{"ً":{"ٌ":7862,"ٍ":"البكاء في الكتاب والسنة","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: البكاء في الكتاب والسنة، بحث مقدم للحصول على التفرغ العلمي\nالمؤلف: رقية بنت محمد المحارب\n[الكتاب مرقم آليا]\nعدد الصفحات: ١٠٨","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1411,"ٕ":23,"ٖ":1770155650,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"السبب الباعث على اختيار الموضوع:","level":1,"page":3},{"title":"التمهيد","level":1,"page":3},{"title":"تعريف البكاء","level":1,"page":3},{"title":"الكتب المؤلفة في الموضوع","level":1,"page":4},{"title":"الباب الأول: البكاء الممدوح","level":1,"page":6},{"title":"١. البكاء عند قراءة القرآن","level":2,"page":6},{"title":"٢. البكاء في الصلاة","level":2,"page":16},{"title":"٣. البكاء من خشية الله","level":2,"page":18},{"title":"٤. البكاء عند العجز عن تحصيل شيء من مراضي الله","level":2,"page":33},{"title":"٥. بكاء التوبة:","level":2,"page":40},{"title":"٦. بكاء استشعار مقام النبي ﷺ","level":2,"page":55},{"title":"الباب الثاني: البكاء المذموم","level":1,"page":60},{"title":"١- بكاء النياحة","level":2,"page":60},{"title":"٢- بكاء التصنع والكذب","level":2,"page":64},{"title":"الباب الثالث: البكاء المباح","level":1,"page":64},{"title":"- بكاء الحزن","level":2,"page":65},{"title":"أقوال العلماء في البكاء على الميت","level":2,"page":74},{"title":"- بكاء الألم","level":2,"page":82},{"title":"- بكاء الشوق","level":2,"page":85},{"title":"- بكاء الرحمة","level":2,"page":86},{"title":"- بكاء الموافقة","level":2,"page":89},{"title":"- بكاء العتب","level":2,"page":95},{"title":"- بكاء الفرح","level":2,"page":96},{"title":"أنواع أخرى من البكاء","level":1,"page":98},{"title":"- بكاء الشياطين","level":2,"page":98},{"title":"- بكاء الجماد","level":2,"page":98},{"title":"خاتمة","level":1,"page":101},{"title":"المصادر والمراجع:","level":1,"page":102}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108},"ٜ":{"1":[1,108]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3,4],"4":[5],"6":[6,7],"16":[8],"18":[9],"33":[10],"40":[11],"55":[12],"60":[13,14],"64":[15,16],"65":[17],"74":[18],"82":[19],"85":[20],"86":[21],"89":[22],"95":[23],"96":[24],"98":[25,26,27],"101":[28],"102":[29]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"المملكة العربية السعودية - وزارة التعليم العالي\nوكالة كليات البنات - الإدارة العامة لكليات البنات بالرياض\nالأقسام الأدبية\n* * *\nالبكاء\nفي الكتاب والسنة\nبحث مقدم للحصول على التفرغ العلمي\n* * *\nإعداد:\nد. رقية بنت محمد المحارب\nأستاذ الحديث وعلومه المساعد بقسم الدراسات الإسلامية\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n\nالحمد لله الأول فليس قبله شيء، الآخر فليس بعده شيء، الظاهر فليس فوقه شيء، الباطن فليس دونه شيء، خلق فأبدع، وصور فأحسن، فتبارك الله أحسن الخالقين له الحكمة البالغة، وكل شيء عنده بمقدار، وصلى الله على نبي الرحمة المهداة، القدوة المجتباة، رسول رب العالمين، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين. ... أما بعد\nفإن هذا الدين عظيم لم يبق شيئا من الحركات والسكنات والخطرات إلا بينه ونظمه فبين حلاله وحرامه ومباحه كما قال سبحانه: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (١)\nومما اعتنى به الإسلام المشاعر البشرية، والخواطر القلبية والسلوك الظاهر، ومن ذلك البكاء وأعني به خروج الدمع من العين، وقد اعتنى المحدثون ببيانه وترجموا لأحواله بأبواب متعددة مثل (باب البكاء على الميت) (باب البكاء من خشية الله) (باب البكاء عند المريض) (باب البكاء عند قراءة القرآن) (باب البكاء في الصلاة) واعتنى به الفقهاء وعلماء السلوك فبوبوا له أبوابا وجعلوا له مسائل وفصولا لبيان أحكامه، وألف في ذلك مصنفات مفردة مثل كتاب \"الرقة والبكاء\" لموفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة٦٢٠هـ وكتاب \" الرقة والبكاء\" لعبد الله بن محمد بن عبيدة ابن أبي الدنيا رحمهما الله.\nوهذا البحث استقراء لأنواع البكاء في الكتاب والسنة، سواء كان التعبير عنه لفظيا بأي تصريف من تصريفات الفعل (بكى) أو معنويا كالتعبير بالدموع أو وصف الحال بما يدل على البكاء كفيض العيون.\n_________\n(١) الأنعام ٣٨","vol":"1","page":1},{"text":"وقد ورد في البكاء ثماني آيات في كتاب الله خمس منها باللفظ وثلاث بالمعنى، وورد فيه عدد كثير من الأحاديث، وسأقتصر على نماذج من الكتب الستة في كل معنى لما في الاستيعاب من الإطالة التي يضيق عنها وقت البحث.\nوقد نهجت في هذا البحث المنهج التالي:\n١- استقراء الآيات وتخريجها.\n٢- تفسير الآيات ووضعها في المكان المناسب من البحث.\n٣- استقراء الأحاديث الواردة في البكاء لفظًا ومعنى، واستعنت بالموسوعات الحاسوبية؛ رجاء الدقة واغتناما للوقت.\n٤- تصنيف الأحاديث وإيرادها تحت كل نوع من أنواع البكاء.\n٥- تخريج الأحاديث.\n٦- تناول المعنى المناسب للموضوع بالتفصيل.\n٧- إيراد المسائل الفقهية المتعلقة بالبكاء والترجيح بينها ما أمكن.\n٨- شرح الكلمات الغريبة الواردة في الأحاديث.\n٩- ذكر الآثار وأقوال العلماء في البكاء وتصنيفها في المكان المناسب حسب الحاجة لذلك.\n١٠- تذييل البحث بفهارس متنوعة.\n\nوقد قسمت هذا البحث إلى تمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة أما التمهيد فأذكر فيه تعريف البكاء في اللغة والاصطلاح وما أُلف فيه من كتب، مع نبذة مختصرة عن الكتاب ومؤلفة. أما الباب الأول فأذكر فيه البكاء الممدوح، وأما الباب الثاني فأذكر فيه البكاء المذموم، وأما الباب الثالث فأذكر فيه البكاء المباح وهو ما لم يرد فيه ذم ولا مدح.\nوأما الخاتمة فأجمل فيها ما توصلت إليه من نتائج وتوصيات.\nولما كانت الأحاديث في البكاء كثيرة كثرة يضيق البحث عن استيعابها اكتفيت بشواهد للدلالة على كل نوع منه.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>السبب الباعث على اختيار الموضوع:</span>\nاطلعت على كتاب \"الرقة والبكاء\" لابن قدامة فأثر في قوله\" فإنني أحببت جمع أخبار أداوي بها قسوة قلبي، وأستجلب بها دموع عيني، فطلبت ذلك في مظانه فلم أر أجلب له ولا أجمع لما أردت من أخبار الصالحين\" (١) فإذا كان ابن قدامة العالم العابد صاحب التصانيف يبحث عما يداوي قلبه، فلأنا أحرى والله بذلك، ولم أر أجلب لرقة القلب من البحث في حديث رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>التمهيد</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>تعريف البكاء</span>\n\nفي اللغة:\n\nقال ابن فارس: (بكوء) الباء والكاف والواو والهمزة أصلان: أحدهما البكاء، والآخر نقصان الشيء وقلته.\nفالأول بكى يبكي﴾ بكاء ﴿. قال الخليل: هو مقصور وممدود. وتقول: باكيت فلانا فبَكَيِْتُه، أي كنت أبكى منه.\nقال النحويون: من قصره أجراه مجرى الأدواء والأمراض، ومن مده أجراه مجرى الأصوات كالثغاء والرغاء والدعاء. وأنشد من قصره ومده:\nبكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل\nقال الأصمعي: بكيت الرجل وبكّيته، كلاهما إذا بكيت عليه؛ وأبكيته صنعت به ما يبكيه.\nوالأصل الآخر قولهم للناقة القليل اللبن هي بكيئة، وبكؤت نبكؤ بكاءة ممدودة. وأنشد:\nيقال محبسها أدنى لمرتعها ... ولو تعادى ببكء كل محلوب\nيقول: محبسها في دار الحفاظ أقرب إلى أن تجد مرتعا مخصبا. قال أبو عبيد: فأما قوله ﷺ: \"إنا معشر الأنبياء بكاء\" فإنهم قليلة دموعهم. وقال زيد الخليل:\nوقالوا عامر سارت إليكم ... بألف أو بكا ًمنه قليل\nفقوله بكا ًنقص، وأصله الهمز، من بكأت الناقة تبكأ، إذا قل لبنها. وبكؤت تبكؤ أيضا. (٢)\nقال الثعالبي في بيان درجات البكاء: إذا تهيأ الرجل للبكاء. قيل: أجهش. فإن امتلأت عينه دموعا قيل: اغرورقت عينه، وترقرقت. فإذا سألت قيل: دمعت وهمعت. فإذا حاكت دموعها المطر قيل: همت. فإذا كان لبكائه صوت قيل: نحب ونشج. فإذا صاح مع بكائه قيل: أعول. (٣)\n_________\n(١) ص ٣٩\n(٢) معجم مقاييس اللغة ٢٨٥\n(٣) فقه اللغة وسر العربية ١٢٥","vol":"1","page":3},{"text":"قال الجوهري: واسْتَبْكاهُ وأبْكاهُ بمعنى وتَباكَى تكلف البكاء والبَكِيُّ بفتح الباء الكثير البُكاء والبُكِيُّ بضم الباء جمع باكٍ مثل جالس وجلوس إلا أن الواو قلبت ياء (١)\n\nفي الاصطلاح\nقال المناوي: \" البكاء بالمد سيلان الدمع عن حزن وقيل بالمد إذا كان الصوت أغلب وبالقصر إذا كان الحزن أغلب\" (٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الكتب المؤلفة في الموضوع</span>\n\n١. الرقة والبكاء / لأبي بكر عبدا لله بن محمد ابن أبي الدنيا المتوفى سنة ٢٨١هـ، وقد ذكر مؤلفه جملة من الأبواب المتعلقة بالبكاء موردا فيها آثارا وأخبارا عن البكائين من التابعين ومن تبعهم وهو أكثر تفصيلا من الذي بعده حيث ذكر البكاء من خشية الله، واستدعاء البكاء، وأسباب البكاء، والبكاء عند قراءة القرآن، والبكاء في الصلاة، إلى غير ذلك من الأبواب التي تثري الراغب في الاستزادة، وختم الكتاب بجماع أخبار البكائين. والكتاب يقع في ٣٦٩ صفحة\n٢. الرقة والبكاء / لموفق الدين عبدا لله بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى٦٢٠هـ، اعتنى المؤلف بإيراد الأخبار وسرد الحكايات التي فيها رقة وخشية تلين بها القلوب، وتدمع لها العيون، وروايته بسنده إلى مشائخه فمن بعدهم تكاد تطغى على الكتاب، وقد جمع روايات الكتاب من كتب السير والمغازي والتاريخ والتراجم والزهد والرقائق. ولا يورد شيئا مما حدث في عصره ولا يعلق على الروايات بنقد رغم كثرة ما يورد من الضعيف لأنه كان يهدف إلى تأثير الخبر دون تحري صحته، وبدأ الكتاب بذكر طرف من صفات الصالحين، ثم أتبعه بذكر شيء من أخبار متقدمي الأنبياء ﵈. ثم شيء من أخبار نبينا ﷺ. ثم ختمه بصالحي أمة نبينا ﷺ وأخبار من فنون شتى، ثم ختم الكتاب بذكر شيء من أوصاف الجنة ونعيمها.\n_________\n(١) مختار الصحاح، وينظر لسان العرب لابن منظور\n(٢) التعاريف ج١/ص١٤١","vol":"1","page":4},{"text":"٣. صفة ضحك وبكاء النبي ﷺ ومزاحه مع أصحابه/ لأحمد مصطفى قاسم الطهطاوي، ومن عنوان الكتاب يتبين أن المؤلف قسم الكتاب حسب العنوان وذكر تحت قسم صفة بكائه ﷺ عددا من الأحاديث التي تحكي بكاء النبي ﷺ وهو كتاب مختصر يقع في ١٢٥ صفحة\n٤. البكاء من خشية الله تعالى/ لحسين بن عودة العوايشة بين فيه فضل البكاء من خشية الله تعالى ووضح السبيل على ذلك والعوائق مع ذكر بعض النصوص والآثار في بكاء النبي ﷺ وأصحابه. وهو يقع في ٧٢ صفحة\n٥. دموع القراء (بكاء السلف عند تلاوة القرآن وسماعه) لمحمد شومان بن أحمد الرملي وذكر فيه بابين ذكر في الأول فصل في عظمة القرآن وفصل في الحث على تدبر القرآن وفصل في الثناء على البكائين وفصل في خوف السلف من النفاق وذكر في الثاني فصل في بكاء الأنبياء وآخر في بكاء النبي صلى اله عليه وسلم عند تلاوة القرآن وثالث في بكاء الصحابة ورابع في بكاء التابعين. وهو يقع في ١٩٢ صفحة\n٦. دموع الصالحين / لأبي الفداء محمد عزت عارف وهو أشبه بالذي قبله جدا في المادة والتصنيف وهو يقع في ١٩٤صفحة\n٧. البكاء عند قراءة القرآن، لعبد الله بن إبراهيم اللحيدان، ويقع في ٥٤ صفحة","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الباب الأول: البكاء الممدوح</span>\nخلق الإنسان ضعيفا يعتريه الحزن والخوف والفرح فتؤثر فيه الأحداث تأثيرا بليغا، فيحتاج إلى التنفيس عن باطنه المكبوت، وأحيانا يخونه التعبير أحوج ما يكون إليه فيكون دمع العين أبلغ تعبيرا وأكثر دلالة على الصدق من الألفاظ بل من الأيمان أحيانا، ويصور ذلك قوله تعالى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (١) فالمتأمل لهذه الحادثة يدرك بجلاء ثناء الله تعالى على تلك القلوب المتعلقة بنصر دينه والرغبة الصادقة في مشاركة رسوله ﷺ الجهاد بالنفس مع عدم المال وذات اليد، أما قوله تعالى: (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (٢) فيشهد أن الأيمان المغلظة لم تجد شيئا أمام كذب القلوب، مع أن الكذب قد يتلبس به البكاء أيضا فالبكاء الكاذب ودموع التماسيح لا تجدي شيئا مع مخالفة الحال للمقال فهؤلاء أخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون، وكان إحساسه العميق بكذبهم -لمعرفته بغيرتهم وتخوفه من كيدهم مع صدق النبوءة- في محله.\nولما كان البكاء بهذه المثابة وله هذا الشأن كان منه ما مدحه الشارع ومنه ما ذمه، وسنتناول في هذا الباب البكاء الممدوح، والمدح يثبت بالثناء على فاعله بالكتاب أو بالسنة، ومن خلال الاستقصاء لأنواع البكاء الممدوح أستعرضه في العناوين التالية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>١. البكاء عند قراءة القرآن</span>\n_________\n(١) سورة التوبة / ٩٢\n(٢) سورة التوبة / ٤٢","vol":"1","page":6},{"text":"عندما يستشعر المؤمن أن الله تعالى يخاطبه بكلامه، ويستشعر عظمة الله وجلاله ويستشعر أيضا أن هذا القرآن نزل على قلب محمد ﷺ مع تفكره في الدار الآخرة وما سيكون فيها من حساب وحشر وجزاء عندما يتخيل ذلك كله وهو يقرأ القرآن لا يملك سرعة ضربات قلبه وقشعريرة جلده فتدمع العين وتفيض حتى يبل دمعها الأقدام، وهذا الحال هو حال العارفين بربهم، وقد وصفهم في كتابه مثنيا عليهم بذلك حيث قال سبحانه: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (١) قال ابن جرير: \"يقول تعالى ذكره ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين من قبل نزول الفرقان إذا يتلى عليهم القرآن لأذقانهم يبكون ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعا يعني خضوعا لأمر الله وطاعته واستكانة له\" (٢) بل ذلك عمل الأنبياء من قبل وقد أخبر المولى عن حالهم بقوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) (٣) قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: \"خروا سجدا وبكيا) أي: خضعوا لآيات الله وخشعوا لها، وأثرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة ما أوجب لهم البكاء والإنابة والسجود لربهم\" (٤) وهو حال أصحاب رسول الله ﷺ رضوان الله عليهم أجمعين قال الجصاص في قوله تعالى: (ويزيدهم\n_________\n(١) الإسراء/١٠٧ـ١٠٩\n(٢) تفسير الطبري ج١٥/ص١٨١\n(٣) مريم/٥٨\n(٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٤٥","vol":"1","page":7},{"text":"خشوعا) \" يعني به أن بكاءهم في حال السجود يزيدهم خشوعا إلى خشوعهم وفيه الدلالة على أن مخافتهم لله تعالى حتى تؤديهم إلى البكاء داعية إلى طاعة الله وإخلاص العبادة على ما يجب من القيام بحقوق نعمه\" (١)\nوالبكاء والتخشع أثناء قراءة القرآن والصلاة مندوب إليه مرغب فيه، قال القاسمي: \" دل نعت هؤلاء ومدحهم بخرورهم باكين على استحباب البكاء والتخشع، فإن كل ما حمد فيه من النعوت والصفات التي وصف الله تعالى بها من أحبه من عباده يلزم الاتصاف بها، كما أن ما ذم منها من مقته منهم يجب اجتنابه \" (٢)\n_________\n(١) أحكام القرآن ٥/٣٨\n(٢) محاسن التأويل١٠/٣١٠","vol":"1","page":8},{"text":"وهكذا دلت السنة المطهرة على استحباب البكاء عند قراءة القرآن فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن إبراهيم قال: \" قال لي النبي ﷺ (اقرأ علي قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل قال فإني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (١) قال أمسك فإذا عيناه تذرفان\" (٢)\n_________\n(١) النساء /٤١\n(٢) صحيح البخاري كتاب التفسير باب: \" كيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء \" ج٤/ص١٩٢٧، وأخرجه مسلم في كتاب المسافرين باب فضل استماع القرآن، وطلب القراءة والبكاء عند القراءة ٢/١٩٥، وأخرجه أبو داود في كتاب العلم باب في القصص ٣/٣٢٤، والنسائي في كتاب فضائل القرآن ١/١٢٧، ١٢٩ وابن حبان في كتاب الرقائق باب قراءة القرآن ٢/٥٨ والترمذي كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة النساء ٥/٢٣٨، وفي كتاب الشمائل المحمدية ١/٢٦٤،، والحاكم باب ذكر مناقب عبد الله بن مسعود ٣/٣٦٠،، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم ٢/٣٩١،، وأبو يعلى في مسند عبد الله بن مسعود ٨/٤٣٥، ٩/٥، ٩/١٤٧،، والإمام أحمد في مسنده ١/٣٧٤،، والبيهقي في السنن الكبرى ٥/٢٨، ٥/٢٩، ٦/٣٢٣،، وفي شعب الإيمان ٢/٣٦٢،، وسعيد ابن منصور٢ ١/٢١٨،، والطبراني في المعجم الكبير ٩/٨١، والمعجم الأوسط ٢/١٦٤، والمعجم الصغير ١/١٣٦، والبزار في مسنده ٥/١٨٣، والشاشي في مسنده ٢/٢٢٤،، وابن المبارك في الزهد١/٣٦، ٣٥٩","vol":"1","page":9},{"text":"وأخرج أيضا\"عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين\" (١)\n_________\n(١) كتاب الصلاة/ باب الصلاة في مسجد السوق ١/١٨١،، وباب جوار أبي بكر في عهد النبي ﷺ ٢/٨٠٤،، وباب هجرة النبي ﷺ وأصحابه ٣/١٤١٨،، وابن حبان في ذكر صحبة أبي بكر ١٥/٢٨٥،، وعبد الرزاق في باب من هاجر إلى الحبشة٥/٣٨٦","vol":"1","page":10},{"text":"وقد تفتر النفوس وتركن إلى الدنيا فيقل بكاؤها وتجف دموعها؛ ولكن أبا بكر بقي على العهد لم تغيره الأحداث ولم تزده الأيام إلا رقة وخشوعا؛ لاسيما إذا كان يرتل القرآن بين يدي ربه وهو في صلاة، ولذا ازدادت رغبة رسول الله ﷺ في استخلافه على الصلاة ولم يقبل اعتذار عائشة بنت أبي بكر عن أبيها بأنه رجل بكاء إذا صلى غلبه البكاء، وقد صح بذلك الخبر كما روى البخاري عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: \" إن رسول الله ﷺ قال في مرضه مروا أبا بكر يصلي بالناس قالت عائشة: قلت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس فقالت عائشة فقلت لحفصة قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس ففعلت حفصة فقال رسول الله ﷺ مه إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل للناس فقالت حفصة لعائشة ما كنت لأصيب منك خيرا\" (١)\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب الأذان/ باب أهل العلم أحق بالإمامة ج١/ص٢٤٠، وباب من أسمع الناس تكبير الإمام ٢٥١، وباب هل يأخذ الإمام إذا شك ٢٥٢، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة /باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم ٦/٢٦٦٣،، والنسائي في الكبرى كتاب عشرة النساء/ باب ذكر الاختلاف على أبي رجاء ٥/٤٠١،، والبيهقي في كتاب الصلاة / باب ما يؤمر به من أكل شيئا من ذلك أن يميته بالطبخ ٣/٧٨،، والدارمي باب في وفاة النبي ﷺ ١/٥٢،، وأحمد ١/٢٠٩، ٣٥٦، ٥/٣٦١، ٦/٩٦، ١٥٩، ٢٠٢، ٢١٠،، وأبوعوانة في باب كراهية الألحان في القرآن ١/٤٤٤،، والربيع في المسند ١/٩٢،، والطبراني في الأوسط٢/١٢، و٦/٢٥٣،، وأبو يعلى ١٢/٦٢،، وإسحاق في المسند ٣/١٠١٩","vol":"1","page":11},{"text":"وهكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ بكاؤون عند سماع القرآن الكريم، فعمر بن الخطاب رغم شدته وقوته وصلابته لم يكن يملك عينيه عند سماع القرآن، وتراه يقاوم الجهر ببكائه حتى يغلبه فيستحيل نشيجا تتقطع معه نياط القلب، حدث عبد الله بن شداد ﵁ قال: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (١)\n_________\n(١) الآية ٨٦ من سورة يوسف. والأثر قال ابن حجر: \"قال سعيد بن منصور في السنن: ثنا سفيان، هو ابن عيينة ح وقال البيهقي في شعب الإيمان: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدوري ثنا يحيى بن معين ثنا ابن عيينةح قال: وانا أبو نصر بن قتادة، ثنا منصور الدوري. ثنا أحمد بن نحيرة الهروي ثنا سعيد بن منصور ثنا سفيان عن إسماعيل بن محمد بن سعد سمع عبد الله بن شداد يقول: سمعت ... \" لفظ سعيد هذا إسناد صحيح \" تغليق التعليق ٢/٣٠٠. وقال في الفتح ٢/٢٠٦: \" وصله سعيد بن منصور عن ابن عيينه، عن اسماعيل بن محمد بن سعد، سمع عبد الله بن شداد بهذا، وزاد \" في صلاة الصبح\" اهـ وانظر عمدة القاري ٤/٤٤٠.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في الصلاة /باب مايقرأفي صلاة الفجر ١/٣٥٥ من طريق اسماعيل بن علية عن إسماعيل بن محمد بن سعيد مثله ووقع في النسخة الأصلية تصحيف بن سعد قال عن سعد، وهوخطأ. وأخرجه ابن أبي شيبة ١/٣٥٥ قال حدثنا أبو أسامة عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن علقمة بن وقاص، قال: سمعت عمر ... فذكره نحوه، إسناده صحيح. وصححه ابن حجر وأخرجه ابن المنذر ٣/٢٥٦ من طريق ابن أبي شيبة به ووقع نفس التصحيف (عن سعد) بدل (بن سعد) .\nومعنى قوله تعالى (بثي) البث: الحال والحزن يقال أبثثتك: أظهرت لك بثي. والبث والحزن والغم الذي تفضي به إلى صاحبك. لسان العرب ١/٢٠٨","vol":"1","page":12},{"text":"واشتهر ذلك عن كثير من الصحابة حتى عرفوا به وامتلأت سيرهم بروايات تدل على إخباتهم وبكائهم منهم عبد الرحمن بن عوف (١)، وابن عمر (٢)، وعائشة (٣)، وأبو هريرة (٤)، وعبد الله بن رواحة (٥)، وابن عباس (٦)، وغيرهم.\n_________\n(١) ينظر التخويف من النار ص ١٢٢\n(٢) ينظرمسند أحمد حديث رقم ٢٩٣٨،، والزهد له ص ٢٤٠،، وحلية الأولياء١/٣٠٥،، وصفة الصفوة١/٥٧٥\n(٣) ينظر الحلية٢/٣١،، وصفة الصفوة٢/٣١\n(٤) ينظر سير أعلم النبلاء ٢/٦٢٨\n(٥) ينظر الزهد لابن المبارك رقم٢٩٤\n(٦) ينظر الحلية١/٣٢٧","vol":"1","page":13},{"text":"وكل عاقل متأمل لآيات الله وقر اليقين في قلبه لا يملك دمع عينه، كما يدعوه ذلك إلى الارتقاء في مصاف المؤمنين، فهذا النجاشي تتلى عليه آيات القرآن فيبكي حتى تبل دموعه لحيته كما روي عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: \" لما ضاقت علينا مكة فذكرت الحديث في هجرتهم إلى أرض الحبشة وما كان من بعثة قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي ليخرجهم من بلاده ويردهم عليهم وما كان من دخول جعفر بن أبي طالب وأصحابه ﵃ على النجاشي، قال فقال النجاشي هل معكم شيء مما جاء به فقال له جعفر نعم فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مضاجعهم ثم قال إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء به موسى انطلقوا راشدين ثم ذكر الحديث في تصويرهما له أنهم يقولون في عيسى بن مريم ﵇ أنه عبد فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال ما تقولون في عيسى بن مريم ﵇ فقال له جعفر نقول هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول فدلى النجاشي يده إلى الأرض فأخذ عويدا بين أصبعيه فقال ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العويد ثم ذكر الحديث قالت فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه فوالله ما علمتنا حزنا حزنا قط كان أشد منه فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرف فجعلنا ندعو الله ونستنصره للنجاشي فخرج إليه سائرا فقال أصحاب رسول اللهﷺ - بعضهم لبعض من رجل يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون فقال الزبير ﵁ وكان من أحدثهم سنا أنا فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم خرج يسبح عليها في النيل حتى خرج من الشقة الأخرى إلى حيث التقى الناس فحضر الوقعة وهزم الله ذلك الملك وقتله وظهر النجاشي عليه فجاءنا الزبير ﵁ فجعل يليح إلينا بردائه ويقول ألا","vol":"1","page":14},{"text":"أبشروا فقد أظهر الله النجاشي فوالله ما فرحنا بشيء فرحنا بظهور النجاشي\" (١)\nوقد يقسو القلب وتجمد العين فيتأبى الدمع، وحينئذ يضيق المرء بجفائه ويبحث في مبكيات تذيب تلك القسوة، فلا يجد أحسن من التباكي مع ترنيم القرآن والتغني به كما أخرج ابن ماجة في السنن من حديث عبد الرحمن بن السائب قال: (قدم علينا سعد بن أبي وقاص وقد كف بصره فسلمت عليه فقال من أنت فأخبرته فقال مرحبا بابن أخي بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا) (٢)\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند ١٨١٩٢،، والبيهقي في السير باب الأسير يستعين به المشركون على قتال المشركين ٩/١٤٤عن يونس بن بكير كلاهما عن ابن إسحاق عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن أم سلمة، قال الهيثمي في مجمع الزوائد٦/٢٧: \" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع \"وقال أحمد شاكر: \" إسناده صحيح\"، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ١/٤٣٣ وابن الجوزي في صفة الصفوة ١/٥١٥\n(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة/ باب حسن الصوت بالقرآن ج١/ص٤٢٤ عن عبد الله بن أحمد بن بشير ابن ذكوان الدمشقي ثنا الوليد بن مسلم ثنا أبو رافع عن بن أبي مليكة عنه به،، وأخرجه البيهقي في كتاب الشهادات/ باب البكاء عند قراءة القرآن ١٠/ ٢٣١،، وفي شعب الإيمان فصل في البكاء عند قراءة القرآن ٢/٣٦٣ وأبو يعلى٢/٥٠،، قال الزيلعي: \" ورواه كذلك أبو يعلي الموصلي والحارث بن أبي أسامة في مسنديهما ورواه كذلك البيهقي في شعب الإيمان في الباب التاسع عشر\n\nوله طريق أخرى رواها إسحاق بن راهويه والبزار في مسنديهما من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن السائب عن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ-: (اقرءوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا \" انتهى قال البزار لا نعلمه عن سعد إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد وعبد الرحمن ابن أبي بكر هذا لين الحديث \" تخريج الأحاديث والآثار ج٢/ص ٣٢٩.\nقلت: في إسناد ابن ماجة أبو رافع واسمه إسماعيل بن رافع، ضعيف، وتابعه عبد الرحمن ابن أبي بكر هو بن عبيد الله؛ لكن قال ابن حجر: ضعيف. فالحديث ضعيف والله أعلم.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>٢. البكاء في الصلاة</span>\nوقد يكون البكاء عند قراءة القرآن والمرء في صلاة، فهل يفسد البكاء الصلاة؟\nقال ابن بطال: \" أجاز العلماء (١) البكاء في الصلاة من خوف الله ﷿، واحتجوا بحديث عائشة وبفعل عمر.\nوقال أشهب: قال مالك: قرأ عمر بن عبد العزيز في الصلاة، فلما بلغ (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى) (٢) خنقته العبرة، فسكت، ثم قرأ، فنابه ذلك، ثم قرأ، فنابه ذلك، وتركها، وقرأ: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) (٣)\nواختلفوا في الأنين والتأوه (٤)، فقال ابن المبارك: \"إذا كان غالبا فلا بأس به \" (٥) .\nوقال الشافعي (٦) وأبو ثور (٧): \"لا بأس به إلا أن يكون كلاما مفهوما\".\n_________\n(١) قال الكاساني من الحنفية: \" ولو أنّ في صلاته أو بكى فارتفع بكاؤه فأن كان ذلك من ذكر الجنة والنار لا تفسد الصلاة\" بدائع الصنائع ١/٢٣٥. وقال القيرواني في الفواكه الدواني: \" الأنين لوجع في الصلاة المذهب عدم بطلان الصلاة به ومثله البكاء إذا كان بلا صوت حصل اختيارا أو غلبة كان لتخشع أو لا إلا أن يكثر\"١/٢٣٣ وينظر حاشية الدسوقي ١/٢٨٤. وذهب الشافعية إلى أنه\" إن تكلم في صلاته أو قهقه فيها أو شهق بالبكاء وهو ذاكر للصلاة عالم بالتحريم بطلت صلاته\" المجموع ٤/٧٧. وذهب الحنابلة إلى \" أن البكاء والأنين والتأوه إن كان مغلوبا عليه لم يؤثر، وما كان غير ذلك فإن كان بغير خشية الله أفسد الصلاة\" الشرح الكبير١/٣٣٦\n(٢) سورة الليل آية١٤\n(٣) سورة الطارق والأثر نقله عن مالك ابن رشد في البيان والتحصيل ١/٤٧٩\n(٤) التأوه كلمة تقال عند الشكاية أو التوجع آآه. النهاية في غريب الحديث ١/٨٢\n(٥) عزاه لم ابن المنذر في الأوسط ٣/٢٥٧ا\n(٦) المجموع ٤/٧٩\n(٧) عزاه له ابن المنذر٣/٢٥٧ا","vol":"1","page":16},{"text":"وقالت طائفة: يعيد صلاته. وهذا قول الشعبي (١) والنخعي (٢) والكوفيين (٣) . \"اهـ\nولم يرد أن النبي ﷺ كان يصيح أو يصرخ ببكائه، بل كان يكتمه حتى يضطرب جسده كما أخبر بذلك مطرف عن أبيه قال: (أتيت النبي ﷺ وهو يصلي ولجوف أزيز كأزيز المرجل يعني يبكي) (٤)\n_________\n(١) روى ابن أبي شيبة في الصلوات/ باب في الرجل يئن في صلاته٢/٢٩٠ من طريق أبي خالد الأحمر عن أبي سالم عن الشعبي: أنه كان يكره الزفير في الصلاة قال: يشبه الكلام\" أبو خالد صدوق يخطئ، ولم أجد من أسمه ابن سالم في شيوخه ولا في الرواة عن الشعبي. وعزاه له ابن المنذر ٣/٢٥٧ والنووي في المجموع ٤/٨٩\n(٢) روى ابن أبي شيبة ٢/٢٩٠ عن معاذ بم معاذ عن أبي جعفر عن سعيد الزبيدي قال: سمعت إبراهيم يقول: من أنّ في صلاته فقد فسدت عليه صلاته\" وروى مثله ٢/٥٣٢ من طريق مغيرة عنه وإسناده ضعيف، سعيد قال عنه الذهبي: واه. وعزاه له ابن المنذر ٣/٢٥٧ والنووي ٤/٨٩\n(٣) ينظر هامش (٢٥)\n(٤) أخرجه ابن خزيمة في جماع أبواب الأفعال المباحة في الصلاة/ باب الدليل على أن النفخ في الصلاة لا يفسد الصلاة ٢/٥٣،، وابن حبان في باب ذكر استماع الله إلى المتحزن بصوته٣/٣٠،،، وباب ما يعرف في وجه المصطفى٢/٤٣٩،، والحاكم في باب التأمين ١/٣٩٦،، والبيهقي في باب من بكى في صلاته ٢/٢٥١ والنسائي في باب البكاء في الصلاة ١/١٣،، وفي الكبرى في باب البكاء في الصلاة ١/١٩٥،،","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>٣. البكاء من خشية الله</span>\nالبكاء من خشية الله مقام عال ومطلب للصالحين عزيز؛ ذلك بأنه يترتب عليه ثواب عظيم وأجر جليل، وهو دلالة الإيمان وشعار اليقين؛ ولذا فإن رسول الله ﷺ أخبر فيما رواه عنه أبو هريرة قال: (قال رسول الله - ﷺ - لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم) (١)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في السنن كتاب فضائل الجهاد/ باب ما جاء في فضل البكاء من خشية الله ج٤/ص٥٥٥\nوقال: \" قال وفي الباب عن أبي ريحانة وابن عباس قال هذا حديث حسن صحيح ومحمد بن عبد الرحمن هو مولى آل طلحة وهو مدني ثقة روى عنه شعبة وسفيان الثوري \"\nوأخرجه النسائي في الجهاد باب فضل من عمل في سبيل الله على قدمه ٦/١٢ رقم٣١٠٧و٣١٠٨\nوأخرجه الطيالسي ١/٣٢١ رقم ٢٤٤٣\nوأخرجه الحاكم عن أبي هريرة بلفظ مقارب في الجهاد باب ثلاثة أعين لا تمسهما النار٢/٨٢ وقال: \" حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد روي بإسناد آخر عن أبي هريرة\" ولم يوافقه الذهبي\nوأخرجه البيهقي في شعب الإيمان ١/٤٨٨ رقم ٧٩٥\nوأخرجه الحاكم بلفظ آخر عن أبي هريرة في باب حرمت النار على عين دمعت من خشية الله ٢/٨٣ وسكت عليه، وقال الذهبي: \"فيه انقطاع\" وأخرجه عبد بن حميد في المنتخب ١/٤٢٢ والبخاري في الكنى ١/٥٠\nوالحديث روي عن ابن عباس، وعن أبي ريحانة، أما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي في باب ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله ٤/١٧٥\nقال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله) قال أبو عيسى: \"حديث ابن عباس حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رزيق\"\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين عنه عن العباس بن عبد المطلب ٣/٣٣٧ والبيهقي في شعب الإيمان ١/٤٨٨ رقم ٧٩٦ والشهاب ١/٢١١ رقم ٣٢٠،، وابن أبي عاصم في الجهاد ٢/٤١٦\n\nقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٥ ٢٨٨ وفيه عثمان بن عطاء الخراساني وهو متروك وثقه دحيم.\nأما حديث أبي ريحانة مرفوعا: (قال حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله) فأخرجه أحمد ٤/١٣٤ رقم ١٧٢٥٢ والحاكم في الجهاد / باب حرمت النار على عين دمعت من خشية الله ٢/٨٣ وقال: \" صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي\nوله طريق أخرى عن أنس أخرجه أبو يعلى ٧/٣٠٧ رقم ٤٣٤٦\nقال: (قال رسول اللهﷺ- عينان لا تمسهما النار أبدا عين باتت تكلأ المسلمين في سبيل الله وعين بكت من خشية الله) قال المنذري: \"رواته ثقات\" الترغيب والترهيب ٢/١٥٩ والبخاري في التاريخ الكبير ٤/ ٢٣١ رقم ٢٦٢٤،، والشهاب ١/٢١٢ رقم ٣٢١،، وابن أبي عاصم في الجهاد ٢/٤١٧،، وابن عبد الواحد في الأحاديث المختارة ٦/١٨٧\nوطريق خامسة عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ ثلاثة لا ترى أعينهم النار عين حرست في سبيل الله وعين بكت من خشية الله وعين غضت عن محارم الله) أخرجه الطبراني في الكبير ١٩/٤١٦ رقم ١٠٠٣","vol":"1","page":18},{"text":"والمقصود بالبكاء من خشية الله البكاء الخالص الذي لا تشوبه شائبة رياء ولا سمعة، وقد يكون ذلك من المرء خاليا وقد يكون وهو بحضرة آخرين، والغالب أن الدمع إذا نزل خشية لله في حال الخلوة أن يكون ذلك خالصا؛ لذا كان جزاؤه من جنس عمله فأمن الله خوفه بأن أظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، بما خشي وخاف في الدنيا التي أمن فيها كثير من الناس، روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة ربه ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الأذان باب فضل العشاء في جماعة ١/٢٣٤،، باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر ٢/٥١٧،،باب البكاء من خشية الله ٥/٢٣٧٧،،باب سمر النبي ﷺ أعين المحاربين ٦/٢٤٩٦،،ومسلم باب إخفاء الصدقة ٢/٧١٥،،المسند المستخرج على صحيح مسلم ٣/١٠٣،١٠٤،،وابن حبان في باب ذكر إظلال الله جل وعلا الإمام العادل ١٠/٣٣٨،،وباب ذكر نفي نظر الله جل وعلا يوم القيامة إلى ثلاثة أنفس ١٦/٣٣٢،،وابن خزيمة باب فضل انتظار الصلاة والجلوس في المسجد ١/١٨٥،، والنسائي في الكبرى باب ثواب الإصابة في الحكم بعد الاجتهاد ٣/٤٦١،،والترمذي باب ما جاء في الحب في الله٤/٥٩٨،، وأحمد٢/٤٣٩،،ومالك باب ما جاء في المتحابين في الله ٢/٩٥٢،، والبيهقي باب فضل المساجد ٣/٦٥،،وباب فضل صدقة السر٤/١٩٠،،وباب فضل الإمام العادل ٨/١٦٢،، وباب فضل من ابتلي بشيء من الأعمال ١٠/٨٧،،وأبو عوانة ٤/٣٨٠،، والطبراني في الأوسط٦/٢٥١،، ٩/٦٣،، والإسماعيلي في معجم الشيوخ ١/٣٤١،،والربيع في الجامع ١/١٠٨،٣٩","vol":"1","page":19},{"text":"والخوف من الله تعالى وخشيته لا يورثها إلا العلم بالله تعالى، فعلى قدر العلم به تكون هيبته في النفوس لذا فإن الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين كانوا أكثر الناس خوفا وشفقة منه كما قال الله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (١) ويقول سبحانه عن الملائكة المقربين: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) (٢)\nوقد كان ﷺ أعلم الناس بربه تعالى لذا كان يقول عن نفسه (أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له) (٣) وجاء التصريح باستجلاب العلم للدموع فيما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: (قال خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط قال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا قال فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم خنين فقال رجل من أبي قال فلان فنزلت هذه الآية (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (٤)\n_________\n(١) الأنبياء آية /٩٠\n(٢) الأنبياء آية /٢٨\n(٣) أخرجه مسلم باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب ج٢/ص٧٧٩،، وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم ٣/١٨٥،، ومالك باب ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم١/٢٩١،، وأبو عوانة٢/٢١١،، والشافعي في مسنده ١/٢٤٠،، والبيهقي باب وجوب القضاء على من قبل فأنزل ٤/٢٣٤\n(٤) صحيح البخاري في العلم باب لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ٤/ ١٦٨٩،، باب قول النبي ﷺ لو تعلمون ما اعلم ٥/٢٣٧٩،، ومسلم في الفضائل رقم٤٣٥١،،وابن ماجة في باب الحزن والبكاء٢/١٤٠٢،، وابن أبي شيبة باب ما ذكر عن نبينا صلى الله عليه وسلم٧/٨٦،،وأبو يعلى ٥/٤١٨،،٧/٣١٠،، وأحمد٣/١٨٠،،١٩٣،،٢١٠،، ٢٦٨،،٢٥١\n\nوالحديث رواه البخاري في الصلاة باب الصدقة في الكسوف ١/ ٣٥٤،، وباب الغيرة عن عائشة،، وفي باب قول النبي صلى اله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم ٥/٢٣٧٩ عن أبي هريرة","vol":"1","page":20},{"text":"ومثله حديث أبي ذر قال: قرأ رسول الله - ﷺ- هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا حتى ختمها ثم قال إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدر أربع أصابع إلا ملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى والله لوددت أني شجرة تعضد) (١)\nووردت هذه الكلمة أيضا في سياق آخر روى ذلك عن ابن أم مكتوم ﵁ قال: (خرج النبي - ﷺ - ذات غداة فقال سعرت النار لأهل النار وجاءت الفتن كقطع الليل المظلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) (٢)\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين باب تفسير هل أتى على الإنسان ج٢/ص٥٥٤ وقال:\"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" وأخرجه أيضا في الفتن والملاحم ٤/٥٨٧،٦٢٣\n(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين باب ذكر عمرو بن مكتوم المؤذن ج٣/ص٧٣٦","vol":"1","page":21},{"text":"وقد كان ﷺ يرى ما لا يرى الناس كما يعلم ما لا يعلمون، ولذا فإنه يعظ أصحابه ويحذرهم مخالفة أمره لأن في المخالفة هلاكهم وتعرضهم لسخط مولاهم كما أخبر بذلك أنس رض الله عنه قال: (قال صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم فلما قضي الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف فإني أراكم أمامي ومن خلفي ثم قال والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا قالوا وما رأيت يا رسول الله قال رأيت الجنة والنار) (١)\nولخشية رسول الله ﷺ من ربه تعالى وإشفاقه من لقائه كان دائم مراقبته والتذكير به، فلا يمر حدث إلا ويثير قلقه، إما على نفسه وإما على أمته، وإما عليهما جميعا فعن البراء قال: (كنا مع رسول الله - ﷺ- في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال يا إخواني لمثل هذا فأعدوا) (٢)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الصلاة باب تحريم سبق الإمام ١/٣٢٠ رقم ٦٤٦،، وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم ٢/٥٠،، وابن خزيمة في باب التغليظ في مبادرة المأموم الإمام برفع الرأس ٣/٤٧،،١٠٧،، والبيهقي باب من كبر تكبيرة واحدة للافتتاح ٢/٩١،، وأبو يعلى ٧/٤١،، ٤٨\n(٢) أخرجه ابن ماجة في باب الحزن والبكاء ٢/١٤٠٣،، ورجاله ثقات غير محمد بن مالك هو الجوزجاني مولى البراء قال فيه ابن حجر \"صدوق يخطي كثيرا\" التقريب ٥٠٤،، ذكره ابن حبان في الثقات وذكره في الضعفاء وقال: يخطي كثيرا لا يحتج به إذا انفرد ٩/٣٧٥","vol":"1","page":22},{"text":"ومن مهيجات البكاء خشية من الله ﷿ أن يذكر المرء أن له ذنبا فيخاف أن يلقاه به، ثم لا يغفره ربه بل يؤاخذه به، أو أن يلقى ربه على مالا يريد من الإيمان والإخلاص والاتباع، ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله قال: (لبس النبي - ﷺ - يوما قباء من ديباج (١) أهدي له ثم أوشك أن نزعه فأرسل به إلى عمر بن الخطاب فقيل له قد أوشك ما نزعته يا رسول الله فقال نهاني عنه جبريل فجاءه عمر يبكي فقال يا رسول الله كرهت أمرا وأعطيتنيه فما لي قال إني لم أعطكه لتلبسه إنما أعطيتكه تبيعه فباعه بألفي درهم) (٢) فعمر ﵁ خشي أن يكون فاعلا ما كره رسول الله صلى الله عليه أن يفعله فيتعرض لمقت الله وعقابه.\nوقد يهيج البكاء ذكر النار وما فيها من عذاب كما روت عائشة ﵂: (أنها ذكرت النار فبكت فقال رسول الله -ﷺ- ما يبكيك قالت ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة فقال رسول الله - ﷺ- أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل وعند الكتاب حين يقال «هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ» (٣) حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم) (٤)\n_________\n(١) القباء: ثوب يلبس فوق الثياب، والديباج: نوع نفيس من الحرير\n(٢) باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة ٣/١٦٤٤،، والنسائي في الكبره باب الزينة رقم ٥٢٠٨،، وأحمد ٣/٣٨٣\n(٣) الحاقة آية ١٩\n(٤) أخرجه أبو داود كتاب السنة باب في ذكر الميزان ٤/٢٤٠،، والحاكم في ٤كتاب الأهوال باب بشارة النبي ﷺ للمسلمين ٤/ ٥٧٨وقال:\" المستدرك على الصحيحين ج٤/ص٦٢٢\nهذا حديث صحيح إسناده على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة على أنه قد صحت الروايات أن الحسن كان يدخل وهو صبي منزل عائشة ﵂ وأم سلمة\" ووافقه الذهبي","vol":"1","page":23},{"text":"ويزيد القلب ارتعادا والعين إدرارا معرفة نسبة من يدخل النار من أهل الدنيا، لاسيما مع استحضار هول الموقف وشدة الكرب ووصف النار كما روي عن عمران بن حصين أن النبي - ﷺ -: (لما نزلت «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ» (١) ... إلى قوله: «وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ» قال أنزلت عليه هذه وهو في سفر فقال أتدرون أي يوم ذلك فقالوا الله ورسوله أعلم قال ذلك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار فقال يا رب وما بعث النار قال تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة قال فأنشأ المسلمون يبكون فقال رسول الله - ﷺ- قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية قال فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا قال لا أدري قال الثلثين أم لا) (٢)،\n_________\n(١) سورة الحج آية ١\n(٢) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن باب ومن سورة الحج ٥/٣٢٢، ٣٢٣ قال هذا حديث حسن صحيح قد روي من غير وجه عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ \" وأحمد٤/٤٣٢،،والحاكم في كتاب الإيمان ١/٨١،،وفي التفسير ٢/٢٥٤،، تفسير سورة الحج ٢/٤١٧،، قال الحاكم:\" حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بطوله والذي عندي أنهما قد تحرجا من ذلك خشية الإرسال وقد سمع الحسن من عمران بن حصين وهذه الزيادات التي في هذا المتن أكثرها عند معمر عن قتادة عن أنس وهو صحيح على شرطهما جميعا ولم يخرجاه ولا واحد منهما\"وأخرجه البيهقي في باب قوله تعالى هذان خصمان اختصموا في ربهم ٦/٤١٠،، وفي شعب الإيمان ١/٣٢٢،، والطبراني في الكبير ١٨/١٤٤،، ١٥١،، وعبد بن حميد في مسنده ١/٢٨٧،، والروياني١/٩٩،، والطبراني في مسند الشاميين٤/٢٧،،وجزء أشيب١/٧٨","vol":"1","page":24},{"text":"ومثله ما روي عن أبي الدرداء: (عن النبي ﷺ قال ان الله تعالى يقول يوم القيامة لآدم ﵇ قم فجهز من ذريتك تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحدا إلى الجنة فبكى أصحابه وبكوا ثم قال لهم رسول الله ﷺ ارفعوا رؤوسكم فوالذي نفسي بيده ما أمتي في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود فخفف ذلك عنهم) (١)\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٦/٤٤١،، والطبراني في مسند الشاميين ٣/٢٦٢،، قال الهيثمي: في مجمع الزوائد:\" رواه أحمد والطبراني وإسناده جيد\" مجمع الزوائد ج١٠/ص٣٩٣","vol":"1","page":25},{"text":"ويهيج البكاء خشية الله تعالى والخوف من الوقوع فيما يسخطه دون شعور من صاحبه، مع أنه يبذل جهده تقى وصلاحا وعملا صالحا، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁: (أنه خرج يوما إلى مسجد رسول الله - ﷺ- فوجد معاذ بن جبل قاعدا عند قبر النبي ﷺ يبكي فقال ما يبكيك قال يبكيني شيء سمعته من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول إن يسير الرياء شرك وإن من عادى لله وليا فقد بارز الله بالمحاربة إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإن حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة) (١)\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب من ترجى له السلامة من الفتن٢/١٣٢٠،، والحاكم في الإيمان ١/٤٤،، وأبو نعيم في الحلية ١/٥،،:\" قال الحاكم: \" هذا حديث صحيح ولم يخرج في الصحيحين وقد احتجا جميعا بزيد بن أسلم عن أبيه عن الصحابة واتفقا جميعا على الاحتجاج بحديث الليث بن سعد عن عياش بن عباس القتباني وهذا إسناد مصري صحيح ولا يحفظ له علة\" قال عياش بن عباس القٍتْبَاني ثقة. قاله ابن حجر في التقريب ص٤٣٧،، قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٤/١٧٨:\" في إسناده عبد الله ابن لهيعة، وهو ضعيف\" وتبعه ابن عبد البر في جامع العلوم والحكم ١/٣٦٠.قلت: حديث ابن ماجة من طريق عبد الله ابن وهب عن ابن لهيعة عن عيسى بن عبد الرحمن عن زيد بن أسلم. قال ابن حجر:\"ابن لهيعة،صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون\" التقريب ٣١٩..فالحديث حسن والله أعلم","vol":"1","page":26},{"text":"على أن لا يستحيل ذلك يأسا وقنوطا؛ بل يتلازم هذا الخوف مع حسن الظن بالله تعالى والطمع في رحمته، فإنه رحيم بعباده وبهذين الشعورين يبقى المؤمن متوازنا لا يخاف فينقطع به اليأس عن العمل، ولا يرجو فيأمن حتى ينقطع عن العمل أيضا وكلا الطرفان تطرف مذموم، وما من دين توازن هذا التوازن.","vol":"1","page":27},{"text":"وقد يبكي المرء خشية من الله أن يفتن هو أو أهله بفتنة تحرمه من لذيذ نعيم الله تعالى ومن هنيء مرضاته، كأن يكون على غير العهد الذي كان عليه رسول اللهﷺ - كما جاء في حديث أسماء بنت يزيد: (قالت كنا مع النبي - ﷺ- في بيته فقال إذا كان قبل خروج الدجال بثلاث سنين حبست السماء ثلث قطرها وحبست الأرض ثلث نباتها فإذا كانت السنة الثانية حبست السماء ثلثي قطرها وحبست الأرض ثلثي نباتها فإذا كانت السنة الثالثة حبست السماء قطرها كله وحبست الأرض نباتها كله فلا يبقى ذو خف ولا ظلف إلا هلك فيقول الدجال للرجل من أهل البادية أرأيت إن بعثت إبلك ضخاما ضروعها عظاما أسنمتها أتعلم إني ربك فيقول نعم فتمثل له الشياطين على صورة إبله فيتبعه ويقول للرجل أرأيت إن بعثت أباك وابنك ومن تعرف من أهلك أتعلم أني ربك فيقول نعم فيمثل له الشياطين على صورهم فيتبعه ثم خرج رسول الله - ﷺ - وبكى أهل البيت ثم رجع رسول الله ﷺ ونحن نبكي فقال ما يبكيكم فقلت يا رسول الله ما ذكرت من الدجال فوالله إن أمة أهلي لتعجن عجينها فما تبلغ حتى تكاد تفتت من الجوع فكيف نصنع يومئذ فقال رسول الله ﷺ يكفي المؤمنين عن الطعام والشراب يومئذ التكبير والتسبيح والتحميد ثم قال لا تبكوا فإن يخرج الدجال وأنا فيكم فأنا حجيجه وإن يخرج بعدي فالله خليفتي على كل مسلم) (١)\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٦/٤٥٣،، وفي إسناده جرير بن حازم عن قتادة، قال ابن حجر في التقريب:\" ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه\" ص١٣٨","vol":"1","page":28},{"text":"ومن مهيجات البكاء أن يكره المرء على فعل معصية تأنف نفسه من فعلها فإذا تذكر نهي الله وعظم الذنب بكى كما روي عن بن عمر قال سمعت النبي - ﷺ - يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرات ولكني سمعته أكثر من ذلك سمعت رسول الله - ﷺ- يقول كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال ما يبكيك أأكرهتك قالت لا ولكنه عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة فقال تفعلين أنت هذا وما فعلته اذهبي فهي لك وقال لا والله لا أعصي الله بعدها أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه إن الله قد غفر للكفل) (١)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في صفة القيامة باب ج٤/ص٦٥٧،، قال الترمذي:\"هذا حديث حسن قد رواه شيبان وغير واحد عن الأعمش نحو هذا ورفعوه وروى بعضهم عن الأعمش فلم يرفعه وروى أبو بكر بن عياش هذا الحديث عن الأعمش فأخطأ فيه وقال عن عبد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن بن عمرو وهو غير محفوظ وعبد الله بن عبد الله الرازي هو كوفي وكانت جدته سرية لعلي بن أبي طالب وروى عن عبد الله بن عبد الله الرازي عبيدة الضبي والحجاج بن أرطاة وغير واحد من كبار أهل العلم\"،، وأخرجه الحاكم في المستدرك كتاب التوبة والإنابة ٤/٢٨٣،،وقال:\" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"،، وذكره في العلل وقال:\" سألت محمدا عن هذا الحديث فقال بعض أصحاب الأعمش رووا هذا الحديث فأوقفوه وأكثرهم رفعوه والصحيح أنه مرفوع\"\nقلت له روى أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عمر فقال أبو بكر بن عياش يهم فيه\" علل الترمذي ج١/ص٣٣٤\n\nوأخرجه أبو يعلى ١٠/٩٠،، وأحمد ٢/٢٣،،والبيهقي في شعب الإيمان٥/٥٠،،قال المنذري:\" رواه الترمذي وحسنه واللفظ له وابن حبان في صحيحه إلا أنه قال سمعت رسول الله ﷺ أكثر من عشرين مرة يقول..فذكر بنحوه والحاكم والبيهقي من طريقه وغيرها وقال الحاكم صحيح الإسناد\" الترغيب والترهيب ج٤/ص٥٠","vol":"1","page":29},{"text":"وحينما يتذكر المرء القبر، ويذكر أنه أول منازل الآخرة، وأول مراحل القدوم على الله تعالى لا يملك دمعة عينة خشية من الله وتعظيما للوقوف بين يديه كما روي عن هانئ مولى عثمان قال: (كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فقيل له تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا فقال إن رسول الله - ﷺ - قال إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه قال وقال رسول الله - ﷺ- ما رأيت منظرا قط إلا القبر أفظع منه) (١)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في الزهد باب ما جاء في ذكر الموت ٤/٥٥٣،، وقال:\" هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف \"،، والحاكم في الجنائز ١/٥٢٦،، وسكت عنه الحاكم وقال الذهبي: \" ابن بحير ليس بالعمدة ومنم من يقويه، وهانيء روى عنه جماعة ولا ذكر له في الكتب الستة \" قلت: \" لعله نسي رواية الترمذي هذه! مع أنه ﵀ ذكره في الكاشف ٣/١٩٣، وقال: وثق. وهانيء هو البربري، أبو سعيد، مولى عثمان قال النسائي: ليس به بأس ووثقه ابن حبان. قال عنه ابن حجر: صدوق. تهذيب التهذيب١١/٢٣ التقريب ٥٧٠،، \" وأحمد ١/٦٣،، والبيهقي باب ما يقال بعد الدفن ٤/٥٦،،وفي شعب الإيمان ١/٣٥٩،، ٧/٣٥٢،، وفي إثبات عذاب القبر١/١٣١،، والبزار٢/٩٠،، والقضاعي في مسند الشهاب ١/١٧٢،، والسري في الزهد ٢١١،، وأبو نعيم في الحلية ١/٦١،، وذكر ابن عبد البر إسناده من طريق يعقوب بن أبي شيبة في التمهيد ٢٣/٢٧٠،، عن يعقوب أثنى على عبد الله بن بحير خيرا،،قال المقدسي في الأحاديث المختارة:\" إسناده حسن\" قلت مدار إسناده على ابن بحير قال فيه ابن حجر:\" وثقه ابن معين واضطرب فيه كلام ابن حبان\" التقريب٢٩٦ وقال في هانيء مولى عثمان:\" صدوق\"٥٧٠،، فإسناده حسن والله أعلم","vol":"1","page":30},{"text":"ولا يبرح المؤمن أن يحاسب نفسه فإذا أوجس منها ظلما لعباد الله وعلم أنه محاسب ومقتص منه عاد على نفسه باللائمة، مؤنبا ومثربا فأعول وبكى كما جاء في حديث عائشة أن رجلا قعد بين يدي النبي - ﷺ- فقال يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم قال يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم أقتص لهم منك الفضل قال فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف فقال رسول الله - ﷺ - أما تقرأ كتاب الله (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ) (١) الآية فقال\nالرجل والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم أشهدكم أنهم أحرار كلهم) (٢)\n_________\n(١) سورة الأنبياء آية /٤٧\n(٢) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن باب ومن سورة الأنبياء ٥/٣٢٠،، وأحمد ٦/٢٨٠ رقم ٢٦٤٤٤،، قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن غزوان وقد روىا بن حنبل عن عبد الرحمن بن غزوان هذا الحديث\" قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج١٠/ص٣٥٢\n\"وفي إسناده الصحابي الذي لم يسم وراو لم يسم أيضا وبقية رجالهما رجال الصحيح\" قلت: في إسناده عبد الرحمن بن غزوان قراد قال فيه ابن حجر:\" ثقة له أفراد\" التقريب ٣٤٨،، وقال الذهبي:\" حدث عنه أحمد والكبار وكان يحفظ وله مناكير، وسئل أحمد بن صالح عن حديث لقراد عن الليث عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال لي مماليك أضربهم فقال هذا حديث موضوع وقال أبو أحمد الحاكم روى عن الليث حديثا منكرا\" ميزان الاعتدال في نقد الرجال ج٤/ص ٣٠٦،،","vol":"1","page":31},{"text":"ويغلب عند الخشوع والخشية لله تعالى أن يرافق دمع العين قشعريرة في الجلد ووجل في القلب كما في قوله تعالى «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ» (١)\nوإذا بقي القلب قاسيا والعين جافة استحق العبد المعاتبة على هذا الجفاء كما في قوله تعالى «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ» (٢)\nوالذي جاءت به السنة الاعتدال في البكاء ولو كان من خشية الله خلافا لما يتكلفه بعض الناس من العويل الشديد والصراخ الذي يفزع الحاضرين ويذهب عنهم التفكر والتدبر، ويجلب الخوف الشديد الدافع لليأس من رحمة الله، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" وما يحصل عند الذكر المشروع من البكاء ووجل القلوب واقشعرار الجسوم فمن أفضل الأحوال التي جاء بها الكتاب، أما الاضطراب الشديد والغشي والصيحان؛ فإن كان صاحبه لم يعلم ما هو عليه لم يلم، وسببه قوة الوارد مع ضعف القلب، والقوة والتمكن أفضل، كما هو حال النبي ﷺ وأصحابه، وأما السكون قسوة وجفاء فهذا مذموم. \" (٣)\n_________\n(١) الزمر آية / ٢٣\n(٢) الحديد آية /١٦\n(٣) نقلا عن دموع القراء ص٣٤، وعزاه للفتاوى المصرية ص١٠٠، بتصرف","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>٤. البكاء عند العجز عن تحصيل شيء من مراضي الله</span>\nعندما تتطلع النفوس العالية إلى القمة وترغب في الوصول إلى مرضاة من تحب تزيل كل عقبة في طريقها؛ لكن حينما تكون العقبة عائقة والوصول متعذر تنقطق النفوس إثرها وتخفق القلوب ويفارق العين الكرى فيبيت المؤمن في ألم وحسرة تدمع من شدتها عيون الرجال، كما يصور القرآن هذا المشهد الرائع في سورة التوبة\n(وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (١)\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ج٢/ص٣٨٣","vol":"1","page":33},{"text":"وكما يبكي الصالحون على فوات فضل أو منزلة عند الله، فقد بكى قبلهم من هو خير منهم من الأنبياء والمرسلين كبكاء موسى ﷺ لما فاته من كثرة التابعين الذين رآهم مع محمد ﷺ، روى في الصحيح عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة ﵄ أن نبي الله - ﷺ - حدثهم عن ليلة أسري به بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعا إذ أتاني آت فقد قال وسمعته يقول فشق ما بين هذه إلى هذه فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به قال من ثغرة نحره إلى شعرته وسمعته يقول من قصه إلى شعرته فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض فقال له الجارود هو البراق يا أبا حمزة قال أنس نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم","vol":"1","page":34},{"text":"المجيء جاء ففتح فلما خلصت إلى إدريس قال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد - ﷺ - قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل من معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا إبراهيم قال هذا أبوك فسلم عليه قال فسلمت عليه فرد السلام قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فقلت ما هذان يا جبريل قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال هي الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت فمررت على موسى فقال بم أمرت قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى","vol":"1","page":35},{"text":"فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم قال فلما جاوزت نادى مناد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري باب المعراج ج:٣ ص: ١٤١٠،،ومسلم في الإيمان باب الإسراء برسول الله ﷺ ١/١٥٠،، وأبو نعيم في المستخرج ١/٢٣٣،، وأبو عوانة باب كراهية الألحان في القرآن ١/١٠٨ وابن حبان في باب ذكر وصف الإسراء١/٢٣٨،، والترمذي في تفسير القرآن ٣٢٦٩وأحمد٤/٢٠٩،، والطبراني في الكبير١٩/٢٢٤","vol":"1","page":36},{"text":"وكما بكى سعد بن أبي وقاص خوفا من الموت في أرض غير التي هاجر إليها فعن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن ثلاثة من ولد سعد كلهم يحدثه عن أبيه (أن النبي - ﷺ - دخل على سعد يعوده بمكة فبكى قال ما يبكيك فقال قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة فقال النبي - ﷺ- اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا ثلاث مرار قال يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وإنما يرثني ابنتي أفأوصي بمالي كله قال لا قال فبالثلثين قال لا قال فالنصف قال لا قال فالثلث قال الثلث والثلث كثير إن صدقتك من مالك صدقة وإن نفقتك على عيالك صدقة وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة وإنك أن تدع أهلك بخير أو قال بعيش خير من أن تدعهم يتكففون الناس وقال بيده) (١)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في باب الوصية بالثلث ٣/١٢٥٢ بهذا اللفظ،،وأخرجه البخاري باب رثى النبي سعد بن خولة ١/٤٣٥،،وباب قول النبي ﷺ اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ٣/١٤٣١،، باب حجة الوداع ٤/١٦٠٠،، باب الدعاء برفع الوباء والوجع ٥/٢٣٤٣،، وباب قول النبي ﷺ من ترك مالا فلأهله٦/٢٤٧٦،، وابن خزيمة باب ذكرالدلائل الأخرى ٤/٦١","vol":"1","page":37},{"text":"وقد يكون المانع من تحصيل ما حصله الآخرون من الأجر لا إراديا كأن تحيض المرأة في أيام فاضلة يصومها الناس كيوم عرفة أو عاشوراء أو تريد التمتع بالحج فلا تتمكن من ذلك لأجل الحيض فحينئذ تستشرف النفس ويحال بينها وبين ما تشتهي فتندفع العين بالدمع سحا، كما كان من شأن عائشة ﵂ قالت: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ- في أشهر الحج وليالي الحج وحرم الحج فنزلنا بسرف قالت فخرج إلى أصحابه فقال من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه الهدي فلا قالت فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه قالت فأما رسول الله - ﷺ - ورجال من أصحابه فكانوا أهل قوة وكان معهم الهدي فلم يقدروا على العمرة قالت فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال ما يبكيك يا هنتاه قلت سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة قال وما شأنك قلت لا أصلي قال فلا يضيرك إنما أنت امرأة من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب عليهن فكوني في حجتك فعسى الله أن يرزقكيها قالت فخرجنا في حجته حتى قدمنا منى فطهرت ثم خرجت من منى فأفضت بالبيت قالت ثم خرجت معه في النفر الآخر حتى نزل المحصب ونزلنا معه فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا ثم ائتيا ها هنا فإني أنظركما حتى تأتياني قالت فخرجنا حتى إذا فرغت وفرغت من الطواف ثم جئته بسحر فقال هل فرغتم فقلت نعم فآذن بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس فمر متوجها إلى المدينة) (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الحج باب قول الله تعالى الحج أشهر معلومات فمن فرض ٢/٥٦٥،،وفي الحيض٢٨٥، ٢٩٤، ٣٠٥، ٣٠٦، ٣٠٨،، وفي الجهاد والسير٢٧٣٣، ٢٧٦٢، ٢٧٦٣، وفي المغازي ٤٠٤٤، ٤٠٥٦، وفي الأضاحي ٥١٢٢، ٥١٣٣، وفي التمني ٦٦٨٨، ومسلم في الحج ٢١٠٨، ٢١٠٩، ٢١١٠، ٢١١١، ٢١١٢، ٢١١٣، ٢١١٤، ٢١١٥، ٢١١٦، ٢١١٧، ٢١١٨، ٢١١٩، ٢١٢٠، ٢١٢١، ٢١٢٢، ٢١٢٣، ٢١٢٤، ٢١٢٥، ٢١٢٦، ٢٣٥٣، ٢٣٥٤، ٢٣٥٥، ٢٣٥٦، ٢٣٥٧،،وابن حبان باب ذكر البيان بأن الأخبار الثلاثة التي ذكرناها٩/١٠٥،باب الموضع الذي أمرهم المصطفى ٢٢٦ وأخرجه الترمذي في الحج ٨٥٦، ٨٦٧،، والنسائي في الظهارة٢٨٨،،وفي الحيض صحيح مسلم ج١/ص٢٦٣\nوفي الاستحاضة٣٤٦،،وفي مناسك الحج٢٦٩١، ٢٧١٣، ٢٧٥٣،، وأبو داود في المناسك ١٥١٨، ١٧٠٤،، وابن ماجة في الناسك ٢٩٥٤، ٢٩٩٠،، وأحمد ٢٢٩٧٢، ٢٣٠٣٠، ٢٣٤١٩، ٢٣٧٣٠، ٢٣٧٨٥، ٢٤١٤٣، ٢٤٢٦٩، ٢٤٦٥٤، ٢٤٨٩١، ٢٤٩٥٨، ٢٥٠٩٧، ٢٥١٣٩،، والدارمي في المناسك ١٧٨٨","vol":"1","page":38},{"text":"فهذا رسول الله ﷺ يحبس أمته جمعا لئلا يفوت زوجته فضل ذهب الناس به، وحرمت منه وبقي قلبها متعلقا به فيا له من خلق عظيم وتقدير كريم تتقاصر دونه كل هامات العالم الزاعم كفالة حقوق المرأة.\nومثل هذا ما روته عائشة زوج النبي - ﷺ - أن أم حبيبة بنت جحش ختنه (١) رسول الله - ﷺ - وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين فاستفتت رسول الله - ﷺ - في ذلك فقال رسول الله ﷺ إن هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي قالت عائشة فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء قال بن شهاب فحدثت بذلك أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال يرحم الله هندا لو سمعت بهذه الفتيا والله إن كانت لتبكي لأنها كانت لا تصلي) (٢) يعني أنها كانت تبكي لأنها كانت تشعر بالعجز عن تحصيل مرضاة الله بالصلاة لكثرة ما كانت تستحاض فتدع الصلاة ظنا منها أن سائر خروج الدم مهما طال يمنع المرأة من الصلاة.\n_________\n(١) الختن أبوالمرأة والختنة أمها، والمخاتنة: المصاهرة. المصباح المنير١٦٤\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحيض حديث رقم (٥٠٣) ١/٢٦٣","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>٥. بكاء التوبة:</span>\nحينما يحرك المؤمن إلى الذنب شهوة أو شبهة أو غفلة لا يلبث أن يعود على نفسه بالملامة فيبقى ذنبه أمام عينيه ماثلا يخاف مغبته ويخشى عقوبته الدنيوية والأخروية فيحمله الندم على تدارك ما فات، فيعزم على تجنب الذنب وتأبى نفسه الوقوع فيه مرة أخرى؛ ولكن ما هي الحيلة فيما مضى! هل يعود اللبن إلى الضرع أم وقف عقارب الساعة وإرجاعها يمكن أن يرجع الزمان! هيهات هيهات.","vol":"1","page":40},{"text":"وهنا تسكب العبرات حتى يتمنى أحدهم أن لم يكن خلق من قبل، أو مات قبل ذلك فكان نسيا منسيا، والمتتبع لسيرة المصفى ﷺ يجده ذرف الدموع على مخالفة فعلها دون قصد منه، والسابر لسيرة أصحابه يجد من ذلك أمثلة كثيرة، قال ابن عباس: (حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله ﷿ (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) فأمده الله بالملائكة قال أبو زميل فحدثني بن عباس قال بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين قال أبو زميل قال بن عباس فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر ما ترون في هؤلاء الأسارى فقال أبو بكر يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام فقال رسول الله ﷺ ما ترى يا بن الخطاب قلت لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنا","vol":"1","page":41},{"text":"فنضرب أعناقهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكني من فلان نسيبا لعمر فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان قلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله ﷺ أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة شجرة قريبة من نبي الله ﷺ وأنزل الله ﷿ (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ إلى قوله فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا الأنفال فأحل الله الغنيمة لهم) (١)\nفمع أن النبي ﷺ اجتهد في اختيار ما رآه مناسبا إلا أنه لما عاتبه ربه حزن وندم وبكى توبة وإنابة وبكى معه أبو بكر الصديق ﵁، وثارت مشاعر الأخوة الحقة بين جنبي عمر ابن الخطاب ﵁ فشاركهما الحزن وآلى على نفسه أن يشركهما دون تردد سواء وجد باعثا من نفسه أو استدعى حبهما المشاركة والمشاطرة.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في التفسير/ باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم ج٣/ص١٣٨٣،، وابن حبان في غزوة بدر ١١/١١٦،، وأحمد ١/٣٠، ٣٢، ٣٠٧،، والبيهقي في باب ما جاء في مفاداة الرجال ٦/٣٢٠،، وعبد بن حميد ١/٤١،، ويعقوب بن شيبة في مسند عمر بن الخطاب ١/٥٨","vol":"1","page":42},{"text":"والدموع دليل الندم وهو شرط أساس في التوبة، فإذا لم يتحسر المذنب على خطيئته فإنه بلا ريب سيعاودها وكلما كان أشد ندما كان أكثر حذرا من تكرار المعاودة، فيصبح دائم الترقب شديد الحساسية، والموفق من أسبل دموعه على ذنوبه لعلها تغسل الحوبة وتثبت التوبة وممن شهد الله بصدق توبتهم ثلاثة أذنبوا فبكوا حتى تاب الله عليهم قال تعالى: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم) (١)\n_________\n(١) التوبة آية/ ١١٨","vol":"1","page":43},{"text":"أخرج البخاري عن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعب: (لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان قال كعب فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه فطفقت اغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا فأقول في نفسي أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا","vol":"1","page":44},{"text":"مغموصا (١) عليه النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك ما فعل كعب فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه فقال معاذ بن جبل بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله ﷺ قال كعب بن مالك فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله ﷺ قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك فقلت بلى إني والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله لا والله ما كان لي من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله ﷺ أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المتخلفون قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك فوالله ما\n_________\n(١) متهما به","vol":"1","page":45},{"text":"زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم هل لقي هذا معي أحد قالوا نعم رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت من هما قالوا مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو بن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار قال فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك فقلت لما قرأتها وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال لا بل اعتزلها","vol":"1","page":46},{"text":"ولا تقربها وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال كعب فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال لا ولكن لا يقربك قالت إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فيتلقاني الناس فوجا فوجا يهنونني بالتوبة يقولون لتهنك توبة الله عليك قال كعب حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة قال كعب فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله صلى الله عليه","vol":"1","page":47},{"text":"وسلم وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قال قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال لا بل من عند الله وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله قال رسول الله ﷺ أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك قلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر فقلت يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت وأنزل الله على رسوله ﷺ (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) (١) إلى قوله (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال ﵎ (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ) (٢) إلى قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) قال كعب وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه\n_________\n(١) التوبةآية ١١٧\n(٢) التوبة آية ٩٥","vol":"1","page":48},{"text":"فقبل منه) (١)\nففي قول زوجة هلال بن أمية:\" إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا\" دليل على الندم والتوبة الصادقة التي كبلت الأطراف وأذرفت الدمع وحرمت من كل متعة، وبذلك وصف الله تعالى حالهم بأنهم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ولم يلجئوا إلى أحد سوى ربهم لأنهم أيقنوا أن لا ملجأ منه تعالى إلا إليه، لذا تاب الله عليهم واستحقوا أن ينزل فيهم قرآنا يتلى إلى يوم القيامة وكانوا أسوة لمن سولت له نفسه بالخطيئة ليندم عليها ويخاف شؤمها ولا ينفك باكيا حتى يتوب الله تعالى عليه ويغفر له.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في باب حديث كعب بن مالك ٤/١٦٠٦،،ومسلم في باب حديث توبة كعب ٤/٢١٢٧،، وابن حبان باب ذكر الأمر للمرء بترك صدقة ماله كله٨/١٦٠،، والبيهقي في باب من ليس للإمام أن يغزو به بحال ٩/٣٥،، وعبد الرزاق في باب حديث الثلاثة الذين خلفوا٥/ ٤٠٣،، والطبراني في الكبير ١٩/٤٥","vol":"1","page":49},{"text":"وقد يقع المرء فيما يسخط الله تعالى فيتبين له فيخشى أن يحيق به ذنبه وتهلكه خطيئته فيبكى ندما وتوبة كما في حديث أنس: (﵁ سألوا رسول الله ﷺ حتى أحفوه المسألة فغضب فصعد المنبر فقال لا تسألونني اليوم عن شيء إلا بينته لكم فجعلت أنظر يمينا وشمالا فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي فإذا رجل كان إذا لاحى الرجال يدعي لغير أبيه فقال يا رسول الله من أبي قال حذافة ثم أنشأ عمر فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا نعوذ بالله من الفتن فقال رسول الله ﷺ ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (١)\n_________\n(١) سورة المائدة الآية ١٠١ والحديث أخرجه البخاري كتاب الدعوات/ باب في التعوذ من الفتن ج٥/٢٣٤٠،،وأطرافه في العلم ٩١،،مواقيت الصلاة ٥٠٧،،تفسير القرآن٤٢٥٥،، الرقاق٦٠٠٥،،الفتن ٦٥٦٢،،الاعتصام بالكتاب والسنة٦٧٥٠،٦٧٥١،،والحديث أخرجه مسلم في الفضائل٤٣٥١، ٤٢٥٢، ٤٣٥٣، ٤٣٥٤، وأحمد في باقي مسند المكثرين ١١٦٠٢، ١٢١٩٨، ١٢٣٢٤، ١٢٣٥٥، ١٢٦٧٢، ١٣١٧٣ والأية ١٠١ من سورة المائدة","vol":"1","page":50},{"text":"وحين يذكر المؤمن بالله في أمر لم يكن يرى أنه معصية ثم يعود إلى نفسه ويستشعر ذنبه يثقل عليه الذنب فلا يزال يبكي ويكفر عن ذنبه، كما حدث ذلك من عائشة ﵂ كما أخبر عوف بن مالك بن الطفيل وهو بن الحارث وهو بن أخي عائشة زوج النبي ﷺ لأمها أن عائشة حدثت أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها فقالت أهو قال هذا قالوا نعم قالت هو لله علي نذر أن لا أكلم بن الزبير أبدا فاستشفع بن الزبير إليها حين طالت الهجرة فقالت لا والله لا أشفع فيه أبدا ولا أتحنث إلى نذري فلما طال ذلك على بن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وهما من بني زهرة وقال لهما أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة فقالا السلام عليك ورحمة الله وبركاته أندخل قالت عائشة ادخلوا قالوا كلنا قالت نعم ادخلوا كلكم ولا تعلم أن معهما بن الزبير فلما دخلوا دخل بن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا ما كلمته وقبلت منه ويقولان إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت من الهجرة فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفقت تذكرهما وتبكي وتقول إني نذرت والنذر شديد فلم يزالا بها حتى كلمت بن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها) (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الأدب باب الهجرة وقول النبي ﷺ لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ج٥/ص٢٢٥٥،، وكتاب المناقب ٣٢٤٣،، والبيهقي في كتاب الحجر باب الحجر على البالغين ٦/٦١","vol":"1","page":51},{"text":"وبكاء عائشة ﵂ بكاء ندم وتوبة سواء كان البكاء لأجل النذر وإنشاؤه في معصية وهي الهجر أو كان لأجل استعظام نقض النذر والحنث في اليمين.\nقال ابن حجر: \" ثم كانت بعد ذلك يعرض عندها شك في أن التكفير المذكور لا يكفيها فتظهر الأسف على ذلك إما ندما على ما صدر منها من أصل النذر المذكور وإما خوفا من عاقبة ترك الوفاء به\" (١)\n_________\n(١) فتح الباري ١٠/٤٩٧","vol":"1","page":52},{"text":"وكهذا صنع الأنصار حين قالوا ما قالوا في فتح مكة كما روي عن أبو هريرة قال: (وفدت وفود إلى معاوية وذلك في رمضان فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله فقلت ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي فأمرت بطعام يصنع ثم لقيت أبا هريرة من العشي فقلت الدعوة عندي الليلة فقال سبقتني قلت نعم فدعوتهم فقال أبو هريرة ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار ثم ذكر فتح مكة فقال أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة فبعث الزبير على إحدى المجنبتين وبعث خالدا على المجنبة الأخرى وبعث أبا عبيدة على الحسر فأخذوا بطن الوادي ورسول الله ﷺ في كتيبة قال فنظر فرآني فقال أبو هريرة قلت لبيك يا رسول الله فقال لا يأتيني إلا أنصاري زاد غير شيبان فقال اهتف لي بالأنصار قال فأطافوا به ووبشت قريش أوباشا (١) لها وأتباعا فقالوا نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا فقال رسول الله ﷺ ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى ثم قال حتى توافوني بالصفا قال فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا قال فجاء أبو سفيان فقال يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم ثم قال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن فقالت الأنصار بعضهم لبعض أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قال أبو هريرة وجاء الوحي وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي فلما انقضى الوحي قال رسول الله ﷺ يا معشر الأنصار قالوا لبيك يا رسول الله قال قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته قالوا قد كان ذاك قال كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم والمحيا محياكم والممات مماتكم فأقبلوا\n_________\n(١) الأوباش: جموع من قبائل شتى","vol":"1","page":53},{"text":"إليه يبكون ويقولون والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله فقال رسول الله ﷺ إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم قال فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلق الناس أبوابهم قال وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت قال فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه قال وفي يد رسول الله ﷺ قوس وهو آخذ بسية (١) القوس فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه ويقول جاء الحق وزهق الباطل فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو) (٢)\n_________\n(١) سية السيف: طرفه المنحني\n(٢) أخرجه البخاري في العلم ١١١، والجهاد والسير رقم (٢٨٢٥) ومسلم في الجهاد والسير باب فتح مكة حديث رقم ٣٣٣١ج ٣/١٤٠٦ واللفظ له،، وأخرجه ابن حبان في باب ما يستحب للإمام إذا أراد مواقعة أهل بلد ١١/٧٥،، وأبو داود في المناسك ١٥٩٥، ١٥٩٦،، وفي الخراج والإمارة والفيء ٢٦٢٩،، والنسائي في الكبرى باب قوله تعالى جاء الحق وزهق الباطل٦/٣٨٢،، وأحمد في باقي مسانيد المكثرين ٧٥٨١، ١٠٥٢٦،، والبيهقي باب فتح مكة حرسها الله ٩/١١٧","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>٦. بكاء استشعار مقام النبي ﷺ</span>\nحين يستشعر المؤمن عظم مقام النبي ﷺ ومكانته بين الرسل وبين خلق الله كلهم، ويستشعر جهاده وحرصه على أمته وما بذله في سبيل انقاذ الأمة مما هي فيه من الضلال يجد الإجلال والتعظيم والمهابة لاسيما من عايشه وخالطه، لذا فإن صحابته يبكون حينما يشعرون بالتقصير في حقه مع ما يعرفون من علو منزلته، كما ورد عن سعيد بن جبير سمع بن عباس ﵄ يقول يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى قلت يا أبا عباس ما يوم الخميس قال اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا ما له أهجر استفهموه فقال ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه فأمرهم بثلاث قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم والثالثة خير إما أن سكت عنها وإما أن قالها فنسيتها قال سفيان هذا من قول سليمان) (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب وقال عمر عن النبي ﷺ أقركم ما أقركم الله به ج٣/ص١١٥٥،، ومسلم باب الوصية لمن ليس له شيء يوصي به ٣/١٢٥٧،، وأبو عوانة في باب الخبر الدال على أن الموصي إذا لم ينصب وصيا ٣/ ٤٧٧، وباب منع المريض من ماله أن يتصدق منه٣/٤٧٨،، والبيهقي في باب لا يسكن أرض الحجاز مشرك ٩/٢٠٧","vol":"1","page":55},{"text":"ومع مقام رسول الله ﷺ العظيم إلا أنه كان يتحاشى ما يعلم أنه يسوء أصحابه فلا يضع نفسه موضع الريبة ولا يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه ولذا فقد قدر غيرة عمر بن الخطاب ﵁ مع أنه كان في المنام كما يشهد بذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: (بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ قال بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر قلت لمن هذا القصر قالوا لعمر بن الخطاب فذكرت غيرته فوليت مدبرا قال أبو هريرة فبكى عمر بن الخطاب ثم قال أعليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله أغار) (١)\nويزداد المرء إجلالا لمقام النبي ﷺ حين يقف موقفا وقفه ﷺ ويتذكر موعظة وعظ بها كما ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ (أنه كان واقفا بعرفات فنظر إلى الشمس حين تدلت مثل الترس للغروب فبكى واشتد بكاؤه وتلا قول الله ﷿ «اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ» إلى «الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ» فقال له عبده يا أبا عبد الرحمن قد وقفت معك مرارا لم تصنع هذا فقال ذكرت رسول الله ﷺ وهو واقف بمكاني هذا فقال أيها الناس لم يبق من دنياكم هذه فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه) (٢)\n_________\n(١) أخرجه البخاري كتاب التعبير باب القصر في المنام ج٦/ص٢٥٧٦،،كتاب ... بدء الخلق/ باب ماجاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة٣٠٠٣،، المناقب ٣٤٠٤،،كتاب النكاح /باب الغيرة٤٨٢٦،، وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة٤٤٠٩ / فضائل عمر رضي الله تعالى عنه،، وابن ماجة في المقدمة١٠٤،، وأحمد في باقي مسند المكثرين ٨١١٥\n(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين كتاب التفسير/ في تفسير سورة حم عسق ج٢/ص ٤٨١، قال الحاكم:\" حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"،،","vol":"1","page":56},{"text":"وحين يقارن المرء نفسه وعمله وما بذل بالأنبياء وما عملوا وما بذلوا يستعظم مقامهم ويستصغر نفسه، وحينما يأتي الثناء عليهم ممن يجلون ويعظمون يزدرون أنفسهم فلا يملكون دموعهم إجلالا وإعظاما، وهذا الذي حدث لأبي بكر الصديق حين ذكر رسول الله ﷺ صدقته وبذله، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول الله - ﷺ- ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر قال فبكى أبو بكر وقال يا رسول الله هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله) (١)\n_________\n(١) أخرجه النسائي في الكبرى كتاب المناقب / باب في فضل أبي بكر ﵁ ٧/٢٩٣،، والترمذي كتاب المناقب/ باب في مناقب أبي بكر ٥/٦٠٩وابن ماجة في المقدمة ج١/ص٣٦ واللفظ له،، وابن حبان في باب ذكر البيان بأن المصطفى ﷺ ما انتفع بمال أحد ما انتفع بمال أبي بكر رضوان الله عليه،ج١٥/ص٢٧٣،، وأحمد ٢/٢٥٣، ٢٦٦،،وابن أبي شيبة كتاب الفضائل / باب ما ذكر في أبي بكر الصديق ٦/٣٥١،، وعبد الرزاق في باب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم١١/٢٢٨ وأبو يعلى في مسند عائشة ٧/٣٩١، ٨/٣٠٨،، وإسحاق في المسند ٢/٢٥٨،، والحميدي في باب أحاديث عائشة رضي الله عنها٨/٣٠٨،، قال الترمذي: \" هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\" قال البصيري في مصباح الزجاجة \" هذا إسناد رجاله ثقات\"١/١٦،، قلت: رواته ثقات، لكن فيه عنعنة الأعمش وهو من الطبقة الثانية ممن احتمل الأئمة تدليسهم لإمامتهم..ويشهد له حديث أبي سعيد الخدري قال: \" خطب النبي ﷺ فقال إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فبكى أبو بكر ﵁ فقلت في نفسي ما يبكي هذا الشيخ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فكان رسول الله ﷺ هو العبد وكان أبو بكر أعلمنا قال يا أبا بكر لا تبك إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر\" أخرجه البخاري في الصلاة باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم ج١/ص١٧٧،، ومسلم في فضائل الصحابة ٤٤٣٩٠ مختصرا","vol":"1","page":57},{"text":"ومن إجلال النبي ﷺ وتعظيم مقامه تذكره وتذكر العهد الذي كان بينهم وبينه من الزهد والورع، وحين استشعار عدم البقاء على العهد فإن الدموع تترى، يصور ذلك ما صح عن عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فبكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول يا أبتاه أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا قال فأقبل بوجهه فقال: (إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إني قد كنت على أطباق ثلاث لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله - ﷺ- مني ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه قال فقبضت يدي قال مالك يا عمرو قال قلت أردت أن أشترط قال تشترط بماذا قلت أن يغفر لي قال أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله وما كان أحد أحب إلي من رسول الله - ﷺ - ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي) (١)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان / باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج ٢/١٣٦،،وابن خزيمة في كتاب المناسك/ باب ذكر البيان أن الحج يهدم ما كان قبله من الذنوب والخطايا ٤/١٣١،، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم باب من أحسن في الإسلام ولم يؤاخذ ١/١٩٠،، وأبو عوانة في المسند١/٧٠،، والبيهقي في كتاب الجنائز/ باب ما يقال بعد الدفن ٤/٥٦،، وأحمد ٢١٦٢٠، ٢١٧٠٥،٢١٦٥٣","vol":"1","page":58},{"text":"ومن تعظيم رسول الله ﷺ كراهية سماع من يسبه أو يقول فيه ما يؤذيه والاضطراب لذلك لدرجة البكاء مهما كانت منزلة القائل ومهما كان قربه من السامع، قد يثير البكاء سببان معا تعظيم مقام - النبي صلى الله علية وسلم- والرحمة والشفقة بالقريب الذي لا يقدر الرسول ﷺ قدره فيكون متعرضا لسخط الله تعالى كما دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: (كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله -ﷺ - ما أكره فأتيت رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ اللهم اهد أم أبي هريرة فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله ﷺ فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسمعت أمي خشف قدمي فقالت مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت يا أبا هريرة اشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا قال قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا قال فقال رسول الله ﷺ اللهم حبب عبيدك هذا يعني أبا هريرة وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني) (١)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة ﵃ / باب من فضائل أبي هريرة الدوسي ﵁ ١٦/ ٥٢،، والحاكم في كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين / باب ذكر أخبار سيد المرسلين ٢/٦٠٠، وأحمد ٧٩١١","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الباب الثاني: البكاء المذموم</span>\n\nكما امتدح الله تعالى الذين يبكون من خشيته أو عند تلاوة كتابه مما أشرت إليه في الباب السابق مفصلا فقد ذم الله جل وعلا وذم رسوله ﷺ أقواما يبكون لغير مراد مشروع، وقد جاءت صور لذلك البكاء المذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>١- بكاء النياحة</span>\nحينما تصيب المؤمن مصيبة من فقد مال أو ولد أو والد أو قريب أو حبيب يأتي الشيطان محزنا فيضيق على العبد دنياه وكأنه يفنى إلى الأبد ولا لقاء في دار أخرى فتنقطع نياط القلب ويجد المصاب في قلبه حسرة ولجوفه زفرة ويحسن له الشيطان إظهار حزنه بالصراخ والعويل وشق الجيب ولطم الخد ويظن أن ذلك يخفف من ألمه أو ينفس عنه، والشيطان لا يزيده بذلك إلا ألما، لذا جاء النهي عن النياحة كما في حديث أبي مالك الأشعري: أن النبي ﷺ قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) (١)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز/ باب تحريم النياحة ٦/٢٣٦","vol":"1","page":60},{"text":"وفي ذلك روت أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (لما جاء رسول الله ﷺ قتل بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله ﷺ يعرف فيه الحزن قالت وأنا أنظر من صائر الباب شق الباب فأتاه رجل فقال يا رسول الله إن نساء جعفر وذكر بكاءهن فأمره أن يذهب فينهاهن فذهب فأتاه فذكر أنهن لم يطعنه فأمره الثانية أن يذهب فينهاهن فذهب ثم أتاه فقال والله لقد غلبننا يا رسول الله قالت فزعمت أن رسول الله ﷺ قال اذهب فاحث في أفواههن من التراب قالت عائشة فقلت أرغم الله أنفك والله ما تفعل ما أمرك رسول الله ﷺ وما تركت رسول الله ﷺ من العناء) (١)\nوبوب البخاري قال: (باب ما يكره من النياحة على الميت وقال عمر ﵁ دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة والنقع التراب على الرأس واللقلقة الصوت) وذكر فيه حديث المغيرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (إن كذبا علي ليس ككذب على أحد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار سمعت النبي ﷺ يقول من نيح عليه يعذب بما نيح عليه) (٢)\nوأخرج فيه حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (جيء بأبي يوم أحد قد مثل به حتى وضع بين يدي رسول الله ﷺ وقد سجي ثوبا فذهبت أريد أن أكشف عنه فنهاني قومي ثم ذهبت أكشف عنه فنهاني قومي فأمر رسول الله ﷺ فرفع فسمع صوت صائحة فقال من هذه فقالوا ابنة عمرو أو أخت عمرو قال فلم تبكي أو لا تبكي فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع) (٣)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز/ باب تحريم النياحة ٦/٢٣٦\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز/باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه /٦/٢٣٤ ...\n(٣) ج١/ص٤٣٤","vol":"1","page":61},{"text":"والمقصود يالنياحة هنا التصويت بالجزع وتكلف البكاء لأجل التحزين، وكان العرب يسمون المشاركة في النياحة إسعادا ويرون واجبا عليهم أن ينوحوا مع من ناح عليهم،كما في حديث أم عطية ﵂ قالت: (بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا أن لا يشركن بالله شيئا ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة يدها فقالت أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها فما قال لها النبي ﷺ شيئا فانطلقت ورجعت فبايعها) (١)\nوفي هذه العادة الجاهلية مناقضة لما جاء به الإسلام من الحث على الصبر والاحتساب لذا جاء النهي عنها والتغليظ والتشديد في النهي كما سبق، ولا يفهم من ترك النبي ﷺ للمرأة لتذهب للمشاركة في النياحة أن ذلك إقرار لها، بل هو من عدم قبول بيعتها، وإنما تركها لتعمل عمل الجاهلية لبقائها عليها فلما أنهت علاقتها بالجاهلية وعملها بايعها.\nومما يدل على إنكار النبي ﷺ للنياحة والإسعاد فيها حديث\nأم سلمة قالت: (لما مات أبو سلمة قلت غريب وفي أرض غربة لأبكينه بكاء يتحدث عنه فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني فاستقبلها رسول الله ﷺ وقال أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتا أخرجه الله منه مرتين فكففت عن البكاء فلم أبك) (٢)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في باب إذا جاءكم المؤمنات ٤/١٨٥٦\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز/ باب البكاء على الميت ج٢/ص٦٣٥،،وأحمد في باقي مسند الأنصار ٢٥٢٦٧،، وابن أبي شيبة في باب في التعذيب في البكاء على الميت ٣/٦٢","vol":"1","page":62},{"text":"وكل ما صاحب البكاء عند المصيبة من شق جيب ولطم خد وتصويت وتلفظ بما يدل على الجزع والسخط يعد من النياحة سواء كان ذلك من المبتلى أو من المساعد له من قرابته، وبعضهم يستأجر من ينوح له ويبكي ميته، وهذا داخل في النهي فعن عبد الله ﵁ قال: (قال النبي ﷺ ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) (١)\nلذا وعظ النبي ﷺ المرأة التي تبكي بجزع وأراد عزاءها فلم تستجب حتى لامها من بحضرتها لسوء ردها على رسول الله ﷺ كما جاء بذلك الخبر عن أنس بن مالك ﵁ قال: (مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري قالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها إنه النبي ﷺ فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين فقالت لم أعرفك فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى) (٢)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز/ باب ليس منا من شق الجيوب ج١/ص٤٣٥\n\n(٢) أخرجه البخاري في الأحكام باب ما ذكر أن النبي ﷺ لم يكن له بواب ج٦/ص٢٦١٥،،\nوفي الجنائز باب زيارة القبورج١/ص٤٣٠،وباب قول الرجل للمرأة عند القبر واصبري١/٤٢٢،، ومسلم في الجنائز باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى ٢/٦٣٧،، والترمذي في الجنائز ٩٠٩،، والنسائي في الجنائز١٨٤٦،،وفي الكبرى باب ما يقول إذا أصابته مصيبة ٦/٢٦٣،، وأبو داود في الجنائز باب الجلوس عند المصيبة٣/١٩٢ (٢٧١٧)،، وابن ماجة في ما جاء في الجنائز١٥٨٥،وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم ٣/١٢،، وأحمد في باقي مسند المكثرين ١١٨٦٨، ١٢٠٠٣، ١٢٧٩٦،، والبيهقي باب الرغبة في أن يتعزى بما أمر الله تعالى ٤/٦٥،،وفي الصغرى باب زيارة القبور٣/١٢٤،،وأبو يعلى ٦/١٧٦، ٢٢٢،، وابن الجعد ١/٢٠٨","vol":"1","page":63},{"text":"ولا يعني ذلك النهي عن البكاء عند الحزن مطلقا؛ بل البكاء الذي لا يملك له المرء دفعا يدخل في المباح الذي فعله النبي ﷺ وأقره وسيأتي تفصيل ذلك في الباب التالي إن شاء الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>٢- بكاء التصنع والكذب</span>\nلما كانت المشاعر دليلا على الصدق في الغالب استغل ذلك من لا حجة له ولا برهان ليأخذ حقا ليس له أو يدفع عن نفسه تهمة ذنب اقترفه فيتظاهر بالبكاء ليخدع الناس وليشعر بأنه مظلوم، كما فعل أخوة يوسف حينما بلغت بهم الغيرة درجة الانتقام من أخيهم، فألقوه في البئر وجاءوا أباهم يبكون كما قص القرآن علينا نبأهم وأخبرنا الله تعالى بشأنهم في قوله: (وجاءوا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) (١)\nقال القرطبي: \" قال علماؤنا هذه الآية دليل على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله لاحتمال أن يكون تصنعا فمن الخلق من يقدر على ذلك ومنهم من لا يقدر وقد قيل إن الدمع المصنوع لا يخفى كما قال حكيم إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى\" (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>الباب الثالث: البكاء المباح</span>\nوهو ما لا مدح فيه ولا ذم، أو ما فعله أو أقره أو سكت عنه النبي ﷺ كما ورد في القرآن وجاءت به الأحاديث الصحيحة. ومن\n_________\n(١) سورة يوسف\n(٢) تفسير القرطبي ج٩/ص١٤٥","vol":"1","page":64},{"text":"أنواع البكاء المباح:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-17> بكاء الحزن</span>\nحينما يفوت الإنسان شيء من خيري الدنيا والآخرة يحزن قلبه ويتألم على لذلك، وربما فرت الدمعة في حينه فلم يملك لها حبسا، مع أنه راض بما قسم الله، غير ساخط ولا متضجر، كما بكى النبي ﷺ على ابنه إبراهيم وعلى عثمان بن مظغون وسعد بن عبادة وغيرهم، فعن أنس بن مالك ﵁ قال دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين وكان ظئرا لإبراهيم ﵇ فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأنت يا رسول الله فقال يا بن عوف إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى فقال ﷺ إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الجنائز باب قول النبي ﷺ إنا بك لمحزونون ... ج١/ص٤٣٩،،\nومسلم في الفضائل باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك ج٤/ص١٨٠٧،، وأبو داود باب في البكاء على الميت ٣/١٩٣،، وابن ماجة في باب ما جاء في البكاء على الميت ١/٥٠٦،، وابن حبان باب ذكر الأخبار بأن المرء عندما امتحن بالمصائب ٧/١٦٢،، والبيهقي في باب من رخص في البكاء إلى أن يموت ٤/٦٩","vol":"1","page":65},{"text":"فالنبي ﷺ بشر يعتريه ما يعتري سائر الناس فهو يجوع ويمرض ويحزن ويتألم، ولذا صار حجة على الناس، فلو لم يكن يحزن لما بكى، وليس في الحزن بأس وإنما البأس في الجزع المؤدي إلى السخط، ومثل ذلك بكاؤه ﷺ على عثمان بن مظعون كما روت عائشة قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يقبل عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل) (١)\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في الجنائز باب في الغسل من غسل الميت ج٣/ص ٢٠١رقم ٣١٦٣،، والترمذي في الجنائز باب ما جاء في تقبيل الميت ٣/٣٠٥ ٠، رقم ٩٨٩،، وابن ماجة في باب ما جاء في تقبيل الميت ١/٤٦٨، رقم ١٤٥٦،، وأحمد في باقي مسند الأنصار٦/٤٣، ٥٥،، رقم ٢٣٠٣٦، ٢٣١٥١،، والحاكم في المستدرك في كتاب الجنائز ١/٥١٤،، قال الترمذي: \" حديث حسن صحيح\"،، وقال الحاكم: \"\n\n\"هذا حديث متداول بين الأئمة إلا أن الشيخين لم يحتجا بعاصم بن عبيد الله وشاهده الصحيح المعروف حديث عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعائشة أن أبا بكر الصديق قبل النبي ﷺ وهو ميت \" قلت: في إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال ابن حجر في التقريب: ضعيف.","vol":"1","page":66},{"text":"وبكى على سعد بن عبادة كما جاء عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃ فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال قد قضى قالوا لا يا رسول الله فبكى النبي ﷺ فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا فقال ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وكان عمر ﵁ يضرب فيه بالعصا ويرمى بالحجارة ويحثى بالتراب) (١)\nوقد يحزن المؤمن لفراق حبيب أو فقده كما بكى يعقوب ﵇ على ابنه يوسف ﵇ حزنا حتى ابيضت عيناه وذهب بصره من كثرة بكائه كما أخبرنا بذلك القرآن الكريم، قال تعالى: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (٢) قال الطبري: \" يقول الله جل ثناؤه وابيضت عينا يعقوب من الحزن فهو كظيم، يقول فهو مكظوم على الحزن يعني أنه مملوء منه ممسك عليه لا يبينه\" (٣)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب باب البكاء عند المريض ١/٤٣٩،،ومسلم باب البكاء عند الميت ٢/٦٣٦،، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم باب في عيادة المرضى ٣/ ١٠،، والبيهقي في باب من رخص في البكاء إلى أن يموت الذي يبكى عليه ٤/٦٩\n(٢) سورة يوسف آية ٨٤\n(٣) تفسير الطبري ج١٣/ص٣٨","vol":"1","page":67},{"text":"قال القرطبي:\" قال النحاس فإن سأل قوم عن معنى شدة حزن يعقوب ﷺ وعلى نبينا فللعلماء في هذا ثلاثة أجوبة منها أن يعقوب ﷺ لما علم أن يوسف ﷺ حي خاف على دينه فاشتد حزنه لذلك وقيل إنما حزن لأنه سلمه إليهم صغيرا فندم على ذلك والجواب الثالث وهو أبينها هو أن الحزن ليس بمحظور وإنما المحظور الولولة وشق الثياب والكلام بما لا ينبغي وقال النبي ﷺ (تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب) (١) وقد بين الله جل وعز ذلك بقوله (فَهُوَ كَظِيمٌ) أي مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه\" (٢)\n_________\n(١) هذا لفظ ابن ماجة وتقدم تخريجه هامش ٩٠\n(٢) تفسير القرطبي ج٩/ص٢٤٨، ٢٤٩","vol":"1","page":68},{"text":"ومثل ذلك بكاء أبي بكر الصديق حينما شعر بقرب فراق النبي ﷺ فعن أبي سعيد الخدري قال: (خطب النبي ﷺ فقال إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فبكى أبو بكر ﵁ فقلت في نفسي ما يبكي هذا الشيخ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فكان رسول الله ﷺ هو العبد وكان أبو بكر أعلمنا قال يا أبا بكر لا تبك إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر) (١) فأبو بكر الصديق ﵁ بكى حزنا لاستشعاره مفارقة حبيبه ﷺ، وبكى عليه لما مات كما روت عائشة ﵂ قالت: (أقبل أبو بكر ﵁ على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂ فتيمم النبي ﷺ وهو مسجى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله ثم بكى فقال بأبي أنت يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها) (٢)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الصلاة باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم ج١/ص١٧٧،، ومسلم في فضائل الصحابة ٤٤٣٩٠ مختصرا، والترمذي في المناقب /باب مناقب أبي بكر ٥/٦٠٧ رقم (٣٦٥٩)،، وأحمد في باقي مسند المكثرين ١٠٧١٠،، والدارمي في المقدمة ٧٧ وتقدم\n(٢) أخرجه البخاري في الجنائز باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم٤/١٦١٨،، وفي باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في كفنه ج١/ص٤١٨،، والنسائي في باب تقبيل الميت ٤/١١،، والبيهقي في باب تقبيل الميت ١/٦٠٥","vol":"1","page":69},{"text":"وكذلك بكت فاطمة ﵂ لما استشعرت فراق والدها وحبيبها صلى الله عله وسلم كما روت عائشة أم المؤمنين قالت: (إنا كنا أزواج النبي ﷺ عنده جميعا لم تغادر منا واحدة فأقبلت فاطمة ﵍ تمشي ولا والله ما تخفى مشيتها من مشية رسول الله ﷺ فلما رآها رحب وقال مرحبا بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارها فبكت بكاء شديدا فلما رأى حزنها سارها الثانية فإذا هي تضحك فقلت لها أنا من بين نسائه خصك رسول الله ﷺ بالسر من بيننا ثم أنت تبكين فلما قام رسول الله ﷺ سألتها عم سارك قالت ما كنت لأفشي على رسول الله ﷺ سره فلما توفي قلت لها عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما أخبرتني قالت أما الآن فنعم فأخبرتني قالت أما حين سارني في الأمر الأول فإنه أخبرني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة وإنه قد عارضني به العام مرتين ولا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري فإني نعم السلف أنا لك قالت فبكيت بكائي الذي رأيت فلما رأى جزعي سارني الثانية قال يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة) (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان/ باب من ناجى بين يدي الناس ومن لم يخبر بسر صاحبه فإذا مات أخبر به ج٥/ص٢٣١٧،، مسلم في فضائل الصحابة باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها الصلاة والسلام ٤/١٩٠٤،، والترمذي في المناقب باب فضل فاطمة بنت محمد ﷺ ٥/٧٠٠، ٧٠١رقم ٣٨٧٢، ٣٨٧٣،، وابن ماجة في الجنائز/ باب ما جاء في ذكر مرض النبي ﷺ ١/٥١٦ رقم ١٦٢١،، وأحمد في باقي مسند الأنصار ٢٣٣٤،٢٤٨٣٩، ٢٥٢١٠","vol":"1","page":70},{"text":"ولم يكن الصحابة يأنفون من البكاء على الميت، بل أثر ذلك عنهم كما بكت حفصة ﵂ على أبيها عمر بن الخطاب رضي الله فعن عمرو بن ميمون قال: ... (رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال كيف فعلتما أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق قالا حملناها أمرا هي له مطيقة ما فيها كبير فضل قال انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق قال قالا لا فقال عمر لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا قال فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب قال إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب وكان إذا مر بين الصفين قال استووا حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه فطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون سبحان الله سبحان الله فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة فلما انصرفوا قال يا بن عباس انظر من قتلني فجال ساعة ثم جاء فقال غلام المغيرة قال الصنع قال نعم قال قاتله الله لقد أمرت به معروفا الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة وكان العباس أكثرهم رقيقا فقال إن شئت فعلت أي إن شئت قتلنا قال كذبت بعد ما تكلموا بلسانكم وصلوا قبلتكم وحجوا حجكم فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ فقائل يقول لا بأس وقائل يقول أخاف عليه فأتي","vol":"1","page":71},{"text":"بنبيذ فشربه فخرج من جوفه ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه فعلموا أنه ميت فدخلنا عليه وجاء الناس فجعلوا يثنون عليه وجاء رجل شاب فقال أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله ﷺ وقدم في الإسلام ما قد علمت ثم وليت فعدلت ثم شهادة قال وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض قال ردوا علي الغلام قال بن أخي ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك يا عبد الله بن عمر انظر ما علي من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه قال إن وفي له مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم فأد عني هذا المال انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه فقالت كنت أريده لنفسي ولأوثرن به اليوم على نفسي فلما أقبل قيل هذا عبد الله بن عمر قد جاء قال ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال ما لديك قال الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت قال الحمد لله ما كان من شيء أهم إلي من ذلك فإذا أنا قضيت فاحملوني ثم سلم فقل يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فبكت عنده ساعة واستأذن الرجال فولجت داخلا لهم فسمعنا بكاءها من الداخل فقالوا أوص يا أمير المؤمنين استخلف قال ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وقال يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة سعدا فهو","vol":"1","page":72},{"text":"ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة وقال أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم وأوصيه بالأنصار خيرا والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم وأن يعفى عن مسيئهم وأوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم وأوصيه بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم ويرد على فقرائهم وأوصيه بذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبد الله بن عمر قال يستأذن عمر بن الخطاب قالت أدخلوه فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي فقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف فقال عبد الرحمن أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان فقال عبد الرحمن أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم قالا نعم فأخذ بيد أحدهما فقال لك قرابة من رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال ارفع يدك يا عثمان فبايعه فبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه) (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة/ باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان ﵁ ... ج٣/ص١٣٥٣،، وابن حبان في ذكر رضا المصطفى ﷺ عن عثمان ١٥/ ٣٥٣،، والبيهقي في باب شورى بين المستصلحين له ٨/١٥٠،،وابن أبي شيبة في ما جاء في خلافة عمر بن الخطاب ٧/٤٣٥","vol":"1","page":73},{"text":"وفي هذا الحديث بكاء حفصة وبكاء عائشة ﵄ على عمر بن الخطاب ﵁ ولو كانتا تعلمان نكرا في ذلك لم تفعلاه.\nوقد يكون دافع البكاء الخوف على الميت من سوء العاقبة، فإذا علم أهل الميت حسن خاتمته أو رجوا له عملا صالحا طابت نفوسهم لما يعلمون له من الكرامة كما جاء في حديث أنس بن مالك أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة (أتت النبي ﷺ فقالت يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء قال يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>أقوال العلماء في البكاء على الميت</span>\nقال أبو جعفر الطحاوي \"فذهب قوم إلى كراهة البكاء على الميت واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وبما قد روى عن رسول الله ﷺ إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه\" (٢)\nقال الشيرازي: (ويجوز البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة لما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال يا إبراهيم إنا لا نغني عنك من الله شيئا ثم ذرفت عيناه فقال له عبد الرحمن بن عوف يا رسول الله أتبكي أو لم تنه عن البكاء قال لا ولكن نهيت عن النوح ولا يجوز لطم الخدود وشق الجيوب لما روى عبد الله ابن مسعود أن النبي ﷺ قال ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) (٣)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في باب من أتاه سهم غرب فقتله ج٣/ص١٠٣٤،، وابن حبان في باب ذكر إيجاب الجنة لمن قتل في الحرب نظارا وإن لم يرد به القتال ولا قاتل ج١٠/ص٥٢٠،، والترمذي في التفسير باب ومن سورة المؤمنون ٥/٣٢٧،، وأحمد في باقي مسند المكثرين ١١٨٠٤، ١٢٧٢٣، ١٢٧٧٣، ١٣٢٤٤، ١٣٢٨٧، ١٣٣٦٨، ١٣٥٠٠، ١٣٥٠٤،، والنسائي في الكبرى ٥/٦٥،، والبيهقي باب من أتاه سهم غرب فقتله ج٩/ص١٦٧\n(٢) شرح معاني الآثار ج٤: ص٢٩١\n(٣) المهذب ج١:ص١٣٩","vol":"1","page":74},{"text":"قال النووي: \" قال الشافعي والأصحاب البكاء على الميت جائز قبل الموت وبعده ولكن قبله أولى لحديث جابر بن عتيك ﵁: (أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله ﷺ دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا وما الوجوب يا رسول الله قال الموت) (١)\n_________\n(١) أخرجه أبو داود باب فضل من مات في الطاعون ج٣/ص١٨٨،، والنسائي باب النهي عن البكاء على الميت ٤/١٣،،،،وفي الكبرى باب في النهي عن البكاء على الميت ١/٦٠٦،، والشافعي في المسند ١/٣٦٢،والأم ١/٣١٨،،والحاكم في الجنائز ١/٥٠٣،، وابن حبان في ذكر البيان بأن المصطفى لم يرد بقوله الشهداء خمسة ٧/٤٦١، وباب ذكر الخصال التي تقوم مقام الشهادة٧/٤٦٣،، والبيهقي في باب من رخص في البكاء إلى أن يموت الذي يبكى ٤/٦٩، وباب سياق أخبار تدل على جواز البكاء٤/٧٠،، من طريق عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحرث بن عتيك وهو جد عبد الله بن عبد الله أبو أمه أنه أخبره أن عمه جابر بن عتيك أخبره...... قال النووي: \" حديث صحيح رواه مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة\" وتقدم في المتن.\nقلت: إسناد أبي داوود حسن فإن عتيك بن الحارث بن عتيك مقبول كما في التقريب.\n\nوأخرجه النسائي في باب من خان غازيا في أهله ٦/٥١ من طريق جعفر بن عون عن أبي عميس عن عبد الله بن عبد الله بن جبر عن أبيه أن رسول الله ﷺ عاد جبرا.. وفي هذه الرواية اختلاف.","vol":"1","page":75},{"text":"حديث صحيح رواه مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة ولفظ الشافعي في الأم:\"وأرخص في البكاء قبل الموت فإذا مات أمسكن\" (١) قال النووي: \"وقال صاحب الشامل وطائفة يكره البكاء بعد الموت لظاهر الحديث في النهي ولم يقل الجمهور ويكره وإنما قالوا الأولى تركه قالوا وهو مراد الحديث ولفظ الشافعي محتمل هذا كله في البكاء بلا ندب ولا نياحة أما الندب والنياحة ولطم الخد وشق الجيب وخمش الوجه ونشر الشعر والدعاء بالويل والثبور فكلها محرمة باتفاق الأصحاب وصرح الجمهور بالتحريم ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة وكذا وقع لفظ الكراهة في نص الشافعي في الأم وحملها الأصحاب على كراهة التحريم وقد نقل جماعة الإجماع في ذلك قال إمام الحرمين ﵀ ورفع الصوت بإفراط في معنى شق الجيب قال غيره هذا إذا كان مختارا فإن كان مغلوبا لم يؤاخذ به لأنه غير مكلف\" (٢)\nواختلف العلماء في أحاديث تعذيب الميت بالبكاء فتأولوها على وجوه:\n- فتأولها المزني والشافعية وجمهور العلماء على من وصى أن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم لأنه بسببه ومنسوب إليه قالوا فأما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه فلا يعذب ببكائهم ونوحهم لقوله تعالى: «وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» (٣)\n- وقالت طائفة هو محمول على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما فمن أوصى بهما أو أهمل الوصية بتركهما يعذب بهما لتفريطه بإهماله الوصية بتركهما فأما من أوصى بتركهما فلا يعذب بهما إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما فمن أهملها عذب بهما\n_________\n(١) الأم ١/٣١٨\n(٢) المجموع ٥/٢٧٢\n(٣) سورة الإسراء آية ١٥","vol":"1","page":76},{"text":"- وقالت طائفة معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم وتلك الشمائل قبائح في الشرع فيعذب بها كما كانوا يقولون يا مرمل النسوان ومؤتم الولدان مخرب العمران ومفرق الأخدان ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرا وهو حرام شرعا\n- وقالت طائفة معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم وإلى هذا ذهب محمد بن جرير وغيره قال القاضي عياض: وهو أولى الأقوال. واحتجوا بحديث فيه \"أن النبي ﷺ زجر امرأة عن البكاء على أبيها وقال إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم.\"\n- وقالت عائشة ﵂ معنى الحديث أن الكافر وغيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم\nوالصحيح من هذه الأقوال ما قدمناه عن الجمهور وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين والله أعلم (١)\nوقال النووي: \"والندب حرام وهو أن يعد شمائل الميت فيقال واكهفاه واجبلاه ونحو ذلك، والنياحة حرام والجزع بضرب الخد وشق الثوب ونشر الشعر حرام وإذا فعل أهل الميت شيئا من ذلك لا يعذب الميت والحديث فيه متأول على من أوصى بالنياحة عليه\" (٢)\nقال ابن قدامة: \" أما البكاء بمجرده فلا يكره في حال\" (٣)\n_________\n(١) ذكرهذه الأقوال جميعا النووي في المجموع ج٥/ص٢٧٢- ٢٧٥\n(٢) روضة الطالبين ج٢:ص١٤٥\n(٣) المغني ٣/٤٨٧","vol":"1","page":77},{"text":"ومن خلال دراستي للأحاديث تبين لي أن البكاء على الميت حزنا دون تسخط ولا جزع ولا ندب جائز بدليل فعل النبي ﷺ وأصحابه كما سبق أن ذكرته ولا فرق في ذلك بين ما كان قبل الموت أو بعده، أما حديث جابر بن عتيك أن رسول الله ﷺ: (جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به رسول الله ﷺ فلم يجبه فاسترجع رسول الله ﷺ وقال غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل بن عتيك يسكتهن فقال رسول الله ﷺ دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا وما الوجوب يا رسول الله قال الموت قالت ابنته والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا فإنك كنت قد قضيت جهازك قال رسول الله ﷺ إن الله ﷿ قد أوقع أجره على قدر نيته وما تعدون الشهادة قالوا القتل في سبيل الله تعالى قال رسول الله ﷺ الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة) (١)\n_________\n(١) أخرجه أبو داود باب فضل من مات في الطاعون ج٣/ص١٨٨،، والنسائي باب النهي عن البكاء على الميت ٤/١٣،،،،وفي الكبرى باب في النهي عن البكاء على الميت ١/٦٠٦،، والشافعي في المسند ١/٣٦٢،،والحاكم في الجنائز ١/٥٠٣،، وابن حبان في ذكر البيان بأن المصطفى لم يرد بقوله الشهداء خمسة ٧/٤٦١، وباب ذكر الخصال التي تقوم مقام الشهادة٧/٤٦٣،، والبيهقي في باب من رخص في البكاء إلى أن يموت الذي يبكى ٤/٦٩، وباب سياق أخبار تدل على جواز البكاء٤/٧٠،، من طريق عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحرث بن عتيك وهو جد عبد الله بن عبد الله أبو أمه أنه أخبره أن عمه جابر بن عتيك أخبره.......قال النووي: \" حديث صحيح رواه مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة\" وتقدم في المتن.\nقلت: إسناد أبي داوود حسن فإن عتيك بن الحارث بن عتيك مقبول كما في التقريب.\nوأخرجه النسائي في باب من خان غازيا في أهله ٦/٥١ من طريق جعفر بن عون عن أبي عميس عن عبد الله بن عبد الله بن جبر عن أبيه أن رسول الله ﷺ عاد جبرا.. وفي هذه الرواية اختلاف.","vol":"1","page":78},{"text":"والمقصود بالبكاء الذي نهين عنه هنا البكاء بصوت لقوله \"فصاح\" والصياح هو الصوت مع البكاء (١)، وبهذا يمكن الجمع بين الأحاديث الدالة على بكاء النبي ﷺ وإقراره بكاء أصحابه.\nأما حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) (٢) فقد أجاب عنه العلماء بأن عائشة ﵂ أجابت عنه بقولها: (يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكى عليها فقال إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها) وذلك في حديث ابن عمر السابق نفسه كما جاء مطولا عند البخاري ومسلم وغيرهما (٣)، وروى الطحاوي الحديث من رواية لعائشة ﵂ قالت: (أما والله ما تحدثون هذا الحديث عن الكاذبين ولكن السمع يخطئ وإن لكم في القرآن لما يشفيكم ألا تزر وازرة وزر أخرى ولكن رسول الله ﷺ قال إن الله ﷿ ليزيد الكافر عذابا ببعض بكاء أهله عليه) (٤)\n_________\n(١) ينظر هامش ٤\n(٢) أخرجه البخاري في باب قول النبي ﷺ يعذب الميت ١/٤٣٢،، ومسلم في باب الميت يعذب٢/٦٣٩، ٦٤٠، ٦٤١، ٦٤٣،،وأبو داود في النوح على الميت١/٦٠٩،،والنسائي في النياحة على الميت ٤/١٧،،وفي الكبرى باب النياحة على الميت ١/٦٠٩،، والترمذي في باب ماجاء في الرخصة في البكاء على الميت ٣/٣٨٢،،والشافعي في المسند ١/١٨٢،، وابن حبان في ذكر الأخبار بتعذيب الله موتى الكفرة بما نيح عليهم ٧/٣٩٣،،والحاكم في كتاب العتق ٢/٢٣٤، وفي تفسير سورة النجم ٢/٥١١،، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم باب كراهية النياحة على الميت٣/١٢، ١٣، ١٤، ١٥،، والبيهقي في باب سيلق أخبار تدل على أن الميت يعذب بالنياحة٤/٧٢، ٧٣،، والربيع في المسند باب في القبور ١/١٩٥\n(٣) تقدم تخريجه في الهامش السابق\n(٤) شرح معاني الآثار ج٤:ص٢٩٢","vol":"1","page":79},{"text":"فلا بأس بالبكاء على الميت إذا كان بكاء لا معصية معه من قول فاحش ولا نياحة دليل ذلك ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: (اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتى رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجده في غشيته فقال قد قضى فقالوا لا والله يا رسول الله فبكي رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا فقال ألا تسمعون أن الله تعالى لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم) (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في باب البكاء عند المريض ١/٤٣٩،، باب الإشارة في الطلاق ٥/٢٠٢٨،، ومسلم في باب البكاء على الميت ٢/٦٣٦،،وابن حبان في ذكر الإخبار بأن المرء مؤاخذ عندما امتحن ٧/٤٣١،، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم٣/١٠،، والبيهقي في باب سياق أخبار تدل على جواز البكاء على الميت ٣/١١١،، وفي السنن الصغرى في باب البكاء على الميت ٣/١٥٥","vol":"1","page":80},{"text":"وتحزن المرأة حين يفارقها زوجها أو تشعر بأنها أسخطته، وكلما كانت له أكثر حبا كان حزنها لفراقه أكثر وندمها على إسخاطه أشد وأوجع كما بلغ الحزن من زوجات رسول الله ﷺ مبلغا عظيما حين أسخطنه وهجرهن، بل اشتد ذلك على أهلهن وذويهن وعامة المسلمين كما أخبر ابن عباس (لبثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ فجعلت أهابه فنزل يوما منزلا فدخل الأراك فلما خرج سألته فقال عائشة وحفصة ثم قال كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئا فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقا من غير أن يدخلهن في شيء من أمورنا وكان بيني وبين امرأتي كلام فأغلظت لي فقلت لها وإنك لهناك قالت تقول هذا لي وابنتك تؤذي النبي ﷺ فأتيت حفصة فقلت لها إني أحذرك أن تعصي الله ورسوله وتقدمت إليها في أذاه فأتيت أم سلمة فقلت لها فقالت أعجب منك يا عمر قد دخلت في أمورنا فلم يبق إلا أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه فرددت وكان رجل من الأنصار إذا غاب عن رسول الله ﷺ وشهدته أتيته بما يكون وإذا غبت عن رسول الله ﷺ وشهد أتاني بما يكون من رسول الله ﷺ وكان من حول رسول الله ﷺ قد استقام له فلم يبق إلا ملك غسان بالشام كنا نخاف أن يأتينا فما شعرت إلا بالأنصاري وهو يقول إنه قد حدث أمر قلت له وما هو أجاء الغساني قال أعظم من ذاك طلق رسول الله ﷺ نساءه فجئت فإذا البكاء من حجرهن كلها وإذا النبي ﷺ قد صعد في مشربة له وعلى باب المشربة وصيف فأتيته فقلت استأذن لي فأذن لي فدخلت فإذا النبي ﷺ على حصير قد أثر في جنبه وتحت رأسه مرفقة من آدم حشوها ليف وإذا أهب معلقة وقرظ فذكرت الذي قلت لحفصة وأم سلمة والذي ردت علي أم سلمة فضحك رسول الله صلى","vol":"1","page":81},{"text":"الله عليه وسلم فلبث تسعا وعشرين ليلة ثم نزل) (١)\nوقد يكون من دواعي الحزن رؤية تفريط الناس في دينهم وذهاب هيبته من نفوسهم، أو رؤية المنكرات، لاسيما عند عدم القدرة على تغييرها كما حكى الزهري ﵀ قال: (دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت ما يبكيك فقال لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت) (٢)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-19> بكاء الألم</span>\nومما لا يقدر الإنسان على منع نفسه منه دمعة تنزل لتألمه ألما نفسيا أو جسميا، فالدموع مظهر طبيعي للتعبير عن تألم الإنسان يشترك فيها الكبير والصغير، وإن كان بعض الناس أجلد من بعض، ومن أمثلة ذلك في السنة ما حدث به ابن عباس: (أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي ﷺ لعباس يا عباس إلا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا فقال النبي ﷺ لو راجعته قالت يا رسول الله تأمرني قال إنما أنا أشفع قالت لا حاجة لي فيه) (٣)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في باب ما كان النبي ﷺ يتجوز من اللباس والبسط ج٥/ص٢١٩٧،، ومسلم في الطلاق / باب في الإبلاء واعتزال النساء وتخييرهن وقوله تعالى وإن تظاهرا عليه ج٢/ص١١٠٥ والترمذي في تفسيرا لقرآن/ باب ومن سورة التحريم ٥/٤٢٠ (رقم ٣٣١٨)،، وأبو عوانة في باب الخبر المبين أن الرجل إذا قال لامرأته اختاري ٣/١٦٨،، وأحمد ٢١٧\n\n(٢) أخرجه البخاري في باب تضييع الصلاة عن وقتها ج١/ص١٩٨،، وأحمد في باقي مسند المكثرين ١١٥٣٩، ١٢٦٩١\n(٣) أخرجه البخاري في باب خيار الأمة تحت العبد ج٥/ص٢٠٢٣،، وأبو داود في باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد ٢/٢٧٠،، والنسائي باب إشارة الحاكم بالرفق ٨/٢٤٥،، وابن ماجة في باب خيار الأمة إذا عتقت ١/٦٧١،، وابن حبان باب ذكر الخبر المصرح بأن زوج بريرة كان عبدا١٠/٩٦،، والدارمي في باب سنن الدارمي\n\nباب في تخيير الأمة تكون تحت العبد فتعتق ج٢/ص٢٢٣،، والبيهقي في باب الأمة تعتق وزوجها عبد٧/٢٢٢","vol":"1","page":82},{"text":"فهو يبكي عليها لما كان بينهما من العلاقة المشروعة، ثم تألم لما عتقت وتأبت عليه فكان يتبعها ويبكي، ولم ينكر عليه النبي ﷺ البكاء بل رق له وتشفع فيه.\nومن بكاء الألم بكاء الصبي فإنه يبكي جوعا ويبكي خوفا، وقد كان ﷺ يقدر بكاءه ويشفق على أمه التي تسمع بكاءه وهو في الصلاة فيخفف صلاته رأفة بها وبه كما صح عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: (إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه) (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي ج١/ص٢٥٠،، وباب صلاة النساء خلف الرجال ١/٢٩٦،، ومسلم في باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام ١/٣٤٢،،وباب اعتدال أركان الصلاة وتخفيها في تمام ١/٣٤٣،،وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم المسند المستخرج على صحيح مسلم باب كيف ينبغي للناس أن يصلوا مع الإمام ج٢/ص٨٤،،وابن حبان في ذكر خبر ثان قد يوهم من لم يحكم صناعة العلم ٥/٢٠٥،،وباب ذكر ما يستحب للإمام أن تكون صلاته بالقوم خفيفة ٥/٥١٠،، وابن خزيمة باب تقدير الإمام الصلاة بضعفاء المأمومين ٣/٥٠،،وأبو داود باب تخفيف الصلاة للأمر يحدث ٢/٣١٦،،والنسائي في باب الرخصة للأمام في التطويل ٢/٩٥،،وفي الكبرى باب ما على الإمام من التخفيف١/٢٩٠ والترمذي في باب ما جاء أن النبي ﷺ قال ... ٢/٢١٤،، وابن ماجة باب الإمام يخفف الصلاة إذا حدث أمر ١/٣١٧،، والدارقطني في باب تخفيف القراءة لحاجة ٢/٨٦،، والبيهقي في باب الإمام يخفف القراءة للأمر يحدث ٢/٣٩٣،،وأبو عوانة في المسند ٢/٨٨، ٢/٤٢١","vol":"1","page":83},{"text":"وحينما يكون البكاء منهم على أمر يخالف مصلحتهم فإنه يحتمل ولا يؤبه به كع أنهم لا يلامون عليه ولا يوبخون، كما روي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة وأول من يدخل عليها إذا قدم فاطمة فقدم من غزاة له وقد علقت مسحا أو سترا على بابها وحلت الحسن والحسين قلبين من فضة فقدم فلم يدخل فظنت أن ما منعه أن يدخل ما رأى فهتكت الستر وفككت القلبين عن الصبيين وقطعته بينهما فانطلقا إلى رسول الله ﷺ وهما يبكيان فأخذه منهما وقال يا ثوبان اذهب بهذا إلى آل فلان أهل بيت بالمدينة إن هؤلاء أهل بيتي أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج) (١)\n_________\n(١) رواه أبو داود في باب ما جاء في الانتفاع بالعاج ج٤/ص ٨٧ من طريق مسدد قال ثنا عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن جحادة عن حميد الشامي عن سليمان المنبهي عن ثوبان،، والبيهقي في باب المنع من الادهان في عظام الفيلة ١/٢٦من الطريق نفسه، وهذا إسناد ضعيف، الشامي والمنبهي مجهولان، قال ابن حجر في التقريب.","vol":"1","page":84},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-20> بكاء الشوق</span>\nوقد يحرك القلب ويبكي العين ذكر الأحبة والشوق لهم مع استحالة ذلك لفقدهم أو موتهم، قال واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال (قدم أنس بن مالك فأتيته فقال من أنت فقلت أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال فبكى وقال إنك لشبيه بسعد وإن سعدا كان من أعظم الناس وأطولهم وإنه بعث إلى النبي ﷺ جبة من ديباج منسوج فيها الذهب فلبسها رسول الله ﷺ فصعد المنبر فقام أو قعد فجعل الناس يلمسونها فقالوا ما رأينا كاليوم ثوبا قط فقال أتعجبون من هذه لمناديل سعد في الجنة خير مما ترون) (١)\nوقد يشتاق المؤمن إلى حال كان عليه من التعبد أو قوة الإيمان أو صدق الإخاء أو المناجاة أو زيادة يجدها في إيمانه فيذكر عهده الماضي ويبكي حنينا إليه ورغبة فيه، كما بكت أم أيمن وأبكت الخليفتين أبا بكر وعمر ﵃ أجمعين، حدث أنس قال: قال أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر (انطلق بنا إلى أم ايمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها فلما انتهينا إليها بكت فقالا لها ما يبكيك ما عند الله خير لرسوله ﷺ فقالت ما أبكي أن لا أكون أعلم إن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها) (٢)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في اللباس سنن الترمذي باب ما جاء في الرخصة في لبس الحرير في الحرب ج٤/ص٢١٨،، وقال: \"وهذا حديث صحيح\" وأصل الحديث في الصحيحين أخرجه البخاري في الهبة وفضلها باب كيف كانت يمين النبي ﷺ ج٦/ص٢٤٤٥،، ومسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل سعد ٧/١٥٠\n\n(٢) أخرجه مسلم في باب من فضائل أم ايمن ﵂ ج٤/ص١٩٠٧،، وابن ماجة في باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ ١/٥٢٣،، والبيهقي في باب ما جاء في القواعد من النساء ج٧/ص٩٣،،","vol":"1","page":85},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-21> بكاء الرحمة</span>\nحينما يخالط القلب شعور بالرحمة ويمتزج به الإحساس بالشفقة مع عجز المرء عن تقديم ما ينفعه أو دفع ما يضره تذرف الدموع، يتجلى هذا الموقف في زيارة رسول الله ﷺ لقبر أمه، وحينما وقف على قبرها خالطه الشعور بالرحمة والشفقة عليها أن ماتت مشركة قبل بعثته ﷺ، فعن أبي هريرة قال: (زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) (١)\nومن ذلك رحمة عمر بن الخطاب برسول الله ﷺ حين رأى أثر السرير في جنبه فلم يملك دمعه رأفة به، كم جاء في رواية صحيح مسلم: (عن\n_________\n(١) أخرجه مسلم في باب استئذان النبي ﷺ ربه ﷿ في زيارة قبر أمه ج٢/ص٦٧١،، والنسائي في الكبرى في باب زيارة قبر المشرك ١/٦٥٤،، وابن ماجة في باب ما جاء في زيارة قبور المشركين ١/٥٠١،، والبيهقي في باب لا يشهد لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد.. ٤/٧٦","vol":"1","page":86},{"text":"عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه قال دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون طلق رسول الله ﷺ نساءه وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب فقال عمر فقلت لأعلمن ذلك اليوم قال فدخلت على عائشة فقلت يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ فقالت مالي ومالك يا بن الخطاب عليك بعيبتك قال فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك ولولا أنا لطلقك رسول الله ﷺ فبكت أشد البكاء فقلت لها أين رسول الله ﷺ قالت هو في خزانته في المشربة فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدا على أسكفة المشربة مدل رجليه على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر فناديت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلى فلم يقل شيئا ثم قلت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا ثم رفعت صوتي فقلت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أنى جئت من أجل حفصة والله لئن أمرني رسول الله ﷺ بضرب عنقها لأضربن عنقها ورفعت صوتي فأومأ إلى أن ارقه فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظا في ناحية الغرفة وإذا أفيق معلق قال فابتدرت عيناي (١) قال ما يبكيك يا بن الخطاب قلت يا نبي الله ومالي لا أبكى\n_________\n(١) ابتدرت: أي دمعت","vol":"1","page":87},{"text":"وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله ﷺ وصفوته وهذه خزانتك فقال يا بن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا قلت بلى قال ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب فقلت يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول ونزلت هذه الآية آية التخيير «عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ» «وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ» (١) وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي ﷺ فقلت يا رسول الله أطلقتهن قال لا قلت يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون طلق رسول الله ﷺ نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن قال نعم إن شئت فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كشر فضحك وكان من أحسن الناس ثغرا ثم نزل نبي الله ﷺ ونزلت فنزلت أتشبث بالجذع ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده فقلت يا رسول الله إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين قال إن الشهر يكون تسعا وعشرين فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه ونزلت هذه الآية «وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ» فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله ﷿ آية\n_________\n(١) سورة الطلاق آية ٤،٥","vol":"1","page":88},{"text":"التخيير) (١)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-22> بكاء الموافقة</span>\nكثيرا نرى أحدا يبكي فنبكي لبكائه وربما لا نعرف سبب بكائه، وإنما يكون ذلك بسبب التداعي والتهييج وهو ما يعرف بالموافقة وذلك في بدء الأمر لا شيء فيه من حيث الذم أو المدح، فإذا تبين السبب واستمر البكاء كان للموافِق حكم الموافَق أجرا أو تأثما، وفي السنة دلائل على بكاء الموفقة منها ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: (اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتى رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجده في غشيته فقال قد قضى فقالوا لا والله يا رسول الله فبكي رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاء رسول الله - ﷺ- بكوا فقال ألا تسمعون أن الله تعالى لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم) (٢)\n_________\n(١) هذا لفظ مسلم أخرجه في كتاب / باب في الإيلاء ٢/١١٠٥،، وأخرجه البخاري ف باب باب الغرفة والعلية المشرفة في السطوح ٢/٨٧٢،، وباب ما كان النبي ﷺ يتجوز من اللباس ٥/٢١٩٧،، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم ٤/١٦٠،، وبن حبان في باب ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به.. ٩/٤٩٦،، وباب ذكر البيان بأن المرء جائز له أن يؤدب امرأته ٩/٤٩٣،، وباب ذكر الخبر بأن عائشة لما خيرها المصطفى.. ١٠/٨٦،، والترمذي في باب ومن سورة التحريم ٥/٤٢١،، والدارمي في ابا في الرجعة ٢/٢١٤،، وأبو عوانة في باب الخبر المبين أن الرجل إذا قال لامرأته اختاري٣/١٦٣،، والبيهقي في باب ما وجب عليه من تخيير النساء ٧/٣٧\n(٢) تقدم هامش ١١٨","vol":"1","page":89},{"text":"ومنها ما جاء في حديث الإفك الطويل وفيه رفعة عائشة ﵂ واستجابة المولى لدعائها وإظهاره لبراءتها رحمة بها لما ظلمت وافتري عليها الإفك حتى بكت وبكت وبكت شهرا لا يجف لها دمع ولا تهنأ بطعام، فعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله منه قال الزهري وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم أوعى من بعض وأثبت له اقتصاصا وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا زعموا أن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول اللهﷺ- من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه فأقبل الذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم وإنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج فاحتملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منزلهم وليس فيه أحد فأممت منزلي الذي كنت به فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته فوطىء يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة فهلك من هلك وكان الذي تولى الإفك","vol":"1","page":90},{"text":"عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا يفيضون من قول أصحاب الإفك ويريبني في وجعي أني لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض إنما يدخل فيسلم ثم يقول كيف تيكم لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع متبرزنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي فعثرت في مرطها فقالت تعس مسطح فقلت لها بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا فقالت يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله ﷺ فسلم فقال كيف تيكم فقلت ائذن لي إلى أبوي قالت وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما فأذن لي رسول الله ﷺ فأتيت أبوي فقلت لأمي ما يتحدث به الناس فقالت يا بنية هوني على نفسك الشأن فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها فقلت سبحان الله ولقد يتحدث الناس بهذا قالت فبت الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم فقال أسامة أهلك يا رسول الله ولا نعلم والله إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال يا بريرة هل رأيت فيها شيئا يريبك فقالت بريرة لا والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول فقال رسول الله","vol":"1","page":91},{"text":"ﷺ من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ فقال يا رسول الله أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك فقام أسيد بن الحضير فقال كذبت لعمر الله والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا ورسول الله ﷺ على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت","vol":"1","page":92},{"text":"وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح عندي أبواي قد بكيت ليلتين ويوما حتى أظن أن البكاء فالق كبدي قالت فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل قبلها وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء قالت فتشهد ثم قال يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة وقلت لأبي أجب عني رسول الله ﷺ قال والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله ﷺ فيما قال قالت والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ قالت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن فقلت إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم وصدقتم به ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم إني لبريئة لا تصدقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ثم تحولت على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني الله ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات فلما سري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي يا عائشة احمدي الله فقد برأك الله فقالت لي أمي","vol":"1","page":93},{"text":"قومي إلى رسول الله ﷺ فقلت لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ» (١) الآيات فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة فأنزل الله تعالى «وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ» إلى قوله «أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (٢) فقال أبو بكر بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال يا زينب ما علمت ما رأيت فقالت يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت عليها إلا خيرا قالت وهي التي كانت تساميني فعصمها الله بالورع) (٣)\nوفي هذا الحديث بكاء عائشة ﵂ لما علمت بخبر الإفك، ورأت من رسول الله ﷺ ما لم تكن ترى من الجفاء فعتبت وأسفت لما يمكن أن يكون وقر في قلوب أهلها من التصديق بالخبر أو تطرق الشك إلى نفوسهم، وفي الحديث تبين أن الأصحاب يوافقون أصحابهم في مشاعرهم فيبكون لبكائهم بدليل بكاء المرأة مع عائشة ﵂ ولم ينهها رسول الله ﷺ عن ذلك فدل على الإباحة.\n_________\n(١) سورة النور آية١١\n(٢) سورة النور آية٢٢\n(٣) أخرجه البخاري في باب تعديل النساء بعضهن بعضا٢/٩٤٢-٩٤٥،، وباب حديث الإفك ٤/١٥١٩،، وباب قوله: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون.. ٤/١٧٧٦،، ومسلم في باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف ٤/٢١٣٣،، وابن حبان في ذكر ما يجب على المرء من الإقراع بين النسوة ١٠/١٧، وباب ذكر إنزال الله جل وعلا الآي في براءة عائشة.. ١٦/١٦،، والبيهقي في باب قرعة الرجل بين نسائه ٥/٢٩٧، وباب قوله تعالى إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم ٦/٤١٧","vol":"1","page":94},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-23> بكاء العتب</span>\nتقدم فيما مضى من حديث الإفك بكاء عائشة ﵂ عتبا قالت: (وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع) وتلك دموع تكثر وتغزر حينما تعتب على قريب أو حبيب يقف موقفا لم تكن تتوقعه، ورغم أنه لم يكن ملوما في موقفه لمبررات يراها إلا أن العتب يلازم النفس فتبكي العين أشد البكاء وهذا البكاء مباح حيث لم يرد فيه ذم ولا مدح.\nوحينما يتلقى المؤمن كلمة تسوؤه من أناس لا يظن أنهم يؤذونه يعتب عليهم حتى يبكي من ذلك ما حدث به أنس ﵁ قال: (بلغ صفية أن حفصة قالت بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال ما يبكيك فقالت قالت لي حفصة إني بنت يهودي فقال النبي ﷺ إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي وإنك لتحت نبي ففيم تفخر عليك ثم قال اتقي الله يا حفصة) (١)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي ج٥/ص٧٠٩،، والنسائي في الكبرى باب الافتخار٥/٢٩١، قال الترمذي: \" هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه\" وقال المقدسي في الأحاديث المختارة: \" إسناده صحيح\" قلت: كلاهما يروونه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس وهذا إسناد صحيح، والله أعلم.","vol":"1","page":95},{"text":"والصغار أيضا لهم عتب على من يهابونه ويحبونه لذا بكت الجارية يوم دعا عليها النبي ﷺ عتبا لأنها لم تر من نفسها صنيعا تستحق به التأنيب فضلا عن الدعاء حدث أنس بن مالك قال: (كانت عند أم سليم يتيمة وهي أم أنس فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة فقال آنت هيه لقد كبرت لا كبر سنك فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي فقالت أم سليم ما لك يا بنية قالت الجارية دعا على نبي الله ﷺ أن لا يكبر سني فالآن لا يكبر سني أبدا أو قالت قرني فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها حتى لقيت رسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ ما لك يا أم سليم فقالت يا نبي الله أدعوت على يتيمتي قال وما ذاك يا أم سليم قالت زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها قال فضحك رسول الله ﷺ ثم قال يا أم سليم أما تعلمين أن شرطى على ربي أنى اشترطت على ربي فقلت إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة) (١)\n-<span data-type=\"title\" id=toc-24> بكاء الفرح</span>\nوكما يبكي المرء من الحزن فهو يبكي من الفرح أيضا، ولا يكون ذلك غالبا إلا حينما يبلغ الفرح منه مبلغا عظيما كما بكى أبو هريرة لإسلام أمه، بعد أن بكى قبل حزنا لضلالها،\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة/باب من لعنه النبي ﷺ أو سبه ٤/٢٠٠٩،، وابن حبان في باب ماجعل الله جل وعلا دعوة المصطفى.. ١٤/٤٤٤","vol":"1","page":96},{"text":"قال أبو هريرة: (كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ اللهم اهد أم أبي هريرة فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله ﷺ فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسمعت أمي خشف قدمي فقالت مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت يا أبا هريرة اشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا قال قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا قال فقال رسول الله ﷺ اللهم حبب عبيدك هذا يعني أبا هريرة وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني) (١) ومن ذاق حلاوة الإيمان تمناها لأحب حبيب، وليس أحب من الأم لذا بلغت فرحة أبي هريرة قمتها لاسيما وقد تأبت عليه وأظهرت ما آيسه من إسلامها.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة / باب من فضائل أبي هريرة الدوسي ﵁ ج٤/ص١٩٣٨،، وابن حبان في باب ذكر الخبر الدال على أن محبة أبي هريرة من الأيمان ١٦/١٠٧","vol":"1","page":97},{"text":"وفرح أبي بن كعب بأمر الله لنبيه ﷺ أن يقرأ عليه سورة البينة وتسميته له حتى بكى من الفرح، كما حدث بذلك أنس بن مالك ﵁ قال: (قال النبي ﷺ لأبي إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب قال وسماني قال نعم فبكى) (١)\nوهل من شيء خير للمؤمن من أن يذكره الله تعالى ويخصه بخصوصية ينفرد بها عن غيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>أنواع أخرى من البكاء</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-26> بكاء الشياطين</span>\nكما أن البشر يبكون، فالشياطين أيضا تبكي، حدث أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إذا قرأ بن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله وفي رواية أبي كريب يا ويلي أمر بن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) (٢)\n-<span data-type=\"title\" id=toc-27> بكاء الجماد</span>\nقال الله تعالى «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ» (٣)\n_________\n(١) أخرجه البخاري باب مناقب أبي بن كعب ج٣/ص١٣٨٥،، وباب تفسير سورة لم يكن البينة ٤/١٨٩٦،، ومسلم في باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل.. ١/٥٥٠،، وفي كتاب فضائل الصحابة/ باب من فضائل أبي بن كعب وجماعة من الأنصار٤/١٩١٥،، وأبو نعيم في المسند المستخرج عل مسلم ٢/٣٩٠،، والترمذي في باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي وأبي عبيدة بن الجراح ج٥/ص٦٦٤،، والنسائي في الكبرى باب سورة البينة ٦/٥٢٠\n\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان/ باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ج١/ص٨٧،، وابن خزيمة في باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ١/٢٧٦،، وابن حبان في باب سجود التلاوة ٦/٤٦٥،، وأبو نعيم في المسند المستخرج باب إذا قرأ ابن آدم السجدة ١/١٥٩،، وابن ماجة في باب سجود التلاوة ١/٣٣٤،، وأبو عوانة باب التسليم بعد سجدتي السهو٢/٢٠٦،، وسعيد بن منصور في باب قوله تعالى \" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ... \" ٢/٥٥٣\n(٣) سورة الدخان ٢٩","vol":"1","page":98},{"text":"قال ابن كثير:\" أي لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها فقدتهم فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم\" (١) وحمل كثير من أهل العلم هذا على الحقيقة قال الطبري: \"عن سعيد بن جبير قال أتى بن عباس رجل فقال يا أبا عباس أرأيت قول الله ﵎ (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) فهل تبكي السماء والأرض على أحد قال نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه وفيه يصعد عمله فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه بكى عليه وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى السماء منهم خير قال فلم تبك عليهم السماء والأرض\" وذكر ذلك عن عدد من التابعين منهم مجاهد وسعيد بن جبير (٢) وذهب بعضهم إلى أن ذلك من المجاز قال الشيخ السعدي:\" هذا التعبير مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم وفيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال عنه بكت عليه السماء والأرض ومنه ما روي أن المؤمن إذا مات ليبكي عليه مصلاه ومحل عبادته ومصاعد عمله ومهابط رزقه وآثاره في الأرض وعن الحسن يبكي عليه أهل السماء والأرض \" (٣)\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ج٤/ص١٤٣\n(٢) جامع البيان ٢٥/١٢٥\n(٣) تفسير السعدي ج١/ص٥٥٢","vol":"1","page":99},{"text":"وقد دلت السنة على أن الجماد يبكي إذا استدعاه حدث للبكاء إلا أن البشر لا يدركون بكاءه كما لا يدركون تسبيحهم، ومن الأدلة على بكاء الجماد بكاء النخلة التي كان ﷺ يخطب عندها، أخبر جابر بن عبد الله ﵄ (أن النبي ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت امرأة من الأنصار أو رجل يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا قال إن شئتم فجعلوا له منبرا فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي ثم نزل النبي ﷺ فضمها إليه تئن أنين الصبي الذي يسكن قال كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها) (١)\nقال ابن حجر: \" قال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها السلف عن الخلف، ورواية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف. وفي الحديث دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكا كالحيوان بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لقول من يحمل (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (٢) على ظاهره. \" (٣)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في باب علامات النبوة ج٣/ص١٣١٤،، صحيح ابن خزيمة باب ذكر العلة التي لها حن الجذع عند قيام النبي ﷺ على المنبر وصفة منبر النبي ﷺ ج٣/ص١٤٠،، وابن حبان في ذكر حنين الجذع الذي كان يخطب عليه المصطفى ﷺ لما فارقه ١٤/٤٣٥،، والترمذي في باب ماجاء في الخطبة على المنبر ٢/٣٧٩،، وابن ماجة في باب ما جاء في بدء المنبر ١/٤٥٥،، والبيهقي في باب مقام الإمام في الخطبة ٣/١٩٥،، والدارمي في باب ما أكرم النبي ﷺ بحنين ... ١/٣٠، وباب مقام الإمام إذا خطب.. ١/٤٤٢\n(٢) سورة الإسراء آية ٤٤\n(٣) فتح الباري ٦/٦٠٣","vol":"1","page":100},{"text":"قال ابن عبد البر: \" ومن حمل ذلك على الحقيقة قال جائز أن ينطقها الله كما تنطق الأيدي والجلود والأرجل يوم القيامة وهو الظاهر من قول الله ﷿: «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ» (١) ومن قوله: «وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» الآية و«قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ» (٢) وقال: قوله ﷿ «تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ» (٣) أي تتقطع عليهم غيظا كما تقول فلان يتقد عليك غيظا وقال ﷿ «إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا» (٤) فأضاف إليها الرؤية والتغيظ إضافة حقيقية وكذلك كل ما في القرآن من مثل ذلك واحتجوا بقول الله ﷿: «يَقُصُّ الحَقَّ» (٥) ومن هذا الباب عندهم قوله: «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ» (٦) \" (٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>خاتمة</span>\nمن خلال دراسة أحاديث رسول الله ﷺ في الكتب الستة والبحث عن هذا السلوك \" البكاء\" تبين أنه ليس له حكم ثابت، بل حكمه باعتبار موجبه، فإن كان موجبه مذموما كان محرما أو مكروها كالنياحة على الميت فإن موجبها السخط من قدر الله تعالى، وإن كان الموجب ممدوحا كان البكاء مستحبا، فهو لا يعدو أن يكون أثرا، ولما كان هذا السلوك فطريا في الإنسان لم ينه عنه عند اندفاعه وغلبته كأثر للألم الحسي أو المعنوي لأن فيه شيء من التنفيس عن الإنسان.\n_________\n(١) سورة ق آية٣٠\n(٢) سورة النمل آية ١٨\n(٣) سورة الملك آية ٨\n(٤) سورة الفرقان آية ١٢\n(٥) سورة الأنعام آية ٥٧\n(٦) سورة الدخان آية ٢٩\n(٧) التمهيد لابن عبد البر ج٥/ص١٥","vol":"1","page":101},{"text":"ومن خلال البحث في السنة النبوية عن البكاء ودراسة موقف الرسول ﷺ منه تبين أن الإسلام لا يخالف الفطرة بل يوافقها ويهذبها بما يعود عليها بالنفع فلو ترك المبتلى بفقد حبيبه يبكي بشدة تصل إلى درجة الانتحاب لازداد به البكاء حتى تنقطع نفسه وتتفتت كبده ولن يعيد البكاء فقيده، وسينقطع عن معاشه وعبادته، وهو في هذا كأنما يشكو ربه فإنه هو الذي قدر عليه وابتلاه.\nوإذ أبحث في السنة النبوية وأضع هذه الأحاديث بين يدي القاريء مبينة حكم كل نوع من أنواع البكاء، آمل أن يعتني الباحثون في علم النفس الإسلامي بهذه الجوانب ويدرسوها ويطبقوها على الواقع ويستخرجوا النتائج التي تثبت للناس أن ما جاء به الدين هو الأصلح لهم، وليزدادوا إيمانا مع إيمانهم.\nوالله أسأل أن ينفع به، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المصادر والمراجع:</span>\n\n١. أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، دار الكتاب العربي، بيروت\n٢. الأوسط، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، دار طيبة، الرياض، ط الأولى ١٤٠٥\n٣. الأم لمحمد بن إدريس الشافعي، دار الفكر، ١٤١٠\n٤. بدائع الصنائع، علاء الدين الكاساني، دار الكتاب العربي، بيروت ١٣٨٢ط الثانية\n٥. بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لمحمد بن أحمد بن رشد القرطبي، دار الفكر، بيروت\n٦. البكاء عند قراءة القرآن، لعبد الله بن إبراهيم اللحيدان\n٧. البكاء من خشية الله تعالى/ لحسين بن عودة العوايشة، دار بن حزم، الطبعة الأولى ١٤٢٣\n٨. البيان والتحصيل، لأبي الوليد بن رشد القرطبي، دار الغرب الإسلامي، ط الثانية ١٤٠٨\n٩. تخريج الأحاديث والأثار، لجمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي، دار ابن حزم، الرياض، ط الأولى ١٤١٤\n١٠. التخويف من النارلأبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، دار البيان، دمشق، ط الأولى ١٣٩٩","vol":"1","page":102},{"text":"١١. التعاريف، لمجمد بن عبد الرؤوف المناوي،دار الفكر المعاصر، بيروت، دمشق، ط الأولى ١٤١٠\n١٢. تغليق التعليق، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار عمار، ط الأولى ١٤٠٥\n١٣. تفسير القرآن العظيم لاسماعيل بن عمر بن كثير، دار الفكر، بيروت ١٤٠١\n١٤. تفسير القرطبي، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار الشعب القاهرة\n١٥. تقريب التهذيب، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الرشيد، ط الثانية ١٤٠٨\n١٦. تلخيص الحبير، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني،المدينة المنورة،١٣٨٤\n١٧. التمهيد لابن عبد البر، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، وزارة عموم الأوقاف،المغرب١٣٨٧\n١٨. تهذيب التهذيب للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دائرة المعارف النظامية، حيدر أباد بالهند،١٣٢٥ط الأولى\n١٩. تهذيب الكمال، مؤسسة الرسالة، ط الأولى، بيروت، للمزي\n٢٠. تيسير الكريم الرحمن، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٢١\n٢١. جامع البيان في تفسير القرآن لمحمد بن جريرالطبري، دارالفكر، بيروت ١٤٠٥\n٢٢. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، لمحمد عرفة الدسوقي، دار إحياء الكتب العربية\n٢٣. حلية الأولياء،لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار الكتاب العربي بيروت ١٤٠٥\n٢٤. دموع الصالحين / لأبي الفداء محمد عزت عارف، ط الأولى، مركزفجر للطباعة، القاهرة ١٤٢٤\n٢٥. دموع القراء (بكاء السلف عند تلاوة القرآن وسماعه) لمحمد شومان بن أحمد الرملي، دار النفائس الأردن، ط الأولى ١٤٢٣\n٢٦. الرقة والبكاء، لابي بكرعبد الله بن محمد ابن ابي الدنيا، دار بن حزم ١٤١٩\n٢٧. الرقة والبكاء لموفق الدين عبد الله بن أحمد ابن قدامة، دار القلم، دمشق ط الأولى،١٤١٥\n٢٨. روضة الطالبين للنووي، بيروت، المكتب الإسلامي، ط الثانية ١٤٠٥","vol":"1","page":103},{"text":"٢٩. الزهد لابن المبارك، لعبد الله بن المبارك بن واضح المروزي، دار الكتب العلمية، بيروت\n٣٠. الزهد لابن حنبل، تأليف أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني، دار الريان للتراث، القاهرة، ط الثانية ١٤٠٨\n٣١. سنن ابن ماجة لمحمد بن يزيد أبو عبد الله القزويني دار الفكر، بيروت، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي\n٣٢. سنن أبي داوود لسليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي، دار الفكر،\n٣٣. سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى الترمذي، دار إحياء التراث، بيروت، تحقيق أحمد شاكر\n٣٤. السنن الكبرى لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي دار الباز، مكة، ١٤١٤\n٣٥. سنن الدارمي لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، دار الكتاب العربي، بيروت،١٤٠٧\n٣٦. السنن الكبرى للنسائي، دار الكتب العلمية، بيروت،١٤١١، \"الأولى\n٣٧. سنن النسائي الصغرى (المجتبى) لأحمد بن شعيب أبي عبد الرحمن النسائي، مكتب المطبوعات، حلب، ١٤٠٦\n٣٨. سنن الدارقطني، لعلي بن عمرأبي الحسن الدارقطني، دار المعرفة، بيروت ١٣٨٦\n٣٩. سنن سعيد بن منصور١، لسعيد بن منصور الخرساني، الدار السلفية، الهند،١٤٠٣\n٤٠. سنن سعيد بن منصور٢، دارالعصيمي، الرياض،١٤١٤،ط الأولى\n٤١. سير أعلام النبلاء، لمحمد بن أحمد بن قايماز الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط التاسعة ١٤١٣\n٤٢. شرح معني الآثار، لأحمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الطحاوي، دار الكتب العلمية، بيروت،١٣٩٩، ط الأولى\n٤٣. الشرح الكبير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن قدامة، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\n٤٤. شعب الإيمان لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت ط الأولى١٤١٠\n٤٥. الشمائل المحمدية، محمد بن عيسى الترمذي،مؤسسة الكتب العلمية، بيروت، الإولى ١٤١٢\n٤٦. صحيح ابن حبان لمحمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم البستي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٤، ط الثانية بتحقيق شعيب الأرنؤوط","vol":"1","page":104},{"text":"٤٧. صحيح ابن خزيمة لمحمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري، المكتب الإسلامي، بيروت،١٣٩٠، بتحقيق د. محمد الأعظمي\n٤٨. صحيح مسلم لمسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، دار إحياء التراث، بيروت، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي\n٤٩. صحيح البخاري لمحمد بن إسماعيل البخاري دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، ١٤٠٧، ط الثالثة\n٥٠. صحيح سنن الترمذي\n٥١. صفة الصفوة،لعبد الرحمنن بن علي بن محمد أبو الفرج بن الجوزي، دار المعرفة، بيروت، ط الثانية ١٣٩٩\n٥٢. صفة ضحك وبكاء النبي ﷺ ومزاحه مع أصحابه/ لأحمد مصطفى قاسم الطهطاوي، دار الفضيلة القاهرة\n٥٣. علل الترمذي، لأبي طالب القاضي، عالم الكتب، بيروت، ط الأولى ١٤٠٩\n٥٤. عمدة القاري، لبدر الدين محمود بن أحمد العيني، دار إحياء التراث، بيروت\n٥٥. فتح الباري،لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت\n٥٦. فقه اللغة وسر العربية للثعلبي\n٥٧. الفواكه الدواني، لأحمد بن غنيم بن سالم النفراوي المالكي،دار الفكر، بيروت ١٤١٥\n٥٨. الكاشف للذهبي، لحمد بن أحمد أبو عبد الله الذهبي الدمشقي، دار القبلة للثقافة، جدة، ط الأولى ١٤١٣\n٥٩. لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن منظور الأفريقي، دار صادر بيروت، ط الأولى\n٦٠. مجمع الزوائد، لعلي بن أبي بكر الهيثمي، دار الريان للتراث، القاهرة، بيروت،١٤٠٧\n٦١. المجموع، للنووي، دار الفكر، بيروت،١٣٩٧\n٦٢. مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر الرازي، مكتبة لبنان،١٤١٥\n٦٣. المسند للامام أحمد بن حنبل الشيباني، مؤسسة قرطبة، مصر\n٦٤. مسند ابي عوانة للإمام أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الاسفرائني، دار المعرفة، بيروت\n٦٥. مسند أبي يعلى لأبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، دار المأمون للتراث، دمشق، ١٤٠٤،ط الأولى","vol":"1","page":105},{"text":"٦٦. مسند اسحاق بن راهوية، لإسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهوية الحنظلي، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة،١٤١٢، ط الأولى، تحقيق د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي\n٦٧. مسند البزار، لأبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، مؤسسة علوم القرآن، بيروت،١٤٠٩، ط الأولى، بتحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله\n٦٨. مسند الربيع، للربيع بن حبيب بن عمر الأزدي البصري، دار الحكمة بيروت،ط الأولى ١٤١٥\n٦٩. مسند الشاشي، لأبي سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ١٤١٠، ط الأولى،، بتحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله\n٧٠. مسند الشافعي، محمد بن إدريس الشافعي، دار الكتب العلمية بيروت\n٧١. المسند المستخرج على صحيح مسلم، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق بن موسى بن مهران الهراني الأصبهاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٧،ط الأولى، بتحقيق محمد بن حسن الشافعي\n٧٢. مصباح الزجاجة،لأحمد بن أبي بكر بن إسماعيل الكناني، دار العربية، بيروت، ط الثانية ١٤٠٣\n٧٣. المصباح المنير، تأليف أحمد بن محمد الفيومي، المكتبة العلمية، بيروت\n٧٤. مصنف عبد الرزاق، لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠٣،ط الثانية\n٧٥. المصنف لابن أبي شيبة، لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، مكتبة الرشد، الرياض ١٤٠٩\n٧٦. المعجم الأوسط، لسليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، دار الحرمين، القاهرة، ١٤١٥\n٧٧. المعجم الصغير، لسليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، المكتب الإسلامي، بيروت ط الأولى ١٤٠٥\n٧٨. المعجم الكبير، لسليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ١٤٠٤، ط الثانية\n٧٩. معجم مقاييس اللغة لابن فارس\n٨٠. المغني لعبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، دار الفكر، بيروت، ط الأولى ١٤٠٥","vol":"1","page":106},{"text":"٨١. المنتقى لأبي محمد عبدبن علي بن الجارود النيسابوري، مؤسسة الكتاب، بيروت، ط الأولى، ١٤٠٨\n٨٢. المهذب، لإبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، دار الفكر، بيروت\n٨٣. الموطأ، للإمام مالك بن أنس الأصبحي، بتحقيق محمد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر\n٨٤. نصب الراية، لعبد الله بن يوسف أبو محمد الحنفي الزيلعي، دار الحديث، مصر، ١٣٥٧\n٨٥. النهاية في غريب الأثر، لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، المكتبة العلمية، بيروت، ١٣٩٩\n\nفهرس الموضوعات\nمقدمة ... ٣\nالسبب الباعث على اختيار الموضوع\nالتمهيد\nالكتب المؤلفة في الموضوع\nالباب الأول: البكاء الممدوح\nالبكاء عند قراءة القرآن\nالبكاء في الصلاة\nالبكاء من خشية الله\nالبكاء عند العجزعن تحصيل شيء من مراضي الله\nبكاء التوبة:\nبكاء استشعار مقام النبي ﷺ\nالباب الثاني: البكاء المذموم\nبكاء النياحة\nبكاء التصنع والكذب\nالباب الثالث: البكاء المباح\nبكاء الحزن\nأقوال العلماء في البكاء على الميت\nبكاء الألم\nبكاء الشوق\nبكاء الرحمة\nبكاء الموافقة\nبكاء العتب\nبكاء الفرح\nأنواع أخرى من البكاء\nبكاء الشياطين\nبكاء الجماد\nخاتمة\nالمصادر والمراجع\n\nفهرس الموضوعات\n\nالموضوع ... الصفحة\n\nمقدمة ... ٣\nالسبب الباعث على اختيار الموضوع ... ٥\nالتمهيد\nتعريف البكاء ... ٦\nالكتب المؤلفة في الموضوع ... ٨\nالباب الأول: البكاء الممدوح ... ١٠","vol":"1","page":107},{"text":"البكاء عند قراءة القرآن ... ١١\nالبكاء في الصلاة ... ١٧\nالبكاء من خشية الله ... ١٨\nالبكاء عند العجزعن تحصيل شيء من مراضي الله ... ٢٩\nبكاء التوبة: ... ٣٥\nبكاء استشعار مقام النبي ﷺ ... ٤٨\nالباب الثاني: البكاء المذموم ... ٥٣\nبكاء النياحة ... ٥٤\nبكاء التصنع والكذب ... ٥٨\nالباب الثالث: البكاء المباح ... ٥٩\nبكاء الحزن ... ٥٩\nأقوال العلماء في البكاء على الميت ... ٦٨\nبكاء الألم ... ٧٥\nبكاء الشوق ... ٧٧\nبكاء الرحمة ... ٧٨\nبكاء الموافقة ... ٨١\nبكاء العتب ... ٨٧\nبكاء الفرح ... ٨٩\nأنواع أخرى من البكاء ... ٩٠\nبكاء الشياطين ... ٩١\nبكاء الجماد ... ٩١\nخاتمة ... ٩٥\nالمصادر والمراجع ... ٩٦","vol":"1","page":108}]}