، قد أحاط بكل شيء علمًا، فهو علم أزلًا ما الخلق عاملون، وهو ﷾ يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما أخبر تعالى عن الكفار أنهم في يوم القيامة يطلبون الرجعة، ويقولون: لو أرجعتنا إلى الدنيا لآمنا واهتدينا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، وليس هذا من باب التقدير، وإنما هو من باب العلم اليقيني لله ﷾، فإنه يعلم أنه لو رد هؤلاء إلى الدنيا مرة أخرى لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والشرك، مع يقينهم باليوم الآخر؛ لأنهم شاهدوه مشاهدة عيان، فهذا من باب العلم الإلهي الكامل، فإنه ﷾ يعلم ما كان وما يكون، ويعلم ﷾ ما لم يكن لو كان كيف يكون.\nوالصفة الأخرى لله ﷾ هي: صفة المشيئة والإرادة الكاملة، فهو ﷾ ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، ومن ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى هنا: (ومن صفاته: أنه الفعال لما يريد)، والفعال لما يريد هو الذي لا يحد قدرته حاد، ولا يوجه إرادته موجه، فهو يفعل ما يشاء ويختار، ومن إرادته ﷾ أن خلق هذا العالم، ومن مشيئته وإرادته أن أوجد الناس على هذه الصفة وهذه الحالة، وابتلاهم واختبرهم، فهو ﷾ هو الذي خلق آدم، كما قال سبحانه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، وهو ﷾ الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملًا.\nإذًا: وجود هذا العالم على هذه الصفة ووجودنا نحن البشر على هذه الصفة هو بإرادته ﷾، ولو أنه ﵎ أراد غير ذلك لكان، أي: لو أراد ﷾ أن يجعل الناس كلهم مهتدين مستقيمين مؤمنين لا يعصون الله أبدًا لوقع ذلك، كما قال ﵎ مخاطبًا رسوله ﷺ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى:٨] .\nإذًا: وجود الخلق على هذه الصفة وهذا الابتلاء والامتحان، واختلاف أعمارهم، واختلاف أرزاقهم، واختلاف ألوانهم، واختلاف أديانهم، هو بإرادة الله ﷾، وهذه هي قضية القدر الأولى، فإن الله ﷾ هو الذي أراد أن يوجد الناس على هذه الحالة، ولو شاء لما وجدوا، ولو شاء لأوجدهم وجعلهم كلهم مؤمنين مهتدين مطيعين.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>لا يخرج شيء عن مشيئة الله تعالى</span>\nوجود الخير والشر، والطاعات والمعاصي، والمؤمنين والكفار، هو بإرادة الله ﷾، وهو ﷾ خلق ذلك وقدره لحكم عظيمة.\nولهذا يقول هنا: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته)، فكل ما يقع ويجري فهو بإرادة الله ﷾ ومشيئته الكونية، كما قال ﷾: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى:٨]، وقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩]، ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]، وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] .\nوكذلك أيضًا ما وراء ذلك من وجود المخلوقات، وإحيائهم، وموتهم، وآجالهم، وأرزاقهم، وهذه الدنيا، وهذه الأكوان، والبعث بعد الموت، كل ذلك بإرادة الله، ولا يكون لمخلوق فيها إرادة أبدًا.\nولهذا نجد أن هذه القضية يسلم بها الجميع، وقلما يوجد إنسان ينكرها، حتى الكفار يسلمون بها، ولقد كان مشركو الجاهلية يؤمنون بالقدر، ويصدقون بأن هناك أقدارًا، وكذلك أيضًا الكفار اليوم يعلمون أن هذه الأمور مقدرة قدرها الله ﷾، وأكبر دليل على ذلك أنهم قطعوا الأمل في أشياء؛ لأنهم علموا أن الله ﷾ قدرها وكتبها على الجميع، فمثلًا: الموت كتبه الله على الجميع، والخلق مهما بلغ طبهم وتقدمهم العلمي إلا أنهم يئسوا عن أن يصلوا إلى جعل الإنسان يبقى مخلدًا، أو يبقى زمنًا طويلًا يختلف عن الزمن العادي بالنسبة لأعمار الناس، ونحو ذلك.\nإذًا: هذا دليل على اليقين بأن هذا الأمر كتبه الله ﷾ على الجميع، ومن ثمَّ صاروا يفكرون بأمور أخرى.\nقال: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره) .\nفلا يخرج في هذا العالم شيء إلا وقد قدره الله ﷾، فوجود السماوات، ووجود الكواكب، ووجود هذه الأرض ببحارها بجبالها بحيواناتها بحشراتها بوحوشها برياحها بأشجارها بعبادها بإناثها بذكورها إلى آخره، كل ذلك بتقدير الله ﷾، ولا يخرج شيء عن تقديره الكوني السابق، ولا يصدر أحد إلا عن تدبيره ﷾.\nولهذا فإن الإنسان يفعل ويتحرك؛ لأن الله تعالى أعطاه إرادة، وأعطاه حرية، وأعطاه قدرة، لكنه لا يخرج في مجموع ذلك عن تدبير الله ﷾ وإرادته وقدرته.\nولهذا قال: (ولا محيد عن القدر المقدور)، وهذا صحيح؛ فكل إنسان لا يستطيع أن يحيد عما قدره الله ﷾ وكتبه عليه، وهذا يعلمه كل إنسان من حياته، فكم من أمور أراد الإنسان أن يمنعها فما استطاع؛ لأن الله ﷾ كتبها عليه وقدرها، وهذا الأمر يتساوى فيه المؤمنون والكفار.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>كتابة الله ﷿ كل شيء في اللوح المحفوظ</span>\nقال المصنف ﵀: [ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور] .\nأي: أن الله ﷾ كتب كل شيء في اللوح المحفوظ؛ فإنه سبحانه لما خلق القلم أمره أن يكتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة، وهذه هي المرتبة الثالثة من مراتب القدر، التي هي مرتبة الكتابة، فإن الله ﷾ كتب ما هو كائن في اللوح المحفوظ.\nفكل ما نصنعه، وكل ما نعمله فهو مكتوب عند الله ﷾، بل كل ما يجري من حركات الجمادات وغيرها مكتوب في اللوح المحفوظ، حتى الشجرة إذا سقطت منها ورقة بسبب الريح أو بسبب جفافها أو غير ذلك، فإن سقوطها في كتاب مبين، كما قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، أي: أن أي حبة، وأي رطب، وأي يابس، وأي ورقة تسقط، فكل ذلك في كتاب مبين، فكيف بفعل العباد، وأقوالهم، وحركاتهم، ومجيئهم، وذهابهم إلى غير ذلك؟! كل ذلك مكتوب مسطر، وهذه هي المرتبة الثالثة.\nإذًا: المرتبة الأولى هي العلم الأزلي المحيط بكل شيء: فالله يعلم ما أنت قائل أيها العبد! وما الذي ستختاره إذا أعطاك الله الاختيار؛ فإنه ﷾ يعلم سابقًا ما الذي ستفعله وتختاره.\nوالمرتبة الثانية: مرتبة المشيئة، وهي: أن الله ﷾ ما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن، ولا يخرج شيء عن مشيئته.\nالمرتبة الثالثة: الكتابة، وهي أن الله ﷾ كتب ما هو كائن في اللوح المحفوظ.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>إرادة الله ﷿ الكونية</span>\nيقول رحمه الله تعالى: [أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه] .\nوهذه قضية مسلمة، فكل ما يعمله العباد فإن الله أراده كونًا، والإرادة هنا في قوله: (أراد ما العالم فاعلوه) هي إرادة كونية، فكل ما فعله العباد، ووقع منهم فإن الله ﷾ أراده وقدره وشاءه كونًا، فأفعال العباد الواقعة منهم هي مرادة لله ﷾ إرادة كونية.\nوقوله: (ولو عصمهم لما خالفوه) أي: لو أن الله ﷾ أراد أن يعصهم عن العصيان والمخالفة لما خالفوا، والدليل على ذلك أن الله ﷾ خلق الملائكة وجعلهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فصاروا هكذا كما أراد الله لهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠]، فيسبحون ربهم أبدًا، ويطيعونه ليلًا ونهارًا؛ لأن الله أراد منهم ذلك.\nوكذلك أيضًا البشر لو أراد الله ﷾ منهم كونًا أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، ولم يبق منهم عاصٍ، كما قال ﷾: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥] .","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>خلق الله ﷿ لكل شيء ومنها أفعال العباد</span>\nقال المصنف: [خلق الخلق وأفعالهم] .\nوهذه هي المرتبة الرابعة من مراتب القدر، وهي مرتبة الخلق: أي أن الله ﷾ خالق كل شيء، كما قال تعالى في أكثر من آية: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالله ﷾ خالق لجميع هذه المخلوقات، ولا شريك له ﷾ في خلقه، ويدخل في ذلك أفعال العباد، فالله خالق العباد وأفعال العباد.\nوبذلك يرد على المعتزلة الذين يستثنون من خلقه أفعال العباد، فيقولون: العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، والله لا يخلق أفعال العباد، ومن ثمَّ ضل المعتزلة في باب القدر حين أنكروا مرتبة الخلق بالنسبة لأفعال العباد، وأنكروا مرتبة الإرادة، وجعلوا للعبد إرادة مستقلة، حتى قالوا: إذا اختلفت إرادة الله وإرادة العبد فالتي تقع هي إرادة العبد! فقول المصنف: (خلق الخلق وأفعالهم)، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة هو ﷾ خالق أفعال العباد، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وكما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، فيدخل في ذلك أفعال العباد.\nوبهذا يكون المصنف قد أشار إلى مراتب القدر الأربع التي عليها مدار القدر، وكلها مرتبطة بقضية الربوبية، فأولها: علم الله المحيط بكل شيء، ثم مشيئته الشاملة التي لا يخرج عنها أحد، ثم إنه تعالى كتب ما هو كائن في اللوح المحفوظ، ثم إن الله ﷾ خالق الخلق جميعًا، ومن ذلك أفعال العباد.\nوهذا هو الذي يؤمن به أهل السنة والجماعة ويقررونه، ويقولون: إن مقتضى وجود الإيمان بالقضاء والقدر في مثل قول النبي ﷺ في حديث جبريل: (وتؤمن بالقدر خيره وشره)، الإيمان بهذه المراتب الأربع.","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>الأرزاق والآجال مقدرة من عند الله ﷿</span>\nقال المصنف: [وقدر أرزاقهم وآجالهم] .\nفالله ﷾ كتب رزق كل عبد، كما في حديث ابن مسعود الصحيح: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد) .\nقوله: (بكتب رزقه)، أي أنه لا يأخذ الإنسان في هذه الدنيا إلا ما كتب له من الرزق، (وأجله) فإذا جاء أجله لا يتقدم ولا يتأخر، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، فلكل إنسان أجل محدد، حتى الذي قتل ظلمًا وعدوانًا قد انتهى أجله، خلافًا للمعتزلة الذين يقولون: إن المقتول لو لم يقتل لعاش.\nفنحن نقول: بل المقتول قد انتهى أجله، لكن الأسباب مختلفة، فهذا أجله ينتهي على فراشه، وذاك أجله ينتهي بالمرض، وهذا أجله ينتهي بالكبر، وهذا أجله ينتهي بالسقوط من علو، وهذا أجله ينتهي بأن يعتدي عليه معتدٍ فيقتله، لكن الكل أجلهم محدد لا يتأخر أبدًا.","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>تنزيه الله ﷿ عن الظلم، وإثبات أن كل فعله لحكمة</span>\nقال المصنف ﵀: [يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]] .\nوهذا لبيان قضية مهمة جدًا متعلقة بالقدر ألا وهي: أن الله ﷾ لا يظلم العباد؛ لأن الوهم قد يخطر أحيانًا عند الإنسان، فيقول: إذا أثبتنا هذه المراتب الأربع لله، وكان ما يفعله العباد مكتوبًا، فلماذا يعذب هؤلاء وينعم هؤلاء؟ ولماذا فرق بينهم؟ فنقول هنا: إن الله ﷾ يهدي من يشاء برحمته، فهو الذي يمن على عباده ويتفضل عليهم، فمن هداه الله ووفقه للهداية فهذه منة من الله، وقد يمن الله ﷾ بما هو أخص من ذلك، مثلما منَّ الله ﷾ على الرسل بإرسالهم، قال ﷿: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٥٤]، فهو الذي اختار هؤلاء الرسل، فإذا منَّ الله على رسول فلا يجوز لإنسان أن يعترض، ويقول: لماذا اخترت محمد بن عبد الله ﷺ أن يكون رسولًا، ولم تختر فلانًا أو فلانًا، كما قال بعض المشركين! إذًا: اصطفاء الله لرسله منة، وهداية الله لعباده منة، ومن ثمَّ فإن الذي هداه الله ﷾ يجب عليه أن يعترف بهذه المنة، وأن يشكر ربه ﷾ عليها شكرًا عظيمًا، ولهذا فنحن نحمد الله ﷾ أن جعلنا مسلمين، فليس بيننا وبين الله نسب، فهاهي أمم الأرض تموج؛ فيها الملاحدة، وفيها اليهود، وفيها النصارى، وفيها عباد الأوثان وغيرهم، ويبلغون الملايين، وتفوق أعدادهم أعداد المسلمين.\nإذًا: من منَّ الله عليه بالهداية فذلك برحمته.\nقوله: (ويضل من يشاء بحكمته)، هذا هو الشاهد، وهو أنه ﷾ يضل من يشاء، لكن له حكمة في ذلك، فهو ﷾ لا يظلم العبد، فقد أقام عليه الحجة، وأعطاه الإرادة والقدرة، وأنزل إليه الكتب، وأرسل إليه الرسل، حتى وضحت لديه المحجة، ووضح لديه الطريق.\nولهذا فإن مما يجب أن يقطع به أن الله ﷾ لا يظلم أحدًا؛ لأنه ليس بحاجة إلى الخلق، وهذه قضية ربما نشير إليها بعد قليل، لكن أشير هنا إلى أنه ﷾ يضل من يشاء بحكمته؛ فله الحكمة البالغة؛ لأنه هو الذي اختار أن يوجد أهل الضلال وأهل الإيمان، ولو شاء لجمعهم على الهدى، لكنه اختار أن يكونوا منقسمين هكذا لحكمة يريدها ﷾، فما هي هذه الحكمة؟ هذه الحكمة قد تكون سرًا من أسراره؛ فإن الله سبحانه له الإرادة المطلقة، كما قال عن نفسه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، ونحن قد نتلمس شيئًا من حكم الله ﷾ في ذلك، والله ﷾ خلق الخلق وأوجدهم على هذه الحالة لتظهر آثار العبودية، وآثار الطاعة، ولهذا تجد أن الله ﷾ لا يمكن أن يخلق شرًا محضًا لا خير فيه، وإنما يخلق الله ﷾ الشر النسبي؛ حيث يكون شرًا لبعضهم، لكنه خير لبعضهم الآخر.\nفمثلًا: إبليس شر، فقد يقال: لماذا خلق الله إبليس؟ فنقول: خلقه لحكمة أرادها، ونقول أيضًا: خلقه ليبتلي به عباده، فكيف يميز المطيع من العاصي، وكيف يكون الإنسان لربه مطيعًا، وكيف يكون أنين المذنبين، واستغفار المستغفرين، وعبادة العابدين، وتوبة التائبين لو لم يكن هناك ابتلاء وامتحان بإغواء إبليس؟! ولو نظرنا أيضًا إلى بعض مخلوقات الله لوجدنا أن لله فيها حكمة، فمثلًا: لو جاء واحد وقال: لماذا خلق الله الأفعى أو العقرب، وليس فيها خير أبدًا؛ بل إن ضررها كبير؟ فنقول: بل خلقها لحكم لا نعلمها، وإن كنا قد نلمس فيها شيئًا من الحكم، فقد يكون فيها أدوية وشفاء، وقد تكون سببًا للدغ إنسان فيكون شهيدًا، كما قال النبي ﷺ: (واللديغ شهيد) .\nإذًا: لا يوجد شيء خلقه الله ﷾ إلا وله فيه حكمة، وأذكر أن أحد الوعاظ دخل على أحد خلفاء بني العباس، فلما دخل عنده وجلس أمامه تسلط ذباب على الخليفة، وصار هذا الذباب يقع على أنف الخليفة، ثم يخرج فيرجع مرة ثانية، ويخرج ويرجع، ويخرج ويرجع، حتى ضاق منه.\nفقال هذا الخليفة لهذا الواعظ: لماذا خلق الله الذباب؟ فاستحضر الواعظ إجابة لطيفة قال له فيها: خلقه الله ليذل به أنوف الجبابرة! فأعطاه حكمة حاضرة لديه الآن أنه إن تكبر فهذا من أصغر المخلوقات يذله، والله ﷾ يقول في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ﴾ [الحج:٧٣] .\nإذًا: بنص القرآن أن الحكمة في خلق الذباب أن الله ﷾ جعله بلاءً، يبتلي به عباده المؤمنين، وهكذا في بقية ما خلقه الله ﷾.\nإذًا: هو ﷾ يضل من يشاء بحكمة، لكنه لا يجبر العباد، ولذا فإن العبد هو الذي يختار ويفعل.","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>الأدلة من القرآن الكريم على القضاء والقدر</span>\nقال المصنف: [وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]] .\nوهذه بعض الأدلة من القرآن على القضاء والقدر، فهو ﷾ يخلق المخلوقات ويوجدها حسب تقديره ﷾، فهو الذي قدرها سابقًا بعلمه أولًا، ثم بما شاء، ثم بما كتب ﷾، ثم تقع وتوجد حسبما قدره الله ﵎.\nقال المصنف: [وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]] .\nأي: أنه خلق الأشياء كلها، وخلقها إنما يكون بتقدير من الله ﷾.\nوهذا أمر مشاهد فيما يخلقه الله ﷾ ويقدره من آيات في الكون، وفي الأنفس، وفي الأرض، وانظروا إلى كلام الأطباء -مثلًا- في خلق الإنسان، وفي كل جزئية من جزئيات الإنسان تروا عجبًا! وانظروا إلى كلام الفلكيين في هذه الأكوان، وبعدها، ومسافاتها تجدوا عجبًا! وانظروا إلى هذه الأرض، وتربتها، وما يتعلق بالزراعة فيها تجدوا عجبًا! وانظروا إلى البحار إلى آخره.\nإذًا: الله ﷾ خلق كل شيء فقدره تقديرًا، ولذا فالعباد لا يملكون من الأمر شيئًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١] .\nوأقول: مع التقدم العلمي العظيم اليوم هل يملك البشر من أمر تدبير هذا الكون شيئًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا يملكون شيئًا، بل إن أمورًا تجري وضعوا لها الرصد بالأدلة المادية، والأجهزة الدقيقة، ومع ذلك لا يعلمون، وأقرب مثال هذه الزلازل التي وضعوا لها شتى الأجهزة المتطورة الحديثة، ومع ذلك يفجئون بالزلزال يقلب عليهم بيوتهم وجسورهم ونحو ذلك! قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]] .\nأي: إلا هي مسطورة في كتاب من قبل أن نخلقها، وهذا يعطي الإنسان الرضا بالقضاء والقدر، فما يصيب الإنسان من مصيبة في الأرض من جائحة، أو زلزال، أو عواصف رعدية، أو ما يصيبنا في أنفسنا من مرض، أو حوادث إلا والله ﷾ قد كتبها قبل أن يخلق الإنسان ويوجده.\nإذًا: دل هذا على أن الإيمان بالقضاء والقدر يقتضي الإيمان بأن الله ﷾ قدر هذه الأشياء قبل أن توجد، والإيمان بهذا هو الذي يؤدي بالإنسان إلى أن يؤمن بقضاء الله ﵎ وقدره، ويسلم، فيتحول أمره إلى راحة نفسية؛ لأن الإنسان إذا علم أن القدر مكتوب ولن يتغير لا يتأثر.\nونحن أيها الإخوة! كم يمر علينا في اليوم من حالات نحزن فيها على فوات مقدور، بل يحزن الإنسان أحيانًا على إشارة المرور إذا أقبل عليها وقد صارت إشارة حمراء! فكيف إذا تعلق الأمر برزق الإنسان، وبأمور وظيفته، وبأمور أولاده، وبأمور معاشة! فكم يمر على الإنسان من أمور يريدها، لكن يقع ما أراده الله ﷾، فإذا علم الإنسان أن هذا مكتوب مقدر استراح، وإنما عليه أن يحضّر قلبه للإيمان بالمقدور وسوف يستريح، فلا يأسف على ما فاته؛ لأنه لو جمع الدنيا كلها، واجتمع الخلق كلهم على أن يغيروا هذا الأمر -ولو كان صغيرًا- فلن يستطيعوا؛ لأن الله ﷾ هو الذي أراده وقدره.\nقال المصنف: [وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]] .\nوهذه هي الإرادة الكونية الشاملة التي هي بمعنى المشيئة؛ فتشمل الخير والشر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، وإذا شرح الله صدره للإسلام استجاب وآمن، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]، وجعل الصدر ضيقًا حرجًا إنما يكون بذنب العبد، كما قال تعالى عن الكفار: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] .\nفالله سبحانه تعالى لا يمكن أن يظلم العبد، لكنه ﷾ يمنع عنه رحمته، وهذا عدل منه ﵎؛ لأنه لو رحم الجميع لما وُجد كافر أصلًا، ولا عاصٍ أبدًا، لكن لحكمة أرادها ﷾ جعل الناس فريقين.\nإذًا: من يريد الله أن يضله فإنه يبتليه، فيجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء فلا يهتدي، وليس هذا إلا عدل منه ﷾، كما ذكرنا قبل قليل، وكما سنوضح -إن شاء الله تعالى- هذه المسألة بعد قليل.","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>الأدلة من السنة على القضاء والقدر</span>\nقال المصنف: [روى ابن عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، فقال جبريل: صدقت)، رواه مسلم] .\nوهذا دليل الإيمان بالقضاء والقدر من السنة النبوية؛ فإنه ﷺ جعل الإيمان بالقضاء والقدر ركنًا من أركان الإيمان، ولذا لا يستقيم إيمان عبد إلا بأن يؤمن بالقضاء والقدر، كما في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لا يؤمن أحدهم حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه) أي: يؤمن بأن كل ما جرى فهو بقضاء الله وقدره.\nوكذلك أوصى عبادة بن الصامت ﵁ في مرض موته ولده فقال له: (يا بني! إنك لن تجد طعم الإيمان؛ حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك) .\nفإذًا: الإيمان لا يكون إلا بالإيمان بالقضاء والقدر، والتصديق به، وأن الله ﷾ له الربوبية، وأن ربوبيته مقتضية لأن يكون هو المدبر الخالق الرازق، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.\nقال المصنف ﵀: [وقال النبي ﷺ: (آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره)] .\nهذا الحديث رواه الطبراني وغيره، وهنا قوله: (خيره وشره) وردت هذه اللفظة في صحيح مسلم، فعلى العبد أن يؤمن بالخير والشر، وأن كل ما يجري فهو بقضاء الله وقدره.\nوقوله: (حلوه ومره) حلوه: ما يرضى عنه الإنسان ويريده، سواء كان من طاعة لله، أو كان من أمور الدنيا التي تحبها النفس وتهواها، ومره: ما سوى ذلك، فيؤمن أن كل ذلك بقدر من الله ﵎.\nقال المصنف: [ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت)] .\nوهذا الحديث صحيح، وهو في قنوت الوتر.\nإذًا: كل ما قضاه الله ﷾ فهو بقدر، ومن ثمَّ يدعو العبد ويقول: (اللهم قني شر ما قضيت)، فهذا دليل على أن كل ما يجري من خير أو شر فهو بقضاء الله ﷾ وقدره.","vol":"9","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>لا تعارض بين القدر والشرع</span>\nيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره، واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن، ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب، وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، ونعلم أن الله ﷾ ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة] .\nوهذا هو بيت القصيد فيما يتعلق بالقضاء والقدر في كل وقت، لكن في هذه الأيام خاصة؛ فإنه كثيرًا ما يقع الخلط في باب القضاء والقدر على وجه باطل، وأحب أن أقول: إن أكبر مشكلة في قضية القضاء والقدر هي: الزعم بأن هناك تناقضًا بين القدر وبين الشرع! فالمؤمن هو الذي يؤمن بقضاء الله وقدره، ويؤمن بأمره وشرعه، فهذه عنده قضية أساسية، قال تعالى ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالخلق هو القضاء والقدر، والأمر هو الشرع، فمن جعل بينهما تعارضًا وتناقضًا وتصادمًا فهذا هو الذي يقع في ورطة الاحتجاج بالقضاء والقدر.\nأما المؤمنون الصادقون فعندهم إيمان بالقضاء والقدر، وعندهم إيمان بالشرع واتباع له، ولا يخطر ببال الواحد منهم أن بينهما تعارضًا، كما يقول البعض: إذا قدر الله علي المعصية كيف يأمرني بأن لا أعصي؟! فنحن نقول: القضاء والقدر والشرع مصدرها ربنا ﷾، وما كان من الله فلا يمكن أن يكون متعارضًا متناقضًا، وأكبر دليل على ذلك هو أنك لو تأملت حياة ملايين من المسلمين لوجدت أن هؤلاء الملايين يعيشون حياة مستقرة طبيعية دون أن يكون عندهم شعور بالتصادم بين القضاء والقدر، وتجد الواحد من هؤلاء مؤمنًا بالقضاء والقدر، وأن كل ما يجري ويقع هو بقضاء الله وقدره، ثم بعد ذلك تجده ممتثلًا لأمر الله وشرعه، وإذا فعل طاعة حمد الله وشكره وزاد في الطاعة، وإذا فعل معصية علم أنها معصية، وأنه هو الذي فعلها، وعلم أنه يستحق العقوبة، فتاب إلى الله واستغفر، وحاول أن يبدل تلك السيئة حسنة.\nفهل وجدتم واحدًا من آبائنا أو أمهاتنا عنده مشكلة الصراع بين القضاء والقدر، وأمر الله وشرعه؟! وهذا يدل على أن الإيمان بالقضاء والقدر والإيمان بالشرع لا يتولد عنهما ما يتوهمه البعض من مشكلة القضاء والقدر.\nفهذه قضية أولية ينبغي أن نعلمها، وأن نسلم بها أولًا، لأن هذه يجتمع فيها أمران: الأمر الأول: تلازم وتوافق الأدلة التي أتت بالإيمان بالقضاء والقدر، وأتت بوجوب الطاعة في الشرع، وأيضًا من الناحية الواقعية فإن المؤمنين أتباع الرسل، وصحابة رسول الله، والتابعين لهم بإحسان، ومن جاء بعدهم إلى يومنا هذا يؤمنون بالقضاء والقدر، ويعلمون أن كل ما يجري فهو بقضاء الله وقدره، ويصدقون بالشرع، ولا يخطر ببالهم تعارض وتنازع بين القضاء والقدر، وبين الأمر والشرع.","vol":"9","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>إلزام من يحتج على المعصية بالقدر</span>\nالأمر الثاني: أن جعل القضاء والقدر حجة على ترك الشرع والأمر والنهي شبهة شيطانية، والدليل على أنها شبهة شيطانية أن صاحبها يقع في تناقض عجيب! لأن الإنسان يوجب التعارض بين القضاء والقدر وبين الشرع فيما بينه وبين الله، لا فيما بينه وبين الخلق.\nفمثلًا: الواحد من هؤلاء الذين يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصي إذا فعل المعصية قال: بقضاء الله وقدره، وإذا وقع في الفاحشة قال: بقضاء الله وقدره، والمفترض فيه أيضًا أن يجعل هذا أيضًا مستمرًا حتى في تعامله مع الخلق، لكن لا يفعل كذلك؛ فإن الواحد من هؤلاء لو جاء واحد وسرق ماله، فإن المفترض أن يقول: سرق هذا السارق بقضاء الله وقدره، إذًا هو مكتوب عليه، ومكتوب عليّ، فينبغي ألا نحاسبه.\nلكن هل يصنع الإنسان الذي يُسرق ماله هذا؟ هل يحتج بالقضاء والقدر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا، وإنما سيبحث عن السارق، ويذهب إلى الشرطة، وإذا قبض عليه يريد أن ينزل به العقوبات، ولو جاء السارق، وقال: يا أخي ارحمني؛ أنا سرقت بقضاء الله وقدره، فإنه لن يقبل منه.\nإذًا: دل هذا على أن الإنسان فيما يتعلق بمصلحة نفسه بينه وبين العباد لا يحتج بالقدر، وإنما يحتج به -نسأل الله العافية- فيما بينه وبين الله ﷾.\nولذا لو جاء إليه واحد وضربه فالمفترض أن يرضى ويسلم، ويقول: الحمد لله، هذا بقضاء الله وقدره؛ فهذا الذي ضربني ما ذنبه وضربه لي مقدر؟ وهكذا لو جاء واعتدى على عرض زوجته أو أخته، فالمفترض أن يرضى بالقضاء والقدر، ولا يعترض عليه ويقول: هذا مقدر! ولو جاء واحد واعتدى على ابنه أو أخيه وقتله عمدًا وعدوانًا، فالمفترض فيه أن يسلم، ويقول: مكتوب على القاتل أن يقتل، ومكتوب على هذا الابن أو الأخ أن يُقتل، فالحمد لله، أنت في أمان الله، اذهب لسبيلك، لكن هل يصنع الإنسان هذا؟ الجواب: لا، بل يعترض اعتراضًا عظيمًا.\nولو جاءه أهل القاتل يقولون له: يا أخي هذا مكتوب عليه، لما ققبل ذلك، فنقول له: لماذا لا تصنع هذا فيما يتعلق بمعصيتك؟! ولماذا إذا كانت المسألة بينك وبين العباد تحولت إلى قدري تنكر القدر، وإذا كانت بينك وبين الله تحولت إلى جبري، وهذا كما قال بعض السلف: أنت عند الطاعة قدري، تفخر على ربك، تقول: أنا فعلت وأريد الثواب، وعند المعصية جبري، تقول: يا رب! أنا مجبور، ما ذنبي؟ كيف أعذب؟ كيف أعاقب؟ إذًا: دل هذا على أن الذي يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصي متناقضون تناقضًا عظيمًا، والذي دعاهم إلى ذلك شبهة شيطانية؛ يريد الشيطان بأحدهم أن يسرف على نفسه في الفسق والعدوان، وإلا فإذا كان عاقلًا فعليه أن يأخذ القضية من ناحية عقلية بحتة، فالمفترض فيه أن يحتج بالقدر فيما بينه وبين الله، ويحتج بالقدر أيضًا فيما بينه وبين العباد سواء بسواء.\nأما أن يعامل الله بطريقة، ويعامل العباد بطريقة أخرى فهذا يدل على الهوى، ويدل على أن المسألة ما هي إلا شبهة شيطانية.","vol":"9","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>قيام الحجة على الإنسان حتى لا يحتج بالقدر على المعاصي</span>\nوقوله: (ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره، واجتناب نواهيه)، هذا هو الأصل، فمن فعل ما أمره الله ﷾ به، واجتنب ما نهاه عنه فإن هذا من توفيق الله، لكن من خالف فلا يلومن إلا نفسه، ولا يجوز له أن يحتج بالقضاء والقدر، ولله عليه الحجة.\nونحن نقول هنا: هذا الأمر الثالث، وهو: أن الحجة قد قامت عليك أيها العبد! من وجوه عديدة: أولًا: قامت الحجة على العبد بالتكليف، وهو البلوغ والعقل، فالإنسان المجنون لا يسأل ولا يكلف، وغير البالغ أيضًا لا يسأل ولا يكلف، وهذه رحمة من الله ﷾.\nالثاني: أن الله ﷾ أعطاك -مع العقل والبلوغ- قدرة بها تفعل، وإذا عدمت القدرة فإنك لا تسأل، فلو أن واحدًا أرغمك على فعل وأكرهك فتكون مجبورًا ولا تحاسب.\nالثالث: وأعطاك الله أيضًا إرادة بها تفعل.\nإذًا: هناك إرادة، وهناك قدرة، ولهذا لا يمكن أن تأتي لإنسان يفعل معصية بإرادته إلا وهو يعلم يقينًا أنه يستطيع أن يفعلها، ويستطيع ألا يفعلها، ولو أجبر على ذلك لما حوسب، وهذا هو الواقع، فإن العاصي يذهب إلى المعصية بإرادته، ويترك الواجب بإرادته.\nإذًا: قدرة الإنسان وإرادة الإنسان التي أعطاه الله ﷾ إياها هي مناط تكليفه ومحاسبته على فعله.\nالرابع: أن الله ﷾ لا يعاقبك إلا بعد إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبيان الحجة، فالشخص أو الأمة الذين ما بلغهم رسول ولا كتاب لا يحاسبون، وإنما تقوم الحجة على العبد إذا بلغته الرسالة، قال ﷿: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، فبإرسال الرسل وإنزال الكتب تقوم الحجة على العبد.\nإذًا: قامت الحجة على العبد؛ فهو: أولًا: غير مكره.\nوثانيًا: له القدرة.\nوثالثًا: له الإرادة.\nورابعًا: قد بين له طريق الخير وطريق الشر.\nومن ثمَّ فما أعطاه الله من قدرة وإرادة مع البيان هي مناط التكليف، وما عدا ذلك لا يحاسب عليه، فمن كان مجنونًا لا يحاسب، ومن كان صغيرًا لا يحاسب، ومن كان مكرهًا لا يحاسب، ومن كان ممن لم تبلغه الرسالة لا يحاسب.","vol":"9","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>لا يحاسب المرء على ما هو خارج عن إرادته</span>\nالأمر الرابع الذي يتعلق بهذه القضية هو: أن المتأمل بالنسبة لما يقع على الإنسان في هذه الحياة يجده ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما يقع على الإنسان بلا إرادة منه.\nوالقسم الثاني: ما يقع من الإنسان بإرادة منه.\nفالقسم الأول لا يحاسب عليه الإنسان، وذلك مثل أن الإنسان ولد في يوم كذا، وكونه قصيرًا أو طويلًا أو أبيض أو كونه أحمر أو على شكل كذا، وكذلك أيضًا ما يجري عليه في هذه الحياة بدون إرادته، مثلما يجري عليه من أمراض تمنعه من الطاعات، وما يجري عليه من مصائب أو نحو ذلك، كل ذلك لا يحاسب عليه الإنسان؛ لأنه يفعله بلا إرادة منه.\nوأما القسم الثاني -وهو ما يفعله الإنسان بإرادته- فهذا القسم هو مناط التكليف، وعليه فإن الإنسان يحاسب على ما يصدر منه قولًا أو فعلًا.","vol":"9","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>زعم التعارض بين القدر والشرع وهم</span>\nالمسألة الخامسة هي: أن الزعم بأن هناك تعارضًا بين الشرع والقدر ما هو إلا وهم؛ وإلا فإن الإنسان لا يعلم المقدور قبل أن يفعل، فالإنسان قبل أن يفعل الطاعة أو المعصية هل عنده علم بما في قدر الله أو ليس عنده علم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ليس عنده علم، فإذا لم يكن عنده علم فالواجب عليه أن يتبع الشرع، فمثلًا: إذا أذن المؤذن للعشاء فإنه لا يدري الذين مع الإنسان هل هو سيصلي أو لا؟ فبالله عليكم هذا الإنسان ما الذي يصنعه الآن؟ هو أصلًا لا يعلم الشيء إلا بعد أن يفعله، فأنت في مستقبل أمرك لا تعلم مقدور الله ﷾، لهذا فما الذي نفعله ونصنعه؟ وما الواجب علينا في مسألة الشرع والقدر؟ الواجب علينا أن نتبع الشرع؛ لأن الله أمرنا بذلك وكلفنا، وقال: ستحاسبون يوم القيامة على أفعالكم، ولا خيار لكم في هذا الحكم.\nفلما بين الله الطريق، ووضح لنا ما الذي يأمر به، وما الذي ينهى عنه، وأنت الآن في مستقبل الأمر لا تدري، فالواجب عليك أن تفعل الطاعة، وأن تبتعد عن المعصية.\nفإذا فعل الإنسان الطاعة فإنه يحمد الله، وإذا فعل المعصية فلا يحتج بالقدر، ولا يلومن إلا نفسه.\nإذًا: أي إنسان قبل أن يفعل الفعل هو لا يدري ماذا في القدر، فالواجب عليه أن يتبع شرع الله، وهذا الأمر لا يمكن أن ينفك عن الإنسان أبدًا، ولهذا فإنني أقول: لو جاء إنسان بعدما وقع الأمر وقال: أنا قبل أن يؤذن ما كنت أدري ماذا في قدر الله، لكني فعلًا أنا ما صليت، فتبين لي أنني ما صليت بقضاء الله وقدره.\nفنقول له: نعم، صدقت، فكونك ما صليت هذا بقضاء الله وقدره، لكن لا حجة لك لأمرين: الأمر الأول: أن تركك للصلاة كان بعد قيام الحجة عليك، وأيضًا أنت تركتها بإرادتك.\nالأمر الثاني: هناك صلوات أخرى مقبلة، فماذا ستصنع؟ وهل تدري ما قدر الله؟ ولو جاءنا وقال: أنا منذ زمان وأنا لا أصلي ولا أصوم، وأفعل المنكر والفواحش، وهذا دليل على أن الله قد قدر أنني أفعل هذه الأشياء، فنقول: هل تعلم الغيب؟ وهل تعلم ماذا في قدر الله؟ ولماذا لا يكون في قدر الله أنك تكون مثل غيرك؟ وأنك تتوب وتعود إلى الله ﷾، وتفعل الطاعات، وتجد ربك قريبًا رءوفًا رحيمًا.\nوعلى كل حال فإن الإنسان لا يمكن أن ينفك عن قيام الحجة عليه أبدًا، فحتى لو عصى أسبوعًا، وجاءنا يحتج بالقدر، فنقول له: هل تعلم ماذا في قدر الله؟ وماذا ستصنع الليلة وغدًا؟ فسيقول: لا أدري، فنقول له: إذًا: لماذا لا تتوب إلى الله، فإذا ما أصر وعصى فلا حجة له، فدل هذا على أن الله ﷾ أمر عباده باتباع شرعه، والتصديق بقدره، ولا تعارض بين الأمرين.","vol":"9","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>الاحتجاج بالقدر على المعاصي مشابهة للمشركين</span>\nوهذه الشبهة ليست جديدة، بل هي شبهة قديمة؛ فهي شبهة المشركين الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الإسلام، فقالوا كما حكى الله عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، فنقول: صحيح أنه لو شاء الله ما أشركتم، لكن هل لكم حجة في هذا؟! ولماذا لا تؤمنون كما آمن غيركم ممن كانوا على الشرك؟! ولو جاء إنسان وقال: لو شاء الله أن يهديني لهداني، فنقول له: سبحان الله العظيم! إن طريق الهداية واضح.\nأيها المشركون! هذا رسول الله يدعوكم ليلًا ونهارًا، وأنتم تقولون: لو شاء الله ما أشركنا! إذًا: هذه حجة باطلة، ولذا فإن الذي يحتج بالقدر على المعاصي هو شبيه بهؤلاء المشركين؛ لأنه يقع في المعصية، ويخالف أمر الله، ويقع فيها بإرادته، ثم يحتج بالقضاء والقدر! وهذه شبه شيطانية واضحة تمام الوضوح، والمؤمن هو الذي يعلم أنه لا حجة له على ربه، ولذا فإن من القضايا والأسس في باب القضاء والقدر: أن تعلم أن الله عدل لا يظلم أبدًا، قال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤]، فالله ﷾ لا يظلم العبد مثقال ذرة، وإنما أنت الذي تظلم نفسك، فأنت الذي فعلت المعصية، والله ﷾ غني عنك.\nوالآن لو نظرنا إلى العباد لوجدنا بعضهم يظلم بعضًا؛ لأن الظالم يحب السيطرة، أو يريد مالًا، أو نحو ذلك.\nأما ربنا جل وعلا فليس بحاجة إلى العباد؛ كما قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦]، وقال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦-٥٨]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] .\nويقول ربنا ﵎كما في الحديث القدسي الصحيح-: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك مما عندي شيئًا) .\nفالله غني عن العالمين، وهو ﷾ أيضًا لا يظلم، وقد حرم على نفسه الظلم، كما في الحديث الصحيح: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا)؛ فكيف تخطر ببال الإنسان هذه الشبهة، بحيث تشغله في قلبه ونفسه؟! نسأل الله السلامة والعافية، وهكذا يوحي بعضهم إلى بعض بها؛ ليسهل وييسر العصيان والخروج عن طاعة الرحمن، فيجب أن تجزم وأن تقطع أن فعلك للمعاصي إنما هو بإرادة منك، فلا تلومن إلا نفسك، والله غني عنك.\nوبهذا أيها الإخوة يتبين أنه لا حجة في القضاء والقدر لأحد أبدًا.","vol":"9","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>منازعة القدر بالقدر</span>\nثم أقول أخيرًا: إن الإنسان ينتقل من قدر إلى قدر، ولا يمكن لإنسان أن يسلم بالقدر ويسكت، وإلا عد مجنونًا، بمعنى: أن الإنسان إذا أصابه الجوع، فجوعه بقدر، فهل يمكن أن يعتمد على القدر ويقفل على نفسه الغرفة ويقول: إذا كتب الله لي أن أتعشى تعشيت؟! لا يمكن! إذًا: ما الذي يصنعه هذا الإنسان؟ الذي يصنعه هذا الإنسان أن يذهب ليأكل، وأكله بقدر، وسعيه بقدر، وإن عطش فعطشه بقضاء وقدر، فهل يسلم ويسكت، ويقول: إذا كتب الله علي أني سأروى رويت؟ لو قال هذا إنسان وأقفل على نفسه لعد مجنونًا.\nإذًا: ما الذي يصنعه الإنسان بحسب طبعه وما قدره الله عليه؟ على الإنسان أن يذهب لينازع قدر العطش والجوع بقدر الري والشبع، وهكذا بقية الحياة، فلو جاء إنسان وقال: بعض الناس يقول لي: تزوج، لكن أنا مؤمن بقضاء الله وقدره، فإن كتب الله لي أولادًا فسيأتيني أولاد، وإن لم يكتب الله لي أولادًا فلن يأتيني أولاد! فماذا يقال عن هذا الشخص؟ أظن أنه سيقال عنه: إن عقله فيه نقص؛ لأن الله ﷾ أمر بفعل الأسباب.\nومثله المزارع لو ترك مزرعته أرضًا ليس فيها حب ولا بذر ولا سقاء، ثم قال: إن كان هذا العام سيكون في مزرعتي نتاج وزراعة فسيكون وإلا فلا! فنقول له: أنت مجنون، لا بد أن تبذر، وأن تسقي، وأن تفعل الأسباب، وقد يحصل لك ذلك، وقد لا يحصل.\nولهذا فإن الإنسان مأمور بأن ينازع القدر بالقدر دائمًا، ففي كل لحظة هو في قدر، فعليه أن ينازعه بقدر آخر، وهذه حياة الإنسان.\nلكن الفرق بين المؤمن والكافر، وبين المطيع والعاصي: أن المؤمن بالله ينازع القدر بقدر على وفق الشرع، وذاك ينازع القدر بأي قدر، فمثلًا: لو أن إنسانًا أصابه قدر الجوع فلينازعه بقدر الشبع، لكن المؤمن هو الذي يشبع على وفق شرع الله بما أباح الله له، فلا يذهب ليسرق طعامًا حرامًا، ولا يأكل طعامًا حرمه الله، كخنزير أو خمر أو غير ذلك.\nإذًا: المؤمن ينازع القدر بالقدر، لكن على وفق شرع الله، وهذا هو التلازم بين الشرع والقدر.\nوبهذا تستقيم حياة الإنسان؛ لأنه بتسليمه بالقضاء والقدر والإيمان بحكمته ﷾، وبأن الله عدل لا يظلم، وأن الله غني عن العالمين، إذا تكاملت هذه الجوانب صار الإنسان خائفًا راجيًا، يفعل الطاعات ويرجو من الله ﷾ أن يتقبلها ويثيبه عليها، وإذا وقع في ذنب لا يحتج؛ لأنه لا حجة له على ربه، وإنما يعترف بذنبه وتقصيره، ثم يستبدل بتلك المعصية طاعة وحسن عمل، هذه هي حال الآمنين المستقيمين، أسأل الله ﷾ أن يجعلنا منهم.\nوقوله: (ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك) وهذا كما بينا سابقًا، أما غير المستطيع مثل المكره أو فاقد الإرادة أو المجنون فهذا لا يحاسب، ولا يؤمر ولا ينهى، بمعنى: أنه غير مكلف.\nقال: (وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة) وهذا مقطوع به؛ فإن الله تعالى ما أجبر أحدًا، كما قال سبحانه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، فكل إنسان له مشيئة، لكن مشيئة العباد خاضعة لمشيئة الله؛ لأن الله لو شاء لجعل الناس كلهم مهتدين.","vol":"9","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>مسألة تكليف ما لا يطاق</span>\nقال المصنف ﵀: [قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ﴾ [غافر:١٧]] .\nلما كلف الله الإنسان وأمره بالأوامر لم يكلفه ما لا يطيق، وإنما كلف الله الإنسان ما يستطيعه؛ ولذا جاءت التكاليف الشرعية على أحسن نظام، ولذا تجب الصلاة بأركانها، لكن إن لم يستطع القيام فليصل قاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب.\nومن لا يستطيع الحج لا يجب عليه الحج، والذي لا يستطيع الصيام يفطر ثم يقضي، أو إذا لم يستطع مطلقًا يطعم، وهكذا جاءت هذه الشريعة، فتكليفات الله وتشريعاته كلها على قدر وسع الإنسان، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، أي: كسبته هي، ومذهب أهل السنة والجماعة أن أفعال العباد تنسب إلى العباد أنفسهم، وإذا قلنا: إن الله هو خالق العباد وأفعال العباد فلا ننسب أفعال العباد إلى الله، وإنما نقول: إن الله خالق كل شيء ومن ذلك أفعال العباد، لكن الله ﷾ قدر الأسباب والمسببات، فمثلًا: الشمس خلقها الله، وإذا تحركت الشمس وجرت فالذي خلق حركتها هو الله، فإذا تحركت الشمس لا نقول: إن الله هو الذي تحرك.\nوهكذا أيضًا: الذي خلق العبد هو الله، والذي خلق فعل العبد هو الله، لكن إذا فعل العبد طاعة أو معصية فينسب الفعل إلى العبد، وهذا هو المعنى الدقيق الذي غفل عنه المعتزلة وغيرهم؛ لأن الجبرية ظنوا أن كل ما يفعله العبد ينسب إلى الله، وهذا باطل.\nوالمعتزلة ظنوا أن العبد مستقل بفعله، فهو الذي يخلق فعله، وهذا باطل.\nوأهل السنة والجماعة قالوا: نحن نفرق بين قدرة تقوم بالله، وبين ما هو من مخلوقات الله ومفعولاته المنفصلة عنه، فأفعال العباد من مخلوقات الله المنفصلة عنه، فتنسب إلى أصحابها، والكل خلق لله ﷾.\nقال المصنف ﵀: [فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره] .\nوهذا هو المنهج الصحيح في فهم قضية الإيمان بالقضاء والقدر.","vol":"9","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الأسئلة</span>","vol":"9","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>معنى قوله ﵇: (من أحب أن يبسط له في رزقه)</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، فهل يتعارض هذا مع حديث رسول الله ﷺ: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا تعارض بين الأمرين، وإنما صلة الرحم سبب من الأسباب، وأنت مأمور بفعل الأسباب، فإذا فعل الإنسان السبب فقد يوجد المسبب، وقد لا يوجد، فلو وجد شخص وصل رحمه، ثم لم ينسأ له في أجله، فإننا نقول: قد يكون لم يقع هذا السبب موقعه؛ لوجود مانع من الموانع، فقد يكون وصل رحمه لكن بدون إخلاص، كما أن الدواء لهذا المرض المعين يعطى للمريض الفلاني فيشفى، ويعطى لمريض آخر بذلك المرض ثم لا يشفى؛ لوجود مانع، فالأجل مقدر، ولذا فنحن نقول: إنه في قدر الله وعلم الله أن فلانًا يصل رحمه، وفلانًا لن يصل رحمه؛ لأن علم الله ﷾ كامل، وعلى ذلك فنحن نقول: صلة الرحم من الأسباب، ونحن مأمورون بفعل الأسباب، وما دام طريق طاعة، فينبغي لك أن تفعل هذه الطاعة، وحينئذٍ إذا فعلت هذه الطاعة قد يقع المسبب، فينسأ لك في أجلك في الدنيا، وقد لا يقع ويحفظ لك أجر هذه الصلة عند الله ﷾ يوم القيامة.","vol":"9","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>حكم نسبة الشر إلى الله ﷿</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل ينسب الشر إلى الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (والشر ليس إليك)، فلا ينسب الشر المحض إلى الله ﷾، وإنما نقول: الله خالق كل شيء، فهو يشمل الجميع، لكن الشر لا ننسبه إلى الله؛ لأن الله منزه عن الشر المحض الذي لا خير فيه، والله ﷾ لم يخلق شرًا محضًا لا خير فيه بوجه من الوجوه، وإنما يخلق أحيانًا شرًا، لكن لا يكون محضًا، وإنما يكون فيه خير.\nومن باب الأدب مع الله ﷾ لا ينبغي للإنسان أن ينسب إلى الله الشر، والله خالق كل شيء.","vol":"9","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>شرح حديث: (لا يرد القدر إلا الدعاء)</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما هو تعليقكم على حديث: (لا يرد القدر إلا الدعاء)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذا حديث ثابت عن النبي ﷺ، واختلف العلماء في تفسيره، فمنهم من قال: إن الدعاء لا يرد القدر، وإن القدر لا يتغير، ومنهم من قال: إن الدعاء من الأسباب، وما دام من الأسباب فإن الإنسان مأمور بالدعاء، فقد يقع المسبب وقد لا يقع، كما قال النبي ﷺ (ما من عبد يدعو بغير إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث خصال: إما أن يستجيب له، أو يصد عنه من الشر مثله، أو يدخر له ذلك عنده يوم القيامة، قالوا: إذًا: نكثر يا رسول الله؟! قال: الله أكثر)، ومدلول هذا الحديث أن الله ﷾ أمر بالدعاء، فإذا دعوت فقد يستجيب الله، ويكون الدعاء بقدر، ووقوع هذا الأمر أيضًا بقضاء وقدر.\nالاحتمال الثاني: أن يصد الله عنك من الشر مثله، فهذا الذي يصده هو الذي قصده بعض العلماء في قولهم: لا يرد القدر إلا الدعاء، أي أنه يرد أمرًا كان من المحتمل أن يقع فلا يقع، لكن كل الأمور مقدرة.\nأو يدخر ذلك لك عند الله ﷾.","vol":"9","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>الفرق بين الإرادة والمشيئة</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما الفرق بين الإرادة والمشيئة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n المشيئة كونية عامة، والإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة دينية، وإرادة كونية، والإرادة الدينية هي الشرع، والإرادة الكونية هي بمعنى المشيئة.","vol":"9","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>وجوب تعظيم الله ﷿ وعدم قياسه بخلقه</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هناك شبهة قد يستغلها النصارى، وهي أنهم قالوا: إن عيسى ﵇الذي هو الرب عندهم- قد دخل في بطن أمه ثلاثة أيام، فرد عليهم بعض المسلمين وقالوا لهم: من كان يحكم العالم خلال هذه الثلاثة أيام التي بقي فيها في بطن أمه؟ فقد يقولون هم: إنكم معشر المسلمين تقولون: إن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل، فمن يحكم العالم خلال هذا النزول؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذا السؤال غير وارد؛ والله ﷾ هو مدبر الكون، وهو ﷾ بيده الأمر، ولا يشغله شأن عن شأن؛ فهو ينزل في ثلث الليل الأخير، ولا يلزم من نزوله أن الباطل يخطر على بال الإنسان، بل الله ﷾ على العرش استوى، ولهذا اختلف العلماء: هل يخلو منه العرش إذا نزل أم لا؟ ولم يرد في ذلك نص كما سبق أن بينا، ولهذا نقول: إن الذي يترجح أنه لا يلزم خلو العرش منه؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء.\nوالخطأ نشأ من قياس الله بخلقه، والله ﷾ يقول: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، فإذا كانت السماوات والأرضون كلها في يد الرحمن مثل الخردلة في يد أحدنا، فكيف يأتي قائل ليقول: إذا نزل هل يلزم وهل لا يلزم؟! إن هذا الوهم وهذا السؤال ناشئ من ظنه أن الله تعالى مخلوق من هذه المخلوقات، والله ﷾ هو فوق هذا العالم، وهو عظيم جدًا؛ لأن السماوات والأرضين يقبضها الله ﷾ بيده، فنزوله ﷾ إلى سماء الدنيا هو كما يليق به، ولا يلزم مثل هذا الأمر أو مثل هذا السؤال الذي طرحه السائل.","vol":"9","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>حكم قول (لو) فيما فات</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ذكرت أنه لا يجوز أن يقول الإنسان: لو فعلت كذا لما حدث لي كذا، فإذا رسب -مثلًا- عن إهمال منه هل يجوز أن يقول: لو اجتهدت لنجحت؟ وما القول الصحيح في مثل هذا الموقف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n المشكلة هي فيما إذا كانت (لو) للاعتراض على القدر، وإلا فالنبي ﷺ لما ساق الهدي في الحج -ومعلوم أن من ساق الهدي لا يجوز له أن يحل حتى ينحر هديه- قال للصحابة الذين لم يسوقوا الهدي: (أكملوا عمرتكم، وحلو) يعني: تمتعوا بالعمرة إلى الحج، فالصحابة قالوا له: وأنت يا رسول الله؟! قال ﷺ: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)، يعني: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما عقدت الهدي معي من هناك، ولجئت بلا هدي، ثم أكملت عمرتي، ثم يوم العيد أنحر هديًا بمكة، فالنبي ﷺ قال: (لو استقبلت أمري ما استدبرت ما سقت الهدي)، فـ (لو) الممنوع منها ما كان اعتراضًا على قدر الله ﷾، وذلك مثل إنسان أصيب بمصيبة فبدأ يتحسر ويقول: لو أنني فعلت كذا ما حدث كذا، ولهذا من رسب في الامتحان فقال اعتراضًا على القدر لم يجز، لكن إذا كان من باب العبرة والعظة فهو صحيح، كأن يقال له: لو فعلت السبب وذاكرت لنجحت.","vol":"9","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n قد يحتج بعض الناس فيقول: إن الله قدر علي بأن أذنب وأن أعصي، فلو لم يقدره لي لم أفعل، فكيف نجيب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n سبق الجواب على هذا، وذلك أننا نقول له: ما أدراك حينما تقول: إن الله قدر لي أو لم يقدر؟ فأنت الآن في لحظة لا تعلم ما في الغيب، ولا تعلم هل في قدر الله أنك تعصي أو لا تعصي، ولك إرادة، ولك قدرة، فالواجب عليك أن تتبع ما أمر الله ﷾، وألا تبحث عما في المقدور؛ لأن المقدور لا تعلمه أنت ولا غيرك إلا بعد أن يقع، وما دمت جاهلًا فالواجب عليك أن تصنع ما أمرك الله به، فإذا عصيت وذهبت إلى المعصية فأنت ذهبت إليها بإرادتك، ولم تجبر عليها، فأنت محاسب، فإذا ما وقعت منك واحتججت بالقدر فلا حجة لك، وصحيح أنها بعد وقوعها هي بقدر، لكن لا حجة لك.\nولهذا إذا جاءنا إنسان الآن وقد سبق أن عصى، وقال: إن معصيتي بقدر الله، فنقول: تعال، والآن ماذا أنت صانع؟ نحن نقول لك: إنك لا تعلم ماذا في قدر الله الآن؟ فاستبدل تلك المعصية بتوبة، وتكون التوبة بقضاء الله، واستبدلها بطاعة، وتكون الطاعة بقضاء الله وقدره.\nوكما سبق في الدرس الماضي، فإنه لا يحتج أحد بالقدر إلا ولله الحجة البالغة عليه، وكما سبق أن ضربنا لكم مثلًا بذلك الذي يحتج بالمعصية لأنها فيما بينه وبين الله، فالشيطان هو الذي سول له، والشيطان يريد أن يغويه، فيأتيه بمثل هذه الشبهة، لكن هذا الإنسان نفسه لا يحتج بالقدر في أمور أخرى هي بقضاء الله وقدره، فلو أن أحدًا ضربه أو أخذ ماله أو اعتدى على عرضه أو نحو ذلك، واحتج له ذلك المعتدي بالقضاء والقدر ما قبل منه، مع أنه فعله بقضاء الله وقدره، لكن لم يقبله منه؛ لأنه في حظ نفسه، أما فيما يتعلق فيما بينه وبين ربه فإنه يحتج بالقدر، وهذا منهج يدل على ضعف الإيمان، وعلى أن وساوس الشيطان قد استحوذت عليه، وإلا فالإنسان إذا أطاع الله ثم إن الله ﷾ أثابه على ذلك بالجنة، فإنه لا يحتج بالقدر ويقول: أنا طاعتي بقضاء الله وقدره، وليس لي فضل فيها، فلماذا يثيبني الله عليها؟ فتجده يحتج بالقدر في القسم الأول وهو المعصية، ولا يحتج به في القسم الثاني وهو الطاعة، فهذا التفريق دال على أن المسألة وسوسة شيطان، ونفس أمارة بالسوء، تريد أن تزين للإنسان المعصية، وتقول له: افعل هذه المعاصي فإنها مكتوبة عليك، وهي مقدرة.\nنعم، إنه لا يكون شيء إلا بقضاء الله وقدره، لكن احتجاجك باطل، وهو مثل احتجاج اللص أو القاتل، فاللص الذي سرق أو القاتل الذي قتل لو قيل له: كيف تقتل فلانًا عمدًا وعدوانًا وتزهق نفسًا مؤمنة؟ وقال: هذا بقضاء الله وقدره، فهو صادق أنه بقضاء الله وقدره، لكن حجته باطلة، واحتجاجه مردود عليه، فلا يقبل منه.\nوقد جيء بأحد اللصوص إلى عمر بن الخطاب ﵁، وكان هذا اللص ذكيًا، وكان يعلم أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه رجاع إلى الحق حينما يذكر له الدليل، فلما جيء به وقد ثبتت عليه السرقة قال له: لماذا سرقت؟ قال: يا أمير المؤمنين! سرقت بقضاء الله وقدره، يريد أن يوحي لـ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أنه إذا كان فعلًا بقضاء الله فهذا مسكين، فسامحوه، لكن قال له عمر: (ونحن نقطع يدك بقضاء الله وقدره)، فقطعت يده بقضاء الله وقدره؛ فكلامه صحيح أنه بقضاء وقدر، لكن احتجاجه باطل.\nوهكذا يجاب عن كل من احتج بذلك.","vol":"9","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>حكم الحلف برب المصحف</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل يجوز الحلف برب المصحف كالحلف برب الكعبة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n، لا؛ لأن الكعبة مخلوقة، والحلف برب الكعبة هو كما نقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] فالكعبة والناس مخلوقات، فأنت حلفت بربك، لكن المصحف ليس بمخلوق، وإنما هو كلام الله ﷾، فلا يجوز أن تحلف برب المصحف، وإنما يجوز أن تحلف بالرب تعالى، أو تحلف بالمصحف، يعني: بالقرآن؛ لأن الحلف بالله أو بكلامه أو بصفة من صفاته جائز.","vol":"9","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>القرآن كلام الله وإن كتب على الورق</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل الآيات المكتوبة في المصحف من كلام الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نعم، القرآن هو كلام الله محفوظ في الصدور، مكتوب على السطور، متلو بالألسنة، لكن الورق والحبر الذي تكتب به مخلوق، لكن القرآن المكتوب به هو كلام الله ﷾ غير مخلوق.","vol":"9","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>نصيحة لمن يتخيل ذات الله ﷾ وصفاته</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n عند الكلام على أسماء الله وصفاته قد يدور في الذهن تصور وتخيل لا شعوري، سواء في الذات أو في الصفات، وهو يدافع هذه التصورات، فما هي النصيحة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذه الأمور قد تخطر على البال، وهذا شيء طبيعي أن يخطر بالبال شيء من تصور الصفة أو نحو ذلك، لكن الذي ننصحك به أن تعلم أن كل ما خطر ببالك فالله بخلافه، وأن أي تكييف خطر لك إنما هو نابع مما شاهدته من المخلوقات، والله لا يقاس بالمخلوقات، فتكييفك نابع مما شاهدته أنت من المخلوقات.","vol":"9","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>القول الحق في دوران الشمس</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل الذي تدور هي الشمس أم الأرض؟ وما حكم من يقول: إن الشمس ثابتة والأرض متحركة، مع العلم أن هذا الكلام يدرس في المدارس، ويلزم به الطلاب؟!\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n بالنسبة لقضية إخضاع الآيات القرآنية للعلم هذا خطأ، فنحن نفرح حينما نجد شاهدًا من شواهد العلم يفسر شيئًا من كلام الله ﷾، وهذا دلالة على إعجاز كلام الله ﷿، لكن الخطأ أن نخضع القرآن للعلم الحديث، وأن نلهث وراء العلم الحديث لنعرف صحة القرآن.\nوالقضية بالعكس تمامًا؛ فنحن واثقون بالقرآن وبما في القرآن وأنه حق لا شك فيه، ثم بعد ذلك ننظر في العلم، فما وافق نص القرآن فرحنا به، وعلمنا أنه دلالة على الحق، وما خالفه نرفضه، ولا نركض وراء العلم لاهثين نتأول من أجله كتاب الله سبحانه.\nوهذا من الأخطاء التي يجب أن يتنبه لها من يتصدى لدراسة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؛ فإن هذا باب عظيم، وفيه خير كثير، لكن بشرط أن يتدارك هذا الخطأ؛ لأن بعض الناس يلهث وراء العلم ليصحح القرآن به، وتجده أحيانًا يلهث وراء التأويلات البعيدة جدًا لبعض الآيات حتى تتوافق مع العلم الحديث! ومنها هذه القضية التي سأل عنها السائل، وهي قضية هل الشمس ثابتة أو متحركة؟ فالعلم الحديث والفلك وغيره يقول: إن الشمس ثابتة، والله ﷾ يقول: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]، ويقول: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]، فعندنا نص قاطع أن الشمس تجري.\nإذًا: مهما جاءنا من العلم الحديث فإننا نقول: قد يكون ثباتها ثباتًا نسبيًا، يعني: أحيانًا لما تأتي بحركة شديدة وحركة أخرى بطيئة، ثم تأتي بحركة ثالثة، فإنها تتحول بين الحركتين كأنها ثابتة، بينما هي متحركة، لكن نظرًا لتوازنها بين الحركتين تصبح وكأنها واقفة، مع أنها متحركة، فقد يكون الذي في نظرية العلم الحديث في مسألة ثبات الشمس مرتبطًا بهذا، لكن الشيء الذي نجزم به جزمًا أكيدًا أن الشمس تجري، وأنها ليست ثابتة، ونقول لهؤلاء ولعلمهم: إن كان قد بلغ عندكم مثل هذا باليقين فقد بلغ عندنا كتاب الله تعالى يقين اليقين، وسيأتي اليوم الذي يتبين فيه صحة ما في كلام الله ﷾.","vol":"9","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>أنواع الشهداء</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل الذي يموت باللدغ أو الحرق أو الغرق أو أي سبب يكون موته موت شهيد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ورد في الحديث عن النبي ﷺ تسمية بعضهم أنه شهيد: والغريق، والحريق، والمبطون، والمطعون، وأيضًا المرأة في نفاسها، فهؤلاء شهداء، لكن الشهداء ثلاثة: شهيد الدنيا والآخرة، وشهيد الدنيا دون الآخرة، وشهيد الآخرة دون الدنيا.\nالأول: شهيد الدنيا والآخرة هو: المؤمن الصادق الذي يموت في معركة القتال، فهذا شهيد الدنيا، تطبق عليه أحكام الشهيد، فنكفنه بثيابه، ولا نغسله، ولا نصلي عليه، وفي الآخرة هو عند الله بمنزلة الشهداء.\nالثاني: شهيد الدنيا دون الآخرة، وهو: الذي جاهد ولم يكن جهاده في سبيل الله، مثل المنافق الذي يحضر المعركة ولا يطلب وجه الله، فهذا إذا قتل في المعركة بين المسلمين يطبق عليه في الدنيا أحكام الشهيد، فيكفن في ملابسه، ولا يصلى عليه إلى آخره، لكنه في الآخرة ليس بشهيد.\nالثالث: شهيد الآخرة دون الدنيا، وهو: الحريق والمبطون وميت الهدم ونحو ذلك، فهذا في الدنيا لا تطبق عليه أحكام الشهيد، فإن هؤلاء يعاملون مثلما يعامل الذي يموت على فراشه، لكن الرسول ﷺ أخبرنا أنه يكون يوم القيامة شهيدًا، وأما منزلة هذه الشهادة فدلائل النصوص -والعلم عند الله ﷾- تدل على أنها نوع من الشهادة، لكنها دون شهادة القتيل في المعركة، فالقتيل في المعركة له خصوصيات، منها: تنعمه في الحياة البرزخية، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران:١٦٩]، ففي الحياة البرزخية تكون روحه في حواصل طير خضر في الجنة، تمرح وتأكل منها، بينما روح الميت المؤمن في قنديل معلقة في الجنة، أي: ثابتة بهذا القنديل، لكن روح الشهيد في حواصل طير تمرح بالجنة، وأيهما أشد تنعمًا في الحياة البرزخية؟ روح الشهيد.\nوأيضًا: منزلة الشهيد وكونه يشفع في سبعين من أهله، فالشهيد في المعركة لا شك أنه أعلى وأفضل من هذا الشهيد، لكن هذه بشرى من الرسول ﷺ، ولهذا جاءت هذه البشرى حينما سئل الرسول ﷺ: هل الشهيد هو من كان في المعركة؟ فقال: (إن شهداء أمتي إذًا لقليل، لكن الغريق شهيد، والهدم شهيد) إلى آخره، فهذه بشرى من الرسول ﷺ في هؤلاء الذي يموتون بهذه الطريقة أن الله ﷾ يكتب لهم أجر الشهادة.","vol":"9","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>مكان عقل الإنسان</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n أين يقع عقل الإنسان؛ هل هو في الرأس أو في القلب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا أدري، لكنهم اختلفوا قديمًا في هذا، فبعضهم قالوا: هو في الدماغ، وبعضهم قالوا: هو في القلب، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، وبحثوا في هذا الموضوع علاقة القلب بالدماغ إلى آخره، وهي قضية لعلها سر من أسرار الله تعالى، وإلا فلو تأملنا لوجدنا أن الدماغ الذي في الرأس هو موطن التفكير والتحليل إلى آخره، والقلب من الناحية المادية ما هو إلا موطن ضخ للدماء، لكن هناك شعورًا يحسه الإنسان في قلبه، فعندما يحزن الإنسان يقول: أحس بوخزة داخل القلب، ولا يقول: أحس بوخزة داخل الدماغ، فهذا الإحساس سر من أسرار الله ﷾، فما علاقة هذه الروح وأين موضع هذه الروح من الجسد؟ والله تعالى يقول: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] والرسول ﷺ يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، وهذا يدل على أن القلب له مكانة، لكن علاقته بالدماغ سر من أسرار الله ﵎، وقد يحتج محتج بقول الله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩]، لكن يحتاج الأمر -والله أعلم- إلى خبر صادق ينفي هذا ويثبت هذا، يعني: أن النصوص دالة على أن القلب له دور عظيم، ولهذا اختلفوا في الموت، متى يتحقق الموت؟ هل يكون بموت القلب، أو يكون بموت الدماغ؟ لأن بعض الأموات يموت دماغه، ولكن يبقى جسمه وقلبه بأجهزة معينة متحركًا، فهل هو يموت بموت القلب أم لا؟ في هذا كلام طويل، ولا أظن أن هناك فائدة فيه.\nوالحمد لله رب العالمين.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"9","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>شرح كتاب لمعة الاعتقاد [١٠]</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.\nومن الإيمان الواجب: الإيمان بكل ما أخبر الله ﷿ به، أو أخبر به رسوله ﷺ من أمور الغيب، كأشراط الساعة، وعذاب القبر، والجنة، والنار، وغير ذلك.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>الكلام على الإيمان</span>","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة</span>\nبعد أن أنهى المصنف رحمه الله تعالى الكلام في باب القدر بدأ يعرض لتعريف الإيمان؛ لأن النبي ﷺ بين معنى الإيمان في حديث جبريل فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)، وقد أجاب عن الإسلام بأنه: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) .\nإذًا: فسر الإيمان هنا بالأمور الباطنة، وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، لكنه في حديث آخر في صحيح البخاري وغيره، قال لوفد عبد القيس: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنتم)، ففسر الإيمان هنا بالأعمال الظاهرة.\nوقال الرسول ﷺ: (الإيمان بضع وستون -وفي رواية مسلم: بضع وسبعون- شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فقوله: (وأدناها إماطة الأذى) الإماطة عمل ظاهري.\nوقوله: (أعلاها قول لا إله إلا الله) إيمان ظاهري، كما قال قائل: الرسول يقول: (بضع وستون، أو بضع وسبعون)، فعددوها لنا، فسنذكر له أولًا أركان الإيمان؛ ثم نقول: الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، وبر الوالدين إلخ، فشعب الإيمان ليست مختصة بعمل القلب، وإنما تشمل أعمال الجوارح.\nهذا هو الذي انطلق منه أهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة لما جاءوا يعرفون الإيمان عرفوه بما قال المصنف هنا، فإنه قال: [فصل: والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان] .\nقوله: (الإيمان قول باللسان)، أي نطق، ونطق اللسان هو أن ينطق الإنسان بالشهادتين، وهذا إيمان، وكذلك إذا نطق بذكر الله، فقولك بلسانك: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ هذا نطق باللسان، وهكذا بقية الأذكار التي ينطق بها الإنسان بلسانه.\nوقوله: (وعمل بالأركان)، الأركان الجوارح، ومثال العمل بالأركان الصلاة والركوع والسجود، والحج، والزكاة، والجهاد في سبيل الله، فكل ما تفعله بيدك من طاعة لله فهو عمل، وكل ما تمشي إليه برجلك فهو عمل، وكل ما تعمله بجسدك فهو عمل بالأركان.\nوقوله: (وعقد بالجنان)، أي: ما يعتقده الإنسان بالجنان وهو القلب، أي: اعتقاد القلب، واعتقاد القلب هنا يشمل أمرين: يشمل تصديقه، وذلك أن يصدق الإنسان بقلبه، ويشمل أعمال القلوب، مثل الخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والمحبة.\nإذًا: استنتجنا من تعريف أهل السنة والجماعة للإيمان أنه يشمل أمورًا ثلاثة: يشمل نطق اللسان، ويشمل اعتقاد القلب، ويشمل عمل الجوارح، وهذا واضح جدًا.\nوقال بعض السلف: (الإيمان قول وعمل)، وقوله هذا صحيح، فقوله: (قول) أي نطق باللسان، وقوله: (وعمل) يشمل عمل القلب وعمل الجوارح.\nفهم بهذا التعريف الصحيح المنطبق على ما عليه أهل السنة والجماعة يحددون المعنى الموافق للتعريف الآخر الذي ذكره المصنف هنا.\nونحن نحدد هذا المعنى لأهل السنة والجماعة، لأن الأدلة دلت على ذلك، فقوله ﷺ: (آمركم بالإيمان: أن تشهدوا) هذا قول، وهو واجب، وهو من الإيمان.\nواعتقاد القلب هو الإخلاص، وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقوله: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، هذه من أعمال القلوب.\nفأعمال الجوارح هي كل ما يتعلق بشعب الإيمان المتعددة التي تعمل بالجوارح، وكلها داخلة في الإيمان، والأدلة على ذلك متواترة.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>تعريف الإيمان عند المخالفين لأهل السنة والجماعة</span>\nالذين ضلوا وانحرفوا في باب الإيمان، سبب ذلك هو قصرهم الإيمان على تعريف معين، فوقعوا في أخطاء؛ لأن منهم من قال: الإيمان قول اللسان فقط، فمن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مؤمن، ونحن نقول: هل يكون المنافق مؤمنًا؟ قالوا: هو مؤمن ظاهرًا، لكن في الباطن هو كافر.\nوجاءت طائفة أخرى فقالت: لا اعتبار بهذا، إنما الاعتبار بمعرفة القلب، فالإيمان هو المعرفة، فمن عرف الله وعرف الرسول أنه صادق فهو مؤمن.\nفقلنا لهم: ما تقولون في الشخص إذا كان قد عرف لكنه كذَّب مثل إبليس، فإبليس في قرارة نفسه كان عارفًا بالله، ولكنه كفر بالجحود، وكفر بالإباء والاستكبار.\nوهكذا فرعون كان عارفًا بالله، قال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] .\nإذًا: التعريف للإيمان بأنه المعرفة كما عرفته الجهمية تعريف باطل؛ لأنه يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون مؤمنين؛ لأنهما يعرفان الله.\nوبعضهم قال: الإيمان هو التصديق، وهذا تجده عند الأشعرية والماتريدية، فقلنا لهم: ما تقصدون بالتصديق؟ إن قصدتم به المعرفة -يعني: أن يصدق بقلبه- فإبليس وفرعون كانا مصدقين، واليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ كانوا مصدقين بقلوبهم أن محمدًا رسول الله، لكنهم كفروا.\nفقالوا: نحن نفرق بين المعرفة وبين التصديق، فالتصديق يلزم منه شيء من عمل القلب.\nفنقول: هذا كلام أردتم به التفريق، لكن لا يتم ذلك إلا بأن تفسروا الإيمان بما دلت عليه النصوص، وإلا ففرعون مصدق، بل الله ﷾ ما جعله تصديقًا وإنما سماه يقينًا، فقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ واليقين تصديق جازم، ومع ذلك كانوا كفارًا وإن كانوا مصدقين، فكيف تقولون: الإيمان هو التصديق؟! ولهذا كانوا متناقضين حينما عرفوا الإيمان بأنه التصديق.\nكذلك أيضًا مرجئة الفقهاء كـ أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى قالوا: الإيمان هو قول باللسان، واعتقاد بالقلب فقط، ولم يدخلوا العمل، فقلنا لهم: إن النصوص الصريحة الصحيحة دلت على دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان، فتعريفكم ناقص، وأنتم -رحمكم الله- وإن أوجبتم العمل ولكنكم أخرجتموه عن مسمى الإيمان، إلا أن إخراجكم له مخالف للنصوص الصريحة الصحيحة.\nفهؤلاء كلهم انحرفوا على تفاوت فيما بينهم في تعريف الإيمان، لكن التعريف الصحيح هو ما ذكره أهل السنة والجماعة وعبر عنه المصنف هنا.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nقال المصنف: [يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان] .\nإدخال أعمال الجوارح في مسمى الإيمان وإدخال أعمال القلوب في مسمى الإيمان يقتضي قضية أخرى من قضايا الإيمان دلت عليها النصوص، وهي أن الإيمان يزيد وينقص، وكل من ذكرناه سابقًا من الطوائف غير أهل السنة والجماعة يخالفون في هذا؛ فالمرجئة يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الإيمان عندهم مجرد التصديق، ولا تفاوت بين المصدقين، بينما لو تأملنا لوجدنا أنه حتى في باب التصديق يتفاوت الناس؛ لأن الناس لا يتفاوتون إذا كان الأمر خبرًا عن حاضر، فمثلًا: عندما أقول لأناس: هذا كتاب، وكل واحد منهم رآه وعلم أنه كتاب؛ لأنه أمر حاضر قريب منه، فتصديقهم له لا يتفاوت، ولا يجيء واحد ويقول: أنا أكثر منهم إيمانًا بأن هذا كتاب، لكن عندما يتعلق الأمر بخبر عن غائب فإنه يتفاوت، فمثلًا: لو كنا في مسجد وجاءنا واحد وأخبرنا بخبر جرى -مثلًا- في الجامعة، فقال: قبل قليل حدث كذا وكذا، فإيماننا وتصديقنا بهذا الخبر سيختلف؛ لأن واحدًا منا رأى أن القائل غريب فما صدق، وواحدًا آخر يعرف أنه فلان بن فلان الثقة فصدق، وواحدًا شك، وواحدًا كذب، فكلنا سنتفاوت في هذا؛ لأنه خبر عن غيب.\nومجمل مسائل الإيمان هي خبر عن غيب، إذًا: عندما يقول المرجئة إن التصديق واحد، نقول: لا، بل التصديق متفاوت؛ فهذا مصدق بالله وهذا مصدق بالله، لكن هل تصديقهم وإيمانهم بالله واحد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا، وهكذا الإيمان بالملائكة والإيمان باليوم الآخر، فهل تصديقنا باليوم الآخر واحد أم متفاوت؟ الجواب: متفاوت؛ فهذا قوي الإيمان، وهذا أقل منه.\nوهكذا التصديق بالقضاء والقدر، والتصديق برسالة محمد ﷺ.\nإذًا: لا شك أن التصديق يتفاوت، فإذا جئنا لأعمال الجوارح، فهل يتفاوتون؟ فذلك الإنسان الذي هو مصدق لكنه لا يعمل شيء، وذلك الإنسان الذي هو مصدق صوام قوام مطيع لله، أمار بالمعروف نهاء عن المنكر، صاحب خير وأعمال صالحات، هل إيمان هذا مثل إيمان هذا؟! الجواب: لا يمكن أن يكونا متساويين.\nإذًا: تصديق القلب يتفاوت الناس فيه، وأعمال الجوارح من الطاعات يتفاوت الناس فيها، ومن ثمَّ دلت الأدلة الصحيحة على أن الإيمان يزيد وينقص، ولهذا قال المصنف هنا: (يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان) .","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>أدلة زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nثم ذكر الأدلة فقال: [قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]] .\nأي: ملة إبراهيم الحنيفية التي هي صدق الإخلاص في العبادة لله ﷾.\nقال: [فجعل عبادة الله وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين] .\nوإذا كان من الدين فهو من الإيمان.\nإذًا: الدين والإيمان كل منهما يدخل فيه قول اللسان، ويدخل فيه اعتقاد القلب، ويدخل فيه أعمال الجوارح، كإيتاء الزكاة وإقام الصلاة، وهذا أيضًا دليل صريح في هذا الباب.\nثم قال المصنف: [وقال رسول الله ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فجعل القول والعمل من الإيمان] .\nفدل هذا على أن الإيمان قول وعمل، خلافًا للمرجئة.\nثم إن المصنف بعد أن دلل على تعريف الإيمان، وأنه قول واعتقاد وعمل، أخذ يدلل على زيادته ونقصانه فقال: [وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]] .\nقال تعالى في أول هذه الآية: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، فنزول الآيات القرآنية تزيد في الإيمان، وهذا يدل على الزيادة، وإذا قبل الزيادة فهو قابل للنقصان.\nقال المصنف: [وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤]] .\nهذه الآية في سورة الفتح، وفيها: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفتح:٤]، وفيها أيضًا دلالة على زيادة الإيمان.\nقال المصنف: [وقال رسول الله ﷺ: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة -حبة بر- أو خردلة -معروفة، وهي: الهباءة في الهواء- أو ذرة من الإيمان) فجعله متفاضلًا] .\nالدليل هنا على زيادة الإيمان ونقصانه في الحديث قوله: (وفي قلبه مثقال برة)، ولذلك جاء في بعض روايات هذا الحديث: (يخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان)، وأدنى وأدنى هنا دليل على النقصان.\nوورد أيضًا أدلة على ذلك من سنة الرسول ﷺ، منها قوله ﵊ (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا)، وقوله: (أكمل) دليل على زيادة الإيمان.\nوأيضًا يقول الرسول ﷺ عن المرأة التي لا تصلي وقت الدورة الشهرية: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين)، فلما سئل عن نقص الدين ذكر أنها تترك الصلاة أيام أقرائها، أي: أيام حيضها، فهذه المرأة وإن كان تركها للصلاة حكمًا شرعيًا إلا أنه ينقص إيمانها، لكنه تنقيص لا تأثم به، وهذا مشاهد، فالمرأة إذا تركت الصلاة وتركت بعض الأعمال كالصيام ونحو ذلك لا شك أنه ينقص إيمانها، لكنها لا تأثم بذلك، فنحن نستدل من الحديث على نقصان الإيمان، لكن ليس بلازم يترتب عليه إثم.\nفمثلًا: إنسان يقوم الليل، فنقول: زاد إيمانه، ثم بعد شهر ترك قيام الليل، فنقول: نقص إيمانه، لكن نقصه لنقص الطاعة لا لفعل المعصية، أما الذي يفعل المعصية فإن مجرد فعل المعصية ينقص الإيمان، وهذا واضح جدًا.\nوفي مسائل الإيمان قضايا كثيرة، لكن نكتفي بما ذكره المصنف ﵀.","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>وجوب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ</span>\nثم انتقل رحمه الله تعالى إلى قضية أخرى فقال: [فصل: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ، وصح به النقل عنه، فيما شاهدناه أو غاب عنا نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطّلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج] .\nهذه قضية كبرى من قضايا الإيمان، وهي الإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ، ونحن عرضنا لهذه القضية عند قول المصنف: (ويجب أن نصف الله بما وصف به أو وصفه به رسوله)، وقلنا: إن ما جاء به الرسول ﷺ فهو حق يجب الإيمان به، فذكره المصنف هناك في باب الصفات، وذكره هنا في غير باب الصفات، فكلما ورد النص الصحيح عن النبي ﷺ من الخبر الغيبي سواء كان هذا الغيبي سابقًا أو سيأتي فنحن نؤمن به، ونصدق به، بشرط أن يكون هذا الحديث صحيحًا؛ ولهذا قال: (ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا) .\nفما أخبرنا به الرسول ﷺ مما شاهده الصحابة في وقته، أو نشاهده نحن من بعض أخباره ومعجزاته، أو غاب عنا مثل خبره عن الله، أو عن الملائكة، أو عن السماوات، أو مثل خبره عن عذاب القبر ونعيمه، وخبره عن اليوم الآخر، وماذا يكون في اليوم الآخر، والميزان والصراط، وخبره عن أشراط الساعة التي تكون في آخر الزمان، وخبره عن أهل الجنة، وأهل النار، كل هذه الأمور إذا صح الحديث بها فنحن نؤمن به.","vol":"10","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>الرد على القرآنيين والعقلانيين</span>\nوهذه قضية إيمانية بدهية، لكن المؤسف حقًا هو أنه وجد في المسلمين من يستهين بحديث الرسول ﷺ، ولا يصدق ما جاء به! ولهذا أخبر الرسول ﷺ عن ذلك وقال: (يوشك رجل متكئ على أريكته يقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما جاء في كتاب الله أخذنا به! ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه)، أي: السنة، والسنة بيان، والله ﷾ أخبر أنه أنزل القرآن للبيان فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، ولا يمكن أبدًا أن نعمل بالقرآن إلا بالسنة، فنصوص القرآن عامة، ولو لم نعمل بسنة الرسول ﷺ كما هو مذهب القرآنيين لما عملنا بالقرآن، فهناك طائفة يسمون القرآنيين، يقولون: الحديث فيه صحيح وضعيف فلا نأخذ به! وأولئك الذين ينكرون السنة وقعوا في خلط عجيب جدًا! فإن الله ﷾ يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فكيف نعمل بالآية؟ ومن هو السارق؟ هل السارق الذي سرق ثلاث حبات شعير، والذي سرق درهمًا، والذي سرق ثلاثة دراهم، والذي سرق مليون درهم سواء، إذا أخذنا بالعموم فنقطع يد كل سارق حتى ولو سرق دون النصاب، وحتى ولو كان أمرًا تافهًا؟! ثم إذا جئنا لننفذ الحد؛ لقوله تعالى: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، فما هي اليد؟ هل اليد من الكف، أو من منتصف الساعد، أو من المرفق، أو من العضد، أو من الكتف؟! وكيف نقطع هذه اليد؟! فلا يمكن أن ننفذ هذا الحكم الشرعي إلا ببيان الرسول ﷺ.\nوهكذا بقية الأحكام الشرعية.\nإذًا: الأحكام الشرعية والأخبار الغيبية التي صحت عن النبي ﷺ نحن نأخذ بها، ونؤمن بما كان فيها من أخبار، ونعمل بما كان فيها من حكم وتشريع؛ لأن الرسول ﷺ مبلغ عن ربه ﷾، وما جاء به حق وصدق.\nوإذا أتانا خبر من الأخبار عن النبي ﷺ نأخذ به، مثل حديث الذباب، فبعضهم يرد هذا الحديث؛ لقول فلان أو علان أو أهل الطب أو غيرهم: إن الذباب ينقل العدوى! فنقول: إن الرسول ﷺ قال هذا الحكم، وتبين فعلًا أنه حق، وهذا البيان للاطمئنان، وإلا فما في إيماننا شك بصدق الرسول ﷺ حين قال عن الذباب: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) وقد تبين أنه كما أخبر ﵊.\nفيجب الإيمان بكل الأمور التي يخبر عنها الرسول ﷺ.","vol":"10","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>الإيمان بحديث الإسراء والمعراج</span>\nمثل المصنف هنا بأمثلة فيها شيء من الغيبيات، فقال: (مثل حديث الإسراء والمعراج)؛ لأن الإسراء والمعراج غيب، وكان يقظة لا منامًا، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، والرسول ﷺ أسري به إلى بيت المقدس.\nوالإسراء هو السير ليلًا، والمعراج مفعال من العروج، وهي الآلة التي يصعد بها، والله أعلم بكيفيتها، والمقصود العروج به ﷺ إلى السماء، وأهل السنة والجماعة يقولون: إنه كان يقظة، وكان بروحه وجسده، وهذا هو الصحيح.\nوهذا الإسراء والمعراج معجزة من معجزات الرسول ﷺ، لكن من حكمة الله تعالى أن جعل فيها الإسراء الذي يستدل به عمليًا على صدق الرسول ﷺ في ذلك؛ لأن الله قادر على أن يعرج به من المسجد الحرام إلى السماء، لكن لو عرج به إلى السماء، وجاء الرسول في الصباح يقول: عرج بي إلى السماء، لقال المشركون: هذا مثل كقولك إنه ينزل عليك ملك! أي: أن هذا أمر غيبي لا يمكن أن نستدل به على صدق ما تقول، لكن من حكمة الله أن جعل الإسراء إلى بيت المقدس؛ ولهذا لما اعترض المشركون لم يعترضوا على العروج به إلى السماء، وإنما اعترضوا على الإسراء به إلى بيت المقدس؛ لأن هذه هي القضية المادية التي يرون أنها لا يمكن أن تتم في ليلة واحدة؛ ولهذا لما أخبرهم الرسول ﷺ بذلك أنكرته قريش وأكبرته، وقالت: هذا شيء لا يمكن أن يتم ولا يمكن أن يقع، وبقية القصة معروفة.\nلكن الرسول ﷺ أخبرهم عن أشياء دلت على أن هذا وقع فعلًا، فأخبرهم عن العير، وماذا جرى لها، ومتى ستقدم، بل وأخبرهم عن تفاصيل دقيقة عن بيت المقدس، وهم يقطعون ويجزمون بأن الرسول ﷺ ما ذهب إلى فلسطين، فإنه حين سأله المشركون عن المسجد الأقصى رفعه الله ﷾ للنبي ﷺ، وصار كأنه ينظر إليه، فجعل ﵊ يصفه وصفًا دقيقًا؛ حتى إن الواحد من المشركين قد يكون استقر في ذهنه جزئية بسيطة في المسجد، كالمدخل، والعتبة الفلانية، والمكان الفلاني، أما ماذا فيه من وصف فلا، فالرسول ﷺ جعل يصفه وصفًا دقيقًا، لكن لو كان منامًا كما يزعم البعض ويقول: الإسراء والمعراج كان منامًا، فإنهم لا ينكرونها؛ لأن المنامات لا تنكر، فإذا جاء واحد وقال: رأيت في النوم أنني ذهبت إلى كذا وصعد بي وعرج بي إلى آخره، فسيكون هذا منامًا ليس بمستغرب، لكن قريشًا وهم كفار فهموا من قول الرسول ﷺ إنه أسري بي، ثم عرج بي إلى السماء، أنه كان بروحه وجسده، يقظة لا منامًا.\nبقي إشكال، وهو أنه في بعض روايات الإسراء أن الرسول ذكر فيه أنه استيقظ، وفي بعضها: أنه كان منامًا، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأنه لا يبعد أن الرسول كان يرى رؤيا ثم تقع مثل فلق الصبح، فقد يكون الرسول ﷺ رأى رؤيا ثم بعد ذلك وقعت حقيقة، لكن ما أخبر به الرسول ﷺ المشركين إنما هو إخبار بالإسراء بروحه وجسده، يقظة وليس منامًا.\nوأما كيف تم ذلك؟ فهذا علمه عند الله، والرسول ﷺ أخبرنا عن البراق، وعن شيء من وصفه، وعن شيء من سرعته، وأخبرنا عما جرى له في السماوات، وكيف استفتح كل سماء، وكيف التقى ببعض الأنبياء، وكيف أنه بلغ سدرة المنتهى، وكيف أنه سمع صريف الأقلام، وكيف أنه رأى جبريل، وكيف أن الله كلمه في السماء، وخاطبه مباشرة بدون واسطة، وفرض عليه الصلوات الخمس إلى آخره.\nفنؤمن ونصدق بجميع ذلك، وهذا مثال فقط ذكره المصنف في بداية هذه القضية الكبرى، وهي الإيمان بكل ما صح عن رسول الله ﷺ؛ ولهذا قال: [وكان يقظة لا منامًا؛ فإن قريش أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات] .","vol":"10","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>الإيمان بفقء ملك الموت عين موسى ﵇</span>\nثم قال المصنف: [ومن ذلك -أي: من الأخبار الغيبية التي نصدق بها- أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه، ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فرد عليه عينه] .\nهذه القضية لاك فيها المتقدمون والمتأخرون، ففي الزمن القديم -قبل ألف سنة- وجد من لاك في هذا الحديث، وقال: كيف يفقأ موسى عين ملك الموت؟ وفي العصر الحديث أيضًا وجد من المستشرقين وأذنابهم ممن ينتسب إلى المسلمين من يعترض بنفس الاعتراض، بينما هذا الحديث حديث متفق عليه، رواه البخاري ورواه مسلم، ورواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة، لا شك فيها أبدًا، وليس فيها علة، ولا شذوذ، ولم يتكلم أحد بنقدها لا إسنادًا ولا متنا، ً وإنما اعترض عليها من يعترض على خبر الرسول ﷺ.\nومن ثمَّ فإن أهل السنة والجماعة يؤمنون بمثل هذا الحديث، ويصدقون بما جاء به، وهو أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ليقبض روحه، فقأ موسى عينه، ثم إن الله ﷾ رد على ملك الموت عينه، وجاء إلى موسى مرة أخرى، كما هو معروف في بقية الحديث وقال: (إن الله يقول لك: تعال إلى ثور، وامسح على جلده، فلك بكل شعرة من جلده سنة من عمرك، فقال موسى: وبعد ذلك؟ قال: الموت، قال: إذًا الآن)، أي: ليقبض روحي الآن.\nقد يقول قائل: وكيف ذلك؟ فنقول: الأمر يسير؛ فنحن نصدق بهذا، لكن نحن سنقرب الأمر تقريبًا وليس جزمًا فنقول: أليس جبريل ﵇ كان يأتي إلى الرسول ﷺ في صورة دحية الكلبي الصحابي المشهور ﵁، حتى إنه كان يدخل على الرسول فيقولون: دخل عليه دحية، بينما هو جبريل؟! أليس الرسول وأصحابه جاءهم جبريل على صورة رجل في حديث جبريل المشهور: (طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد)؟! وفي بعض الروايات: أن الرسول ﷺ ما علم إلا بعد نهاية الحديث.\nإذًا: فهل يمنع مانع من أن يأتي ملك الموت على هيئته في صورة بشر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا يمنع ذلك شيء.\nهذا أولًا.\nثانيًا: لما دخل على موسى ألا يحتمل أن يكون موسى نظر فإذا في بيته رجل، فغضب لمحارمه؟ ونحن نعلم أن من اطلع على بيت أحد ففقأ عينه -كما في الحديث- فعينه هدر.\nثم إذا كان الملك يأتي على صورة بشر فتفقأ عينه فليس فيه إشكال، ولهذا لما جاء في المرة الثانية وقال: أنا ملك الموت؛ اختلفت صورة الواقعة هنا، ولما قال له: (أمرر بيدك على جلد ثور، فلك بكل شعرة سنة) أجابه موسى ﵊ بما سبق أن ذكرنا.\nإذًا: المسألة ليس فيها إشكال، وما دام الخبر قد جاء بالإسناد الصحيح فلا إشكال، فنحن نؤمن بذلك ونصدقه، ولا نعترض، ولا ندخل بعقولنا وتوهماتنا.","vol":"10","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>وجوب الإيمان بما أخبر النبي ﷺ من أشراط الساعة</span>\nثم قال المصنف: [ومن ذلك: أشراط الساعة] .\nأي: من الأمور التي صحت بها الأخبار، ونحن نصدق بها أشراط الساعة، وأشراط الساعة علاماتها.","vol":"10","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>أشراط الساعة قسمان: صغرى وكبرى</span>\nوأشراطها قسمان: قسم منها أشراط صغرى بعيدة، والقسم الثاني أشراط كبرى قريبة.\nفالصغرى هي الأشراط الصغيرة التي أخبر عنها الرسول ﷺ، مثل موته ﵊، ومثل فتح بيت المقدس، ونحو ذلك.\nوالكبرى هي التي تأتي في آخر الزمان، مثل الدجال، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى بن مريم، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، والخسوفات الثلاثة، فكل هذه أشراط كبرى.\nوالأشراط الصغرى أشراط بعيدة؛ لبعدها عن يوم القيامة، أي: بعيدة بعدًا نسبيًا عن يوم القيامة، لكن الأشراط الكبرى قريبة؛ لقربها من يوم القيامة؛ لأنه ورد أن الأشراط الكبرى تأتي متتابعة، ويأتي بعدها قيام الساعة.\nوأشراط الساعة كثيرة تكلم عنها العلماء، وذكروها، ونحن نؤمن بما صح من أشراط الساعة، مثل ما ورد في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى تعود جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا)، وما ورد أن نهر الفرات ينحسر عن جبل من ذهب، ويقتتل الناس عليه، وما ورد من فتح رومة، وأنه في آخر الزمان تكثر النساء، ويقل الرجال، حتى يكون الرجل الواحد قيمًا لخمسين امرأة؛ ولهذا فإن هذه الأشراط ليست كلها سيئة؛ فإن بعض الناس يظن أن الأشراط كلها فتن، وليس الأمر كذلك، بل الرسول ﷺ أخبرنا عما سيجري، فبعضها فتن، وبعضها ليس بفتن، مثل كون الرجل قيمًا لخمسين، فإنسان يبتلى في آخر الزمان بأن يكون قيمًا لخمسين امرأة، هل هذا سيئ بالنسبة له؟ ليس سيئًا، بل هذا قضاؤه وقدره، فإذا قام بهن ورعاهن فله أجر عظيم عند الله ﷾.\nوالمقصود بكونه قيمًا لهن: أنه يعولهن؛ لأنهن بناته وأخواته وعماته وخالاته وقريبات له، حتى وإن لم يكن محارم له، فليس لهن إلا هو.","vol":"10","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>الإيمان بخروج المسيح الدجال</span>\nثم مثل المصنف بأمثلة مختصرة؛ لأن هذه العقيدة مختصرة لا يريد أن يطيل فيها فقال: [مثل خروج الدجال] .\nوقد وردت الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ في خروجه في آخر الزمان، وهو دجال كذاب، وورد في صفته عن النبي ﷺ أنه يخرج في آخر الزمان، وأن الله يفتن به الناس، ويتبعه اليهود، ويتبعه كثير من النساء، وضعفة العقول، وأنه يجوب الأرض، وأن الله يؤيده بخوارق، وهذه الخوارق يفتن بها الناس، فيأمر السماء أن تمطر، ويأمر الأرض أن تنبت، ويأمر الخربات أن تخرج كنوزها، وهذه الخربة لو جاء إنسان فإنه يحتاج إلى سنين حتى يبعثرها ليخرج ما فيها من مال أو ذهب أو نحو ذلك، لكن الدجال يأمرها فتخرج كنوزها، ويأمر الأرض نفسها فتخرج كنوزها من ذهب وجواهر ونحو ذلك، وكلها فتنة.\nوأيضًا يأتي برجل يكذب به، فيقول الدجال للناس: أرأيتم إن قتلته وأحييته، أتصدقوني؟ فيقولون: نعم، فيأتي بهذا الرجل فيشقه نصفين، ويمشي بينهما، ثم يعود فيحييه من جديد، ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: والله ما ازددت فيك إلا يقينًا أنك الدجال الذي أخبرنا عنه رسول الله ﷺ، فيريد قتله مرة أخرى فيعجز عنه، فيأخذه ويرمي به إلى ناره، وإنما رمى به إلى الجنة.\nففتنة الدجال فتنة عظيمة؛ ولهذا ورد عن النبي ﷺ أنه حذر من المسيح الدجال أصحابه حتى قالوا: (ظننا أنه على أطراف المدينة من شدة تحذيره)، وقال ﵊: (ما من نبي إلا وقد حذر أمته من فتنة الدجال)؛ لأن فتنته عظيمة جدًا في الأمة؛ ولهذا ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (من سمع منكم بـ الدجال فلا يأته) .\nوالرسول ﷺ نهى عن الذهاب إلى الكاهن والساحر؛ لأنه فتنة، وأنت إذا قيل لك: هذا كاهن وساحر يدعي علم الغيب! فإنك تقول: هو كذاب، لكن إذا ذهبت إليه وبدأ يخبرك عن شعوذاته ربما يصير عندك شك، فهذه هي حكمة النهي عن الذهاب إلى الكاهن، قال ﵊: (من أتى كاهنًا فصدقه -وفي رواية: من أتى كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ)، وهنا الرسول ﷺ يقول: (من سمع منكم بـ الدجال فلا يأته)، فلا تجعلها مسألة فرجة، وتقول: نحن نعرف أنه كذاب، لكن سنذهب لننظر! فالنبي ﷺ يقول في هذا الحديث: (فإن الرجل ليسمع بـ الدجال فيقول: هذا هو الدجال، أشهد أنه الكذاب الذي أخبرنا رسول الله ﷺ عنه)، يعني: أن عنده الأدلة، والمعرفة اليقينية بأنه كذاب، لكن يقول الرسول ﷺ: (ثم إنه يأتي إليه فلا يزال به حتى يؤمن به ويصدقه!)، أي أنه يفتن به؛ لأنه إذا جاءه قال للسماء: أمطري فتمطر، وللأرض: أنبتي فتنبت، وأخرجي كنوزك فتخرج كنوزها.\nوهذه الفتنة العظيمة حذر الرسول ﷺ منها، وهو يخرج في آخر الزمن، وإذا خرج يخرج معه اليهود، ويقتله عيسى بن مريم ﵇.","vol":"10","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>الإيمان بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان</span>\nقال المصنف: [ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله] .\nأي: نؤمن بأن عيسى بن مريم ﵊ ينزل في آخر الزمان، وأنه يقتل الدجال، يعني: أن عندنا قضيتين من أشراط الساعة الكبرى: القضية الأولى: مجيء الدجال وخروجه.\nوالثانية: نزول عيسى بن مريم.\nلكن نزول عيسى بن مريم يكون بعد خروج الدجال؛ ولهذا فإن هذا الدجال يكون معه اليهود، فيقاتلهم عيسى ﵇ ومعه المؤمنون من أمة محمد ﷺ، فإذا أقبل عليه ذاب الدجال كما يذوب الملح في الماء، ثم إن عيسى يقتله ويريح المسلمين من شره، كما أخبر بذلك الرسول ﷺ.\nوقد وردت آيات في القرآن فيها إشارات إلى نزول عيسى، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩]، ووردت أحاديث متواترة عن النبي ﷺ أنه سيخرج في آخر الزمان، وينزل في شرقي مدينة دمشق على المنارة البيضاء، ينزل ﵇ متكئًا على ملكين، ورأسه يقطر، كأنما خرج من ديماص -وهو: الحمام- فإذا خفض رأسه قطر الماء، فينزل وقد اجتمع المسلمون ومعهم المهدي الذي يأتي في آخر الزمان، وقد حضرت صلاة العصر.\nإذًا: عيسى ﵇ يحضر مع المسلمين، ويصلي صلاة المسلمين، فيقولون له: صل لنا، فيأبى، ويصلي عيسى ﵇ خلف المهدي تكرمة لهذه الأمة، ثم يتولى قيادة الأمة، ويمكث سنين، ويحكم بالقرآن، ويقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويبطل دعوى النصارى أن عيسى صلب، ويضع الجزية، فلا لا يقبل من أهل الكتاب -اليهود والنصارى- إلا الإيمان بالقرآن والإسلام، أو السيف، أما قبل نزول عيسى ﵇ فلهم أحكام ثلاثة: إما الإسلام، وإما أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإما السيف إذا أبوا ذلك، فإذا نزل عيسى في آخر الزمان بطلت موضوع شبهة أهل الكتاب؛ فيقال: هذا نبيكم المرسل إليكم قد جاء يأمر بطاعة محمد؛ لأن الله أخذ على عيسى العهد والميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن بمحمد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: (والله! لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني)، والرسل يصدق بعضهم بعضًا.\nويحكم عيسى بالقرآن ولا يحكم بالإنجيل، فلا يأتي قائل ويقول: إن قولكم إن الأناجيل محرفة صحيح؛ فقد حرفها الأحبار والرهبان وغيرهم، لكن الآن جاءنا من نزل عليه الإنجيل، فالإنجيل عنده غير محرف، فلماذا لا يحكم بالإنجيل؟ فنقول له: الإنجيل المحرف وغير المحرف منسوخ بالقرآن، وعيسى لأنه رسول الله يؤمن بهذا النسخ، ويصدق به، ويتبع محمدًا، ولهذا لا يقبل إلا الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله ﷺ.\nإذًا: خبر الدجال الغيبي حق وصدق نؤمن به، وخبر نزول عيسى بن مريم وما فيه من أحداث حق نؤمن به، ولهذا ورد أنه يحج أو يعتمر، كما قال ﵊: (ليهلن عيسى بن مريم بالبيداء حاجًا أو معتمرًا)، وهذا حق وصدق نؤمن به، ونصدق بنزوله وبما يجري في ذلك.","vol":"10","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>الإيمان بخروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان</span>\nقال المصنف ﵀: [وخروج يأجوج ومأجوج] .\nأي: أن من أشراط الساعة خروج يأجوج ومأجوج، وهم طائفتان عظيمتان من بني آدم، ورد أنهم يخرجون في آخر الزمان، وقد ورد ذكر لهم في قصة ذي القرنين حينما وضع السد، وأنهم يخرجون إذا قرب قيام الساعة، كما قال ﷿: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف:٩٨]، ويأجوج ومأجوج عددهم كبير، ويفسدون في الأرض، ويأكلون الطعام، ويشربون المياه، حتى إنهم يشربون مياه البحار أحيانًا، ويؤذون الناس.\nويأجوج ومأجوج إذا أفسدوا في الأرض يكون عيسى موجودًا بين أظهر المسلمين، فيأتي المسلمون إلى عيسى ويقولون: يا عيسى! انظر ماذا فعل يأجوج ومأجوج، فادع عليهم، فيدعو الله ﷾ أن يخلص المؤمنين من شرهم، فينزل عليهم النغف فيموتون جميعًا، ويصبحون وقد امتلأت الأرض من جثثهم، فتنتن أجسامهم، ويتأذى المسلمون بذلك، فيأتون عيسى، فيدعو ربه ﷾.\nوفي بعض الروايات: أنه يأتي سيل عظيم، فيكنس جثثهم من الأرض، ويريح الله المؤمنين من شرهم.\nوفي بعضها: أنها تأتي طيور فتأكل أجسادهم وتريح المسلمين من شرهم إلى آخر هذه التفاصيل.\nفيأجوج ومأجوج فتنة عظيمة، ومفسدة عظيمة، لكن نحن نؤمن بذلك ونصدق به.\nويأجوج ومأجوج من بني آدم، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم: يا آدم! أخرج بعث النار، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة، فهذا يوم يجعل الولدان شيبًا)، أي: هذا يوم يشيب فيه الولدان، لكن الصحابة ﵃ وأرضاهم اشتد عليهم هذا، فقالوا: (فمن ينجو إذًا؟) فقال ﷺ: (لا تفزعوا؛ فتسعمائة وتسعة وتسعون من يأجوج ومأجوج، وواحد منكم) فدل على أنهم من بني آدم.\nوورد في وصفهم أن نعالهم الشعر، وأنهم صغار الأنوف، صغار الأجسام، كأن وجوههم المجان المطرقة.\nوقد يقال: لقد اكتشفت الكرة الأرضية، فهل سور الصين هو السد؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n كل هذه الأخبار لا تتوافق مع النصوص الواردة عن النبي ﷺ، والعلم عند الله تعالى، لكن نحن نصدق بذلك، ونؤمن به.\nوبعضهم فسر بأنهم أهل الصين، وأنه في آخر الزمان يكثر عدد أهل الصين ويهجمون، لكن الذي يظهر -والله أعلم- أنه ليس بيننا وبين الصين سور الآن، بل التنقل بيننا وبينهم وارد، فالقول بأن يأجوج ومأجوج هم أهل الصين قول لا يتوافق مع النصوص الواردة بذلك.\nونقول: ما دام ورد في كتاب الله تعالى ووردت بذلك الأحاديث الصحيحة، فنحن نصدق بذلك ونؤمن به، قال ﷿: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] .","vol":"10","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>الإيمان بخروج الدابة في آخر الزمان</span>\nثم قال: [وخروج الدابة] .\nوهذه أيضًا من أشراط الساعة الكبرى، وهذه الدابة تخرج وتكلم الناس، وتسمهم، يعني: ورد أن هذه الدابة تخرج وتسم الناس؛ لأن وسمهم يكون بعد انقطاع التوبة، فتسمهم، وتكتب على وجه كل واحد: هذا كافر، وهذا مؤمن، حتى ورد في بعض طرق الحديث: أن الناس يتبايعون، فيسأل: من اشترى منك؟ فيقول: اشترى مني فلان الكافر، أو فلان المؤمن.\nولعل هذا -والله أعلم- يكون بعد طلوع الشمس من مغربها وانقطاع التوبة.\nوهذه الدابة ما صفتها، وما شكلها، ومن أين تخرج إلى آخره؟ كل هذا علمه عند الله ﷾، لكن ورد أنها دابة، والدابة معروف معناها لغة، لكن ورد أنها تسم الناس، وأنها تكلمهم، فنحن نؤمن بذلك ونصدق.","vol":"10","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>الإيمان بأن من أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها</span>\nثم قال المصنف: [وطلوع الشمس من مغربها] .\nكذلك أيضًا من أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها، وهذا أيضًا ورد في حديث النبي ﷺ الصحيح، وإذا طلعت من المغرب فذاك يوم لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولهذا ورد عن النبي ﷺ أن التوبة باقية إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها انقطعت التوبة، وهذه آية كونية عظمى.","vol":"10","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>وجوب الإيمان بكل أشراط الساعة التي صح بها النقل</span>\nقال المصنف: [وأشباه ذلك مما صح به النقل] .\nأي: من أشراط الساعة الكبرى، مثل ما ورد عن النبي ﷺ من الأخبار عن الخسوف الثلاثة: خسف في المشرق، وخسف في المغرب، وخسف في وسط جزيرة العرب، وأيضًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ﵇، وخروج الدجال.\nوأيضًا من الآيات: الدخان، وهو آية من آيات الله ﷾ في آخر الزمان.\nوأيضًا من الآيات الكبرى: النار التي تخرج وتحشر الناس، فقد ورد أن النار تخرج في آخر الزمان، وتحشر الناس، فتبيت معهم إذا باتوا، يعني: أنهم عند خروجهم يجد بهم المسير، فإذا جاء الليل اشتد عليهم الإعياء فناموا، فإذا ناموا نامت معهم، وإذا أصبحوا حشرتهم، حتى يجتمعوا عند المحشر، فإذا اجتمعوا عند المحشر قامت عليهم الساعة.\nولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، نسأل الله ﷾ أن يعيذنا من ذلك.","vol":"10","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وعذاب القبر ونعيمه حق] .\nعذاب القبر ونعيمه دلت عليه الأدلة القرآنية، قال الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، والنار التي يعرضون عليها هي عذاب القبر، فعذاب آل فرعون دليل على أنهم يعذبون قبل دخولهم النار، وعلى هذا فإن المؤمن أيضًا ينعم قبل دخوله الجنة.\nوقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، كحديث البراء بن عازب وغيره عن عذاب القبر ونعيمه حينما ذكر قصة الموت، وفيه أن المؤمن يوسع له في قبره، ويفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه من نعيمها وروحها إلى آخره.\nوعكسه الكافر؛ فإنه يفتح له باب إلى النار، ويأتيه من سمومها وحميمها.\nكذلك أيضًا قول النبي ﷺ لما أتى إلى قبرين: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله)، فهذا دليل على عذاب القبر ونعيمه.\nوأما كيف يتم عذاب القبر ونعيمه؟ فيتم على أي حالة كان عليها الإنسان؛ لأنه أمر غيبي، وهذا العذاب والنعيم هو للجسد وللروح، هذا هو القول الصحيح، وأما كيف يتم هذا؟ فهذا أمر غيبي.\nفلو أن واحدًا أكلته السباع فتحول إلى أن يكون طعامًا يجري في دمائها وعروقها فإنه يعذب أو ينعم.\nولو أن واحدًا أحرق -كما هو عند الهندوس- فإنه يعذب أو ينعم، فالهندوس عندهم من الطقوس أنه يأتي الواحد ويحرق أعز الناس إليه، كما نشر في الصحف صورة إحراق غاندي، حينما أحرقها ولدها أمام الناس؛ لأن هذا طقس بوذي عندهم، حيث أتى بالنار ووضع جسدها وأحرقها، لتنال عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة.\nنسأل الله السلامة والعافية! إذًا: هذا الذي أحرق أو أكلته السباع، أو أكلته الأسماك، أو غرق أو مزق، أو أكلته الأرض، أو قطع أو غير ذلك، يعذب أو ينعم بحسب أعماله، وأما كيف يتم هذا؟ فهذا غيب لا نعلمه، لكن نؤمن بذلك ونصدقه.\nقال: [وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة] .\nوهذا في الأحاديث الصحيحة أنه كان ﷺ يستعيذ دبر كل صلاة من عذاب القبر، ومن المسيح الدجال، وأمر بالاستعاذة منه في كل صلاة.","vol":"10","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>الأسئلة</span>","vol":"10","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما رأيكم فيمن يقول: إن الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء خلاف لفظي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذا الكلام من جانب صحيح؛ لأن مرجئة الفقهاء -كالأحناف- رحمهم الله تعالى أوجبوا العمل، وقالوا: إن صاحبه يوم القيامة -أي: المقصر فيه- عرضة للعقوبة، فلم يقولوا بقول غلاة المرجئة: إن مرتكب الكبيرة أو تارك الواجب مؤمن كامل الإيمان، ويوم القيامة يكون في الجنة، وإنما وافقوا أهل السنة والجماعة في أنه يكون يوم القيامة تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، لكن مرجئة الفقهاء خالفوا أهل السنة في أمور: منها: قولهم إن أصل الإيمان عند الناس جميعًا واحد لا يتفاوتون فيه، وهذا غير صحيح، بل الناس يتفاوتون في التصديق، ويتفاوتون في الأعمال، ومن ثمَّ يتفاوتون في الإيمان.\nوكذلك أيضًا قولهم إن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وفي كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ التنصيص على ذلك.\nكذلك أيضًا تحريمهم الاستثناء في الإيمان، أي أن يقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله، من غير شك.\nوكذلك أيضًا قول بعضهم أو بعض أتباعهم: إيماني كإيمان جبريل، أو كإيمان محمد ﷺ، ولا شك أن هذا خطأ.\nفإذا نظر إلى القضية من هذه الأوجه تبين أن الخلاف فيه جوانب حقيقية، وليس لفظيًا.","vol":"10","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان لا ينافي كون النبي ﷺ خاتم النبيين</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n كيف نجمع بين أن النبي ﷺ خاتم النبيين، ولن يأتي بعده نبي، وبين نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، فيقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، فهذا مشكل علي أرجو أن توضحوه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نحن أشرنا إلى هذا، وقلنا إن أدلة القرآن والأحاديث المتواترة دلت على أن عيسى ﵊ سينزل في آخر الزمان، وأن هذا لا يتعارض مع قوله ﵎: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، أي: لا يتعارض مع ختم الرسالة، وذلك لعدة أمور: أولها: أن عيسى إذا نزل في آخر الزمان إنما ينزل ويحكم بالقرآن وبشريعة محمد ﷺ، فهو إذًا تابع للرسول ﵊، كما ثبت في الحديث لما رأى الرسول مع عمر ﵁ قطعة من التوراة قال له: (والله! لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني)، فعيسى يكون تابعًا.\nومن أدلة أنه تابع لمحمد ﷺ: أنه إذا نزل وقد تهيأ المسلمون لصلاة العصر يقولون لعيسى: صل بنا، فيقول: لا، فيصلي بهم واحد من أمة محمد ﷺ، فهذا دليل على أنه تابع.\nالأمر الثاني: أنه لا يأخذ بما يوافق آراء أهل الكتاب، فالنصارى اليوم يأكلون الخنازير، ويشربون الخمور، واليهود منهم يتبعون الدجال، وكذلك أيضًا يعتقدون أن عيسى مصلوب، وهذه الأمور كلها يبطلها عيسى ﵊ موافقة لما سبق أن بينه رسول الله ﷺ، أن عيسى يوضح الحقيقة الناصعة إذا نزل، ومن ذلك ما في القرآن العظيم والسنة من أن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه ليس إلهًا، وأنه لم يقتل ولم يصلب، وإنما رفعه الله، كل هذه الحقائق تظهر.\nالأمر الثالث: أن عيسى ﵊ إذا نزل يقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، بمعنى: أنه لا يقبل ممن يتسمون بأهل الكتاب الجزية كما كان سابقًا، وإنما يؤمرون بأحد أمرين: إما باتباع دين الإسلام الذي جاء به رسول الله ﷺ وشريعة القرآن، أو السيف، ولا يقبل منهم أمرًا ثالثًا، وهو أن يبقوا على دينهم، ويُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.\nالأمر الرابع: أن نزول عيسى ﵊ وتفاصيل نزوله جاء به الرسول ﷺ، فهو الذي أخبرنا، وهو الذي بلغنا أنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده.\nإذًا: يتبين من خلال هذه الأوجه كلها أن نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان حق، وأنه لا يتعارض مع كون نبينا محمد ﷺ هو خاتم النبيين.","vol":"10","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>مكان عرش إبليس</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n جاء بيان أن عرش إبليس على الماء في صحيح مسلم، فهل جاء في كتاب الله ما يدل على ذلك؟ وهل جاء في كتاب الله ما يدل على أن عرش الله ﷾ على الماء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n الدليل على أن عرش الله ﷾ على الماء قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] أما بالنسبة لكون عرش إبليس على الماء فلم يرد في القرآن، وإنما ورد في حديث ابن صياد، الذي رواه مسلم، فقد كان الرسول والصحابة يخشون أن يكون ابن صياد هو المسيح الدجال، فقال الرسول لـ ابن صياد: (ماذا ترى؟ قال: أرى عرشًا على الماء، قال النبي ﷺ: ذاك عرش إبليس) .","vol":"10","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>وجود الدجال</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ورد في حديث الجساسة خبر عن الدجال وهيئته، وهناك بعض أهل العلم يضعف هذا الحديث؛ لأنه غريب من جهة متنه، فما رأيكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n حديث الجساسة ثابت في صحيح مسلم، ولا يمنع أن يكون الدجال موجودًا، وأنه يخرج في آخر الزمان، ومما يقوي وجوده أن النبي ﷺ خافه على أمته، فهذا دليل على أنه ربما يكون موجودًا، ثم يخرج في آخر الزمان.","vol":"10","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>منزلة السنة من القرآن ووجوب الأخذ بهما جميعًا</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هناك من قال: إن السنة تأتي في المرتبة الثانية بعد القرآن، فجعل القرآن في المرتبة الأولى وجعل السنة بعد القرآن، فهل هذا صحيح أم خطأ، حيث يدرس هذا في مادة الأصول؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذا صحيح؛ لما في حديث معاذ أنه قال: (بمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله)، فلا شك أن القرآن مقدم على السنة، لكن لا يفصل بينهما، أي أنه لا يمكن أن تؤخذ السنة بدون القرآن، ولا يمكن أن يعمل بالقرآن كاملًا بدون سنة الرسول ﷺ، ولهذا تجدون أن هناك طوائف أنكرت السنة، ومنهم طوائف كثيرة في باكستان والهند يسمون بالقرآنيين، يرفضون السنة جملة وتفصيلًا، ولا يأخذون إلا بما في القرآن، وهؤلاء إذا فتشت عن أحوالهم تجد كأنهم أصحاب دين جديد في عبادتهم، وفي أمورهم كلها؛ لأنه لو جاء الإنسان إلى مثل قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [هود:١١٤]، وقال: أنا لا آخذ بالسنة في تفاصيل الصلاة، فكيف سيعمل بهذه الآية، هل سيرجع إلى اللغة العربية، ويقول: الصلاة في اللغة الدعاء، إذًا معنى قوله: (وأقم الصلاة) أنني أقف لحظات وأرفع يدي وأدعو، وأكون قد أديت الصلاة بنص القرآن؟! وهل تقبل منه صلاته هذه؟! وهكذا قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، إذا جاء الإنسان ليأخذ هذا الحكم بدون السنة يقع في حيص بيص، فأي سارق ولو سرق شيئًا تافهًا يعتبر سارقًا؛ فيقطع، ثم كيف تقطع اليد؟ ولهذا لما كان الخوارج قد ضلوا في هذا الباب ولم يأخذوا بسنة الرسول ﷺ، ورد من مذهبهم أن السارق تقطع يده من الكتف! وهذا كله ضلال، والله ﷾ بنص القرآن أمر باتباع السنة، والآيات في ذلك بالعشرات، أي: التي فيها الأمر لكل من يقرأ هذا القرآن أن يتبع السنة، ولهذا لما لعن ابن مسعود الواصلة والمستوصلة، نازعته إحدى النساء، فقال لها: إن هذا في القرآن، فبحثت في القرآن من أوله إلى آخره فلم تجد هذا الأمر أو هذا الحكم الشرعي، فقالت له: ما وجدته، قال: بلى، هو في القرآن، ثم أوقفها على قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩]، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال لها: هذا الأمر جاء به رسول الله ﷺ.\nإذًا: من اتبع القرآن فلا بد أن يؤدي به إلى أن يتبع سنة الرسول ﷺ.\nأما الفصل بينهما فهو منهج خطير جدًا، بل هو من أخطر المناهج، خاصة في عصر المسلمين الحاضر؛ فإن كثيرًا من أصحاب الأفكار العقلانية المائلة للاعتزال يريدون الفصل بينهما، وهؤلاء يدّعون أنهم في دائرة الفكر المسمى بالفكر المستنير، وله دعاته، وهكذا غيرهم، ولا أقول: الحداثيين؛ لأن الحداثيين لهم جذور إلحادية، فهم أعمق كفرًا لكن أقول: حتى أصحاب الفكر المستنير من الإسلاميين تجدهم يميلون إلى ألا يؤخذ بسنة الرسول ﷺ أو على الأقل ببعضها.","vol":"10","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>مكان الجنة والنار</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n قلت في معرض إجابة أحد الأسئلة: إن الجنة في السماء، والنار في أسفل سافلين، فماذا نفعل في قوله تعالى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n قولنا: في السماء، معناه في العلو، وكون عرضها السماوات والأرض أو كعرض السماء والأرض هذا حق، فإن الجنة كما ذكر الله تعالى: عرضها السماوات والأرض، ولا يتعارض مع كونها في السماء، أما بالنسبة للنار فهي في أسفل سافلين، والله أعلم أين مكانها، لكن هي في أسفل سافلين.","vol":"10","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>فعل الله ﷿ كله عدل ولا يجوز الاعتراض عليه</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n إذا كان الله يعلم أنه سيخلق الخلق، وسيخلق آدم، ثم سيسكنه الجنة، ثم سيخرجه منها بسبب إبليس، ثم سيهبطهم إلى الأرض، ومنهم صائر إلى الجنة، ومنهم صائر إلى النار، فلماذا خلقهم إذًا؟ وهل يقال: إن هذا من عمل الشيطان فاجتنبه، أم يقال: إن هذا لحكمة يريدها الله ﷿؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذا سؤال يرد على كل شيء؛ لأنه إذا علم الله ما العباد فاعلون فلماذا خلقهم؟ ولماذا كلفهم؟ بل لماذا يحاسبهم يوم القيامة؟ هذا كله اعتراض على الله ﷾، والله ﵎ لا يقيم الحجة على عباده بمقتضى علمه فقط، وإنما يقيم الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ولهذا إذا قيل: إذا علم الله ﷾ أعمال العباد وأحصاها، فلماذا يقفون بين يدي الله للحساب؟ فيقال: لله حكمة في أن يقرر كل عبد بذنوبه؛ حتى يكون من يدخل الجنة يعلم أنه أخطأ وأذنب، وأنه دخل الجنة برحمة الله، ومن استحق العذاب يدخل النار، ويعلم أنه استحقها بسبب ذنوبه التي أذنبها؛ ولهذا يقرره الله ﷾ بذنوبه واحدًا واحدًا، ويكلم كل واحد كلامًا خاصًا به، وهذا كله من إظهار العدل، وإلا فالسؤال الأكبر: ما هي حاجة الله أصلًا إلى الخلق؟ إن الله غير محتاج إلى الخلق، ولو شاء لجعلنا كلنا أغنياء، أصحاء، لا نعصي أبدًا، لو شاء لجعلنا بخلاف ذلك.\nوقد ورد في الحديث الصحيح: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فيما عندي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك مما عندي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)، فإذا أدخلت الإبرة في البحر فإنها لا تنقصه شيئًا، وكذلك لو كل الخلق سألوا الله ﷿ فأعطى كل إنسان مسألته لا ينقص ذلك من ملك الله سبحانه شيئًا.\nإذًا: خلق الله العباد، وتفاوت أعمالهم وألوانهم وأرزاقهم وآجالهم لله ﷾ فيها حكمة، ونحن نلمس شيئًا من هذه الحكم، ولو لم يكن في ذلك إلا قيام سوق العبودية لله وحده لا شريك له، بأن يعبده العابدون، ويتوكل عليه المتوكلون، ويطلب رحمته المسترحمون، ويتوجه إليهم ﷾ المحتاجون المضطرون، ويخافه الخائف، ويرجوه الراجي، كل هذه الأمور من أمور العبودية الكبار العظام لا تتحقق إلا بما كان من أمر الله ﷾ وقدره، وهو وجود الناس وابتلاؤهم وامتحانهم، ووجود الخير ووجود الشر، ووجود الكفر، ووجود الطاعات والإيمان إلى آخره، والله ﷾ أقام الحجة على عباده، وهذا هو أهم شيء، فلا تسأل ربك بلمَ؛ لأن هذا السؤال إنما هو سؤال عن سر القدر، أي: سر تقدير الله، فلو جاء واحد وقال: لماذا الناس كلهم فيهم غني وفيهم فقير؟ فهذا سؤال عن سر القدر، فنقول: هكذا أراد بإرادته، ولو شاء الله ﷾ لجعل الناس كلهم أغنياء.\nفالمهم أن الحجة قد قامت عليك أيها العبد! فقد أعطاك الله عقلًا، وأعطاك الله إرادة، وأعطاك الله قدرة، وأرسل لك الرسل، وأنزل عليك الكتب، وبين لك الطريق، وأمرك ونهاك، وقال: إن عملت خيرًا فاحمد الله، وإن عملت شرًا فلا تلومن إلا نفسك.\nوالله أعلم.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>شرح كتاب لمعة الاعتقاد [١١]</span>\nالموت هو القيامة الصغرى، وهو الفاجعة الكبرى، لكن ليت الأمر ينتهي عند ذلك! فبعده أهوال وأمور أخبر الله تعالى عنها في كتابه، ورسوله ﷺ في سنته، فيجب على كل مسلم الإيمان بها، ومن تلك الأمور: فتنة القبر، والحشر، والصراط، والميزان، والشفاعة، والجنة، والنار، وغيرها.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>الإيمان باليوم الآخر وما فيه من مواقف</span>","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>الإيمان بفتنة القبر وسؤال الملكين</span>\nيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق] .\nفتنة القبر هي سؤال القبر، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (إن هذه الأمة تفتن في قبورها)، أي تسأل، وورد أيضًا سؤال منكر ونكير، فكل إنسان يُسأل في قبره، والصحيح أنه عام لهذه الأمة ولغيرها، فيسأل الإنسان ملكان أحدهما منكر، والآخر نكير، يسألانه ثلاثة أسئلة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالمؤمن يجيب إجابات صحيحة، والكافر أو المنافق يقول: ها ها لا أدري! كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، ومنها حديث البراء بن عازب الطويل، الذي ذكر فيه رسول الله ﷺ رحلة الموت بطولها.\nوتسمية منكر ونكير ورد في حديث صحيح رواه الترمذي وغيره، ومن ثمَّ فلا مانع من أن نقول: يأتيه ملكان: أحدهما منكر، والآخر نكير.\nوقد ورد أن الشهيد في سبيل الله إذا مات لا يفتن في قبره، وورد أيضًا أن المرابط في سبيل الله إذا مات وهو مرابط لا يفتن في قبره، وهؤلاء يستثنون من فتنة القبر، نسأل الله الكريم من فضله.\nوالمرابط هو المرابط في ساحات القتال، ولقد كانت الأمة الإسلامية إلى عهد قريب لها ثغور على حدود الممالك الإسلامية، وكان يقيم فيها المسلمون ثغورًا يرابطون فيها للجهاد في سبيل الله، فيذهب الواحد منهم يرابط هناك ستة شهورًا، أو سنتين، أو ثلاث سنوات، ثم يرجع إلى أهله، وهكذا، وهذا كله من باب إحياء الجهاد في سبيل الله تعالى الذي محي وأوقف هذه الأيام إلا ما عصم ربي.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>الإيمان بالبعث بعد الموت</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [والبعث بعد الموت حق] .\nالبعث لغة: الإرسال، وفي الاصطلاح: إحياء الناس وبعثهم من قبورهم يوم القيامة للحساب والجزاء.\nوهذا البعث حق، وقد وردت أدلته الصريحة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ.\nوأحب أن أنبه هنا إلى أن الأدلة القرآنية على إثبات البعث بعد الموت كثيرة جدًا، وهي أكثر مما ورد من الأحاديث النبوية، يعني: أن من تأمل أدلة البعث يجد أن الذي ورد في السنة منها قليل، لكن ما ورد في القرآن العظيم فهو كثير.\nولقد تنوعت أدلة القرآن العقلية على إثبات البعث بعد الموت، منها: الاستدلال بإحياء الأرض الميتة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩]، وهكذا في آيات كثيرة جدًا في القرآن يستدل بإحياء الأرض الميتة على قدرة الله تعالى على البعث وإحياء الناس من قبورهم.\nومنها دليل البدء على الإعادة: فإن الله ﷾ خلق الإنسان من عدم، فهو قادر على أن يعيده مرة أخرى، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩]، وهذا دليل عقلي واضح جدًا، أي: أن الذي أحياها أول مرة قادر على أن يعيدها مرة أخرى، ولهذا قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]، وقوله: (أهون) هذا بالنسبة للبشر، أما بالنسبة لله تعالى فإن كلا الأمرين هين عليه تعالى؛ فلا فرق بين الأمرين.\nومنها الاستدلال بخلق الشيء الكبير على الشيء الصغير: كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١] .\nوهكذا جاءت الأدلة كثيرة، بل جاءت الأدلة بشواهد عينية، فالإنسان ينام ويغيب عن الدنيا، ثم يصحو، وهذا بعث، كما قال تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى﴾ [الزمر:٤٢] .\nوكذلك أيضًا: ذكر قصص أناس ماتوا فأحياهم الله، مثل أصحاب الكهف، ومثل إحياء صاحب الحمار الذي مر على قرية وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة:٢٥٩] إلى آخر الآية، ومثل صاحب البقرة من بني إسرائيل.\nالمهم أن الأدلة القرآنية كثيرة جدًا، وهي أدلة عقلية صريحة في إثبات قدرة الله ﷾ للبعث؛ ولهذا قال أهل السنة الجماعة: والبعث بعد الموت حق.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>البعث والحشر والعذاب يكون على الأجساد والأرواح جميعًا</span>\nبقي هنا قضية، وهي أن البعث والحشر والنعيم وما يتعلق بذلك عند أهل السنة والجماعة يكون للأرواح وللأجساد، خلافًا للفلاسفة؛ فإن الفلاسفة يرون أن البعث يكون فقط للأرواح وليس للأجساد، وهذه عقيدة الفلاسفة، ومنهم فلاسفة الإسلام المعظمين عند كثير من الناس، فإنهم ينكرون بعث الأجساد، ويقولون: إن ذلك إنما هو على الروح، والروح لا تفنى ولا تموت أبدًا عندهم، بل تنعم بعدما يموت صاحبها إذا كان خيّرًا، أما أن يكون هناك بعث للأجساد، وحشر ونشر وميزان، ونعيم مادي في الجنة، وفواكه وأنهار وقصور، ونساء، وحبور، وكذلك في النار سلاسل وأغلال وسعير، فهذه كلها لا يقرون بها، وينكرونها، نسأل الله السلامة والعافية! والمسلمون جميعًا أتباع الرسل يرون أن البعث للأرواح وللأجساد حق.\nوقد سبق أن قلنا في الدرس الماضي: إن عذاب القبر ونعيمه للروح وللجسد على أي شكل مات عليه الإنسان، وأما الكيفية فهذه حياة برزخية لا نعقلها نحن، لكن نؤمن أن الإنسان يكون بعد موته في روضة من رياض الجنة، أو في حفرة من حفر النار.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>النفخ في الصور</span>\nقال المصنف: [وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور: (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون)] .\nإسرافيل هو أحد الملائكة المعروفين، والصور لغة هو القرن، والمقصود به هنا قرن لا يعلم قدره إلا الله ﷾ ينفخ فيه إسرافيل إذا أذن الله ﷾ له بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١]، الأجداث هي القبور أي: إذا هم من القبور إلى ربهم يسرعون للحساب وللجزاء.\nوبالنسبة للنفخ في الصور اختلف فيه العلماء، والوارد مؤكدًا أن هناك نفختين: نفخة الصعق، ونفخة البعث، وبعضهم يجعلها ثلاثًا: نفخة الصعق، ونفخة الفزع، ونفخة البعث، لكن الشيء المؤكد الذي دلت عليه الأدلة أن هناك نفخة يصعق منها الناس جميعًا، ويموت فيها من كان حيًا على وجه الأرض، وهذا معنى قولنا: إن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، ومعنى قيام الساعة هنا بدايتها، وهي النفخة الأولى التي يصعق فيها الجميع فيموتون، حتى الملائكة، وحتى حملة العرش، وحتى ملك الموت، ولا يبقى أحد حيًا إلا الواحد القهار، وحينئذٍ يأخذ الله السماوات بيمينه والأرضين بشماله ويهزهن ويقول: أنا الملك، أنا الجبار، أين ملوك الأرض؟! لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه سبحانه: لله الواحد القهار.\nثم تأتي النفخة الثانية التي هي نفخة البعث، كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، فالنفخة الثانية تكون للبعث بعد الموت، وحينئذٍ يقوم الناس لرب العالمين للحساب والجزاء، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١]، وذلك بعد النفخة الثانية، فإنهم يخرجون من قبورهم إلى المحشر.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>الإيمان بالحشر</span>\nقال المصنف: [ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهمًا] .\nقوله: (يحشر الناس) أي يجمع الناس لمكان الحشر، (حفاة): غير منتعلين، (عراة) عراة الأجسام، (غرلًا) غير مختونين، (بهمًا) ليس معهم متاع، وهؤلاء يحشرون يوم القيامة في صعيد واحد، وتكون أرض المحشر مستوية، وقد شبهها رسول الله ﷺ بأنها تكون كقرص النقي، والنقي هو الدقيق المنخول، وقرصه يكون أبيض مائلًا إلى الحمرة، لكنه يكون مستويًا، هكذا شبه الرسول ﷺ أرض المحشر، فيجتمع الخلائق أولهم وآخرهم، وكلهم على تلك الحال حفاة عراة غرلًا؛ حتى قالت عائشة للرسول ﷺ: (يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: الأمر أكبر وأشد من أن يهمهم ذلك)، ونضرب لهذا مثالًا في الدنيا: لو أن الناس في مكان، فوقعت زلزلة، وبدأت البيوت تتهدم وخرج الناس، فهل سينظر بعضهم إلى بعض؟! وهل سيفكر الإنسان أن هذه امرأة خرجت نافشة شعرها أو كاشفة نحرها؟!\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لن يفكر في هذا، وإنما تفكيره في النجاة، فكيف إذا كان في وقت الوقوف بين يدي الله ﷾، والأعين شاخصة إلى السماء، لا شك أن الإنسان لن يفكر في هذه الأمور أي تفكير؛ لأن القضية أكبر من ذلك بكثير.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>الشفاعة الكبرى لفصل القضاء</span>\nقال المصنف: [فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ] .\nهذا بيان للشفاعة العظمى والكبرى المسماة بالمقام المحمود، وهي أن الناس يقفون في العرصات على هذه الحالة عراة حفاة، وتدنو الشمس منهم، ويشتد كربهم، فيطالب الجميع بفصل القضاء، فجميع الناس المؤمن منهم والكافر يطالب بفصل القضاء؛ لشدة الكرب الذي هم فيه، فيتساءلون فيقولون: ابحثوا عن وسيلة، ابحثوا عن شافع إلى ربكم حتى يقضي الله بينكم، فيذهبون إلى آدم، ثم إلى نوح، ثم إلى موسى، ثم إلى عيسى، وكل واحد من هؤلاء يعتذر عن الشفاعة، وكل منهم يوجه الناس إلى النبي الذي بعده، حتى يقول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: اذهبوا إلى محمد ﷺ، فيأتون إلى الرسول ﷺ ويقولون: يا محمد! نطلب منك أن تشفع لنا إلى ربك، فيقول النبي ﷺ: أنا لها، ثم يسجد تحت العرش ويلهمه الله ﷾ بمحامد ما ألهمه إياها من قبل، فيقول الله له بعد ذلك: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط واشفع تشفع، وحينئذٍ يحمده الخلائق على هذا، وينزل الرب ﵎ لفصل القضاء.\nوالمقصود هنا الشفاعة العظمى التي هي المقام المحمود، أما أنواع الشفاعات الأخرى فسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>الإيمان بالحساب</span>\nقال المصنف: [ويحاسبهم الله ﵎] .\nلأن الحشر إنما هو للحساب والحساب أن يحاسب الله الإنسان على أعمال وأقواله كلها، ولهذا ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يدعو ويقول: (اللهم اجعل حسابي يسيرًا)، لأن الله تعالى أخبر أن من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا، وقال ﷺ في الحديث الآخر: (من نوقش الحساب عذب، قالت عائشة: ألم يقل الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨]؟! قال ﷺ: إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب عذب) .\nفكل من نوقش الحساب لابد أن ينتهي به الأمر إلى أن يعذب؛ حتى ذلك الرجل الذي عبد الله سبعين سنة، وتفرغ للعبادة ليلًا ونهارًا، وقدم بين يدي الله تعالى للحساب فقال الله له: أدخلك الجنة برحمتي أم بعملك؟ ونظرًا لأن هذا عبد الله سبعين سنة قال: بعملي، فقال الله للملائكة: حاسبوه، فحاسبوه عن عبادة السبعين سنة، فوجدوها لا تساوي نعمة البصر، فقال الله لهم: اذهبوا به إلى النار، أي أنه خرجت عبادته بالنسبة للقياس خاسرة؛ لأنها لم تساو إلا نعمة البصر، فيقول: يا رب! بل برحمتك، فيقول الله: أما برحمتي فاذهبوا به إلى الجنة.\nإذًا: كل من حوسب لابد أن يكون خاسرًا، لكن الله ﷾ يعفو ويتجاوز؛ ولهذا قال: (يحاسبهم الله)، وهذا في يوم الحساب، وسمي يوم الحساب لأنه يحسب للإنسان حسناته وسيئاته، ويطرح هذا من هذا إلى آخره.","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>نصب الموازين ونشر الدواوين</span>\nقال المصنف: [وتنصب الموازين] .\nأي: توضع الموازين لتوزن بها الأعمال، وقد ورد أنه ميزان، وورد أنها موازين متعددة، ولا خلاف في هذا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]، والثابت عن النبي ﷺ أن الميزان ميزان حقيقي له كفتان، وأنه توزن به الأعمال.\nوأما كيف توزن وهي أعراض؟ فنقول: إن الله ﷾ على كل شيء قدير، فيؤتى بإيمان الإنسان بصدق الإنسان بإخلاص الإنسان بحبه لله بحبه للرسول الله ﷺ بأعمال القلوب وأعمال الجوارح، وتوزن كلها، ويشاهدها الإنسان وهي توزن، ولهذا ورد أن (لا إله إلا الله) توضع في كفة الميزان.\nوكذلك أيضًا ورد أن العباد أنفسهم يوزنون، قال ﷺ: (يؤتى بالرجل السمين من أهل الدنيا -أي: من فجار أهل الدنيا- يوم القيامة، فلا يزن عند الله جناح بعوضة)، ولما تعجب الصحابة من دقة ساقي عبد الله بن مسعود وضحكوا، قال رسول الله ﷺ: (تعجبون من دقة ساقيه، لهما عند الله أثقل من جبل أحد) أو (في ميزان الله أثقل من جبل أحد)، ولهذا فالصحيح أنه ميزان حقيقي، وأنه توزن به الأعمال، وأيضًا يوزن به العاملون، هذا هو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة.\nثم قال المصنف: [وتنشر الدواوين] .\nوالدواوين جمع ديوان، والديوان هو الصحيفة التي كتبت فيها الملائكة، وأحصت فيها أعمال العباد، ولكل شخص ديوان قد أحصيت فيه أعمال هذا الإنسان، وهذه الدواوين تنشر أمام أصحابها.","vol":"11","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>تطاير الصحف واستلام الكتب</span>\nقال: [وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-١٢]] .\nبعد الحساب وبعد الموازين وبعد نشر الدواوين تتطاير الصحف التي هي نتائج ذلك الحساب وتلك الموازين، فمن أوتي كتابه بيمينه فهو الناجي السعيد، نسأل الله الكريم من فضله، ومن أوتي كتابه بشماله من وراء ظهره فهو الخاسر، نسأل الله السلامة والعافية.\nوفي ذلك اليوم العظيم يتبين من هو الخاسر ومن هو الرابح، أما موازين الدنيا وخسارات الدنيا بجاهها وبمناصبها وبأموالها وبشهاداتها وبغير ذلك، فهذه كلها أمور لا تساوي شيئًا أمام ذلك الموقف العظيم، وليس بيننا وبين قربنا من ذلك الموقف إلا الموت، وكل منا لا يدري متى أجله.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-٨]، أي: من أعطاه الله الكتاب باليمين فهذا هو الذي حوسب حسابًا يسيرًا.\nوقوله: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:٩]، أي: إلى أهله وبيته في الجنة مسرورًا أعظم السرور بنجاته من النار، وبفوزه بالجنة.\nوقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق:١٠]، وقد ورد أنه يعطى بالشمال، فقيل: يجمع بينهما بأنه يعطى بشماله من وراء ظهره، قال: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق:١١]، أي: يدعو على نفسه بالويل وبالثبور والهلاك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]، فهو يدعو بالهلاك والثبور على نفسه، متمنيًا أنه لم يكن شيئًا، وأنه لم يخلق، ولات ساعة مندم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:١٢]، فلا ينفعه صراخه، ولا دعاؤه بالويل والثبور، وإنما تذهب به إلى النار ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.\nقال المصنف: [والميزان له كفتان، ولسان، توزن به الأعمال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣]] .\nسبق بيان ذلك، واللسان يكون في وسط الميزان وهو معروف، ثم احتج بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣]، هذه هي نتيجة الحساب، فمن ثقلت موازينه فهو الرابح، وهو المفلح، وهو الناجي، ومن خفت موازينه فهو الخاسر؛ لأنه يوم القيامة ليس هناك إلا طريقان، وليس هناك طريق ثالث، ولا شيء وسط.","vol":"11","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>حوض النبي ﷺ</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا] .\nحوضه ﷺ وردت فيه أحاديث كثيرة مفصلة في الصحيحين وفي غيرهما، وما ورد من وصفه هنا هو ثابت في الأحاديث الصحيحة، وأحب أن أشير هنا إلى أن حوض النبي ﷺ موجود الآن؛ لأنه ورد في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن) .\nوورد في حديث حسن عند الترمذي وغيره: أن لكل نبي حوضًا، لكن حوض النبي ﷺ أكبرها وأكثرها واردًا، نسأل الله الكريم من فضله، ولهذا ورد أن الأنبياء يتباهون أيهم أكثر واردًا، يقول الرسول ﷺ: (ولعلي أكون أكثرهم واردًا يوم القيامة) .\nوحوض النبي ﷺ هذا إنما هو في العرصات، يصب فيه من نهر الكوثر الذي في الجنة ميزابان، ولأنه من الجنة فإن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، لكن توجد حاجة للشرب من الناس الذين ألجمهم العرق بذنوبهم وبعضهم بلغ منه العرق إلى كعبيه، وليس أمرًا سهلًا أن يعرق الإنسان حتى يبلغ عرقه إلى كعبيه أو إلى ركبتيه أو إلى حقويه أو إلى منكبيه، ففي العرصات تدنو الشمس ويكثر الخوف، ويشتد العطش، فيا بشرى من رأى حوض رسول الله ﷺ وأقبل عليه، ثم شرب من يد رسول الله ﷺ شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، فهذه لا شك أنها بشرى وأي بشرى! نسأل الله الكريم من فضله، ونعوذ به من أن نكون ممن يذاد عن حوض رسول الله ﷺ ويمنع من الشرب.","vol":"11","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>الإيمان بالصراط</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [والصراط حق] .\nوالصراط هو جسر ممدود على متن جهنم، أحد من السيف وأدق من الشعر، عليه كلاليب من نار، فيها ما هو كشوك السعدان، تختطف الناس، وهذا الصراط المنصوب على متن جهنم يمر منه الجميع، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، فالجميع يردونها.\nقال المصنف: [يجوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار] .\nوهذه خلاصة لما يجري حينما ينصب الصراط على متن جهنم، وإلا فالوارد في الأحاديث الصحيحة أنه إذا نصب على متن جهنم يعبر منه الناس على قدر أعمالهم: فمنهم من يعبر الصراط كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كأجاود الخيل، ومنهم كالرجل المسرع، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يخطو خطوة ويعثر أخرى، وكل هؤلاء على درجات.\nأما بالنسبة للكافر أو المنافق فإنه إذا أراد أن يعبر خطفته الكلاليب التي على الصراط، فتزل به قدمه، فيكردس في نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله النجاة من النار، ولهذا قال العلماء: نؤمن بالصراط ونصدق به؛ لورود الأدلة الصحيحة فيه.","vol":"11","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر</span>\nثم قال المصنف بعد أن عرض مسائل اليوم الآخر كلها: [ويشفع نبينا ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر] .\nوالشفاعة حق، والمقصود بالشفاعة الواسطة، أي أن النبي ﵌ يشفع إلى ربه ﵎ في أهل الكبائر من أمته أن يخرجوا من النار؛ ولهذا ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وهو حديث صحيح.\nوأيضًا شفاعته ﷺ لمن مات وهو يقول: لا إله إلا الله.\nوهذه الشفاعة يثبتها أهل السنة والجماعة، وينكرها المعتزلة والخوارج وغيرهم، فإن المعتزلة والخوارج ينكرون هذا النوع من الشفاعة، ويقولون: إن من مات من أهل الكبائر واستحق الوعيد بالنار ودخل النار فإنه لا يخرج منها أبدًا، ولهذا قالوا بتخليد أهل الكبائر في نار جهنم.\nولا شك أن قولهم باطل مردود بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة عن رسول الله ﷺ، والتي فيها بيان أن الرسول ﵊ يشفع، وكذلك أيضًا الملائكة وبقية الأنبياء والصالحون والشهداء كلهم يشفعون.\nلكن هذه الشفاعة لا تكون إلا بشرطين: الشرط الأول: أن يأذن الله ﷾ بالشفاعة.\nالشرط الثاني: الرضا عن الشافع والمشفوع له.\nفلابد من الإذن من الله، ولابد من الرضا عن الشافع والمشفوع له.\nومن ثمَّ يشفع رسول الله والملائكة، بل ورد أن الشهيد يشفع لسبعين من أهل بيته فيشفعه الله فيهم، وورد أن الفرط الذي يموت صغيرًا يشفع لوالديه عند الله تعالى يوم القيامة، فيشفعه فيهما، فيدخلهما به الجنة، نسأل الله الكريم من فضله.\nوهؤلاء الذين يشفع لهم على درجات: فمنهم من يكون قد أمر به إلى النار، فيشفع له قبل دخوله النار، ويدخل الجنة.\nومنهم من يدخل النار ويعذب فيها حتى يحترق ويصير فحمًا أسود وحممًا، ثم يشفع لهم النبي والأنبياء، ويخرجون بهذه الشفاعة، ويوضعون في نهر الحياة؛ حتى ينقون ويحيون مرة أخرى، ويدخلون الجنة برحمة الله ﷾، ولهذا قال: [فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحمًا وحممًا، فيدخلون الجنة بشفاعته] .","vol":"11","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>شفاعة الأنبياء والملائكة والمؤمنين</span>\nثم قال المصنف: [ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]] .\nأي: أن هؤلاء الأنبياء وغيرهم لا يشفعون إلا لمن ﵁، وهم من خشيته وخوفه ﷾ مشفقون، وهذا قد دلت عليه الأحاديث عن الرسول ﷺ.\nثم قال المصنف: [ولا تنفع الكفار شفاعة الشافعين] .\nهكذا كما قال تعالى عن الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، فإن الكفار لا ينالون الشفاعة، ولهذا فإن من شرط الشفاعة التي تقتضي إخراج المعذب من النار أن يكون مسلمًا، أما الكافر فلا شفاعة له.\nأما شفاعة النبي ﷺ لـ أبي طالب فتلك شفاعة خاصة بتخفيف العذاب عنه، ومع ذلك فإن أبا طالب يعذب في النار، ولا يظن أن أحدًا من أهل النار أشد عذابًا منه، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (أهون الناس عذابًا في النار من يوضع تحت أخمص قدميه جمرتان من نار) وفي وراية: (أنه في ضحضاح من النار، يغلي منهما دماغه، ما يظن أن أحدًا من أهل النار أشد عذابًا منه)، أما الخروج من النار فلا، فكل من ماتوا على الكفر -نسأل الله السلامة والعافية- فإنهم لا يخرجون منها أبدًا؛ ولهذا قال المصنف: (ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين) .","vol":"11","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>الإيمان بوجود الجنة والنار</span>\nومما يؤمن به أهل السنة والجماعة ما ذكره المصنف هنا بقوله: [والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان] .\nوذلك لقوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقوله في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، وأيضًا لما ثبت من الأحاديث الصحيحة، منها قول النبي ﷺ: (دخلت الجنة فرأيت فيها، واطلعت على النار فرأيت فيها) فهذا كله يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن.\nومما يؤمن به أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار باقيتان لا تفنيان ولا تبيدان أبدًا، خلافًا للجهمية وغيرهم الذين يقولون بفناء الجنة والنار، وخلافًا لمن قال: بأن النار تفنى.\nفالجنة والنار باقيتان، وأهلهما فيهما خالدون أبد الآباد، كما وردت بذلك الأدلة الصريحة من كتاب الله تعالى والأدلة الصحيحة من سنة رسوله ﷺ.\nقال المصنف: [فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه، وأهل الجنة مخلدون: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٤-٧٥]] .\nفهذا العذاب مستمر لا يفتر أبدًا، ولهذا ورد في الآيات أن أهل النار يدعون ربهم: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، وفي آية أخرى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩]، ومع هذا لا يستجاب لهم، فهم في عذاب دائم، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، وهم في هذا العذاب مبلسون، نسأل الله السلامة والعافية.\nولهذا ورد أنهم ينادون ويدعون ربهم ولا يستجاب لهم، وإنما يجيبهم الله بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، وهذا غاية التسكيت لهم.\nفأهل النار يخلدون، وأهل الجنة في الجنة مخلدون أبد الآباد، ومن أعظم نعيم الجنة الخلود، ولهذا تجد أنه كثيرًا ما يوصف نعيم الجنة بأنه نعيم دائم، وبأن أهله خالدون فيه أبدًا؛ لأنه والحالة هذه تنقطع الأحزان، وينقطع الخوف، فإن النعيم في الدنيا يكدره الخوف من زواله، حتى الغني إذا استوى له غناه، والملك إذا استوى له ملكه، أول ما يكدر عليه أنه يفكر في زوال هذا عنه، لكن أهل الجنة ليسوا كذلك، بل هم في نعيم: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]، أي: عند الله ﵎، قد أحل الله عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدًا، فهم في نعيم مقيم، نسأل الله الكريم من فضله.\nقال المصنف ﵀: [ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت] .\nثبت في البخاري وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، ويقال لأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم نعرفه، ويقال لأهل الجنة: هل تعرفونه؟ فيقولون: نعم نعرفه فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود ولا موت، ويا أهل النار! خلود ولا موت)، وهذه كلها حقائق إيمانية عقدية دلت عليها الأدلة الثابتة الصريحة من كتاب الله ﷾ ومن سنة رسول الله ﷺ.","vol":"11","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>أهمية تدبر حقائق يوم القيامة</span>\nحقائق اليوم الآخر يجب أن يتدبرها المؤمنون، ونحن أيها الإخوة! في غفلة، فقد كان السلف الصالح يربون أولادهم ونساءهم وأطفالهم على معرفة أشراط الساعة؛ لأن معرفة أشراط الساعة تقرب الإنسان إلى الله، وهذا الحاجز الكبير -الذي هو طول الأمل في هذه الدنيا- تختصره تلك المعاني الإيمانية، بل تختصر هذه الدنيا بمشاكلها وتنقل الإنسان إلى الآخرة.\nوكذلك أيضًا بالنسبة لليوم الآخر وفزع الناس، والحساب، والجزاء، والصراط، والموازين، وتطاير الصحف، والشفاعة إلى آخر هذه الأمور الإيمانية التي هي حقائق لا شك فيها، يجب أن تكون لنا فيها قراءات، وهي مما يقوي الإيمان، وينقل قلب الإنسان نقلة من هذه الدنيا الفانية إلى ربه ﷾، وينقل هذه النفس المتهالكة على الدنيا ومادياتها إلى عبادة الله، والسعي لابتغاء مرضاة الله ﷾.\nفهذه حقائق إيمانية لا شك فيها أبدًا، فالواجب علينا أن نتدبرها، وأن نتدارسها، وأن نتعرف عليها؛ علَّ الله ﷾ أن يجعلها خيرًا لنا في دنيانا، وأن يجعلنا يوم القيامة ممن يكون آمنًا، وممن يكون فائزًا، وممن يكون قد أعيذ من عذاب جهنم.\nاللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أهل الجنة، وأن تعيذنا من النار.\nوصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه أجمعين.","vol":"11","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>الأسئلة</span>","vol":"11","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>معنى الاستثناء في قوله تعالى: (إلا ما شاء ربك)</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما معنى (إلا ما شاء ربك) في قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٦-١٠٧]، وقوله في الذين سعدوا: ﴿فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٨]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذا ربط للأمر بمشيئة الله تعالى، وقد اقتضت مشيئة الله الخلود، فالكفار مخلدون في نار جهنم أبد الآباد، والمؤمنون مخلدون في الجنة أبد الآباد، فالاستثناء إنما هو لبيان ربط جميع الأمور بمشيئة الله ﷾.","vol":"11","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>حكم إخراج العمل من مسمى الإيمان</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل إخراج العمل من مسمى الإيمان -كما قال به مرجئة الفقهاء- يقدح في العقيدة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نعم، إخراج العمل مخالف لمنهج السلف رحمهم الله تعالى، لكن هذا القدح ليس كبيرًا، لكن هو مخالفة لمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، والأولى هو اتباع منهجهم في إدخال العمل في مسمى الإيمان، وفيما يترتب على ذلك من زيادة الإيمان ونقصانه، والاستثناء في الإيمان إذا كان بغير شك، ونحو ذلك.","vol":"11","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>أعظم نعيم أهل الجنة</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n أليس أعظم ما يتنعم به المؤمنون هو رؤيتهم لله ﷾ يوم القيامة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نعم، أعظم نعيم بالنسبة للمؤمنين هو رؤية الله ﷾، ومن أعظم النعيم أيضًا أن الله يحل عليهم رضوانه، فيخلدون في الجنان، ولا يسخط عليهم ربنا ﷾ أبدًا، نسأل الله الكريم من فضله.","vol":"11","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>حكم القول بتخليد آكل الربا في النار</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ذكرتم أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، وكما نعلم أن الربا من الكبائر، وليس هو من أكبر الكبائر الثلاث، والله تعالى يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، فبمقتضى هذه الآية هل يخلد آكل الربا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n إن هذه الآية ومثلها آية القتل العمد: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، قال العلماء: إن هذا الخلود ليس خلودًا دائمًا، وإنما المقصود به المكث الطويل، وبعض العلماء قال: إن الخلود هنا في المستحل، فمن استحل أكل الربا فهو كافر مخلد، ومن استحل قتل المؤمن بغير حق فهو أيضًا خالد في النار مخلد فيها.\nأما من كان مؤمنًا بالله ﷾ ومات وهو آكل للربا دون استحلال، فبإجماع العلماء رحمهم الله تعالى أنه لا يخلد في النار بسبب ذلك، بل هو تحت مشيئة الله؛ إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه وغفر له.","vol":"11","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>الكلام في صحة قول ابن القيم بفناء النار</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل الجنة والنار تفنيان؟ وما حكم من قال: إن ابن القيم قال بذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n أولًا: ابن القيم ما قال بأن الجنة ستفنى، فالسائل يبدو أنه خلط بين القضيتين، إنما أثر عنه القضية الأخرى، وهي أن النار تفنى، وهذا الذي حكي عن ابن القيم إنما حكي عنه لأنه ذكره في بعض كتبه، مثل (حادي الأرواح) وغيره، وابن القيم لم يقل بهذا القول، وإنما حكى الخلاف، ومن قرأ ما كتبه ابن القيم رحمه الله تعالى يظن أنه يرجح أن النار تفنى، وأن أهلها يخرجون منها، لكن في الحقيقة أن ابن القيم رحمه الله تعالى يكاد يميل إلى التوقف؛ لأنه بعد أن ذكر الخلاف الطويل في أحد كتبه، وذكر الأقوال في ذلك والأدلة قال: فإن قيل فما تقول؟ قلت: أقول كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: (ثم يفعل الله ما يشاء)، فهو لم يجزم بأن النار تفنى، ومذهب أهل السنة والجماعة وهو مذهب جماهير العلماء رحمهم الله تعالى أن النار لا تفنى، وأنها باقية كالجنة، وأن أصحابها من الكفار والمشركين والمنافقين وغيرهم ممن هو على غير دين الحق مخلدون فيها أبد الآباد.","vol":"11","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>بيان المراد بقوله تعالى: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما معنى قوله تعالى في آدم وحواء: ﴿فلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٨٩-١٩٠]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ذكر بعض المفسرين أنها في آدم وحواء، لكن القول الصحيح بأن هذا ليس في آدم وحواء، وإنما هذا خبر عن بعض بني آدم، وهذا هو القول الراجح إن شاء الله تعالى.","vol":"11","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>الرؤيا بقدر ووقوعها بقدر</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل تأويل الأحلام من قبل المؤولين ثم التحري لهذه الأمور التي أولت في الرؤيا كما في حادثة العزيز مع يوسف عندما قال: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ [يوسف:٤٣] إلى آخره، هل هو من باب الاحتجاج على القدر، أم غير ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا؛ فالرؤيا هي بقدر، ووقوعها إن وقعت بقدر، وتفسيرها بقدر، ثم صدق التفسير أو عدم صدقه أيضًا بقضاء وقدر، والأمر والحمد لله واضح جدًا ليس فيه معارضة للقدر، فالإنسان إذا رأى رؤيا فرؤياه بقدر، ثم إذا طلب من أحد أن يفسر له هذه الرؤيا ثم فسرها له فإنه إن وقعت فوقوعها أيضًا بقضاء وقدر، وإن لم تقع فعدم وقوعها هو لأن الله ﷾ لم يقدر وقوعها.","vol":"11","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>لا تعارض بين الدعاء والقدر</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n كيف يدعو الإنسان أن الله يكفيه شر ما قضى وقد كتب من قبل في اللوح المحفوظ؛ فهل هناك تعارض؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n سبق أن بينا أنه لا تعارض بين الدعاء وبين القدر، بل الدعاء من الأسباب، فالإنسان المأمور بالدعاء، فيدعو ربه أن يكفيه شر ما قضى، ويدعو ربه ويسأله الرزق، يدعو ربه أن يعطيه الحياة الطيبة، ويدعو ربه أن يوفقه للعمل الصالح، هذه كلها أدعية مأمور بها، فيفعلها الإنسان وهي من جملة الأسباب.\nوحينئذٍ لا تتعارض مع القدر، خاصة وأن النبي ﷺ أوصانا بالدعاء، وأن الدعاء عبادة، فقال: (الدعاء هو العبادة)، وقال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، والرسول أيضًا في الحديث الآخر بين أن الإنسان إذا دعا لابد أن يعطى إحدى ثلاث خصال إذا كانت دعوته صحيحة، وليس فيها قطيعة رحم، وكانت تامة الشروط: فإما أن يستجاب له دعاؤه، وإما أن يدفع عنه من الشر مثله، أو يدخر له ذلك إلى يوم القيامة، فيجده عند الله ﷾.\nإذًا: الإنسان مأمور بذلك، وكون الإنسان دعا فاستجيب له تبين لنا أن حصول هذا الأمر بسبب الدعاء، وكون الإنسان الآخر دعا ولم يستجب له تبين لنا أن هذا الإنسان لم يتحقق له هذا الأمر الذي دعا الله أن يحققه له، ولكن هو مأجور على دعائه، ومصيب فيه، وله أجره عند الله ﷾.","vol":"11","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>بيان أن الجنة التي كان فيها آدم ﵇ هي التي أعدت للمتقين</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n في الحديث: (في الجنة ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، هل الجنة التي كان فيها آدم هي المراد هنا في الحديث؟ وهل كيفية نزول آدم معروفة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n القول الراجح أن الجنة التي كان فيها آدم هي الجنة التي أعدت للمتقين، أما كيفية نزول آدم فلم يرد في ذلك لدينا دليل عن الرسول ﷺ.","vol":"11","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>حكم عد حروف القرآن ومعنى إعرابه</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل من قال إن عد حروف القرآن ليس شيئًا مهمًا، مصيب أو مخطئ؟ وهل إعراب القرآن هو إعراب كل كلمة، أو تفسيره أم ماذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n إعراب القرآن هو أن يكون الإنسان ماهرًا به، يقرؤه بصفة طيبة، بحيث يرفع المرفوع وينصب المنصوب ويجر المجرور ويجزم المجزوم، هذا الذي يقال إنه يعرب القرآن، وقد لا يشترط أن يكون عارفًا بأوجه إعراب القرآن، فهذا هو الذي يقال عنه إنه معرب للقرآن وماهر به، وهو المقصود بالأثر الوارد في فضل من أعرب القرآن، فليس شرطًا أن يكون الإنسان ملمًا بقضاياه النحوية ومسائله.\nأما بالنسبة لعد حروف القرآن فعد حروف القرآن جائز، لكن التكلف في ذلك وجمعها وغير ذلك مما يؤدي إلى إضاعة وقت بدون فائدة يستفيد منها المسلمون، هذا هو الذي يُنهى عنه.","vol":"11","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>إثبات صفة الكتابة لله ﷿</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل نستطيع أن نقول إن الكتابة من صفات الله تعالى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نعم، من صفات الله أنه كتب، فإن الله كتب كتابًا عنده فوق العرش، فيقال عنه ﷾: إن من صفاته أنه كتب.","vol":"11","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>مقدار يوم القيامة على المؤمن</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل صحيح أن فترة البرزخ للمؤمن كصلاة ظهر أو صلاة عصر؟ وهل مدة القيامة للمؤمن أيضًا كصلاة ظهر أو صلاة عصر؟ وإن كان هذا صحيحًا فهل لو مات المؤمن فإنه يدخل الجنة بعد هذه المدة البسيطة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n الوارد عن النبي ﷺ أن يوم القيامة على طوله يكون بالنسبة للمؤمن كصلاة مكتوبة، أي أن الله ﷾ يهونه عليه، وييسر هذا اليوم الطويل عليه، لكن لا يعني ذلك أنه يتغير الزمن، بل الزمن هو الزمن، والطول هو الطول، وهو بالنسبة للكفار وللمنافقين والعصاة بحسب عصيانهم طويل وشاق، لكن بالنسبة للمؤمن الصادق ييسره الله ﷾ ويسهله عليه حتى يصير كصلاة مكتوبة، نسأل الله الكريم من فضله.","vol":"11","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>المتساقطون من الصراط يدخلون النار</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n هل الذي يسقط من على الصراط في جهنم يعد ممن دخل النار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نعم، ممن يدخل النار أولئك الذي يتساقطون من على الصراط، نسأل الله السلامة والعافية.\nوالله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"11","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>شرح كتاب لمعة الاعتقاد [١٢]</span>\nأهل السنة والجماعة يعرفون للنبي ﷺ منزلته العالية، ومكانته العظيمة، فلا يغلون فيه، ولا يجفون عنه؛ بل يقولون عنه ما أرشدهم نبيهم أن يقولوا عنه: عبد الله ورسوله، فهو عبد فلا يعبد، ورسول يطاع ولا يعصى.\nويعرفون أيضًا فضل صحابته الأطهار، الأماجد الأخيار، وينزلونهم منازلهم من غير وكس ولا شطط، ويؤمنون أن أولى الناس بالإمامة والخلافة بعد رسول الله ﷺ هو أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ويحبون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين ويترضون عنهم وعن الصحابة أجمعين، كما أنهم يدينون بالسمع والطاعة لأئمة المسلمين، ويرون الجهاد معهم، والصلاة خلفهم، ولو كانوا فجرة ما لم يظهروا كفرًا بواحًا، كما أنهم لا يرضون التسمي بغير الإسلام والسنة وكفى بهما تسمية وشرفًا.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>حقوق النبي ﷺ وخصائصه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومحمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين، وسيد المرسلين] .\nوهذا في بيان بعض حقوقه ﷺ، وما يجب له، ولهذا فإن الأمر يتعلق بقضيتين اثنتين بالنسبة للرسول ﷺ: إحداهما: ما هو الواجب على كل مسلم بالنسبة لهذا الرسول ﷺ.\nوالأخرى: ما هي خصائص الرسول ﷺ التي تميز بها عن غيره من الأنبياء.","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>حقوق النبي ﷺ</span>\nأما الأولى: فهي القضية الإيمانية المرتبطة بشهادة أن محمدًا رسول الله، ولهذا فإن هذه الشهادة مقتضاها عدة أمور، سأشير إليها فقرة فقرة باختصار شديد: أولها: تصديقه في كل ما أخبر به.\nثانيها: طاعته في كل ما أمر به.\nثالثها: اجتناب ما نهى عنه الرسول ﷺ.\nرابعها: ألا يعبد الله إلا بما شرعه ﷺ.\nخامسها: الإيمان بأنه بلغ البلاغ المبين، فما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه.\nسادسها: الإيمان بأنه ﷺ خاتم النبيين، ولا نبي بعده، فمن اعتقد أن هناك نبيًا بعده، وأن نبوته صحيحة، فإنه قد انتقضت عليه شهادة أن محمدًا رسول الله.\nوقد سبق بيان أن نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان لا يتعارض مع ما هو مقرر من أن محمدًا خاتم النبيين.\nسابعها: محبته ﷺ، وهي محبة واجبة، وتقديم هذه المحبة على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده وماله ونفسه والناس أجمعين) .\nهذه أهم القضايا التي هي قضايا واجبة، وهي من مقتضيات شهادة أن محمدًا رسول الله.","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>االنبي ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين</span>\nومن خصائصه ﷺ أنه ﵊ خاتم النبيين، فلا نبي بعده.\nومن خصائصه أنه سيد المرسلين، وسيد الأولين والآخرين، ولهذا فإن أفضل الأنبياء والرسل هم الرسل، وأفضل الرسل هم أولو العزم، والقول الصحيح أنهم الخمسة المذكورون في قول الله ﷾: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧] .\nوأفضل هؤلاء الخمسة محمد ﷺ، فهو أفضل الأنبياء والرسل، ولما كان الأنبياء والرسل هم أفضل الأمم، والرسول هو أفضل الرسل، فهو سيد ولد آدم، وهو أفضل خلق الله ﷺ.\nثم يقول المصنف: [ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته] .\nأي: أن يؤمن أنه رسول، وأن يشهد أنه نبي من أنبياء الله ﷾.","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>اختصاصه ﷺ بالشفاعة العظمى</span>\nثم يقول: [ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته] .\nأي: لابد من الإيمان بهذه الخصيصة له ﷺ، وهي أنه صاحب الشفاعة العظمى، وقد سبق بيانها.\nوأحب أن أشير هنا إلى أن قول الله ﷾: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، قال كثير من المفسرين: المقام المحمود هو شفاعة محمد ﷺ، حينما يطلب الخلائق جميعًا من ربهم ﷾ فصل القضاء بينهم في العرصات، فيبحثون عن شفيع لهم عند الله ﷾، فيأتون آدم، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، إلى أن ينتهوا إلى رسول الله ﷺ.\nوورد أيضًا أن المقام المحمود هو استفتاح الجنة، وأن النبي ﷺ هو الذي يستفتح باب الجنة فيفتح له، وأن خازن الجنة حينما يقرع عليه رسول الله ﷺ بابها يقول: من؟ فيقول: محمد، فيقول: لقد أمرت بألا أفتح إلا لك؛ ولهذا يفتح للنبي ﷺ، ويدخل وتدخل أمته، ولهذا ورد عن النبي ﷺ أنه قال (نحن الآخرون السابقون)، أي: نحن جئنا في آخر الزمان لكننا السابقون يوم القيامة، أي: أننا نسبق الأمم جميعًا، فأمة محمد ﷺ هي أكثر الأمم داخلًا الجنة يوم القيامة، وكذلك أيضًا هي أول الأمم دخولًا إلى الجنة، نسأل الله الكريم من فضله.\nولهذا قال المصنف ﵀: [ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته] .","vol":"12","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>إثبات لواء الحمد للنبي ﷺ</span>\nثم قال المصنف: [صاحب لواء الحمد] .\nولواء الحمد ورد بيان شيء من معناه في حديث الرسول ﷺ الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر)، هذا الحديث بتمامه رواه الترمذي، وهو حديث صحيح، لكن أوله: (أنا سيد ولد آدم) وآخره: (وأنا أول من تنشق عنه الأرض)، هو في صحيح مسلم، لكن ما يتعلق بالموضوع وهو قوله: (وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما نبي يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي) هذا هو الذي رواه الترمذي، وهو حديث صحيح.\nوهذا اللواء للرسول ﷺ معناه أنه يكون قائد المرسلين، وقائد الأمم، ومن علامات هذه القيادة الشفاعة العظمى، ومن علاماتها دخوله ﵊ وأمته الجنة أول الداخلين.","vol":"12","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>إثبات المقام المحمود والحوض المورود للنبي ﷺ</span>\nقال المصنف: [والمقام المحمود] الذي هو الشفاعة العظمى وسبق بيانه، [والحوض المورود] وهو أكبرها، وورد أن لكل نبي حوضًا، وقد سبق بيان ذلك.\nقال المصنف: [وهو إمام النبيين وخطيبهم] .\nفهو إمامهم وسيدهم ﵊، وهو أيضًا خطيبهم، ولهذا ورد هذا في حديث حسن رواه أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، من غير فخر)، فهو ﷺ الإمام، وهو الخطيب، وهو صاحب الشفاعة، ولهذا فإنه ﷺ يقوم يوم القيامة مقامًا يحمده عليه جميع الخلائق.","vol":"12","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>فضل أمة النبي ﷺ</span>\nقال المصنف: [وصاحب شفاعتهم، أمته خير الأمم] .\nأمة النبي ﷺ هي خير الأمم، وعدد من يدخل الجنة منها أكثر ممن يدخل من الأمم، ومن ثمَّ تميزت هذه الأمة بعدد من الفضل والخير العميم، فكانت خير الأمم جميعًا، ولو لم يكن إلا أن عدد الداخلين إلى الجنة من أهلها أكبر، لكان كافيًا في بيان أفضليتها.","vol":"12","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>فضائل الصحابة ﵃</span>","vol":"12","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>فضل أصحاب رسول الله ﷺ</span>\nقال المصنف: [وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈] .\nوهذا أيضًا من خيرية هذه الأمة، فأصحاب النبي ﷺ هم أفضل صحابة نبي، فهم خير من صحابة إبراهيم، ومن صحابة نوح، ومن حواريي عيسى، ومن أتباع موسى؛ ولهذا فإن هؤلاء الصحابة ﵃ وأرضاهم لهم من الفضل العظيم ما يجب أن يحفظه كل مسلم لهم؛ وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (خير القرون قرني، ثم الذي يلونهم، ثم الذي يلونهم، ثم يلونهم)، ومثل هذا الحديث قوله ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، والمد ربع الصاع والنصيف نصف الصاع، وهذا لبيان فضلهم.\nوينبغي أن تعلموا أن فضل هؤلاء الصحابة إنما هو لصحبتهم لرسول الله ﷺ، ولهذا فإن الصحابي هو من لقي النبي ﷺ، واجتمع به مؤمنًا به ﵊، ومات على ذلك.\nفيخرج بذلك من لقيه وهو كافر، ثم لم يجتمع به بعد ذلك ولو آمن، ويخرج أيضًا من لقيه وهو مؤمن ثم ارتد ومات كافرًا.\nوهؤلاء الصحابة لهم أفضلية الصحبة التي لا يشاركهم فيها أحد ممن جاء بعدهم مهما بلغ عمله، وقد يقول قائل: فما معنى حديث: (يأتي في آخر الزمان أناس يكون أجر العامل منهم كأجر خمسين منكم)؟ فنقول: نعم، قد يأتي بعد الصحابة من هو أكثر عملًا، أي: أن أعماله الصالحات كثيرة أكثر من بعض آحاد الصحابة، فيكون أكثر منه عملًا بهذا الخصوص، ولكن هذا العمل كله لا يبلغ درجة الصحبة، أي أن ذلك الصحابي نال أفضلية خاصة اسمها درجة الصحبة، لا يبلغها ولا ينالها أحد إلا من كان صحابيًا، أما من جاء بعده ولو عمل ما عمل فإنه لا ينال هذه الدرجة، فهي درجة تشريف وفضل أجره عظيم عند الله، ولا يعلمها إلا الله ﷾، ومن ثمَّ فإنه لا يناله إلا من كان صحابيًا، أما من جاء بعده فقد يكون له من العمل ما ينال به أجرًا كثيرًا عند الله ﷾، فوضح الفرق بين الأمرين.","vol":"12","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة</span>\nثم إن المصنف رحمه الله تعالى بدأ يقرر ما يتعلق بأصحاب النبي ﷺ وعقيدة أهل السنة فيهم، فإن عقيدة أهل السنة فيهم هي الترضي عنهم جميعًا، وأن منهم المهاجرين، ومنهم الأنصار، وأن بعضهم أفضل من بعض بنص القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] فدل على أن بعضهم أفضل من بعض، لكن هؤلاء الصحابة نترضى عنهم جميعًا.","vol":"12","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>إمامة أبي بكر ﵁</span>\nوربما يأتي بعد قليل ما يتعلق بهدي الصحابة ﵃، لكن المصنف ابتدأ بقضية من القضايا الكبرى في منهج أهل السنة والجماعة، إلا وهي قضية الإمامة بعد الرسول ﷺ، فأهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى يقولون ما قاله المصنف هنا حين قال: [وأفضل أمته أبو بكر الصديق] .\nوهو عبد الله بن عثمان ﵁ وأرضاه، شهرته تغني عن التعريف به، فـ أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه هو أفضل الأمة على الإطلاق عند أهل السنة والجماعة، وعندهم أيضًا أنه هو الإمام الحق بعد رسول الله ﷺ.\nوأما كيف ثبتت له الإمامة؟ فاختلف العلماء في ذلك: فبعضهم قال: ثبتت له بالنص، مثل قول الرسول ﷺ: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)، ومثل قول الرسول ﷺ للمرأة التي سألته وواعدها من العام القادم قالت: (فإن لم أجدك يا رسول الله؟! قال: تجدين أبا بكر)، ومثل قوله: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ومثل قوله: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)، ومثل حديث القليب حين دلى ﷺ رجليه في القليب، فجاء أبو بكر وجلس عن يمينه، ثم جاء عمر وجلس عن شماله، فأول ذلك بخلافتهم إلى آخره.\nوبعض العلماء قالوا: إن خلافة أبي بكر ﵁ وأرضاه إنما ثبتت بمبايعة الصحابة له بعد توجيه النبي ﷺ وإشارته عليهم بأن يختاروه.\nوهذا القول الثاني هو الصحيح، والدليل عليه حديث عمر ﵁ وأرضاه، لما قيل له حين طعن: استخلف، فقال: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني: أبا بكر - وإن لا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني) يعني رسول الله، فهذا دليل على أن الرسول لم يستخلف أبا بكر.\nهذا الدليل الأول.\nوالدليل الثاني: أنه لو كان الرسول ﷺ قد نص على أبي بكر لما تخلف الصحابة عن مبايعته لحظة، ولما كان هناك حاجة إلى اجتماع السقيفة، ولما جرى فيها كلام، ولا بايعوا أبا بكر، أي: أنه لو جاءهم واحد من الصحابة وقال: سمعت الرسول يقول: بايعوا أبا بكر، لبايعوه ولما ترددوا، لكن الصحابة فهموا ذلك من إنابته في الصلاة، ومن بعض أحاديثه، ولأنه كان يحب أن يكون هو من بعده، ثم إن الرسول عزم على أن يكتب كتابًا، ولكن لما اختلف الصحابة واشتد اللغط قال لهم: (قوموا)، فهذه الكتابة يحتمل أن تتعلق ببعض الأحكام مثل أحكام الجدة والعول والجد والإخوة والعقل، وغير ذلك من الأحكام التي تمنى الصحابة أن يكون الرسول ﷺ قد بلغهم علم عنها، ويحتمل أنه قد كان أراد أن يكتب لـ أبي بكر كتابًا يوصي فيه بأن يكون هو الخليفة من بعده.","vol":"12","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>طعن الرافضة في رسول الله لعدم وصيته لعلي</span>\nوهنا ملحوظة صغيرة هي أن بعض الرافضة يقولون: إنه لما حدث اللغط، وقد كان الرسول أراد أن يكتب بالخلافة لـ علي، قال عمر: حسبنا كتاب الله، فاختلف الصحابة، فغضب النبي ﷺ وقال: (قوموا عني، ما كان لصحابة نبي أن يختلفوا عنده)، فهؤلاء يقولون: إن هذه مؤامرة، وإن الرسول أراد أن يكتب الوصية لـ علي، لكن لما علموا أنه سيكتب لـ علي قاموا وفعلوا هذا الفعل لأجل ألا يكتب الرسول ﷺ! وهذه فرية سخيفة، ويدل على سخفها أن الرسول بدأ معه المرض أيامًا، واشتد عليه يوم الخميس، ثم إن النبي ﷺ ما توفي إلا يوم الإثنين، فلو كان عازمًا على أن يولي عليًا أو غيره فهل يرده راد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لا يمكن أن يرده راد أبدًا، ولا يمكن أن يكتم الرسول ﷺ شيئًا.\nومن تأمل قضية الإمامة يرى أن الأحق بها هو أبو بكر، لكن يقول الرافضي عليه لعنة الله: صاحب المشكلة هو صاحب القبر! يعني: الرسول ﷺ؛ لأنه هو الذي قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، وقال: (اقتدوا بـ أبي بكر وعمر)، وقال للمرأة: (تجدين أبا بكر)، فالرسول ﷺ في زعم هذا الرافضي الخبيث هو صاحب المشكلة.\nإذًا: هذا إقرار منهم بأن اختيار الصحابة ﵃ وأرضاهم لـ أبي بكر بأن يكون خليفة من بعده كان اختيارًا موافقًا لرغبة رسول الله ﷺ.","vol":"12","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>كيف تمت مبايعة أبي بكر</span>\nقال بعض العلماء: وإنما لم يكتب الرسول لـ أبي بكر كتابًا لما علم أن الصحابة لن يعدلوا به غيره، وهذا هو ما حصل، فإنه باجتماع السقيفة جرى ما جرى بين الأنصار والمهاجرين، ثم بويع أبو بكر، وأبو بكر ﵁ وأرضاه لم يكن مترتبًا للخلافة، ولهذا جاء في حديث السقيفة أنه لما أراد عمر أن يتكلم أجلسه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر وأحسن الكلام، وتكلم مع الأنصار بكلام عظيم، وقال: (إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، وإني قد رضيت لكم أحد هذين فبايعوهم يعني عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة)، فقام عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وقال: (لقد رضيك رسول الله ﷺ لديننا -يقصد: الصلاة- أفلا نرضاك لدنيانا، مد يدك)، فبايعه عمر، وبايعه المسلمون، وأجمعوا على مبايعته حتى علي ﵁ وأرضاه كان من المبايعين له، وإن ورد في بعض الروايات أنه تأخر قليلًا جبرًا لخاطر فاطمة ﵂ وأرضاها؛ لأنها ﵂ وأرضاها ظنت أن لها ميراثًا من رسول الله ﷺ، فطلبته من أبي بكر، فأبى أبو بكر ﵁ وأرضاه أن يعطيها هذا الميراث الموجود؛ لنص عنده، وهو أن النبي ﷺ قال (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) .\nفهي رأت أن لها ميراثًا وأبو بكر رأى أن ميراث رسول الله ﷺ هو مال للمسلمين، فلما لحقت فاطمة البتول ﵂ وأرضاها بأبيها بايع علي ﵁ وأرضاه، وفي بعض الروايات أنه بايع قبل ذلك.\nوعلى القول الثاني فإنه بايع وعاش مع أبي بكر وعمر وعثمان وزيرًا لهم، مؤيدًا لهم، ناصحًا لهم، قاضيًا لهم، حتى كان عمر ﵁ وأرضاه يقول: (قضية ولا أبا حسن لها) يعني أن أي قضية ليس لها غير أبي الحسن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.\nفقد كانوا إخوة متآخين في الله، حتى وإن جرى بينهم ما جرى، فقد جرى من الفتن بينهم ما جرى، وكلهم مجتهدون، ولذا قال علي ﵁ وأرضاه: (إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله ﷾ فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧])، لكن الذي أفسد بين المؤمنين وفرق بينهم، وسب صحابة نبيه ﷺ، هم أولئك الرافضة عليهم من الله ما يستحقون.","vol":"12","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>خلافة عمر وعثمان وعلي ﵃</span>\nقال المصنف: [ثم عمر الفاروق] .\nوعمر بن الخطاب هو الخليفة بعد أبي بكر باستخلاف أبي بكر له، ثم ببيعة المسلمين جميعًا.\nقال المصنف: [ثم عثمان ذو النورين] .\nوعثمان ﵁ وأرضاه تولى الخلافة بعد ما استشهد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وذلك بعد أن جعل الأمر شورى في الستة، وبعد أن تشاوروا اجتمعوا على عثمان ﵁ وأرضاه، وبايعه جميع الصحابة، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم علي المرتضى، ﵃ أجمعين] .\nثم الخلافة من بعده لـ علي ﵁ وأرضاه بإجماع المسلمين، ولم يخالف أحد في أنه ﵁ هو الأحق بالخلافة.","vol":"12","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>الأدلة على أفضل الخلفاء الراشدين ﵃</span>\nوهؤلاء الأربعة كل واحد له من الفضل العظيم ما ذكرته كتب الفضائل: فـ أبو بكر له فضائل، وعمر له فضائل، وعثمان له فضائل، وعلي له فضائل، ولو سردنا فضائل كل واحد منهم لقلت: ما أعظم هذه الفضائل، فكل واحد منهم له المنزلة والمكانة الرفيعة عند أهل السنة والجماعة.\nقال المصنف: [لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نقول والنبي ﷺ حي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره)] .\nهذا الحديث رواه الطبراني، ومسلم وغير واحد، فهو صحيح، لكن الإشكال في عبارة المصنف في قوله: (ثم علي)، وأقول: لعلها هي الصواب.\nوقوله: (أبو بكر ثم عمر ثم عثمان) هذا دليل على أن الصحابة مجمعون على تقديم هؤلاء الثلاثة ﵃ وأرضاهم.\nقال المصنف: [وصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ولو شئت لسميت الثالث)] .\nوقد ورد في بعض الروايات أنه قيل له: ثم أنت، فقال علي ﵁ وأرضاه تواضعًا: (وهل أنا إلا رجل منكم)، ولهذا أجمع العلماء على تقديم أبي بكر ثم عمر، ثم قال جماهير أهل السنة: إن الأفضل بعد عمر هو عثمان، ثم بعد ذلك علي، وقليل جدًا من أهل السنة من قالوا: علي أفضل من عثمان.\nوالقول الصحيح في هذه المسألة هو أن عثمان أفضل من علي، ولهذا ورد عن بعض السلف رحمهم الله تعالى أنه قال: من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.\nأي: لأنهم هم الذين اختاروه، كما في قصة مشاورة عبد الرحمن بن عوف بالخلافة، وكيف أنه أخذ يداول الأمر بين الصحابة جميعًا، ثم قال عند البيعة: (يا علي! لقد رأيت الناس لا يعدلون بـ عثمان، تعال يا عثمان فامدد يدك أبايعك، فبايعه)، فدل على أن الغالبية العظمى من أصحاب النبي ﷺ كانوا يقدمون عثمان على علي ﵁ وأرضاه.\nوأما من قال بخلاف ذلك من أهل السنة فنقول: إن قوله مرجوح.","vol":"12","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل كترتيبهم في الخلافة</span>\nقال المصنف: [وروى أبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر)] .\nهذا ذكره المصنف وهو مما رواه أبو نعيم في الحلية وغيره، لكن في فضائل أبي بكر ﵁ وأرضاه أحاديث كثيرة أخرى موجودة في كتب الفضائل.\nولهذا ذكر المصنف رحمه الله تعالى قضية الخلافة بعد ذكر الأفضلية فقال: [وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ؛ لفضله، وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة] .\nوهذه أدلة قوية مختصرة ذكرها المصنف واحدًا واحدًا، فذكر فضله وسابقته في الإسلام، وتقديمه في الصلاة، وإجماع الصحابة عليه، وما كان الله ليجمع هذه الأمة على ضلالة، فهذا يدل على أن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه هو أحق بالخلافة.\nثم من بعد أبي بكر قال المصنف: [ثم من بعده عمر ﵁؛ لفضله وعهد أبي بكر إليه] .\nونقول أيضًا: ولمبايعة جميع الصحابة له؛ حيث لم يتخلف عن ذلك أحد.\nثم قال: [ثم عثمان ﵁؛ لتقديم أهل الشورى له] .\nأي إن الأحق بالخلافة عند أهل السنة والجماعة هو عثمان؛ بتقديم أهل الشورى له.\nقال المصنف: [ثم علي ﵁؛ لفضله وإجماع أهل عصره عليه] .\nأي أن عليًا ﵁ هو الإمام الرابع، وهذا أيضًا واضح.\nثم قال المصنف: [وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)،] .\nوالنواجذ هي الأضراس، وهؤلاء الخلفاء الأربعة هم المهديون، وهم الذين يجب أن نتبع سنتهم وطريقتهم ﵃ جميعًا.\nقال المصنف: [وقال ﷺ: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة)] .\nوهذا حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود وغيره من حديث سفينة مولى رسول الله ﷺ.\nقال المصنف: [آخرها خلافة علي ﵁] .\nلأن نهاية خلافة علي والحسن كانت عام (٤١هـ) والرسول ﷺ انتقل إلى الرفيق الأعلى سنة إحدى عشرة من الهجرة، فالمدة منذ وفاة الرسول ﷺ إلى خلافة معاوية ﵁ وأرضاه تبلغ ثلاثين سنة، وهذا موافق لما جاء في حديث الرسول ﷺ: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) .","vol":"12","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>فضل العشرة المبشرين بالجنة</span>\nثم قال المصنف بعد ذلك: [ونشهد للعشرة بالجنة] .\nوهذا أيضًا مما يختص به أصحاب النبي ﷺ، فإن هؤلاء العشرة المبشرين بالجنة لهم من الفضل ما هو معروف.\nقال المصنف: [كما شهد لهم النبي ﷺ فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة -وهو ابن عبيد الله - في الجنة، والزبير -وهو ابن العوام - في الجنة، وسعد - وهو ابن أبي وقاص - في الجنة، وسعيد -وهو ابن زيد بن عمرو بن نفيل - في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)] .\nولكل واحد من هؤلاء العشرة خصائص.","vol":"12","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>الكلام على الشهادة بالجنة والنار</span>","vol":"12","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>نشهد بالجنة لكل من شهد له الرسول ﷺ بها</span>\nثم قال المصنف مقررًا لقاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة: [وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها] .\nفأهل السنة والجماعة يشهدون بالجنة لمن شهد له الرسول ﷺ، أما من لم يشهد له الرسول فإنه يشهد له شهادة عامة، فيقال: كل من مات من المؤمنين فهو من أهل الجنة، نرجو له ذلك.\nلكن لا نشهد بأن فلانًا بعينه في الجنة إلا لمن شهد له الرسول مثل العشرة، ومثل ما أورده المصنف هنا في قوله: [كقوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)] .\nأي: فنشهد لهما ﵄ وأرضاهما أنهما من أهل الجنة.\nقال المصنف: [وقوله لـ ثابت بن قيس: (إنه من أهل الجنة)] .\nوهذا أيضًا ثبت في الحديث الصحيح، وثابت بن قيس صحابي كان جهوري الصوت، ولما نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، خاف أن يكون هو المقصود، فقال: (أنا جهوري الصوت، وأرفع صوتي، فأخاف أن عملي قد حبط)، ولهذا ورد أنه بقي في بيته وقال: (والله لا أخرج منه حتى يرضى عني رسول الله ﷺ أو أموت)، وفي إحدى الروايات عند ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما: أنه ﵁ وأرضاه حبس نفسه في اصطبل الفرس، وأمر زوجته بأن تضرب مسمارًا على صاج الباب؛ ليكون ذلك تصبيرًا نهائيًا، وقال: (والله لأبقين في هذا المكان حتى يرضى عني رسول الله ﷺ أو أموت)، فلما أخبر النبي ﷺ بما جرى لهذا الصحابي الجليل قال ﷺ: (أخبروه وبشروه أنه من أهل الجنة)، فلما بشر بذلك ما استطاع أن يخرج بسبب المسمار؛ لأنه كان قد سمره تسميرًا نهائيًا ﵁ وأرضاه، فكسر المسمار، وفتح الباب وخرج.\nومثله أيضًا عكاشة بن محصن، ومثله خديجة بنت خويلد؛ فإن النبي ﷺ شهد لهما بالجنة، ومثله الرميصاء ﵂ وأرضاها، فإن النبي ﷺ سمع لها صوتًا في الجنة فقيل: من هذه؟ قيل: هذه أرجل الرميصاء بنت ملحان، ﵂ وأرضاها، وهي التي تزوجها أبو طلحة، فكان مهرها الإسلام، فإنه خطبها وهو مشرك، فقالت: لا أقبل وأنت على الشرك، لكن إن أسلمت فيكفيني مهرًا، فأسلم أبو طلحة، وتزوجها، فكان مهرها الإسلام.\nفمن شهد لهم النبي ﷺ بالجنة فإنا نشهد لهم.","vol":"12","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>لا نجزم بالنار إلا لمن جزم له الرسول ﷺ</span>\nثم قال المصنف في المقابل: [ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، إلا من جزم له الرسول ﷺ] .\nبالنسبة لأهل الجنة نشهد لمن سبق، وبالنسبة لأهل النار نجزم بها لـ أبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب، ونجزم بها لزوجته؛ لورود النص القرآني بذلك، كما نجزم أن عمرو بن لحي من أهل النار؛ لقول النبي ﷺ: (رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار)، فمن شهد له الرسول ﷺ بأنه من أهل النار فنشهد أنه من أهلها، نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"12","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>عقيدة أهل السنة والجماعة في الحكم على المعين بجنة أو نار</span>\nثم قال المصنف: [لكن نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء] .\nوهذا هو منهج أهل السنة والجماعة، فنحن نرجو للمحسن أنه من أهل الجنة، ونخاف على المسيء من عذاب الله تعالى.\nأما الشهادة العامة فنطلقها، ونقول: كل من مات على الإيمان نشهد أنه من أهل الجنة، وكل من مات على الكفر نشهد أنه من أهل النار، لكن الكلام هنا في الشهادة لمعين، فأي معين لا نشهد له بجنة ولا بنار، فلا نقطع أن من مات على الكفر من أهل النار؛ لاحتمال أنه تاب وأنت لم تعلم بذلك، فأنت لا تشهد، لكن إذا رأيت كافرًا أو كفارًا فبشرهم بالنار، كما ورد عن النبي ﷺ، لكن لا تجزم بأن الشخص الفلاني من أهل النار، إلا إذا جاء الدليل؛ لأن هناك احتمالًا أن يكون قد أسلم ومات على ذلك.\nولسنا نحن الذين ذكرنا هذا؛ لأن بعض الناس يخاف من مثل هذا الكلام، بل هذا منهج، فنحن نقطع بأن كل من مات وهو على الإيمان فهو من أهل الجنة، وكل من مات وهو على الشرك والكفر فهو من أهل النار، لكن لا نشهد لفلان وفلان إلا لمن دل عليه النص.","vol":"12","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>منهج أهل السنة والجماعة في الحكم على أصحاب الذنوب والكبائر</span>\nثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى قضية من قضايا الأحكام وهي مسألة التكفير فقال: [ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل] .\nأي: بعمل كبيرة، فمنهج أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بالذنوب كما فعلت الخوارج، ولا يخرجونهم من الإيمان بعمل كبيرة كما فعلت الخوارج، ولا يحكمون بخلودهم في النار، كما فعلت الخوارج والمعتزلة.\nوليس معنى ذلك أن أهل السنة لا يكفرون أحدًا بأي ذنب مهما كان، وإنما المقصود بذلك الكبائر التي هي دون الشرك والكفر بالله تعالى، لهذا فإن من ارتكب مكفرًا فهو مذنب، وأهل السنة والجماعة يكفرون من سب الله تعالى، أو سجد لصنم وهو يعلم، أو أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو كان منافقًا، أو عمل ناقضًا من نواقض الإسلام، فأهل السنة والجماعة يقطعون بأن هذه الذنوب مكفرة لصاحبها، لكن مقصودهم هنا: أنهم لا يكفرون مرتكب الكبيرة غير المستحل لها، فالذين يعملون ما دون الشرك بالله مثل: آكل الربا، والزاني، والسارق، وشارب الخمر، والعاق لوالديه إلى آخره، فهؤلاء إذا ماتوا وهم على التوحيد فإنهم عند أهل السنة والجماعة في الدنيا غير كفار، ولهذا تقام عليهم الحدود، ويورثون، ويدفنون في مقابر المسلمين، وكذلك أيضًا يقول أهل السنة والجماعة: إنهم يوم القيامة تحت مشيئة الله؛ إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، وقد يُشفع لهم، ولا يخلدون في النار ولو دخلوها.\nهذا هو منهج أهل السنة والجماعة.\nأما الخوارج فعندهم أن كل من ارتكب كبيرة فهو كافر في الدنيا حلال الدم والمال، ويوم القيامة يكون مخلدًا في نار جهنم.\nوالإباضية -وهم طائفة من الخوارج- قالوا: هو في الدنيا كافر وفي الآخرة مخلد في نار جهنم.\nوالمعتزلة قالوا: إذا ارتكب كبيرة من هذه الكبائر خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين المنزلتين، أي: أننا لا نستحل دمه وماله، لكن حكمه في الآخرة عندهم أنه خالد مخلد في نار جهنم، وهذا كله مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة.","vol":"12","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>موقف أهل السنة من أئمة الجور</span>","vol":"12","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>وجوب إقامة الحج والجهاد مع الإمام وإن كان فاجرًا</span>\nثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى قضية أخرى تتعلق بالإيمان، فقال ﵀: [ونرى الحج والجهاد ماضيين مع كل إمام، برًا كان أو فاجرًا] .\nوهذا أيضًا تقرير لمذهب أهل السنة والجماعة: أن السمع والطاعة واجبة للإمام الشرعي سواء كان برًا أو فاسقًا، وطاعته إنما هي في المعروف، وفي غير معصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، فتجب الطاعة له ولو كان فاجرًا، أي: ولو كان مرتكبًا لكبيرة، كان كان ظالمًا يضرب هذا ويفعل مع هذا بعض الأفاعيل، هذه الأمور التي هي من قبيل الظلم والفسق والفجور لا ترفع طاعة هذا الإمام عند أهل السنة والجماعة، بل توجبها، وهذا قد دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ، ولهذا قال ﵊: (اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) .\nولما ذكر ﵊ الأمراء الذين يؤثرون أنفسهم بالأموال ونحوها، وأحيانًا يأمرون بالمنكرات، قال بعض الصحابة: (يا رسول الله! أفلا نناجزهم؟ -وفي بعض الروايات: أفلا نقاتلهم- فقال ﷺ: لا، حتى تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) .\nوورد عن النبي ﷺ أنه لما قيل له: (أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا)، فدل هذا على أن الإمام تجب له السمع والطاعة، ولا يجوز الخروج عليه إلا أن يترك الصلاة، أو يأمر بترك الصلاة، أو أن يأتي بكفر بواح ظاهر عندنا من الله ﷾ فيه برهان، وهذا هو منهج جماهير أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى.\nومن ثمَّ فإن الحج والجهاد أيضًا عند أهل السنة والجماعة ماضيان مع الإمام، سواء تولى الإمامة باختيار المسلمين له، أو باستخلاف من قبله، وحالة ثالثة ذكرها كثير من السلف: إذا تسلط بالقوة، وحكم بين الأمة بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ فالسمع والطاعة واجبة له، ففي هذه الحالات الثلاث يجب له السمع والطاعة، بشرط أن يحكم بين الأمة بالكتاب والسنة.\nوكذلك أيضًا يجب الحج معه، فلا يأتي قائل ويقول: هذا فاجر، وعلى هذا فنحن هذه السنة لا نحج، فنقول: بل إذا قاد حجيج المسلمين فيجب الحج معه، وقد كان الخلفاء من قديم الزمان يقودون الحج، أو يرسلون من ينوب عنهم في قيادة الحج، وهذا كان موجودًا في زمن الدولة الأموية والعباسية، والمؤرخون في الحوليات إذا وصلوا إلى شهر الحج قالوا: وحج بالناس فلان، فيذكرون من حج بالناس، سواء كان الخليفة أو من ولاه أو غير ذلك.\nوكذلك أيضًا الجهاد في سبيل الله، ولهذا قال علي ﵁ وأرضاه: (لابد لهذه الأمة من إمامة برة أو فاجرة.\nقالوا: يا أمير المؤمنين! قد عرفنا البرة فما الفاجرة؟ قال ﵁ وأرضاه: الفاجرة حتى تحمي البيضة، وتقيم الحق، وتقيم الحدود) .\nإذًا: الجهاد لا بد منه حتى مع الفاجر، فما دام مجاهدًا للكفار وللمشركين فيجب أن يكون المؤمنون معه مطيعين مجاهدين في سبيل الله، وكل هذه الأمور إنما هي ما دام يحكم بالكتاب والسنة، وما دام لم ينقض ذلك بكفر بواح ظاهر عندنا من الله ﷾ فيه برهان.","vol":"12","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>الصلاة والجهاد مع الإمام ولو كان فاجرًا</span>\nثم قال أيضًا: [وصلاة الجمعة خلفهم جائزة] .\nمذهب أهل السنة والجماعة أن الصلاة خلفهم جائزة ولو كانوا فجارًا، ولو كان يعلم أن هذا الإمام أنه يؤخر الصلاة، أو أنه يشرب الخمر؛ فإن الصلاة خلفه جائزة، وقد ورد في ذلك أحاديث عن النبي ﷺ.\nثم قال المصنف: [قال أنس: قال النبي ﷺ: (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله)] .\nقوله: (الكف) يعني: عدم الاعتداء على دمه وماله، فما دام قد أظهر الإيمان فنأخذه بظاهره، فإن كان باطنه كظاهره فالحمد لله، وإن لم يكن كذلك فإننا نحكم عليه بظاهره والله يتولى باطنه، إلا أن يظهر لنا ذنبًا آخر أو كفرًا وردة فيجب أن نقيم حد الردة عليه.\nقال: [(الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله ﷿ حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار)، رواه أبو داود] هذا الحديث رواه أبو داود، لكنه حديث ضعيف، ضعفه المنذري وغيره، وسبب تضعيفه أن فيه يزيد بن أبي نشبة، ضعفه العلماء، لكن ما فيه من الإيمان بالأقدار، ومضي الجهاد، وأن لا نكفر أحدًا، كلها دلت عليها أدلة أخرى من أحاديث الرسول ﷺ.\nوالشاهد هو قوله: (لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل) أي: أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة.","vol":"12","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>عقيدة أهل السنة فيما شجر بين الصحابة</span>","vol":"12","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>تولي أصحاب رسول الله ومحبتهم والترضي عنهم</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ، ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم] .\nهذه من حقوق أصحاب النبي ﷺ، فيجب توليهم، ونصرتهم، والدفاع عنهم، ومحبتهم، والترضي عنهم جميعًا، وذكر محاسنهم حين يذكرون؛ لأنهم نقلة كتاب الله ونقلة سنة رسول الله ﷺ إلينا، ولهذا فنحن نستغفر لهم جميعًا، ونترضى عنهم جميعًا، ونترحم عليهم جميعًا.","vol":"12","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>السكوت عما وقع بين الصحابة</span>\nومن أهم ما يتعلق بهم ما قاله المصنف: [والكف عن ذكر مساوئهم، وما شجر بينهم] .\nوهذا أصل عظيم من أصول أهل السنة والجماعة، فإن ما جرى بين الصحابة ﵃ وأرضاهم يجب الكف عنه، خاصة ما جرى في الجمل وصفين؛ فإن هؤلاء الصحابة كلهم كانوا مجتهدين، وصحيح أن بعضهم كان أحق من بعض، وأقرب إلى الحق من بعض، فـ علي ﵁ وأرضاه كان أحق من غيره، وكان ﵁ وأرضاه أفضل، لكن لا يجوز لنا في مقابل ذلك أن نطعن في بقية الصحابة: في عائشة أو في الزبير أو في طلحة أو في معاوية ﵃ جميعًا، بل يجب أن نكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، ونقول كما قال أحد العلماء: تلك دماء طهر الله منها أيدينا فنحن نطهر منها ألسنتنا، فنترضى عنهم جميعًا، ونعتقد أنهم مجتهدون، ومن اجتهد منهم فأصاب فله أجران، ومن اجتهد منهم وأخطأ فله أجر واحد، وكلهم لهم الفضل ولهم القربى، فلا يجوز سبهم، ولا الطعن فيهم، فضلًا عن القول بردتهم، أو غير ذلك.","vol":"12","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>اعتقاد فضل الصحابة ومعرفة سابقتهم</span>\nقال المصنف: [واعتقاد فضلهم، ومعرفة سابقتهم] .\nفلهم الفضل، ولهم السابقة؛ فهم أصحاب النبي ﷺ، وهم حواريوه، وهم نقلة سنته.\nقال المصنف: [قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]] .\nوهذه الآية في سورة الحشر جاءت بعد ذكر المهاجرين والأنصار، فقد ذكر الله الذين هاجروا، وذكر الذين تبوءوا الدار والإيمان، ثم ذكر الذي جاءوا من بعدهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، وهذه الآيات هي في الفيء؛ لأن في الآيات السابقة: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر:٧] إلى آخره، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر:٩]، ثم قال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)، قال الإمام مالك ﵀ وتعالى وغيره: (من كان في قلبه غلٍ على أصحاب رسول الله ﷺ فليس له من الفيء شيء)، وهذا اجتهاد منه ﵁ وأرضاه؛ لأن الآية كانت في الفيء، وهذا منهج أهل السنة والجماعة.\nثم قال المصنف: [وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]] .\nوهذا أيضًا بيان لوصف أصحاب النبي ﷺ.\nثم قال المصنف: [وقال النبي ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)] .\nوهذا الحديث رواه البخاري، فهو حديث صحيح، وقد ورد في المفاضلة بين صحابيين، ومع هذا قال النبي ﷺ للصحابي المتأخر: (لا تسبوا أصحابي)، قال العلماء: فإذا كان هذا في المفاضلة بين صحابيين فما الشأن في المفاضلة بين الصحابة وبين من بعدهم؟ فدلالة الحديث على أن من بعدهم لا يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه أقوى وأكبر، وهذا ظاهر الدلالة لمن تأملها.","vol":"12","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>الترضي عن أزواج النبي ﷺ</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى أيضًا: [ومن السنة: الترضي عن أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء] .\nوأزواج النبي ﷺ قد ألفت فيهن مؤلفات، وهن إحدى عشرة زوجة، فأزواج النبي ﵊ نترضى عنهن جميعًا، ونؤمن بأنهن زوجات النبي ﷺ في الدنيا وفي الجنة، ﵅ جميعًا.","vol":"12","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>أفضل أزواج النبي ﷺ خديجة وعائشة</span>\nقال المصنف: [أفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق، التي برأها الله ﷾ في كتابه، زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم] .\nأفضل نساء النبي ﷺ خديجة، وعائشة، وقد سئل النبي ﷺ: (من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قيل: من الرجال؟ قال: أبوها) لكن أيضًا ورد في فضل خديجة فضائل، ولهذا قال العلماء: إن خديجة أيضًا متقدمة في الفضل، وعائشة ﵂ وأرضاها ما كانت تغار على أحد من أزواج النبي ﷺ وهن موجودات ما كانت تغار على خديجة؛ لكثرة ذكر النبي ﷺ لها، حتى إنه ﵊ كان يكرم صواحبها وقريباتها، فقد أتت امرأة عجوز فبش لها رسول الله ﷺ بشاشة لفتت انتباه عائشة ﵂ وأرضاها، فسألت الرسول ﷺ: من هذه العجوز؟ فقال ﷺ: (إن هذه كانت تأتينا أيام خديجة)، ﵅ جميعًا.\nفـ خديجة لها فضل، وعائشة لها فضل، لكن عائشة تتميز بأنه يجب الترضي عنها، والإيمان بأنها زوجة النبي في الدنيا والآخرة، وتبرئتها مما برأها الله ﷾ منه في كتابه العزيز، فمن طعن فيها بعد نزول الآيات البينات فهو مرتد بإجماع المسلمين، وأما الرافضة فإنهم إلى الآن يقذفون عائشة، والواحد منهم إذا أراد أن يسب ابنته إذا وقعت في خطأ أو ذنب أو أراد أن يبلغ أقصى ما يريد من عقوبة بالنسبة لها فإنه يقول لها: يا عائشة! أو يا عويش! فحينئذٍ تبكي بكاءً مرًا طويلًا؛ لأنه شبهها بأم المؤمنين عائشة، وهذا منه -عليه من الله ما يستحقه- اتهام لـ عائشة بما برأها الله ﷾ من ذلك.\nفمن اتهمها بعد نزول القرآن بما برأها الله ﷾ منه -أي: من اتهمها بالزنا- فهو مرتد لا شك في ردته، ويكون خارجًا عن دائرة الإسلام.","vol":"12","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>حكم سب الصحابة ﵃</span>\nوبالنسبة لسب أصحاب النبي ﷺ فهذا السب على درجات: الأولى: إن سب الصحابة فيما يتعلق بدينهم وإيمانهم أو قال بردتهم، فهذا لا شك في كفره وردته.\nالثانية: أن يسبهم باللعن والشتم والغضب ونحو ذلك، فهذا فيه قولان للعلماء: فبعضهم يقول هو مرتد، وبعضهم يقول إنه غير مرتد، لكن يعزر ويؤدب، والقول الراجح في هذا -والعلم عند الله- أنه لا يلعنهم إلا من كان خارجًا عن دائرة الإسلام.\nالثالثة: أن يسب الصحابي بغير هذين النوعين، مثل أن يسبه ببخل، أو بجبن، كأن يقول: فلان الصحابي بخيل، أو جبان، أو نحو ذلك، فهذا يجب تعزيره وتأديبه؛ حتى يرتدع عن مثل هذه الكلمات.","vol":"12","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>فضل معاوية ﵁</span>\nثم قال: [ومعاوية خال المؤمنين] .\nوإنما ذكر المصنف معاوية ﵁ لأن كثيرًا من الرافضة يطعن في هذا الصحابي الجليل؛ نظرًا لما جرى بينه وبين علي ﵁ وأرضاه في يوم صفين.\nومعاوية ﵁ وأرضاه هو كاتب الوحي، وهو مجتهد، صحيح أن عليًا أولى منه في الحق، لكنه مجتهد، وأراد الخير للمسلمين، لهذا فنحن نترضى عنه، ولا يجوز لنا أن نطعن فيه، ولا أن نسبه، ومن طعن فيه وسبه فحكمه حكم الساب لأصحاب النبي ﷺ.\nوقوله: (خال المؤمنين)؛ لأنه أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ وعن أبيها وعن أخيها، وهي زوجة النبي ﷺ، والخال هو أخو الأم.\nفهل يطلق على مثل معاوية أنه خال المؤمنين؟ صنيع المصنف هنا يدل على أنه يرى جواز الإطلاق، فمن كان أخًا لزوجة من أزواج النبي ﷺ فيصح أن يلقب بأنه خال المؤمنين؛ لأن زوجات النبي هن أمهات المؤمنين، وبعضهم لا يرى هذا الإطلاق والأمر فيه واسع.\nثم قال عنه: [وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين، ﵃] .\nثبت أن معاوية من كتاب الوحي، ولو كان فيه شيء ما ائتمنه الرسول ﷺ على أعظم أمر، وهو أحد خلفاء المسلمين.","vol":"12","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>موقف أهل السنة والجماعة من أئمة المسلمين وأمرائهم</span>\nثم قال المصنف أيضًا: [ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله؛ فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله تعالى، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته، والخروج عليه، وشق عصا المسلمين] .\nأي: وحرم شق عصا المسلمين، وهذا بشرطين: أحدهما: أن يغلب بسيفه فيحكم بينهم بالكتاب والسنة.\nالثانية: ألا يقع منه كفر بواح، وهذا الذي أشار إليه هو ما ذكره أئمة أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى من أن الخلافة تثبت إما بالمبايعة العامة، أو بوصية من سبقه إليه، أو بأن يتغلب بسيفه، فإذا تغلب بسيفه وحكم بينهم بالكتاب والسنة فإنه تجب طاعته، والسمع له، ويحرم الخروج عليه.","vol":"12","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>موقف أهل السنة والجماعة من هجران أهل البدع والخصومات معهم</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن السنة هجران أهل البدع، ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين] .\nهجران أهل البدع ومبيانتهم من منهج أهل السنة والجماعة؛ لأن أهل البدعة سواء كانت بدعهم عقدية مثل الخوارج والمعتزلة وغيرهم، أو عملية مثل المتصوفة الذين يبتدعون الأوراد والأذكار ونحوها، فإن من منهج أهل السنة هجران هؤلاء؛ لأن في هجرهم ومباينتهم ردعًا لهم، وهذا من الولاء والبراء.\nقوله: (وترك الجدال والخصومات في الدين)، أيضًا من منهج أهل السنة ترك المجادلات التي لا يقصد منها الحق، وهكذا ترك الخصومات في دين الله ﷾.\nأما ما كان منها من قبيل المناقشات العلمية والردود الطيبة بالأسلوب الطيب فإن هذا قد وقع بين أصحاب النبي ﷺ، ورد بعضهم على بعض، مع حبهم لبعض، وكذلك أيضًا فيمن جاء بعدهم من التابعين والأئمة، فهذا لا شيء فيه.\nأما الجدال بالباطل والخصومات الباطلة فإنها منهي عنها، وكذلك أيضًا بالنسبة لأهل البدع؛ فمن لم يرتدع منهم بهجره أو مباينته، وخيف من شره ومن شر بدعته على المسلمين، فإن الواجب الرد عليه ونقض بدعته، كما فعل أئمة أهل السنة والجماعة فيما بعد.","vol":"12","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>خطر النظر في كتب أهل البدع والإصغاء إليهم</span>\nقال المصنف: [وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم] .\nلأن المبتدعة قد يوردون شبهًا، ويميلون إلى ما تشابه من نصوص الكتاب والسنة، فإذا قرأ الإنسان كتبهم واطلع عليها وسمع كلامهم ربما تأثر بذلك، فالأصل أن تربى النفوس ويربى الطلبة على العقيدة الصحيحة، والأصل أيضًا ألا يمكَّن لأهل البدع، فلا يأتي قائل يقول: دعونا نتحاور، ودعه يا أخي يشرح بدعته، فنحن مع نبي وعقيدة سليمة لا نخاف، فنقول: كيف لا نخاف؟! فالبدعة إذا ظهرت وانتشرت في الكتب، أو سجلت البدعة في أشرطة، أو أذيعت بوسائل الإعلام، وسمعها الكثير، فربما أن عشرة أو عشرين أو ثلاثين من العلماء ومن طلاب العلم لا يتأثرون، لكن كم من صغار الطلبة، وكم من ضعفاء الناس وعامتهم من إذا سمع مثل هذه الشبه، واستقرت في نفسه وقلبه سيتأثر! فلا شك أن هناك كثيرين سيتأثرون، لهذا فمنهج أهل السنة والجماعة عدم السماح لهم، وعدم فتح الحوار معهم؛ لأن الحوار معناه إيذان بأنه قد يكون الحق معهم، والأمر واضح جدًا أنهم مبتدعون، والحوار ليس بين حق وباطل، لا نأتي إلى يهودي ونقول له: تعال نتحاور معك أمام العالمين وأمام المسلمين جميعًا، وإنما نقول: أنت مبطل من أول الطريق، ونقول للنصراني: أنت مبطل من أول الطريق، ولا نفتح الحوار معهم؛ لأن الحوار يكون في مسائل الاجتهاد بين علماء المسلمين وفقهائهم، هذا هو الحوار الذي يفيد وينفع، أما أن يؤتى بمبطل ويقال: تعال ربما يكون باطلك حقًا، فهذا خطأ، ولم يفعله السلف رحمهم الله تعالى.\nولهذا فإن السلف ما فتحوا باب الحوار، وإنما ناقشوا وردوا، فردوا في زمن محنة خلق القرآن على المعتزلة، وهكذا ردوا على القدرية، وردوا على الرافضة، وردوا على الخوارج، لكن لم يفتحوا باب الحوار معهم، وفرق بين هذا وهذا، ولهذا فإن من الواجب التربوي على الشباب وعلى المبتدئين في طلب العلم أن يغرسوا أولًا في أنفسهم العلم النقي الصافي من عقيدة السلف، ثم يأخذون مما عدا ذلك ما يحتاجون إليه، وحينما تنتشر بدعة أو حينما يظهر خطر شبهة أو نحو ذلك، يتعلمون الرد عليها بالطرق السليمة، وبمناهج سليمة، ومن علماء موثوقين.\nأما أن يأتي إنسان فيقرأ في كتب الفلاسفة أو في كتب المتكلمين، وربما يمكث سنين طويلة، فإن هذا يخاف عليه أن يتشرب شبهة أو بدعة، وقد سبق أن ذكرنا مثالًا مهمًا جدًا وهو: أن النبي ﷺ قال: (من سمع منكم بـ الدجال فلا يذهب إليه)، وسبق أن بينا أن الدجال يؤيده الله بخوارق فتنة للناس: يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، ويأمر الخربات فتأتي بكنوزها، ويقتل الرجل ويعيده، ولهذا يقول ﵊: (من سمع منكم بـ الدجال فلا يذهب إليه، فإن الرجل قد يسمع بـ الدجال فيقول: هذا هو الدجال الذي أخبرنا عنه الرسول، فإذا ذهب إليه ورآه وسمع منه لا يزال به حتى يصدقه)، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فهنا جاء الخطر، وهذا الإنسان الذي صدق بالرسول ﷺ لو بقي بتصديقه وقال: لا حاجة لي في أن أذهب إلى الدجال لسلم، وهكذا نفس الشيء بالنسبة لكثير منا، فالبعض منا يقول: أنا عقيدتي قوية، وما عندي مانع أن أقرأ في كتب الفلسفة، أو في كتب المنطق، أو في كتب المفكرين اليساريين والشيوعيين والملاحدة، ثم لا يزال يقرأ ويقرأ حتى يتأثر، وكثير منهم قد لا يصل به ذلك إلى الإلحاد، لكن يضعف إيمانه ويضعف يقينه بالقرآن والسنة، وهذا من الآثار الخطيرة بالنسبة للفلسفة وعلمها، فإنها حتى ولو لم توصل الإنسان إلى الإلحاد والكفر بالله إلا أنها تضعف إيمانه، وتضعف ثقته بالكتاب، وتضعف ثقته بالسنة، ولهذا تجد المتشبعين بكتب الفلسفة وعلم الكلام وأهل البدع ونحو ذلك، تجد هؤلاء عن بكرة أبيهم إلا ما عصم ربي يستهينون بالقرآن، ويستهينون بالسنة، حتى ولو لم يصرح أحدهم بذلك، فإن القرآن عنده ما وضع إلا للعوام، والسنة ما هي إلا أمور يسيرة ليس فيها حقائق علمية، هكذا يؤمنون.\nفمن أين جاء هذا التهوين لتلك المصادر الحقة التي لا يأتيها الباطل أبدًا؟ جاءهم من خوضهم في علم الكلام والفلسفة والمنطق، فظنوا أن تلك العقول وذلك المنطق وأولئك الفلاسفة عندهم من العلم واليقين والوصول إلى الحقائق ما ليس في الكتاب والسنة، ولهذا قال المصنف: (والإصغاء إلى كلامهم) .\nثم قال: [وكل محدثة في الدين بدعة] .\nوهذا بنص حديث الرسول ﷺ، وتفصيل البدعة ليس هذا موضع الكلام فيه.","vol":"12","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>كل فرقة تسمت بغير الإسلام والسنة فهي مبتدعة</span>\nثم قال: [وكل متسمٍ بغير الإسلام والسنة مبتدع] .\nقوله: (بغير بالإسلام)، مثل ذلك الذي لا ينسب نفسه إلى الإسلام، أو لا ينسب نفسه إلى السنة، وإنما أتى ببدعة، فنسب نفسه إليها.\nقال: [كالرافضة] .\nوالرافضة لهم أصول معروفة، وكثير منها أصول كفرية، تخرجهم عن دائرة الإسلام، ولو لم يكن من ذلك إلا اعتقادهم العصمة في الأئمة، وأنهم يعلمون المغيبات، وعبادتهم لأئمتهم والحج إلى قبورهم؛ لكفى، فإنهم يعبدونهم ويدعونهم من دون الله تعالى.\nوكذلك اعتقادهم بردة الصحابة ﵃ وأرضاهم، ولو لم يكن إلا ذلك لكفى دليلًا على ردتهم وخروجهم عن دائرة الإسلام، ولهذا فإننا نقول: من كان من الرافضة يقول بهذه الأصول فهو مرتد خارج عن دائرة الإسلام.\nثم قال: [والجهمية] .\nوهم أتباع الجهم بن صفوان، الذي قتله سلم بن أحوز بعد أن ظهرت بدعته، فهو من المبتدعة الذين أقيم فيهم حكم الله.\nوالجهمية لهم ضلالات كثيرة، ومن أعظم ضلالاتهم إنكار الأسماء والصفات ومنها القول بالجبر، أي أن العباد مجبورون، وأن العبد لا قدرة له ولا إرادة، وإنما يتحرك بأفعاله كما تتحرك الأوراق، فأوراق الشجر إنما تحركها الريح.\nومن ضلالاتهم أن الإيمان هو المعرفة، فعندهم أن من عرف الله فهو مؤمن، وهذا مذهب الإرجاء، وهو مذهب خطير، ففرعون كان يعرف الله، وإبليس كان يعرف الله.\nإذًا: عندهم أن فرعون وإبليس وغيرهما من الملاحدة والطواغيت الذين عرفوا الله مؤمنون، وهذا خطير جدًا، ولهذا صار الجهمية من غلاة المرجئة، فقد اجتمعت في الجهمية ثلاث جيمات: جيم التجهم الذي هو نفي الصفات، وجيم الإرجاء، وجيم الجبر، فهم جبرية، جهمية، مرجئة.\nثم قال: [والخوارج] .\nوالخوارج هم المارقة الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان ﵁ وأرضاه، وأجمع المسلمون على قتالهم، وأهم ما يميزهم في عقيدتهم تكفيرهم لمرتكب الكبيرة، فكل من ارتكب كبيرة فهو عندهم كافر في الدنيا مخلد في نار جهنم، ولهذا فإنهم كفروا عثمان في آخر خلافته، وكفروا عليًا، وكفروا الزبير، وعائشة، وطلحة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وغيرهم من الصحابة ﵃ وأرضاهم، فهؤلاء هم الخوارج المارقون الذين أخبر عنهم رسول الله ﷺ، ووردت فيهم أحاديث كثيرة.\nثم قال: [والقدرية] .\nوالقدرية هم نفاة القدر، أي: الذين نفوا عن الله القدر، وقالوا إن الإنسان مستقل عن الله ﷾ في الإرادة، ومستقل بفعله، فهو خالق الإرادة، وهؤلاء هم المعتزلة القدرية، وقد ورد في الحديث الذي يحسنه بعض العلماء: (القدرية هم مجوس هذه الأمة) سموا وشبهوا بالمجوس لأنهم يقولون: إن العبد خالق لفعله.\nثم قال: [والمرجئة] .\nوهؤلاء المرجئة هم الذين يؤخرون الأعمال عن الإيمان، فلا يدخلونها، فكل من لم يدخل الأعمال في مسمى الإيمان فهو مرجئ.\nوهؤلاء المرجئة على درجات: فغلاتهم هم الجهمية، وقد سبق بيان عقيدتهم؛ لأنهم يقولون: الإيمان هو المعرفة فقط، ومن المرجئة أيضًا الكرامية الذين يقولون إن الإيمان قول اللسان فقط، فكل من قال بلسانه فهو مؤمن، لكن يقولون: إن المنافق الذي لا يوافق قلبه لسانه يكون يوم القيامة مخلدًا في النار.\nومن المرجئة أيضًا الأشعرية والماتريدية الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق فقط.\nومن المرجئة أيضًا مرجئة الفقهاء رحمهم الله تعالى الذين يقولون: إن الإيمان قول وتصديق، فهؤلاء الطوائف كلهم مرجئة؛ لأنهم لم يدخلوا العمل في مسمى الإيمان.\nثم قال: [والمعتزلة] .\nوالمعتزلة هم الذين بدأت حركتهم باعتزال واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري رحمه الله تعالى، وذلك لما جعلوا النقاش حول مرتكب الكبيرة، فقال واصل بن عطاء: لا أقول هو مؤمن، ولا أقول هو كافر، بل هو في منزلة بينهما، فاعتزل حلقة الحسن البصري، فسموا معتزلة.\nوالمعتزلة اشتهروا بأصولهم الخمسة: الأول: العدل، وهو إنكار القدر، أي: إنكار المرتبة الثالثة والرابعة من مراتب القدر، وهما مرتبة المشيئة، ومرتبة الخلق، ونسبتهما إلى العبد.\nالثاني: التوحيد، وهو نفيهم لجميع الصفات عن الله ﷾، فهم يثبتون الأسماء وينفون الصفات، لكن إثباتهم للأسماء لم ينفعهم؛ لأنهم انقسموا حيالها إلى قسمين: قسم منهم قال: إنها أعلام محضة لا تدل على معانٍ ولا صفات، والقسم الثاني منهم قال: إن الله عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، فكان مؤدى قولهم نفي الصفات عن الله ﷾.\nالثالث من أصولهم: القول بمنزلة بين المنزلتين في مرتكب الكبيرة: أي أنه في الدنيا لا مؤمن ولا كافر.\nالرابع: إنفاذ الوعيد: وهو أن مات من أهل الكبائر من غير توبة فلابد أن ينفذ فيه الوعيد فيكون مخلدًا في نار جهنم.\nالخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربطوا بالأصل الخامس الخروج على أئمة الجور، وقالوا: إنه يجوز الخروج على الإمام إذا كان جائرًا.\nهذه أصول المعتزلة الخمسة التي اشتهروا بها.\nوأضافوا إلى ذلك أمورًا كثيرة، منها: إنكار الشفاعة، وقد سبق بيان ذلك، ومنها: إنكار رؤية الله ﷾ يوم القيامة، وقد سبق أيضًا الإشارة إلى ذلك.\nثم قال: [والكرامية] .\nوالكرامية هم أتباع محمد بن سعيد بن كرام، وابن كرام هذا أشهر أقواله: إثبات الصفات مع الغلو أحيانًا في إثباتها، وأيضًا من أقواله: الإرجاء في باب الإيمان، فإنه يقول: إن الإيمان هو قول اللسان فقط، لكنه قال: إن المنافق الذي يقول بلسانه وإن قلنا عنه في الدنيا إنه مؤمن، لكنه إذا مات فهو يوم القيامة مخلد في النار، فوافق أهل السنة والجماعة في الحكم عليه على الظاهر.\nثم قال المصنف: [والكلابية] .\nوالكلابية هم أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، وأشهر ما اشتهر عن ابن كلاب هو أنه نفى بعض الصفات وأثبت بعضها، وقبل ابن كلاب كان الناس على طريقتين: المعتزلة ينكرون جميع الصفات، وأهل السنة يثبتون جميع الصفات، فجاء عبد الله بن سعيد بن كلاب بشبه عقلية وردت عليه، فأثبت لله بعض الصفات، مثل: صفة العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، ومثل الوجه واليدين، والعينين وغير ذلك، ونفى عن الله ما يتعلق بمشيئته وإرادته، مثل: الاستواء، فإنه أثبت لله صفة الاستواء من باب أنها صفة علو لله ﷾، لكن لم يثبتها كصفة من صفات الفعل، فهو يثبت الاستواء لله ﷾، وينكر على من يتأوله بالاستيلاء؛ لأنه يثبت العلو لله ﷾.\nوكذلك أيضًا يتأول بعض صفات الله ﷾، كصفة النزول، وصفة الضحك، والعجب، والرحمة، والمحبة وغير ذلك، أي أنه في الجملة يتأول الصفات الفعلية، ويثبت لله الصفات الذاتية، وسار على منهاجه في باب الصفات الأشاعرة والماتريدية، فهم ساروا على خطاه، وإن كان متأخرو الأشاعرة ومتأخرو الماتريدية قد زادوا عنه بعدًا عن مذهب السلف الصالح في باب الصفات.\nثم قال المصنف: [ونظائرهم]، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها؛ لكن طوائف الضلال متفاوتة، فمنها طوائف قد تصل أحيانًا فيها البدع إلى الكفر، ومنها ما قد تكون بدعًا دون الكفر، لكن نحن ننكر البدع، ونتبرأ من هذه كلها، ولا نسمي أنفسنا بهذه التسميات، وإنما نربط أنفسنا بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ.","vol":"12","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>حكم الانتساب إلى إمام في فروع الدين</span>\nثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما النسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع فليس بمذموم؛ فإن الاختلاف في الفروع رحمة] .\nلم يرد في ذلك حديث صحيح، لكن قد رحم الله هذه الأمة بالتوسعة عليها، والصحابة كانوا يجتهدون ويختلفون.\nفالانتساب إلى المذهب المالكي أو الشافعي أو الحنفي أو غير ذلك ليس فيه بدعة، إنما يكون بدعة إذا تحول إلى تعصب، ورفض للدليل الحق، أو إلى تنقص من الأئمة الآخرين، فإذا أدى إلى تعصب مذموم، أو تنقص بالأئمة الآخرين، فإنه حينئذٍ يكون انتسابه إلى هؤلاء أو أحدهم مذمومًا.\nفمن انتسب إلى الحنفية أو المالكية أو الحنابلة وقال: إن معهم الحق، وتعصب ولو جاءه الدليل الصحيح، أو انتقص الآخرين، وقال: المذهب الحق هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل أو أبي حنيفة وما عداهم فمذهبه غير حق، فنقول: هذا تعصب مذموم.\nثم قال المصنف: [والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة] .\nوهذا واضح جدًا، فما اتفق عليه المسلمون وأجمعوا عليه فهو حجة، وما اختلفوا فيه فإننا نحمدهم عليه، لكن الواجب علينا أن نتبع من كان معه الدليل، ولو أن الإنسان انتسب إلى المذهب الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي ثم رأى في مسألة من المسائل أن الدليل مع القول الآخر والمذهب الآخر، فالواجب عليه أن يتبعه.\nثم دعا المصنف رحمه الله تعالى بهذا الدعاء العظيم فقال: [نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله ﷺ في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله آمين] .\nونحن أيضًا ندعو معه بهذا الدعاء ونقول: اللهم إن نسألك أن تعصمنا من البدع ومن الفتنة، وأن تحيينا على الإسلام والسنة، وأن تجعلنا ممن يتبع رسول الله ﷺ في الحياة، وتحشرنا في زمرته بعد الممات برحمتك يا أرحم الراحمين! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.","vol":"12","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>الأسئلة</span>","vol":"12","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>المقصود بسنة الخلفاء الراشدين</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ورد في حديث العرباض: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، فهل نعتبر سنة الخلفاء الراشدين كسنة رسول الله ﷺ، أم أن سنة الخلفاء الراشدين كغيرهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n هذا أمر فيه تخصيص، فنتبع سنة الرسول ﷺ فقط، وما لم يأت في سنة الرسول ﷺ مما مشى عليه الخلفاء الراشدون فنحن نتبعه، وإذا اختلفوا نرجح، ولهذا فإن المقصود بالسنة هنا سنتهم العامة، فيما هو مميز لهم عن غيرهم.\nأما ما كان رأيًا لواحد منهم، وقد خالف سنة رسول الله ﷺ الواردة، فهذا نحكم عليه بحكم أهل الحديث في باب الترجيح، وفي مسألة إذا عمل الراوي بخلاف روايته أو غير ذلك.\nفالمقصود هو الاتباع في هديهم، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن النبي ﷺ فرق بين الشيخين أبي بكر وعمر وبين بقية الخلفاء، فقال في الخلفاء: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، لكن قال في أبي بكر وعمر: (اقتدوا باللذين من بعدي)، والاقتداء أخف من ذلك، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن أبا بكر وعمر لم يقع منهما شيء يخالف هدي الرسول ﷺ، فكان الاقتداء بهما مطلوبًا.","vol":"12","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>سبب تخصيص الخلفاء الراشدين بهذا الوصف</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n ما هو سبب تسمية الأربعة الخلفاء بعد الرسول ﷺ بالخلفاء الراشدين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n لأنهم كانوا على الرشاد والهدى.","vol":"12","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>شروط الخروج على الإمام الكافر</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n وهل يشترط القدرة في الخروج على الإمام الكافر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n نعم، لابد من القدرة؛ فإن الخروج من غير قدرة يؤدي بالمسلمين إلى التهلكة، فلو أن واحدًا يعيش في بريطانيا، والحكومة كافرة لا شك في ذلك، وقال: هل يجوز لي الخروج عليهم؟ فنقول: نعم يجوز، ونتمنى أن تقيموا دولة الإسلام هناك، لكن لو قال: ما رأيكم لو خرجت، فنقول: لا تخرج؛ لأنكم لا تستطيعون.\nوالرسول ﷺ بقي في مكة، وكثر العدد، وكان الرسول معهم، وكان بعض المسلمين يموت تحت التعذيب، ومع هذا لم يأمر الرسول بالانتقام، حتى إنه أمر بالإحصاء وقال: (أحصوا كم يلفظ الإسلام)، فإذا هم قرابة الخمسمائة.\nبل لما أسلم بعض أهل المدينة وجاءوا في بيعة العقبة الكبرى في منى، وصاح الشيطان وقال بعضهم لما سمعوا صيحة الشيطان: يا رسول الله! إن شئت لنميلن على أهل منى، فقال الرسول ﷺ: (لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم)، فكل ذلك دال على أنه إذا كان المسلمون مستضعفين ليس لهم مكان يؤويهم فلا يجب عليهم الجهاد، والرسول ما بدأ الجهاد إلا بعد أن كانت المدينة دارًا للمؤمنين تؤويهم، حيث كان يرسل الجيش ويرجع إلى مكان آمن.\nوهذه القضية يخطئ فيها كثير من الجماعات الإسلامية، فلا يكون الجهاد إلا إذا وجد مكان يؤويهم، وهذا هو الذي فعله رسول الله ﷺ.\nوأسأل الله ﷾ أن يرزقنا الأجر والثواب، وألا يحرمنا ذلك، وأن يوفقنا جميعًا إلى ما يحبه ويرضاه.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"12","page":43}]}