{"ً":{"ٌ":831,"ٍ":"تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: تفسير القرآن الكريم، سورة الفاتحة، البقرة، آل عمران، النساء\nالمؤلف: سليمان بن محمد اللهيميد\nعدد الأجزاء: ٦ (بأجزاء القرآن الكريم)\n[كتاب إلكتروني بترقيم الشاملة]","ْ":"","ٓ":"3.0","ٔ":552,"ٕ":3,"ٖ":1780758789,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6"],"ٚ":[{"title":"تفسير الاستعاذة والبسملة","level":1,"page":3},{"title":"(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)","level":2,"page":3},{"title":"مباحث","level":3,"page":4},{"title":"تشرع الاستعاذة في مواضع","level":4,"page":4},{"title":"منها: عند قراءة القرآن.","level":5,"page":4},{"title":"ومنها: عند حصول نزغ من الشيطان ووسوسة.","level":5,"page":4},{"title":"ومنها: عند ما يوسوس الشيطان للمسلم في معتقده بربه.","level":5,"page":4},{"title":"ومنها: عند ما يلبس الشيطان على الإنسان في صلاته.","level":5,"page":4},{"title":"ومنها: عند الغضب.","level":5,"page":4},{"title":"ومنها: عندما يرى الإنسان رؤيا يكرهها.","level":5,"page":5},{"title":"ومنها: عند نزول منزل.","level":5,"page":5},{"title":"ومنها: عند دخول الخلاء.","level":5,"page":5},{"title":"اختلف العلماء في حكم الاستعاذة في الصلاة وخارجها على قولين","level":4,"page":5},{"title":"القول الأول: أنها واجبة.","level":5,"page":5},{"title":"القول الثاني: أنها مستحبة قبل القراءة، سواء كان ذلك في الصلاة أو خارجها.","level":5,"page":5},{"title":"الحكمة من الاستعاذة قبل القراءة","level":4,"page":6},{"title":"الفوائد","level":3,"page":7},{"title":"تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم)","level":2,"page":8},{"title":"الفوائد","level":3,"page":11},{"title":"الأسباب التي تنال بها الرحمة","level":4,"page":12},{"title":"أولا: رحمة الناس.","level":5,"page":12},{"title":"ثانيا: الإحسان.","level":5,"page":12},{"title":"ثالثا: طاعة الرسول -ﷺ-.","level":5,"page":12},{"title":"رابعا: السماحة في البيع والشراء.","level":5,"page":12},{"title":"خامسا: عيادة المريض.","level":5,"page":12},{"title":"سادسا: قيام الليل وإيقاظ الأهل.","level":5,"page":12},{"title":"سابعا: الحلق في النسك.","level":5,"page":12},{"title":"ثامنا: مجالس الذكر.","level":5,"page":12},{"title":"تاسعا: الجلوس في المسجد.","level":5,"page":13},{"title":"عاشرا: سماع حديث الرسول وتبليغه.","level":5,"page":13},{"title":"الحادي عشر: الإنصات للقرآن.","level":5,"page":13},{"title":"تشرع التسمية (استحبابا أو وجوبا) في مواضع","level":4,"page":13},{"title":"منها: عند الوضوء.","level":5,"page":13},{"title":"ومنها: عند الركوب.","level":5,"page":13},{"title":"ومنها: عند الذبح والصيد.","level":5,"page":13},{"title":"ومنها: عند الأكل.","level":5,"page":14},{"title":"ومنها: عند دخول المنزل.","level":5,"page":14},{"title":"ومنها: عند الجماع.","level":5,"page":14},{"title":"ومنها: عند الخروج من البيت.","level":5,"page":14},{"title":"ومنها: في المساء والصباح.","level":5,"page":14},{"title":"ومنها: إذا عثر المرء أو عثرت دابته.","level":5,"page":15},{"title":"ومنها: عند وضع الميت في قبره.","level":5,"page":15},{"title":"وقد اختلف العلماء في البسملة في أول السور هل هي من السورة أم لا؟","level":4,"page":15},{"title":"القول الأول: هي آية من سورة الفاتحة، ومن كل سورة.","level":5,"page":15},{"title":"القول الثاني: ليست من الفاتحة ولا من أول سورة بل هي آية مستقلة نزلت للفصل بين السور.","level":5,"page":15},{"title":"تفسير سورة الفاتحة","level":1,"page":16},{"title":"مقدمة","level":2,"page":16},{"title":"أسماؤها","level":3,"page":16},{"title":"بعض أسماء سورة الفاتحة","level":3,"page":16},{"title":"الاسم الأول: فاتحة الكتاب.","level":4,"page":16},{"title":"الاسم الثاني: أم الكتاب، أم القرآن.","level":4,"page":16},{"title":"الاسم الثالث: السبع المثاني.","level":4,"page":16},{"title":"الاسم الرابع: القرآن العظيم.","level":4,"page":17},{"title":"الاسم الخامس: سورة الحمد","level":4,"page":17},{"title":"الاسم السادس: الصلاة.","level":4,"page":17},{"title":"عدد آياتها","level":3,"page":17},{"title":"ما ورد في فضلها","level":3,"page":17},{"title":"(الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين)","level":2,"page":18},{"title":"الحمد على كمال صفاته","level":3,"page":18},{"title":"الحمد على إنعامه","level":3,"page":18},{"title":"ومما يحمد الله عليه","level":3,"page":19},{"title":"(الرحمان الرحيم)","level":2,"page":23},{"title":"الفوائد","level":3,"page":24},{"title":"(إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)","level":2,"page":25},{"title":"يكون العبد محققا للعبودية بأمرين","level":3,"page":25},{"title":"الأول: متابعة الرسول -ﷺ-.","level":4,"page":25},{"title":"الثاني: الإخلاص لله ﵎.","level":4,"page":25},{"title":"وفي استعانة الله وحده فائدتان","level":3,"page":27},{"title":"فائدة ذكرها ابن القيم حيث قال","level":3,"page":30},{"title":"الفوائد","level":3,"page":33},{"title":"نماذج مشرقة في تطبيق العمل بالعلم","level":4,"page":35},{"title":"تفسير سورة البقرة","level":1,"page":39},{"title":"مقدمة","level":2,"page":39},{"title":"فضلها","level":3,"page":39},{"title":"أغراضها","level":3,"page":40},{"title":"(الم (١) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (٢»","level":2,"page":41},{"title":"وسمي القرآن كتابا","level":3,"page":42},{"title":"من أسماء القرآن","level":3,"page":43},{"title":"أولا: الفرقان.","level":4,"page":43},{"title":"ثانيا: القرآن.","level":4,"page":43},{"title":"ثالثا: الكتاب، كما في هذه الآية.","level":4,"page":43},{"title":"رابعا: الذكر.","level":4,"page":43},{"title":"والكتاب جاء في القرآن على وجوه","level":3,"page":43},{"title":"ووجه الجمع بينهما","level":4,"page":45},{"title":"قوله تعالى (هدى للمتقين) في الآية فضل التقوى، ومن فضائلها","level":3,"page":47},{"title":"مراتب التقوى","level":4,"page":49},{"title":"الفوائد","level":3,"page":50},{"title":"(الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (٣) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (٤) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (٥»","level":2,"page":51},{"title":"عظيم منزلتها","level":3,"page":52},{"title":"في الآية فضل الإنفاق في طاعة الله، ومن فضائله","level":3,"page":53},{"title":"أولا: أن الإنفاق استجابة لأمر ربنا تعالى.","level":4,"page":53},{"title":"ثانيا: مضاعفة الحسنات.","level":4,"page":53},{"title":"ثالثا: أن درجة البر تنال بالإنفاق.","level":4,"page":53},{"title":"رابعا: أنها من صفات المتقين.","level":4,"page":53},{"title":"خامسا: الأمان من الخوف يوم الفزع الأكبر.","level":4,"page":53},{"title":"سادسا: أن صاحب الإنفاق موعود بالخير الجزيل.","level":4,"page":53},{"title":"سابعا: أن الله يخلف الصدقة.","level":4,"page":53},{"title":"ثامنا: أن الإنفاق دليل على صحة الإيمان.","level":4,"page":53},{"title":"تاسعا: ينال دعاء الملائكة.","level":4,"page":53},{"title":"عاشرا: فضل من سبق بالإنفاق والجهاد.","level":4,"page":54},{"title":"الحادي عشر: أنها إرغام للشيطان وحسن ظن بالله.","level":4,"page":54},{"title":"الثاني عشر: لا حسد إلا لمن أنفق في وجوه الخير.","level":4,"page":54},{"title":"للإيمان باليوم الآخر ثمرات جليلة","level":3,"page":56},{"title":"فضل اليقين، ومن فضائله","level":3,"page":57},{"title":"أولا: سبب للإمامة.","level":4,"page":57},{"title":"ثانيا: وأهل اليقين هم أهل الانتفاع بالآيات.","level":4,"page":57},{"title":"ثالثا: خص الله أهل اليقين بالهدى والفلاح.","level":4,"page":57},{"title":"رابعا: سبب دخول أهل النار النار عدم يقينهم.","level":4,"page":57},{"title":"خامسا: صلاح هذه الأمة بالزهد واليقين.","level":4,"page":57},{"title":"سادسا: سبب لتهوين مصائب الدنيا.","level":4,"page":57},{"title":"الفوائد","level":3,"page":59},{"title":"وعلو الله ينقسم إلى ثلاثة أقسم","level":4,"page":60},{"title":"أما أدلة الكتاب والسنة فقد تنوعت دلالتهما بطرق كثيرة","level":4,"page":60},{"title":"(إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (٦) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (٧».","level":2,"page":64},{"title":"ينبغي إنذار الكفار وتحذيرهم من غضب الله إن لم يؤمنوا، وننذرهم لأمور","level":3,"page":65},{"title":"أولا: لأن الله أمر بذلك.","level":4,"page":65},{"title":"ثانيا: ننذرهم رجاء انتفاعهم.","level":4,"page":65},{"title":"ثالثا: تبرئة الذمة وقياما بالواجب.","level":4,"page":65},{"title":"الفوائد","level":3,"page":68},{"title":"(ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (٨) يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (٩) في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (١٠»","level":2,"page":69},{"title":"الفوائد","level":3,"page":72},{"title":"(وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (١١) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (١٢»","level":2,"page":74},{"title":"الفوائد","level":3,"page":75},{"title":"(وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (١٣»","level":2,"page":76},{"title":"الفوائد","level":3,"page":77},{"title":"(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون (١٤) الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (١٥»","level":2,"page":78},{"title":"الفوائد","level":3,"page":79},{"title":"(أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (١٦»","level":2,"page":80},{"title":"الفوائد","level":3,"page":81},{"title":"بعض ما يتعلق بالنفاق وخطره","level":4,"page":81},{"title":"أولا: النفاق الأكبر صاحبه كافر مخلد بالنار.","level":5,"page":81},{"title":"ثانيا: بعض صفات المنافقين","level":5,"page":82},{"title":"ثالثا: خطرهم.","level":5,"page":83},{"title":"رابعا: الواجب تجاه المنافقين","level":5,"page":86},{"title":"(مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (١٧) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (١٨»","level":2,"page":87},{"title":"الفوائد","level":3,"page":90},{"title":"(أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (١٩) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (٢٠»","level":2,"page":91},{"title":"الفوائد","level":3,"page":94},{"title":"(يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (٢١»","level":2,"page":95},{"title":"الفوائد","level":3,"page":98},{"title":"(الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (٢٢»","level":2,"page":99},{"title":"الفوائد","level":3,"page":103},{"title":"(وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (٢٣) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (٢٤»","level":2,"page":104},{"title":"وقد وصف الله نبيه بالعبودية في أعلى المقامات","level":3,"page":105},{"title":"وقد أمر الله باتقائها في آيات كثيرة","level":3,"page":107},{"title":"هناك أعمال تنجي من النار منها","level":3,"page":108},{"title":"أولا: الإيمان بالله.","level":4,"page":108},{"title":"ثانيا: الصيام.","level":4,"page":108},{"title":"ثالثا: البكاء من خشية الله.","level":4,"page":108},{"title":"رابعا: الاستجارة بالله من النار.","level":4,"page":108},{"title":"خامسا: المحافظة على صلاة الفجر والعصر.","level":4,"page":108},{"title":"سادسا: الجهاد.","level":4,"page":108},{"title":"سابعا: حسن الخلق.","level":4,"page":108},{"title":"ثامنا: عتق الرقاب.","level":4,"page":108},{"title":"تاسعا: الكلمة الطيبة.","level":4,"page":108},{"title":"وأما الحجارة فاختلف فيه","level":3,"page":109},{"title":"الفوائد","level":3,"page":110},{"title":"(وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (٢٥»","level":2,"page":111},{"title":"من صفات نساء الجنة","level":3,"page":115},{"title":"أولا: مطهرات.","level":4,"page":115},{"title":"ثانيا: كواعب أترابا.","level":4,"page":115},{"title":"ثالثا: أبكارا.","level":4,"page":115},{"title":"رابعا: جميلات غاية الجمال.","level":4,"page":116},{"title":"خامسا: قاصرات الطرف.","level":4,"page":117},{"title":"الفوائد","level":3,"page":119},{"title":"(إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (٢٦) الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (٢٧»","level":2,"page":120},{"title":"وقد ضرب الله الأمثال في كتابه بعدة أشياء","level":3,"page":121},{"title":"لفظ الضلال في القرآن يطلق على ثلاثة إطلاقات","level":3,"page":123},{"title":"واختلف في تفسير هذا العهد","level":3,"page":125},{"title":"الفوائد","level":3,"page":127},{"title":"(كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (٢٨»","level":2,"page":128},{"title":"الفوائد","level":3,"page":129},{"title":"(هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (٢٩»","level":2,"page":130},{"title":"الآثار المترتبة من علمنا بأن الله عليم بكل شيء","level":3,"page":133},{"title":"الفوائد","level":3,"page":134},{"title":"(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (٣٠»","level":2,"page":135},{"title":"الفوائد","level":3,"page":138},{"title":"(وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (٣١) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (٣٢) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (٣٣»","level":2,"page":140},{"title":"الفوائد","level":3,"page":143},{"title":"(وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافر (٣٤»","level":2,"page":144},{"title":"الفوائد","level":3,"page":148},{"title":"(وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (٣٥) فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (٣٦»","level":2,"page":149},{"title":"كيف وسوس إبليس لهما؟","level":3,"page":154},{"title":"الفوائد","level":3,"page":157},{"title":"(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (٣٧»","level":2,"page":158},{"title":"وتوبة الله على العبد نوعان","level":3,"page":159},{"title":"أثر الإيمان بهذا الاسم","level":3,"page":159},{"title":"والرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان","level":3,"page":160},{"title":"ورحمة الله تعالى لعباده نوعان","level":4,"page":160},{"title":"الأولى: رحمة عامة.","level":5,"page":160},{"title":"الثانية: رحمة خاصة.","level":5,"page":160},{"title":"الآثار المرتبة على معرفتنا بهذا الاسم","level":3,"page":161},{"title":"الأسباب التي تنال بها الرحمة","level":3,"page":162},{"title":"أولا: رحمة الناس.","level":4,"page":162},{"title":"ثانيا: الإحسان.","level":4,"page":162},{"title":"ثالثا: طاعة الرسول -ﷺ-.","level":4,"page":162},{"title":"رابعا: السماحة في البيع والشراء.","level":4,"page":162},{"title":"خامسا: عيادة المريض.","level":4,"page":162},{"title":"سادسا: قيام الليل وإيقاظ الأهل.","level":4,"page":162},{"title":"سابعا: الحلق في النسك.","level":4,"page":162},{"title":"ثامنا: مجالس الذكر.","level":4,"page":162},{"title":"تاسعا: الجلوس في المسجد.","level":4,"page":162},{"title":"عاشرا: سماع حديث الرسول وتبليغه.","level":4,"page":163},{"title":"الحادي عشر: الإنصات للقرآن.","level":4,"page":163},{"title":"الثاني عشر: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.","level":4,"page":163},{"title":"الثالث عشر: الاستغفار.","level":4,"page":163},{"title":"والحكمة من قرن توبته برحمته","level":3,"page":163},{"title":"الفوائد","level":3,"page":163},{"title":"(قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٣٨) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٣٩»","level":2,"page":164},{"title":"وآيات الله تنقسم إلى قسمين","level":3,"page":165},{"title":"الآيات الكونية القدرية","level":4,"page":165},{"title":"الآيات الشرعية الدينية","level":4,"page":165},{"title":"الفوائد","level":3,"page":167},{"title":"(يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون (٤٠) وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (٤١»","level":2,"page":168},{"title":"والخوف ثلاثة أنواع","level":3,"page":169},{"title":"قوله تعالى (مصدقا لما معكم) التصديق لما معهم له معنيان","level":3,"page":170},{"title":"الفوائد","level":3,"page":173},{"title":"(ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (٤٢) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (٤٣»","level":2,"page":174},{"title":"الفوائد","level":3,"page":175},{"title":"(أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (٤٤»","level":2,"page":176},{"title":"الفوائد","level":3,"page":179},{"title":"(واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون (٤٥»","level":2,"page":180},{"title":"وللصبر فضائل كثيرة","level":3,"page":181},{"title":"وللخشوع فضائل","level":3,"page":185},{"title":"الفوائد","level":3,"page":188},{"title":"(يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (٤٧»","level":2,"page":189},{"title":"الفوائد","level":3,"page":191},{"title":"(واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون (٤٨»","level":2,"page":192},{"title":"وأسباب النجاة من كرب يوم القيامة كثيرة","level":3,"page":192},{"title":"الفوائد","level":3,"page":195},{"title":"(وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (٤٩) وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (٥٠»","level":2,"page":196},{"title":"الفوائد","level":3,"page":199},{"title":"(وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (٥١) ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (٥٢) وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (٥٣»","level":2,"page":200},{"title":"كيف يتحقق الشكر؟","level":3,"page":202},{"title":"فضائل الشكر","level":3,"page":203},{"title":"الفوائد","level":3,"page":206},{"title":"(وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم (٥٤»","level":2,"page":207},{"title":"الفوائد","level":3,"page":209},{"title":"(وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون (٥٥) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (٥٦»","level":2,"page":210},{"title":"الفوائد","level":3,"page":211},{"title":"(وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (٥٧»","level":2,"page":212},{"title":"الفوائد","level":3,"page":215},{"title":"(وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (٥٨) فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (٥٩»","level":2,"page":216},{"title":"والحكمة من أمرهم بذلك","level":3,"page":217},{"title":"قال السعدي: والإحسان نوعان","level":3,"page":218},{"title":"فضائل الإحسان","level":3,"page":218},{"title":"الفوائد","level":3,"page":222},{"title":"(وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (٦٠»","level":2,"page":223},{"title":"وهذه العصا كان فيها أربع آيات","level":3,"page":224},{"title":"الفوائد","level":3,"page":225},{"title":"(وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (٦١»","level":2,"page":226},{"title":"الفوائد","level":3,"page":230},{"title":"(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)","level":2,"page":231},{"title":"الفوائد","level":3,"page":233},{"title":"(وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين)","level":2,"page":234},{"title":"ومما يؤدي ويحفز إلى النشاط في الطاعات ما يلي","level":3,"page":234},{"title":"الفوائد","level":3,"page":236},{"title":"(ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين. فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين)","level":2,"page":237},{"title":"المقصود من ذكر هذه القصة أمران","level":3,"page":237},{"title":"(فجعلناها) اختلف في مرجع الضمير على أقوال","level":3,"page":238},{"title":"الفوائد","level":3,"page":239},{"title":"(وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (٦٧) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون (٦٨) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين (٦٩) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنآ إن شاء الله لمهتدون (٧٠) قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (٧١) وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (٧٢) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون (٧٣»","level":2,"page":241},{"title":"والله تعالى قد ذكر في هذه السورة خمس قصص تدل على البعث","level":3,"page":246},{"title":"طرق إثبات البعث","level":3,"page":246},{"title":"الطريقة الأولى: آيات صريحة في إثبات ذلك","level":4,"page":246},{"title":"الطريقة الثانية: التذكير بنشأة الإنسان الأولى","level":4,"page":247},{"title":"الطريقة الثالثة: الاستدلال بإنبات النبات على إحياء الأموات","level":4,"page":247},{"title":"الطريقة الرابعة: الإشارة ولفت الانتباه إلى خلق السماوات","level":4,"page":247},{"title":"الطريقة الخامسة: تنزيه الله سبحانه عن العبث.","level":4,"page":248},{"title":"الطريقة السادسة: تنزيه الله عن الظلم","level":4,"page":248},{"title":"الطريقة السابعة: ذكر وقائع وأحداث يستدل بها على البعث.","level":4,"page":248},{"title":"الفوائد","level":3,"page":249},{"title":"(ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (٧٤»","level":2,"page":250},{"title":"أسباب قسوة القلب","level":3,"page":251},{"title":"أولا: نقض العهد مع الله.","level":4,"page":251},{"title":"الثاني: طول الأمل.","level":4,"page":251},{"title":"الثالث: كثرة الأكل، لا سيما إن كان من الشبهات أو الشهوات.","level":4,"page":251},{"title":"الرابع: كثرة الذنوب.","level":4,"page":251},{"title":"علامات رقة ولين القلب","level":3,"page":252},{"title":"أولا: الإكثار من ذكر الله.","level":4,"page":252},{"title":"ثانيا: العطف على المسكين.","level":4,"page":252},{"title":"ثالثا: زيارة المقابر.","level":4,"page":252},{"title":"رابعا: كثرة ذكر الموت.","level":4,"page":252},{"title":"خامسا: أكل الحلال.","level":4,"page":253},{"title":"سادسا: الدعاء بسلامة القلب.","level":4,"page":253},{"title":"الفوائد","level":3,"page":255},{"title":"(أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (٧٥) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون (٧٦) أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (٧٧»","level":2,"page":256},{"title":"الفوائد","level":3,"page":259},{"title":"(ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (٧٨) فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (٧٩»","level":2,"page":260},{"title":"(إلا أماني) اختلف العلماء في المراد بالأماني هنا على قولين","level":3,"page":260},{"title":"الفوائد","level":3,"page":263},{"title":"(وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (٨٠»","level":2,"page":264},{"title":"الفوائد","level":3,"page":265},{"title":"(بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٨١) والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (٨٢»","level":2,"page":266},{"title":"الفوائد","level":3,"page":267},{"title":"(وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (٨٣»","level":2,"page":268},{"title":"وأوصى تعالى بالوالدين إحسانا","level":3,"page":269},{"title":"كيفية الإحسان لهما: بالقول والفعل","level":3,"page":269},{"title":"نماذج من سلف الأمة","level":3,"page":270},{"title":"فقد أوصى الله باليتيم في آيات كثيرة","level":3,"page":271},{"title":"فضائل الكلمة الطيبة","level":3,"page":272},{"title":"الفوائد","level":3,"page":275},{"title":"(وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (٨٤) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (٨٥) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون (٨٦»","level":2,"page":276},{"title":"ويوم القيامة سمي بذلك","level":3,"page":278},{"title":"أولا: لقيام الناس من قبورهم.","level":4,"page":278},{"title":"ثانيا: لقيام الأشهاد.","level":4,"page":278},{"title":"ثالثا: لقيام الروح والملائكة.","level":4,"page":278},{"title":"الفوائد","level":3,"page":279},{"title":"(ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (٨٧»","level":2,"page":280},{"title":"الفوائد","level":3,"page":283},{"title":"(وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (٨٨»","level":2,"page":284},{"title":"(قلوبنا غلف) اختلف العلماء في معنى ذلك على قولين","level":3,"page":284},{"title":"(فقليلا ما يؤمنون) اختلف في معناها","level":3,"page":285},{"title":"الفوائد","level":3,"page":286},{"title":"(ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (٨٩) بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فبآؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (٩٠»","level":2,"page":287},{"title":"الفوائد","level":3,"page":290},{"title":"(وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بمآ أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين (٩١) ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (٩٢»","level":2,"page":291},{"title":"الفوائد","level":3,"page":293},{"title":"(وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين (٩٣»","level":2,"page":294},{"title":"الفوائد","level":3,"page":296},{"title":"(قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (٩٤) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (٩٥) ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (٩٦»","level":2,"page":297},{"title":"الفوائد","level":3,"page":300},{"title":"(قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (٩٧) من كان عدوا لله وملآئكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين (٩٨»","level":2,"page":301},{"title":"الفوائد","level":3,"page":304},{"title":"(ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون (٩٩»","level":2,"page":305},{"title":"الفوائد","level":3,"page":305},{"title":"(أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (١٠٠»","level":2,"page":306},{"title":"الفوائد","level":3,"page":307},{"title":"(ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (١٠١»","level":2,"page":308},{"title":"وتصديق من وجهين","level":3,"page":308},{"title":"وقد اختلف العلماء في المراد بكتاب الله هنا على قولين","level":3,"page":309},{"title":"قال الشوكاني: قوله تعالى (كتاب الله وراء ظهورهم)","level":3,"page":309},{"title":"الفوائد","level":3,"page":310},{"title":"(واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (١٠٢) ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (١٠٣»","level":2,"page":311},{"title":"فهم يتعلمون ما يضرهم ضررا محضا لا فائدة فيه بوجه من الوجوه وذلك لأمور","level":3,"page":315},{"title":"الفوائد","level":3,"page":318},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم (١٠٤»","level":2,"page":320},{"title":"الفوائد","level":3,"page":322},{"title":"(ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (١٠٥»","level":2,"page":323},{"title":"الفوائد","level":3,"page":325},{"title":"(ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير (١٠٦) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (١٠٧»","level":2,"page":326},{"title":"النسخ يأتي في لغة العرب بمعنيين","level":3,"page":326},{"title":"والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد فائدتين عظيمتين","level":3,"page":328},{"title":"الفوائد","level":3,"page":329},{"title":"فائدة: النسخ","level":4,"page":330},{"title":"تعريفه: لغة الإزالة والنقل.","level":4,"page":330},{"title":"النسخ جائز عقلا وواقع شرعا.","level":4,"page":330},{"title":"وأما وقوعه شرعا فلأدلة منها","level":4,"page":330},{"title":"الآراء في النسخ","level":4,"page":331},{"title":"النسخ باعتبار المنسوخ: فهو قسمان","level":4,"page":331},{"title":"النسخ في القرآن","level":4,"page":333},{"title":"أقسام النسخ باعتبار الناسخ","level":4,"page":334},{"title":"نسخ القرآن بالقرآن. أمثلة","level":5,"page":334},{"title":"نسخ السنة بالقرآن. مثال","level":5,"page":334},{"title":"نسخ القرآن بالسنة.","level":5,"page":334},{"title":"نسخ السنة بالسنة.","level":5,"page":335},{"title":"ما يمتنع نسخه","level":4,"page":335},{"title":"كيفية معرفة الناسخ والمنسوخ","level":4,"page":335},{"title":"شروط النسخ","level":4,"page":335},{"title":"(أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (١٠٨»","level":2,"page":336},{"title":"ويدخل في الآية صورا كثيرة","level":3,"page":336},{"title":"الفوائد","level":3,"page":338},{"title":"(ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير (١٠٩) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير (١١٠»","level":2,"page":339},{"title":"قال ابن القيم: الحسد ثلاث مراتب","level":3,"page":340},{"title":"مباحث الحسد","level":3,"page":341},{"title":"أولا: تعريف الحسد","level":4,"page":341},{"title":"ثانيا: خطر الحسد","level":4,"page":341},{"title":"أولا: أنه من صفات اليهود.","level":5,"page":341},{"title":"ثانيا: أنه من الإيذاء وتعد على المسلم.","level":5,"page":341},{"title":"ثالثا: أن النبي -ﷺ- نهى عنه.","level":5,"page":341},{"title":"رابعا: أنه اعتراض على قضاء الله وقدره.","level":5,"page":341},{"title":"فضل السلامة من الحسد","level":3,"page":342},{"title":"أولا: أن تركه من علامة كمال الإيمان.","level":4,"page":342},{"title":"ثانيا: أن الله أثنى على الأنصار بذلك.","level":4,"page":342},{"title":"من أقوال السلف في الحسد","level":3,"page":342},{"title":"الفوائد","level":3,"page":347},{"title":"(وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (١١١) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (١١٢»","level":2,"page":348},{"title":"ومن الدعاوى الكاذبة التي ادعوها","level":3,"page":348},{"title":"(إن كنتم صادقين) أي فيما تدعونه، ثم قال تعالى","level":3,"page":349},{"title":"الفوائد","level":3,"page":351},{"title":"(وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (١١٣»","level":2,"page":352},{"title":"الفوائد","level":3,"page":353},{"title":"(ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خآئفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (١١٤»","level":2,"page":354},{"title":"الفوائد","level":3,"page":356},{"title":"(ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (١١٥»","level":2,"page":357},{"title":"اختلف العلماء هل هذه الآية من آيات الصفات أم لا على قولين","level":3,"page":357},{"title":"وقد اختلف هؤلاء في معناها على أقوال","level":3,"page":358},{"title":"والله واسع العلم","level":3,"page":360},{"title":"والله واسع الرحمة","level":3,"page":360},{"title":"الفوائد","level":3,"page":360},{"title":"(وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون (١١٦) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (١١٧»","level":2,"page":361},{"title":"والله منزه عن الولد لأمور متعددة","level":3,"page":362},{"title":"الفوائد","level":3,"page":364},{"title":"(وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (١١٨»","level":2,"page":365},{"title":"(وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) اختلف العلماء في قائل هذا","level":3,"page":365},{"title":"الفوائد","level":3,"page":366},{"title":"(إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم (١١٩»","level":2,"page":367},{"title":"الفوائد","level":3,"page":368},{"title":"(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير (١٢٠»","level":2,"page":369},{"title":"الفوائد","level":3,"page":370},{"title":"(الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون (١٢١»","level":2,"page":371},{"title":"والتلاوة يراد بها ثلاث أمور","level":3,"page":372},{"title":"صور من التطبيق والعمل بالقرآن","level":3,"page":372},{"title":"(يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (١٢٢) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون (١٢٣»","level":2,"page":374},{"title":"(وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (١٢٤»","level":2,"page":375},{"title":"وثناء الله على شخص لفائدتين","level":3,"page":376},{"title":"وقال ابن الجوزي: وفي العهد هاهنا سبعة أقوال","level":3,"page":378},{"title":"صفات إبراهيم ﵇","level":3,"page":378},{"title":"الصفة الأولى: أمة.","level":4,"page":378},{"title":"الصفة الثانية: قانت.","level":4,"page":378},{"title":"الصفة الثالثة: حنيفا.","level":4,"page":378},{"title":"الصفة الرابعة: شاكر.","level":4,"page":379},{"title":"الصفة الخامسة: الحلم.","level":4,"page":379},{"title":"الصفة السادسة: أواه.","level":4,"page":379},{"title":"الصفة السابعة: السخاء.","level":4,"page":380},{"title":"الصفة الثامنة: الصبر.","level":4,"page":380},{"title":"الصفة التاسعة: شجاعته.","level":4,"page":380},{"title":"الصفة العاشرة: تحقيقه الكامل لعقيدة الولاء والبراء.","level":4,"page":380},{"title":"الصفة الحادية عشرة: سلامة القلب.","level":4,"page":381},{"title":"الفوائد","level":3,"page":381},{"title":"(إذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (١٢٥»","level":2,"page":382},{"title":"خصائص حرم مكة","level":3,"page":382},{"title":"أولا: يجب السفر إليها (شد الرحال إليه فرض).","level":4,"page":382},{"title":"ثانيا: قصده مكفرا للذنوب.","level":4,"page":382},{"title":"ثالثا: أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة.","level":4,"page":383},{"title":"رابعا: أن مكة أفضل البلاد.","level":4,"page":383},{"title":"خامسا: أنها قبلة أهل الأرض كلهم.","level":4,"page":383},{"title":"سادسا: أن المسجد الحرام أول مسجد وضع في الأرض.","level":4,"page":383},{"title":"سابعا: أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة.","level":4,"page":383},{"title":"وقد وردت نصوص كثيرة تدل على فضل تطهير المساجد","level":3,"page":387},{"title":"الفوائد","level":3,"page":387},{"title":"(وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير (١٢٦»","level":2,"page":389},{"title":"الفوائد","level":3,"page":392},{"title":"(وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (١٢٧) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينآ إنك أنت التواب الرحيم (١٢٨»","level":2,"page":393},{"title":"وسمع الله ينقسم إلى قسمين","level":3,"page":395},{"title":"آثار الإيمان بهذا الاسم","level":3,"page":395},{"title":"سؤال: لم خصا بعض الذرية بالدعاء؟","level":3,"page":397},{"title":"وتوبة الله على العبد نوعان","level":3,"page":398},{"title":"أثر الإيمان بهذا الاسم","level":3,"page":398},{"title":"من آثار رحمته","level":3,"page":398},{"title":"الفوائد","level":3,"page":399},{"title":"(ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم (١٢٩»","level":2,"page":400},{"title":"الآثار المترتبة على معرفة هذا الاسم","level":3,"page":403},{"title":"الفوائد","level":3,"page":404},{"title":"(ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (١٣٠) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (١٣١) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (١٣٢»","level":2,"page":405},{"title":"الموت على الإسلام مطلب لأهل الصلاح","level":3,"page":408},{"title":"الفوائد","level":3,"page":410},{"title":"(أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون (١٣٣) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (١٣٤»","level":2,"page":411},{"title":"الفوائد","level":3,"page":414},{"title":"(وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (١٣٥»","level":2,"page":415},{"title":"الفوائد","level":3,"page":415},{"title":"(قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (١٣٦) فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (١٣٧»","level":2,"page":416},{"title":"الفوائد","level":3,"page":418},{"title":"(صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (١٣٨»","level":2,"page":419},{"title":"الفوائد","level":3,"page":419},{"title":"(قل أتحآجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون (١٣٩) أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون (١٤٠) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (١٤١»","level":2,"page":420},{"title":"وللإخلاص فضائل","level":3,"page":421},{"title":"أولا: أنه سبب لمغفرة الذنوب.","level":4,"page":421},{"title":"ثانيا: أنه يصرف الفتنه عن القلب.","level":4,"page":421},{"title":"ثالثا: أنه به تكمل العبودية لله تعالى.","level":4,"page":421},{"title":"رابعا: أنه سبب لاستغناء القلب عن الناس.","level":4,"page":421},{"title":"خامسا: أنه سبب لمضاعفة الحسنات.","level":4,"page":421},{"title":"سادسا: أنه سبب لقبول الدعاء وتفريج الكرب.","level":4,"page":422},{"title":"سابعا: أنه سبب للنصر على الأعداء.","level":4,"page":422},{"title":"ثامنا: أنه ينجي العبد من النار يوم القيامة.","level":4,"page":422},{"title":"الفوائد","level":3,"page":423},{"title":"(سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (١٤٢»","level":2,"page":424},{"title":"الفوائد","level":3,"page":427},{"title":"(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم (١٤٣»","level":2,"page":428},{"title":"الفوائد","level":3,"page":433},{"title":"(قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (١٤٤»","level":2,"page":434},{"title":"الفوائد","level":3,"page":436},{"title":"(ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين (١٤٥»","level":2,"page":437},{"title":"الفوائد","level":3,"page":438},{"title":"(الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (١٤٦) الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (١٤٧»","level":2,"page":439},{"title":"الفوائد","level":3,"page":441},{"title":"(ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير (١٤٨»","level":2,"page":442},{"title":"ومن المسارعة إلى الخيرات التأسف على فواتها، ومن الأمثلة على ذلك","level":3,"page":444},{"title":"لماذا ينبغي أن نبادر ونسارع إلى الخيرات؟","level":3,"page":445},{"title":"أولا: استجابة لأمر الله ورسوله.","level":4,"page":445},{"title":"ثانيا: قبل حدوث الشواغل من فقر أو موت أو هرم","level":4,"page":445},{"title":"ثالثا: قبل الفتن المانعة من العمل.","level":4,"page":445},{"title":"من أقوال السلف","level":3,"page":445},{"title":"الفوائد","level":3,"page":446},{"title":"(ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون (١٤٩) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (١٥٠»","level":2,"page":447},{"title":"والخلاصة","level":3,"page":449},{"title":"فإن قيل: لماذا سميت حجة؟","level":3,"page":450},{"title":"والخشية أخص من الخوف، والفرق بينهما من وجوه","level":3,"page":451},{"title":"في الآية الأمر بخشية الله وخوفه، وللخوف من الله فضائل","level":3,"page":451},{"title":"من أقوال السلف","level":3,"page":453},{"title":"الفوائد","level":3,"page":454},{"title":"(كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (١٥١»","level":2,"page":455},{"title":"لأن آيات الله تنقسم إلى قسمين","level":3,"page":455},{"title":"من تزكية النفس غض البصر","level":3,"page":456},{"title":"الفوائد","level":3,"page":457},{"title":"(فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (١٥٢»","level":2,"page":458},{"title":"من أقوال السلف في ذكر الله تعالى","level":3,"page":460},{"title":"كيف يتحقق الشكر؟","level":3,"page":462},{"title":"أولا: سؤال الله ذلك.","level":4,"page":462},{"title":"ثانيا: أن يعلم الإنسان أن النعم إذا شكرت قرت وزادت","level":4,"page":462},{"title":"ثالثا: أن يعلم الإنسان أن الله سيسأله يوم القيامة عن شكر نعمه.","level":4,"page":462},{"title":"رابعا: أن ينظر إلى من هو دونه في أمور الدنيا، فإذا فعل ذلك استعظم ما أعطاه الله.","level":4,"page":462},{"title":"وشكر الله لعبده","level":3,"page":462},{"title":"فضائل الشكر","level":3,"page":463},{"title":"الفوائد","level":3,"page":464},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (١٥٣»","level":2,"page":465},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا) تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد","level":3,"page":465},{"title":"(ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (١٥٤»","level":2,"page":466},{"title":"قال الماوردي: قوله تعالى (بل أحياء) في الآية تأويلان","level":3,"page":466},{"title":"هذه الآية فيها دلالة واضحة على فضل الشهادة، وللشهادة فضائل كثيرة","level":3,"page":467},{"title":"الفوائد","level":3,"page":470},{"title":"(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (١٥٥) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (١٥٦) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (١٥٧»","level":2,"page":471},{"title":"وقد أخبر الله في آيات كثيرة أنه يبتلي عباده في هذه الدار الدنيا","level":3,"page":471},{"title":"وقد ذكر بعض العلماء فوائد الابتلاء","level":3,"page":471},{"title":"وقال ابن القيم","level":3,"page":473},{"title":"وقال ابن رجب: في فوائد البلاء","level":3,"page":474},{"title":"قال بعض السلف","level":3,"page":474},{"title":"وقال بعض العلماء","level":3,"page":474},{"title":"ثم بين من هم فقال","level":3,"page":474},{"title":"الفوائد","level":3,"page":476},{"title":"(إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (١٥٨»","level":2,"page":477},{"title":"الفوائد","level":3,"page":479},{"title":"(إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (١٥٩) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (١٦٠»","level":2,"page":480},{"title":"الفوائد","level":3,"page":483},{"title":"(إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملآئكة والناس أجمعين (١٦١) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (١٦٢»","level":2,"page":484},{"title":"استدل بهذه الآية من قال بجواز لعن الكافر، ولعن الكافر على أنواع","level":3,"page":484},{"title":"أولا: لعن الكفار جملة فهذا جائز","level":4,"page":484},{"title":"ثانيا: الكافر المعين، فهذا فيه خلاف","level":4,"page":484},{"title":"وأما العصاة لمسلمين","level":3,"page":485},{"title":"الفوائد","level":3,"page":486},{"title":"(وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (١٦٣»","level":2,"page":487},{"title":"وقد وردت أحاديث في فضل: لا إله إلا الله","level":3,"page":488},{"title":"فضائل كلمة التوحيد","level":3,"page":489},{"title":"لكن ما الفرق بينهما؟","level":3,"page":491},{"title":"وقد قسم العلماء - ﵏ - الرحمة إلى قسمين","level":3,"page":492},{"title":"الفوائد","level":3,"page":492},{"title":"(إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (١٦٤»","level":2,"page":493},{"title":"وهذا البرهان ذكره الله تعالى في عدة مواضع","level":3,"page":495},{"title":"وهذا البرهان ذكره الله تعالى في عدة مواضع","level":3,"page":496},{"title":"المراد بالسماء هنا العلو، وذلك أن السماء يطلق على معنيين","level":3,"page":496},{"title":"قال ابن القيم: الرب ﵎ يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين","level":3,"page":498},{"title":"قال ابن القيم مبينا من يعتبر بآيات الله الكونية والشرعية","level":3,"page":498},{"title":"وآيات الله تنقسم إلى قسمين","level":3,"page":499},{"title":"الفوائد","level":3,"page":499},{"title":"(ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب (١٦٥) إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب (١٦٦) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (١٦٧»","level":2,"page":500},{"title":"الظلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام","level":3,"page":501},{"title":"الفوائد","level":3,"page":504},{"title":"(يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (١٦٨) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (١٦٩»","level":2,"page":505},{"title":"فيجب الحذر من خطوات الشيطان لأنه عدو ظاهر مبين لنا","level":3,"page":506},{"title":"عقبات الشيطان","level":3,"page":507},{"title":"الفوائد","level":3,"page":509},{"title":"(وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (١٧٠) ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (١٧١»","level":2,"page":510},{"title":"فيه وجوب اتباع ما أنزل الله","level":3,"page":510},{"title":"(قالوا) في جواب ذلك","level":3,"page":510},{"title":"قال تعالى منكرا عليهم","level":3,"page":511},{"title":"الفوائد","level":3,"page":512},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون (١٧٢) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (١٧٣»","level":2,"page":513},{"title":"واختلف بالمراد بالطيب الذي أباحه الله","level":3,"page":513},{"title":"إن رزق الله للعبد يستلزم شكره","level":3,"page":513},{"title":"وقد ذكر الله تحريمه في عدة آيات","level":3,"page":514},{"title":"الحكمة من تحريمه","level":3,"page":514},{"title":"في هذه الآية جواز الأكل من الميتة عند الضرورة، وهنا مباحث","level":3,"page":515},{"title":"أولا: تعريف الضرورة لغة وشرعا","level":4,"page":515},{"title":"ثانيا: بيان حد الاضطرار الذي يبيح تناول المحرم","level":4,"page":515},{"title":"وقد اختلف العلماء في المراد بالباغي والعادي على قولين","level":3,"page":515},{"title":"واختلف في حكم الشبع على ثلاثة أقوال","level":3,"page":516},{"title":"الفوائد","level":3,"page":518},{"title":"(إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (١٧٤) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فمآ أصبرهم على النار (١٧٥) ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (١٧٦»","level":2,"page":519},{"title":"قال الشيخ ابن عثيمين: المنحرف عن الدين وعن نشر العلم ينحرف لأحد سببين","level":3,"page":519},{"title":"يوم القيامة، سمي بذلك","level":3,"page":520},{"title":"الفوائد","level":3,"page":521},{"title":"(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملآئكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (١٧٧»","level":2,"page":522},{"title":"(من آمن بالله) الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور","level":3,"page":522},{"title":"والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور","level":3,"page":523},{"title":"والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور","level":3,"page":523},{"title":"والإيمان بالرسل والأنبياء يتضمن أربعة أمور","level":3,"page":523},{"title":"الفوائد","level":3,"page":529},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (١٧٨»","level":2,"page":530},{"title":"تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد","level":3,"page":530},{"title":"والجواب عن ظاهر الآية","level":3,"page":531},{"title":"الفوائد","level":3,"page":534},{"title":"(ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (١٧٩»","level":2,"page":537},{"title":"الفوائد","level":3,"page":539},{"title":"(كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (١٨٠) فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم (١٨١) فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (١٨٢»","level":2,"page":540},{"title":"اختلف العلماء في هذه الآية التي تدل على وجوب الوصية، هل هي منسوخة أم لا؟","level":3,"page":541},{"title":"بعض أحكام الوصية","level":3,"page":543},{"title":"وسمع الله ينقسم إلى قسمين","level":3,"page":545},{"title":"الفوائد","level":3,"page":548},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (١٨٣) أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (١٨٤»","level":2,"page":549},{"title":"الصيام من أسباب تقوى الله ﷿، لماذا؟","level":3,"page":551},{"title":"الفوائد","level":3,"page":553},{"title":"(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (١٨٥»","level":2,"page":554},{"title":"وقد وصف الله القرآن بأوصاف منها","level":3,"page":555},{"title":"الفوائد","level":3,"page":556},{"title":"(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (١٨٦»","level":2,"page":557},{"title":"وقرب الله تعالى هل هو مختص بالمؤمنين أو يعم غيرهم؟","level":3,"page":557},{"title":"واعلم أن قربه تعالى نوعان","level":3,"page":558},{"title":"الفوائد","level":3,"page":559},{"title":"آداب الدعاء","level":4,"page":560},{"title":"أولا: أن لا يستعجل الإجابة","level":5,"page":560},{"title":"ثانيا: أن يرفع يديه","level":5,"page":560},{"title":"ثالثا: الإلحاح بالدعاء موقنا بالإجابة.","level":5,"page":560},{"title":"رابعا: أن يتحرى الأوقات الفاضلة","level":5,"page":560},{"title":"موانع إجابة الدعاء","level":4,"page":561},{"title":"أولا: أن يكون في كسب الرجل حرام","level":5,"page":561},{"title":"ثانيا: أن يكون الدعاء في إثم أو ظلم","level":5,"page":561},{"title":"ثالثا: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":5,"page":561},{"title":"رابعا: أن يعتدي في دعائه، كأن يرفع صوته، أو يحدث فيه بدعة","level":5,"page":561},{"title":"(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (١٨٧»","level":2,"page":562},{"title":"وفي الآية مشروعية الاعتكاف، ومن أدلة مشروعيته","level":3,"page":565},{"title":"مبطلات الاعتكاف؟","level":3,"page":566},{"title":"أولا: الجماع.","level":4,"page":566},{"title":"ثانيا: الخروج بجميع بدنه بلا عذر.","level":4,"page":566},{"title":"اختلف العلماء في ذلك على أقوال","level":3,"page":566},{"title":"القول الأول: أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة.","level":4,"page":566},{"title":"القول الثاني: لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجماعة.","level":4,"page":566},{"title":"القول الثالث: أنه في كل مسجد سواء تقام فيه الجماعة أم لا.","level":4,"page":567},{"title":"القول الرابع: أنه لا بد في مسجد جامع.","level":4,"page":567},{"title":"الفوائد","level":3,"page":569},{"title":"(ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (١٨٨»","level":2,"page":570},{"title":"الفوائد","level":3,"page":572},{"title":"(يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون (١٨٩»","level":2,"page":573},{"title":"سؤال: لم جمع الأهلة؟","level":3,"page":573},{"title":"الفوائد","level":3,"page":574},{"title":"(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (١٩٠»","level":2,"page":575},{"title":"الفوائد","level":3,"page":577},{"title":"١ - وجوب القتال في سبيل الله.","level":4,"page":577},{"title":"٢ - فضيلة الجهاد في سبيل الله.","level":4,"page":577},{"title":"٣ - الحكمة من الجهاد في سبيل الله","level":4,"page":577},{"title":"أولا: إعلاء كلمة الله.","level":5,"page":577},{"title":"ثانيا: تمحيص المؤمنين، ومحق الكافرين.","level":5,"page":577},{"title":"٤ - أن ترك الجهاد له عواقب","level":4,"page":577},{"title":"أولا: ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة.","level":5,"page":577},{"title":"ثانيا: ترك الجهاد سبب للذل والهوان.","level":5,"page":577},{"title":"(واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (١٩١) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (١٩٢) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (١٩٣»","level":2,"page":579},{"title":"الفوائد","level":3,"page":582},{"title":"(الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (١٩٤»","level":2,"page":584},{"title":"وقد جاءت آيات أخر تدل على العفو وترك الانتقام","level":3,"page":587},{"title":"الفوائد","level":3,"page":588},{"title":"(وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (١٩٥»","level":2,"page":589},{"title":"الفوائد","level":3,"page":592},{"title":"(وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب (١٩٦»","level":2,"page":593},{"title":"قال السعدي: يستدل بقوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة) على أمور","level":3,"page":594},{"title":"وحجة هذا القول متركبة من أمرين","level":3,"page":595},{"title":"فالذي يجب على المحصر","level":3,"page":596},{"title":"أولا: أن يذبح هدي.","level":4,"page":596},{"title":"ثانيا: الحلق أو التقصير.","level":4,"page":596},{"title":"وفي الآية أنه يجوز فعل المحظور للضرورة وفيه الفدية، ففاعل المحظور له ثلاث حالات","level":3,"page":598},{"title":"الفوائد","level":3,"page":602},{"title":"(الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب (١٩٧»","level":2,"page":604},{"title":"قال ابن الجوزي: وفي الفسوق ثلاثة أقوال","level":3,"page":605},{"title":"الفوائد","level":3,"page":608},{"title":"(ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضآلين (١٩٨) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (١٩٩»","level":2,"page":609},{"title":"سميت بذلك","level":3,"page":609},{"title":"الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم","level":3,"page":612},{"title":"الفوائد","level":3,"page":613},{"title":"(فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (٢٠٠) ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٢٠١) أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (٢٠٢»","level":2,"page":614},{"title":"(أولئك) فيه قولان","level":3,"page":615},{"title":"الفوائد","level":3,"page":616},{"title":"(واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (٢٠٣»","level":2,"page":617},{"title":"الفوائد","level":3,"page":618},{"title":"(ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (٢٠٤) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (٢٠٥) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (٢٠٦»","level":2,"page":619},{"title":"الفوائد","level":3,"page":623},{"title":"(ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد (٢٠٧»","level":2,"page":624},{"title":"الفوائد","level":3,"page":625},{"title":"(يآ أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (٢٠٨) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم (٢٠٩»","level":2,"page":626},{"title":"وقد حذرنا الله في آيات كثيرة عن اتباع خطواته","level":3,"page":627},{"title":"الفوائد","level":3,"page":627},{"title":"(هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملآئكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الامور (٢١٠»","level":2,"page":628},{"title":"الفوائد","level":3,"page":629},{"title":"(سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب (٢١١) زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (٢١٢»","level":2,"page":630},{"title":"ويوم القيامة سمي بذلك لأمور ثلاثة","level":3,"page":633},{"title":"الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا","level":3,"page":635},{"title":"الفوائد","level":3,"page":636},{"title":"(كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (٢١٣»","level":2,"page":637},{"title":"فيه أن مهمة الرسل والنبيين التبشير والإنذار، وإرسال الرسل له حكم","level":3,"page":638},{"title":"أولا: التبشير للمؤمن والإنذار للكافر.","level":4,"page":638},{"title":"ثانيا: رحمة للناس.","level":4,"page":638},{"title":"ثالثا: البلاغ المبين.","level":4,"page":638},{"title":"رابعا: الدعوة إلى الله.","level":4,"page":639},{"title":"خامسا: إقامة الحجة.","level":4,"page":639},{"title":"واختلف العلماء في الفرق بين الرسول والنبي","level":3,"page":639},{"title":"(ليحكم بين الناس) في الحاكم هاهنا ثلاثة أقوال","level":3,"page":640},{"title":"قال ابن الجوزي: وفي الذي اختلفوا فيه ستة أقوال","level":3,"page":642},{"title":"الفوائد","level":3,"page":643},{"title":"(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (٢١٤»","level":2,"page":644},{"title":"قال ابن القيم مبينا الحكمة مما أصاب النبي وأصحابه يوم أحد","level":3,"page":646},{"title":"الفوائد","level":3,"page":647},{"title":"(يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (٢١٥»","level":2,"page":648},{"title":"فقد أوصى الله باليتيم في آيات كثيرة","level":3,"page":649},{"title":"وحذر الله من أكل مال اليتامى","level":3,"page":649},{"title":"الفوائد","level":3,"page":650},{"title":"(كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (٢١٦»","level":2,"page":651},{"title":"قال ابن قدامة: ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع","level":3,"page":651},{"title":"الفوائد","level":3,"page":655},{"title":"(يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٢١٧»","level":2,"page":656},{"title":"وقد اختلف العلماء هل القتال في الأشهر الحرم منسوخ أم لا على قولين","level":3,"page":656},{"title":"الفوائد","level":3,"page":660},{"title":"(إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم (٢١٨»","level":2,"page":661},{"title":"الفوائد","level":3,"page":664},{"title":"(يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (٢١٩) في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم (٢٢٠»","level":2,"page":665},{"title":"وهذه الآية نزلت تمهيدا وتعريضا بتحريم الخمر، فإن الخمر نزل على مراحل حتى حرم بتاتا","level":3,"page":667},{"title":"وهذا من حكم نزول القرآن مفرقا، فمن هذه الحكم","level":3,"page":668},{"title":"الفوائد","level":3,"page":671},{"title":"(ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون (٢٢١»","level":2,"page":672},{"title":"الفوائد","level":3,"page":674},{"title":"(ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (٢٢٢) نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (٢٢٣»","level":2,"page":675},{"title":"فضائل التوبة","level":3,"page":677},{"title":"وقد جاءت أحاديث في ذلك يقوي بعضها بعضا","level":3,"page":679},{"title":"الفوائد","level":3,"page":680},{"title":"(ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم (٢٢٤»","level":2,"page":681},{"title":"الفوائد","level":3,"page":682},{"title":"(لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم (٢٢٥»","level":2,"page":683},{"title":"واليمين الغموس من الكبائر","level":3,"page":683},{"title":"اليمن المنعقدة، وهي التي تجب فيها الكفارة","level":3,"page":684},{"title":"تجب الكفارة بشروط","level":3,"page":684},{"title":"الشرط الأول: الحنث.","level":4,"page":684},{"title":"الشرط الثاني: أن يحلف مختارا.","level":4,"page":684},{"title":"الشرط الثالث: القصد.","level":4,"page":684},{"title":"الشرط الرابع: أن تكون على مستقبل.","level":4,"page":684},{"title":"الشرط الخامس: العقل.","level":4,"page":684},{"title":"الشرط السادس: البلوغ","level":4,"page":684},{"title":"الشرط السابع: ذاكرا.","level":4,"page":685},{"title":"الفوائد","level":3,"page":685},{"title":"(للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر فإن فآؤوا فإن الله غفور رحيم (٢٢٦) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (٢٢٧»","level":2,"page":686},{"title":"الفوائد","level":3,"page":688},{"title":"(والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم (٢٢٨»","level":2,"page":689},{"title":"قوله تعالى (والمطلقات. . . ثلاثة قروء) ظاهره يشمل عموم المطلقات، لكن هذا العموم مخصوص","level":3,"page":689},{"title":"الحكمة من العدة","level":4,"page":690},{"title":"قوله تعالى (ثلاثة قروء) اختلف العلماء في المراد بالقروء هنا على قولين","level":3,"page":690},{"title":"القول الأول: هو الحيض.","level":4,"page":690},{"title":"القول الثاني: هو الطهر.","level":4,"page":691},{"title":"الفوائد","level":3,"page":696},{"title":"(الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (٢٢٩) فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون (٢٣٠»","level":2,"page":697},{"title":"متى يشرع طلب الخلع؟","level":3,"page":700},{"title":"اختلف العلماء في حكم الخلع إذا كانت الحالة مستقيمة؟ وإذا قيل بالخلع هل يقع أم لا؟","level":3,"page":700},{"title":"القول الأول: أن الخلع مكروه أو محرم ولكنه يقع.","level":4,"page":700},{"title":"القول الثاني: أن الخلع في حال استقامة الحال محرم ولا يقع.","level":4,"page":700},{"title":"ويحرم بالنسبة للرجل إذا عضلها ظلما لتفتدي.","level":3,"page":701},{"title":"وحدود الله تنقسم إلى قسمين","level":3,"page":702},{"title":"الفوائد","level":3,"page":705},{"title":"(وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (٢٣١»","level":2,"page":706},{"title":"الفوائد","level":3,"page":708},{"title":"(وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (٢٣٢»","level":2,"page":709},{"title":"الفوائد","level":3,"page":710},{"title":"(والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير (٢٣٣»","level":2,"page":711},{"title":"سؤال: لم عطف التشاور على التراضي؟","level":3,"page":713},{"title":"الفوائد","level":3,"page":714},{"title":"(والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير (٢٣٤»","level":2,"page":715},{"title":"الحكمة من الإحداد","level":3,"page":716},{"title":"الفوائد","level":3,"page":717},{"title":"(ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (٢٣٥»","level":2,"page":718},{"title":"الفوائد","level":3,"page":719},{"title":"(لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (٢٣٦»","level":2,"page":720},{"title":"قال الرازي مبينا أقسام المطلقات","level":3,"page":720},{"title":"يلحظ في هذا أمران","level":3,"page":722},{"title":"سؤال: لم خص المحسنين بالذكر؟","level":3,"page":722},{"title":"الفوائد","level":3,"page":722},{"title":"(وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (٢٣٧»","level":2,"page":723},{"title":"في الآية الترغيب في العفو","level":3,"page":725},{"title":"الفوائد","level":3,"page":726},{"title":"(حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (٢٣٨) فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون (٢٣٩»","level":2,"page":727},{"title":"قال الماوردي: وفي تسميتها بالوسطى ثلاثة أوجه","level":3,"page":728},{"title":"أمور ينبغي المحافظة عليها","level":3,"page":729},{"title":"أولا: الصلاة.","level":4,"page":729},{"title":"ثانيا: حفظ الله.","level":4,"page":729},{"title":"ثالثا: الطهارة.","level":4,"page":729},{"title":"رابعا: الأيمان.","level":4,"page":729},{"title":"خامسا: اللسان والفرج","level":4,"page":729},{"title":"الفوائد","level":3,"page":730},{"title":"(والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم (٢٤٠) وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (٢٤١) كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون (٢٤٢»","level":2,"page":731},{"title":"وفي رفع الجناح وجهان","level":3,"page":732},{"title":"الفوائد","level":3,"page":734},{"title":"(ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (٢٤٣»","level":2,"page":735},{"title":"الفوائد","level":3,"page":738},{"title":"(وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (٢٤٤»","level":2,"page":739},{"title":"الفوائد","level":3,"page":739},{"title":"(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون (٢٤٥»","level":2,"page":740},{"title":"الفوائد","level":3,"page":742},{"title":"(ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (٢٤٦»","level":2,"page":743},{"title":"الفوائد","level":3,"page":743},{"title":"(وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (٢٤٧) وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملآئكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (٢٤٨»","level":2,"page":744},{"title":"الفوائد","level":3,"page":749},{"title":"(فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين (٢٤٩»","level":2,"page":750},{"title":"قال ابن الجوزي: وفي عدد القليل الذين لم يشربوا إلا غرفة قولان","level":3,"page":751},{"title":"وقد جاءت آيات في معنى هذه الآية","level":3,"page":752},{"title":"فلم يعبر معه إلا المطيع ويدل لذلك أمور","level":3,"page":752},{"title":"قال ابن الجوزي: واختلفوا في القائلين لهذا على ثلاثة أقوال","level":3,"page":753},{"title":"الفوائد","level":3,"page":754},{"title":"(ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (٢٥٠) فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين (٢٥١) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (٢٥٢»","level":2,"page":755},{"title":"الفوائد","level":3,"page":757},{"title":"(تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (٢٥٣»","level":2,"page":758},{"title":"الجمع من وجوه","level":3,"page":758},{"title":"الفوائد","level":3,"page":761},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (٢٥٤»","level":2,"page":762},{"title":"السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور","level":3,"page":763},{"title":"الفوائد","level":3,"page":764},{"title":"(الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم (٢٥٥»","level":2,"page":765},{"title":"لماذا هي أعظم آية؟","level":3,"page":765},{"title":"فضائل كلمة التوحيد","level":3,"page":767},{"title":"أولا: وهي كلمة الإخلاص","level":4,"page":767},{"title":"ثانيا: ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب","level":4,"page":767},{"title":"ثالثا: هي ثمن الجنة","level":4,"page":767},{"title":"رابعا: وهي نجاة من النار","level":4,"page":767},{"title":"خامسا: وهي أحسن الحسنات","level":4,"page":768},{"title":"سادسا: وهي: تجدد ما درس من الإيمان في القلب","level":4,"page":768},{"title":"سابعا: وهي التي لا يعدلها شيء في الوزن","level":4,"page":768},{"title":"ثامنا: وهي أفضل الذكر","level":4,"page":768},{"title":"تاسعا: ومن أعظم فضائلها","level":4,"page":768},{"title":"عاشرا: ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية","level":4,"page":768},{"title":"الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم","level":3,"page":770},{"title":"أولا: محبة الله تعالى وإجلاله.","level":4,"page":770},{"title":"ثانيا: التوكل الصادق على الله","level":4,"page":770},{"title":"ثالثا: الزهد في الدنيا الفانية وعدم الاغترار بها","level":4,"page":770},{"title":"آثار الإيمان المترتب على الإيمان بهذا","level":3,"page":771},{"title":"أولا: محبته سبحانه وحمده وإجلاله وتعظيمه","level":4,"page":771},{"title":"ثانيا: التبرؤ من الحول والقوة والافتقار التام لله","level":4,"page":771},{"title":"ثالثا: إخلاص الاستعانة والاستغاثة والاعتصام لله ﷿","level":4,"page":771},{"title":"رابعا: قال ابن القيم: وهو سبحانه (القيوم) المقيم لكل شيء من المخلوقات","level":4,"page":771},{"title":"خامسا: الخوف منه سبحانه ومراقبته","level":4,"page":771},{"title":"مباحث علم الله تعالى","level":3,"page":777},{"title":"الآثار المترتبة من علمنا بهذه الصفة","level":3,"page":779},{"title":"صلة هذه الجملة بما قبلها","level":3,"page":780},{"title":"(ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) قوله (من علمه) ذكر المفسرون قولان","level":3,"page":780},{"title":"أدلة الكتاب والسنة","level":4,"page":782},{"title":"من العقل","level":4,"page":784},{"title":"وأما الفطرة","level":4,"page":784},{"title":"وأما الإجماع","level":4,"page":784},{"title":"واعلم أن معاني التعظيم الثابتة لله وحده نوعان","level":4,"page":785},{"title":"الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا","level":4,"page":785},{"title":"الفوائد","level":3,"page":786},{"title":"(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (٢٥٦»","level":2,"page":788},{"title":"قال الماوردي: قوله تعالى (فمن يكفر بالطاغوت) فيه سبعة أقوال","level":3,"page":789},{"title":"وسمع الله ينقسم إلى قسمين","level":3,"page":792},{"title":"الفوائد","level":3,"page":792},{"title":"(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٢٥٧»","level":2,"page":793},{"title":"الفوائد","level":3,"page":796},{"title":"(ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين (٢٥٨»","level":2,"page":797},{"title":"الفوائد","level":3,"page":800},{"title":"(أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير (٢٥٩»","level":2,"page":801},{"title":"الفوائد","level":3,"page":803},{"title":"(وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (٢٦٠»","level":2,"page":804},{"title":"الفوائد","level":3,"page":807},{"title":"(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (٢٦١»","level":2,"page":808},{"title":"قوله (في سبيل الله) أضيف إلى الله لسببين","level":3,"page":808},{"title":"وللإنفاق فضائل عظيمة","level":3,"page":808},{"title":"أولا: أن الإنفاق استجابة لأمر ربنا تعالى.","level":4,"page":808},{"title":"ثانيا: مضاعفة الحسنات.","level":4,"page":808},{"title":"ثالثا: أن درجة البر تنال بالإنفاق.","level":4,"page":808},{"title":"رابعا: أنها من صفات المتقين.","level":4,"page":808},{"title":"خامسا: الأمان من الخوف يوم الفزع الأكبر.","level":4,"page":809},{"title":"سادسا: أن صاحب الإنفاق موعود بالخير الجزيل.","level":4,"page":809},{"title":"سابعا: أن الله يخلف الصدقة.","level":4,"page":809},{"title":"ثامنا: أن الإنفاق دليل على صحة الإيمان.","level":4,"page":809},{"title":"تاسعا: ينال دعاء الملائكة.","level":4,"page":809},{"title":"عاشرا: فضل من سبق بالإنفاق والجهاد.","level":4,"page":809},{"title":"الحادي عشر: أنها إرغام للشيطان وحسن ظن بالله.","level":4,"page":809},{"title":"الثاني عشر: لا حسد إلا لمن أنفق في وجوه الخير.","level":4,"page":809},{"title":"الفوائد","level":3,"page":810},{"title":"(الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٢٦٢) قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى والله غني حليم (٢٦٣»","level":2,"page":811},{"title":"الفوائد","level":3,"page":813},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (٢٦٤»","level":2,"page":814},{"title":"اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فصل رجع إلى ثلاثة أصول","level":3,"page":818},{"title":"من أقوال السلف","level":3,"page":818},{"title":"الفوائد","level":3,"page":820},{"title":"(ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير (٢٦٥»","level":2,"page":821},{"title":"الفوائد","level":3,"page":824},{"title":"(أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (٢٦٦»","level":2,"page":825},{"title":"الفوائد","level":3,"page":827},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد (٢٦٧»","level":2,"page":828},{"title":"الفوائد","level":3,"page":830},{"title":"(الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم (٢٦٨»","level":2,"page":831},{"title":"الشيطان يخوف بالفقر لأمور","level":3,"page":832},{"title":"الفوائد","level":3,"page":833},{"title":"(يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب (٢٦٩»","level":2,"page":834},{"title":"(يؤتي الحكمة من يشاء) اختلف في معنى الحكمة","level":3,"page":834},{"title":"في هذه الآية فضل الحكمة: ومن فضائلها","level":3,"page":835},{"title":"أولا: حيث امتن الله على لقمان بالحكمة.","level":4,"page":835},{"title":"ثانيا: أن الله أمر بالحكمة.","level":4,"page":835},{"title":"ثالثا: أن الله أثنى على صاحب الحكمة.","level":4,"page":835},{"title":"رابعا: أن الله نسب الحكمة إلى نفسه، وجعل إيتاءها من عنده.","level":4,"page":835},{"title":"رابعا: أن اسم (الحكيم) اسم من أسماء الله تعالى.","level":4,"page":835},{"title":"خامسا: أن من أعطي الحكمة فإنه يغبط.","level":4,"page":835},{"title":"وللحكمة أركان","level":3,"page":836},{"title":"أولا: العلم.","level":4,"page":836},{"title":"ثانيا: وهو ضبط النفس عند هيجان الغضب.","level":4,"page":836},{"title":"ثالثا: الأناة، وهي التثبت وعدم العجلة","level":4,"page":836},{"title":"الفوائد","level":3,"page":836},{"title":"(وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار (٢٧٠) إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (٢٧١»","level":2,"page":837},{"title":"قال ابن الجوزي: وإنما فضلت صدقة السر لمعنيين","level":3,"page":837},{"title":"الفوائد","level":3,"page":840},{"title":"(ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (٢٧٢»","level":2,"page":841},{"title":"الفوائد","level":3,"page":844},{"title":"(للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم (٢٧٣»","level":2,"page":845},{"title":"الفوائد","level":3,"page":847},{"title":"(الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٢٧٤»","level":2,"page":848},{"title":"الفوائد","level":3,"page":848},{"title":"(الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٢٧٥) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (٢٧٦»","level":2,"page":849},{"title":"الفوائد","level":3,"page":854},{"title":"(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٢٧٧»","level":2,"page":855},{"title":"الفوائد","level":3,"page":857},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (٢٧٨) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (٢٧٩»","level":2,"page":858},{"title":"الفوائد","level":3,"page":860},{"title":"(وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (٢٨٠»","level":2,"page":861},{"title":"فالمدين له حالات","level":3,"page":861},{"title":"الحالة الأولى: إذا كان المدين معسرا لا يستطيع ولا يملك السداد.","level":4,"page":861},{"title":"الحالة الثانية: أن يكون عنده ما يسدد به.","level":4,"page":861},{"title":"الفوائد","level":3,"page":862},{"title":"(واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (٢٨١»","level":2,"page":863},{"title":"الفوائد","level":3,"page":864},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (٢٨٢»","level":2,"page":865},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا) تقدم أن تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد","level":3,"page":865},{"title":"وهذا أحد المواضع الخمسة التي تكون فيها الأنثى على النصف من الذكر وهي","level":3,"page":867},{"title":"الفوائد","level":3,"page":870},{"title":"(وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم (٢٨٣»","level":2,"page":873},{"title":"الفوائد","level":3,"page":875},{"title":"(لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (٢٨٤»","level":2,"page":876},{"title":"وهذه الجملة تؤيد تفرده سبحانه بالألوهية، وذلك من جانبين","level":3,"page":877},{"title":"والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد","level":3,"page":877},{"title":"الفوائد","level":3,"page":879},{"title":"(آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملآئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير (٢٨٥) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (٢٨٦»","level":2,"page":880},{"title":"جاءت الأحاديث بفضل هاتين الآيتين","level":3,"page":880},{"title":"والإيمان بالله يتضمن عدة أمور","level":3,"page":881},{"title":"الأمر الأول: الإيمان بوجود الله دون شك ولا ريب.","level":4,"page":881},{"title":"الأمر الثاني: الإيمان بربوبية الله تعالى.","level":4,"page":881},{"title":"الأمر الثالث: الإيمان بألوهيته.","level":4,"page":882},{"title":"الأمر الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته.","level":4,"page":882},{"title":"والإيمان بهم يتضمن عدة أمور","level":3,"page":882},{"title":"(ورسله) الإيمان بالرسل يتضمن عدة أمور","level":3,"page":883},{"title":"الفوائد","level":3,"page":887},{"title":"تفسير سورة آل عمران","level":1,"page":888},{"title":"مقدمة","level":2,"page":889},{"title":"فضائلها","level":3,"page":889},{"title":"أغراض السورة","level":3,"page":889},{"title":"(ألم. الله لا إله إلا هو الحي القيوم).","level":2,"page":891},{"title":"الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا","level":3,"page":893},{"title":"فضائل كلمة التوحيد","level":3,"page":894},{"title":"أولا: وهي كلمة الإخلاص، وشهادة الحق ودعوة الحق، وبراءة من الشرك، ولأجلها خلق الخلق.","level":4,"page":894},{"title":"ثانيا: ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب","level":4,"page":894},{"title":"ثالثا: هي ثمن الجنة.","level":4,"page":894},{"title":"رابعا: وهي نجاة من النار.","level":4,"page":894},{"title":"خامسا: وهي أحسن الحسنات.","level":4,"page":894},{"title":"سادسا: وهي تجدد ما درس من الإيمان في القلب.","level":4,"page":894},{"title":"سابعا: وهي التي لا يعدلها شيء في الوزن، فلو وزنت السماء والأرض رجحت بهن.","level":4,"page":895},{"title":"ثامنا: وهي أفضل الذكر.","level":4,"page":895},{"title":"تاسعا: ومن أعظم فضائلها","level":4,"page":895},{"title":"عاشرا: ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.","level":4,"page":895},{"title":"الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم","level":3,"page":897},{"title":"أولا: محبة الله تعالى وإجلاله.","level":4,"page":897},{"title":"ثانيا: التوكل الصادق على الله، كما قال تعالى (وتوكل على الحي الذي لا يموت).","level":4,"page":897},{"title":"ثالثا: الزهد في الدنيا الفانية وعدم الاغترار بها، لأنه مهما أعطي العبد من العمر فلابد من الموت.","level":4,"page":897},{"title":"(نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (٣) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (٤»","level":2,"page":898},{"title":"(إن الذين كفروا بآيات الله) آيات الله تنقسم إلى قسمين","level":3,"page":901},{"title":"القسم الأول: آيات كونية: (وهي مما نشاهده مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها).","level":4,"page":901},{"title":"القسم الثاني: آيات شرعية (وهي الوحي المنزل).","level":4,"page":901},{"title":"الآثار المترتبة على معرفة هذا الاسم","level":3,"page":902},{"title":"الفوائد","level":3,"page":902},{"title":"(إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (٥) هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (٦»","level":2,"page":903},{"title":"الفوائد","level":3,"page":905},{"title":"(هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (٧»","level":2,"page":906},{"title":"الفوائد","level":3,"page":914},{"title":"(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (٨) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (٩»","level":2,"page":915},{"title":"الفوائد","level":3,"page":917},{"title":"(إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار (١٠) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب (١١»","level":2,"page":918},{"title":"الفوائد","level":3,"page":921},{"title":"(قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (١٢»","level":2,"page":922},{"title":"الفوائد","level":3,"page":923},{"title":"(قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (١٣»","level":2,"page":924},{"title":"الفوائد","level":3,"page":926},{"title":"(زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (١٤»","level":2,"page":927},{"title":"الفوائد","level":3,"page":941},{"title":"(قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد)","level":2,"page":942},{"title":"الفوائد","level":3,"page":946},{"title":"(الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار. الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار)","level":2,"page":947},{"title":"علامات الصادق","level":3,"page":952},{"title":"أولا: طمأنينة القلب واستقراره","level":4,"page":952},{"title":"ثانيا: الزهد في الدنيا والتأهب للقاء الله ﷿.","level":4,"page":952},{"title":"ثالثا: سلامة القلب.","level":4,"page":952},{"title":"رابعا: حفظ الوقت وتدارك العمر.","level":4,"page":952},{"title":"خامسا: الزهد في ثناء الناس ومدحهم بل وكراهة ذلك","level":4,"page":953},{"title":"سادسا: إخفاء الأعمال الصالحة وكراهة الظهور","level":4,"page":953},{"title":"سابعا: الشعور بالتقصير والانشغال بإصلاح النفس ونقدها أكثر من الآخرين.","level":4,"page":953},{"title":"ثامنا: الاهتمام بأمر هذا الدين والجهاد في سبيل الله ﷿.","level":4,"page":953},{"title":"فهم يستغفرون في هذا الوقت","level":3,"page":954},{"title":"أولا: لأنه وقت النزول الإلهي.","level":4,"page":954},{"title":"ثانيا: لأن المشروع للمسلم بعد العبادة أن يستغفر الله.","level":4,"page":954},{"title":"ثالثا: ولعل من الحكم: دفع العجب ورؤية النفس.","level":4,"page":955},{"title":"الفوائد","level":3,"page":955},{"title":"(شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (١٨»","level":2,"page":956},{"title":"الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم","level":3,"page":960},{"title":"الفوائد","level":3,"page":961},{"title":"(إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (١٩) فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد (٢٠»","level":2,"page":962},{"title":"الإسلام دين جميع الرسل","level":3,"page":962},{"title":"الإسلام في الكتاب والسنة له إطلاقان","level":3,"page":963},{"title":"الإطلاق الأول: الإسلام العام.","level":4,"page":963},{"title":"الإطلاق الثاني: الإسلام الخاص.","level":4,"page":963},{"title":"في الآية إثبات الحساب","level":3,"page":964},{"title":"وأجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة","level":3,"page":965},{"title":"أولا: الكفر والشرك.","level":4,"page":967},{"title":"ثانيا: ما عمله في الدنيا.","level":4,"page":967},{"title":"ثالثا: النعيم الذي يتمتع به.","level":4,"page":967},{"title":"رابعا: العهود والمواثيق.","level":4,"page":967},{"title":"خامسا: السمع والبصر والفؤاد.","level":4,"page":967},{"title":"قواعد عامة في الحساب","level":3,"page":968},{"title":"أولا: العدل التام في الحساب.","level":4,"page":968},{"title":"ثانيا: لا يؤاخذ أحد بجريرة أحد.","level":4,"page":968},{"title":"ثالثا: الله سريع الحساب.","level":4,"page":968},{"title":"الفوائد","level":3,"page":971},{"title":"(إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم. أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين)","level":2,"page":972},{"title":"الفوائد","level":3,"page":974},{"title":"(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (٢٣) ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (٢٤) فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (٢٥»","level":2,"page":975},{"title":"الفوائد","level":3,"page":978},{"title":"(قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (٢٦»","level":2,"page":979},{"title":"أسباب العزة","level":3,"page":980},{"title":"أولا: الإيمان.","level":4,"page":980},{"title":"ثانيا: الجهاد.","level":4,"page":981},{"title":"الفوائد","level":3,"page":983},{"title":"(تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (٢٧»","level":2,"page":984},{"title":"الفوائد","level":3,"page":985},{"title":"(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير (٢٨»","level":2,"page":986},{"title":"الفوائد","level":3,"page":990},{"title":"(قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير (٢٩»","level":2,"page":991},{"title":"الفوائد","level":3,"page":992},{"title":"(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد (٣٠»","level":2,"page":993},{"title":"الفوائد","level":3,"page":995},{"title":"(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (٣١»","level":2,"page":996},{"title":"الفوائد","level":3,"page":998},{"title":"(قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (٣٢»","level":2,"page":999},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1000},{"title":"(إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (٣٣) ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (٣٤»","level":2,"page":1001},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1003},{"title":"(إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم (٣٥) فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (٣٦) فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (٣٧»","level":2,"page":1004},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1011},{"title":"(هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (٣٨) فنادته الملآئكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (٣٩) قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء (٤٠) قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (٤١»","level":2,"page":1012},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1020},{"title":"(وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين (٤٢) يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (٤٣) ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (٤٤»","level":2,"page":1022},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1028},{"title":"(إذ قالت الملآئكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (٤٥) ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (٤٦) قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (٤٧) ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (٤٨) ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (٤٩) ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (٥٠) إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (٥١»","level":2,"page":1029},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1041},{"title":"(فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (٥٢) ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (٥٣) ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (٥٤»","level":2,"page":1042},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1044},{"title":"(إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (٥٥»","level":2,"page":1045},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1047},{"title":"(فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (٥٦) وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين (٥٧) ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (٥٨»","level":2,"page":1048},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1050},{"title":"(إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (٥٩) الحق من ربك فلا تكن من الممترين (٦٠»","level":2,"page":1051},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1052},{"title":"(فمن حآجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين (٦١) إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم (٦٢) فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (٦٣»","level":2,"page":1053},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1054},{"title":"(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (٦٤»","level":2,"page":1055},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1056},{"title":"(يا أهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (٦٥) هاأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (٦٦) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (٦٧) إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (٦٨»","level":2,"page":1057},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1061},{"title":"(ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون (٦٩) يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (٧٠) يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (٧١»","level":2,"page":1063},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1066},{"title":"(وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (٧٢) ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحآجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (٧٣) يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (٧٤»","level":2,"page":1067},{"title":"والله واسع المغفرة","level":3,"page":1070},{"title":"والله واسع العلم","level":3,"page":1071},{"title":"والله واسع الرحمة","level":3,"page":1071},{"title":"(والله ذو الفضل) أي: صاحب الفضل","level":3,"page":1071},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1071},{"title":"(ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (٧٥) بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (٧٦»","level":2,"page":1072},{"title":"ففي هذه الآية فضل عظيم للتقوى، وللتقوى فضائل","level":3,"page":1074},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1076},{"title":"(إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (٧٧»","level":2,"page":1077},{"title":"ويوم القيامة سمي بذلك","level":3,"page":1079},{"title":"أولا: لقيام الناس من قبورهم.","level":4,"page":1079},{"title":"ثانيا: لقيام الأشهاد.","level":4,"page":1079},{"title":"ثالثا: لقيام الروح والملائكة.","level":4,"page":1079},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1080},{"title":"(وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (٧٨»","level":2,"page":1081},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1082},{"title":"(ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون (٧٩) ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (٨٠»","level":2,"page":1083},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1085},{"title":"(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (٨١) فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (٨٢»","level":2,"page":1086},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1087},{"title":"(أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون (٨٣»","level":2,"page":1088},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1088},{"title":"(قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (٨٤) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (٨٥»","level":2,"page":1089},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1090},{"title":"(كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (٨٦) أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله والملآئكة والناس أجمعين (٨٧) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (٨٨) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (٨٩»","level":2,"page":1091},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1095},{"title":"(إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضآلون (٩٠) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ا","level":2,"page":1096},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1097},{"title":"(لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم (٩٢»","level":2,"page":1098},{"title":"أمثلة تطبيقية","level":3,"page":1098},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1099},{"title":"(كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (٩٣) فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (٩٤»","level":2,"page":1100},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1104},{"title":"(إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (٩٦) فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (٩٧»","level":2,"page":1105},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1108},{"title":"(قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (٩٨) قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون (٩٩»","level":2,"page":1109},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1110},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين (١٠٠) وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (١٠١»","level":2,"page":1112},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1114},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (١٠٢) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (١٠٣»","level":2,"page":1115},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1120},{"title":"(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (١٠٤»","level":2,"page":1121},{"title":"الأمة في القرآن تطلق على معان","level":3,"page":1122},{"title":"فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":3,"page":1123},{"title":"أولا: مهمة الرسل.","level":4,"page":1123},{"title":"ثانيا: من صفات المؤمنين.","level":4,"page":1123},{"title":"ثالثا: أن خيرية الأمة مناطة بهذه الشعيرة.","level":4,"page":1123},{"title":"رابعا: من أوصاف سيد المرسلين.","level":4,"page":1123},{"title":"خامسا: من خصال الصالحين.","level":4,"page":1123},{"title":"سادسا: من أسباب النصر والتمكين.","level":4,"page":1123},{"title":"سابعا: من أسباب النجاة.","level":4,"page":1124},{"title":"ثامنا: عظم فضل القيام به.","level":4,"page":1124},{"title":"تاسعا: من أسباب تكفير الذنوب.","level":4,"page":1124},{"title":"عاشرا: أنه طريق الفلاح.","level":4,"page":1124},{"title":"الحادي عشر: أنه رفع لراية الدين ودحر للمنافقين والكافرين.","level":4,"page":1124},{"title":"خطر ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.","level":3,"page":1125},{"title":"أولا: أن ذلك من صفات المنافقين.","level":4,"page":1125},{"title":"ثانيا: نزول البلاء والعذاب.","level":4,"page":1125},{"title":"ثالثا: عدم استجابة الدعاء.","level":4,"page":1125},{"title":"رابعا: اللعن والإبعاد من رحمة الله.","level":4,"page":1125},{"title":"خامسا: انتفاء خيرية الأمة.","level":4,"page":1125},{"title":"سادسا: الفساق والفجار والكفار، وتزيين المعاصي، وشيوع المنكر واستمراؤه.","level":4,"page":1125},{"title":"سابعا: ظهور الجهل، واندثار العلم، وتخبط الأمة في ظلم حالك لا فجر لها","level":4,"page":1125},{"title":"من أقوال السلف","level":3,"page":1126},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1126},{"title":"(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (١٠٥) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (١٠٦) وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون (١٠٧) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (١٠٨»","level":2,"page":1127},{"title":"وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكذب على الله","level":3,"page":1128},{"title":"وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك اكتساب السيئات","level":3,"page":1128},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1132},{"title":"(ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (١٠٩»","level":2,"page":1133},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1134},{"title":"(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (١١٠»","level":2,"page":1135},{"title":"فضائل هذه الأمة","level":3,"page":1136},{"title":"والأدلة على هذا كثيرة","level":3,"page":1138},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1138},{"title":"(لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (١١١»","level":2,"page":1139},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1140},{"title":"(ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وبآؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (١١٢»","level":2,"page":1141},{"title":"اختلف في المراد بالذل هنا على أقوال","level":3,"page":1141},{"title":"أسباب الذل","level":3,"page":1141},{"title":"أولا: استمراء المعاصي وتسويف التوبة","level":4,"page":1141},{"title":"ثانيا: الإشراك بالله تعالى والابتداع في الدين.","level":4,"page":1142},{"title":"ثالثا: محاربة الله ورسوله ومخالفة أمرهما.","level":4,"page":1142},{"title":"رابعا: الكبر والأنفة عن قبول الحق.","level":4,"page":1142},{"title":"خامسا: اتباع الهوى.","level":4,"page":1143},{"title":"سادسا: ترك الجهاد وحب الدنيا وكراهية الموت.","level":4,"page":1143},{"title":"سابعا: البخل وشيوع الربا وأكل أموال الناس بالباطل.","level":4,"page":1144},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1145},{"title":"(ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (١١٣) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخ","level":2,"page":1146},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1148},{"title":"(إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (١١٦»","level":2,"page":1149},{"title":"وقد ذكر الله تأبيده في ثلاث آيات من القرآن الكريم","level":3,"page":1151},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1151},{"title":"(مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (١١٧»","level":2,"page":1152},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1153},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (١١٨) هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور (١١٩) إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (١٢٠»","level":2,"page":1154},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1161},{"title":"(وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (١٢١) إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون (١٢٢»","level":2,"page":1162},{"title":"وللتوكل فضائل","level":3,"page":1163},{"title":"أولا: أهل التوكل هم أهل محبة الله ﷿.","level":4,"page":1163},{"title":"ثانيا: التوكل من شيم أنبياء الله ورسله وأوليائه.","level":4,"page":1163},{"title":"ثالثا: أهل التوكل هم أهل الإيمان.","level":4,"page":1164},{"title":"رابعا: أهل التوكل هم أهل الجنة.","level":4,"page":1164},{"title":"خامسا: التوكل على الله مجلبة للرزق.","level":4,"page":1164},{"title":"سادسا: المتوكلون ليس عليهم للشيطان سبيل.","level":4,"page":1164},{"title":"سابعا: المتوكلون الله حسبهم وكافيهم.","level":4,"page":1164},{"title":"ثامنا: أهل التوكل على الله هم أهل العزة والاستعلاء.","level":4,"page":1165},{"title":"تاسعا: لا توكل بدون إيمان.","level":4,"page":1165},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1166},{"title":"(إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملآئكة منزلين (١٢٤) بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من المل","level":2,"page":1169},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1173},{"title":"(ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خآئبين (١٢٧) ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (١٢٨»","level":2,"page":1174},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1176},{"title":"(ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم (١٢٩»","level":2,"page":1177},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1179},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (١٣٠»","level":2,"page":1180},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1181},{"title":"(واتقوا النار التي أعدت للكافرين (١٣١»","level":2,"page":1182},{"title":"هناك أعمال تنجي من النار منها","level":3,"page":1183},{"title":"أولا: الإيمان بالله.","level":4,"page":1183},{"title":"ثانيا: الصيام.","level":4,"page":1183},{"title":"ثالثا: البكاء من خشية الله.","level":4,"page":1183},{"title":"رابعا: الاستجارة بالله من النار.","level":4,"page":1183},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1184},{"title":"(وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (١٣٢»","level":2,"page":1185},{"title":"فضائل طاعة الله ورسوله","level":3,"page":1185},{"title":"أولا: سبب للرحمة.","level":4,"page":1185},{"title":"ثانيا: مع الذين أنعم الله عليهم.","level":4,"page":1185},{"title":"ثالثا: سبب للحياة الحقيقية.","level":4,"page":1185},{"title":"رابعا: سبب للهداية.","level":4,"page":1185},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1185},{"title":"(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (١٣٣) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (١٣٤»","level":2,"page":1186},{"title":"معنى المسارعة إلى الخيرات","level":3,"page":1187},{"title":"فضائل المسارعة إلى الخيرات","level":3,"page":1187},{"title":"أولا: أنها استجابة لله ورسوله.","level":4,"page":1187},{"title":"ثانيا: أن الله مدح المسارعين بالخيرات وبين أن عاقبتهم الفلاح في الدنيا والنعيم الذي لا يزول في الآخرة.","level":4,"page":1188},{"title":"ثالثا: أن المسارعة في الخيرات من أسباب استجابة الدعاء.","level":4,"page":1188},{"title":"رابعا: أن المسارعة في الخيرات من صفات الموحدين الذين هم من خشية ربهم مشفقون.","level":4,"page":1188},{"title":"خامسا: أنها دليل على علو الهمة.","level":4,"page":1188},{"title":"سادسا: الدخول إلى الجنة","level":4,"page":1189},{"title":"ومن المسارعة إلى الخيرات التأسف على فواتها، ومن الأمثلة على ذلك","level":3,"page":1190},{"title":"لماذا ينبغي نبادر ونسارع إلى الخيرات؟","level":3,"page":1190},{"title":"أولا: استجابة لأمر الله ورسوله.","level":4,"page":1190},{"title":"ثانيا: قبل حدوث الشواغل من فقر أو موت أو هرم","level":4,"page":1190},{"title":"ثالثا: قبل الفتن المانعة من العمل.","level":4,"page":1191},{"title":"من أقوال السلف","level":3,"page":1191},{"title":"أسباب كظم الغيظ","level":3,"page":1194},{"title":"أولا: معرفة الفضل العظيم لمن كظم غيظه.","level":4,"page":1194},{"title":"أ- الفوز بمحبة الله.","level":5,"page":1194},{"title":"ب-ترك الغضب سبب لدخول الجنة.","level":5,"page":1194},{"title":"ج-المباهاة به على رؤوس الخلائق.","level":5,"page":1194},{"title":"د- زيادة الإيمان.","level":5,"page":1194},{"title":"ثانيا: الاستعاذة بالله من الشيطان.","level":4,"page":1195},{"title":"ثالثا: تغيير الحال.","level":4,"page":1195},{"title":"رابعا: ترك المخاصمة والسكوت.","level":4,"page":1195},{"title":"خامسا: الوضوء.","level":4,"page":1196},{"title":"سادسا: الإكثار من ذكر الله.","level":4,"page":1196},{"title":"سابعا: العمل بوصية رسول الله -ﷺ-.","level":4,"page":1196},{"title":"ثامنا: أن تعلم أن القوة في كظم الغيظ ورده.","level":4,"page":1197},{"title":"من أقوال السلف في الغضب","level":3,"page":1198},{"title":"ثمرات العفو","level":3,"page":1199},{"title":"أولا: أن فيه استجابة لأمر الله تعالى وطاعة لله ورسوله.","level":4,"page":1199},{"title":"ثانيا: وهو يورث العز في الدنيا والآخرة.","level":4,"page":1199},{"title":"ثالثا: وهو يورث محبة الله ﷿.","level":4,"page":1199},{"title":"رابعا: يجلب الأجر الجزيل من الله تعالى.","level":4,"page":1199},{"title":"خامسا: يوجب عفو الله عن العبد يوم القيامة.","level":4,"page":1199},{"title":"سادسا: وهو من صفات الرسول -ﷺ-.","level":4,"page":1200},{"title":"سابعا: سبب لمغفرة الذنوب.","level":4,"page":1200},{"title":"ثامنا: من صفات المتقين.","level":4,"page":1200},{"title":"من أقوال السلف","level":3,"page":1200},{"title":"فضائل الإحسان","level":3,"page":1204},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1206},{"title":"(والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (١٣٥) أولئك جزآؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين (١٣٦»","level":2,"page":1207},{"title":"وللاستغفار فوائد","level":3,"page":1209},{"title":"أولا: تكفير السيئات ورفع الدرجات.","level":4,"page":1209},{"title":"ثانيا: سبب لسعة الرزق والإمداد بالمال والبنين.","level":4,"page":1209},{"title":"ثالثا: سبب لحصول القوة في البدن.","level":4,"page":1209},{"title":"رابعا: سبب لدفع المصائب ورفع البلايا.","level":4,"page":1209},{"title":"خامسا: سبب لبياض القلب.","level":4,"page":1209},{"title":"من أقوال السلف","level":3,"page":1210},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1213},{"title":"(قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (١٣٧) هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (١٣٨»","level":2,"page":1214},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1218},{"title":"(ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (١٣٩»","level":2,"page":1219},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1219},{"title":"(إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (١٤٠) وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (١٤١»","level":2,"page":1220},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1225},{"title":"(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (١٤٢»","level":2,"page":1226},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1227},{"title":"(ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون (١٤٣»","level":2,"page":1228},{"title":"(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (١٤٤»","level":2,"page":1230},{"title":"فضائل الشكر","level":3,"page":1231},{"title":"أولا: الله أمر به.","level":4,"page":1231},{"title":"ثانيا: التوبيخ على عدم الشكر.","level":4,"page":1231},{"title":"ثالثا: الثناء على الشاكرين وأنه سبل الرسل.","level":4,"page":1231},{"title":"رابعا: الشكر نفع للشاكر نفسه.","level":4,"page":1231},{"title":"خامسا: أن الشكر إذا صدر من المؤمنين فهو مانع من نزول العذاب.","level":4,"page":1231},{"title":"سادسا: أن الشكر سبب لزيادة النعم.","level":4,"page":1231},{"title":"سابعا: أن الصفوة من عباد الله يسألون الله أن يوزعهم شكر نعمته.","level":4,"page":1231},{"title":"ثامنا: أن الشاكرين قليلون.","level":4,"page":1232},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1232},{"title":"(وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (١٤٥»","level":2,"page":1233},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1236},{"title":"(وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (١٤٦»","level":2,"page":1237},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1241},{"title":"(وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (١٤٧) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (١٤٨»","level":2,"page":1242},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1244},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (١٤٩) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (١٥٠»","level":2,"page":1245},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1247},{"title":"(سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (١٥١»","level":2,"page":1248},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1249},{"title":"(ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (١٥٢»","level":2,"page":1250},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1252},{"title":"(إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (١٥٣»","level":2,"page":1253},{"title":"والقول الأول أظهر لوجوه","level":3,"page":1255},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1255},{"title":"(ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طآئفة منكم وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (١٥٤»","level":2,"page":1256},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1262},{"title":"(إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (١٥٥»","level":2,"page":1263},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1263},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (١٥٦»","level":2,"page":1264},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1264},{"title":"(ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون (١٥٧) ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (١٥٨»","level":2,"page":1265},{"title":"ومما يدل على حقارة الدنيا","level":3,"page":1266},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1266},{"title":"(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (١٥٩»","level":2,"page":1267},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1268},{"title":"(إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (١٦٠»","level":2,"page":1269},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1269},{"title":"(وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (١٦١»","level":2,"page":1270},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1272},{"title":"(أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (١٦٢) هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (١٦٣»","level":2,"page":1273},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1273},{"title":"(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (١٦٤»","level":2,"page":1274},{"title":"فيه أن مهمة الرسل والنبيين التبشير والإنذار، وإرسال الرسل له حكم","level":3,"page":1275},{"title":"أولا: التبشير للمؤمن والإنذار للكافر.","level":4,"page":1275},{"title":"ثانيا: رحمة للناس.","level":4,"page":1275},{"title":"ثالثا: البلاغ المبين.","level":4,"page":1275},{"title":"رابعا: الدعوة إلى الله.","level":4,"page":1276},{"title":"خامسا: إقامة الحجة.","level":4,"page":1276},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1276},{"title":"(أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (١٦٥»","level":2,"page":1277},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1278},{"title":"(وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (١٦٦) وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (١٦٧) الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (١٦٨»","level":2,"page":1279},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1280},{"title":"(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (١٦٩) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (١٧٠) يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (١٧١»","level":2,"page":1281},{"title":"هذه الآية فيها دلالة واضحة على فضل الشهادة، وللشهادة فضائل كثيرة","level":3,"page":1283},{"title":"أولا: من أسباب دخول الجنة.","level":4,"page":1283},{"title":"ثانيا: الحياة بعد الاستشهاد مباشرة.","level":4,"page":1283},{"title":"ثالثا: مغفرة الذنوب وتكفير السيئات.","level":4,"page":1284},{"title":"رابعا: تمني الرجوع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى بل عشر مرات.","level":4,"page":1284},{"title":"خامسا: الشهيد في الفردوس الأعلى.","level":4,"page":1284},{"title":"سادسا: الملائكة تظل الشهيد بأجنحتها.","level":4,"page":1284},{"title":"سابعا: الشهداء لا يفتنون في قبورهم","level":4,"page":1285},{"title":"ثامنا: الشهيد لا يشعر بألم القتل.","level":4,"page":1285},{"title":"تاسعا: دم الشهيد أحب شيء إلى الله.","level":4,"page":1285},{"title":"عاشرا: الشهيد يشفع في أهل بيته.","level":4,"page":1285},{"title":"الحادي عشر: لا يشترط للشهيد أعمال صالحة قبل الشهادة.","level":4,"page":1286},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1286},{"title":"(الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (١٧٢»","level":2,"page":1287},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1288},{"title":"(الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (١٧٣) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا ر","level":2,"page":1289},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1293},{"title":"(إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (١٧٥»","level":2,"page":1294},{"title":"في الآية فضل الخوف من الله، وللخوف من الله فضائل","level":3,"page":1295},{"title":"أولا: أنه من علامات الإيمان.","level":4,"page":1295},{"title":"ثانيا: مدح الله أنبياءه بالخوف منه.","level":4,"page":1295},{"title":"ثالثا: الخوف من الله يجعل الإنسان في ظل العرش يوم القيامة.","level":4,"page":1295},{"title":"رابعا: من صفات الرجال العظماء.","level":4,"page":1295},{"title":"خامسا: من صفات الأبرار خوفهم من عدم القبول.","level":4,"page":1296},{"title":"سادسا: وعد الله الخائفين الجنة.","level":4,"page":1296},{"title":"سابعا: أنه من صفات نبينا محمد -ﷺ- وأصحابه.","level":4,"page":1296},{"title":"ثامنا: من أسباب النجاة من النار.","level":4,"page":1296},{"title":"تاسعا: الخوف سبب للبعد عن المعاصي","level":4,"page":1296},{"title":"عاشرا: سبب في إخلاص العمل لله.","level":4,"page":1297},{"title":"الحادي عشر: سبب لعلو الهمة في العبادة.","level":4,"page":1297},{"title":"الثاني عشر: الخوف يجعل العبد سائرا على طريق الهداية.","level":4,"page":1297},{"title":"الثالث عشر: الخوف يضفي المهابة على صاحبه","level":4,"page":1297},{"title":"الرابع عشر: الخوف من أسباب قبول الدعاء","level":4,"page":1297},{"title":"الخامس عشر: الخوف من أسباب الانتفاع بكلام الله تعالى.","level":4,"page":1297},{"title":"من أقوال السلف","level":3,"page":1297},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1298},{"title":"(ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (١٧٦»","level":2,"page":1299},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1301},{"title":"(إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (١٧٧»","level":2,"page":1302},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1302},{"title":"(ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين (١٧٨»","level":2,"page":1303},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1304},{"title":"(ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (١٧٩»","level":2,"page":1305},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1305},{"title":"(ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير (١٨٠»","level":2,"page":1306},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1309},{"title":"(لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (١٨١) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (١٨٢»","level":2,"page":1310},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1312},{"title":"(الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين (١٨٣»","level":2,"page":1313},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1314},{"title":"(فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جآؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير (١٨٤»","level":2,"page":1315},{"title":"ذكر تعالى في هذه الآيات سبع أمم كل واحدة منهم كذبت رسولها.","level":3,"page":1316},{"title":"الأولى: قوم نوح.","level":4,"page":1316},{"title":"الثانية: عاد.","level":4,"page":1316},{"title":"الثالثة: ثمود.","level":4,"page":1316},{"title":"الرابعة: قوم إبراهيم.","level":4,"page":1317},{"title":"الخامسة: قوم لوط.","level":4,"page":1317},{"title":"السادسة: أصحاب مدين.","level":4,"page":1317},{"title":"السابعة: من كذبوا موسى وهم فرعون وقومه","level":4,"page":1318},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1318},{"title":"(كل نفس ذآئقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (١٨٥»","level":2,"page":1319},{"title":"من أقوال السلف","level":3,"page":1328},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1328},{"title":"(لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (١٨٦»","level":2,"page":1329},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1332},{"title":"(وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (١٨٧»","level":2,"page":1333},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1337},{"title":"(لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (١٨٨»","level":2,"page":1338},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1339},{"title":"(ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير)","level":2,"page":1340},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1341},{"title":"(إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (١٩٠) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (١٩١»","level":2,"page":1342},{"title":"وللذكر فضائل عظيمة","level":3,"page":1347},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1353},{"title":"(ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (١٩٢) ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (١٩٣) ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (١٩٤»","level":2,"page":1354},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1361},{"title":"(فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب (١٩٥»","level":2,"page":1362},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1364},{"title":"(لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (١٩٦) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (١٩٧»","level":2,"page":1365},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1367},{"title":"(لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار (١٩٨»","level":2,"page":1368},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1372},{"title":"(وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب (١٩٩»","level":2,"page":1373},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1378},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (٢٠٠»","level":2,"page":1379},{"title":"فائدة","level":3,"page":1380},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1381},{"title":"تفسير سورة النساء","level":1,"page":1385},{"title":"مقدمة","level":2,"page":1385},{"title":"(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (١»","level":2,"page":1385},{"title":"فضائل التقوى","level":3,"page":1389},{"title":"أولا: أنها سبب لتيسير الأمور.","level":4,"page":1389},{"title":"ثانيا: أنها سبب لإكرام الله.","level":4,"page":1389},{"title":"ثالثا: العاقبة لأهل التقوى.","level":4,"page":1389},{"title":"رابعا: أنها سبب في دخول الجنة.","level":4,"page":1389},{"title":"خامسا: أنها سبب لتكفير السيئات.","level":4,"page":1389},{"title":"سادسا: أنها سبب لحصول البشرى لهم.","level":4,"page":1389},{"title":"سابعا: أنها سبب للفوز والهداية.","level":4,"page":1389},{"title":"ثامنا: أنها سبب للنجاة يوم القيامة.","level":4,"page":1389},{"title":"تاسعا: أنها سبب لتفتيح البركات من السماء والأرض.","level":4,"page":1390},{"title":"عاشرا: أنها سبب للخروج من المأزق.","level":4,"page":1390},{"title":"الحادي عشر: أنها سبب لمحبة الله.","level":4,"page":1390},{"title":"الثاني عشر: أنها سبب للاهتداء بالقرآن.","level":4,"page":1390},{"title":"الثالث عشر: بالتقوى تنال معية الله.","level":4,"page":1390},{"title":"الرابع عشر: أنها خير زاد.","level":4,"page":1390},{"title":"الخامس عشر: أنها من أسباب نيل الأجر العظيم.","level":4,"page":1390},{"title":"السادس عشر: أن الآخرة خير من الدنيا للمتقين.","level":4,"page":1390},{"title":"السابع عشر: أنها سبب لقبول الأعمال.","level":4,"page":1390},{"title":"الثامن عشر: أن لباس التقوى خير لباس.","level":4,"page":1390},{"title":"التاسع عشر: أنها من أسباب الرحمة.","level":4,"page":1390},{"title":"العشرون: أنها من أسباب ولاية الله.","level":4,"page":1390},{"title":"مراتب التقوى","level":3,"page":1391},{"title":"أنواع خلق الله للبشر","level":3,"page":1394},{"title":"وجاءت نصوص أخرى تحث على صلة الرحم.","level":3,"page":1395},{"title":"الآثار المترتبة بالإيمان بهذا الاسم","level":3,"page":1396},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1397},{"title":"(وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (٢»","level":2,"page":1398},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1401},{"title":"(وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (٣»","level":2,"page":1402},{"title":"صور عدم العدل باليتيمات","level":3,"page":1403},{"title":"فوائد التعدد","level":3,"page":1405},{"title":"في هذا أن التعدد مشروع بشرطين","level":3,"page":1407},{"title":"الشرط الأول: القدرة","level":4,"page":1407},{"title":"الشرط الثاني: العدل","level":4,"page":1407},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1409},{"title":"(وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (٤»","level":2,"page":1410},{"title":"واختلف لمن الخطاب في الآية على قولين","level":3,"page":1410},{"title":"الأول: إن هذا خطاب لأولياء النساء.","level":4,"page":1410},{"title":"القول الثاني: أن الخطاب للأزواج.","level":4,"page":1410},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1412},{"title":"(ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا)","level":2,"page":1413},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1414},{"title":"(وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا)","level":2,"page":1415},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1419},{"title":"(للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (٧»","level":2,"page":1420},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1421},{"title":"(وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (٨»","level":2,"page":1422},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1424},{"title":"(وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (٩»","level":2,"page":1425},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1426},{"title":"(إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (١٠»","level":2,"page":1427},{"title":"بعض الأسباب التي تكون سببا في دخول النار","level":3,"page":1428},{"title":"أولا: أكل مال اليتيم.","level":4,"page":1428},{"title":"ثانيا: الشرك بالله تعالى.","level":4,"page":1428},{"title":"ثالثا: الكذب على رسول الله -ﷺ-.","level":4,"page":1428},{"title":"رابعا: الكلمة من سخط الله.","level":4,"page":1428},{"title":"خامسا: تعذيب الحيوان.","level":4,"page":1428},{"title":"سادسا: غش الرعية.","level":4,"page":1428},{"title":"سابعا: التبرج والسفور.","level":4,"page":1429},{"title":"ثامنا: الهجر والتقاطع.","level":4,"page":1429},{"title":"تاسعا: اللعن وكفران العشير.","level":4,"page":1429},{"title":"عاشرا: الجسم الذي نبت بالحرام.","level":4,"page":1429},{"title":"الحادي عشر: ظلم الناس بأخذ حقوقهم.","level":4,"page":1429},{"title":"الثاني عشر: الفجور","level":4,"page":1429},{"title":"الثالث عشر: قتل النفس وهو الانتحار والعياذ بالله.","level":4,"page":1429},{"title":"الرابع عشر: القاضي الذي يعرف الحق ولا يقضي به.","level":4,"page":1430},{"title":"الخامس عشر: المكر والخداع.","level":4,"page":1430},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1430},{"title":"(يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما)","level":2,"page":1431},{"title":"ترتيب الحقوق المتعلقة بالتركة","level":3,"page":1441},{"title":"مباحث علم الله تعالى","level":3,"page":1442},{"title":"الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم","level":3,"page":1445},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1446},{"title":"(ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم)","level":2,"page":1447},{"title":"الحكم لو طلق زوجته","level":3,"page":1449},{"title":"الأخ من الأم يرث السدس بشروط","level":3,"page":1451},{"title":"أحكام خاصة بالإخوة لأم","level":3,"page":1451},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1454},{"title":"(تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (١٣) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (١٤»","level":2,"page":1455},{"title":"فضائل طاعة الله ورسوله","level":3,"page":1458},{"title":"ومن أسباب دخول الجنة؟","level":3,"page":1459},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1461},{"title":"(واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (١٥»","level":2,"page":1462},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1464},{"title":"(واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما (١٦»","level":2,"page":1465},{"title":"وتوبة الله على العبد نوعان","level":3,"page":1467},{"title":"أثر الإيمان بهذا الاسم","level":3,"page":1467},{"title":"والرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان","level":3,"page":1468},{"title":"ورحمة الله تعالى لعباده نوعان","level":3,"page":1468},{"title":"الآثار المرتبة على معرفتنا بهذا الاسم","level":3,"page":1469},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1471},{"title":"(إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (١٧) وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (١٨»","level":2,"page":1472},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1478},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (١٩»","level":2,"page":1479},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1483},{"title":"(وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (٢٠) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا) (٢١»","level":2,"page":1484},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1485},{"title":"(ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (٢٢»","level":2,"page":1486},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1487},{"title":"(حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (٢٣»","level":2,"page":1488},{"title":"الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم","level":3,"page":1496},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1497},{"title":"(والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما (٢٤»","level":2,"page":1498},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1502},{"title":"(ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (٢٥»","level":2,"page":1503},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1507},{"title":"(يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (٢٦) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (٢٧) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (٢٨»","level":2,"page":1508},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1511},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (٢٩) ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (٣٠»","level":2,"page":1512},{"title":"مفاسد الرشوة","level":3,"page":1512},{"title":"فقتل الإنسان لنفسه كبيرة من الكبائر","level":3,"page":1513},{"title":"في قصة عمرو بن العاص فوائد","level":3,"page":1516},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1516},{"title":"(إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (٣١»","level":2,"page":1517},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1520},{"title":"(ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما (٣٢»","level":2,"page":1521},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1526},{"title":"(ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا (٣٣»","level":2,"page":1527},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1528},{"title":"(الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (٣٤»","level":2,"page":1529},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1534},{"title":"(وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (٣٥»","level":2,"page":1535},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1536},{"title":"(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (٣٦»","level":2,"page":1537},{"title":"ووصف ملائكته بذلك","level":3,"page":1538},{"title":"خطر الشرك","level":3,"page":1538},{"title":"أولا: المشرك حرام عليه الجنة.","level":4,"page":1538},{"title":"ثانيا: الشرط سبب لحبوط العمل.","level":4,"page":1538},{"title":"ثالثا: هو أعظم الظلم.","level":4,"page":1538},{"title":"لأن الظلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام","level":5,"page":1539},{"title":"فائدة","level":3,"page":1540},{"title":"هذا الحديث فيه مسائل","level":4,"page":1540},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1546},{"title":"(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (٣٧»","level":2,"page":1547},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1549},{"title":"(والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (٣٨) وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما (٣٩»","level":2,"page":1550},{"title":"من أقوال السلف","level":3,"page":1553},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1558},{"title":"(إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما (٤٠»","level":2,"page":1559},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1560},{"title":"(فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (٤١) يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (٤٢»","level":2,"page":1561},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1563},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغآئط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (٤٣»","level":2,"page":1564},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1574},{"title":"(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل (٤٤) والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (٤٥»","level":2,"page":1575},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1576},{"title":"(من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (٤٦»","level":2,"page":1577},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1579},{"title":"(يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا (٤٧»","level":2,"page":1580},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1581},{"title":"(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (٤٨»","level":2,"page":1582},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1584},{"title":"(ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا (٤٩) انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا (٥٠»","level":2,"page":1585},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1585},{"title":"(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (٥١) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (٥٢»","level":2,"page":1586},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1586},{"title":"(أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (٥٣) أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينآ آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (٥٤) فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (٥٥»","level":2,"page":1587},{"title":"مباحث الحسد","level":3,"page":1589},{"title":"أولا: تعريف الحسد","level":4,"page":1589},{"title":"ثانيا: خطر الحسد","level":4,"page":1589},{"title":"ثالثا: فضل السلامة من الحسد","level":4,"page":1589},{"title":"رابعا: من أقوال السلف في الحسد","level":4,"page":1589},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1592},{"title":"(إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (٥٦»","level":2,"page":1593},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1595},{"title":"(والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (٥٧»","level":2,"page":1596},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1600},{"title":"(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (٥٨»","level":2,"page":1601},{"title":"فضائل العدل","level":3,"page":1602},{"title":"آثار الإيمان بهذا الاسم","level":3,"page":1603},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1605},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (٥٩»","level":2,"page":1606},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1609},{"title":"(ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (٦٠) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (٦١) فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جآؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (٦٢) أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (٦٣»","level":2,"page":1610},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1613},{"title":"(وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (٦٤»","level":2,"page":1614},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1614},{"title":"(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (٦٥»","level":2,"page":1615},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1616},{"title":"(ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (٦٦) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (٦٧) ولهديناهم صراطا مستقيما (٦٨»","level":2,"page":1617},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1619},{"title":"(ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (٦٩) ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (٧٠»","level":2,"page":1620},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1626},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (٧١»","level":2,"page":1627},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1627},{"title":"(وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا (٧٢) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (٧٣»","level":2,"page":1628},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1629},{"title":"(فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (٧٤»","level":2,"page":1630},{"title":"فضائل الجهاد في سبيل الله","level":3,"page":1632},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1633},{"title":"(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (٧٥»","level":2,"page":1634},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1635},{"title":"(الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (٧٦»","level":2,"page":1636},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1637},{"title":"(ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (٧٧»","level":2,"page":1638},{"title":"من أقوال السلف","level":3,"page":1644},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1645},{"title":"(أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (٧٨) ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا (٧٩»","level":2,"page":1646},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1656},{"title":"(من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (٨٠»","level":2,"page":1657},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1660},{"title":"(ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (٨١»","level":2,"page":1661},{"title":"فضل التوكل على الله وجزاء المتوكلين","level":3,"page":1662},{"title":"١. أهل التوكل هم أهل محبة الله ﷿.","level":4,"page":1662},{"title":"٢. التوكل من شيم أنبياء الله ورسله وأوليائه (فبهداهم اقتده).","level":4,"page":1662},{"title":"٣. أهل التوكل هم أهل الإيمان.","level":4,"page":1662},{"title":"٤. أهل التوكل هم أهل الجنة يدخلونها بغير حساب ولا عذاب.","level":4,"page":1662},{"title":"٥. التوكل على الله مجلبة للرزق.","level":4,"page":1663},{"title":"٦. المتوكلون ليس عليهم للشيطان سبيل.","level":4,"page":1663},{"title":"٧. المتوكلون الله حسبهم وكافيهم.","level":4,"page":1663},{"title":"٨. أهل التوكل على الله هم أهل العزة والاستعلاء.","level":4,"page":1663},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1663},{"title":"(أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (٨٢»","level":2,"page":1664},{"title":"أهمية تدبر القرآن تأتي من وجوه","level":3,"page":1667},{"title":"أولا: بركة القرآن.","level":4,"page":1667},{"title":"ثانيا: حاجة القلب إلى تدبر القرآن.","level":4,"page":1667},{"title":"ثالثا: الثناء على من تدبر القرآن وتأثر به.","level":4,"page":1667},{"title":"رابعا: ذم من ترك تدبر القرآن.","level":4,"page":1667},{"title":"صوارف تحول دون التدبر","level":3,"page":1668},{"title":"أولا: أمراض القلوب والإصرار على الذنوب.","level":4,"page":1668},{"title":"ثانيا: انشغال القلب.","level":4,"page":1668},{"title":"أمثلة تطبيقية لتدبر القرآن","level":3,"page":1669},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1670},{"title":"(وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (٨٣»","level":2,"page":1671},{"title":"آثار عدم التثبت أو عدم التبين","level":3,"page":1672},{"title":"أولا: اتهام الأبرياء من الناس زورا وبهتانا.","level":4,"page":1672},{"title":"ثانيا: الحسرة والندم.","level":4,"page":1672},{"title":"ثالثا: التعرض للغضب الإلهي.","level":4,"page":1673},{"title":"رابعا: فقد ثقة الناس مع النفور والكراهية.","level":4,"page":1673},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1674},{"title":"(فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (٨٤»","level":2,"page":1675},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1676},{"title":"(من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا (٨٥»","level":2,"page":1677},{"title":"في الآية فضل الشفاعة في الخير","level":3,"page":1678},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1680},{"title":"(وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا (٨٦»","level":2,"page":1681},{"title":"مباحث السلام","level":3,"page":1682},{"title":"الأول: فضائله","level":4,"page":1682},{"title":"الثاني: ابتداء السلام سنة.","level":4,"page":1683},{"title":"لثالث: رد السلام واجب.","level":4,"page":1683},{"title":"الرابع: إذا لم يسمعوا السلام.","level":4,"page":1683},{"title":"الخامس: يسلم الراكب على الماشي.","level":4,"page":1684},{"title":"السادس: يسن السلام على الصبيان.","level":4,"page":1684},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1685},{"title":"(الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا (٨٧»","level":2,"page":1686},{"title":"وسمي يوم القيامة بذلك","level":3,"page":1686},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1686},{"title":"(فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (٨٨»","level":2,"page":1687},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1690},{"title":"(ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا (٨٩) إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جآؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (٩٠»","level":2,"page":1691},{"title":"فالهجرة أنواع","level":3,"page":1693},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1695},{"title":"(ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (٩١»","level":2,"page":1696},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1697},{"title":"(وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما (٩٢»","level":2,"page":1698},{"title":"مباحث قتل الخطأ","level":3,"page":1700},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1702},{"title":"(ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (٩٣»","level":2,"page":1703},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1707},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا)","level":2,"page":1708},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1710},{"title":"(لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (٩٥) درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (٩٦»","level":2,"page":1711},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1715},{"title":"(إن الذين توفاهم الملآئكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا (٩٧) إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (٩٨) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (٩٩»","level":2,"page":1716},{"title":"الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم","level":3,"page":1719},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1719},{"title":"(ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما (١٠٠»","level":2,"page":1720},{"title":"فضائل الهجرة","level":3,"page":1722},{"title":"مقاصد الهجرة","level":3,"page":1725},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1725},{"title":"(وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا)","level":2,"page":1726},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1727},{"title":"١ - مشروعية قصر الصلاة الرباعية في السفر","level":4,"page":1727},{"title":"مباحث تتعلق بقصر الصلاة","level":5,"page":1727},{"title":"أولا: في الآية مشروعية قصر الصلاة للمسافر. (فلا قصر إلا للمسافر).","level":6,"page":1727},{"title":"ثانيا: وظاهر الآية أنه لا يجوز القصر إلا عند الخوف، لكن جاءت السنة تبين أن هذا ليس بشرط.","level":6,"page":1727},{"title":"ثالثا: حكم القصر: سنة.","level":6,"page":1727},{"title":"رابعا: إذا علمنا أن القصر مشروع كما سبق، فهناك حالات يتم بها المسافر","level":6,"page":1728},{"title":"الحالة الأولى: إذا ذكر صلاة حضر في سفر.","level":7,"page":1728},{"title":"الحالة الثانية: إذا صلى المسافر خلف المقيم.","level":7,"page":1728},{"title":"الحالة الثالثة: إذا نوى الإقامة أكثر من أربع أيام","level":7,"page":1729},{"title":"خامسا: القصر ليس له إلا سبب واحد وهو السفر.","level":6,"page":1729},{"title":"سادسا: ويقصر المسافر إذا خرج من بنيان بلده.","level":6,"page":1730},{"title":"سابعا: الصلوات التي تقصر الصلوات الرباعية","level":6,"page":1730},{"title":"ثامنا: إذا أذن المؤذن وهو في البلد، ثم سافر، هل يقصر أم لا؟","level":6,"page":1730},{"title":"تاسعا: قوله تعالى (وإذا ضربتم في الأرض) اختلف العلماء في قصر الصلاة في سفر المعصية؟","level":6,"page":1731},{"title":"٢ - بيان تيسير الله على عباده.","level":4,"page":1731},{"title":"٣ - مشروعية القصر في السفر.","level":4,"page":1731},{"title":"٤ - حرص الكفار على فتن المؤمنين.","level":4,"page":1731},{"title":"٥ - وجوب الحذر من الكفار.","level":4,"page":1731},{"title":"٦ - أن الكفار أعداء لنا.","level":4,"page":1731},{"title":"(وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (١٠٢) فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (١٠٣»","level":2,"page":1732},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1736},{"title":"(ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (١٠٤»","level":2,"page":1737},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1738},{"title":"(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما (١٠٥) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (١٠٦»","level":2,"page":1739},{"title":"من أسماء القرآن","level":3,"page":1739},{"title":"أولا: الفرقان.","level":4,"page":1739},{"title":"ثانيا: القرآن.","level":4,"page":1739},{"title":"ثالثا: الكتاب","level":4,"page":1739},{"title":"رابعا: الذكر.","level":4,"page":1739},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1742},{"title":"(ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (١٠٧»","level":2,"page":1743},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1744},{"title":"(يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (١٠٨) هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (١٠٩»","level":2,"page":1745},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1746},{"title":"(ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (١١٠) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (١١١) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (١١٢»","level":2,"page":1747},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1749},{"title":"(ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طآئفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (١١٣»","level":2,"page":1750},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1752},{"title":"(لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (١١٤»","level":2,"page":1753},{"title":"ثمرات فعل المعروف","level":3,"page":1760},{"title":"أولا: صرف البلاء.","level":4,"page":1760},{"title":"ثانيا: دخول الجنة.","level":4,"page":1760},{"title":"ثالثا: مغفرة الذنوب والنجاة من أهوال الآخرة.","level":4,"page":1761},{"title":"آداب صنع المعروف","level":3,"page":1761},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1762},{"title":"(ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (١١٥»","level":2,"page":1763},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1763},{"title":"(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا (١١٦»","level":2,"page":1764},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1764},{"title":"(إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (١١٧) لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (١١٨) ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (١١٩) يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (١٢٠) أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا (١٢١) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (١٢٢»","level":2,"page":1765},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1770},{"title":"(ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (١٢٣»","level":2,"page":1771},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1772},{"title":"(ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (١٢٤»","level":2,"page":1773},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1774},{"title":"(ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا (١٢٥»","level":2,"page":1775},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1780},{"title":"(ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا (١٢٦»","level":2,"page":1781},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1781},{"title":"(ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما (١٢٧»","level":2,"page":1782},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1783},{"title":"(وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (١٢٨»","level":2,"page":1784},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1787},{"title":"(ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (١٢٩) وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما (١٣٠»","level":2,"page":1788},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1789},{"title":"(ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا (١٣١) ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (١٣٢) إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (١٣٣»","level":2,"page":1790},{"title":"الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم","level":3,"page":1791},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1794},{"title":"(من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا (١٣٤»","level":2,"page":1795},{"title":"آثار الإيمان بهذا الاسم","level":3,"page":1797},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1798},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإ","level":2,"page":1799},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1800},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا (١٣٦»","level":2,"page":1801},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1802},{"title":"(إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (١٣٧»","level":2,"page":1803},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1804},{"title":"(بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (١٣٨) الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا (١٣٩»","level":2,"page":1805},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1805},{"title":"(وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (١٤٠) الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (١٤١»","level":2,"page":1806},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1809},{"title":"(إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (١٤٢) مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (١٤٣»","level":2,"page":1810},{"title":"مباحث الرياء","level":3,"page":1812},{"title":"خطر الرياء","level":3,"page":1812},{"title":"اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فصل رجع إلى ثلاثة أصول","level":3,"page":1814},{"title":"من أقوال السلف","level":3,"page":1814},{"title":"علاج الرياء وتحقيق الإخلاص","level":3,"page":1815},{"title":"أولا: أن يعود نفسه إخفاء الأعمال.","level":4,"page":1815},{"title":"ثانيا: علمك بأنك عبد.","level":4,"page":1815},{"title":"ثالثا: أن يحاسب نفسه دون فتور.","level":4,"page":1815},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1816},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (١٤٤»","level":2,"page":1817},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1818},{"title":"(إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (١٤٥) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (١٤٦»","level":2,"page":1819},{"title":"وللإيمان فضائل","level":3,"page":1820},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1821},{"title":"(ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (١٤٧»","level":2,"page":1822},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1822},{"title":"(لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما (١٤٨»","level":2,"page":1823},{"title":"وسمع الله ينقسم إلى قسمين","level":3,"page":1824},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1825},{"title":"(إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (١٤٩»","level":2,"page":1826},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1828},{"title":"(إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (١٥٠) أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (١٥١) والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما (١٥٢»","level":2,"page":1829},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1830},{"title":"(يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا (١٥٣»","level":2,"page":1831},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1833},{"title":"(ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (١٥٤»","level":2,"page":1834},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1836},{"title":"(فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (١٥٥) وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (١٥٦) وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (١٥٧) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (١٥٨»","level":2,"page":1837},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1840},{"title":"(وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (١٥٦) وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (١٥٧) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (١٥٨»","level":2,"page":1841},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1847},{"title":"(وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (١٥٩»","level":2,"page":1848},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1849},{"title":"(فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (١٦٠) وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما (١٦١) لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما (١٦٢»","level":2,"page":1850},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1852},{"title":"(إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا (١٦٣) ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما (١٦٤) رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما (١٦٥»","level":2,"page":1853},{"title":"الحكمة من إرسال الرسل","level":3,"page":1855},{"title":"أولا: التبشير للمؤمن والإنذار للكافر.","level":4,"page":1855},{"title":"ثانيا: رحمة للناس.","level":4,"page":1855},{"title":"ثالثا: البلاغ المبين.","level":4,"page":1856},{"title":"رابعا: الدعوة إلى الله.","level":4,"page":1856},{"title":"خامسا: إقامة الحجة.","level":4,"page":1856},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1856},{"title":"(لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملآئكة يشهدون وكفى بالله شهيدا (١٦٦»","level":2,"page":1857},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1858},{"title":"(إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا (١٦٧) إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (١٦٨) إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (١٦٩»","level":2,"page":1859},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1860},{"title":"(يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (١٧٠»","level":2,"page":1861},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1862},{"title":"(يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (١٧١»","level":2,"page":1863},{"title":"والله منزه عن الولد لأمور متعددة","level":3,"page":1866},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1866},{"title":"(لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملآئكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (١٧٢) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (١٧٣»","level":2,"page":1867},{"title":"مباحث العبادة","level":3,"page":1867},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1870},{"title":"(يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (١٧٤) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (١٧٥»","level":2,"page":1871},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1872},{"title":"(يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم (١٧٦»","level":2,"page":1873},{"title":"الفوائد","level":3,"page":1874}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,421":421,"1,422":422,"1,423":423,"2,1":424,"2,2":425,"2,3":426,"2,4":427,"2,5":428,"2,6":429,"2,7":430,"2,8":431,"2,9":432,"2,10":433,"2,11":434,"2,12":435,"2,13":436,"2,14":437,"2,15":438,"2,16":439,"2,17":440,"2,18":441,"2,19":442,"2,20":443,"2,21":444,"2,22":445,"2,23":446,"2,24":447,"2,25":448,"2,26":449,"2,27":450,"2,28":451,"2,29":452,"2,30":453,"2,31":454,"2,32":455,"2,33":456,"2,34":457,"2,35":458,"2,36":459,"2,37":460,"2,38":461,"2,39":462,"2,40":463,"2,41":464,"2,42":465,"2,43":466,"2,44":467,"2,45":468,"2,46":469,"2,47":470,"2,48":471,"2,49":472,"2,50":473,"2,51":474,"2,52":475,"2,53":476,"2,54":477,"2,55":478,"2,56":479,"2,57":480,"2,58":481,"2,59":482,"2,60":483,"2,61":484,"2,62":485,"2,63":486,"2,64":487,"2,65":488,"2,66":489,"2,67":490,"2,68":491,"2,69":492,"2,70":493,"2,71":494,"2,72":495,"2,73":496,"2,74":497,"2,75":498,"2,76":499,"2,77":500,"2,78":501,"2,79":502,"2,80":503,"2,81":504,"2,82":505,"2,83":506,"2,84":507,"2,85":508,"2,86":509,"2,87":510,"2,88":511,"2,89":512,"2,90":513,"2,91":514,"2,92":515,"2,93":516,"2,94":517,"2,95":518,"2,96":519,"2,97":520,"2,98":521,"2,99":522,"2,100":523,"2,101":524,"2,102":525,"2,103":526,"2,104":527,"2,105":528,"2,106":529,"2,107":530,"2,108":531,"2,109":532,"2,110":533,"2,111":534,"2,112":535,"2,113":536,"2,114":537,"2,115":538,"2,116":539,"2,117":540,"2,118":541,"2,119":542,"2,120":543,"2,121":544,"2,122":545,"2,123":546,"2,124":547,"2,125":548,"2,126":549,"2,127":550,"2,128":551,"2,129":552,"2,130":553,"2,131":554,"2,132":555,"2,133":556,"2,134":557,"2,135":558,"2,136":559,"2,137":560,"2,138":561,"2,139":562,"2,140":563,"2,141":564,"2,142":565,"2,143":566,"2,144":567,"2,145":568,"2,146":569,"2,147":570,"2,148":571,"2,149":572,"2,150":573,"2,151":574,"2,152":575,"2,153":576,"2,154":577,"2,155":578,"2,156":579,"2,157":580,"2,158":581,"2,159":582,"2,160":583,"2,161":584,"2,162":585,"2,163":586,"2,164":587,"2,165":588,"2,166":589,"2,167":590,"2,168":591,"2,169":592,"2,170":593,"2,171":594,"2,172":595,"2,173":596,"2,174":597,"2,175":598,"2,176":599,"2,177":600,"2,178":601,"2,179":602,"2,180":603,"2,181":604,"2,182":605,"2,183":606,"2,184":607,"2,185":608,"2,186":609,"2,187":610,"2,188":611,"2,189":612,"2,190":613,"2,191":614,"2,192":615,"2,193":616,"2,194":617,"2,195":618,"2,196":619,"2,197":620,"2,198":621,"2,199":622,"2,200":623,"2,201":624,"2,202":625,"2,203":626,"2,204":627,"2,205":628,"2,206":629,"2,207":630,"2,208":631,"2,209":632,"2,210":633,"2,211":634,"2,212":635,"2,213":636,"2,214":637,"2,215":638,"2,216":639,"2,217":640,"2,218":641,"2,219":642,"2,220":643,"2,221":644,"2,222":645,"2,223":646,"2,224":647,"2,225":648,"2,226":649,"2,227":650,"2,228":651,"2,229":652,"2,230":653,"2,231":654,"2,232":655,"2,233":656,"2,234":657,"2,235":658,"2,236":659,"2,237":660,"2,238":661,"2,239":662,"2,240":663,"2,241":664,"2,242":665,"2,243":666,"2,244":667,"2,245":668,"2,246":669,"2,247":670,"2,248":671,"2,249":672,"2,250":673,"2,251":674,"2,252":675,"2,253":676,"2,254":677,"2,255":678,"2,256":679,"2,257":680,"2,258":681,"2,259":682,"2,260":683,"2,261":684,"2,262":685,"2,263":686,"2,264":687,"2,265":688,"2,266":689,"2,267":690,"2,268":691,"2,269":692,"2,270":693,"2,271":694,"2,272":695,"2,273":696,"2,274":697,"2,275":698,"2,276":699,"2,277":700,"2,278":701,"2,279":702,"2,280":703,"2,281":704,"2,282":705,"2,283":706,"2,284":707,"2,285":708,"2,286":709,"2,287":710,"2,288":711,"2,289":712,"2,290":713,"2,291":714,"2,292":715,"2,293":716,"2,294":717,"2,295":718,"2,296":719,"2,297":720,"2,298":721,"2,299":722,"2,300":723,"2,301":724,"2,302":725,"2,303":726,"2,304":727,"2,305":728,"2,306":729,"2,307":730,"2,308":731,"2,309":732,"2,310":733,"2,311":734,"2,312":735,"2,313":736,"2,314":737,"2,315":738,"2,316":739,"2,317":740,"2,318":741,"2,319":742,"2,320":743,"2,321":744,"2,322":745,"2,323":746,"2,324":747,"2,325":748,"2,326":749,"2,327":750,"2,328":751,"2,329":752,"2,330":753,"2,331":754,"2,332":755,"2,333":756,"2,334":757,"3,1":758,"3,2":759,"3,3":760,"3,4":761,"3,5":762,"3,6":763,"3,7":764,"3,8":765,"3,9":766,"3,10":767,"3,11":768,"3,12":769,"3,13":770,"3,14":771,"3,15":772,"3,16":773,"3,17":774,"3,18":775,"3,19":776,"3,20":777,"3,21":778,"3,22":779,"3,23":780,"3,24":781,"3,25":782,"3,26":783,"3,27":784,"3,28":785,"3,29":786,"3,30":787,"3,31":788,"3,32":789,"3,33":790,"3,34":791,"3,35":792,"3,36":793,"3,37":794,"3,38":795,"3,39":796,"3,40":797,"3,41":798,"3,42":799,"3,43":800,"3,44":801,"3,45":802,"3,46":803,"3,47":804,"3,48":805,"3,49":806,"3,50":807,"3,51":808,"3,52":809,"3,53":810,"3,54":811,"3,55":812,"3,56":813,"3,57":814,"3,58":815,"3,59":816,"3,60":817,"3,61":818,"3,62":819,"3,63":820,"3,64":821,"3,65":822,"3,66":823,"3,67":824,"3,68":825,"3,69":826,"3,70":827,"3,71":828,"3,72":829,"3,73":830,"3,74":831,"3,75":832,"3,76":833,"3,77":834,"3,78":835,"3,79":836,"3,80":837,"3,81":838,"3,82":839,"3,83":840,"3,84":841,"3,85":842,"3,86":843,"3,87":844,"3,88":845,"3,89":846,"3,90":847,"3,91":848,"3,92":849,"3,93":850,"3,94":851,"3,95":852,"3,96":853,"3,97":854,"3,98":855,"3,99":856,"3,100":857,"3,101":858,"3,102":859,"3,103":860,"3,104":861,"3,105":862,"3,106":863,"3,107":864,"3,108":865,"3,109":866,"3,110":867,"3,111":868,"3,112":869,"3,113":870,"3,114":871,"3,115":872,"3,116":873,"3,117":874,"3,118":875,"3,119":876,"3,120":877,"3,121":878,"3,122":879,"3,123":880,"3,124":881,"3,125":882,"3,126":883,"3,127":884,"3,128":885,"3,129":886,"3,130":887,"3,131":888,"3,132":889,"3,133":890,"3,134":891,"3,135":892,"3,136":893,"3,137":894,"3,138":895,"3,139":896,"3,140":897,"3,141":898,"3,142":899,"3,143":900,"3,144":901,"3,145":902,"3,146":903,"3,147":904,"3,148":905,"3,149":906,"3,150":907,"3,151":908,"3,152":909,"3,153":910,"3,154":911,"3,155":912,"3,156":913,"3,157":914,"3,158":915,"3,159":916,"3,160":917,"3,161":918,"3,162":919,"3,163":920,"3,164":921,"3,165":922,"3,166":923,"3,167":924,"3,168":925,"3,169":926,"3,170":927,"3,171":928,"3,172":929,"3,173":930,"3,174":931,"3,175":932,"3,176":933,"3,177":934,"3,178":935,"3,179":936,"3,180":937,"3,181":938,"3,182":939,"3,183":940,"3,184":941,"3,185":942,"3,186":943,"3,187":944,"3,188":945,"3,189":946,"3,190":947,"3,191":948,"3,192":949,"3,193":950,"3,194":951,"3,195":952,"3,196":953,"3,197":954,"3,198":955,"3,199":956,"3,200":957,"3,201":958,"3,202":959,"3,203":960,"3,204":961,"3,205":962,"3,206":963,"3,207":964,"3,208":965,"3,209":966,"3,210":967,"3,211":968,"3,212":969,"3,213":970,"3,214":971,"3,215":972,"3,216":973,"3,217":974,"3,218":975,"3,219":976,"3,220":977,"3,221":978,"3,222":979,"3,223":980,"3,224":981,"3,225":982,"3,226":983,"3,227":984,"3,228":985,"3,229":986,"3,230":987,"3,231":988,"3,232":989,"3,233":990,"3,234":991,"3,235":992,"3,236":993,"3,237":994,"3,238":995,"3,239":996,"3,240":997,"3,241":998,"3,242":999,"3,243":1000,"3,244":1001,"3,245":1002,"3,246":1003,"3,247":1004,"3,248":1005,"3,249":1006,"3,250":1007,"3,251":1008,"3,252":1009,"3,253":1010,"3,254":1011,"3,255":1012,"3,256":1013,"3,257":1014,"3,258":1015,"3,259":1016,"3,260":1017,"3,261":1018,"3,262":1019,"3,263":1020,"3,264":1021,"3,265":1022,"3,266":1023,"3,267":1024,"3,268":1025,"3,269":1026,"3,270":1027,"3,271":1028,"3,272":1029,"3,273":1030,"3,274":1031,"3,275":1032,"3,276":1033,"3,277":1034,"3,278":1035,"3,279":1036,"3,280":1037,"3,281":1038,"3,282":1039,"3,283":1040,"3,284":1041,"3,285":1042,"3,286":1043,"3,287":1044,"3,288":1045,"3,289":1046,"3,290":1047,"3,291":1048,"3,292":1049,"3,293":1050,"3,294":1051,"3,295":1052,"3,296":1053,"3,297":1054,"3,298":1055,"3,299":1056,"3,300":1057,"3,301":1058,"3,302":1059,"3,303":1060,"3,304":1061,"3,305":1062,"3,306":1063,"3,307":1064,"3,308":1065,"3,309":1066,"3,310":1067,"3,311":1068,"3,312":1069,"3,313":1070,"3,314":1071,"3,315":1072,"3,316":1073,"3,317":1074,"3,318":1075,"3,319":1076,"3,320":1077,"3,321":1078,"3,322":1079,"3,323":1080,"3,324":1081,"3,325":1082,"3,326":1083,"3,327":1084,"3,328":1085,"3,329":1086,"3,330":1087,"3,331":1088,"3,332":1089,"3,333":1090,"3,334":1091,"3,335":1092,"3,336":1093,"3,337":1094,"3,338":1095,"3,339":1096,"3,340":1097,"4,1":1098,"4,2":1099,"4,3":1100,"4,4":1101,"4,5":1102,"4,6":1103,"4,7":1104,"4,8":1105,"4,9":1106,"4,10":1107,"4,11":1108,"4,12":1109,"4,13":1110,"4,14":1111,"4,15":1112,"4,16":1113,"4,17":1114,"4,18":1115,"4,19":1116,"4,20":1117,"4,21":1118,"4,22":1119,"4,23":1120,"4,24":1121,"4,25":1122,"4,26":1123,"4,27":1124,"4,28":1125,"4,29":1126,"4,30":1127,"4,31":1128,"4,32":1129,"4,33":1130,"4,34":1131,"4,35":1132,"4,36":1133,"4,37":1134,"4,38":1135,"4,39":1136,"4,40":1137,"4,41":1138,"4,42":1139,"4,43":1140,"4,44":1141,"4,45":1142,"4,46":1143,"4,47":1144,"4,48":1145,"4,49":1146,"4,50":1147,"4,51":1148,"4,52":1149,"4,53":1150,"4,54":1151,"4,55":1152,"4,56":1153,"4,57":1154,"4,58":1155,"4,59":1156,"4,60":1157,"4,61":1158,"4,62":1159,"4,63":1160,"4,64":1161,"4,65":1162,"4,66":1163,"4,67":1164,"4,68":1165,"4,69":1166,"4,70":1167,"4,71":1168,"4,72":1169,"4,73":1170,"4,74":1171,"4,75":1172,"4,76":1173,"4,77":1174,"4,78":1175,"4,79":1176,"4,80":1177,"4,81":1178,"4,82":1179,"4,83":1180,"4,84":1181,"4,85":1182,"4,86":1183,"4,87":1184,"4,88":1185,"4,89":1186,"4,90":1187,"4,91":1188,"4,92":1189,"4,93":1190,"4,94":1191,"4,95":1192,"4,96":1193,"4,97":1194,"4,98":1195,"4,99":1196,"4,100":1197,"4,101":1198,"4,102":1199,"4,103":1200,"4,104":1201,"4,105":1202,"4,106":1203,"4,107":1204,"4,108":1205,"4,109":1206,"4,110":1207,"4,111":1208,"4,112":1209,"4,113":1210,"4,114":1211,"4,115":1212,"4,116":1213,"4,117":1214,"4,118":1215,"4,119":1216,"4,120":1217,"4,121":1218,"4,122":1219,"4,123":1220,"4,124":1221,"4,125":1222,"4,126":1223,"4,127":1224,"4,128":1225,"4,129":1226,"4,130":1227,"4,131":1228,"4,132":1229,"4,133":1230,"4,134":1231,"4,135":1232,"4,136":1233,"4,137":1234,"4,138":1235,"4,139":1236,"4,140":1237,"4,141":1238,"4,142":1239,"4,143":1240,"4,144":1241,"4,145":1242,"4,146":1243,"4,147":1244,"4,148":1245,"4,149":1246,"4,150":1247,"4,151":1248,"4,152":1249,"4,153":1250,"4,154":1251,"4,155":1252,"4,156":1253,"4,157":1254,"4,158":1255,"4,159":1256,"4,160":1257,"4,161":1258,"4,162":1259,"4,163":1260,"4,164":1261,"4,165":1262,"4,166":1263,"4,167":1264,"4,168":1265,"4,169":1266,"4,170":1267,"4,171":1268,"4,172":1269,"4,173":1270,"4,174":1271,"4,175":1272,"4,176":1273,"4,177":1274,"4,178":1275,"4,179":1276,"4,180":1277,"4,181":1278,"4,182":1279,"4,183":1280,"4,184":1281,"4,185":1282,"4,186":1283,"4,187":1284,"4,188":1285,"4,189":1286,"4,190":1287,"4,191":1288,"4,192":1289,"4,193":1290,"4,194":1291,"4,195":1292,"4,196":1293,"4,197":1294,"4,198":1295,"4,199":1296,"4,200":1297,"4,201":1298,"4,202":1299,"4,203":1300,"4,204":1301,"4,205":1302,"4,206":1303,"4,207":1304,"4,208":1305,"4,209":1306,"4,210":1307,"4,211":1308,"4,212":1309,"4,213":1310,"4,214":1311,"4,215":1312,"4,216":1313,"4,217":1314,"4,218":1315,"4,219":1316,"4,220":1317,"4,221":1318,"4,222":1319,"4,223":1320,"4,224":1321,"4,225":1322,"4,226":1323,"4,227":1324,"4,228":1325,"4,229":1326,"4,230":1327,"4,231":1328,"4,232":1329,"4,233":1330,"4,234":1331,"4,235":1332,"4,236":1333,"4,237":1334,"4,238":1335,"4,239":1336,"4,240":1337,"4,241":1338,"4,242":1339,"4,243":1340,"4,244":1341,"4,245":1342,"4,246":1343,"4,247":1344,"4,248":1345,"4,249":1346,"4,250":1347,"4,251":1348,"4,252":1349,"4,253":1350,"4,254":1351,"4,255":1352,"4,256":1353,"4,257":1354,"4,258":1355,"4,259":1356,"4,260":1357,"4,261":1358,"4,262":1359,"4,263":1360,"4,264":1361,"4,265":1362,"4,266":1363,"4,267":1364,"4,268":1365,"4,269":1366,"4,270":1367,"4,271":1368,"4,272":1369,"4,273":1370,"4,274":1371,"4,275":1372,"4,276":1373,"4,277":1374,"4,278":1375,"4,279":1376,"4,280":1377,"4,281":1378,"4,282":1379,"4,283":1380,"4,284":1381,"4,285":1382,"4,286":1383,"4,287":1384,"4,288":1385,"4,289":1386,"4,290":1387,"4,291":1388,"4,292":1389,"4,293":1390,"4,294":1391,"4,295":1392,"4,296":1393,"4,297":1394,"4,298":1395,"4,299":1396,"4,300":1397,"4,301":1398,"4,302":1399,"4,303":1400,"4,304":1401,"4,305":1402,"4,306":1403,"4,307":1404,"4,308":1405,"4,309":1406,"4,310":1407,"4,311":1408,"4,312":1409,"4,313":1410,"4,314":1411,"4,315":1412,"4,316":1413,"4,317":1414,"4,318":1415,"4,319":1416,"4,320":1417,"4,321":1418,"4,322":1419,"4,323":1420,"4,324":1421,"4,325":1422,"4,326":1423,"4,327":1424,"4,328":1425,"4,329":1426,"4,330":1427,"4,331":1428,"4,332":1429,"4,333":1430,"4,334":1431,"4,335":1432,"4,336":1433,"4,337":1434,"4,338":1435,"4,339":1436,"4,340":1437,"4,341":1438,"4,342":1439,"4,343":1440,"4,344":1441,"4,345":1442,"4,346":1443,"4,347":1444,"4,348":1445,"4,349":1446,"4,350":1447,"4,351":1448,"4,352":1449,"4,353":1450,"4,354":1451,"4,355":1452,"4,356":1453,"4,357":1454,"4,358":1455,"4,359":1456,"4,360":1457,"4,361":1458,"4,362":1459,"4,363":1460,"4,364":1461,"4,365":1462,"4,366":1463,"4,367":1464,"4,368":1465,"4,369":1466,"4,370":1467,"4,371":1468,"4,372":1469,"4,373":1470,"4,374":1471,"4,375":1472,"4,376":1473,"4,377":1474,"4,378":1475,"4,379":1476,"4,380":1477,"4,381":1478,"4,382":1479,"4,383":1480,"4,384":1481,"4,385":1482,"4,386":1483,"4,387":1484,"4,388":1485,"4,389":1486,"4,390":1487,"4,391":1488,"4,392":1489,"4,393":1490,"4,394":1491,"4,395":1492,"4,396":1493,"4,397":1494,"4,398":1495,"4,399":1496,"4,400":1497,"5,1":1498,"5,2":1499,"5,3":1500,"5,4":1501,"5,5":1502,"5,6":1503,"5,7":1504,"5,8":1505,"5,9":1506,"5,10":1507,"5,11":1508,"5,12":1509,"5,13":1510,"5,14":1511,"5,15":1512,"5,16":1513,"5,17":1514,"5,18":1515,"5,19":1516,"5,20":1517,"5,21":1518,"5,22":1519,"5,23":1520,"5,24":1521,"5,25":1522,"5,26":1523,"5,27":1524,"5,28":1525,"5,29":1526,"5,30":1527,"5,31":1528,"5,32":1529,"5,33":1530,"5,34":1531,"5,35":1532,"5,36":1533,"5,37":1534,"5,38":1535,"5,39":1536,"5,40":1537,"5,41":1538,"5,42":1539,"5,43":1540,"5,44":1541,"5,45":1542,"5,46":1543,"5,47":1544,"5,48":1545,"5,49":1546,"5,50":1547,"5,51":1548,"5,52":1549,"5,53":1550,"5,54":1551,"5,55":1552,"5,56":1553,"5,57":1554,"5,58":1555,"5,59":1556,"5,60":1557,"5,61":1558,"5,62":1559,"5,63":1560,"5,64":1561,"5,65":1562,"5,66":1563,"5,67":1564,"5,68":1565,"5,69":1566,"5,70":1567,"5,71":1568,"5,72":1569,"5,73":1570,"5,74":1571,"5,75":1572,"5,76":1573,"5,77":1574,"5,78":1575,"5,79":1576,"5,80":1577,"5,81":1578,"5,82":1579,"5,83":1580,"5,84":1581,"5,85":1582,"5,86":1583,"5,87":1584,"5,88":1585,"5,89":1586,"5,90":1587,"5,91":1588,"5,92":1589,"5,93":1590,"5,94":1591,"5,95":1592,"5,96":1593,"5,97":1594,"5,98":1595,"5,99":1596,"5,100":1597,"5,101":1598,"5,102":1599,"5,103":1600,"5,104":1601,"5,105":1602,"5,106":1603,"5,107":1604,"5,108":1605,"5,109":1606,"5,110":1607,"5,111":1608,"5,112":1609,"5,113":1610,"5,114":1611,"5,115":1612,"5,116":1613,"5,117":1614,"5,118":1615,"5,119":1616,"5,120":1617,"5,121":1618,"5,122":1619,"5,123":1620,"5,124":1621,"5,125":1622,"5,126":1623,"5,127":1624,"5,128":1625,"5,129":1626,"5,130":1627,"5,131":1628,"5,132":1629,"5,133":1630,"5,134":1631,"5,135":1632,"5,136":1633,"5,137":1634,"5,138":1635,"5,139":1636,"5,140":1637,"5,141":1638,"5,142":1639,"5,143":1640,"5,144":1641,"5,145":1642,"5,146":1643,"5,147":1644,"5,148":1645,"5,149":1646,"5,150":1647,"5,151":1648,"5,152":1649,"5,153":1650,"5,154":1651,"5,155":1652,"5,156":1653,"5,157":1654,"5,158":1655,"5,159":1656,"5,160":1657,"5,161":1658,"5,162":1659,"5,163":1660,"5,164":1661,"5,165":1662,"5,166":1663,"5,167":1664,"5,168":1665,"5,169":1666,"5,170":1667,"5,171":1668,"5,172":1669,"5,173":1670,"5,174":1671,"5,175":1672,"5,176":1673,"5,177":1674,"5,178":1675,"5,179":1676,"5,180":1677,"5,181":1678,"5,182":1679,"5,183":1680,"5,184":1681,"5,185":1682,"5,186":1683,"5,187":1684,"5,188":1685,"5,189":1686,"5,190":1687,"5,191":1688,"5,192":1689,"5,193":1690,"5,194":1691,"5,195":1692,"5,196":1693,"5,197":1694,"5,198":1695,"5,199":1696,"5,200":1697,"5,201":1698,"5,202":1699,"5,203":1700,"5,204":1701,"5,205":1702,"5,206":1703,"5,207":1704,"5,208":1705,"5,209":1706,"5,210":1707,"5,211":1708,"5,212":1709,"5,213":1710,"5,214":1711,"5,215":1712,"5,216":1713,"5,217":1714,"5,218":1715,"5,219":1716,"5,220":1717,"5,221":1718,"5,222":1719,"5,223":1720,"5,224":1721,"5,225":1722,"5,226":1723,"5,227":1724,"5,228":1725,"5,229":1726,"5,230":1727,"5,231":1728,"5,232":1729,"5,233":1730,"5,234":1731,"5,235":1732,"5,236":1733,"5,237":1734,"5,238":1735,"5,239":1736,"5,240":1737,"5,241":1738,"5,242":1739,"5,243":1740,"5,244":1741,"5,245":1742,"5,246":1743,"5,247":1744,"5,248":1745,"5,249":1746,"5,250":1747,"5,251":1748,"5,252":1749,"5,253":1750,"5,254":1751,"5,255":1752,"5,256":1753,"5,257":1754,"5,258":1755,"5,259":1756,"5,260":1757,"5,261":1758,"5,262":1759,"5,263":1760,"5,264":1761,"5,265":1762,"5,266":1763,"5,267":1764,"5,268":1765,"5,269":1766,"5,270":1767,"5,271":1768,"5,272":1769,"5,273":1770,"5,274":1771,"5,275":1772,"5,276":1773,"5,277":1774,"5,278":1775,"5,279":1776,"5,280":1777,"5,281":1778,"5,282":1779,"5,283":1780,"5,284":1781,"5,285":1782,"5,286":1783,"5,287":1784,"5,288":1785,"5,289":1786,"5,290":1787,"5,291":1788,"5,292":1789,"5,293":1790,"5,294":1791,"5,295":1792,"5,296":1793,"5,297":1794,"5,298":1795,"5,299":1796,"5,300":1797,"5,301":1798,"5,302":1799,"5,303":1800,"5,304":1801,"5,305":1802,"5,306":1803,"5,307":1804,"5,308":1805,"5,309":1806,"5,310":1807,"5,311":1808,"5,312":1809,"5,313":1810,"5,314":1811,"5,315":1812,"5,316":1813,"5,317":1814,"5,318":1815,"5,319":1816,"5,320":1817,"5,321":1818,"5,322":1819,"5,323":1820,"5,324":1821,"5,325":1822,"6,1":1823,"6,2":1824,"6,3":1825,"6,4":1826,"6,5":1827,"6,6":1828,"6,7":1829,"6,8":1830,"6,9":1831,"6,10":1832,"6,11":1833,"6,12":1834,"6,13":1835,"6,14":1836,"6,15":1837,"6,16":1838,"6,17":1839,"6,18":1840,"6,19":1841,"6,20":1842,"6,21":1843,"6,22":1844,"6,23":1845,"6,24":1846,"6,25":1847,"6,26":1848,"6,27":1849,"6,28":1850,"6,29":1851,"6,30":1852,"6,31":1853,"6,32":1854,"6,33":1855,"6,34":1856,"6,35":1857,"6,36":1858,"6,37":1859,"6,38":1860,"6,39":1861,"6,40":1862,"6,41":1863,"6,42":1864,"6,43":1865,"6,44":1866,"6,45":1867,"6,46":1868,"6,47":1869,"6,48":1870,"6,49":1871,"6,50":1872,"6,51":1873,"6,52":1874},"ٜ":{"1":[1,423],"2":[1,334],"3":[1,340],"4":[1,400],"5":[1,325],"6":[1,52]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52"],"ٞ":{"3":[1,2],"4":[3,4,5,6,7,8,9],"5":[10,11,12,13,14,15],"6":[16],"7":[17],"8":[18],"11":[19],"12":[20,21,22,23,24,25,26,27,28],"13":[29,30,31,32,33,34,35],"14":[36,37,38,39,40],"15":[41,42,43,44,45],"16":[46,47,48,49,50,51,52],"17":[53,54,55,56,57],"18":[58,59,60],"19":[61],"23":[62],"24":[63],"25":[64,65,66,67],"27":[68],"30":[69],"33":[70],"35":[71],"39":[72,73,74],"40":[75],"41":[76],"42":[77],"43":[78,79,80,81,82,83],"45":[84],"47":[85],"49":[86],"50":[87],"51":[88],"52":[89],"53":[90,91,92,93,94,95,96,97,98,99],"54":[100,101,102],"56":[103],"57":[104,105,106,107,108,109,110],"59":[111],"60":[112,113],"64":[114],"65":[115,116,117,118],"68":[119],"69":[120],"72":[121],"74":[122],"75":[123],"76":[124],"77":[125],"78":[126],"79":[127],"80":[128],"81":[129,130,131],"82":[132],"83":[133],"86":[134],"87":[135],"90":[136],"91":[137],"94":[138],"95":[139],"98":[140],"99":[141],"103":[142],"104":[143],"105":[144],"107":[145],"108":[146,147,148,149,150,151,152,153,154,155],"109":[156],"110":[157],"111":[158],"115":[159,160,161,162],"116":[163],"117":[164],"119":[165],"120":[166],"121":[167],"123":[168],"125":[169],"127":[170],"128":[171],"129":[172],"130":[173],"133":[174],"134":[175],"135":[176],"138":[177],"140":[178],"143":[179],"144":[180],"148":[181],"149":[182],"154":[183],"157":[184],"158":[185],"159":[186,187],"160":[188,189,190,191],"161":[192],"162":[193,194,195,196,197,198,199,200,201,202],"163":[203,204,205,206,207,208],"164":[209],"165":[210,211,212],"167":[213],"168":[214],"169":[215],"170":[216],"173":[217],"174":[218],"175":[219],"176":[220],"179":[221],"180":[222],"181":[223],"185":[224],"188":[225],"189":[226],"191":[227],"192":[228,229],"195":[230],"196":[231],"199":[232],"200":[233],"202":[234],"203":[235],"206":[236],"207":[237],"209":[238],"210":[239],"211":[240],"212":[241],"215":[242],"216":[243],"217":[244],"218":[245,246],"222":[247],"223":[248],"224":[249],"225":[250],"226":[251],"230":[252],"231":[253],"233":[254],"234":[255,256],"236":[257],"237":[258,259],"238":[260],"239":[261],"241":[262],"246":[263,264,265],"247":[266,267,268],"248":[269,270,271],"249":[272],"250":[273],"251":[274,275,276,277,278],"252":[279,280,281,282,283],"253":[284,285],"255":[286],"256":[287],"259":[288],"260":[289,290],"263":[291],"264":[292],"265":[293],"266":[294],"267":[295],"268":[296],"269":[297,298],"270":[299],"271":[300],"272":[301],"275":[302],"276":[303],"278":[304,305,306,307],"279":[308],"280":[309],"283":[310],"284":[311,312],"285":[313],"286":[314],"287":[315],"290":[316],"291":[317],"293":[318],"294":[319],"296":[320],"297":[321],"300":[322],"301":[323],"304":[324],"305":[325,326],"306":[327],"307":[328],"308":[329,330],"309":[331,332],"310":[333],"311":[334],"315":[335],"318":[336],"320":[337],"322":[338],"323":[339],"325":[340],"326":[341,342],"328":[343],"329":[344],"330":[345,346,347,348],"331":[349,350],"333":[351],"334":[352,353,354,355],"335":[356,357,358,359],"336":[360,361],"338":[362],"339":[363],"340":[364],"341":[365,366,367,368,369,370,371],"342":[372,373,374,375],"347":[376],"348":[377,378],"349":[379],"351":[380],"352":[381],"353":[382],"354":[383],"356":[384],"357":[385,386],"358":[387],"360":[388,389,390],"361":[391],"362":[392],"364":[393],"365":[394,395],"366":[396],"367":[397],"368":[398],"369":[399],"370":[400],"371":[401],"372":[402,403],"374":[404],"375":[405],"376":[406],"378":[407,408,409,410,411],"379":[412,413,414],"380":[415,416,417,418],"381":[419,420],"382":[421,422,423,424],"383":[425,426,427,428,429],"387":[430,431],"389":[432],"392":[433],"393":[434],"395":[435,436],"397":[437],"398":[438,439,440],"399":[441],"400":[442],"403":[443],"404":[444],"405":[445],"408":[446],"410":[447],"411":[448],"414":[449],"415":[450,451],"416":[452],"418":[453],"419":[454,455],"420":[456],"421":[457,458,459,460,461,462],"422":[463,464,465],"423":[466],"424":[467],"427":[468],"428":[469],"433":[470],"434":[471],"436":[472],"437":[473],"438":[474],"439":[475],"441":[476],"442":[477],"444":[478],"445":[479,480,481,482,483],"446":[484],"447":[485],"449":[486],"450":[487],"451":[488,489],"453":[490],"454":[491],"455":[492,493],"456":[494],"457":[495],"458":[496],"460":[497],"462":[498,499,500,501,502,503],"463":[504],"464":[505],"465":[506,507],"466":[508,509],"467":[510],"470":[511],"471":[512,513,514],"473":[515],"474":[516,517,518,519],"476":[520],"477":[521],"479":[522],"480":[523],"483":[524],"484":[525,526,527,528],"485":[529],"486":[530],"487":[531],"488":[532],"489":[533],"491":[534],"492":[535,536],"493":[537],"495":[538],"496":[539,540],"498":[541,542],"499":[543,544],"500":[545],"501":[546],"504":[547],"505":[548],"506":[549],"507":[550],"509":[551],"510":[552,553,554],"511":[555],"512":[556],"513":[557,558,559],"514":[560,561],"515":[562,563,564,565],"516":[566],"518":[567],"519":[568,569],"520":[570],"521":[571],"522":[572,573],"523":[574,575,576],"529":[577],"530":[578,579],"531":[580],"534":[581],"537":[582],"539":[583],"540":[584],"541":[585],"543":[586],"545":[587],"548":[588],"549":[589],"551":[590],"553":[591],"554":[592],"555":[593],"556":[594],"557":[595,596],"558":[597],"559":[598],"560":[599,600,601,602,603],"561":[604,605,606,607,608],"562":[609],"565":[610],"566":[611,612,613,614,615,616],"567":[617,618],"569":[619],"570":[620],"572":[621],"573":[622,623],"574":[624],"575":[625],"577":[626,627,628,629,630,631,632,633,634],"579":[635],"582":[636],"584":[637],"587":[638],"588":[639],"589":[640],"592":[641],"593":[642],"594":[643],"595":[644],"596":[645,646,647],"598":[648],"602":[649],"604":[650],"605":[651],"608":[652],"609":[653,654],"612":[655],"613":[656],"614":[657],"615":[658],"616":[659],"617":[660],"618":[661],"619":[662],"623":[663],"624":[664],"625":[665],"626":[666],"627":[667,668],"628":[669],"629":[670],"630":[671],"633":[672],"635":[673],"636":[674],"637":[675],"638":[676,677,678,679],"639":[680,681,682],"640":[683],"642":[684],"643":[685],"644":[686],"646":[687],"647":[688],"648":[689],"649":[690,691],"650":[692],"651":[693,694],"655":[695],"656":[696,697],"660":[698],"661":[699],"664":[700],"665":[701],"667":[702],"668":[703],"671":[704],"672":[705],"674":[706],"675":[707],"677":[708],"679":[709],"680":[710],"681":[711],"682":[712],"683":[713,714],"684":[715,716,717,718,719,720,721,722],"685":[723,724],"686":[725],"688":[726],"689":[727,728],"690":[729,730,731],"691":[732],"696":[733],"697":[734],"700":[735,736,737,738],"701":[739],"702":[740],"705":[741],"706":[742],"708":[743],"709":[744],"710":[745],"711":[746],"713":[747],"714":[748],"715":[749],"716":[750],"717":[751],"718":[752],"719":[753],"720":[754,755],"722":[756,757,758],"723":[759],"725":[760],"726":[761],"727":[762],"728":[763],"729":[764,765,766,767,768,769],"730":[770],"731":[771],"732":[772],"734":[773],"735":[774],"738":[775],"739":[776,777],"740":[778],"742":[779],"743":[780,781],"744":[782],"749":[783],"750":[784],"751":[785],"752":[786,787],"753":[788],"754":[789],"755":[790],"757":[791],"758":[792,793],"761":[794],"762":[795],"763":[796],"764":[797],"765":[798,799],"767":[800,801,802,803,804],"768":[805,806,807,808,809,810],"770":[811,812,813,814],"771":[815,816,817,818,819,820],"777":[821],"779":[822],"780":[823,824],"782":[825],"784":[826,827,828],"785":[829,830],"786":[831],"788":[832],"789":[833],"792":[834,835],"793":[836],"796":[837],"797":[838],"800":[839],"801":[840],"803":[841],"804":[842],"807":[843],"808":[844,845,846,847,848,849,850],"809":[851,852,853,854,855,856,857,858],"810":[859],"811":[860],"813":[861],"814":[862],"818":[863,864],"820":[865],"821":[866],"824":[867],"825":[868],"827":[869],"828":[870],"830":[871],"831":[872],"832":[873],"833":[874],"834":[875,876],"835":[877,878,879,880,881,882,883],"836":[884,885,886,887,888],"837":[889,890],"840":[891],"841":[892],"844":[893],"845":[894],"847":[895],"848":[896,897],"849":[898],"854":[899],"855":[900],"857":[901],"858":[902],"860":[903],"861":[904,905,906,907],"862":[908],"863":[909],"864":[910],"865":[911,912],"867":[913],"870":[914],"873":[915],"875":[916],"876":[917],"877":[918,919],"879":[920],"880":[921,922],"881":[923,924,925],"882":[926,927,928],"883":[929],"887":[930],"888":[931],"889":[932,933,934],"891":[935],"893":[936],"894":[937,938,939,940,941,942,943],"895":[944,945,946,947],"897":[948,949,950,951],"898":[952],"901":[953,954,955],"902":[956,957],"903":[958],"905":[959],"906":[960],"914":[961],"915":[962],"917":[963],"918":[964],"921":[965],"922":[966],"923":[967],"924":[968],"926":[969],"927":[970],"941":[971],"942":[972],"946":[973],"947":[974],"952":[975,976,977,978,979],"953":[980,981,982,983],"954":[984,985,986],"955":[987,988],"956":[989],"960":[990],"961":[991],"962":[992,993],"963":[994,995,996],"964":[997],"965":[998],"967":[999,1000,1001,1002,1003],"968":[1004,1005,1006,1007],"971":[1008],"972":[1009],"974":[1010],"975":[1011],"978":[1012],"979":[1013],"980":[1014,1015],"981":[1016],"983":[1017],"984":[1018],"985":[1019],"986":[1020],"990":[1021],"991":[1022],"992":[1023],"993":[1024],"995":[1025],"996":[1026],"998":[1027],"999":[1028],"1000":[1029],"1001":[1030],"1003":[1031],"1004":[1032],"1011":[1033],"1012":[1034],"1020":[1035],"1022":[1036],"1028":[1037],"1029":[1038],"1041":[1039],"1042":[1040],"1044":[1041],"1045":[1042],"1047":[1043],"1048":[1044],"1050":[1045],"1051":[1046],"1052":[1047],"1053":[1048],"1054":[1049],"1055":[1050],"1056":[1051],"1057":[1052],"1061":[1053],"1063":[1054],"1066":[1055],"1067":[1056],"1070":[1057],"1071":[1058,1059,1060,1061],"1072":[1062],"1074":[1063],"1076":[1064],"1077":[1065],"1079":[1066,1067,1068,1069],"1080":[1070],"1081":[1071],"1082":[1072],"1083":[1073],"1085":[1074],"1086":[1075],"1087":[1076],"1088":[1077,1078],"1089":[1079],"1090":[1080],"1091":[1081],"1095":[1082],"1096":[1083],"1097":[1084],"1098":[1085,1086],"1099":[1087],"1100":[1088],"1104":[1089],"1105":[1090],"1108":[1091],"1109":[1092],"1110":[1093],"1112":[1094],"1114":[1095],"1115":[1096],"1120":[1097],"1121":[1098],"1122":[1099],"1123":[1100,1101,1102,1103,1104,1105,1106],"1124":[1107,1108,1109,1110,1111],"1125":[1112,1113,1114,1115,1116,1117,1118,1119],"1126":[1120,1121],"1127":[1122],"1128":[1123,1124],"1132":[1125],"1133":[1126],"1134":[1127],"1135":[1128],"1136":[1129],"1138":[1130,1131],"1139":[1132],"1140":[1133],"1141":[1134,1135,1136,1137],"1142":[1138,1139,1140],"1143":[1141,1142],"1144":[1143],"1145":[1144],"1146":[1145],"1148":[1146],"1149":[1147],"1151":[1148,1149],"1152":[1150],"1153":[1151],"1154":[1152],"1161":[1153],"1162":[1154],"1163":[1155,1156,1157],"1164":[1158,1159,1160,1161,1162],"1165":[1163,1164],"1166":[1165],"1169":[1166],"1173":[1167],"1174":[1168],"1176":[1169],"1177":[1170],"1179":[1171],"1180":[1172],"1181":[1173],"1182":[1174],"1183":[1175,1176,1177,1178,1179],"1184":[1180],"1185":[1181,1182,1183,1184,1185,1186,1187],"1186":[1188],"1187":[1189,1190,1191],"1188":[1192,1193,1194,1195],"1189":[1196],"1190":[1197,1198,1199,1200],"1191":[1201,1202],"1194":[1203,1204,1205,1206,1207,1208],"1195":[1209,1210,1211],"1196":[1212,1213,1214],"1197":[1215],"1198":[1216],"1199":[1217,1218,1219,1220,1221,1222],"1200":[1223,1224,1225,1226],"1204":[1227],"1206":[1228],"1207":[1229],"1209":[1230,1231,1232,1233,1234,1235],"1210":[1236],"1213":[1237],"1214":[1238],"1218":[1239],"1219":[1240,1241],"1220":[1242],"1225":[1243],"1226":[1244],"1227":[1245],"1228":[1246],"1230":[1247],"1231":[1248,1249,1250,1251,1252,1253,1254,1255],"1232":[1256,1257],"1233":[1258],"1236":[1259],"1237":[1260],"1241":[1261],"1242":[1262],"1244":[1263],"1245":[1264],"1247":[1265],"1248":[1266],"1249":[1267],"1250":[1268],"1252":[1269],"1253":[1270],"1255":[1271,1272],"1256":[1273],"1262":[1274],"1263":[1275,1276],"1264":[1277,1278],"1265":[1279],"1266":[1280,1281],"1267":[1282],"1268":[1283],"1269":[1284,1285],"1270":[1286],"1272":[1287],"1273":[1288,1289],"1274":[1290],"1275":[1291,1292,1293,1294],"1276":[1295,1296,1297],"1277":[1298],"1278":[1299],"1279":[1300],"1280":[1301],"1281":[1302],"1283":[1303,1304,1305],"1284":[1306,1307,1308,1309],"1285":[1310,1311,1312,1313],"1286":[1314,1315],"1287":[1316],"1288":[1317],"1289":[1318],"1293":[1319],"1294":[1320],"1295":[1321,1322,1323,1324,1325],"1296":[1326,1327,1328,1329,1330],"1297":[1331,1332,1333,1334,1335,1336,1337],"1298":[1338],"1299":[1339],"1301":[1340],"1302":[1341,1342],"1303":[1343],"1304":[1344],"1305":[1345,1346],"1306":[1347],"1309":[1348],"1310":[1349],"1312":[1350],"1313":[1351],"1314":[1352],"1315":[1353],"1316":[1354,1355,1356,1357],"1317":[1358,1359,1360],"1318":[1361,1362],"1319":[1363],"1328":[1364,1365],"1329":[1366],"1332":[1367],"1333":[1368],"1337":[1369],"1338":[1370],"1339":[1371],"1340":[1372],"1341":[1373],"1342":[1374],"1347":[1375],"1353":[1376],"1354":[1377],"1361":[1378],"1362":[1379],"1364":[1380],"1365":[1381],"1367":[1382],"1368":[1383],"1372":[1384],"1373":[1385],"1378":[1386],"1379":[1387],"1380":[1388],"1381":[1389],"1385":[1390,1391,1392],"1389":[1393,1394,1395,1396,1397,1398,1399,1400,1401],"1390":[1402,1403,1404,1405,1406,1407,1408,1409,1410,1411,1412,1413],"1391":[1414],"1394":[1415],"1395":[1416],"1396":[1417],"1397":[1418],"1398":[1419],"1401":[1420],"1402":[1421],"1403":[1422],"1405":[1423],"1407":[1424,1425,1426],"1409":[1427],"1410":[1428,1429,1430,1431],"1412":[1432],"1413":[1433],"1414":[1434],"1415":[1435],"1419":[1436],"1420":[1437],"1421":[1438],"1422":[1439],"1424":[1440],"1425":[1441],"1426":[1442],"1427":[1443],"1428":[1444,1445,1446,1447,1448,1449,1450],"1429":[1451,1452,1453,1454,1455,1456,1457],"1430":[1458,1459,1460],"1431":[1461],"1441":[1462],"1442":[1463],"1445":[1464],"1446":[1465],"1447":[1466],"1449":[1467],"1451":[1468,1469],"1454":[1470],"1455":[1471],"1458":[1472],"1459":[1473],"1461":[1474],"1462":[1475],"1464":[1476],"1465":[1477],"1467":[1478,1479],"1468":[1480,1481],"1469":[1482],"1471":[1483],"1472":[1484],"1478":[1485],"1479":[1486],"1483":[1487],"1484":[1488],"1485":[1489],"1486":[1490],"1487":[1491],"1488":[1492],"1496":[1493],"1497":[1494],"1498":[1495],"1502":[1496],"1503":[1497],"1507":[1498],"1508":[1499],"1511":[1500],"1512":[1501,1502],"1513":[1503],"1516":[1504,1505],"1517":[1506],"1520":[1507],"1521":[1508],"1526":[1509],"1527":[1510],"1528":[1511],"1529":[1512],"1534":[1513],"1535":[1514],"1536":[1515],"1537":[1516],"1538":[1517,1518,1519,1520,1521],"1539":[1522],"1540":[1523,1524],"1546":[1525],"1547":[1526],"1549":[1527],"1550":[1528],"1553":[1529],"1558":[1530],"1559":[1531],"1560":[1532],"1561":[1533],"1563":[1534],"1564":[1535],"1574":[1536],"1575":[1537],"1576":[1538],"1577":[1539],"1579":[1540],"1580":[1541],"1581":[1542],"1582":[1543],"1584":[1544],"1585":[1545,1546],"1586":[1547,1548],"1587":[1549],"1589":[1550,1551,1552,1553,1554],"1592":[1555],"1593":[1556],"1595":[1557],"1596":[1558],"1600":[1559],"1601":[1560],"1602":[1561],"1603":[1562],"1605":[1563],"1606":[1564],"1609":[1565],"1610":[1566],"1613":[1567],"1614":[1568,1569],"1615":[1570],"1616":[1571],"1617":[1572],"1619":[1573],"1620":[1574],"1626":[1575],"1627":[1576,1577],"1628":[1578],"1629":[1579],"1630":[1580],"1632":[1581],"1633":[1582],"1634":[1583],"1635":[1584],"1636":[1585],"1637":[1586],"1638":[1587],"1644":[1588],"1645":[1589],"1646":[1590],"1656":[1591],"1657":[1592],"1660":[1593],"1661":[1594],"1662":[1595,1596,1597,1598,1599],"1663":[1600,1601,1602,1603,1604],"1664":[1605],"1667":[1606,1607,1608,1609,1610],"1668":[1611,1612,1613],"1669":[1614],"1670":[1615],"1671":[1616],"1672":[1617,1618,1619],"1673":[1620,1621],"1674":[1622],"1675":[1623],"1676":[1624],"1677":[1625],"1678":[1626],"1680":[1627],"1681":[1628],"1682":[1629,1630],"1683":[1631,1632,1633],"1684":[1634,1635],"1685":[1636],"1686":[1637,1638,1639],"1687":[1640],"1690":[1641],"1691":[1642],"1693":[1643],"1695":[1644],"1696":[1645],"1697":[1646],"1698":[1647],"1700":[1648],"1702":[1649],"1703":[1650],"1707":[1651],"1708":[1652],"1710":[1653],"1711":[1654],"1715":[1655],"1716":[1656],"1719":[1657,1658],"1720":[1659],"1722":[1660],"1725":[1661,1662],"1726":[1663],"1727":[1664,1665,1666,1667,1668,1669],"1728":[1670,1671,1672],"1729":[1673,1674],"1730":[1675,1676,1677],"1731":[1678,1679,1680,1681,1682,1683],"1732":[1684],"1736":[1685],"1737":[1686],"1738":[1687],"1739":[1688,1689,1690,1691,1692,1693],"1742":[1694],"1743":[1695],"1744":[1696],"1745":[1697],"1746":[1698],"1747":[1699],"1749":[1700],"1750":[1701],"1752":[1702],"1753":[1703],"1760":[1704,1705,1706],"1761":[1707,1708],"1762":[1709],"1763":[1710,1711],"1764":[1712,1713],"1765":[1714],"1770":[1715],"1771":[1716],"1772":[1717],"1773":[1718],"1774":[1719],"1775":[1720],"1780":[1721],"1781":[1722,1723],"1782":[1724],"1783":[1725],"1784":[1726],"1787":[1727],"1788":[1728],"1789":[1729],"1790":[1730],"1791":[1731],"1794":[1732],"1795":[1733],"1797":[1734],"1798":[1735],"1799":[1736],"1800":[1737],"1801":[1738],"1802":[1739],"1803":[1740],"1804":[1741],"1805":[1742,1743],"1806":[1744],"1809":[1745],"1810":[1746],"1812":[1747,1748],"1814":[1749,1750],"1815":[1751,1752,1753,1754],"1816":[1755],"1817":[1756],"1818":[1757],"1819":[1758],"1820":[1759],"1821":[1760],"1822":[1761,1762],"1823":[1763],"1824":[1764],"1825":[1765],"1826":[1766],"1828":[1767],"1829":[1768],"1830":[1769],"1831":[1770],"1833":[1771],"1834":[1772],"1836":[1773],"1837":[1774],"1840":[1775],"1841":[1776],"1847":[1777],"1848":[1778],"1849":[1779],"1850":[1780],"1852":[1781],"1853":[1782],"1855":[1783,1784,1785],"1856":[1786,1787,1788,1789],"1857":[1790],"1858":[1791],"1859":[1792],"1860":[1793],"1861":[1794],"1862":[1795],"1863":[1796],"1866":[1797,1798],"1867":[1799,1800],"1870":[1801],"1871":[1802],"1872":[1803],"1873":[1804],"1874":[1805]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nتفسير القرآن الكريم\n\nسورة الفاتحة - سورة البقرة\nسورة آل عمران- سورة النساء\n\nفوائد - منوعات - فضائل - أقوال\n\nإعداد\nسليمان بن محمد اللهيميد\nالسعودية - رفحاء","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nتفسير الاستعاذة والبسملة\n\nتفسير سورة الفاتحة\n\n١٠/ ٤/ ١٤٣١ هـ","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>تفسير الاستعاذة والبسملة.</span>\n<span data-type='title' id=toc-2>(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).</span>\n<hr><s0>\n\n(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أي أستجير بجناب الله من الشيطان أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله.\n• قوله تعالى (الشيطان) يحتمل: أن المراد به الشيطان المخصوص وهو إبليس الذي كانت قصته مع أبينا آدم، ويحتمل: أن المراد به كل شيطان [كل ما يصدق عليه هذا الاسم أو الوصف]، وهذا أصح، لأنه يدخل فيه الأول ويدخل فيه سائر الشياطين، ومن المعلوم أن سائر الشياطين يصدون الإنسان عن طاعة الله.\n• قوله تعالى (الشيطان) مشتق على الصحيح من شَطَن أي بعُد، فالشيطان بعيد عن الخير وطباع البشر وعن كل معروف، وقيل: مشتق من شاط، لأنه مخلوق من نار، والأول أصح.\n• (الرجيم) صفة للشيطان، فالرجيم فعيل بمعنى مفعول أي: إنه مرجوم مطرود عن الخير كله.\nوالرجم أصله الرمي بالحجارة، والشيطان مرجوم بالقول وبالفعل:\nبالقول: بالسب والشتم والذم ويلحق به كل قول قبيح.\nوبالفعل: أن رجمه الله أي طرده وأبعده من رحمته، ويرجم بالشهب كما قال تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين) وقال تعالى (إنا زينا السماء الدنيا بزينةٍ الكواكب وحفظًا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورًا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب).\nوقيل: رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس. قال ابن كثير: والأول أشهر وأصح. [تفسير ابن كثير]","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>مباحث:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-4> تشرع الاستعاذة في مواضع:</span>\n<span data-type='title' id=toc-5>منها: عند قراءة القرآن.</span>\nقال تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-6>ومنها: عند حصول نزغ من الشيطان ووسوسة.</span>\nقال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-7>ومنها: عند ما يوسوس الشيطان للمسلم في معتقده بربه.</span>\nلحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك، فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>ومنها: عند ما يُلبس الشيطان على الإنسان في صلاته.</span>\nلحديث عثمان بن أبي العاص (أنه أتى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليّ، فقال رسول الله -ﷺ-: ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته، فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا، قال: فعلت ذلك، فأذهبه الله عني) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-9>ومنها: عند الغضب.</span>\nلحديث سليمان بن صُرد قال (استب رجلان عند النبي -ﷺ- ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي -ﷺ-: إني لأعلم كلمة لو قالها، لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، …) متفق عليه.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>ومنها: عندما يرى الإنسان رؤيا يكرهها.</span>\nلحديث أبي قتادة. قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه، فلينفث عن يساره ثلاثًا، ويتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره ..، وفي رواية: وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها … فإنها لن تضره).\n\n<span data-type='title' id=toc-11>ومنها: عند نزول منزل.</span>\nلحديث خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول (من نزل منزلًا، ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق، لم يضره شيء، حتى يرتحل من منزله ذلك) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>ومنها: عند دخول الخلاء.</span>\nلحديث أنس. قال (كان النبي -ﷺ- إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) متفق عليه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-13> اختلف العلماء في حكم الاستعاذة في الصلاة وخارجها على قولين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-14>القول الأول: أنها واجبة.</span>\nلقوله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) قالوا: هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.\nاستحباب الاستعاذة قبل القراءة، وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوبها قبل القراءة لقوله تعالى (فاستعذ بالله).\n\n<span data-type='title' id=toc-15>القول الثاني: أنها مستحبة قبل القراءة، سواء كان ذلك في الصلاة أو خارجها.</span>\nوهذا قول جمهور العلماء.\nقال ابن كثير: وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة، يأثم تاركها.\nوقال النووي: ثم إن التعوذ مستحب وليس بواجب، وهو مستحب لكل قارئ، سواء كان في الصلاة أو في غيرها.\nويدل على عدم الوجوب:\nحديث أنس قال النبي -ﷺ- (لقد أنزلت علي سورة آنفًا: بسم الله الرحمن الرحيم. إنا أعطيناك الكوثر) رواه مسلم. ولم يذكر الاستعاذة.\nولأن النبي -ﷺ- لم يعلمها الأعرابي حين علمه الصلاة، وهذا القول هو الصحيح.\n• قوله (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) هذه إحدى صيغ الاستعاذة. واختار هذه الصيغة أكثر العلماء، لأنها الصيغة التي جاءت بالقرآن. [الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٦٢].","vol":"1","page":5},{"text":"وهو الذي ورد في السنة كما في حديث سليمان بن صُرد قال (استب رجلان عند النبي -ﷺ- ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي -ﷺ-: إني لأعلم كلمة لو قالها، لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، …) متفق عليه.\nقال ابن عطية: وأما لفظ الاستعاذة، فالذي عليه جمهور الناس، هو لفظ كتاب الله تعالى (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).\nالصيغة الثاني: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، كما قال تعالى (فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم).\nالصيغة الثالثة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.\nكما في حديث أبي سعيد الذي عند أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا قام من الليل فاستفتح صلاته\nوكبر قال (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك - ثم يقول - أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه).\nقال ابن كثير: وقد فسر الهمز بالموتة وهي الخنق، والنفخ الكبر، والنفث الشعر [الشعر المذموم].\n\n•<span data-type='title' id=toc-16> الحكمة من الاستعاذة قبل القراءة:</span>\nأولًا: أن القرآن شفاء لما في الصدور يُذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات.\nثانيًا: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن وتستمع لقراءته، والشيطان ضد الملك وعدوه، فأمر القارئ أن يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه.\nثالثًا: أن الشيطان يُجلب بخيله ورجله على القارئ حتى يشغله عن المقصود بالقرآن.\nرابعًا: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير أو يدخل فيه. [إغاثة اللهفان: ١/ ١٠٧].\n• ذهب جماهير العلماء أن الاستعاذة تكون قبل القراءة، ويدل لذلك:\nقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) المعنى: إذا أردت القراءة فاستعذ بالله.\nقال الشنقيطي في قوله تعالى: (فإذا قرأت لقرآن فاستعذ بالله): إنه على حذف الإرادة، أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، والدليل على ذلك تكرر حذف الإرادة في القرآن، وفي كلام العرب، لدلالة المقام عليه، كقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ..) الآية، أي إذا أردتم القيام إليها. … [أضواء البيان:].\nوأيضًا فعل النبي -ﷺ-، فإنه كان يستعيذ قبل القراءة.\nوقال بعض العلماء: تكون الاستعاذة بعد القراءة، على ظاهر الآية (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله).\nوالراجح قول الجمهور.","vol":"1","page":6},{"text":"• فيه أنه لا نجاة من الشيطان الجني إلا بالاستعاذة، أما الشيطان الإنسي فكما قال تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) وقال تعالى (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم).\nقال ابن كثير: … ولهذا أمر الله بمصانعة شيطان الإنسان ومداراته بإسداءِ الجميل إليه، ليَرُدَّهُ طبعُه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رِشوةً ولا يؤثر فيه جميل، لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة قوله تعالى في الأعراف (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ …) هذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر ثم قال (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وقال تعالى في سورة قد أفلح (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ. وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ). وقال تعالى في فصلت (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nفالشيطان الجني لا يقبل رشوة ولا إحسانًا، لا يبتغي إلا هلاك بني آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل كما قال تعالى (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) وقال تعالى (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)، وقد أقسم للوالد آدم ﵇ إنه لمن الناصحين وكذب فكيف معاملته لنا وقد قال (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).\nقال بعض العلماء: إن نظرت إلى قصة أبيك فإنه أقسم بأنه له من الناصحين ثم كان عاقبة ذلك الأمر أنه سعى في إخراجه من الجنة، وأما في حقك فإنه أقسم بأنه يضلك ويغويك فقال (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) فإذا كانت هذه معاملته مع أنه قد أقسم أنه من الناصحين فكيف تكون معاملته مع أنه أقسم أنه يضل ويغوي؟!\n\n<span data-type='title' id=toc-17>الفوائد:</span>\n١ - مشروعية الاستعاذة دائمًا من الشيطان.\n٢ - فيه دليل على أن الإنسان ينبغي أن يطلب العون من الله على الطاعة وعلى مجاهدة عدوه.\n٣ - وفيه دليل على اعتراف العبد بالعجز وقدرة الرب.\n٤ - وفيه أنه لا وسيلة إلى القرب من الله إلا بالعجز والانكسار.\n٥ - وفيه الإقرار بالفقر التام للعبد، والغنى التام لله ﷾.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>تفسير (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ).</span>\n<hr><s0>\n\n(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) أي أبتدئ بتسمية الله وذكرهِ قبل كل شيء، مستعينًا به جل وعلا في جميع أموري، طالبًا منه وحده العون، فإنه الرب المعبود ذو الفضل والجود، واسع الرحمة كثير التفضل والإحسان، الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمَّ فضله جميع الأنام.\n• يستحب للمسلم أن يبدأ قراءة القرآن بالبسملة.\n• (الله) علم على ذاته ﵎، وكل الأسماء الحسنة تضاف إليه كما قال تعالى (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى).\nوقال -ﷺ- (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة) متفق عليه.\nولذلك تقول: الرحمن من أسماء الله، ولا تقول الله من أسماء الرحمن.\n• ومعنى (الله) أي: المألوه المعبود الذي تعبده الخلائق، وتتأله له محبة وتعظيمًا وخضوعًا له، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب، لما له من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال.\n• (الله) لا يعرف أحد تسمى به لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو مختص بالله لفظًا ومعنى.\nلفظًا: أي أن هذا اللفظ لا يصح أن يسمى به أحد.\nومعنى: أي أن الصفة التي تضمنها هذا الاسم وهي الإلهية لا يصلح شيء منها للمخلوق.\n• قال بعض العلماء: إنه الاسم الأعظم.\nلأنه يوصف بجميع الصفات، هذا دليل نظري على أن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم الأعظم، أي أن هذه الأسماء جميعًا ترجع إليه لفظًا ومعنى.\n• معنى ترجع إليه لفظًا: أي أن أسماء الله تأتي بعده ولا يأتي بعد شيء منها كما سبق في الآيات الحديث.\n• ومعنى ترجع إليه معنىً: أي أن هذا الاسم يتضمن صفة الإلهية وهي أوسع الصفات، وهذه الصفة ترجع إليها جميع الصفات.\nوقد اختلف العلماء ما هو الاسم الأعظم الذي ورد فيه الحديث (لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى).","vol":"1","page":8},{"text":"القول الأول: هو الله.\nللعلة التي سبقت وهي أن جميع الأسماء ترجع إليه.\nولأنه الاسم الذي تكرر في الأحاديث الواردة ومنها: أن رجلًا قال (اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد فقال -ﷺ-: لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى) رواه أبو داود.\nوكحديث أنس قال (كنت جالسًا مع النبي -ﷺ- في المسجد ورجل يصلي فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات … فقال رسول الله -ﷺ-: دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب) رواه أبو داود.\nولأن هذا الاسم ما أطلق على غير الله.\nالقول الثاني: إن اسم الله الأعظم: الحي القيوم.\nواستدل لهذا القول ببعض الأحاديث التي فيها مقال مثل حديث (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وفاتحة آل عمران (ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وهما عند أبي داود.\nوهذان القولان أقوى الأقوال، والأول أقوى من الثاني.\n• قوله (الله) اختلف هل هو مشتق أم غير مشتق والراجح أنه مشتق.\nقال الشيخ حافظ حكمي ﵀: واختلفوا في اشتقاقه على أقوال أقواها أنه مشتق من أله يأله إلاهة، فأصل الاسم الإله، ومن أقوى الأدلة عليه قوله تعالى (وهو الله في السماوات وفي الأرض) مع قوله ﷿ (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) ومعناه ذو الألوهية التي لا تنبغي إلا له.\n• فائدة: والأسماء المشتقة أبلغ من الأسماء الجامدة، لأن الأسماء المشتقة تتضمن أوصافًا، بخلاف الأسماء الجامدة، فكل أسماء الله مشتقة.\n• قوله (الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم.","vol":"1","page":9},{"text":"لكن ما الفرق بينهما:\nقيل: الرحمن: ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة الخاصة للمؤمنين يوم القيامة.\nواستدلوا بقوله تعالى (وكان بالمؤمنين رحيمًا).\nوقيل: الرحمن يدل على الصفة العائدة على الله من الرحمة، والرحيم يدل على تعلقها بالمرحوم، فالرحمن دال على أن الرحمة صفته، والرحيم دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وهذا أصح وهو اختيار ابن القيم.\nإذن: الرحمن تدل على الوصف، والرحيم تدل على الفعل، أي: على أنه يرحم.\nومما يضعف القول الأول قوله تعالى (إن الله بالناس لرؤوف رحيم).\n• … (الرحمن) على وزن فعلان، وهو ذو الرحمة الواسعة. (والرحيم) الموصل رحمته لمن يشاء من عباده.\n• … (الرحمن) مختص بالله لا يسمى به غيره ولا يعرف أحد تسمى به، قال ابن كثير: ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب فصار يضرب به المثل في الكذب.\n• والفرق بين الرحمن والله: الله مختص بالله لفظًا ومعنى، وأما الرحمن مختص بالله لفظًا لا معنى، فإن المخلوق يوصف بالرحمة.\n• وقد قسّم العلماء - ﵏ - الرحمة إلى قسمين:\nعامة - وخاصة.\nفأما العامة: فهي الشاملة لجميع الخلق (المؤمن والكافر والبر والفاجر)، فكل الخلق تحت رحمة الله ﷿.","vol":"1","page":10},{"text":"وأما الرحمة الخاصة: فهي التي تختص بالمؤمنين.\nوالفرق بينهما: أن الرحمة الخاصة تتصل برحمة الآخرة، فيكون لله على المؤمنين رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة.\nوأما الرحمة العامة: فلا أثر لها إلا في الدنيا، ولذلك الكفار في الآخرة يعاملون بالعدل ولا يعاملون بالرحمة\n• قال الشيخ ابن عثيمين: وذكر هذين الاسمين الكريمين في البسملة التي تتقدم فعل العبد وقوله، إشارة إلى أن الله إذا لم يرحمك فلن تستفيد لا من هذا الفعل ولا من هذا القول، ولهذا قال النبي -ﷺ-: (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).\n\n<span data-type='title' id=toc-19>الفوائد:</span>\n١ - إثبات اسم من أسماء الله وهو الرحمن المتضمن للرحمة الواسعة.\nالواسعة: كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).\nوقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورحمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).\nورحمته سبقت غضبه: كما قال -ﷺ- (إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب عنده: إن رحمتي تغلب غضبي) متفق عليه.\nوالله أرحم بعباده من الأم بولدها. كما في حديث عمر أنه قال (قدم على رسول الله بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي، إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته بطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله -ﷺ-: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله -ﷺ-: الله أرحم بعباده من هذه بولدها) متفق عليه.","vol":"1","page":11},{"text":"• وإذا كان الله ذو رحمة واسعة فينبغي أن يعمل ب<span data-type='title' id=toc-20>الأسباب التي تنال بها الرحمة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-21>أولًا: رحمة الناس.</span>\nقال -ﷺ- (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.\nوقال -ﷺ- (إنما يرحم الله من عباده الرحماء).\nوقال -ﷺ- (والشاة إن رحمتها رحمك الله).\n\n<span data-type='title' id=toc-22>ثانيًا: الإحسان.</span>\nقال تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>ثالثًا: طاعة الرسول -ﷺ</span>-.\nقال تعالى (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)\n\n<span data-type='title' id=toc-24>رابعًا: السماحة في البيع والشراء.</span>\nقال رسول الله -ﷺ- (رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى). رواه البخاري.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>خامسًا: عيادة المريض.</span>\nقال رسول الله -ﷺ-: (من عاد مريضًا خاض في الرحمة).\n\n<span data-type='title' id=toc-26>سادسًا: قيام الليل وإيقاظ الأهل.</span>\nقال رسول الله -ﷺ- (رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء) رواه أبو داود.\n\n<span data-type='title' id=toc-27>سابعًا: الحلق في النسك.</span>\nقال رسول الله: -ﷺ- (اللهم ارحم المحلقين ثلاثًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-28>ثامنًا: مجالس الذكر.</span>","vol":"1","page":12},{"text":"قال رسول الله -ﷺ- (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ....). رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>تاسعًا: الجلوس في المسجد.</span>\nقال رسول الله -ﷺ- (إن الملائكة تستغفر للمصلي مادام في مصلاه تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه). متفق عليه\n\n<span data-type='title' id=toc-30>عاشرًا: سماع حديث الرسول وتبليغه.</span>\nقال رسول الله -ﷺ- (رحم الله من سمع مني حديثًا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع) رواه ابن حبان.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>الحادي عشر: الإنصات للقرآن.</span>\nقال تعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-32> تشرع التسمية (استحبابًا أو وجوبًا) في مواضع:</span>\n<span data-type='title' id=toc-33>منها: عند الوضوء.</span>\nلقوله -ﷺ- (لا صلاة لمن لا وضوء له) رواه أبو داود.\n\n<span data-type='title' id=toc-34>ومنها: عند الركوب.</span>\nقال الله تعالى (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ).\nوفي حديث علي (… وأُتيَ بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله .... الحديث وفي آخره قال: رأيت النبي -ﷺ- فعل كما فعلت) رواه أبو داود.\n\n<span data-type='title' id=toc-35>ومنها: عند الذبح والصيد.</span>\nلقوله تعالى (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ).","vol":"1","page":13},{"text":"وقال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ).\nوعن عدي بن حاتم. قال: قال رسول الله -ﷺ- (إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله عليه فكل) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-36>ومنها: عند الأكل.</span>\nلحديث عمرو بن سلمة. قال (كنت غلامًا في حجر النبي -ﷺ-، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال: يا غلام سم الله، وكل بيمينك .....) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-37>ومنها: عند دخول المنزل.</span>\nلحديث جابر. أن رسول الله -ﷺ- قال (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-38>ومنها: عند الجماع.</span>\nلحديث ابن عباس. عن النبي -ﷺ- أنه قال (لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا …) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-39>ومنها: عند الخروج من البيت.</span>\nلحديث أنس. قال: قال رسول الله -ﷺ- (إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له حينئذ: هديت وكفيت …) رواه أبو داود.\n\n<span data-type='title' id=toc-40>ومنها: في المساء والصباح.</span>\nلحديث عثمان. قال: قال رسول الله -ﷺ- (من قال: بسم الله، الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو\nالسميع العليم، ثلاث مرات، لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح …) رواه أبو داود.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>ومنها: إذا عثر المرء أو عثرت دابته.</span>\nلحديث رجل قال (كنت رديف النبي -ﷺ- فعُثِر بالنبي -ﷺ- فقلت: تعس الشيطان، فقال النبي -ﷺ-: لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت بسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب) رواه أبو داود.\n\n<span data-type='title' id=toc-42>ومنها: عند وضع الميت في قبره.</span>\nلحديث ابن عمر (أن النبي -ﷺ- كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله، وعلى سنة رسول الله) رواه أبو داود.\n\n•<span data-type='title' id=toc-43> وقد اختلف العلماء في البسملة في أول السور هل هي من السورة أم لا؟</span>\n<span data-type='title' id=toc-44>القول الأول: هي آية من سورة الفاتحة، ومن كل سورة.</span>\nوهذا مذهب الشافعي.\nلحديث أنس قال (بينما رسول الله -ﷺ- ذات يوم بين أظهرنا بالمسجد، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: نزلت علي آنفًا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-45>القول الثاني: ليست من الفاتحة ولا من أول سورة بل هي آية مستقلة نزلت للفصل بين السور.</span>\nوهذا مذهب الحنفية واختيار ابن تيمية.\nلحديث أبي هريرة. قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول (قال تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، …) رواه مسلم.\nفالرسول -ﷺ- بدأ بقوله: الحمد لله رب العالمين، دون بسم الله الرحمن الرحيم، ولو كانت البسملة من الفاتحة لبدأ بها لا بالحمد.\nولحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (إن سورة من القرآن من ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: تبارك الذي بيده الملك) رواه الترمذي.\nفالرسول -ﷺ- ذكر أن مقدار سورة الملك ثلاثون آية، وقد اتفق القراء وغيرهم على أنها ثلاثون آية سوى البسملة، ولو كانت منها لكانت إحدى وثلاثين، وهو خلاف قول الرسول -ﷺ-.\nوهذا القول هو الصحيح.\nفائدة الخلاف: أن من قال أنها آية من أول كل سورة قال بوجوب قراءتها قبل الفاتحة في الصلاة، لأنها إحدى آياتها، ومن لم يقل بأنها آية من أول كل سورة لم يقل بذلك.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-46>تفسير سورة الفاتحة</span>\n<span data-type='title' id=toc-47>مقدمة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-48>أسماؤها:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-49> بعض أسماء سورة الفاتحة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-50>الاسم الأول: فاتحة الكتاب.</span>\nويعد هذا أشهر أسمائها، وقد ثبتت هذه التسمية في السنة في أحاديث كثيرة.\nكقوله -ﷺ- (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه، وقوله -ﷺ- (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) رواه مسلم.\nوسبب التسمية بذلك: كما قال ابن كثير: لأنها فاتحة الكتاب خطًا وبها تفتح القراءة في الصلوات.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>الاسم الثاني: أم الكتاب، أم القرآن.</span>\nوقد ورد هذا الاسم في السنة في أحاديث كثيرة.\nكقوله -ﷺ- (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم) رواه البخاري، وقوله -ﷺ- (الحمد لله رب العالمين أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني) رواه الترمذي.\nوسبب التسمية بذلك: أن أم الشيء أصله، وهي أصل القرآن لاشتمالها على أنواع أغراض القرآن ومقاصده.\nقال البغوي ﵀: سميت أم القرآن وأم الكتاب، لأنها أصل القرآن، منها بدئ القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-52>الاسم الثالث: السبع المثاني.</span>\nوقد ورد هذا الاسم في السنة.\nكقوله -ﷺ- لأبي سعيد بن المعلى (ألا أعلمنك أعظم سورة في القرآن، .... الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) رواه البخاري.\nسبب التسمية: أما السبع، فلأن آياتها سبع، وأما وصف النبي -ﷺ- لآياتها بالمثاني، فأرجح الأقوال أنها تثنى في الصلاة، أي تكرر، فتكون التثنية بمعنى التكرار.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>الاسم الرابع: القرآن العظيم.</span>\nكما قال -ﷺ- (الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته).\nسبب التسمية: قال القرطبي: سميت بذلك لتضمنها جميع علوم القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-54>الاسم الخامس: سورة الحمد،</span> سميت بذلك لأنه ذكر في أولها لفظ الحمد.\n<span data-type='title' id=toc-55>الاسم السادس: الصلاة.</span>\nوهذا الاسم ثبت بالسنة.\nفقد قال -ﷺ- (قال تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال الحمد لله رب العالمين، قال حمدني عبدي) رواه مسلم.\nوقد ذكر الإمام النووي في شرحه على مسلم بعد ذكر الحديث السابق أن المراد بالصلاة الفاتحة، وعلل تسميتها بقوله: لأنها لا تصح الصلاة إلا بها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-56> عدد آياتها:</span>\nقال ابن كثير: وهي سبع بلا خلاف.\n• وهي مكية لقوله تعالى (ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم).\n\n•<span data-type='title' id=toc-57> ما ورد في فضلها:</span>\nسبق بعض الأحاديث في فضلها:\nكقوله -ﷺ- لأبي سعيد بن المعلى (ألا أعلمنك أعظم سورة في القرآن، .... الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) رواه البخاري.\nوكقوله -ﷺ- (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم) رواه البخاري.\nوقوله -ﷺ- (الحمد لله رب العالمين أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني) رواه الترمذي.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-58>(الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ).</span> [الفاتحة: ١ - ٣].\n<hr><s0>\n\n(الْحَمْدُ للّهِ) ثناء من الله على نفسه ﷾، وهذا يتضمن أمر لعباده بحمده، وقد أمر بذلك فقال تعالى مخاطبًا لنبيه خطابًا يدخل فيه جميع أمته (وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها). وقال تعالى (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى).\n• الحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.\n• الحمد لله: الألف واللام للاستغراق فجميع المحامد كلها لله، ومن أسمائه الحميد، قال ابن القيم:\nوهو الحميدُ فكل حمدٍ واقع … أو كان مفروضًا مدى الأزمان\nملأ الوجودَ جميعَه ونظيرَه … من غير ما عدٍّ ولا حُسْبان\nهو أهله سبحانَه وبحمده … كل المحامد وصف ذي الإحسان\n• والله ﷿ يحمد على كمال صفاته، وعلى كمال إنعامه:\n\n<span data-type='title' id=toc-59>الحمد على كمال صفاته:</span>\nكقوله تعالى (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) وقال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-60>الحمد على إنعامه:</span>\nكقوله -ﷺ- (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشربَ الشربة فيحمده عليها) رواه مسلم.","vol":"1","page":18},{"text":"• قال بعض العلماء: إن الحمد هو الثناء على الله، وهذا قول ضعيف لأن الرسول -ﷺ- قال (قال تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال الحمد لله، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم: قال: أثنى علي عبدي .....) رواه مسلم، ففرق بين الحمد والثناء، فالصحيح أن الثناء هو تكرار الحمد.\n• قال ابن القيم: ومن أعظم نعمه علينا وما استوجب حمد عباده له، أن يجعلنا عبيدًا له خاصة ولم يجعلنا ربنا منقسمين بين شركاء متشاكسين، ولم يجعلنا عبيدًا لإله نحتته الأفكار، لا يسمع أصواتنا ولا يبصر أفعالنا ولا يعلم أحوالنا ولا يملك لعابديه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا تكلم قط ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-61>ومما يحمد الله عليه:</span>\nخلق السماوات والأرض.\nقال تعالى (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور …).\nوعلى دخول الجنة.\nقال تعالى (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين).\n(وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور).\nوعلى صفات الكمال كالوحدانية وغيرها.\nقال تعالى (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرًا).\nإنزال الكتاب.\nقال تعالى (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا).\nوعلى ماله في السماوات والأرض.\nقال تعالى (الحمد لله الذي له ما في السماوات والأرض).\n• قال بعض العلماء إن هذه الكلمة (الحمد لله) كلمة كل شاكر ويدل لذلك:\nقول أهل الجنة (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن).\nوبقول نوح ﵇ (الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين).","vol":"1","page":19},{"text":"وبقول أهل الجنة أيضًا (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله).\nوبقول إبراهيم ﵇ (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق).\nوبقول داود وسليمان ﵉ (الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين).\n• الحمد هل هو مرادف للشكر أم بينهما تغاير، اختلف العلماء في ذلك على أقوال:\nفقيل: بمعنى واحد.\nوهذا اختيار ابن جرير الطبري.\nوقيل: ليسا بمعنى واحد. وبه قال جماعة.\nقال ابن تيمية: والحمد نوعان، حمد على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه بنفسه من نعوت كماله، وهذا الحمد لا يكون إلا لمن هو في نفسه مستحق للحمد.\nفالحمد أعم من الشكر.\nقال ابن عطية: الحمد معناه الثناء الكامل، وهو أعم من الشكر، لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدي إلى الشاكر، والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود من غير أن يسدي شيئًا.\nوقال الزمخشري: الشكر لا يكون إلا على نعمة، وأما الحمد فهو المدح والوصف بالجميل وهو شعبة واحدة من شعب الشكر.\n• استنبط بعض العلماء من قول (الحمد لله) أن من أسماء الفاتحة: الحمد، وسميت بذلك لأنه ذكر في أولها لفظ الحمد ولم تنفرد هذه السورة بافتتاحها بلفظ الحمد، إنما يشترك معها أربع سور من سور القرآن وهي سورة الأنعام، والكهف وسبأ وفاطر، ولكن أطلق هذا الاسم بالغلبة على سورة الفاتحة، فإذا قلنا: سورة الحمد، فالمتبادر إلى الأذهان أن المقصود بها هي سورة الفاتحة لا غيرها من السور.\n١ - جاءت أحاديث في فضل الحمد لله.\nقال -ﷺ- (الحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض) رواه مسلم.","vol":"1","page":20},{"text":"وقال -ﷺ- (أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله) رواه الترمذي.\n(رَبِّ الْعَالَمِينَ» الرب هو المالك المتصرف المعبود المدبر لشؤون خلقه المربي لهم بالنعم الظاهرة والباطنة.\nقال الشيخ السعدي ﵀: وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة:\nفالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.\nوالخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكملهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة من كل شر.\n• العالمين: اختلف ما المراد بالعالمين على أقوال:\nقيل: كل موجود سوى الله، وهذا قول قتادة ورجحه القرطبي وابن كثير.\nوقيل: أهل كل زمان عالم لقوله تعالى (أتأتون الذكران من العالمين) أي من الناس.\nوقيل: الجن والإنس، لقوله تعالى (ليكون للعالمين نذيرًا).\nوقيل: العالَم عبارة عما يعقل وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين.\nوالصحيح الأول، لأنه شامل لكل مخلوق وموجود، ودليله قوله تعالى (قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السموات والأرض وما بينهما).\n• العالمين: جمع عالَم:\nقيل: مأخوذ من العَلامة، لأنهم عَلمٌ على خالقهِم وصانعهم، وهذا هو الصحيح.\nفإن هذا الخلق في كل فرد منه، وفي كل جزء منه، آية تدل على وحدانية الله وعلى عظمته وعلى انفراده بالملك.\nقال الشاعر:\nفوا عجبًا كيف يُعصى الإلهُ … أم كيف يجحده الجاحدُ\nوفي كل شيءٍ له آيةٌ … تدل على أنه واحدُ","vol":"1","page":21},{"text":"قال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ).\nوسئل بعض الأعراب عن وجود الله فقال: إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام ليدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج ألا يدل على وجود اللطيف الخبير.\nجسمك وروحك فيه من الآيات ما يبهر العقول.\nوقيل: مأخوذ من العِلم، لأن هذا الخلق لا يصدر إلا عن علم ومعرفة بأحوالهم.\n• العالمين: تطلق أحيانًا ويراد به الإنس والجن:\nكما قال تعالى (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا).\nوأحيانًا تطلق على البشر:\nكقوله تعالى (أتأتون الذكران من العالمين).\n• قال بعض العلماء: واعلم أن تربيته تعالى مخالفة لتربية غيره، وبيانه من وجوه:\nالأول: أنه تعالى يربي عبيده لا لغرض نفسه، وغيره يربون لغرض أنفسهم لا لغرض غيرهم.\nالثاني: أن غيره إذا ربى فبقدر تلك التربية يظهر النقصان في خزائنه وفي ماله وهو متعال عن النقصان والضرر، كما قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ).\nالثالث: أن غيره من المحسنين إذا ألح الفقير عليه أبغضه وحرمه ومنعه، والحق تعالى بخلاف ذلك، كما قال -ﷺ-: (إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء).\nالرابع: أن غيره من المحسنين ما لم يطلب منه الإحسان لم يعط، أما الحق تعالى فإنه يعطي قبل السؤال، ألا ترى أنه رباك حال كنت جنينًا في رحم الأم، وحال ما كنت جاهلًا غير عاقل، لا تحسن أن تسأل منه، ووقاك وأحسن إليك مع أنك ما سألته وما كان لك عقل ولا هداية.\nالخامس: أن غيره من المحسنين ينقطع إحسانه إما بسبب الفقر أو الغْيبة أو الموت، والحق تعالى لا ينقطع إحسانه البتة.\nالسادس: أن غيره من المحسنين يختص إحسانه بقوم دون قوم ولا يمكنه التعميم، أما الحق تعالى فقد وصل تربيته وإحسانه إلى الكل، كما قال: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).\nفثبت تعالى أنه رب العالمين ومحسن إلى الخلائق أجمعين، فلهذا قال تعالى في حق نفسه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>(الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ).</span>\n<hr><s0>\n\nسبق شرحهما.\nقال القرطبي: إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله: رب العالمين؛ ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب؛ كما قال تعالى (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) وقوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) فالرب فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- (ولو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من رحمته أحد).\n(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أي: هو ﷾ المالك للجزاء والحساب المتصرف في يوم الدين الذي يُدان كل عاملٍ بما عمل (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ). (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا).\nوسمي يوم الدين لأن الناس يُدانون به (يعني يُجزون به).\n• يوم الدين: أي يوم الجزاء، والدين في القرآن يطلق على معنيين:\nالأول: بمعنى الجزاء كما في هذه الآية، وكما قال تعالى (إنا لمدينون) أي: لمجزيون، وكما قال تعالى (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) أي: جزاء أعمالهم، وقال تعالى (فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: غير مجزيين بأعمالكم ومحاسبين عليها، وقال تعالى (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) أي: إن الجزاء على الأعمال لواقع حقيقة.\nوالثاني: العمل، كما في قوله تعالى (لكم دينكم ولي الدين) وقوله (ورضيت لكم الإسلام دينًا).\n• ومثل هذه الآية: قوله تعالى (وله الملك يوم ينفخ في الصور). وقوله تعالى (الملك يومئذ لله يحكم بينهم). وقال سبحانه (الملك يومئذ الحق للرحمن). وقال تعالى (يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار).\n• تخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا ولا يتكلم أحد إلا بإذنه كما قال تعالى (يوم يقوم الروح والملائكة صفًا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابًا).\n• مالك يوم الدين: جاء في قراءة (ملِك) وقد اختلف العلماء أيهما أبلغ مالك أو ملك.\nقال الشوكاني: فقيل: إن ملِك أعمّ وأبلغ، إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملك، ولأن أمر الملك نافذ على المالك في\nملكه حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك، قاله أبو عبيد والمبرد ورجحه الزمخشري.","vol":"1","page":23},{"text":"وقيل: مالك أبلغ لأنه يكون مالكًا للناس وغيرهم … ثم قال الشوكاني: والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر، فالمالك يقدر على ما لا يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها، والملِك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعاية، فالمالك أقوى من الملك في بعض الأمور، والملك أقوى من المالك في بعض الأمور، والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه أن الملك صفة لذاته والمالك صفة لفعله.\nوقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: وفي الجمع بين القراءتين فائدة عظيمة، وهي أن ملكه جل وعلا ملك حقيقي، لأن من الخلق من يكون ملكًا، ولكن ليس بمالك، يسمى ملكًا اسمًا وليس له من التدبير شيء، ومن الناس من يكون مالكًا ولا يكون ملكًا كعامة الناس، ولكن الرب جل وعلا مالك ملك.\n\n<span data-type='title' id=toc-63>الفوائد:</span>\n١ - كمال صفات الله ﷿، لأن الحمد المطلق لا يستحقه إلا من كان كاملًا في وصفه، كاملًا في فعله.\n٢ - ينبغي حمد الله دائمًا وأبدًا.\n٣ - ثبوت ألوهية الله لقوله (لله) فالله ﷿ إله الحق، وما سواه فهو باطل.\n٤ - إثبات ربوبية الله، والرب هو الخالق المالك المدبر.\n٥ - فيه أن كل مخلوق مربوب مقهور يتصرف فيه، فقير محتاج إلى الله تعالى.\n٦ - فيه دليل على أن هذا العالم علَم وآية دالة على الله ﷿، فجميع هذه المخلوقات تدل على وجود الخالق سبحانه.\n٧ - إثبات صفة الرحمة الواسعة لله تعالى.\n٨ - إثبات يوم القيامة والجزاء.\n٩ - حث الإنسان على أن يعمل ويستعد لذلك اليوم الذي يجازى كل إنسان بعمله.\n١٠ - إثبات البعث.\n١١ - في الآية ترغيب وترهيب، فإن الإنسان إذا أيقن بأنه سيحاسب على عمله، ويثاب عليه حرِص على الأعمال الصالحة واجتهد، وترهيب للإنسان الذي يعمل السيئات أنه سيجازى على عمله في يوم القيامة.\n١٢ - حكمة الله ﷿، حيث جعل لهذا الخلق مآلًا يُدانون فيه، ويُجازون بأعمالهم، لأنه لولا ذلك لكان الأمر عبثًا، والله ﷿ منزه عن العبث (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) وقال تعالى (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً).\n١٣ - كمال عدل الله تعالى.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>(إياك نعبد وإياك نستعين. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ).</span> [الفاتحة: ٤ - ٧].\n<hr><s0>\n\n(إياك نعبد وإياك نستعين) قال ابن كثير: أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، … فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله ﷿. …\nقال الشيخ السعدي: أي نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة.\nقال ابن القيم: وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية يقول (إياك نعبد) تدفع الرياء (وإياك نستعين) تدفع الكبرياء.\nثم قال ابن القيم: فدواء الرياء (إياك نعبد) ودواء الكبر بـ (إياك نستعين).\n• العبادة تعريفها باعتبار المفعولات (الأعمال المتعبد بها): اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.\nوباعتبار فعل العبد: الانقياد لله ﷿ والخضوع له.\n• (وإياك نستعين) قال ابن القيم: والاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس ولا يعتمد عليه في أموره - مع ثقته به - لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه - مع عدم ثقته به - لحاجته إليه ولعدم من يقوم مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه مع أنه غير واثق به.\nوقال الشيخ السعدي: والاستعانة هي: الاعتماد على الله في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-65> يكون العبد محققًا للعبودية بأمرين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-66>الأول: متابعة الرسول -ﷺ</span>-.\n<span data-type='title' id=toc-67>الثاني: الإخلاص لله ﵎.</span>\n• كلما كان العبد أذل لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له: كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله.","vol":"1","page":25},{"text":"وقال ابن تيمية: أعظم ما يكون العبد قدرًا وحرمة عند الخلق: إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه. كما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ومتى احتجت إليهم -ولو في شربة ماء- نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يشرك به شيئًا.\nوقال ﵀: سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي نوع من الشرك، ومفسدة إيذاء المسؤول وهي نوع من ظلم الخلق، وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة.\nوالرسول -ﷺ- قال (إنما أنا عبد)، وقد وصفه الله في وصف العبودية في أعلى المنازل:\nفقال تعالى في الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا).\nوقال تعالى في مقام التحدي (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ).\nوقال تعالى في مقام الدعوة (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا).\nوكان -ﷺ- أعبد الناس لربه وأخشاهم له.\nووصف الله بذلك أكمل خلقه وأحبهم إليه وهم رسله وأنبياؤه عليهم الصلاة والسلام.\nقال تعالى (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ).\nوقال تعالى (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ).\nوقال تعالى عن المسيح (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ).\nوقال عنه وعن الملائكة (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ).\nوقال أيضًا عن الملائكة (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ).\nوالعبادة هي الغاية المحبوبة لله تعالى والمرضية له التي خلق الخلق لها، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وبها أرسل جميع الرسل كما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).","vol":"1","page":26},{"text":"• (وإياك نستعين) فيها وجوب الاستعانة بالله في جميع أموره، فلا توفيق للعبد إلا إذا أعانه العبد.\nكما قال تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) وهي كلمة عظيمة جامعة يقال: إن سر الكتب الإلهية كلها ترجع إليها وتدور عليها.\nوفي الحديث قال -ﷺ- (وإذا استعنت فاستعن بالله).\n\n<span data-type='title' id=toc-68>وفي استعانة الله وحده فائدتان:</span>\nإحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.\nوالثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول.\nوكان -ﷺ- يعلم أصحابه في خطبته أن يقول: الحمد لله نستعينه.\nوأمر معاذًا أن يقول دبر كل صلاة (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادك).\nوينبغي الاعتناء بهذا الدعاء لثلاثة أمور: لأنه وصية، ولأن النبي -ﷺ- قال لمعاذ فيه: إني أحبك، ولأنه دعاء جامع شامل.\nوفي دعاء القنوت (اللهم إنا نستعينك ..).\nوقال موسى لقوم (استعينوا بالله واصبروا).\nولما بشر -ﷺ- عثمان بالجنة على بلوى تصيبه قال: الله المستعان.\nومن كلام بعض العارفين: يا رب عجبت لمن يعرفك يرجو غيرك، عجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك.\nوكتب الحسن الى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله فيكلك الله إليه.\n• أتى بضمير الجمع في قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) والحكمة كما قال ابن القيم: الإتيان بضمير الجمع في الموضع أحسن وأفخم، فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب تعالى، وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته، فأتى به بصيغة ضمير الجمع أي نحن معاشر عبيدك مقرون لك بالعبودية، وهذا كما يقول العبد للملك المعظم شأنه: نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك، فيكون هذا أحسن وأعظم موقعًا عند الملك من أن يقول: أنا عبدك ومملوكك.\nقال الشيخ السعدي: وذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى، فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر واجتناب النواهي.\n• وقال ابن تيمية: وكثير ما يقرن الناس بين الرياء والعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق قوله (إياك نعبد) والمعجب لا يحقق قوله (إياك نستعين) فمن حقق قوله (إياك نعبد) خرج عن الرياء، ومن حقق قوله (وإياك نستعين) خرج عن الإعجاب.","vol":"1","page":27},{"text":"(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي دلنا وأرشدنا، ووفقنا إلى الصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله وإلى جنته.\n• اختلف في المراد بالصراط المستقيم: فقيل: هو الإسلام. وقيل: هو القرآن. وقيل: محمد -ﷺ- وصاحباه.\nقال ابن كثير: وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة.\nوقال الشوكاني: وجميع ما روي في تفسير هذه الآية يصدق بعضه بعضًا، فإن من اتبع الإسلام أو القرآن أو النبي فقد اتبع الحق.\nقال ابن جرير: وإنما وصفه الله بالاستقامة، لأنه صواب لا خطأ فيه، وقد زعم بعض أهل الغباء أنه سماه مستقيمًا لاستقامته بأهله إلى الجنة، وذلك تأويلٌ لتأويل جميع أهل التفسير خلاف، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلًا على خطئه. …\n• الهداية هي: معرفة الحق والعمل به، فلا يكفي معرفة الحق دون العمل به، فالكثير من الناس يعرفون الحق ولا يعملون به، واليهود يعرفون صدق محمد -ﷺ- ولم يتبعوه.\n• قال ابن كثير: فإن قيل: فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها وهو متصف بذلك؟\nفالجواب: أن المراد الثبات والاستمرار على الأعمال المعينة.\nوفيما قاله ﵀ قصور، فإن الهداية أعم من ذلك.\nقال ابن القيم: فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم.\nوما لا نريد فعله تهاونًا وكسلًا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه - مما نريده - كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوته الحصر.","vol":"1","page":28},{"text":"وأيضًا للهداية مرتبة أخرى وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة وهو الصراط الموصل إليها. [مدارج السالكين: ١/]\nومن ذلك الهداية إلى العلم والتعلم، فكم من الناس لا يسلكون طريق العلم وطلبه، وكم من الناس سلكوا هذا الطريق ولم يستمروا عليه.\nوكم ممن تعلم ولم يفوق، بل يقال له: ليتك ثم ليتك ما علمتَ.\nوكم من الناس من ينشغل بالمفضول عن الفاضل، وينشغل بالمباحات والإكثار منها.\nوأيضًا نحتاج للهداية في الأمور المستقبلية، فالمسلم بحاجة إلى سؤال الهداية في كل لحظة، فالأمور والعوارض والقضايا الدينية والدنيوية تمر عليه كل ساعة، فهو بحاجة إلى معرفة الحق فيها.\nوأيضًا المسلم بحاجة للهداية عند احتضاره وفي قبره قال تعالى (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة).\nوأيضا بعد موته في يوم القيامة ثم إلى منزله في الجنة قال تعالى (والذين قتلوا في سبيل الله سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم) أي سيهديهم إلى الجنة وإلى أماكنهم فيها \".\n• فيه دليل على استحباب سؤال الله الهداية دائمًا وأبدًا، فإن المسلم محتاج لها.\nقال ابن تيمية: أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة [اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين]، فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر لا في الدنيا ولا في الآخرة.\nوقال ﵀ في موضع آخر: ورأس هذه الأدعية وأفضلها قوله [اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين] فهذا الدعاء أفضل الأدعية وأوجبها على الخلق، فإنه يجمع صلاح العبد في الدين والدنيا والآخرة.\nوكان رسول الله -ﷺ- يقول (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) رواه مسلم.","vol":"1","page":29},{"text":"وكان يقول في صلاة الليل (… اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) رواه مسلم\nوعلم الحسن أن يقول في دعاء قنوت الوتر (اللهم اهدني فيمن هديت) رواه أبو داود.\nوجاء أعرابي للرسول -ﷺ- فقال (يا رسول الله علمني كلامًا؟ .. الحديث وفيه ثم قال الأعرابي هؤلاء لربي فما لي؟ قال: قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني). رواه مسلم\nوعن أبي مالك قال (كان رسول الله -ﷺ- يقول: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني). رواه مسلم\nوعن علي. قال: قال لي رسول الله -ﷺ- (قل اللهم اهدني وسددني). رواه مسلم\n(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» المعنى: أي اهدنا ووفقنا للصراط المستقيم الذي هو: صراط الذين أنعمت عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين- هؤلاء المنعم عليهم هم المذكورون في قوله تعالى (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا).\n• وفي ذكر الله ﵎ المنعم عليهم -وهم من سبق ذكرهم في الآية السابقة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين-\n\n<span data-type='title' id=toc-69>فائدة ذكرها ابن القيم حيث قال:</span>\nولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس عنه ناكبون، مريدًا لسلوك طريق مرافقُه في غاية القلة والعزة، والنفوس مجبولة على وحشة التفرد، وعلى الأنس بالرفيق، نبه ﷾ على الرفيق في هذه الطريق، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه، وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط: هم الذين أنعم الله عليهم، فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقل قدرًا وإن كانوا هم الأكثرين عددًا.","vol":"1","page":30},{"text":"(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلَا الضَّآلِّينَ) أي: اهدنا ودلنا على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم (غير) صراط (المغضوب عليهم) الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم و(لا) صراط (الضالين) الذين تركوا الحق على جهل وضلالة كالنصارى ونحوهم.\n• المغضوب عليهم: هم اليهود، والضالون: هم النصارى، كما في الحديث من قوله -ﷺ- (اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون) رواه الترمذي.\n• ينبغي على المسلم أن يحذر من سلوك طريق اليهود والنصارى، لأن الله حذر منهما، فيجب على المسلم أن يحذر كل الحذر.\nقال ابن تيمية ﵀: ولما أمرنا الله ﷾، أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين، كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين، وقد وقع ذلك كما أخبر به -ﷺ- حيث قال: لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ وهو حديث صحيح.\n• ومن الأمور التي وقعت فيها ناس من هذه الأمة مشابهة لليهود والنصارى: كتم العلم، والبخل بالعلم والمال، وقسوة القلب (ولا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) وغيرها كثير. …\n• وصف اليهود بالغضب والنصارى بالضلال: فإن الغضب إنما خص به اليهود، وإن شاركهم النصارى فيه، لأنهم يعرفون الحق وينكرونه ويأتون الباطل عمدًا فكان الغضب أخص صفاتهم، والنصارى جهلة لا يعرفون الحق فكان الضلال أخص صفاتهم. …\nوقال ابن القيم: ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصف الغضب وأحق به، ومن ههنا كان اليهود أحق به، والجاهل بالحق أحق باسم الضلال، ومن هنا وصف النصارى به.","vol":"1","page":31},{"text":"• فإن قيل: لم قدم المغضوب عليهم على الضالين؟\nوأما تقديم المغضوب عليهم على الضالين فلوجوه:\nأحدها: أنهم متقدمون عليهم بالزمان.\nالثاني: أنهم كانوا الذين يلون النبي -ﷺ- من أهل الكتابين فإنهم كانوا جيرانه في المدينة، والنصارى كانت ديارهم نائية عنه، ولهذا تجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن الكريم أكثر من خطاب النصارى كما في سورة (البقرة والمائدة وآل عمران) .. وغيرها من السور.\nالثالث: أن اليهود أغلظ كفرًا من النصارى، ولهذا كان الغضب أخص بهم واللعنة والعقوبة،\nفإن كفرهم عن عناد وبغي كما تقدم، فالتحذير من سبيلهم، والبعد منها أحق وأهم بالتقديم، وليس عقوبة من جهل كعقوبة من علم.\n• قوله تعالى (أنعمت عليهم) ولم يقل: المنعم عليهم كما قال: المغضوب عليهم.\nأولًا: أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن، وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله ﷾، بخلاف الشر فإنه لا يضاف إلى الله تأدبًا.\nونظير هذا قول إبراهيم الخليل (الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله، ولما جاء إلى ذكر المرض قال (وإذا مرضت) ولم يقل: أمرضني.\nومثل قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا).\nثانيًا: أن النعمة بالهداية إلى الصراط: لله وحده، وهو المنعم بالهداية دون أن يشركه أحد في نعمته، فاقتضى اختصاصه بها أن يضاف إليه بوصف الإفراد فيقال: أنعمت عليهم، أي أنت وحدك المنعم المحسن المتفضل بهذه النعمة. [ذكره ابن القيم].\n• ذكر الله تعالى انقسام الناس وأنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، المنعم عليهم - وهم من عرف الحق واتبعه - والمغضوب عليهم - وهم من عرفه واتبع هواه - والضالين - وهم من جهله - فالناس لا يخرجون عن هذه الأقسام الثلاثة.\n• يجب بغض ومعاداة اليهود والنصارى.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>الفوائد:</span>\n١ - فيه وجوب الإخلاص في عبادة الله.\nفإن قال قائل كيف أتخلص من طلب العوض والثناء؟\nفالجواب: علمه بأنه عبد محض والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضا ولا أجرة إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته.\nومعرفته أن الناس ليس بيدهم نفع ولا ضر، قال الفضيل: (من عرف الناس استراح) يريد -والله أعلم- أنهم لا ينفعون ولا يضرون.\n٢ - الحذر من الرياء، وقد قال -ﷺ- (قال تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمِل عملًا أشرك معي غيري تركته وشركه) رواه مسلم.\n٣ - يجب على المسلم أن يطلب العون من الله في جميع أموره.\nوقد كان رسول الله -ﷺ- يقول (رب أعني ولا تعن علي) رواه الترمذي.\nوعلم معاذ فقال له (لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أبو داود.\n٤ - يجب على المسلم أن يحذر من أي أمر يعوقه عن الهداية.\nقال ابن القيم: \" ولينظر إلى الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط، فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط، تخطفه وتعوقه عن المرور عليه \".\n٥ - نستفيد أن من أسباب الهداية دعاء الله بذلك، لأن الله أمرنا بذلك بقوله: (اهدنا الصراط).\nوكان -ﷺ- يقول (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك)، وهو الرسول -ﷺ- الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.\n٦ - دليل على أنه يستحب للداعي أن يقدم بين دعائه ثناء على الله بالتوحيد والثناء على الله.\nقال ابن القيم: ولما كان طالب الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب، ونيله أشرف المواهب، علم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسلٌ إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء \".","vol":"1","page":33},{"text":"٧ - فيه أن الطريق الحق المستقيم واحد لا غير كما قال تعالى (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه).\nقال ابن القيم: وذكر الصراط المستقيم منفردًا، لأنه صراط واحد، وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها كقوله (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه. ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) فوحد لفظ الصراط وسبيله، وجمع\nالسبل المخالفة له. وقال ابن مسعود (خط لنا رسول الله -ﷺ- خطًا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) \".\n٨ - قال ابن القيم: فمن هدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم، الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، هدي هناك إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى جنته ودار ثوابه، وعلى قدر ثبوت العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط.\n٩ - يجب على المسلم أن يفعل الأسباب التي تعينه على السير على الصراط المستقيم.\n١٠ - دليل على أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قوم علموا بالحق وعملوا به وهؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالهداية، وقسم علموا الحق ولم يعملوا به وهو المغضوب عليهم، وقسم لم يهتدوا إلى الحق لا علمًا ولا عملًا وهم النصارى.\n١١ - أن نعمة الدين أعظم من نعمة الدنيا.\n١٢ - عظم ذنب من أوتي علمًا ولم يعمل به، لأنه يستحق الغضب.\nفالعلم يطلب من أجل العمل.","vol":"1","page":34},{"text":"وقد ذم الله اليهود لأنهم لم يعملوا بعلمهم وشبههم بالحمار يحمل أسفارًا.\nقال تعالى (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا).\nقال ابن كثير: يقول تعالى ذامًا لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل ثم لم يعملوا بها: مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا، أي كمثل الحمار إذا حمل كتبًا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملًا حسيًا ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه حفظوه لفظًا ولم يتفهموه ولا عملوا بمقتضاه، بل أولوه وحرفوه وبدلوه فهم أسوأ حالًا من الحمير، لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهم لم يستعملوه.\nومن لم يعمل بعلمه فإنه سيكون حجة عليه.\nكما جاء في الحديث (لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع وذكر منها .. وعن علمه ماذا عمل به).\nوقال بعض السلف: (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم).\nوالذي يعمل بعلمه يثبت علمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-71>نماذج مشرقة في تطبيق العمل بالعلم:</span>\n١ - عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب -﵃- عن أبيه: أن رسول الله -ﷺ- قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا) رواه البخاري ومسلم\n٢ - ولما علم النبي -ﷺ- عليًا وفاطمة: أن يسبحا ثلاثًا وثلاثين ويحمدا ثلاثًا وثلاثين ويكبرا أربعًا وثلاثين وقال: (فهو خير لكما من خادم) قال علي -﵁-: ما تركته منذ سمعته من النبي -ﷺ-، قيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين. رواه مسلم\n٣ - عن ابن عمر -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه؛ يبيت ثلاث ليالٍ إلا ووصيته مكتوبة) قال عبد الله بن عمر -﵁-: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله -ﷺ- قال ذلك إلا وعندي وصيتي). رواه مسلم\n٤ - قال البخاري: ما اغتبت أحدًا منذ علمت أن الغيبة حرام، إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت\nأحدًا.","vol":"1","page":35},{"text":"٥ - عن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت).\nقال ابن القيم ﵀: بلغني عن شيخ الإسلام أنه قال: ما تركتها عقب كل صلاة إلا نسيانًا أو نحوه.\n٦ - قال الإمام أحمد بن حنبل: (ما كتبت حديثًا إلا قد عملت به حتى مرَّ بي أن النبي -ﷺ- احتجم وأعطى أبي طيبة دينارًا فاحتجمت وأعطيت الحجام دينارًا).\nفالعمل بالعلم دليل على أن هذا علم مبارك نافع.\nوكان السلف يستعينون بحفظ الأحاديث بالعمل. قال وكيع: إذا أردت أن تحفظ حديثًا فاعمل.\n١٣ - وجوب التبرؤ من طريقة اليهود والنصارى.\n١٤ - يجب معرفة أهل الباطل لنتجنب أعمالهم وأخلاقهم.\nتم ولله الحمد والمنة\nأخوكم\nالشيخ/ سليمان بن محمد اللهيميد\nالسعودية - رفحاء","vol":"1","page":36},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nتفسير\nسورة البقرة\n(كاملةً)\nفوائد - منوعات - فضائل - أقوال\n\nإعداد\nسليمان بن محمد اللهيميد\nالسعودية - رفحاء","vol":"1","page":37},{"text":"hotmail.com","vol":"1","page":38},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-72>تفسير سورة البقرة</span>\n<span data-type='title' id=toc-73>مقدمة:</span>\nهي سورة مدنية، قال ابن كثير: والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف.\nسميت بهذا الاسم، لأنها انفردت بذكر قصة البقرة التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها لتكون آية، فقد كان للبقرة شأن إلهي عجيب في هذه الحادثة.\n\n<span data-type='title' id=toc-74>فضلها:</span>\nعن النَّوَّاس بْن سَمْعَان قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ (يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ) رواه مسلم.\nوعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِى تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ). رواه مسلم\nوعن أَبي أُمَامَة الْبَاهِلِي قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ) رواه مسلم.\nالزهراوان: المنيرتان، والغياية: ما أظلك من فوقك، والفِرْقُ: القطعة من الشيء، والصواف: المصطفة المتضامة، والبطلة: السحرة.\nومعنى لا تستطيعها: أي لا يمكنهم حفظها وقيل لا تستطيع النفوذ في قارئها.\nقوله (اقرؤوا الزهراوين) قال القرطبي: للعلماء في وجه تسمية البقرة وآل عمران بالزهراوين ثلاثة أقوال:\nالأول: أنهما النيرتان، لهدايتهما قارئهما مما يزهر له من أنوارهما أي من معانيهما.\nالثاني: لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة.\nالثالث: سميتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم.","vol":"1","page":39},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-75> أغراضها:</span>\nأولًا: بيان صدق القرآن، وأن دعوته حق لا ريب فيه.\nثانيًا: بيان أصناف الناس أمام هداية القرآن.\nثالثًا: تناولت السورة الحديث بإسهاب عن أهل الكتاب وبوجه خاص اليهود، وناقشتهم في عقيدتهم، وذكّرتهم بنعم الله على أسلافهم.\nرابعًا: والنصف الأخير من السورة تناول جانب التشريع، لأن المسلمين كانوا في بداية تكوين الدولة الإسلامية، وهم في أمس الحاجة إلى التشريع السماوي الذي يسيرون عليه في حياتهم، وقد ذكرت السورة من ذلك (القصاص، وأحكام الصوم، وأحكام الحج والعمرة، وأحكام الجهاد في سبيل الله، وشؤون الأسرة وما يتعلق بها، وذكرت الإنفاق في سبيل الله، وذكرت البيع والربا).\nخامسًا: ختمت السورة بتوجيه المؤمنين إلى التوبة والإنابة والتضرع إلى الله وطلب النصر على الكفار. (نقلًا من كتاب: أسماء القرآن وفضائلها).\n• قال ابن عاشور: هذه السورة مترامية أطرافها، وأساليبها ذات أفنان. قد جمعت من وشائج أغراض السور ما كان مصداقا لتلقيبها فسطاط القرآن. فلا تستطيع إحصاء محتوياتها بحسبان، وعلى الناظر أن يترقب تفاصيل منها فيما يأتي لنا من تفسيرها، ولكن هذا لا يحجم بنا عن التعرض إلى لائحات منها.\nوقد حيكت بنسج المناسبات والاعتبارات البلاغية من لحمة محكمة في نظم الكلام، وسدى متين من فصاحة الكلمات.\nومعظم أغراضها ينقسم إلى قسمين:\nقسم يثبت سمو هذا الدين على ما سبقه وعلو هديه وأصول تطهيره النفوس.\nوقسم يبين شرائع هذا الدين لأتباعه وإصلاح مجتمعهم.\nوكان أسلوبها أحسن ما يأتي عليه أسلوب جامع لمحاسن الأساليب الخطابية، وأساليب الكتب التشريعية، وأساليب التذكير والموعظة، يتجدد بمثله نشاط السامعين بتفنن الأفانين. (تفسير ابن عاشور).","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>(الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢».</span> [البقرة: ١، ٢]\n<hr><s0>\n\n(الم) هذه تسمى الحروف المقطعة، اختلف العلماء في الحروف المقطعة التي وردت في أوائل بعض السور على أقوال كثيرة:\nفقيل: لها معنى، واختلف في معناها: فبعض العلماء: قال هي أسماء للسور، وبعضهم قال: هي أسماء لله، وبعضهم قال غير ذلك.\nوقيل: هي حروف هجائية ليس لها معنى، ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين وقال: وحجة هذا القول: أن القرآن نزل بلغة العرب، وهذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية.\nوأما الحكمة منها: فأرجح الأقوال أنها إشارة إلى إعجاز القرآن العظيم، ورجح هذا القول ابن كثير في تفسيره فقال: وقال آخرون إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وإليه ذهب الشيخ أبو العباس بن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية. …\nوقد رجح هذا الشيخ الشنقيطي في أضواء البينان حيث قال بعد أن ذكر الخلاف: أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله … ثم قال ﵀: ووجه استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائمًا عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وأنه حق، قال تعالى في البقرة (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه)، وقال في آل عمران (ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق)، وقال في الأعراف (المص كتاب أنزل إليك)، وقال في يونس (الر تلك آيات الكتاب الحكيم)، وقال في هود (الر كتاب أحكمت آياته ..)، وقال في يوسف (الر تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا).\nثم ذكر ﵀ بقية السور.","vol":"1","page":41},{"text":"ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقال بعدما رجح هذا القول: أن هذا القرآن لم يأت بكلمات، أو بحروف خارجة عن نطاق البشر، وإنما هي من الحروف التي لا تعدو ما يتكلم به البشر، ومع ذلك فقد أعجزهم\n• وأما قول من قال إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور، فهذا ضعيف، لأن الفصل حاصل بدونها.\n• وقول من قال: بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذا تواصوا بالإعراض عن القرآن إذا تلي عليهم، وهذا ضعيف، لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها.\n• عدد هذه الحروف المقطعة (١٤) حرفًا يجمعها قولهم: نص حكيم قاطع له سر.\n• افتتح الله ﷿ (٢٩) سورة بالحروف المقطعة.\n(ذَلِكَ الْكِتَابُ) يخبر تعالى أن هذا الكتاب وهو القرآن العظيم لا شك أنه أنزل من عند الله كما قال تعالى في سورة السجدة (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ).\n• قال الرازي: واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال تعالى (كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ).\n• قوله تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ) أي هذا الكتاب، و(ذلك) تستعمل بمعنى (هذا) كقوله تعالى (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) أي هذا، وقال بعض العلماء: استعمل ذلك، لما تفيده الإشارة بلام البعد عن علو المنزلة وارتفاع القدر والشأن.\n\n•<span data-type='title' id=toc-77> وسمي القرآن كتابًا:</span>\nأولًا: لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ: كما قال تعالى (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ).\nثانيًا: لأنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة: قال تعالى (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ).\nثالثًا: لأنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا، ونقرؤه من هذه الكتب.","vol":"1","page":42},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-78> من أسماء القرآن:</span>\n<span data-type='title' id=toc-79>أولًا: الفرقان.</span>\nكما قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) وقال تعالى (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ).\nوسمي بذلك: قيل: لأنه يفرق بين الحق والباطل، والخير والشر، وقيل: لأنه نزل متفرقًا في حين أن سائر الكتب نزلت جملة واحدة، وقيل: الفرقان هو النجاة، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة، وكل هذه الأقوال صحيحة.\n\n<span data-type='title' id=toc-80>ثانيًا: القرآن.</span>\nكما قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) وقال تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-81>ثالثًا: الكتاب، كما في هذه الآية.</span>\n<span data-type='title' id=toc-82>رابعًا: الذكر.</span>\nكما قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وقال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).\nقال ابن جرير في وجه تسميته بالذكر: إنه محتمل معنيين:\nأحدهما: أنه ذكر من الله جل ذكره، ذكّر به عباده، فعرفهم فيه حدوده وفرائضه، وسائر ما أودعه من حكمه.\nوالآخر: أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به وصدق بما فيه، كما قال جل ثناؤه (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) يعني أنه شرف به شرف له ولقومه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-83> والكتاب جاء في القرآن على وجوه:</span>\nأحدها: الفرض، قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص) (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام) (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا).\nوثانيها: الحجة والبرهان، قال تعالى (فَأْتُواْ بكتابكم إِن كُنتُمْ صادقين) أي برهانكم.","vol":"1","page":43},{"text":"وثالثها: الأجل، قال تعالى (وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ) أي أجل.\nورابعها: بمعنى مكاتبة السيد عبده، قال تعالى (والذين يَبْتَغُونَ الكتاب مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم).\n(لا رَيْبَ فِيهِ) الريب هو الشك مع القلق فهو أخص من الشك.\nفالقرآن لا شك ولا ريب أنه موحى من عند الله، كما قال تعالى (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين).\nوالقرآن لا شك أنه يبعث على عدم الريب والشك.\nوالقرآن لا شك ولا ريب أنه واقع موقعه.\nوالقرآن لا يتضمن أمورًا تبعث على الريب والشك.\nوالقرآن لا يوجد فيه متناقضات.\nوالقرآن لا ريب فيه وإن ارتاب فيه المرتابون.\n• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (لا رَيْبَ فِيهِ) واختلف العلماء في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال.\nأحدها: أن ظاهرها النفي، ومعناها النهي، وتقديرها: لا ينبغي لأحد أن يرتاب به لإتقانه وإحكامه.\nومثله (ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء) أي: ما ينبغي لنا.\nوالثاني: أن معناها: لا ريب فيه أنه هدىً للمتقين.\nوالثالث: أن معناها: لا ريب فيه أنه من عند الله، قاله مقاتل في آخرين.\n• قال السعدي: لا ريب فيه: ونفي الريب عنه يستلزم ضده، إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين، المزيل للشك والريب، وهذه قاعدة مفيدة: أن النفي المقصود به المدح، لا بد أن يكون متضمنًا لضده، وهو الكمال، لأن النفي عدم، والعدم المحض لا مدح فيه.\nفيه دليل على أنه لا ينبغي للمسلم أن يرتاب في هذا الكتاب، لأن كل ما فيه من منهج الله محفوظ منذ لحظة نزوله إلى قيام الساعة.","vol":"1","page":44},{"text":"هذا التنويه بهذا القرآن في كماله وعدم تناقضاته يستوجب حمد الله تعالى (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا).\n(هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) أي هاد للمؤمنين والمؤمنات الذين اتقوا عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فالقرآن هاد لمن اتبعه وعمل بما فيه لكل خير وسعادة في الدنيا والآخرة.\n• فالقرآن العظيم يُطلق هداه على الهدى العام، ويطلق هداه على الهدى الخاص.\nفالهدى العام معناه بيان الطريق وإيضاح المحجة البيضاء، وبيان الحق من الباطل، والنافع من الضار، ومنه (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) أي: بينا الحق على لسان نبينا صالح، ومنه قوله تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ).\nوأما الهدى الخاص فمعناه توفيق الله لعبده حتى يهتدي إلى ما يرضي ربه، ويكون سبب دخوله الجنة، ومنه قوله (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي).\nوخصهم المتقين بالذكر لأنهم هم المنتفعون بآيات الله، كما قال تعالى (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) فخصهم بالإنذار لأنهم المنتفعون به، وإلا فالإنذار للجميع. (الشنقيطي).\n• وقال ﵀: قوله تعالى (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) خصص في هدى هذا الكتاب بالمتقين، وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أن هداه عام لجميع الناس، وهي قوله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ) الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-84>ووجه الجمع بينهما:</span>\nأن الهدى يستعمل في القرآن استعمالين: أحدهما عام والثاني خاص.\nأما الهدى العام: فمعناه إبانة طريق الحق وإيضاح المحجة سواء سلكها المبين له أم لا.\nومنه بهذا المعنى قوله تعالى (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) أي بينا لهم طريق الحق على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع أنهم لم يسلكوها بدليل قوله ﷿ (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى).","vol":"1","page":45},{"text":"ومنه أيضا قوله تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ)، أي بينا له طريق الخير والشر بدليل قوله (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا).\nوأما الهدى الخاص: فهو تفضل الله بالتوفيق على العبد.\nومنه بهذا المعنى قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) الآية. وقوله (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ).\nفإذا علمت ذلك فاعلم أن الهدى الخاص بالمتقين، هو الهدى الخاص وهو التفضل بالتوفيق عليهم، والهدى العام للناس هو الهدى العام، وهو إبانة الطريق وإيضاح المحجة.\n• وقال ابن الجوزي: والثاني: خصَّ المتقين لانتفاعهم به، كقوله (إنما أنت منذر من يخشاها) وكان منذرًا لمن يخشى ولمن لا يخشى.\n• وقال السعدي: قوله تعالى (هدى للمتقين) وقال في موضع آخر (هدي للناس) فعمّ وفي هذا الموضع وغيره (هدى للمتقين) لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق، فالأشقياء لم يرفعوا به رأسًا ولم يقبلوا هدى الله، فقامت عليهم به الحجة ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر لحصول الهداية وهو التقوى التي حقيقتها اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فاهتدوا به وانتفعوا غاية الانتفاع قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية والآيات الكونية.\n• قال الشنقيطي: صرح في هذه الآية بأن هذا القرآن هدى للمتقين، ويفهم من مفهوم الآية - أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل الخطاب - أن غير المتقين ليس هذا القرآن هدى لهم، وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر كقوله (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لَا يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) وقوله (وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا) وقوله (وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَانًا فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ) وقوله تعالى (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) الآيتين، ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق إلى دين الحق، لا الهدى العام، الذي هو إيضاح الحق.\n• قال بعض العلماء: ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا في قوله تعالي (هدي للمتقين) كفاه لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس) ثم قال ها هنا (هدى للمتقين) فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس فمن لا يكون متقيًا كأنه ليس بإنسان.","vol":"1","page":46},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-85> قوله تعالى (هدى للمتقين) في الآية فضل التقوى، ومن فضائلها:</span>\nأولًا: أنها سبب لتيسير الأمور.\nقال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا).\nثانيًا: أنها سبب لإكرام الله.\nقال تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).\nثالثًا: العاقبة لأهل التقوى.\nقال تعالى (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).\nرابعًا: أنها سبب في دخول الجنة.\nقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ).\nوقال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).\nخامسًا: أنها سبب لتكفير السيئات.\nقال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا).\nسادسًا: أنها سبب لحصول البشرى لهم.\nقال تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا).\nسابعًا: أنها سبب للفوز والهداية.\nقال تعالى (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).\nثامنًا: أنها سبب للنجاة يوم القيامة.\nقال تعالى (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا).","vol":"1","page":47},{"text":"تاسعًا: أنها سبب لتفتيح البركات من السماء والأرض.\nقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).\nعاشرًا: أنها سبب للخروج من المأزق.\nقال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).\nالحادي عشر: أنها سبب لمحبة الله.\nقال تعالى (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).\nالثاني عشر: أنها سبب للاهتداء بالقرآن.\nقال تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ).\nالثالث عشر: بالتقوى تنال معية الله.\nقال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).\nالرابع عشر: أنها خير زاد.\nقال تعالى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى).\nالخامس عشر: أنها من أسباب نيل الأجر العظيم.\nقال تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ).\nالسادس عشر: أن الآخرة خير من الدنيا للمتقين.\nقال تعالى (والْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا).\nالسابع عشر: أنها سبب لقبول الأعمال.\nقال تعالى (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).\nالثامن عشر: أن لباس التقوى خير لباس.\nقال تعالى (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ).\nالتاسع عشر: أنها من أسباب الرحمة.\nقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ).\nالعشرون: أنها من أسباب ولاية الله.\nقال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ).\nوقال تعالى (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ).\n• قال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام.\nوقال الثوري: إنما سموا متقين، لأنهم اتقوا ما لا يُتقى.","vol":"1","page":48},{"text":"• والتقوى مأخوذة من الوقاية، وهي: أن يجعل الإنسان لنفسه وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\nوهذا من أجمع التعاريف، وقد جاء في معناها آثار عدة عن السلف كلها داخلة تحت هذا المعنى.\nقال علي: التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضى بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.\nوقال ابن مسعود: حقيقة تقوى الله: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.\nوقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.\nقال ابن القيم: وهذا من أحسن ما قيل في حد التقوى.\nوروي أن عمر بن الخطاب سأل أبي بن كعب عن التقوى؟ فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى.\nقال ابن المعتز:\nخل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى\nكن مثل ماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى\nلا تحقرنَّ صغيرة إن الجبال من الحصى\n\n• قال ابن القيم:<span data-type='title' id=toc-86> مراتب التقوى:</span>\nالتقوى ثلاث مراتب:\nإحداها: حميّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات، والثانية: حميّتها عن المكروهات، والثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني.\nفالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته. …\nوقال القرطبي: سأل عمر أبيًا عن التقوى؟ فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى.\nالمراد بالمتقين من اتقوا الله ﵎، ففعلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، وقال بعض العلماء: سمي المتقون بذلك: لأنهم اتقوا ما لا يتقى.","vol":"1","page":49},{"text":"قال ابن القيم: فكلما اتقى العبد ربه ارتقى إلى هداية أخرى، فهو في مزيد هداية ما دام في مزيد من التقوى، وكلما فوت حظًا من التقوى، فاته حظ من الهداية بحسبه، فكلما اتقى زاد هداه، وكلما اهتدى زادت تقواه.\nفالقرآن كله هدى، قال تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) أي أن هذا القرآن العظيم القدر، يهدي للتي هي أقوم أي الطريقة التي هي أسد وأعدل وأصوب، وقال تعالى (ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمةً وبشرى للمسلمين)، وقال تعالى (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم)، إن القرآن العظيم كالمصباح لهذه الأمة، فلا سبيل لهدايتها إلا به.\nوالقرآن مثبت على الحق، كما قال تعالى (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا).\n\n<span data-type='title' id=toc-87>الفوائد:</span>\n١ - بيان إعجاز هذا القرآن وأنه من عند الله.\n٢ - أن هذا القرآن مكون من هذه الحروف التي يعرفونها ومع ذلك أعجزهم الله أن يأتوا بمثله.\n٣ - عظمة هذا القرآن العظيم.\n٤ - أن الله يتكلم بحرف وبصوت، لأن قوله (ألم) من كلام الله، وهي حروف.\n٥ - الثناء على هذا القرآن بأنه لا ريب فيه ولا شك، بل هو كامل يهدي لكل خير ويقين.\n٦ - الترغيب في القرآن لقوله (هدى).\n٧ - فضل التقوى وأنها سبب لهداية القرآن.\n٨ - أنه كلما زادت تقوى الإنسان ازداد اهتداؤه بهذا القرآن، لأن الحكم إذا علق على وصف ازداد بزيادته ونقص بنقصه.\nقال بعض العلماء: درجات التقوى خمس: أن يتقي العبد الكفر، وذلك مقام الإسلام، وأن يتقي المعاصي، والحرمات، وهو مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات، وهو مقام الورع، وأن يتقي المباحات وهو مقام الزهد، وأن يتقي حضور غير الله على قلبه وهو مقام المشاهدة.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥»</span> [البقرة: ٣ - ٥].\n<hr><s0>\n\n(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) هذه من صفات المتقين، أنهم يؤمنون بما غاب عنهم مما أخبر به الله ورسله، من البعث، والجنة، والصراط والحساب وغيرها.\n• عظم منزلة الإيمان بالغيب، حيث ذكره الله تعالى في أول صفات المتقين، والغيب كل ما غاب عنك، وهو ما لا يقع تحت الحواس، ويعلم بخبر الأنبياء، فلا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق الوحي.\n• ومعنى الغيب: قيل: كل ما غاب عن العباد من الجنة والنار، وقيل: القرآن، وقيل: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه وبالبعث، قال ابن كثير: كل هذه متقاربة في معنى واحد، لأن جميع المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به، وقال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها.\n• الإيمان بالغيب من أعظم الفروق بين المؤمن التقي كامل الإيمان وبين المؤمن ناقص الإيمان، لأن المحسوسات كل يؤمن بها، بخلاف المغيبات.\n• قال السعدي: وليس الشأن في الإيمان في الأشياء المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر، إنما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به لخبر الله وخبر رسوله، فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر، لأنه\nتصديق مجرد لله ورسله، فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله، سواء شاهده أو لم يشاهده، وسواء فهمه وعقله أو لم يهتد إليه عقله وفهمه.\n(وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) أي ومن صفات المتقين أنهم يقيمون الصلاة على وجه مستقيم بشروطها وأركانها ومستحباتها كما جاء عن رسول الله -ﷺ-.","vol":"1","page":51},{"text":"• قال السعدي: لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون الصلاة، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقام الصلاة، إقامتها ظاهرًا بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها، وإقامتها باطنًا بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها.\n• لم يأمر الله بالصلاة إلا بلفظ الإقامة، كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) وقوله تعالى (والمقيمين الصلاة).\nإقامة الصلاة ليس مجرد أداؤها، وإنما المراد إقامتها بإدائها بتدبر وحضور قلب وخشوع، وهذه هي الصلاة التي قال الله عنها (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) فإن الله في هذه الآية علق حكم نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر بشرط إقامتها وليس فقط أداؤها (والحكم المعلق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصه) فعلى قدر إقامة العبد لصلاته على قدر ما تؤثر فيه فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وبهذا يزول الإشكال الذي يورده البعض: وهو أن كثير من المصلين لا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر.\n• قوله تعالى (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) يشمل صلاة الفرض والنفل.\n\n• قوله تعالى (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) فيه دليل على أهمية الصلاة و<span data-type='title' id=toc-89>عظيم منزلتها </span>وأنها من أعظم صفات المتقين، ومما يدل على عظيم منزلتها:\nأنها فرضت في أعلى مكان (في السماء ليلة الإسراء والمعراج).\nوفرضت خمس صلوات في اليوم والليلة، وأول ما فرضت خمسين ثم خففت إلى خمس في العدد، وهذا يدل على محبة الله لها، وعنايته بها سبحانه.\nأن تاركها كافر يحشر مع فرعون وقارون وأبي بن خلف، وأعظم العبادات بعد الشهادتين، وهي عمود الدين.\n(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) أي ومما أعطيناهم من المال يخرجون.\n• اختلف في المراد بالنفقة هنا: فقيل: الزكاة المفروضة، وقيل: صدقة التطوع، والصحيح أنها عامة في كل أنواع الإنفاق، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري والقرطبي والسعدي.\n• قال السعدي: يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة، والنفقة على الزوجات والأقارب والمماليك ونحو ذلك، والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير.\n• قوله تعالى (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) أي ينفقون بعض مالهم لا كله.\n• قال السعدي: وأتى بـ[من] الدالة على التبعيض، لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءًا يسيرًا من أموالهم، غير ضار لهم ولا مثقل، بل ينتفعون هم بإنفاقه، وينتفع به إخوانهم.\n• ولم يبين الله القدر الذي ينبغي إنفاقه، وقد بين ذلك في قوله تعالى (وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) والمراد بالعفو: الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ) صلة ثالثة في وصف المتقين مما يحقق معنى التقوى وصدق الإيمان من بذل عزيز على النفس في مرضاة الله؛ لأن الإيمان لما كان مقره القلب ومترجمه اللسان كان محتاجًا إلى دلائل صدق صاحبه وهي\nعظائم الأعمال، من ذلك التزام آثاره في الغيبة الدالة عليه (الذين يؤمنون بالغيب) ومن ذلك ملازمة فعل الصلوات لأنها دليل على تذكر المؤمن من آمن به، ومن ذلك السخاء ببذل المال للفقراء امتثالًا لأمر الله بذلك.","vol":"1","page":52},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-90> في الآية فضل الإنفاق في طاعة الله، ومن فضائله:</span>\n<span data-type='title' id=toc-91>أولًا: أن الإنفاق استجابة لأمر ربنا تعالى.</span>\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ).\nوقال تعالى (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ. وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-92>ثانيًا: مضاعفة الحسنات.</span>\nقال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-93>ثالثًا: أن درجة البر تنال بالإنفاق.</span>\nقال تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-94>رابعًا: أنها من صفات المتقين.</span>\nكما قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فقوله تعالى (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) دليل على أن الإنفاق ملازم لهم في جميع أحوالهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-95>خامسًا: الأمان من الخوف يوم الفزع الأكبر.</span>\nقال تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-96>سادسًا: أن صاحب الإنفاق موعود بالخير الجزيل.</span>\nقال تعالى (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ).\nوقال تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-97>سابعًا: أن الله يخلف الصدقة.</span>\nقال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-98>ثامنًا: أن الإنفاق دليل على صحة الإيمان.</span>\nقال -ﷺ- (والصدقة برهان) رواه مسلم، فالصدقة برهان على صحة الإيمان.\n\n<span data-type='title' id=toc-99>تاسعًا: ينال دعاء الملائكة.</span>\nكما قال -ﷺ- (ما من صباح إلا وينزل ملكان: يقول أحدهما اللهم أعط منفقًا خلفًا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) متفق عليه.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-100>عاشرًا: فضل من سبق بالإنفاق والجهاد.</span>\nقال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى).\n\n<span data-type='title' id=toc-101>الحادي عشر: أنها إرغام للشيطان وحسن ظن بالله.</span>\nقال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>الثاني عشر: لا حسد إلا لمن أنفق في وجوه الخير.</span>\nقال -ﷺ- (لَا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا).\n• قال السعدي: قوله تعالى (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ينفقون) إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم، ليست حاصلة بقوتكم وملككم، وإنما هي رزق الله الذي أنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم الله به عليكم وواسوا إخوانكم المعدمين.\n• قوله تعالى (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) كثيرًا ما يقرن الله ﵎ بين الصلاة والإنفاق [الزكاة] كقوله تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).\nقيل: إن الصلاة حق الله وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده، والإنفاق هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وسعادة العبد دائرة بين الأمرين: إخلاصه لمعبوده، وسعيه في نفع الخلق.\nوقيل: الصلاة رأس العبادات البدنية، والزكاة رأس العبادات المالية.\nوقيل: الصلاة طهارة للنفس والبدن، والزكاة طهارة للمال.","vol":"1","page":54},{"text":"قال السعدي: وكثيرًا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن، لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ولا إحسان.\n(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) أي: ومن صفات هؤلاء المتقين أنهم يؤمنون بجميع الكتب المنزلة، فيؤمنون بالكتاب الذي أنزل إليك وهو القرآن، ويؤمنون بالكتب السابقة، كالتوراة والإنجيل والزبور.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: وبدأ بالقرآن مع أنه آخرها زمنًا، لأنه مهيمن على الكتب السابقة ناسخ لها.\n• اختلف العلماء في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما زرقناهم ينفقون) على قولين:\nفقيل: إن الموصوفين أولًا مؤمنوا العرب، والموصوفون ثانيًا بقوله (والذين يؤمنون بما أنزل إليك …) لمؤمني أهل الكتاب، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري ﵀.\nوقيل: إن هؤلاء هم الموصوفون قبل هذه الآية، وهم مؤمنوا العرب ومؤمنوا أهل الكتاب، ورجح هذا ابن كثير.\nويدل لصحة هذا القول أن الله أمر بذلك فقال سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ).\nوقال تعالى (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).\n• ورد فضل للكتابي الذي آمن بنبيه ثم آمن بمحمد -ﷺ-.\nقال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا).\nقال -ﷺ- (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: … ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي -ﷺ- فآمن به).\n(وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) أي: يوقنون بما يكون بعد الموت من لقاء الله والبعث والحساب والجنة والنار.","vol":"1","page":55},{"text":"• قال السعدي: الآخرة اسم لما يكون بعد الموت، وخصه بالذكر بعد العموم، لأن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان، ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، واليقين: هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، والموجب للعمل\n• وقال ابن عاشور: والآخرة في اصطلاح القرآن هي الحياة الآخرة.\n• الآخرة أي اليوم الآخر، وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده، ويتضمن البعث، والثواب، والعقاب، والجنة، والنار وغير ذلك مما يكون يوم القيامة.\n• قال ابن عاشور: فالتعبير عن إيمانهم بالآخرة بمادة الإيقان لأن هاته المادة، تشعر بأنه علم حاصل عن تأمل وغوص الفكر في طريق الاستدلال لأن الآخرة لما كانت حياة غائبة عن المشاهدة غريبة بحسب المتعارف وقد كثرت الشبه التي جرت المشركين والدهريين على نفيها وإحالتها، كان الإيمان بها جديرًا بمادة الإيقان بناء على أنه أخص من الإيمان، فلإيثَار (يوقنون) هنا خصوصية مناسبة لبلاغة القرآن، والذين جعلوا الإيقان والإيمان مترادفين جعلوا ذكر الإيقان هنا لمجرد التفنن تجنبًا لإعادة لفظ (يؤمنون) بعد قوله (والذين يؤمنون بما أنزل إليك).\n\n•<span data-type='title' id=toc-103> للإيمان باليوم الآخر ثمرات جليلة:</span>\nمنها: الرغبة في فعل الطاعات والحرص عليها رجاء لثواب ذلك اليوم.\nومنها: الرهبة من فعل المعصية والرضى بها خوفًا من عقاب ذلك اليوم.\nومنها: تسلية المؤمن عما يفوته من الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها.\n• قيل: ثمرة اليقين بالآخرة الاستعداد لها، فقد قيل عشرة من المغرورين: من أيقن أن الله خالقه ولا يعبده، ومن أيقن أن الله رازقه ولا يطمئن به، ومن أيقن أن الدنيا زائلة ويعتمد عليها، ومن أيقن أن الورثة أعداؤه ويجمع لهم، ومن أيقن أن الموت آت فلا يستعد له، ومن أيقن أن القبر منزله فلا يعمره، ومن أيقن أن الديان يحاسبه فلا يصحح حجته، ومن أيقن أن الصراط ممره فلا يخفف ثقله، ومن أيقن أن النار دار الفجار فلا يهرب منها، ومن أيقن أن الجنة دار الأبرار فلا يعمل لها.\n• قال ذو النون المصري: اليقين داع إلى قصر الأمل، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد، والزهد يورث الحكمة، والحكمة تورث النظر في العواقب.","vol":"1","page":56},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-104> فضل اليقين، ومن فضائله:</span>\n<span data-type='title' id=toc-105>أولًا: سبب للإمامة.</span>\nقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-106>ثانيًا: وأهل اليقين هم أهل الانتفاع بالآيات.</span>\nقال تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-107>ثالثًا: خص الله أهل اليقين بالهدى والفلاح.</span>\nقال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-108>رابعًا: سبب دخول أهل النار النار عدم يقينهم.</span>\nقال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-109>خامسًا: صلاح هذه الأمة بالزهد واليقين.</span>\nقال -ﷺ-: (صلاح هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمان).\n\n<span data-type='title' id=toc-110>سادسًا: سبب لتهوين مصائب الدنيا.</span>\nفقد كان النبي -ﷺ- يدعو قبل أن يقوم من مجلسه: (… ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا).\nقال ابن مسعود: لو وقع اليقين في القلب لطار إلى الجنة اشتياقًا.","vol":"1","page":57},{"text":"(أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) قال ابن كثير: يقول الله تعالى: (أولئك) أي المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق من الذي رزقهم الله والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل والإيقان بالدار الآخرة وهو مستلزم الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرمات، (على هدى) أي على نور وبيان وبصيرة من الله تعالى، (وأولئك هم المفلحون) أي في الدنيا والآخرة.\n• قوله تعالى (عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) أي على هدى عظيم، لأن التنكير للتعظيم، وأي هداية أعظم من تلك الصفات المذكورة المتضمنة للعقيدة الصحيحة والأعمال المستقيمة (وأولئك هم المفلحون) والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم، لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم.\n• قال الشوكاني: معنى الاستعلاء في قوله (على هدى) مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به، شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه.\n• وقال السعدى: وأتى بـ (على) في هذا الموضع، الدالة على الاستعلاء، وفي الضلالة يأتي بـ (في) كما في قوله (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى، مرتفع به، وصاحب الضلال منغمس فيه محتَقر. …\n• قوله تعالى (مِنْ رَبِّهِمْ) أي خالقهم المدبر لأمورهم، والربوبية هنا خاصة متضمنة للتربية الخاصة التي فيها سعادة الدنيا والآخرة.\n• قوله تعالى (وأولئك هم المفلحون) قال النووي: الفلاح الفوز والنجاة وإصابة الخير، قالوا وليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير من لفظة الفلاح.\n• قال البقاعي: والفلاح الفوز والظفر بكل مراد ونوال البقاء الدائم في الخير.\n• وقال ابن عاشور: والفلاح: الفوز وصلاح الحال، فيكون في أحوال الدنيا وأحوال الآخرة، والمراد به في اصطلاح الدين الفوز بالنجاة من العذاب في الآخرة.\n• وقال الشنقيطي: والفلاح في لغة العرب يطلق إطلاقين مشهورين، وكل منهما يدخل في الآية:\nالإطلاق الأول: أن العرب تقول (أفلح فلان) إذا فاز بمطلوبه الأكبر، فكل إنسان كان يحاول مطلوبًا أعظم ثم ظفر به وفاز بما كان يرجو فهذا قد أفلح.\nالإطلاق الثاني: أن المراد بالفلاح: الدوام والبقاء السرمدي في النعيم، فكل من كان له دوام وبقاء في النعيم تقول العرب (نال الفلاح). (الشنقيطي).\n• وقال السعدي: والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم، وما عدا تلك السبيل، فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك.\n• قوله تعالى (وأولئك هم المفلحون) فيه أن الفلاح مرتب على الاتصاف بهذه الصفات، فإن اختلت صفة منها نقص من الفلاح بقدر ما اختل من تلك الصفات، لأن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، ولولا ذلك ما كان في الجنات درجات.","vol":"1","page":58},{"text":"فائدة: قال مجاهد: أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاثة عشر في المنافقين.\n\n<span data-type='title' id=toc-111>الفوائد:</span>\n١ - أهمية الإيمان بالغيب وأنه من أعظم صفات المتقين.\n٢ - أهمية الصلاة وأنها من أعظم صفات المتقين، وهذا يشمل فرضها ونفلها.\n٣ - أهمية الإنفاق في سبيل الله في كل مجالات الخير، وقد سبق فضائل الإنفاق.\n٤ - على المسلم أن يحرص على المحافظة على الصلاة والإنفاق، فإن الله كثيرًا ما يقرن بينهما في كتاب (وقد سبق الحكمة من ذلك من كلام السعدي ﵀).\nقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ).\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ).\nوقال تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ).\nوقال تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).\nوقال تعالى (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)\nوغير ذلك كثير.\n٥ - ذم البخل.\n٦ - إثبات علو الله لقوله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ..) والنزول يكون من أعلى إلى أسفل.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-112>وعلو الله ينقسم إلى ثلاثة أقسم:</span>\nعلو ذات (أن الله فوق سمواته مستو على عرشه بائن من خلقه)، وعلو القدر (أي قدره وشأنه عال)، وعلو القهر والغلبة والسلطان.\nعلو القهر والقدر: متفق عليه بين أهل السنة وأهل البدعة (فكلهم يؤمنون بأن الله تعالى عال علوًا معنويًا).\nوأما العلو الذاتي، فيثبته أهل السنة والجماعة، ولا يثبته أهل البدع، والحق مذهب أهل السنة وأن الله عال بذاته والأدلة كثيرة جدًا على علوه ﷾، من الكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع.\n\n<span data-type='title' id=toc-113>أما أدلة الكتاب والسنة فقد تنوعت دلالتهما بطرق كثيرة:</span>\nأحدها: التصريح بالفوقية.\nكقوله تعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ).\nوكقوله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).\nالثاني: التصريح بالعروج إليه.\nكقوله تعالى (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ).\nوقوله -ﷺ- (يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم.).\nالثالث: التصريح بالصعود إليه.\nكقوله تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ).\nالرابع: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه.\nكقوله تعالى (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ).\nوقوله تعالى (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ).\nالخامس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو.\nكقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).\nوقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).\nوقوله تعالى (إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ).","vol":"1","page":60},{"text":"السادس: التصريح بنزيل الكتاب منه.\nكقوله تعالى (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم).\nوقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).\nوقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).\nوقوله تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ).\nوقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ).\nالسابع: التصريح بأن الله تعالى في السماء.\nكقوله تعالى (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ).\nوقال الرسول -ﷺ- (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.\nالثامن: التصريح بالاستواء على العرش.\nكقوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).\nالتاسع: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى.\nكقوله -ﷺ-: (إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا).\nوالقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع.\nالعاشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم، إنما يكون من علو إلى أسفل.\nالحادي عشر: الإشارة إليه حسًا إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وبما يجب له، لما كان بالجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: (أنتم مسؤولون عني، فما ذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فرفع إصبعه الكريمة إلى السماء، رافعًا لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء، قائلًا: اللهم اشهد).\nالثاني عشر: التصريح بلفظ (الأين) كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم بيانًا عن المعنى الصحيح، بلفظ لا يوهم باطلًا بوجه: (أين الله).","vol":"1","page":61},{"text":"الثالث عشر: شهادته -ﷺ- لمن قال: إن ربه بالسماء بالإيمان.\nالرابع عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى، فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السموات، فقال: (يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا) فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني، ومن أثبتها فهو موسوي محمدي.\nالخامس عشر: إخباره -ﷺ- أنه تردد بين موسى -﵇- وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة.\nمن العقل:\nأن العلو صفة كمال والسفل صفة نقص، فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده.\nوأما الفطرة:\nقال شارح الطحاوية: وأما ثبوته بالفطرة فإن الخلق جميعًا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله.\nوأما الإجماع:\nفقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله فوق سمواته مستو على عرشه.\n٧ - فيه أن القرآن منزل غير مخلوق، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة.\nومن الأدلة على أنه منزل:\nقوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).\nوقوله سبحانه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).\nوقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ).","vol":"1","page":62},{"text":"والدليل على أنه غير مخلوق: قوله تعالى (ألا له الخلق والأمر) فجعل الأمر غير الخلق، والقرآن من الأمر لقوله تعالى (وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا) وقوله سبحانه (ذلك أمر الله أنزله إليكم).\n٨ - وجوب الإيمان بجميع الكتب المنزلة.\nقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: الإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:\nالأول: الإيمان بأن نزولها من عند الله حقًا.\nالثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه: كالقرآن الذي نزل على محمد -ﷺ-، والتوراة التي أنزلت على موسى، والإنجيل الذي أنزل على عيسى، والزبور الذي أوتيه داود -﵇-، وأما ما لم نعلم اسمه فنؤمن به إجمالًا.\nالثالث: تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.\nالرابع: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا والتسليم، وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم قال الله تعالى (وأنزلنا إليك الكتاب مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه).\n٩ - فضل الإيمان باليوم الآخر (من الموت والبعث والجنة والنار وعذاب القبر ونعيمه وغيرها).\n• قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لأن الإيمان بالله هو الذي يبعث على العمل، ولهذا يقرن الله دائمًا الإيمان بالله وباليوم الآخر.\n١٠ - أن ربوبية الله تكون خاصة وعامة، وقد اجتمعا في قوله تعالى عن سحرة فرعون (آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون).\n١١ - أن الفلاح مرتب على الاتصاف بما ذكر، فإن اختلت صفة منها نقص من الفلاح بقدر ما اختل من تلك الصفات.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-114>(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧».</span> [البقرة: ٦، ٧]\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) اختلف العلماء في تأويل هذه الآية:\nفقيل: هي عامة ومعناها الخصوص فيمن سبقت عليه كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره، أراد الله أن يعلم\nالناس أن فيهم من هذا حاله دون أن يعين أحدًا، وقيل: نزلت في رؤساء اليهود، وقيل: نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب. قال القرطبي: والأول أصح.\nفمعنى الآية - والله أعلم - أن الكفار الذين كتبت عليهم الشقاوة وحقت عليهم كلمة العذاب يستوي عندهم الإنذار من عدمه فهم لا ينتفعون بإنذار ولا بغير إنذار، كما قال تعالى (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم).\nوقد حكى ابن عطية الاتفاق على أن هذه الآية غير عامة لوجود كفار قد أسلموا بعدها.\n• قال ابن الجوزي: قال شيخنا علي بن عبيد الله: هذه الآية وردت بلفظ العموم، والمراد بها الخصوص، لأنها آذنت بأن الكافر حين إنذاره لا يؤمن، وقد آمن كثير من الكفار عند إنذارهم، ولو كانت على ظاهرها في العموم، لكان خبر الله لهم خلاف مخبره، ولذلك وجب نقلها إلى الخصوص.\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) هذه الآية تدل بظاهرها على عدم إيمان الكفار، وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن بعض الكفار يؤمن بالله ورسوله كقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف) الآية. وكقوله (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) وكقوله: (وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ)، ووجه الجمع ظاهر وهو أن الآية من العام المخصوص لأنه في خصوص الأشقياء الذين سبقت لهم في علم الله الشقاوة المشار إليهم بقوله (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ). ويدل لهذا التخصيص قوله تعالى (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) الآية وأجاب البعض بأن المعنى لا يؤمنون مادام الطبع على قلوبهم وأسماعهم والغشاوة على أبصارهم فإن أزال الله عنهم ذلك بفضله آمنوا.","vol":"1","page":64},{"text":"• قوله تعالى (إن الذين كفروا) الكفر لغة الستر والتغطية، ويسمى الليل (كافرًا) لأنه يغطي كل شيء، وكل شيء غطى شيء فقد كفره، والكافر الزارع لأنه يغطي البذر بالتراب، وشرعًا: ضد الإيمان، فهو عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب.\n• قوله تعالى (أَأَنْذَرْتَهُمْ) الإنذار: هو الإعلام المقرون بالتخويف.\n\n• قوله تعالى (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) فيه دليل على أنه<span data-type='title' id=toc-115> ينبغي إنذار الكفار وتحذيرهم من غضب الله إن لم يؤمنوا، وننذرهم لأمور:</span>\n<span data-type='title' id=toc-116>أولًا: لأن الله أمر بذلك.</span>\nفقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ).\nوقال تعالى (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى).\n\n<span data-type='title' id=toc-117>ثانيًا: ننذرهم رجاء انتفاعهم.</span>\nكما قال الواعظون من بني إسرائيل (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-118>ثالثًا: تبرئة الذمة وقيامًا بالواجب.</span>\nكما في الآية السابقة (معذرة إلى ربكم) أي قال الناهون: إنما نعظكم لنعذر عند الله بقيامنا بواجب النصح والتذكير.\n• قال الرازي: الإنذار هو التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن تأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى من تأثير البشارة؛ لأن اشتغال الإنسان بدفع الضرر أشد من اشتغاله بجلب المنفعة، وهذا الموضع موضع\nالمبالغة وكان ذكر الإنذار أولى.\n• قال القاسمي: سؤال: فإن قيل: لم اقتصر على الإنذار ولم يذكر البشارة في قوله تعالى (أأنذرتهم أم لم تنذرهم)؟\nالجواب: لأنهم ليسوا أهلًا للبشارة ولأن الإنذار أوقع في القلوب ومن لم يتأثر به فلأن لا يرفع البشارة رأسًا.\n(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) الختم: الاستيثاق منه حتى لا يصل إليه خير ولا يخرج منه شر، فالمعنى: أن الله ختم على قلوب هؤلاء وطبع عليها، بحيث لا يخرج منها شر ولا يدخل إليها خير، كالقارورة إذا ختمتها وطبعت عليها، لا يخرج شيء مما فيها، ولا يصب إليها شيء آخر.\nوالمعنى: ذكر الله تعالى المانع لهؤلاء عن الإيمان وهو أن الله ختم وطبع على قلوبهم وعلى سمعهم بطابع لا يدخلها الإيمان ولا ينفذ فيها، فلا يعون ما ينفعهم، ولا يسمعون ما يفيدهم وعلى أبصارهم غشاء وغطاء تمنعها من النظر إلى الذي ينفعهم، وسدت عنهم أبواب الإيمان بسبب كفرهم وجحودهم ومعاندتهم بعدما تبين لهم الحق.","vol":"1","page":65},{"text":"قال القرطبي: الختم يكون محسوسًا كما بينا، ومعنىً كما في هذه الآية.\nفالختم على القلوب: عدم الوعي عن الحق سبحانه مفهوم مخاطباته والفكر في آياته، وعلى السمع: عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دعُوا إلى وحدانيته، وعلى الأبصار: عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته؛ هذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم.\n• وقال القرطبي ﵀: قوله تعالى (خَتَمَ الله) بيَّن سبحانه في هذه الآية المانع لهم من الإيمان بقوله (ختم الله).\nوالختم مصدر ختمت الشيء ختمًا فهو مختوم ومختّم؛ شدّد للمبالغة، ومعناه التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء؛ ومنه: ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك، حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غير ما فيه.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غشاوة) هذه الجملة جارية مجرى التعليل للحكم السابق في قوله تعالى (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) وبيان لسببه في الواقع ليدفع بذلك تعجب المتعجبين من استواء الإنذار وعدمه عندهم ومن عدم نفوذ الإيمان إلى نفوسهم مع وضوح دلائله، فإذا عَلم أن على قلوبهم ختمًا وعلى أسماعهم وأن على أبصارهم غشاوة عَلِمَ سبب ذلك كله وبطل العجب.\n• الختم يكون على القلب والسمع، والغشاوة على الأبصار، كما قال تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة). والغشاوة: الغطاء على العين يمنعها من الرؤية.\n• فإن قيل لم خص القلب بالختم دون سائر الجوارح؟ فالجواب: لأنه محل الفهم والعلم.\n• فإن قيل لم خص الله هذه الأعضاء بالذكر؟ فالجواب: قيل إنها طرق العلم، فالقلب محل العلم وطريقه السماع أو الرؤية.\n• فإن قال قائل: إن الله بيّن أنه ختم على قلب هؤلاء وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، فكيف يعاقبهم الله وقد جعل فيهم هذه الأمور المانعة من الإيمان؟\nالجواب: إن القرآن بيّن أن هذا الطبع وهذا الختم لا يأتي الإنسان إلا بسبب ذنب من ذنوبه، فهو جزاء وفاق على بعض الذنوب، وقد دلت آيات كثيرة على أن الله ﷿ يسبب للإنسان الضلالة بسبب ارتكاب الذنوب كما يسبب له الهدى بسبب الطاعات، قال تعالى (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) (الباء) في قوله (بِكُفْرِهِمْ) سببية، فبيّن أن هذا الطبع بسبب كفرهم، وكقوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) وكقوله (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) وكقوله تعالى (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا).","vol":"1","page":66},{"text":"• قوله تعالى (على قلوبهم) القلب سمي بذلك قيل: لأنه خالص كل شيء، وقيل: لسرعة تقلبه.\n• قوله تعالى (ختم الله على قلوبهم …) فيه أن طرق الهدى إما بالسمع وإما بالبصر وإما بالقلب، فهؤلاء ختم الله على قلوبهم: فلا تعي ولا تفقه ولا تتعظ ولا تنزجر ولا تتأثر، وختم على سمعهم: فلا تسمع ما تنتفع بها، وجعل على أبصارهم غطاء: فلا يرى ما ينفعه، بل يرى ما يضره ويهلكه.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (ختم الله على قلوبهم) قال القرطبي: قال أهل المعاني: وصف الله قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم والطبع والضيق والمرض والريْن والموت والقساوة والانصراف والحميّة والإنكار.\nفقال في الإنكار (فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) وقال في الحمية (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ) وقال في الانصراف (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) وقال في القساوة (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) وقال (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) وقال في الموت (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) وقال في الرين (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وقال في المرض (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) وقال في الضيق (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) وقال في الطبع (فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) وقال في الختم (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ).\n• قال ابن عاشور: وإنما أفرد السمع ولم يجمع كما جمع (قلوبهم) و(أبصارهم) إما لأنه أريد منه المصدر الدال على الجنس، إذ لا يطلق على الآذان سمع ألا ترى أنه جمع لما ذكر الآذان في قوله (يجعلون أصابعهم في أذانهم) وقوله (وفي آذاننا وقر) فلما عبر بالسمع أفرد لأنه مصدر بخلاف القلوب والأبصار فإن القلوب متعددة والأبصار جمع بصر الذي هو اسم لا مصدر، وإما لتقدير محذوف أي وعلى حواس سمعهم أو جوارح سمعهم.","vol":"1","page":67},{"text":"وقد تكون في إفراد السمع لطيفة روعيت من جملة بلاغة القرآن هي أن القلوب كانت متفاوتة واشتغالها بالتفكر في أمر الإيمان والدين مختلف باختلاف وضوح الأدلة، وبالكثرة والقلة وتتلقى أنواعًا كثيرة من الآيات فلكل عقل حظه من الإدراك، وكانت الأبصار أيضًا متفاوتة التعلق بالمرئيات التي فيها دلائل الوحدانية في الآفاق، وفي الأنفس التي فيها دلالة، فلكل بصر حظه من الالتفات إلى الآيات المعجزات والعبر والمواعظ، فلما اختلفت أنواع ما تتعلقان به جمعت.\nوأما الأسماع فإنما كانت تتعلق بسماع ما يُلقى إليها من القرآن فالجماعات إذا سمعوا القرآن سمعوه سماعًا متساويًا وإنما يتفاوتون في تدبره والتدبر من عمل العقول فلما اتحد تعلقها بالمسموعات جعلت سمعًا واحدًا.\n(وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أي: ولهؤلاء الكفار عقوبة عظيمة في نار جهنم، فإن مصير الكفار في نار جهنم يعذبون أشد العذاب، يعذبون جسديًا ونفسيًا.\n• الفرق بين العظيم والكبير: أن العظيم نقيض الحقير والكبير نقيض الصغير فكأن العظيم فوق الكبير كما أن الحقير دون الصغير ويستعملان في الجثث والأحداث جميعًا تقول رجل عظيم وكبير وتريد جثته أو خطره.\n\n<span data-type='title' id=toc-119>الفوائد:</span>\n١ - أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن مهما كان الداعي والمنذر.\n٢ - أن الهداية والتوفيق بيد الله تعالى، فمن أراد الله هدايته فلن يستطيع أحد أن يضله، ومن أراد الله إضلاله فلن يستطيع أحد أن يهديه.\n٣ - أن الإنسان ينبغي أن يدعو الله بالتوفيق والهداية والثبات.\n٤ - حكمة الله تعالى في عدم إيمان هؤلاء الكفار.\n٥ - أن من لا يشعر بالخوف عند الموعظة، ولا بالإقبال على الله، فإن فيه شبهًا من الكفار الذين لا يتعظون بالمواعظ.\n٦ - تهديد هؤلاء الكفار بالعذاب العظيم.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠».</span> [البقرة: ٨ - ١٠]\n<hr><s0>\n\n(وَمِنَ النَّاسِ …) ذكر الله تعالى في هذه الآيات صفات المنافقين، فأول أربع آيات في سورة البقرة في المؤمنين، وآيتين في الكفار، وثلاثة عشرة آية في المنافقين.\n• قال النسفي: افتتح ﷾ بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، ثم ثنى بالكافرين قلوبًا وألسنة، ثم ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وهم أخبث الكفرة لأنهم خلطوا بالكفر استهزاءً وخداعًا ولذا نزل فيهم (إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار).\n• قال الشوكاني: ذكر سبحانه في أول هذه السورة المؤمنين الخلص، ثم ذكر بعدهم الكفرة الخلص، ثم ذكر ثالثًا المنافقين وهم الذين لم يكونوا من إحدى الطائفتين، بل صاروا فرقة ثالثة؛ لأنهم وافقوا في الظاهر الطائفة الأولى، وفي الباطن الطائفة الثانية، ومع ذلك فهم أهل الدرك الأسفل من النار.\n• فإن قال قائل: لماذا كان التحذير من المنافقين أشد من الكفار؟ فالجواب: نظرًا لخطرهم العظيم، ولالتباس أمرهم، وتسميهم باسم الإسلام، بخلاف الكافر فإنه معلوم كفره فيجتنب.\n• قال ابن كثير: نزلت صفات المنافقين في السور المدنية، وذلك لأن مكة لم يكن بها نفاق، بل كان الأمر في مكة على خلاف النفاق، فكان كثير من أهل الإسلام بمكة يخفون إسلامهم ويسرون بإيمانهم خوف القتل من المشركين، أما المدينة فلما كثر فيها المسلمون وقويت شوكتهم بدأ أهل الكفر يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر خوف السيف.\n(مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) يقول تعالى في وصف المنافقين الذين ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر، أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فأكذبهم الله بقوله: وما هم بمؤمنين، لأن الإيمان الحقيقي ما تواطأ عليه القلب واللسان، وإنما هذا مخادعة لله ولعباده المؤمنين.","vol":"1","page":69},{"text":"• قال تعالى (واليوم الآخر) أي يوم القيامة، وسمي آخرًا لأنه لا يوم بعده.\n(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) الخداع: الإخفاء، فالذي يخادع يظهر شيئًا ويخفي شيئًا. ومنه قوله -ﷺ- (صلاة المرأة في مخدعها خير من صلاتها في بيتها) ومن قول العرب: انخدع الضب في جحره، والمعنى: أنهم يخادعون الله والمؤمنين بإظهار ما أظهروه من الإيمان مع إصرارهم على الكفر، يعتقدون - بجهلهم - أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده.\n(وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) كما قال تعالى في آية أخرى (إن الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ).\n• قال ابن كثير: قوله تعالى (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ)؛ ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول: وما يَغُرُّون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ).\n• وقال الشوكاني: الإشعار بأنهم لما خادعوا من لا يخدع كانوا مخادعين لأنفسهم، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه وما يشعر بذلك.\n(وَمَا يَشْعُرُونَ) أي ما يشعر هؤلاء أن خداعهم على أنفسهم مع أنهم يباشرونه، ولكن لا يحسون به.\n(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) المرض هو اعتلال الجسم، ومرض القلب خروجه عن صحته واعتداله، فهؤلاء قلوبهم مريضة، وهذا المرض الذي في قلوبهم هو مرض الشك والنفاق الناتج عن ضعف يقينهم وإيمانهم، وقد قال -ﷺ- في وصف المنافقين (مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة) رواه مسلم [العائرة: الحائرة].\nوقد ذكر الله هذا المرض عن المنافقين في عدة آيات:\nفقال تعالى (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ).\nوقال تعالى (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ).\nوقال تعالى (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ).\n(فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) وقد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية: فقيل: المراد الدعاء عليهم بزيادة المرض، وقيل: هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم.","vol":"1","page":70},{"text":"• فيه دليل على أن مرض القلب وفساده - إذا لم يصلحه صاحبه - أنه يزيد هذا المرض ويتفاقم، كما قال تعالى: (فزادتهم رجسًا إلى رجسهم).\n• وفيه دليل على أن الإنسان إذا لم يصلح قلبه ويهتم به فإن مرضه يكون من أسباب قسوته ومرضه وهلاكه، لأن الذنوب والمعاصي سبب لمرض القلب، ومرض القلب إذا لم يحاول الإنسان إصلاحه والاهتمام به يصبح ذنبًا ومعصية.\n• قال ابن القيم: ومرض القلب نوعان: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن.\nقال تعالى في مرض الشبهة (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)، وأما مرض الشهوات فقال تعالى (يا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) فهذا مرض شهوة الزنا.\nوقال عن مرض الشبهات: هو أصعبهما وأقتلهما للقلب.\n• قوله تعالى (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) فيه دليل على أن من عقوبة المعصية المعصية بعدها، كما سبق في آيات سابقة (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) وكقوله (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) وكقوله تعالى (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا).\n(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلم موجع. بالغ الإيلام الغاية العظمى، كما قال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) وقال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ).\n• قال هنا في المنافقين (ولهم عذاب أليم) بينما قال في الكفار كما تقدم (ولهم عذاب عظيم) لأن الأليم هو البالغ في الإيلام الغاية العظمى.\n(بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) أي: بتكذيبهم وهو قولهم (آمنا بالله وباليوم الآخر)، وفي قراءة أخرى (يُكذِّبُون) أي يكذبون بالله ورسوله، والمنافقون اجتمع فيهم الوصفان: فهم كاذبون في دعواهم الإيمان، ومكذبون لله ولرسوله، كما قال تعالى (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وقال تعالى (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا).","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-121>الفوائد:</span>\n١ - مكر المنافقين، وأنهم أهل مكر وخداع، ولذلك قال تعالى في سورة المنافقين (هم العدو فاحذرهم) فحصر العداوة فيهم، لأنهم مخادعون.\n٢ - أنه يجب الاحتراز والتحفظ من المنافقين لأنهم أهل خداع ومكر.\n٣ - أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله. كما قال تعالى (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ).\n٤ - أن القلوب تمرض كما تمرض الأبدان، وأن مرض القلوب أعظم وأخطر من مرض الأبدان، قال ابن القيم: والرجل هو الذي يخاف موت قلبه لا موت بدنه، إذ أكثر هؤلاء الخلق يخافون موت أبدانهم ولا يبالون بموت قلوبهم، ولا يعرفون من الحياة إلا الحياة الطبيعة، وذلك موت القلب والروح.\n٥ - يجب الاهتمام بالقلب، والحذر من مرضه والحرص على حياته. وأن يدعو الله دائمًا وأبدًا بتثبيته على الحق، فقد كان -ﷺ- يدعو ويقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك.\nوأن يدعو الله أن يكون سليمًا، فقد كان -ﷺ- يقول (اللهم إني أسألك قلبًا سليمًا ..).\nوأن يحذر من التساهل في أمر القلب، فقد قال -ﷺ- (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء). رواه مسلم\nوأهم سبب لحياة القلب الاستجابة لله ولرسوله، كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم).\nوإذا صح القلب صح الجسد، كما قال -ﷺ- (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب) متفق عليه\nوأن يحذر من قسوة القلب، كما قال تعالى (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله).","vol":"1","page":72},{"text":"٦ - أن القلوب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قلب سليم، وقلب مريض، وقلب ميت.\nفالقلب السليم: هو القلب الذي سلم من الشرك، ومن البدعة، ومن كل آفة يراد بها غير وجه الله.\nوالقلب المريض: هو القلب الذي فيه مادة حياة ومادة مرض.\nوالقلب الميت: هو قلب الكافر.\n٧ - أن الإيمان يزيد وينقص.\n٨ - أن من عقوبة المعصية المعصية بعدها.\n٩ - أن من أسباب عذاب المنافقين كذبهم، وهذا من الأسباب، وإلا فالسبب الرئيسي هو كفرهم بالله تعالى.\n١٠ - التحذير من الكذب وأنه من صفات المنافقين، وقد جاء في الحديث عن النبي -ﷺ- أنه قال (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان) متفق عليه، وهؤلاء المنافقون جمعوا بين الكذب والتكذيب وهذا شر الأحوال.\n١١ - فيه دليل على أن الله لا يعاقب أحدًا إلا بسبب ذنبه ومعصيته لقوله (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).\nكما قال تعالى (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ).\nوقال تعالى (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ).\nوقال تعالى (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا).\nوقال تعالى (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ).\n١٢ - فيه تنفير وتقبيح من الكذب كما سبق، وفي هذا إشارة إلى أن السبب في استحقاقهم العذاب هو أنهم كانوا يكذبون، ومن المعلوم أن هذا أحد الأسباب في عذابهم، لأن الأسباب كثيرة في استحقاقهم العذاب، لكن قد يعبر الله تعالى عن إهلاك الكفار ببعض ذنوبهم تنفيرًا منه وتقبيحًا له كما قال تعالى في قوم نوح (مما خطيئتهم أغرقوا فأدخلوا نارًا) وقوم نوح كان سبب هلاكهم كفرهم بالله، لكن خص الخطيئات تقبيحًا لها.\n١٣ - أن المؤمن قلبه سليم، كما قال تعالى (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢».</span> [البقرة: ١١، ١٢]\n<hr><s0>\n\n(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) يخبر تعالى عن المنافقين أنهم إذا قال لهم أحد من الناس: لا تفسدوا في الأرض بالنفاق وموالاة اليهود والكافرين ردوا قائلين:\n• قال القرطبي: قوله (لَا تُفْسِدُواْ) \" لا \" نهي، والفساد ضدّ الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدّها.\nفَسَد الشيء يَفْسِدُ فَسادًا وفُسودًا وهو فاسد وفِسيد.\nوالمعنى في الآية: لا تُفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن.\n• قال ابن عاشور: والقائل لهم (لا تفسدوا في الأرض) بعض من وقف على حالهم من المؤمنين الذين لهم اطلاع على شؤونهم لقرابة أو صحبة، فيخلصون لهم النصيحة والموعظة رجاء إيمانهم ويسترون عليهم خشية عليهم من العقوبة وعلمًا بأن النبيء -ﷺ- يغضي عن زلاتهم كما أشار إليه ابن عطية.\n(قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) فجمعوا في قولهم هذا بين أمرين كبيرين: العمل بالفساد في الأرض، وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو صلاح، قلبًا للحقائق وجمعًا بين فعل الباطل واعتقاده حقًا.\nالفساد: ضد الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدها، والمعنى: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد -ﷺ- والقرآن.\n• قال بعض العلماء: تصوروا الفساد بصورة الصلاح، لما في قلوبهم من المرض فكانوا كما قال الله فيهم (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا).\n(أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ) هذا كلام مستأنف وجواب من الله تعالى ردًا على هؤلاء المنافقين، فإنه لا أعظم إفسادًا ممن كفر بآيات الله، وصد عن سبيل الله، وخادع الله وأولياءه، ووالى المحاربين لله ورسوله وزعم - مع هذا - أن هذا إصلاح، فهل بعد هذا الفساد فساد؟\n(وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) أي: ولكن لا يحسون ويفطنون لانطماس نور الإيمان في قلوبهم.\n• قال ابن القيم: تأمل كيف نفى عنهم الشعور في هذا الموضع، وهذا أبلغ ما يكون من الذم والتجهيل أن يكون الرجل مفسدًا ولا شعور له بفساده البتة، مع أن أثر فساده مشهور في الخارج، مرئي لعباد الله وهو لا يشعر به، وهذا يدل على استحكام الفساد في مداركه وطرق علمه.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-123>الفوائد:</span>\n١ - أن النفاق من الإفساد في الأرض.\n٢ - أعظم الخطر أن يُزيّن للإنسان عمله.\n٣ - فيه أن أهل الفساد والشر يرتكبون الكبائر ويزعمون أنهم أهل إصلاح، ومما يدل على ذلك، قوله تعالى عن فرعون أنه قال عن موسى ﵇ (إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد).\n٤ - فيه دليل على أن موالاة الكفار والمنافقين وأعداء الله من أعظم الفساد في الأرض كما قال تعالى (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).\n٥ - فيه الإنكار على أهل الفساد وتبيين ضلالهم.\n٦ - خطر النفاق.\n٧ - وجوب الإصلاح في الأرض.\n٨ - الحذر من التشبه بصفات المنافقين.\n٩ - أنه ليس كل من ادعى شيئًا يصدق في دعواه.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣».</span> [البقرة: ١٣]\n<hr><s0>\n\n(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ) يقول تعالى: وإذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس أي كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به وعنه.\n• قال أبو السعود: قوله تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) من قِبَل المؤمنين بطريق الأمر بالمعروف إثرَ نهيِهم عن المنكر إتمامًا للنُصح وإكمالًا للإرشاد:\n(قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ) قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء، يعنون - لعنهم الله - أصحاب رسول الله -ﷺ-.\n• السفيه: هو الذي لا يعرف مصالح نفسه ضعيف الرأي، ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) قال ابن كثير: قال عامة علماء التفسير هم النساء والصبيان.\n• فإن قلت: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء) فالجواب: كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين.\n• قال القرطبي: وهذا القول من المنافقين إنما كانوا يقولونه في خفاء واستهزاء فأطلع الله نبيّه والمؤمنين على ذلك، وقرّر أن السَّفه ورِقّة الحُلُوم وفساد البصائر إنما هي في حيزِّهم وصفة لهم، وأخبر أنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون للرَّينْ الذي على قلوبهم.\n(أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ) ألا أنهم هم السفهاء، فأكد وحصر السفاهة فيهم.\nفي هذه الآية يرد الله عليهم، ويخبر أنهم هم السفهاء على الحقيقة، لأن حقيقة السفه جهل الإنسان بمصالح نفسه، وسعيه فيما يضرها، وهذه الصفة منطبقة عليهم.\n(وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ) يعني ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى والبعد عن الهدى.\n• قال ابن القيم: لما دعا أهل الإيمان أهل النفاق إلى الإيمان، أجاب أهل النفاق بقولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء) فرد الله عليهم وأسجل عليهم بأربعة أنواع: الأول: تسفيهم. الثاني: حصر السفه فيهم، الثالث: نفي العلم عنهم، الرابع: تكذيبهم فيما تضمنه جوابهم من الإخبار عن سفه أهل الإيمان، الخامس: أيضًا وهو تكذيبهم فيما تضمنه جوابهم من دعواهم التنزيه من السفه.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-125>الفوائد:</span>\n١ - وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك دعوة أهل النفاق إلى الإيمان وترك النفاق.\n٢ - فيه أن أعداء الدين دائمًا يصفون أهله بأقبح الصفات، فالرسل وصفهم قومهم بالسحر والجنون والكهانة.\nكما قال تعالى (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون).\nوقال تعالى (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ).\nوقال تعالى (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ).\n٣ - فيه خطر المنافقين وشدة كفرهم وعنادهم.\n٤ - فيه أن كل من لم يؤمن بالله فهو سفيه، كما قال تعالى (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ).\n٥ - فيه دفاع الله عن المؤمنين كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا).\n٦ - ذم الجهل بدين الله وتعاليمه.\n٧ - أن عدم العلم سبب للضلال.\n٨ - فضل العلم.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-126>(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥».</span> [البقرة: ١٤، ١٥]\n<hr><s0>\n\n(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا) قال ابن كثير: يقول تعالى وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: آمنا وأظهروا لهم الإيمان والموالاة غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقًا ومصانعة وليشركوهم فيما أصابهم من خير ومغنم.\n(وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) أي: وإذا خلوا إلى شياطينهم: أي سادتهم وكبراؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين.\n• والشيطان في لغة العرب: هو كل عات ومتمرد، سواء كان من الجن أو من الإنس أو من غيرهما، وقد جاء في القرآن إطلاق الشياطين على العتاة المتمردين من الإنس والجن، كما قال جل وعلا (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) وكما هذه الآية (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) أي: رؤسائهم وعتاتهم المتمردين، وفي الحديث (الكلب الأسود شيطان).\n(قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) قالوا: إنا معكم، قال ابن عباس: أي إنا على مثل ما أنتم عليه.\n(إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) أي نستهزئ بالقوم ونلعب بهم.\n(اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) عن ابن عباس: قال: يسخر بهم للنقمة منهم.\n• قال أبو حيان: وفي مقابلة استهزائهم بالمؤمنين باستهزاء الله بهم ما يدل على عظم شأن المؤمنين وعلو منزلتهم، وليعلم المنافقون أن الله هو الذي يذب عنهم ويحارب من حاربهم.\n• في الآية أن الله يستهزئ بمن يستهزئ به.\n• قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ مبينًا ما يوصف الله به وما لا يوصف به:\nإذا كانت الصفة نقصًا لا كمال فيها، فهي ممتنعة في حق الله تعالى كالموت، والجهل، والنسيان، والعجز.\nوإذا كانت الصفة كمالًا لا نقص فيها فإن الله يوصف بها مطلقًا، كالحياة، والعلم، والسمع، والعزة.\nوإذا كانت الصفة كمالًا في حال، ونقصًا في حال لم تكن جائزة في حق الله تعالى ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، بل يُفصّل فيها: فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصًا، وذلك كالمكر، والكيد، والخداع، فهذه صفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها، لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله\nأو أشد، ولهذا لم يذكرها الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تعالى (ويمكرون ويمكر الله) وقوله (إنهم يكيدون كيدًا وأكيد كيدًا) وقوله (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) وقوله (قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم).","vol":"1","page":78},{"text":"وأما الخيانة فلا يوصف بها مطلقًا لأنها صفة ذم مطلقًا، ولذلك لم يذكر الله أنه خان من خانوه، فقال تعالى (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم) ولم يقل فخانهم.\n(وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) أي: يزيدهم، في طغيانهم: أي فجورهم وكذبهم، يعمهون: أي حائرون مترددون.\n• وأصل الطغيان مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى (إنا لما طغى الماء) أي ارتفع وعلا، وقوله في فرعون (إنه طغى) أي أسرف في الدعوى.\n\n<span data-type='title' id=toc-127>الفوائد:</span>\n١ - بيان النفاق: وهو إظهار الإسلام والإيمان وإبطان الكفر والشر.\n٢ - أن الجزاء من جنس العمل فمن استهزأ بالله استهزأ الله به، وهذه قاعدة معروفة بالشرع أن الجزاء من جنس العمل.\nقال تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) وقال تعالى (والذين اهتدوا زادهم هدى) وقال تعالى (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم)، وقال -ﷺ- (من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم، وقال -ﷺ- (الراحمون يرحمهم الله) رواه أبو داود، وقال -ﷺ- (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) رواه مسلم، وقال -ﷺ- (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه) رواه البخاري، وقال -ﷺ- (من وصل صفًا وصله الله) رواه أبو داود.\n٣ - أن الله قد يملي للإنسان ويطيل عمره استدراجًا.\nكما قال تعالى (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا).\nوقال تعالى (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ).\nوقال -ﷺ- (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم تلا (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) رواه أحمد.\nوقال -ﷺ- (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) متفق عليه.\n٤ - أن الله يستهزئ بمن يستهزئ به، فيوصف الله بهذا الوصف إذا كان في مقابلة استهزائهم.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-128>(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦».</span> [البقرة: ١٦]\n<hr><s0>\n\n(أُولَئِكَ) أي المنافقون الموصوفون بتلك الصفات.\n(الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) أي بذلوا الهدى ثمنًا للضلالة، فاختاروا واستحبوا الضلالة وهي الكفر والنفاق بالهدى الذي هو الإيمان بالله تعالى.\n• قال ابن الجوزي: واشتروا: بمعنى استبدلوا، والعرب تجعل من آثر شيئًا على شيء مشتريًا له، وبائعًا للآخر، والضلالة والضلال بمعنى واحد.\n• قال السعدي: وهذا من أحسن الأمثلة، فإنه جعل الضلالة التي هي غاية الشر كالسلعة، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن، فبذلوا الهدى رغبة عنه في الضلالة، هذه تجارتهم فبئس التجارة.\n• وكيف شراء الضلالة بالهدى؟\nلأنهم فضلوا موالاة الكافرين ومجالستهم واتباع أقوالهم على موالاة رسول الله -ﷺ- ومجالسة أهل الإيمان.\nوهناك وجه آخر: أنهم بعد أن حصل لهم الإيمان بالله ارتدوا على أدبارهم ورغبوا في الكفر كما قال تعالى: (فاستحبوا العمى على الهدى).\n(فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) أي ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة، وكيف تربح وهم اشتروا الضلالة وباعوا الهدى؟\n(وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) أي: وما كانوا راشدين في صنيعهم ذلك.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-129>الفوائد:</span>\n١ - ذم المنافقين وأنهم اختاروا الفاني العاجل على الباقي الآجل.\n٢ - ذم وقبح المنافقين.\n٣ - أن كل تجارة لا تكون لله وبالله فهي خاسرة باطلة.\nومن التجارة الناجحة قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).\n\n• ونظرًا لخطورة النفاق فسأذكر<span data-type='title' id=toc-130> بعض ما يتعلق بالنفاق وخطره:</span>\n<span data-type='title' id=toc-131>أولًا: النفاق الأكبر صاحبه كافر مخلد بالنار.</span>\nتعريفه:\nهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله -ﷺ-، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار. [قاله ابن رجب جامع العلوم والحكم: ٤٠٣].\nقال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ).\nوقال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).\nوقال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا).","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-132>ثانيًا: بعض صفات المنافقين:</span>\nأولًا: الكذب والتكذيب لله ولرسوله -ﷺ-.\nقال تعالى (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وقال تعالى (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).\nثانيًا: أذى الرسول -ﷺ- أو عيبه أو لمزه.\nقال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ).\nثالثًا: التولي والإعراض عن حكم الله ورسوله.\nقال تعالى (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ).\nثالثًا: مظاهرة الكافرين ومعاونتهم على المؤمنين.\nقال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا).\nرابعًا: المسرة بانخفاض دين الرسول أو الكراهية لانتصار دينه.\nقال تعالى (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ).\nخامسًا: الرياء.\nقال تعالى (يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا).\nسادسًا: ثقل العبادة عليهم.\nقال تعالى (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى).\nسابعًا: يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.\nقال تعالى (والْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-133>ثالثًا: خطرهم.</span>\nأولًا: تحذير القرآن منهم.\nقال ابن القيم: كاد القرآن أن يكونَ كلّه في شأنهم؛ لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور.\nقال الله تعالى (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).\nقال الله تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُون. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ).\nقال الله تعالى (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ. يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\nوقال الله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ).\nوقال الله تعالى (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاء).\nعن ابن عمر ﵄. عن النبي -ﷺ- قال (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة).\nقال النووي: العائرة: المترددّة الحائرة، لا تدري لأَيِّهِمَا تتبع، ومعنى تعير أي: تردَّد وتذهب.\nوقال الله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا).","vol":"1","page":83},{"text":"وقال الله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ).\nوعن أبي موسى ﵁، عن النبي -ﷺ- قال (المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترُجّة طعمها طيّب وريحها طيّب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيّب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيّب وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمُها مرّ أو خبيث وريحها مرّ).\nوعن عبد الله بن كعب، عن أبيه، عن النبي -ﷺ- قال (مثل المؤمن كالخامة من الزرع، تفيؤها الريح مرة وتعدلها مرة، ومثل المنافق كالأرزة، لا تزال حتى يكون انجعافها مرّة واحدة).\nقال المهلّب: معنى الحديث: أنّ المؤمن حيث جاءه أمر الله انطاع له، فإن وقع له خير فرح به وشكر، وإن وقع له مكروه صبر ورجا فيه الخير والأجر، فإذا اندفع عنه اعتدل شاكرًا.\nوالكافر لا يتفقّده الله باختياره، بل يحصل له التيسير في الدنيا؛ ليتعسّر عليه الحال في المعاد، حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه، فيكون موته أشدّ عذابا عليه، وأكثر ألما في خروج نفسه.\nوقال غيره: المعنى: أن المؤمن يتلقّى الأعراض الواقعة عليه لضعف حظّه من الدنيا، فهو كأوائل الزرع شديد الميلان لضعف ساقه، والكافر بخلاف ذلك، وهذا في الغالب من حال الاثنين\nوعن عمر بن الخطاب -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال (إن أخوف ما أخاف على أمتي كلّ منافق عليم اللسان)","vol":"1","page":84},{"text":"قال المناوي: قوله (عليم اللسان) أي: كثير علم اللسان، جاهل القلب والعمل، اتخذ العلم حرفة يتأكّل بها، ذا هيبة وأُبّهة، يتعزّز ويتعاظم بها، يدعو الناس إلى الله، ويفرّ هو منه، ويستقبح عيبَ غيره، ويفعل ما هو أقبح منه، ويظهر للناس التنسّكَ والتعبّد، ويسارر ربّه بالعظائم، إذا خلا به ذئب من الذئاب لكن عليه ثياب، فهذا هو الذي حذّر منه الشارع -ﷺ- هنا حذرا من أن يخطفك بحلاوة لسانه، ويحرقك بنار عصيانه، ويقتلك بنتن باطنه وجنان.\nثانيًا: تحذير الرسول -ﷺ- من النفاق.\nعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله -ﷺ- (إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي: منافق عليم اللسان) رواه البيهقي في الشعب.\nقال المناوي: كل منافق عليم اللسان: أي عالم للعلم، منطلق اللسان به، لكنه جاهل القلب والعمل، فاسد العقيدة، مغر للناس بشقاشقه وتفحصه وتقعره في الكلام.\nثالثًا: المنافقون كثر.\nومما يوجب مزيد الخوف من النفاق والحذر من المنافقين أنهم كثيرون منتشرون في بقاع الأرض.\nقال الحسن البصري: لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرقات.\nوقال ابن القيم: كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم، لكثرتهم على ظهر الأرض، وفي أجواف القبور، فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطل بهم أسباب المعايش، وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات، سمع حذيفة رجلًا يقول: اللهم أهلك المنافقين، فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم.\nرابعًا: انتشار النفاق الأصغر في مجتمعاتنا.\nومما يؤكد خطر النفاق، أن الكثير من شعب النفاق الأصغر - الذي لا يخرج من الملة - قد عمت وطمت في مجتمعات المسلمين، كالكذب، وخلف الوعد، والرياء، والخيانة، والجبن، وترك الجهاد في سبيل الله، وعدم تحديث النفس بذلك.\nومع أن هذه الخصال من النفاق الأصغر لكنها قد تؤول إلى النفاق الأكبر المخرج من الملة.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-134>رابعًا: الواجب تجاه المنافقين:</span>\nأولًا: زجرهم ووعظهم.\nقال تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا).\nثانيًا: جهادهم والغلظة عليهم.\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).\nثالثًا: تحقيرهم وعدم تسويدهم.\nقال -ﷺ- (لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدًا فقد أسخطتم ربكم) رواه أبو داود.\nرابعًا: عدم الصلاة عليهم.\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).\nوقال تعالى (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-135>(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨».</span> [البقرة: ١٧، ١٨]\n<hr><s0>\n\n(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ) وتقدير هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، بمن استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره وصار في ظلام شديد لا يُبصر ولا يهتدي وهو مع هذا أصم لا يسمع أبكم لا ينطق أعمى لو كان ضياء لما أبصر، فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا كما أخبر تعالى عنهم في غير هذا الموضع. …\nفالمنافق يستفيد بإظهار إسلامه حيث يحقن دمه ويسلم ماله، لكن له عذاب عظيم في الآخرة، كما قال تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار).\n• قال ابن القيم: شبه الله تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار، وذهب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله، لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين وصلاتهم معهم، وصيامهم معهم، وسماعهم القرآن، ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره، وقد شاهدوا الضوء ورأوا النور عيانًا. ولهذا قال تعالى في حقهم (فهم لا يرجعون) إليه. لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به واستناروا. فهم لا يرجعون إليه. وقال تعالى في حق الكفار (فهم لا يعقلون) لأنهم لم يعقلوا الإسلام، ولا دخلوا فيه، ولا استناروا به، لا بل يزالون في ظلمات الكفر صم بكم عمي.\nفسبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيًا، وإلى الإيمان وحقائقه مناديًا وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعيًا، إلى طريق الرشاد هاديًا.\n• قال الخازن: لما ذكر الله تعالى حقيقة وصف المنافقين عقبه بضرب المثل زيادة في الكشف والبيان، لأنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، ولأن المثل تشبيه الخفي بالجلي، فيتأكد الوقوف على ماهيته وذلك هو النهاية في الإيضاح.","vol":"1","page":87},{"text":"• وقال أبو حيان: قال الزمخشري: لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بذكر ضرب المثل زيادة في الكشف وتتميمًا للبيان، ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيئات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب بأنه مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد وقمع لسورة الجامح الآبي، ولأمر ما أكثر الله في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول الله ﷺ وكلام الأنبياء والحكماء، فقال الله تعالى (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العاملون).\n• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذى استوقد نَارًا) أعقبت تفاصيل صفاتهم بتصوير مجموعها في صورة واحدة، بتشبيه حالهم بهيئة محسوسة، وهذه طريقة تشبيه التمثيل، إلحاقًا لتلك الأحوال المعقولة بالأشياء المحسوسة، لأن النفس إلى المحسوس أميل، وإتمامًا للبيان بجمع المتفرقات في السمع، المطالة في اللفظ، في صورة واحدة لأن للإجمال بعد التفصيل وقعًا من نفوس السامعين، وتقريرًا لجميع ما تقدم في الذهن بصورة تخالف ما صور سالفًا لأن تجدد الصورة عند النفس أحب من تكررها.\n• قال ابن كثير: وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) والصواب: أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي\nأنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير، ﵀، هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ)؛ فلهذا وجه ابن جرير هذا المثل بأنهم استضاؤوا بما أظهروه من كلمة الإيمان، أي في الدنيا، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة.\n• قوله تعالى (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) جمعها لتضمنها ظلمات عديدة: أولها: ظلمة الليل، لأن استيقاد النار للإضاءة لا يكون إلا في الليل، والثانية: ظلمة الجو إذا كان غائمًا، والثالثة: الظلمة التي تحدث بعد فقد النور، فإنها تكون أشد من الظلمة الدائمة.\n• قال ابن الجوزي: وفي ضرب المثل لهم بالنار ثلاث حكم:\nإحداها: أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره، لا من قبل نفسه، فاذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة، فكأنهم لما أقروا بألسنتهم من غير اعتقاد قلوبهم؛ كان نور إيمانهم كالمستعار.","vol":"1","page":88},{"text":"والثانية: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة الحطب، فهو له كغذاء الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إِلى مادة الاعتقاد ليدوم.\nوالثالثة: أن الظلمة الحادثة بعد الضوء أشد على الإنسان من ظلمة لم يجد معها ضياء، فشبه حالهم بذلك.\n• قال الخازن: فإن قلت ما وجه تشبيه الإيمان بالنور والكفر بالظلمة؟ قلت: وجه تشبيه الإيمان بالنور أن النور أبلغ الأشياء في الهداية إلى المحجة القصوى وإلى الطريق المستقيم وإزالة الحيرة وكذلك الإيمان هو الطريق الواضح إلى الله تعالى وإلى جنانه، وشبه الكفر بالظلمة لأن الضال عن الطريق المسلوكة في الظلمة لا يزداد إلاّ حيرة وكذلك الكفر لا يزداد صاحبه في الآخرة إلاّ حيرة.\n(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) الأصم: هو الذي لا يسمع، والأبكم: هو الذي لا ينطق، والأعمى: هو الذي لا يبصر.\nوالمراد بالآية: صم عن استماع الحق، وبكم عن النطق بالخير والإيمان فهم لا يتكلمون به، وعمي لا بصائر لهم يميزون بها بين الحق والباطل، فلما كانوا غير منتفعين بسمعهم وأبصارهم وألسنتهم وأفئدتهم وصفوا بأنهم صم بكم عمي، وهذا كما قال تعالى (وجعلنا لهم سمعًا وأبصارًا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون)، وكما قال تعالى (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها).\n• قال بعض العلماء: لما لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم نزلوا بمنزلة من لا سمع له ولا بصر ولا عقل.\n• قال ابن عطية: ووصفهم بهذه الصفات إذ أعمالهم من الخطأ وقلة الإجابة كأعمال من هذه صفته.\n• وقال النسفي: .... فكأنهم صم بكم عمي، ولأن الله تعالى خلق السمع والبصر واللسان لينتفعوا بهذه الأشياء، فإذا لم ينتفعوا بالسمع والبصر صار كأن السمع والبصر لم يكن لهم، كما أن الله تعالى سمى الكفرة موتى حيث قال تعالى (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي الناس كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ للكافرين مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) يعني كافرًا فهديناه؛ وإنما سماهم موتى والله أعلم لأنه لا منفعة لهم في حياتهم، فكأن تلك الحياة لم تكن لهم، فكذلك السمع والبصر واللسان، إذا لم ينتفعوا بها فكأنها لم تكن لهم، فكأنهم صم بكم عمي فهم لا يرجعون، يعني لا يرجعون إلى الهدى.\n• وقال الشنقيطي: قوله تعالى (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) الآية هذه الآية يدل ظاهرها على أن المنافقين لا يسمعون ولا يتكلمون ولا يبصرون، وقد جاء في آيات أخر ما يدل على خلاف ذلك كقوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) وكقوله (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِم) الآية، أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم، وقوله (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَاد) إلى غير ذلك من الآيات، ووجه الجمع ظاهر، وهو أنهم بكم عن النطق بالحق وإن رأوا غيره، وقد بين تعالى هذا الجمع بقوله (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا\nوَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً) الآية، لأن مالا يغني شيئا فهو كالمعدوم والعرب ربما أطلقت الصمم على السماع الذي لا أثر له.","vol":"1","page":89},{"text":"(فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) قال السعدي: لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه، فلا يرجعون، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال، فإنه لا يعقل، وهو أقرب رجوعًا منهم.\n• قال ابن الجوزي: وإنما أضاف الرجوع إليهم، لأنهم انصرفوا باختيارهم، لغلبة أهوائهم عن تصفح الهدى بآلات التصفح، ولم يكن بهم صمم ولا بكم حقيقة، ولكنهم لما التفتوا عن سماع الحق والنطق به؛ كانوا كالصمم البكم.\nوالعرب تسمي المعرض عن الشيء: أعمى، والملتفت عن سماعه: أصم.\n\n<span data-type='title' id=toc-136>الفوائد:</span>\n١ - ضرب الأمثال، وفائدته تقريب المعنى.\n٢ - أن هؤلاء المنافقين - بسبب نفاقهم - فاتهم النور وهو الإيمان.\n٣ - أن النفاق ظلمة ووحشة في القلب.\n٤ - تخلي الله عن المنافقين.\n٥ - من علامات التوفيق أن يكون الله عونًا للعبد ومساعدًا له.\n٦ - أن المعاصي لها تأثير على الإنسان، فالله أصم آذان هؤلاء المنافقين، فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا.\n• قال ابن القيم مبينًا أن من أراد طلب العلم فعليه بالابتعاد عن المعصية وغض بصره وخطر إرساله: إنه -يعني غض البصر- يفتح له طريق العلم وأبوابه، ويسهل عليه أسبابه، وذلك بسبب نور القلب، فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات، ومن أرسل بصره تكدر عليه قلبه وأظلم وانسد عليه باب العلم وطرقه.\n٧ - أن هؤلاء المنافقين لا يرجعون عن غيهم، لأنهم يعتقدون أنهم محسنون.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠».</span> [البقرة: ١٩، ٢٠]\n<hr><s0>\n\n(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ) هذا مثل آخر لهؤلاء المنافقين، وصورة المثل العجيبة والمنطبقة على حالهم، هي مطر غزير في ظلمات مصحوب برعد قاصف وبرق خاطف وهم في وسطه مذعورون خائفون يسدون آذانهم بأنامل أصابعهم حتى لا يسمعوا صوت الصواعق حذرًا أن تنخلع قلوبهم فيموتوا، ولم يجدوا مفرًا ولا مهربًا، لأن الله تعالى محيط بهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن البرق لشدته وسرعته يكاد يخطف أبصارهم فيعمون، فإذا أضاء لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه، وإذا انقطع ضوء البرق وقفوا حيارى خائفين، هذه حال أولئك المنافقين، والقرآن ينزل بذكر الكفر وهو ظلمات، وبذكر الوعيد وهو كالصواعق والرعد، وبالحجج والبينات وهي كالبرق في قوة الإضاءة وهم خائفون أن ينزل القرآن بكشفهم.\n• اختلف العلماء في هذا المثل هل هو لطائفتين من المنافقين أم لطائفة واحدة، فذهب بعض العلماء إلى أن (أو) هنا بمعنى الواو، فالمعنى على هذا أن للمنافقين مثلين، مثل الذي استوقد نارًا، ومثل أصحاب الصيب، وكون (أو) تأتي بمعنى (الواو) صحيح كما في قوله تعالى (ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا).\nوذهب بعض العلماء إلى أن (أو) هنا للتنويع، فمن المنافقين من مثله مثل الذي استوقد نارًا، ومنهم من مثله كمثل أصحاب الصيب، والذي يؤيد هذا القول أن المنافقين أصناف، والكفار أصناف.\n• قال أبو السعود: (أَوْ كَصَيّبٍ) تمثيلٌ لحالهم إثرَ تمثيل، ليعُم البيانُ منها كل دقيق وجليل، ويوفيَ حقها من التفظيع والتهويل، فإن تفنُّنهم في فنون الكفر والضلال وتنقّلَهم فيها من حال إلى حال حقيقٌ بأن يُضربَ في شأنه الأمثال، ويرخى في حلبته أعِنّةُ المقال، ويُمدَّ لشرحه أطنابُ الإطناب، ويُعقَدَ لأجله فصولٌ وأبواب.\n• قال ابن عاشور: والتمثيل هنا لحال المنافقين حين حضورهم مجلس رسول الله -ﷺ- وسماعهم القرآن وما فيه من آي الوعيد لأمثالهم وآي البشارة، فالغرض من هذا التمثيل تمثيل حالة مغايرة للحالة التي مُثِّلتْ في قوله تعالى (مَثَلُهم كمَثَل الذي استوقد) بنوع إطلاق وتقييد.","vol":"1","page":91},{"text":"• قوله تعالى (فِيهِ ظُلُمَاتٌ) أي: ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر، (ورعد) وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، (وبرق) وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب (كصيب) الصيب المطر.\n• ضرب الله في هذه الآية مثلًا لما جاء به محمد -ﷺ- من الهدى والعلم بالمطر، لأن بالعلم والهدى حياة الأرواح، كما أن بالمطر حياة الأجسام، وقد قال -ﷺ- (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا …) متفق عليه.\n• قال السعدي: فهكذا حال المنافقين، إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، جعلوا أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فيروعهم وعيده، وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم، ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد، فيجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت، فهذا ربما حصلت له السلامة، وأما المنافقون فأنى لهم السلامة، وهو تعالى محيط بهم، قدرة وعلمًا.\n• قوله تعالى (يجعلون أصابعم في آذانهم من الصواعق) أي: كلما تليت عليهم آيات الكتاب العزيز جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن فيؤمنوا به وبمحمد -ﷺ-، وهذا كما فعل قوم نوح إذ حكى نوح ﵇ فعلهم معه فقال (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا).\n• قوله تعالى (يجعلون أصابعهم) أي أطراف أصابعهم وهي الأنامل، وهذا من باب تسمية الكل والمراد به البعض.\n(وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) تهديد للكافرين، فالله جل وعلا محيط بالكافرين وبأعمالهم، فهو محيط بهم كإحاطة السور بمن في داخله، فلا يتمكنوا أن يفروا من الله ومن عذابه وسطوته.\n• قال القرطبي: فالله سبحانه محيط بجميع المخلوقات، أي هي في قبضته وتحت قهره؛ كما قال (والأرض جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة).\n• وقال ابن الجوزي: قوله تعالى (والله مُحيط بالكافرين) فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه لا يفوته أحد منهم، فهو جامعهم يوم القيامة، ومثله قوله تعالى (أحاط بكل شيء علمًا).\nوالثاني أن الإحاطة: الإهلاك، مثل قوله تعالى (وأحيط بثمره).\nوالثالث: أنه لا يخفى عليه ما يفعلون.\nوقال قال بعض العلماء: محيط بالكافرين: أي مهلكهم، ويشهد لهذا القول قوله تعالى (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ) أي: تهلكوا عن آخركم. وقيل: تغلبوا. والمعنى متقارب، لأن الهالك لا يهلك حتى يحاط به من جميع الجوانب، ولم يبق له منفذ للسلامة ينفذ منه. وكذلك المغلوب.","vol":"1","page":92},{"text":"ومنه أيضًا بمعنى الهلاك قوله تعالى (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) الآية. وقوله تعالى (وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ).\n(يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) قال الشنقيطي: ضرب الله في هذه الآية المثل للمنافقين إذا كان القرآن موافقًا لهواهم ورغبتهم عملوا به، كمناكحتهم للمسلمين وإرثهم لهم، وعصمتهم به من القتل مع كفرهم بالباطن، وإذا كان غير موافق لهواهم كبذل الأنفس والأموال في الجهاد في سبيل الله المأمور به فيه وقفوا وتأخروا، وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه\nمذعنين).\nوقال بعض العلماء: (كلما أضاء لهم مشوا فيه) أي إذا أنعم الله عليهم بالمال والعافية قالوا: هذا الدين حق ما أصابنا منذ تمسكنا به إلا الخير، (وإذا أظلم عليهم قاموا) أي: وإن أصابهم فقر أو مرض أو ولدت لهم البنات دون الذكور، قالوا: ما أصابنا هذا إلا بشؤم هذا الدين وارتدوا عنه، وهذا الوجه يدل له قوله تعالى (ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين).\n(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) دون أن تحدث الصواعق، ودون أن يحدث البرق، ولهذا قال:\n(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الآية عامة، فالله على كل شيء قدير، على ما شاءه وما لم يشأه.\n• قال الشنقيطي: وجرت العادة بذكر قدرته عند الأمور التي لا يستطيعها البشر، كما ذكر ذلك عند نصره لعباده الضعفاء المتمسكين بدينه كقوله تعالى في الأحزاب (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) وقال في الحديبية (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا).\nومن قدرته أنه سبحانه يعز من يشاء ويذل من يشاء ويؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).","vol":"1","page":93},{"text":"• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (إن الله على كل شيء قدير) تذييل، وفيه ترشيح للتوجيه المقصود للتهديد زيادة في تذكيرهم وإبلاغًا لهم وقطعًا لمعذرتهم في الدنيا والآخرة.\n• قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الآية عامة، فهو قدير على كل شيء، على ما شاءه وما لم يشأه، وبهذا نعرف أن تقييد بعض الناس القدرة بالمشيئة خطأ، لأن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، وأما قوله تعالى (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) فالمشيئة هنا ليست عائدة على القدرة، ولكنها عائدة على الجمع، يعني: إذا أراد جمعهم وشاء جمعهم فهو قدير عليه لا يعجزه شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>الفوائد:</span>\nفوائد من المثلين ذكرهما ابن القيم ﵀:\nقال ﵀: وقد اشتمل هذان المثلان على حكم عظيمة:\nمنها: أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره لا من قبل نفسه، فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة، وهكذا المنافق لما أقر بلسانه من غير اعتقاد ومحبة بقلبه، وتصديق جازم، كان ما معه من النور كالمستعار.\nومنها: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة تحمله، وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم بها ويدوم بدوامها، فإذا ذهبت مادة الإيمان طفئ، كما تنطفئ النار بفراغ مادتها.\nومنها: أن الظلمة نوعان: ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد النور، وهي أشد الظلمتين وأشقهما على من كانت حظه، فظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة، فمثلت حاله بحال المستوقد للنار الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما الكافر فهو في الظلمات لم يخرج منها قط.\nومنها: أن المثل الأول متضمن لحصول الظلمة التي هي الضلال، والحيرة التي ضدها الهدى، والمثل الثاني متضمن لحصول الخوف الذي ضده الأمن فلا هدى ولا أمن (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-139>(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١».</span> [البقرة: ٢١].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا النَّاسُ) هذا أول أمر في القرآن الكريم، وهو الأمر بعبادة الله ﵎، والناس: قيل: المراد عموم الناس (الكفار والمؤمنون) وقيل: المراد بالناس الكفار الذين لم يعبدوه، والأول أصح. …\n(اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) أي: اخضعوا وذلوا لله ﷾، وأصل العبادة في لغة العرب: الذل والخضوع، وقيل للعبد (عبد) لذله وخضوعه لسيده، فالعبادة: الذل والخضوع على وجه المحبة خاصة، فلا تكفي المحبة دون الذل والخضوع، ولا يكفي الذل والخضوع دون المحبة، لأن الإنسان إذا كان ذله متجردًا عن محبة الله يُبغض الذي هو يذل له، ومن أبغض ربه هلك، وإذا كانت محبةً خالصة لا خوف معها، فإن المُحب الذي لا يُداخله خوف يحمله الدلال على أن يسيء الأدب، ويرتكب أمورًا لا تنبغي، والله ﷿ لا يليق به شيء من ذلك (قاله الشنقيطي).\nفالعبادة تطلق على معنيين: أحدهما: التعبد: يعني التذلل لله، كما سبق، وتطلق على المتعبد به (بالنسبة لأفعال العباد) وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية.\n• وفي هذه الآية وجوب عبادة الله ﷿، وقد جاءت النصوص الآمرة بذلك:\nقال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).\nوقال تعالى (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا).\nوقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).\nوقال تعالى (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ).\nوقال تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ).\nوأمر تعالى بعبادته حتى الموت: فقال تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).\nبل الناس ما خلقوا إلا لعبادة الله تعالى: كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).","vol":"1","page":95},{"text":"وأمر الله بها جميع رسله:\nكما قال نوح لقومه (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ) كذلك قال هود، وصالح، وشعيب، وغيرهم.\nوأخبر الله أنه أرسل في كل أمة رسولًا لهذا الغرض:\nقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).\nووصف ملائكته بذلك:\nفقال تعالى (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ).\n• قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا\nيستحق المحبة والخضوع التام إلا الله تعالى. …\n(الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي أوجدكم من العدم، وأوجد من قبلكم من الأمم الماضية.\n• ففيها أن المستحق للعبادة هو من يخلق، أما من هو عاجز عن الخلق فلا يستحق أن يكون معبودًا، وقد جرت العادة في القرآن الكريم في آيات كثيرة أنه يجعل سبب العبادة التي تُستحق به هو الخلق والإبراز من العدم إلى الوجود، فمن يبرزكم من العدم إلى الوجود، ويوجدكم بعد أن كنتم عدمًا هو هذا ربكم الذي يستحق أن تعبدوه وحده، أما الذي يحتاج إلى من يخلقه فهو عبد مربوب فقير مثلكم.\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ).\nوقال تعالى (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ).\nوقال تعالى (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ).","vol":"1","page":96},{"text":"• قال الشنقيطي: من براهين البعث بعد الموت خلق الناس أولًا المشار إليه بقوله (اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ) لأن الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني، وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة:\nكقوله (وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ) الآية وقوله (كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ)، وكقوله (فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) الآية، وكقوله (يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ)، وكقوله: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى) الآية.\nولذا ذكر تعالى أن من أنكر البعث فقد نسي الإيجاد الأول، كما في قوله (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ) الآية، وقوله (أَوَلَا يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا). ثم رتب على ذلك نتيجة الدليل بقوله (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ) إلى غير ذلك من الآيات. (أضواء البيان).\n• قال ابن الجوزي: وإنما ذكر من قبلهم، لأنه أبلغ في التذكير، وأقطع للجحد، وأحوط في الحجة.\nوقيل إنما ذكر من قبلهم لينبههم على الاعتبار بأحوالهم من إثابة مطيع، ومعاقبة عاص.\n• قال بعض العلماء: إنما نص الله تعالى على صفة الخلق دون غيرها من الصفات، لأن المشركين كانوا يعترفون أن الله خالقهم، كما قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) وقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ).\nوقيل: ليذكرهم بذلك نعمته عليهم.\n(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) قال السعدي: يحتمل: أن المعنى: إذا عبدتم الله وحده، اتقيتم بذلك سخطه وعذابه، لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك، ويحتمل: أن يكون المعنى أنكم إذا عبدتم الله صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى، وكلا المعنيين صحيح، وهما متلازمان، وقيل: المعنى خلقكم لتتقوه.\n• قال بعض العلماء: أن كل (لعل) في القرآن هي بمعنى التعليل إلا التي في سورة الشعراء (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) قالوا: هي بمعنى: كأنكم تخلدون.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-140>الفوائد:</span>\n١ - وجوب عبادة الله ﵎.\n٢ - تحريم عبادة غير الله ﷿.\n٣ - أن الخالق هو الله.\n٤ - أن الخالق هو المستحق للعبادة.\n٥ - أن العاجز عن الخلق لا يستحق أن يعبد.\n٦ - أن الله خلق الخلق ليتقوه ويعبدوه.\n٧ - فضل التقوى.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-141>(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢».</span> [البقرة: ٢٢].\n<hr><s0>\n\n(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا) هذا من باب تعديد أصناف النعم، فجعل الله الأرض فراشًا موطئًا يستقر عليها استقرارًا كاملًا.\nوقد وصفها الله بأوصاف كلها تدل على أن الله جعلها مستقرة ثابتة ممهدة فراشًا.\nكما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ). وقال تعالى (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا) وقال تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا) وقال تعالى (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) وقال تعالى (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا) والمراد بالقرار: أنها لا تميد بساكنيها، أي لا تضطرب كما قال تعالى (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا)\n(قرارًا) مستقرًا بالدحو والتسوية. (مددناها) بسطناها ووسعناها (مهدًا) كالفراش الذي يُوطّأُ للصبي.\nوهذه من أعظم النعم أن جعل سبحانه الأرض فراشًا ومهادًا.\n• قال ابن القيم: وإذا نظرت إلى هذه الأرض وكيف خلقت؟ رأيتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشًا ومهادًا وذللها لعباده.\nفيه دليل على أنه لو كانت الأرض غير مبسوطة، كأن تكون غير مستقرة أو مضطربة لكان في ذلك مشقة وتعب.\n(وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) أي جعلها بمنزلة البناء وبمنزلة السقف.\nكما قال تعالى (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا) وقال تعالى (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ).\nوقال تعالى (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ).\n• قال الرازي: إنه تعالى ذكر أمر السماوات والأرض في كتابه في مواضع، ولا شك أن إكثار ذكر الله تعالى من ذكر السماوات والأرض يدل على عظم شأنهما، وعلى أن له ﷾ فيهما أسرارًا عظيمة، وحكمًا بالغة لا يصل إليها أفهام الخلق ولا عقولهم.","vol":"1","page":99},{"text":"• المراد بالسماء هنا السماوات ذات الأجرام، وذلك أن السماء يُطلق على معنيين:\nالمعنى الأول: العلو، كقوله تعالى (أنزل من السماء ماء) المراد بالسماء هنا العلو، لأن المطر ليس ينزل من السماء السقف، بل ينزل من العلو.\nالمعنى الثاني: المراد بالسماء السقف كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى (والسَّمَاءَ بِنَاءً).\n• قال الشنقيطي: وخلق السماوات والأرض من براهين البعث، لأنهما من أعظم المخلوقات، ومن قدر على خلق الأعظم، فهو على غيره قادر من باب أحرى، وأوضح الله تعالى هذا البرهان في آيات كثيرة:\nكقوله تعالى (لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس)، وقوله (أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن\nيَخْلُقَ مِثْلَهُم بلى وَهُوَ الخلاق العليم)، وقوله (أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى بلى)، وقوله (أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)، وقوله: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السمآء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) الآية .. إلى غير ذلك من الآيات.\n(وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) أي: أنزل من السماء مطرًا عذبًا فراتًا أنزله سبحانه بقدرته، فأخرج بذلك المطر أنواع الثمر والفواكه والخضار.\nكما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) وقال تعالى (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا). وقال تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ).","vol":"1","page":100},{"text":"• المراد بقوله (السماء) العلو، لأن المطر ينزل من السحاب.\n• هذا أيضًا من براهين البعث، فإحياء الأرض بعد موتها من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت.\nكما أشار له هنا بقوله (وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقًا لَّكُمْ).\nوأوضحه في آيات كثيرة كقوله (َمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ إِنَّ الذي أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الموتى إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقوله (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الخروج)، يعني: خروجكم من قبوركم أحياء بعد أن كنتم عظامًا رميما. وقوله (وَيُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)، وقوله تعالى (حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، إلى غير ذلك من الآيات. (أضواء البيان).\n• قال القرطبي: ودلّت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق؛ ولهذا قال ﵇ مشيرًا إلى هذا المعنى (والله لأنْ يأخذ أحدُكم حَبْلَه فَيَحْتطِبَ على ظهره خير له من أن يسأل أحدًا أعطاه أو منعه) أخرجه مسلم.\nويدخل في معنى الاحتطاب جميع الأشغال من الصنائع وغيرها؛ فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زُخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل لله نِدًّا.\n(فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الأنداد: جمع ند، وهو الكفء والنظير والمثيل، أي فلا تجعلوا لله أشباهًا ونظراء من المخلوقين فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبونه، وهم مثلكم مخلوقون مرزوقون مدبرون، وأنتم تعلمون: أن الله ليس له شريك ولا نظير، لا في الخلق والرزق والتدبير، ولا في الألوهية والكمال.\n• في الآية تحريم اتخاذ الأنداد من دون الله، وهو أعظم ذنب يفعله الإنسان.\nقال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ).\nوقال تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ).\nوقال تعالى (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ).\nوقال تعالى (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ).\nوعن ابن مسعود. قال: سألت رسول الله -ﷺ-: أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) متفق عليه\n• قوله تعالى (فلا تجعلوا لله أندادًا) أن من أنعم بهذه النعم يستحق الشكر لا أن يجعل معه شريك ونظير.","vol":"1","page":101},{"text":"• قوله تعالى (اعبدوا ربكم … فلا تجعلوا لله أندادًا) جمعت هذه الآية بين الأمر بعبادة الله تعالى، والنهي عن عبادة ما سواه، ففيه أنه لا بد للتوحيد من الكفر بكل ما عبد من دون الله، وقد قال -ﷺ- (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد عصم دمه وماله وحسابه على الله) رواه مسلم، فعلق النبي -ﷺ- في هذا الحديث عصمة الدم والمال بأمرين:\nالأول: قول: لا إله إلا الله عن علم ويقين.\nالثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها.\nقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: وهذا من أعظم ما يبين معنى: لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل اللفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله.","vol":"1","page":102},{"text":"وقد قال تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا).\n(وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنه لا ند له.\n• وفي هذا ذم من اجترأ على معصية الله وهو يعلم، وهو أعظم جرمًا مما لا يعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-142>الفوائد:</span>\n١ - بيان رحمة الله بعباده.\n٢ - كمال قدرة الله تعالى.\n٣ - ينبغي التفكر في مخلوقات الله حتى يقود ذلك إلى الإيمان بالله وبوحدانيته وقد قال تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ).\n٤ - رحمة الله بإنزال المطر.\n٥ - إثبات الأسباب لقوله (فأخرج به من الثمرات ..).\n٦ - تحريم اتخاذ الأنداد لله.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤».</span> [البقرة: ٢٣ - ٢٤].\n<hr><s0>\n\n(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) قال أبو حيان: نزلت في جميع الكفار، وقال ابن عباس ومقاتل: نزلت في اليهود، وسبب ذلك أنهم قالوا: هذا الذي يأتينا به محمد لا يشبه الوحي وإنا لفي شك منه، والأظهر القول الأول.\n• قال السعدي: وإن كنتم - يا معشر المعاندين للرسول، الرادين دعوته، الزاعمين كذبه - في شك واشتباه مما نزلنا على عبدنا، هل هو حق أو غيره؟ فههنا أمر نصف فيه الفيصلة بينكم وبينه، وهو أنه بشر مثلكم، ليس من جنس آخر، وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم، لا يكتب ولا يقرأ، فأتاكم بكتاب، أخبركم أنه من عند الله، وقلتم أنتم أنه تقوله وافتراه، فإن كان الأمر كما تقولون:\n(فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ) يعني من مثل القرآن، قاله مجاهد وقتادة واختاره ابن جرير،، فالضمير في قوله (من مثله) عائد على القرآن ونسب هذا القول ابن كثير لأكثر المحققين، ونسبه القرطبي أيضًا للجمهور.\nونسبه ابن عطية لجمهور العلماء أيضًا.\nوقيل: (من مثله) أي من مثل محمد -ﷺ- من البشر، لأن محمدًا بشر مثلكم.\nقال ابن جرير: والتأويل الأول هو التأويل الصحيح، لأن الله جل ثناؤه قال في سورة أخرى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) ومعلوم أن السورة ليست لمحمد بنظير ولا شبيه.\n• قال الآلوسي: قوله تعالى (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ) لما قرر سبحانه أمر توحيده بأحسن أسلوب عقبه بما يدل على تصديق رسوله -ﷺ-، والتوحيد والتصديق توأمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فالآية وإن سيقت لبيان الإعجاز إلا أن الغرض منه إثبات النبوة.\n• وقال ابن عاشور: انتقال لإثبات الجزء الثاني من جزئي الإيمان بعد أن تم إثبات الجزء الأول من ذلك بما قدمه من قوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم).\n• قوله تعالى (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ) فيه تحدي المشركين أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن.\n• وقد وقع التحدي على عدة أوجه:\nتحداهم أن يأتوا بقرآن بمثل هذا القرآن: قال تعالى (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)، وقال تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا).\nوتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله: قال تعالى (أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).","vol":"1","page":104},{"text":"وتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله. كما في هذه الآية.\n• قوله تعالى (عَلَى عَبْدِنَا) فيه عظيم منزلة العبودية، حيث وصف الله ﵎ نبيه بهذا الوصف في مقام التحدي.\n\n•<span data-type='title' id=toc-144> وقد وصف الله نبيه بالعبودية في أعلى المقامات:</span>\nفي مقام التحدي: كما في هذه الآية.\nوفي مقام الإسراء والمعراج: قال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ).\nوفي مقام الإيحاء: قال تعالى (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى).\nوفي مقام الدعوة: قال تعالى (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا).\nوقد قال تعالى عن المسيح ابن مريم (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه)، وقال -ﷺ- (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله) رواه البخاري. …\n• قال ابن تيمية: والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له: كان أقرب إليه وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره.\n(وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) قيل: أعوانكم ونصراءكم، وقيل: آلهتكم، وقيل: ائتوا بشهداء يشهدون لكم أن ما أتيتم به يعادل القرآن أو يقاربه.\nوهذا غاية التحدي لهم. وهذا كما يقول المعجِز المتحدي لمن عانده وتحداه: اذهب وائت بمن تستطيع من أصحابك وأعوانك وأوليائك لتستعين بهم.\n(إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فيما تدعون من أن هذا القرآن ليس من عند الله.\n• قال ابن عاشور: والمعنى إن كنتم صادقين في دعوى أن القرآن كلام بشر.\nفلا أحد يستطيع أن يأتي بسورة من مثل هذا القرآن ولو دعا من دعا إليه ليعاونه، كما قال تعالى (لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا) أي معينًا.","vol":"1","page":105},{"text":"• قال ابن كثير: ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، … فكلٌ من لفظه ومعناه فصيح لا يحاذى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر كما قال تعالى (وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا) أي صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى، … لا يخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء.\n• وقال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فِيهِ أَكْبَرُ دَلَالَةٍ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﵇ مِنْ وُجُوهٍ:\nأَحَدُهَا: أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِالْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، وَقَرَعَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَنَفَةِ وَالْحَمِيَّةِ، وَأَنَّهُ كَلَامٌ مَوْصُوفٌ بِلُغَتِهِمْ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْهُمْ تَعَلَّمَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ، وَعَنْهُمْ أَخَذَ، فَلَمْ يُعَارِضْهُ مِنْهُمْ خَطِيبٌ، وَلَا تَكَلَّفَهُ شَاعِرٌ، مَعَ بَذْلِهِمْ الْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ فِي تُوهِينِ أَمْرِهِ، وَإِبْطَالِ حُجَجِهِ، وَكَانَتْ مُعَارَضَتُهُ لَوْ قَدَرُوا عَلَيْهَا أَبْلَغَ الْأَشْيَاءِ فِي إبْطَالِ دَعْوَاهُ وَتَفْرِيقِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ؛ فَلَمَّا ظَهَرَ عَجْزُهُمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَقْدُورِ الْعِبَادِ مِثْلُهُ، وَإِنَّمَا أَكْبَرُ مَا اعْتَذَرُوا بِهِ أَنَّهُ مِنْ أَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ، وَأَنَّهُ سِحْرٌ، فَقَالَ تَعَالَى (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كَانُوا صَادِقِينَ) وَقَالَ (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) فَتَحَدَّاهُمْ بِالنَّظْمِ دُونَ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَأَظْهَرَ عَجْزَهُمْ عَنْهُ فَكَانَتْ هَذِهِ مُعْجِزَةً بَاقِيَةً لِنَبِيِّنَا -ﷺ- إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا نُبُوَّةَ نَبِيِّهِ وَفَضَّلَهُ بِهَا عَلَى سَائِرِ الأنبياء؛ لِأَنَّ سَائِرَ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ تَقَضَّتْ بِانْقِضَائِهِمْ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا مُعْجِزَةً مِنْ طَرِيقِ الْأَخْبَارِ.\nوَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ بَاقِيَةٌ بَعْدَهُ، كُلُّ مَنْ اعْتَرَضَ عَلَيْهَا بَعْدُ قَرَّعْنَاهُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ، فَتَبَيَّنَ لَهُ حِينَئِذٍ مَوْضِعُ الدَّلَالَةِ عَلَى تَثْبِيتِ النُّبُوَّةِ.\nوَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيِّ -﵇- وَعِنْدَ الْجَاحِدِينَ لِنُبُوَّتِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَتَمِّ النَّاسِ عَقْلًا، وَأَكْمَلِهِمْ خُلُقًا، وَأَفْضَلِهِمْ رَأْيَا، فَمَا طَعَنَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي كَمَالِ عَقْلِهِ وَوُفُورِ حِلْمِهِ وَصِحَّةِ فَهْمِهِ وَجَوْدَةِ رَأْيِهِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ عَلَى مَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ قَدْ أَرْسَلَهُ إلَى خَلْقِهِ كَافَّةً، ثُمَّ جَعَلَ عَلَامَةَ نُبُوَّتِهِ وَدَلَالَةَ صِدْقِهِ كَلَامًا يُظْهِرُهُ وَيَقْرَعُهُمْ بِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ، فَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ كَذِبُهُ وَبُطْلَانُ دَعْوَاهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَدَّاهُمْ بِذَلِكَ وَلَمْ يُقَرِّعهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ إلَّا وَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَقْدِرُ الْعِبَادُ عَلَى مِثْلِهِ.","vol":"1","page":106},{"text":"(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي: فإن لم تقدروا على الإتيان بسورة بمثل سورة من سوره.\n(وَلَنْ تَفْعَلُوا) أي: ولن تقدروا في المستقبل أيضًا على الإتيان بمثله و(لن) هنا للتأبيد.\nوفي هذا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبرًا جازمًا قاطعًا، غير خائف ولا مشفق، أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن.\n(فَاتَّقُوا النَّارَ) أي فخافوا النار واتقوها واحذروها، واجعلوا بينكم وبين عذابها وقاية، والوقاية من النار تكون بالإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-145>وقد أمر الله باتقائها في آيات كثيرة:</span>\nفقال تعالى (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).\nوقال تعالى (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى).\nوقال تعالى (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ. إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ. نذيرًا للبشر) قال الحسن البصري: والله ما أُنذر العباد بشيء قط أدهى منها.\nوقال -ﷺ- (اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة) متفق عليه.\nواتقاء النار يكون: بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه.\n• قوله تعالى (فاتقوا النار) ينبغي على المسلم أن يحذر من النار وأن يتقيها كما أمر الله ﷿.\nفقد أمر الله باتقائها كما في هذه الآية.\nوأمر -ﷺ- بالاستعاذة منها. كما قال -ﷺ- (استعيذوا بالله من عذاب جهنم) متفق عليه.\nوكان -ﷺ- يقول في صلاته (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) متفق عليه.\nومن صفات عباد الله الخوف منها، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا).\n• ينبغي تهديد أهل الكفر والطغيان بالنار وتخويفهم بها كما قال تعالى (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى. لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى).","vol":"1","page":107},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-146> هناك أعمال تنجي من النار منها:</span>\n<span data-type='title' id=toc-147>أولًا: الإيمان بالله.</span>\nقال تعالى (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار).\n\n<span data-type='title' id=toc-148>ثانيًا: الصيام.</span>\nقال -ﷺ- (الصيام جُنة يستجن به من النار) رواه أحمد.\nوقال -ﷺ- (من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-149>ثالثًا: البكاء من خشية الله.</span>\nقال -ﷺ- (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) رواه الترمذي.\n\n<span data-type='title' id=toc-150>رابعًا: الاستجارة بالله من النار.</span>\nكما قال -ﷺ- (ما سأل أحد الله ثلاثًا إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ولا استجار رجل مسلم من النار ثلاثًا إلا قالت النار: اللهم أجره مني).\n\n<span data-type='title' id=toc-151>خامسًا: المحافظة على صلاة الفجر والعصر.</span>\nقال -ﷺ- (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-152>سادسًا: الجهاد.</span>\nقال -ﷺ- (من اغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار) رواه الترمذي.\n\n<span data-type='title' id=toc-153>سابعًا: حسن الخلق.</span>\nقال -ﷺ- (من كان سهلًا هينًا لينًا حرمه الله على النار) رواه أحمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-154>ثامنًا: عتق الرقاب.</span>\nقال -ﷺ- (من أعتق رقبة مؤمنة كانت فكاكه من النار).\n\n<span data-type='title' id=toc-155>تاسعًا: الكلمة الطيبة.</span>\nلحديث الباب (فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَة) قال النووي: فيه أن الكلمة الطيبة سبب للنجاة من النار.\n(الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) وقودها: الوقود بفتح الواو: الحطب، أي مادة النار التي تشعل بها وتضرم لإيقادها الناس والحجارة.","vol":"1","page":108},{"text":"والمراد بالناس الكفار الذين ماتوا على الكفر، قال تعالى (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-156>وأما الحجارة فاختلف فيه:</span>\nقيل: المراد حجارة الكبريت.\nوقد قيل: أنها خصت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الإيقاد، نتن الرائحة، كثرة الدخان، شدة الالتصاق بالأبدان، قوة حرها إذا حميت.\nوقيل: المراد بالحجارة الأصنام، لقوله تعالى (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) أي وقودها. قال القرطبي: وعليه فتكون الحجارة والناس وقودًا للنار، وذكر ذلك تعظيمًا للنار أنها تحرق الحجارة مع إحراقها للناس.\nقوله تعالى (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) شدة عذاب الكفار في النار حيث يكونون وقودًا للنار مع أصنامهم.\n(أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) أي هيئت للكافرين، ففيه دليل على أن أهل النار هم الكفار الذين ماتوا على الكفر، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا).\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).\nومن أهل النار المنافقين، كما قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ).\n• قوله تعالى (أعدت للكافرين) فيه دليل على أن النار موجودة الآن، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار موجودتان الآن، والأدلة على ذلك كثيرة:\nقوله تعالى (أعدت للكافرين) أي هيئت، وكذلك قال تعالى في الجنة (أعدت للمتقين).\nوقال -ﷺ- (لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة، .. الحديث، وفيه: ثم أرسله إلى النار ..) رواه أحمد.\nوقال -ﷺ- (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (وأيم الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار) متفق عليه.","vol":"1","page":109},{"text":"وقال -ﷺ- (رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به، حتى لقد رأيتني آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني أتقدّم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (… ورأيت النار، فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع منه) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-157>الفوائد:</span>\n١ - عظمة القرآن حيث تحدى الله كفار قريش أن يأتوا بمثله.\n٢ - وجوب العناية بالقرآن حفظًا وتدبرًا وفهمًا.\n٣ - فضيلة أن يتصف الإنسان بوصف العبودية.\n٤ - إثبات علو الله ﷿.\n٥ - أن من أعظم آيات النبي -ﷺ- هذا القرآن العظيم.\n٦ - لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن.\n٧ - وجوب تقوى عذاب النار.\n٨ - إهانة الكفار ومعبوداتهم حيث يكونون حطب لجهنم.\n٩ - أن النار موجودة الآن.","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥».</span> [البقرة: ٢٥].\n<hr><s0>\n\n(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ) هذا أمر من الله لنبيه محمد -ﷺ- بإبلاغ بشارته خلقه الذين آمنوا به وبمحمد -ﷺ-، وبما جاء به من عند ربه، وصدقوا إيمانهم ذلك وإقرارهم بأعمالهم الصالحة، أن له جنات تجري من تحتها الأنهار خاصة.\n(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) التبشير الإخبار بما يسر، الذين آمنوا بقلوبهم.\n• قوله تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) فيه استحباب تبشير المسلم بما يسره، لأن البشارة مما تسر المسلم وتفرحه، وقد قال تعالى (فبشرناه بغلام حليم) وقال تعالى (وبشروه بغلام عليم).\n• قوله تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) التبشير: الإخبار بما يسر، وسمي بذلك لأنه يظهر أثره على البشرة وهو ظاهر الجلد، والغالب أنه يستعمل في التبشير بالخير، وقد يستعمل في الشر تهكمًا كقوله تعالى (فبشرهم بعذاب أليم).\n• قال ابن عطية: قوله تعالى (وبشر) مأخوذ من البشرة لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر يظهر عنه أثر في بشرة الوجه، والأغلب استعمال البشارة في الخير، وقد تستعمل في الشر مقيدة به منصوصًا على الشر المبشر به، كما قال تعالى (فبشرهم بعذاب أليم) ومتى أطلق لفظ البشارة فإنما يحمل على الخير.\n(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: وعملوا الأعمال الصالحات من واجبات ومستحبات، والعمل الصالح لا يكون صالحًا إلا بشرطين:\nالشرط الأول: أن يكون خالصًا لله، قال -ﷺ- (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه.\nالشرط الثاني: أن يكون متابعًا للنبي -ﷺ-، لقوله -ﷺ- (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم.","vol":"1","page":111},{"text":"• قال عثمان بن عفان ﵁ في (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): معناه أخلصوا الأعمال، يدلّ عليه قوله: (فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا) أي: خالصًا لأن المنافق والمرائي لا يكون عمله خالصًا.\n• قال السعدي: ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.\n(أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ) الجنات جمع جنة، والجنة في لغة العرب: البستان، لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه، وجاء إطلاق الجنة على البستان في القرآن في قوله (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) أي البستان، وفي قوله (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ).\nوأما في الاصطلاح: فهي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\n• قوله تعالى (جنات) دليل على أن الجنات أنوع، كما قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ثم قال تعالى (ومن دونهما جنتان) وقال -ﷺ- (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما).\n• قال الشيخ ابن عثيمين: (جنات) بالجمع، وأحيانًا يقال بالإفراد (جنة)، فإذا كانت بالإفراد فالمراد بها مطلق الجنس، وإذا قيلت بالجمع فالمراد بها أنواع الجنات.\n• أن الإيمان والعمل الصالح سبب لدخول الجنة، وقد ورد هذا في آيات كثيرة.\nقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).\nوقال تعالى (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ).\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nأن دخول الجنة أعظم بشرى وأعظم أمنية، كما قال تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون). وقال تعالى (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا).","vol":"1","page":112},{"text":"• قوله تعالى (جنات) دليل على أن الجنات أنواع، كما قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ثم قال تعالى (ومن دونهما جنتان) وقال -ﷺ- (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما).\n• في هذه الآية ذكر المبشّر: وهو محمد -ﷺ-، ومن قام مقامه من أمته، والمبشَّر: هم المؤمنون العاملون الصالحات، والمبشَّر به: وهي الجنات الموصوفات تلك الصفات الجميلة، وذكر العمل الموصل لذلك: وهو الإيمان والعمل الصالح.\n(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي من تحت أشجارها، قال ابن الجوزي: أي من تحت شجرها لا من تحت أرضها.\n• قال ابن عاشور: وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر لأن في الماء طبيعة الحياة ولأن الناظر يرى منظرًا بديعًا وشيئًا لذيذًا.\n• قال ابن القيم: وهذا يدل على أمور:\nأحدها: وجود الأنهار فيها. الثاني: أنها جارية لا واقفة. الثالثة: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا.\n• وهذه الأنهار جاء تسميتها في قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً).\n• قال ابن القيم: فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا.\nفآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة وأن يصير قارصًا، وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي للذة شربها، وآفة العسل عدم تصفيته، وهذا من آيات الرب ﷾ أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها ويجريها في غير أخدود وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها كما ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو.","vol":"1","page":113},{"text":"• وهذه الأنهار لا تنضب ولا تنقص، وتجري من غير أخدود.\nقال ابن القيم في النونية:\nأنهارها في غير أخدود جرت … سبحان ممسكها عن الفيضانِ\n(كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) أي كلما أعطوا عطاء ورزقوا رزقًا من ثمار الجنة قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، وقد اختلف العلماء في قوله تعالى (من قبل) على قولين:\nفقيل: المراد بقوله (من قبل) أي هذا الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا، ورجحه ابن جرير.\nودليل هذا القول قوله تعالى (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ).\nوقيل: المراد بقولهم (من قبل) أي في الجنة، أي هذا الذي رزقنا من قبل من ثمار الجنة، من قبل هذا لشدة مشابهة بعضه بعضًا في اللون والطعم، واحتج هؤلاء بحجج:\nمنها: أن المشابهة التي بين ثمار الجنة بعضها لبعض، أعظم من المشابهة التي بينها وبين ثمار الدنيا، ولشدة المشابهة قالوا هذا هو.\nومنها: أن من المعلوم أنه ليس كل ما في الجنة من الثمار قد رزقوه في الدنيا، وكثير من أهلها لا يعرفون ثمار الدنيا ولا رأوها.\n(وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) قال ابن جرير: يعني في اللون والمرأى وليس يشبهه في الطعم، قال ابن عباس: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء.\n(وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ) الأزواج جمع زوج، وهو شامل للأزواج من الحور العين، ومن نساء الدنيا.\n(مُطَهَّرَةٌ) يشمل طهارة الظاهر وطهارة الباطن، فهي مطهرة من الأذى، ومن القذر، لا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس، مطهرة من كل شيء حسي، مطهرة أيضًا من الأقذار الباطنة، كالغل، والحسد، والكراهية، والبغضاء وغير ذلك.\n• قال القرطبي: (مطهرة) نعتٌ للأزواج، ومُطَهّرةٌ في اللغة أجمع من طاهرة وأبلغ؛ ومعنى هذه الطهارة من الحَيْض والبُصاق وسائر أقذار الآدمِيّات.","vol":"1","page":114},{"text":"• وقال السعدي: قوله تعالى (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) فلم يقل (مطهرة من العيب الفلاني) ليشمل جميع أنواع التطهير، فهن مطهرات الأخلاق، مطهرات الخلق، مطهرات اللسان، مطهرات الأبصار، فأخلاقهن، أنهن عرب متحببات إلى أزواجهن بالخلق الحسن، وحسن التبعل، والأدب القولي والفعلي، ومطهر خلقهن من الحيض والنفاس والمني، والبول والغائط، والمخاط والبصاق، والرائحة الكريهة، ومطهرات الخلق أيضا، بكمال الجمال، فليس فيهن عيب، ولا دمامة خلق، بل هن خيرات حسان، مطهرات اللسان والطرف، قاصرات طرفهن على أزواجهن، وقاصرات ألسنتهن عن كل كلام قبيح.\n\n• ذكر هنا تعالى صفة<span data-type='title' id=toc-159> من صفات نساء الجنة،</span> ومن صفاتهن:\n<span data-type='title' id=toc-160>أولًا: مطهرات.</span> كما في هذه الآية.\nقال ابن القيم: ووصفهن بالطهارة فقال: (ولهم فيها أزواج مطهرة) طهرن من الحيض والبول والنجو (الغائط) وكل أذى يكون في نساء الدنيا، وطهرت بواطنهن من الغيرة وأذى الأزواج وتجنيهن عليهم وإرادة غيرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-161>ثانيًا: كواعب أترابًا.</span>\nقال تعالى (وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا).\nالكاعب: المرأة الجميلة التي برز ثديها، والأتراب: المتقاربات في السن.\n\n<span data-type='title' id=toc-162>ثالثًا: أبكارًا.</span>\nقال تعالى (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا).\nأبكارًا: يعني أنه لم ينكحهن قبلهم أحد، العرب: المتحببات لأزواجهن.\nقال ابن كثير ﵀: قوله (عُرُبًا): قال سعيد بن جبير عن ابن عباس يعني: متحببات إلى أزواجهن، وعن ابن عباس: العُرُب العواشق لأزواجهن، وأزواجهن لهن عاشقون.","vol":"1","page":115},{"text":"وقوله (أَتْرَابا) قال الضحاك عن ابن عباس يعني: في سن واحدة ثلاث وثلاثين سنة.\nوقال السدي: (أترابا) أي: في الأخلاق المتواخيات بينهن ليس بينهن تباغض ولا تحاسد، يعني: لا كما كن ضرائر متعاديات. (تفسير ابن كثير).\nوقال الحافظ ابن حجر: عن مجاهد في قوله (عُرُبًا أترابًا) قال: هي المحببة إلى زوجها.\n\n<span data-type='title' id=toc-163>رابعًا: جميلات غاية الجمال.</span>\nقال تعالى (وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ).\nوقال -ﷺ- (ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحًا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري.\nحور: جمع حوراء، وهي التي يكون بياض عينها شديد البياض وسواده شديد السواد.\nعين: جمع عيناء، وهي واسعة العين، المكنون: المخفي المصان، النصيف: الخمار.\n• قال السعدي: أي: ولهم حور عين، والحوراء: التي في عينها كحل وملاحة، وحسن وبهاء، والعِين: حسان الأعين وضخامها، وحسن العين في الأنثى من أعظم الأدلة على حسنها وجمالها، (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) أي: كأنهن اللؤلؤ الأبيض الرطب الصافي البهي، المستور عن الأعين والريح والشمس، الذي يكون لونه من أحسن الألوان، الذي لا عيب فيه بوجه من الوجوه، فكذلك الحور العين، لا عيب فيهن بوجه، بل هن كاملات الأوصاف، جميلات النعوت. فكل ما تأملته منها لم تجد فيه إلا ما يسر الخاطر ويروق الناظر.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-164>خامسًا: قاصرات الطرف.</span>\nقال تعالى (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ).\nوقال تعالى (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ).\nوقاصرات الطرف: هن اللواتي قصرن بصرهن على أزواجهن، فلم تطمح أنظارهن لغير أزواجهن.\n• قال ابن القيم: ووصفهن بأنهن (مقصورات في الخيام) أي: ممنوعات من التبرج والتبذل لغير أزواجهن، بل قد قُصِرْن على أزواجهن، لا يخرجن من منازلهم، وقَصَرْنَ عليهم فلا يردن سواهم، ووصفهن سبحانه بأنهن (قاصرات الطرف) وهذه الصفة أكمل من الأولى، فالمرأة منهن قد قصرت طرفها على زوجها من محبتها له ورضاها به فلا يتجاوز طرفها عنه إلى غيره.\n(وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وهذا من أعظم تمام النعيم، أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآبدين.\n• قال النسفي: الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع.\n• وقال ابن الجوزي: والخلود: البقاء الدائم الذي لا انقطاع له.\n• قال ابن عاشور: وقوله (وهم فيها خالدون) احتراس مِن تَوَهُّم الانقطاع بما تعودوا من انقطاع اللذات في الدنيا لأن جميع اللذات في الدنيا معرضة للزوال وذلك ينغصها عند المنعم عليه كما قال أبو طيب:\nأشدُّ الغم عندي في سرور … تحقَّقَ عنه صاحبُه انتقالًا.\n• قال الرازي: اعلم أن مجامع اللذات إما المسكن أو المطعم أو المنكح فوصف الله تعالى المسكن بقوله (جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار) والمطعم بقوله (كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) والمنكح بقوله (وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ) ثم إن هذه الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال كان التنعم منغصًا فبين تعالى أن هذا الخوف زائل عنهم فقال (وَهُمْ فِيهَا خالدون) فصارت الآية دالة على كمال التنعم والسرر.\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وهذا من أعظم النعيم وبه يتم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غمًا.","vol":"1","page":117},{"text":"فالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي -ﷺ- يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك النعيم فتتكدر غبطتهم.\n• وجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة.\nفقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).\nوقال -ﷺ- (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدًا) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت …) متفق عليه.","vol":"1","page":118},{"text":"• قال ابن القيم: جمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات وما فيها من الأنهار والثمار ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، ونعيم القلب وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد وعدم انقطاعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-165>الفوائد:</span>\n١ - البشرى بالجنة لمن آمن وعمل صالحًا.\n• قال السعدي: وفيه استحباب بشارة المؤمنين، وتنشيطهم على الأعمال بذكر جزائها [وثمراتها]، فإنها بذلك تخف وتسهل، وأعظم بشرى حاصلة للإنسان، توفيقه للإيمان والعمل الصالح، فذلك أول البشارة وأصلها، ومن بعده البشرى عند الموت، ومن بعده الوصول إلى هذا النعيم المقيم، نسأل الله أن يجعلنا منهم.\n٢ - الحث على الإيمان والعمل الصالح.\n٣ - التحذير من الرياء ومن البدعة.\n٤ - مشروعية تبشير المسلم بما يسره.\n٦ - أن الجنات أنواع.\n٧ - إثبات الجنة.\n٨ - إثبات أن في الجنة أنهارًا.\n٩ - عظم نعيم الجنة.\n١٠ - أن نعيم الدنيا ناقص زائل.\n١١ - إثبات الزوجات في الجنة وأنهن مطهرات من كل دنس.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-166>(إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧».</span> [البقرة: ٢٦ - ٢٧].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا …) قال ابن القيم: هذا جواب اعتراض، اعترض به الكفار على القرآن وقالوا: إن الرب أعظم من أن يذكر الذباب والعنكبوت ونحوها من الحيوانات الخسيسة، فلو كان ما جاء به محمد -ﷺ-، كلام الله، لم يذكر فيه الحيوانات الخسيسة، فأجابهم الله تعالى بأن قال (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها)، فإن ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها، إذا تضمن تحقيق الحق وإيضاحه وإبطال الباطل وإدحاضه، كان من أحسن الأشياء، والحسن لا يستحيا منه، فهذا جواب الاعتراض.\n• قال الرازي: اعلم أنه بين بالدليل كون القرآن معجزًا أورد ههنا شبهة أوردها الكفار قدحًا في ذلك وأجاب عنها وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلًا عن كونه معجزًا، فأجاب الله تعالى عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملًا على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها.\n(إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي) فيه إثبات الحياء لله تعالى، وجه الدلالة: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إن نفي الاستحياء عن الله تعالى في هذه الحال دليل على ثبوثه فيما يقابلها.\n• وقد دلت السنة على إثبات الحياء لله تعالى.\nكما قال -ﷺ- (إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر) رواه أبو داود.\nوقال -ﷺ- (إن ربكم ﵎ حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا) رواه أبو داود.","vol":"1","page":120},{"text":"وحياؤه ﷾ وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل نثبتها لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله، إثباتًا من غير تمثيل لها بخلقه.\n(أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) أي: أن الله لا يستحيي أن يضرب ويبين أي مثل كان، بأيّ شيء كان، صغيرًا أو كبيرًا كالبعوضة فما فوقها.\n• والسبب في ذلك: لاشتمال الأمثال على الحكمة، وإيضاح الحق وتقريبه، قال ابن القيم: فإن الأمثال تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر، واعتبار أحدهما بالآخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-167>وقد ضرب الله الأمثال في كتابه بعدة أشياء:</span>\nالذباب: قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ).\nالعنكبوت: قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).\nالشجرة الطيبة والخبيثة: قال تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ\nمَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ).\n• قوله تعالى (فَمَا فَوْقَهَا) اختلف العلماء في المراد بقوله (فما فوقها) على قولين:\nقيل: أن معنى فما فوقها أي ما هو أكبر منها، ورجحه ابن جرير. . . .\nويؤيد هذا القول قوله -ﷺ- (ما من مسلم يشوك شوكة فما فوقها) أي ما هو أعلى منها.\nوقيل: (فما فوقها) أي ما هو أقل منها، كما يقال مثلًا فلان جاهل، فتقول هو فوق ذلك، أي أشد من الجاهل.","vol":"1","page":121},{"text":"• قال الرازي: والمحققون مالوا إلى هذا القول لوجوه:\nأحدها: أن المقصد من هذا التمثيل تحقير الأوثان، وكلما كان المشبه به أشد حقارة كان المقصود في هذا الباب أكمل حصولًا.\nوثانيها: أن الغرض ههنا بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير، وفي مثل هذا الموضع يجب أن يكون المذكور ثانيًا أشد حقارة من الأول، يقال إن فلانًا يتحمل الذل في اكتساب الدينار، وفي اكتساب ما فوقه، يعني في القلة، لأن تحمل الذل في اكتساب أقل من الدينار أشد من تحمله في اكتساب الدينار.\nوثالثها: أن الشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب، فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به إلا علم الله تعالى، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير.\n• وقال ابن عاشور: وهو في هذه الآية صالح للمعنيين أي ما هو أشد من البعوضة في الحقارة وما هو أكبر حجمًا.\n(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: أما المؤمنون فيعلمون أن الله حق، لا يقول غير الحق، وأن المثل من عند الله، فيزدادون إيمانًا على إيمانهم.\n(وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) أي: وأما الذين كفروا فيتعجبون ويقولون ماذا أراد الله من ضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء الحقيرة.\n• فيه أن الاعتراض على أمر الله من أعمال الكفار، فيزدادون كفرًا على كفرهم، ففيه التحذير من الاعتراض على أوامر الله.\n(يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا) أي: يضل ويخذل بهذا المثل كثيرًا من الكافرين لكفرهم به.\n(وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) أي: ويهدي به كثيرًا من المؤمنين لتصديقهم به فيزدادون هدى.\n• قال الشيخ السعدي: هذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية، كما قال تعالى (وإذا أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانًا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة وضلالة وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة ورحمة، وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال. …\n• قوله تعالى (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) قيل: هو من قول الكافرين، أي مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى.\nوقيل: بل هو خبر من الله ﷿، قال القرطبي: وهو أشبه.","vol":"1","page":122},{"text":"• قال الشوكاني عن القول الأول: ليس بصحيح، فإن الكافرين لا يقرون بأن في القرآن شيئًا من الهداية، ولا يعترفون على أنفسهم بشيء من الضلالة.\n(وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) أي: وما يضل به إلا الفاسقين الخارجين عن طاعة الله بكفرهم.\n• والمراد بالفسق هنا الخروج عن الدين وهو الكفر، بدليل وصفهم بعد ذلك بقوله (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ …) وهذه\nالصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين. …\nوالفسق هو الخروج عن طاعة الله، ومنه سميت الفأرة فويسقة لخروجها للإفساد، ويطلق ويراد به الكفر كقوله تعالى (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ) وقال تعالى (ومَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ).\nويطلق ويراد به ما دونه من المعاصي كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ).\n• قال القرطبي: والفِسْق في عُرْف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله ﷿، فقد يقع على من خرج بكُفْر وعلى من خرج بعصيان.\n\n•<span data-type='title' id=toc-168> لفظ الضلال في القرآن يطلق على ثلاثة إطلاقات:</span>\nالأول: إطلاق الضلال على الضلال عن طريق الهدى إلى طريق الزيغ، وعن طريق الجنة إلى طريق النار.\nكما قال تعالى (وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). ومنه قوله تعالى (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ).\nومنه قوله تعالى (قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)، وهذا أغلب استعمال الضلال.\nوالثاني: هو إطلاق الضلال على الغَيْبَة والاضمحلال.\nومنه قوله تعالى (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: غاب واضمحل ولم يبق له أثر.\nومنه قوله تعالى (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) فمعنى (ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) أي: اضمحلت عظامهم ولحومهم وجلودهم فيها فأكلتها واختلطت بها.","vol":"1","page":123},{"text":"والثالث: إطلاق الضلال على الذهاب عن علم الشيء، فكل ما لم يهتد إلى علم شيء تقول العرب: ضل.\nومنه قول أولاد يعقوب (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: ذهاب عن علم الحقيقة حيث يفضّل يوسف علينا.\nوقوله (قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) أي: ذهابك عن حقيقة العلم بالشيء، لأنك تظن يوسف حيًا، ولا يريدون الضلال، لأنهم لو أرادوا الضلال في الدين لكانوا كفرة لتضليلهم نبيًا من الأنبياء. (الشنقيطي).\nومنه قوله تعالى (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) أي: لا يذهب عنه علم شيء ولا ينسى شيئًا.\n(الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) ذكر تعالى صفات هؤلاء الفاسقين، فمنها أنهم ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، والنقض: إفساد ما أبرم من بناء أو حبل أو عهد.\n• وقد اختلف في المراد بهذا العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه:\nفقيل: أنه العهد الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من صلبه.\nكما قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ).\nوقيل: هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسن رسله.\nوقيل: أنه العهد الذي أخذ عليهم على لسان أنبيائهم ﵈ أنهم يؤمنون بمحمد -ﷺ- إذا بعث فيهم.\nكما قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ).\nوالراجح العموم كما قال ابن كثير حيث قال: وقال آخرون بل عني بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا\nيقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثله الشاهدة لهم على صدقهم، قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق، وهذا حسن ومال إليه الزمخشري.","vol":"1","page":124},{"text":"• وقال ابن عطية: النقض رد ما أبرم على أوله غير مبرم، والعهد في هذه الآية التقدم في الشيء والوصاة به.\n\n<span data-type='title' id=toc-169>واختلف في تفسير هذا العهد:</span>\nفقال بعض المتأولين: هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر.\nوقال آخرون: بل نصب الأدلة على وحدانية الله بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد.\nوقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله على عباده بواسطة رسله أن يوحدوه وان لا يعبدوا غيره.\nوقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله تعالى على أتباع الرسل والكتب المنزلة أن يؤمنوا بمحمد -ﷺ-، وأن لا يكتموا أمره.\n• قال أبو حيان بعد ذكره للأقوال: والعموم هو الظاهر.\n(يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) أي: من صفات هؤلاء الكفار قطع ما أمروا بوصله.\nوقد اختلف العلماء ما هو الشيء الذي أمر الله بوصله:\nفقيل: المراد به صلة الأرحام، ورجحه ابن جرير.\nوقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل.\nوقيل: المراد به حفظ شرائعه وحدوده التي أمر في كتبه المنزلة وعلى ألسن رسله بالمحافظة عليها فهي عامة.\nقال الشوكاني: وبه قال الجمهور وهو الحق.\n• فيه وجوب صلة ما أمر الله بصلته، وفي مقدمة ذلك صلة الرحم.\nوقد جاءت نصوص تحرم وتحذر من قطيعة الرحم:\nقال تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ).\nوقال تعالى (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ).\nوقال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها بل صِلوها.\nوقال -ﷺ- (لا يدخل الجنة قاطع) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) رواه أحمد.","vol":"1","page":125},{"text":"وقال -ﷺ- (لا يدخل الجنة قاطع) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) رواه البخاري. …\n• وجاءت نصوص كثيرة تحث على صلة الرحم:\nقال -ﷺ- (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله) متفق عليه.\nوعن أبي أيوب (أن رجلًا قال يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ فقال النبي -ﷺ-: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه) متفق عليه.\nوهي من صفات النبي -ﷺ-، قال خديجة (كلا والله، لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتحمل الكل، وتصل الرحم، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق).\n(يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) أي ومن صفات هؤلاء الكفار الإفساد في الأرض، والإفساد في الأرض يكون بارتكاب المعاصي فيها من الشرك بالله، والقتل، والربا، وغيرها، كما قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).\n(أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم، لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم، ليس لهم نوع من الربح، لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان، فمن لا إيمان له لا عمل له، وهذا الخسار هو خسار الكفر.\n• قال الطبري: قوله تعالى (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الخاسرون جمع خاسر، والخاسرون: الناقصُون أنفسَهم حظوظَها - بمعصيتهم الله - من رحمته، كما يخسرُ الرجل في تجارته، بأن يوضَع من رأس ماله في بيعه. فكذلك الكافر والمنافق، خسر بحرمان الله إياه رحمتَه التي خلقها لعباده في القيامة، أحوج ما كان إلى رحمته.","vol":"1","page":126},{"text":"• وأصل الخسران: نقصان مال التاجر من ربح أو رأس مال، وأكبر الخسارة غبن الإنسان بحظوظه من خالقه جل وعلا، وقد أقسم الله أنه لا ينجو منه أحد إلا بشروط معينة منصوصة في كتاب الله فقال تعالى (وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-170>الفوائد:</span>\n١ - فيه إثبات الحياء لله تعالى، وجه الدلالة: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إن نفي الاستحياء عن الله تعالى في هذه الحال دليل على ثبوثه فيما يقابلها.\n٢ - ضرب الأمثال، لتقريب المعاني.\n٣ - فيه أنه لا ينبغي أن يكون الحياء مانعًا من قول الحق أو طلب العلم.\nوقد قالت عائشة (نعم نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء من التفقه في الدين) متفق عليه.\nوقالت أم سلمة (إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت) متفق عليه.\n٤ - فيه أنه ينبغي لمن أراد الإيضاح والبيان - وكان ذلك يتوقف على ضرب المثل - أن يبين ذلك بالمثل، كما قال تعالى (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون).\n٥ - فضل أهل الإيمان، حيث يؤمنون من غير تردد.\n٦ - أن الناس ينقسمون عند ضرب المثل إلى قسمين: مؤمن وكافر.\n٧ - أن الهداية والإضلال بيد الله تعالى، ويتفرع على هذه الفائدة اللجوء إلى الله لطلب الهداية منه سبحانه.\n٨ - وجوب الوفاء بجميع العهود.\nكما قال تعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا)، وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود).\n٩ - تحريم قطيعة الرحم.\n١٠ - تحريم الإفساد في الأرض.\n١١ - أن الإفساد في الأرض من صفات الكفار.\n١٢ - وجوب الإصلاح في الأرض.\n١٣ - أن أعظم الخسارة خسارة الإنسان نصيبه من الله.\n١٤ - معرفة صفات الكفار ليتجنبها الإنسان.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-171>(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨».</span> [البقرة: ٢٨].\n<hr><s0>\n\n(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا …) يقول تعالى محتجًا على وجوده وقدرته وأنه الخالق المتصرف في عباده (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ) أي: كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره.\n(وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) أي: قد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود.\n• قال الرازي: اتفقوا على أن قوله (وَكُنتُمْ أمواتًا) المراد به وكنتم ترابًا ونطفًا، لأن ابتداء خلق آدم من التراب وخلق سائر المكلفين من أولاده إلا عيسى ﵇ من النطف.\n(ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) أي: ثم يميتكم عند استكمال آجالكم.\n(ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) حين يبعثكم.\n• قال القرطبي: واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين، وكم من مَوْتة وحياة للإنسان؟ فقال ابن عباس وابن مسعود: أي كنتم أمواتًا معدومين قبل أن تُخلقوا فأحياكم أي خلقكم ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة.\n• قال ابن عطية: وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا مَحِيد للكفار عنه لإقرارهم بهما؛ وإذا أذعنتْ نفوس الكفار لكونهم أمواتًا معدومين، ثم للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها قَوِي عليهم لزوم الإحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها.\n(ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فيجازيكم الجزاء الأوفى. …\n• قال ابن القيم: فهذا استدلال قاطع على أن الإيمان بالله أمر مستقر في الفطر والعقول وأنه لا عذر لأحد في الكفر به البتة، فذكر تعالى أربعة أمور، ثلاثة منها مشهودة في هذا العالم، والرابع منتظر موعود به وعد الحق:\nالأول: كونهم كانوا أمواتًا لا أرواح فيهم بل نطفًا وعلقًا ومضغة مواتًا لا حياة فيها.\nالثاني: أنه تعالى أحياهم بعد هذه الإماتة.\nالثالث: أنه تعالى يميتهم بعد هذه الحياة.\nالرابع: أنه يحييهم بعد هذه الإماتة فيرجعون إليه، فما بال العاقل يشهد الثلاثة الأطوار الأول، ويكذب بالرابع، وهل الرابع إلا طور من أطوار التخليق.","vol":"1","page":128},{"text":"• قوله تعالى (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ..) استفهام المراد منه التوبيخ والتقرير، فيُتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجج.\n\n<span data-type='title' id=toc-172>الفوائد:</span>\n١ - إثبات الموت لقوله (ثم يميتكم).\nكما قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ). وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).\nوقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ) وقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ).\n٢ - إثبات البعث.\n٣ - إثبات الجزاء والحساب.\n٤ - فيه الاستعداد ليوم الحساب بالإكثار من الأعمال الصالحة التي تنجيه من كرب يوم القيامة.\n٥ - أن المرجع إلى الله تعالى، كما قال تعالى (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ) وقال تعالى (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ). وقال تعالى (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) وقال تعالى (اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩».</span> [البقرة: ٢٩].\n<hr><s0>\n\n(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) أي خلق لكم، برًا بكم ورحمة، جميع ما على الأرض للانتفاع والاستمتاع والاعتبار.\n(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) أي ثم قصد إلى السماء.\n• قال ابن كثير: والاستواء ههنا متضمن معنى القصد والإقبال لأنه عدي بـ (إلى) والمعنى: ثم قصد إلى السماء.\n(فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) أي: هيأهن وخلقهن ودبرهن وقومهن، والتسوية في كلام العرب التقويم والإصلاح والتوطئة.\nوهذا يدل على كمال خلق السموات:\nكما قال تعالى (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا) وقال تعالى (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ).\nوقال تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ).\nوقال تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ).\nوقال تعالى (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ).\n• هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء بدليل لفظة ثم التي هي للترتيب والانفصال وكذلك آية حم السجدة تدل أيضا على خلق الأرض قبل خلق السماء لأنه قال فيها (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) إلى أن قال (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ).\nفما الجواب عن قوله تعالى (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا. وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا). حيث أن هذه الآية تدل على أن دحو الأرض كان بعد خلق السماء. (دحاها: يعني بسطها ومهدها وهذا قول الأكثر).\nالجواب: أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء، وأما دحوها فمتأخر عنها، فالله - ﷾ - خلق الأرض أولًا غير مدحوة، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعًا، ثم دحا الأرض بعد ذلك، أي: بسطها ومهدها للسكن، بأن أخرج منها الماء والمرعى، وأرساها بالجبال.","vol":"1","page":130},{"text":"قال بهذا ابن عباس.\nورجحه البغوي، وابن عطية، وابن الجوزي، وابن كثير، والسعدي، والقاسمي، والشوكاني.\n• قال ابن كثير: وقد تقدم في سورة (حم السجدة) أن الأرض خلقت قبل السماء، ولكن إنما دُحيت بعد خلق السماء،\nبمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل. وهذا معنى قول ابن عباس، وغير واحد، واختاره ابن جرير.\n(وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) لا يخفى عليه شيء سبحانه.\n• مباحث علم الله تعالى:\nأولًا: فالله تعالى يعلم كل شيء، يشمل الجزئيات والكليات.\nقال تعالى (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا).\nوقال تعالى (عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).\nثانيًا: يعلم سبحانه الماضي والمستقبل.\nقال تعالى (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ).\n(ما بين أيديهم) الحاضر والمستقبل (وما خلفهم) الماضي.\nثالثًا: الله يعلم الخفايا وما في الصدور:\nكما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).\nوقال تعالى (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).","vol":"1","page":131},{"text":"وقال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). وقال تعالى (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ).\nرابعًا: وليس شيء يصل إلى الأرض أو يصعد من الأرض إلى السماء إلا قد أحاط الله به علمًا.\nقال تعالى (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ).\nخامسًا: ويعلم الأمور التي لن تكون كيف تكون لو كانت.\nكما قال تعالى عن الكفار حين يكونون في النار (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).\nوقال تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).\nوالمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أبدًا، لأن الله هو الذي ثبطهم عنها بحكمته بقوله (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) وهذا الخروج الذي لا يكون قد علم جل وعلا أن لو كان كيف يكون، كما صرح به في قوله (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ).\nسادسًا: ويستوي في علم الله السر والعلانية، والصغير والكبير والغيب والشهادة.\nقال تعالى (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)\nوقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).\nوقال تعالى (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).\nاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).\nسابعًا: وعلم الله لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان.\nقال تعالى (.... قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى).\nوقال تعالى (… وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا).\nأما علم ابن آدم فمسبوق بجهل ويلحقه نسيان كما قال تعالى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا).\nثامنًا: علمنا قليل بالنسبة لعلم الله.\nقال تعالى (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا).","vol":"1","page":132},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-174> الآثار المترتبة من علمنا بأن الله عليم بكل شيء.</span>\nأولًا: الخوف من الله وخشيته، ومراقبته في السر والعلن، لأن العبد إذا أيقن أن الله تعالى عالم بحاله مطلع على باطنه وظاهره، فإن ذلك يدفعه إلى الاستقامة على أمر الله ظاهرًا وباطنًا.\nثانيًا: اليقين بشمول علم الله تعالى لكل شيء في السماوات والأرض، وللبواطن والظواهر، يثمر في قلب العبد تعظيم الله تعالى وإجلاله والحياء منه، كما يعين على التخلص من الآفات القلبية التي تخفى على الناس ولكنها لا تخفى على الله كآفة الرياء والحسد والغل والعجب والكبر.\nقال ابن القيم: فإن قلت: فما السبيل إلى حفظ الخواطر، قلت: أسباب عدة، أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب سبحانه ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك، والثاني: حياؤك منه، والثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته ومحبته.\nثالثًا: إن يقين العبد بعلم الله تعالى الشامل لكل شيء، ومن ذلك علمه سبحانه بحال عبده المصاب وما يقاسيه من الآلام، إن ذلك يثمر في القلب الرجاء والأنس بالله ويدفع اليأس والقنوط من القلب.\nرابعًا: ونستفيد من معرفتنا أن الله عليم بكل شيء: وجوب مراقبة الله، لأن العاقل إذا علم أن الله ﷾ يعلم كل شيء، فسوف يراقب ربه، بلسانه وجنانه وأركانه، فبلسانه: لا ينطق بما حرم الله، وبجنانه: لا يعتقد بقلبه خلاف الحق، وبجوارحه: لا يستعملها في المحرمات، فيستعمل العين في النظر إلى الحرام، ويستعمل اليد في البطش الحرام، ويستعمل الآذان في السماع الحرام.\nوأيضًا نستفيد من معرفتنا أن الله عليم بكل شيء: الرغبة والنشاط والرجاء، لأن الإنسان يعلم أن الله يعلم بكل أعماله الصالحة، وأنه لن يضيع منها شيء.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-175>الفوائد:</span>\n١ - إثبات أن الخالق هو الله تعالى.\n٢ - في هذا دلالة على أنه ﷾ ابتدأ بخلق الأرض أولًا ثم خلق السموات سبعًا، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك.\n٣ - فيه دليل على أن الأصل في الأشياء الحل حتى يقوم دليل على التحريم لقوله سبحانه (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) فكل ما على الأرض من الأشجار والنباتات والمياه الأصل فيه الحل. وهذه الآية هي نص الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند الفقهاء (أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة)، والمراد إباحة الانتفاع بها أكلًا وشربًا ولباسًا وتداويًا وركوبًا وزينة.\n٤ - فيه دليل على أن السموات سبع، والآيات في هذا كثيرة:\nكقوله تعالى (قل من رب السموات السبع). وقال تعالى (تسبح له السماوات السبع). وقال تعالى (فقضاهن سبع سموات). وقال تعالى (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن).\nوأما الأرض فلم يأت في القرآن التصريح بأنها سبع ولكن جاء التلميح كما في الآية السابقة (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن). مثلهن: أي في العدد.\nوجاءت السنة تبين أن الأرضين سبع:\nكقوله -ﷺ- (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين) متفق عليه.\n٥ - إثبات عموم علم الله ﵎.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-176>(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٠».</span> [البقرة: ٣٠].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ) يخبر تعالى بامتنانه على بني آدم فقال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ) أي واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك، حين قال ربك للملائكة.\n(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) أي: قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل، واختلف العلماء في المراد بالخليفة هنا:\nفقيل: المراد آدم.\n• قال القرطبي: والمعني بالخليفة هنا في قول ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل آدم ﵇.\nلأنه خليفة الله في تنفيذ أوامره.\nوقيل: أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل، ورجح هذا القول ابن كثير.\nكما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ). وقال (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ).\nويدل على أنه ليس المراد آدم قول الملائكة (أتجعل من يفسد فيها ويسفك الدماء) فإنه من المعلوم أن آدم ليس مما يفسد في الأرض ويسفك الدماء. (انتهى كلام ابن كثير).\nويمكن أن يجاب عن هذا: بأن المراد بالخليفة آدم، وأن الله أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء، فقالوا ما قالوا.\n(قَالُوا) أي: الملائكة.\n(أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) بالمعاصي.\n(وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) هذا تخصيص بعد تعميم، فإن سفك الدماء من الفساد، لكن خصص لعظيم مفسدته، فإن القتل من أكبر الكبائر.\n• وهذا فيه دليل على أن الملائكة لا تعلم الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله كما قال تعالى (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله).","vol":"1","page":135},{"text":"• قال ابن كثير: قول الملائكة ليس على وجه الاعتراض على الله ولا على وجه الحسد لبني آدم كما قد يتوهمه بعض المفسرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول أي لا يسألونه شيئًا لم يأذن لهم فيه، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك.\n• فإن قيل: كيف عرفت الملائكة أنه سيفسدون في الأرض ويسفكون الدماء:\nقيل: لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد، إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد.\nوقيل: إن الله أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا) قد علمنا قطعًا أن الملائكة لا تعلم إلا ما أعْلِمت ولا تَسبِق القول، وذلك عام في جميع الملائكة؛ لأن قوله (لَا يَسْبِقُونَهُ بالقول) خرج على جهة المدح لهم، فكيف قالوا (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا)؟\nفقيل: المعنى أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد؛ إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد، لكن عمّموا الحكم على الجميع بالمعصية؛ فبيّن الربّ تعالى أن فيهم من يفسد ومن لا يفسد فقال تطييبًا لقلوبهم (إني أَعْلَمُ) وحقّق ذلك بأن علّم آدم الأسماء، وكشف لهم عن مكنون علمه.\nوقيل: إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء، وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورؤوس الجبال، فمن حينئذ دخلته العِزّة.","vol":"1","page":136},{"text":"وقال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خلقًا أفسدوا وسفكوا الدماء، فسألوا حين قال تعالى (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً) أهو الذي أعلمهم أم غيره، وهذا قول حَسَن، والقول الأوّل أيضًا حسن جدًا؛ لأن فيه استخراج العلم واستنباطه من مقتضى الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء؛ وما بين القولين حسن، فتأمّله. (تفسير القرطبي).\n(وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) التسبيح: تنزيه الله عن العيوب والنقائص، وبحمدك: أي تسبيحًا مصحوبًا بحمدك، فتكون الجملة متضمنة لتنزيه الله عن النقص، وإثبات الكمال لله بالحمد.\n• واختلف في تسبيح الملائكة: فقيل: تسبيحهم صلاتهم، وقيل: تسبيحهم رفع الصوت بالذكر، وقيل: تسبيحهم سبحان الله على عُرفه في اللغة وهذا هو الصحيح، لما رواه أبو ذَرّ. أن رسول الله -ﷺ- (سئل: أيّ الكلام أفضل؟ قال: \" ما اصطفى الله لملائكته (أو لعباده) سبحان الله وبحمده) أخرجه مسلم. …\n(وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي: نطهرك من كل عيب، فقال الله لهم:\n(قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) أي: أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم، فإني سأجعل فيهم الأنبياء وأرسل فيهم الرسل ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار.\n• قال الشوكاني: قوله تعالى (قال إني أعلم ما لا تعلمون) ولم يذكر متعلق (تعلمون) ليفيد التعميم ويذهب السامع عند ذلك كل مذهب ويعترف بالعجز ويقر بالقصر.\n• وقال القرطبي - ﵀ - بعد أن ذكر بعض هذه الوجوه: قلت: ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون وما هو كائن فهو عام.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>الفوائد:</span>\n١ - إثبات القول لله تعالى لقوله تعالى (وإذ قال ربك ..).\n٢ - إثبات الملائكة. والملائكة عالم غيبي خلقهم الله من نور، وظيفتهم عبادة الله تعالى.\nفالإيمان بهم من أركان الإيمان.\nقال -ﷺ- في بيان أركان الإيمان (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) متفق عليه.\nخلقهم الله من نور.\nكما قال -ﷺ- (خلقت الملائكة من نور) رواه مسلم.\nيعبدون الله لا يملون.\nكما قال تعالى (يسبحون الليل والنهار لا يفترون). ومعنى لا يفترون: لا يضعفون.\nوقال تعالى (فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون).\nعددهم كثير لا يعلم عددهم إلا الله.\nكما قال تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو).\nوقال -ﷺ- في البيت المعمور في السماء السابعة (فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليهم) رواه مسلم.\nونعرف أسماء بعضهم.\nإسرافيل (الذي ينفخ في الصور) وجبريل (هو الذي يأتي بالوحي) وميكائيل (هو الذي موكل بالقطر).\nوهؤلاء كان النبي -ﷺ- يتوسل بربوبية الله لهم في دعاء الاستفتاح في صلاة الليل فيقول (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) رواه مسلم.\nومالك (خازن النار).\nقال تعالى (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون).\nرضوان.","vol":"1","page":138},{"text":"قال ابن كثير: وخازن الجنة ملك يقال له رضوان، جاء مصرحًا به في بعض الأحاديث.\n٣ - فيه أن خلق الملائكة سابق على خلق آدم أبي البشر.\n٤ - فيه دليل على أن الملائكة لا تعلم الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله كما قال تعالى (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله).\n٥ - تحريم الإفساد في الأرض بأنواع المعاصي.\n٦ - أن القتل من أكبر الكبائر.\n٧ - فيه عظم عبادة الملائكة لربها، وقد قال -ﷺ- (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا ملك ساجد أو راكع).\n٨ - فيه فضل تسبيح الله وحمده.\nقال -ﷺ- (أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- (وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس). رواه مسلم\n٩ - فيه عموم علم الله، وأنه سبحانه يعلم المستقبل كيف يكون [وقد سبقت مباحث العلم].","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-178>(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣».</span> [البقرة: ٣١ - ٣٣].\n<hr><s0>\n\n(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) في المقام أراد الله أن يبين فضل آدم فقال (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) اختلف العلماء في المراد في هذه الأسماء التي علمها الله آدم:\nفقيل: علمه أسماء الملائكة وذريته، ورجح هذا ابن جرير الطبري ﵀.\nلأنه قال (ثم عرضهم) وهذه عبارة من يعقل.\nوقيل: علمه أسماء كل شيء ذواتها وصفاتها وأفعالها أسماء الملائكة وأسماء النبيين وأسماء ذرية آدم وأسماء البحار والأشجار والأحجار والأواني، واختار هذا القول ابن كثير ﵀. …\nلعموم قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها).\nولحديث الشفاعة الطويل لما يأتون الناس إليه (… فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، وعلمك أسماء كل شيء).\n• فيه دليل على فضل آدم -﵇-، ولآدم فضائل:\nأنه أبو البشر - خلقه الله بيده - علمه الله أسماء كل شيء - أن الله نفخ فيه من روحه - وأسجد له الملائكة.\nفقد جاء في حديث الشفاعة الطويل لما يأتون الناس إليه (… فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء)، وقال تعالى (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي).\n• وفيه أن الإنسان يشرف بالعلم.\n• قال الرازي: هذه الآية دالة على فضل العلم فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم -﵇- إلا بأن أظهر علمه فلو كان في الإمكان وجود شيء من العلم أشرف من العلم لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم.\n(ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ) أي: عرض المسميات (أي الأشياء التي علم آدم أسماءها).","vol":"1","page":140},{"text":"(فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) قال ابن جرير: معنى ذلك: أنبئوني بأسماء من عرضته عليكم أيتها الملائكة القائلون (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) من غيرنا، أم منّا؟ فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني ذريته، وأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وإن جُعلتم فيها أطعتموني، واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس، فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتهم عليكم من خلقي وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم، وعلمه غيركم بتعليمي إياه، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بعد، وبما هو مستتر من الأمور التي هي موجودة عن أعينكم أحرى أن تكونوا غير عالمين، فلا تسألوني ما ليس لكم به علم، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي.\n• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (إن كنتم صادقين) إما أراد به إن كنتم صادقين في أنكم أفضل من هذا المخلوق إن كان قولهم (ونحن نسبح ..) الخ تعريضًا بأنهم أحقاء بذلك، أو أراد إن كنتم صادقين في عدم جدارة آدم بالخلافة كما دل عليه قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها) كان قولهم (ونحن نسبح بحمدك) لمجرد التفويض أو الإعلان للسامعين من أهل الملأ الأعلى بالبراءة من شائبة الاعتراض على ما اخترناه.\n(قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) أقروا واعترفوا بعلم الله وحكمته، وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم، وتعليمه إياهم ما لا يعلمون.\n• قوله تعالى (قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) فيه أدب من الآداب، وهو أن الإنسان إذا سئل عن شيء لا يعلمه: أن يقول: الله أعلم.\nقال القرطبي: الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: الله أعلم، ولا أدري، اقتداء بالملائكة والنبيين والفضلاء من العلماء.\nقال تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم).\nولما سئل النبي -ﷺ-: أي البقاع خير؟ فقال: لا أدري حتى أسأل جبريل، فسأل جبريل: فقال: لا أدري. …\n(إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ) بكل شيء، السر وأخفى (وسبقت مباحث علم الله).\n(الْحَكِيمُ) اسم من أسماء الله متضمن لصفة الحكمة الكاملة لله تعالى، فأوامره وأحكامه وأفعاله كلها لحكمة.\nقال ابن جرير: هو الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.\nوقال ابن كثير: الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالها بحكمته وعدله.\nقال ابن القيم: وقد دلت العقول الصحيحة والفطر السليمة على ما دل عليه القرآن والسنة: أنه سبحانه (حكيم) لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة، لأجلها فعل كما فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل.\nوقال السعدي: فالا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يشرع سدى، الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام الثلاثة لا يشاركه فيها مشارك، فيحكم بين عباده في شرعه، وفي قدره، وجزائه، والحكمة: وضع الأشياء مواضعها، وتنزيلها منازلها.\n• فهو سبحانه حكيم في صنعه، وحكيم في شرعه، فجميع مصنوعاته كلها محكمة، قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) وأما في الشرع فيقول سبحانه (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) فلا يمكن أن يوجد تناقض في القرآن أبدًا.","vol":"1","page":141},{"text":"قال بعض العلماء: الحكمة تكون في صورة الشيء: أي أن خلق الإنسان على هذه الصورة لحكمة، وكذلك خلق الحيوان على هذه الصورة لحكمة.\nوتكون في غايته: أي: أن الغاية من خلق الإنسان لحكمة، وكذلك الحيوانات، وكذلك جميع المخلوقات، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا).\n• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:\nأولًا: أن الله خلق الخلق لحكمة عظيمة، وغاية جليلة وهي عبادته سبحانه حيث قال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). ولم يخلقهم عبثًا وباطلًا كما يظن الكفار والملاحدة، قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ). وقال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ).\nثانيًا: أن خلق الله محكم لا خلل فيه ولا قصور، قال تعالى (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ).\nثالثًا: ونستفيد من معرفتنا أن الله حكيم في كل أفعاله: اقتناع الإنسان بما يجري عليه وما يوجبه الله عليه، لأن ما يجريه الله -\n﷿ - من الأحكام مقرون بالحكمة، فإذا علمت هذا يقينيًا اقتنعت سواء كان هذا من الأحكام الكونية أو الأحكام الشرعية، حتى المصائب التي تنال العباد لاشك أن لها حكمة.\nرابعًا: الرضا بالقضاء والقدر.\n(قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) أي أسماء المسميات التي عرضها الله على الملائكة فعجزوا عنها.\n(فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) تبين للملائكة فضل آدم عليهم.\n(قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم ما غاب في السموات والأرض عنكم.\n(وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) اختلف العلماء ما الذي أبدوه وما الذي كتموه.\nفقيل: الذي أبدوه قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) والذي كتموه: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر واختار هذا ابن جرير.\nوقيل: الذي أبدوه قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)، والذي كتموه هو قولهم: لن يخلق ربنا خلقًا إلا كنا أعلم منه وأكرم.\nقوله تعالى (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) فيه عموم علم الله ﵎ وأنه يعلم السر والعلن، والظاهر والخفي.\nكما قال تعالى (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-179>الفوائد:</span>\n١ - فضل آدم ﵊.\n٢ - أن الإنسان يشرف بالعلم.\n٣ - فضل العلم، ووجه ذلك: أنه سبحانه لما أراد إظهار تفضيل آدم وتمييزه وفضله ميزه عليهم بالعلم، فعلمه الأسماء كلها، فدل على أن العلم أشرف ما في الإنسان، وأن فضله وشرفه إنما هو بالعلم\n٤ - فيه أن كل نعمة وفضل في الإنسان فهي من الله، فيجب الاعتراف بذلك والتواضع.\n٥ - الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: الله أعلم، ولا أدري.\n٦ - وجوب تنزيه الله عن كل نقص.\n٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم، والحكيم.\n٨ - ويتفرع على ذلك عدم الاعتراض على أوامر الله وحدوده، لأن كل شيء يفعله لحكمه.\n٩ - عموم علم الله لكل شيء.\n١٠ - وجوب الخوف من الله ومراقبته، لأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-180>(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِر (٣٤».</span> [البقرة: ٣٤].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) هذا كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم.\nوقال الآلوسي: وحكمة الأمر بالسجود إظهار الاعتراف بفضله ﵇.\n(فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) أي سجدوا جميعًا غير إبليس.\n(أَبَى) امتنع.\n(وَاسْتَكْبَرَ) تعاظم.\n(وَكَانَ مِنَ الْكَافِر) أي: وصار من الكافرين.\n• قوله تعالى (وَكَانَ مِنَ الكافرين) قيل: كان هنا بمعنى صار؛ ومنه قوله تعالى (فَكَانَ مِنَ المغرقين).\nوقال جمهور المتأوّلين: المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر؛ لأن الكافر حقيقةً والمؤمنَ حقيقةً هو الذي قد علم الله منه الموافاة.\nقلت: وهذا صحيح؛ لقوله -ﷺ- في صحيح البخاري (إنما الأعمال بالخواتيم).\nوقيل: إن إبليس عبد اللَّه تعالى ثمانين ألف سنة، وأُعْطي الرياسة والخِزانة في الجنة على الاستدراج؛ كما أعْطى المنافقون شهادة أن لا إله إلا الله على أطراف ألسنتهم، وكما أُعْطي بَلْعَام الاسم الأعظم على طرف لسانه؛ فكان في رياسته والكبر في نفسه متمكن.\n• الكفر لغة: الستر، ومنه سمي الزارع كافرًا، لأنه يستر البذر ويغطيه ويدفنه في الأرض، وسمي الليل كافرًا لأنه يغطي كل شيء، وسميت الكفارة بذلك لأنها تستر الذنب، وسمي الشخص كافرًا لأنه يستر نعمة الله عليه، والكفر بالله ينقسم إلى قسمين:\nأحدهما: كفر استكبار وعناد وإصرار، ومنه كفر إبليس، فهو كفر استكبار كما قال الله (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ).\nوالثاني: كفر جحود وتكذيب وإنكار، كما قال تعالى (وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ)، ومنه كفر قريش حيث قالوا فيما حكى الله عنهم (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).","vol":"1","page":144},{"text":"ويطلق الكفر على المعصية: كما قال -ﷺ- في النساء (تكفرن العشير) وقال -ﷺ- (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) رواه مسلم.\n• قوله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ) اختلف العلماء ما المراد بالملائكة:\nفقيل: ملائكة الأرض فقط.\nوقيل: ملائكة الأرض والسماء.\nونسبه الرازي للأكثر.\nورجحه ابن كثير، لقوله تعالى (فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ).\n• قال القاسمي: اخلتفوا في الملائكة الذين أمروا بالسجود، فقيل: هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض.\nقال تقي الدين ابن تيمية: هذا القول ليس من أقوال المسلمين واليهود والنصارى، وقيل: هم جميع الملائكة حتى جبريل وميكائيل، وهذا قول العامة من أهل العلم بالكتاب والسنة. (تفسير القاسمي).\n• وقال ابن تيمية: ومن قال خلافه فقد رد القرآن بالكذب والبهتان، لأنه سبحانه قال (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) وهذا تأكيد للعموم. (مجموع الفتاوي).\n• قوله تعالى (اسْجُدُوا لِآدَمَ ..) اختلف ما المراد بالسجود:\nفقيل: المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء.\nقال الرازي مضعفًا هذا القول: … فضعيف أيضًا؛ لأن السجود لا شك أنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على\nالأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم التغيير.\nوقيل: كان قبلة والسجدة لله.\nوقيل: السجود لآدم إكرامًا واحترامًا، وهي طاعة لله لأنها امتثال لأمر الله تعالى.\nوهذا القول هو الراجح، فهذا السجود تعظيم لله لأنه امتثال أمره لا عبادة آدم، ولا سجود إلا بأمر الله، والأمر إن كان ممتثلًا به أمر الله فالمطاع فيه الله، ونظيره أن ملَك الموت يقال له: اقبض روح محمد -ﷺ- وسائر الأنبياء، فأي جريمة في الدنيا أعظم من قتل النبي -ﷺ- ونزع روحه، وقتل الأنبياء والأولياء؟ لكن ملك الموت مأمور من الله، فهو مطيع في ذلك الفعل، لأنه إنما فعله بأمر الله.\n• هذا الأمر بالسجود كان قبل خلق آدم كما قال تعالى في الحجر (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ).","vol":"1","page":145},{"text":"• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسجدوا لآدَمَ) لم يبين هنا هل قال لهم ذلك قبل خلق آدم أَو بعد خلقه؟ وقد صرح في سورة الحجر وص؛ بأنه قال لهم ذلك قبل خلق آدم، فقال في الحجر (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)، وقال في سورة ص (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ).\n• إبليس سمي بذلك لأنه أبلَسَ من رحمة الله: أي أيس منها يأسًا لا رجاء بعده.\n• قوله تعالى (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى …) لم يبين سبب رفض واستكبار إبليس عن السجود لكنه بينه تعالى في آيات أخرى كقوله تعالى (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أنا خير).\nوهذا قياس فاسد لأمور:\nأولًا: أنه في مقابلة النص، وأي قياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار.\nثانيًا: أنا لا نسلم أن النار خير من الطين، بل الطين خير من النار، لأن طبيعتها الطيش والإفساد والتفريق، وطبيعته الرزانة والإصلاح.\nثالثًا: أنا لو سلمنا تسليمًا جدليًا أن النار خير من الطين، فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من آدم، لأن شرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع.\n• قوله تعالى: (فسجدوا إلا إبليس) استدل بها بعض العلماء على أن إبليس من الملائكة، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين:\nالقول الأول: أن إبليس ليس من الملائكة بل هو من الجن.\nأ- للآية التي في سورة الكهف (إلا إبليس كان من الجن) والجن غير الملائكة، وهذا نص قرآني صريح في محل النزاع.\nب- ولأن الملائكة معصومين من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس كما قال تعالى عنهم (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).\nج- ولقوله -ﷺ- (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار) رواه مسلم.\nد- أن إبليس له نسل وذرية قال الله تعالى (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو).\nوقالوا إن استثناء الله إياه منهم لا يدل على كونه من جملتهم، وإنما استثناه منهم، لأنه كان مأمورًا بالسجود معهم، فلما دخل معهم في الأمر جاز إخراجه بالاستثناء منهم.","vol":"1","page":146},{"text":"القول الثاني: أنه أصله كان من الملائكة. ونسب هذا القول القرطبي لجمهور العلماء.\nقال القاسمي: قاله ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، واختاره الشيخ موفق الدين، والشيخ أبو الحسن الأشعري، وأئمة المالكية، وابن جرير الطبري. قال البغوي: هذا قول أكثر المفسرين.\nلأنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم. قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) فلولا أنه من الملائكة، لمَا توجه الأمر إليه بالسجود، ولو لم يتوجه الأمر إليه بالسجود لم يكن عاصيًا، ولما استحق الخزي والنكال.\nوقالوا: فإخراجه بالاستثناء منهم دليل على أنه منهم.\n• قال الماوردي: وعلى قول من يقول: إن إبليس كان من الملائكة، فاختلفوا في قوله تعالى (إِلاَّ إِبْلِيسَ كان مِنَ الْجِنِّ) لِمَ سماه الله تعالى بهذا الاسم، على أربعة أقاويل:\nأحدها: أنهم حي من الملائكة يُسَمَّوْن جنًّا كانوا من أشدِّ الملائكة اجتهادًا، وهذا قول ابن عباس.\nوالثاني: أنه جعل من الجنِّ، لأنه من خُزَّانِ الجنَّةِ، فاشتق اسمه منها، وهذا قول ابن مسعود.\nوالثالث: أنه سمي بذلك لأنه جُنَّ عن طاعة ربِّه، وهذا قول ابن زيدٍ.\nوالرابع: أن الجِنِّ لكلِّ ما اجْتَنَّ فلم يظهر، حتى إنهم سَمَّوُا الملائكة جنًا لاستتارهم، وهذا قول أبي إسحاق.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-181>الفوائد:</span>\n١ - إثبات القول لله.\n٢ - بيان فضل آدم على الملائكة، حيت أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا له تعظيمًا له، ولآدم فضائل:\nأنه أبو البشر - خلقه الله بيده - علمه الله أسماء كل شيء - أن الله نفخ فيه من روحه - وأسجد له الملائكة.\n٣ - أن السجود لغير الله إذا كان بأمر الله فهو عبادة، لأن الله تعالى يحكم بما شاء، ويدل على أن المحرم إذا كان بأمر الله كان عبادة قصة إبراهيم -﵇-، حين أمره الله أن يذبح ابنه إسماعيل فامتثل أمر الله.\n٤ - أن ترك السجود لله كفر بالله.\n٥ - أن الأمر يقتضي الوجوب إذا لم يوجد قرينة، وجه الدلالة: أن الله قال للملائكة (اسجدوا) فلما امتنع إبليس وبّخه وحكم عليه بالعصيان وقال (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ). ومما يدل على أن الأمر للوجوب قوله تعالى (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).\n٦ - الحذر من الرجس والسريرة الخبيثة، لأن إبليس غلبه ما في قلبه من الرجس والسريرة الخبيثة حتى استكبر وأبى.\n٧ - طاعة الملائكة لربها.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦».</span> [البقرة: ٣٥ - ٣٦].\n<hr><s0>\n\n(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) يقول تعالى إخبارًا عما أكرم به آدم، بعد أن أمر الملائكة بالسجود له (فسجدوا إلا إبليس) إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها حيث يشاء.\nوسبق معنى الجنة في اللغة، وفي الاصطلاح، والمراد هنا جنة الخلد.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ …) عطف على (وقلنا للملائكة اسجدوا) أي بعد أن انقضى ذلك قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وهذه تكرمة أكرم الله بها آدم بعد أن أكرمه بكرامة الإجلال من تلقاءِ الملائكة، ونداء آدم قبل تخويله سكنى الجنة نداء تنويه بذكر اسمه بين الملإ الأعلى، لأن نداءه يسترعي إسماع أهل الملإ الأعلى فيتطلعون لما سيخاطب به.\n• قال الرازي: قوله (وزوجك) أجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة وفي سائر القرآن ما يدل على ذلك وأنها مخلوقة منه كما قال الله تعالى في سورة النساء (الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) وفي الأعراف (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)، وروي عن رسول الله -ﷺ- أنه قال (إن المرأة خلقت من ضلع الرجل فإن أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها انتفعت بها واستقامت).\n• قال القرطبي: قال العلماء: ولهذا كانت المرأة عَوْجاء؛ لأنها خُلقت من أعوج وهو الضّلع.\n• قال ابن كثير: أَمَرَ اللَّهُ آدَمَ ﵇ أَنْ يَسْكُنَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ الْجَنَّةَ فَقَالَ (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ). وقال في الأعراف (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) وَقَالَ تَعَالَى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى. فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم الجنة؛ لقوله (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) وهذا قد صرح به ابن إسحاق، وَهُوَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَاتِ (البداية والنهاية).","vol":"1","page":149},{"text":"• اختلف العلماء في الجنة التي أسكنها آدم هل هي جنة الخلد أم لا على قولين:\nالقول الأول: أنها ليست جنة الخلد، وإنما جنة في الأرض. واستدلوا:\nقالوا: إن جنة الخلد يكون دخولها يوم القيامة، ولم يأت زمن دخولها.\nوقالوا: وصف الله الجنة بأنها (دار المقامة) فمن دخلها أقام بها، ولم يقم آدم بالجنة التي دخلها.\nوقالوا: إن جنة الخلد دار سلامة مطلقة، لا دار ابتلاء وامتحان، وقد ابتلي فيها آدم بأعظم الابتلاء.\nوقالوا: ولو كان آدم أسكن جنة الخلد، فكيف توصل إليها إبليس الرجس النجس المذموم حتى فتن فيها آدم.\nالقول الثاني: أنها جنة الخلد. واستدلوا:\nبقوله تعالى (اهبطوا) والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل.\nوقالوا: إن الله وصفها بصفات لا تكون إلا في جنات الخلد فقال (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) وهذا لا يكون في الدنيا أصلًا.\nوجاء في الصحيحين في حديث احتجاج آدم وموسى، (قال موسى لآدم: أخرجتنا ونفسك من الجنة) ولو كانت في الأرض فهم قد خرجوا من بساتين، فلم يخرجوا من الجنة.\nوهذا القول هو الصحيح.\n• قال القرطبي: ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخُلْد وإنما كان في جنة بأرض عَدَن.\nواستدلوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليه إبليس، فإن اللَّه يقول (لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) وقال (لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا) وقال (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلاَّ قِيلًا سَلَامًا)، وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله: (وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ)، وأيضًا فإن جنة الخُلْد هي دار القُدْس، قُدّست عن الخطايا والمعاصي تطهيرًا لها، وقد لَغَا فيها إبليس وكَذَب،\nوأُخْرِج منها آدم وحواء بمعصيتهما.\nقالوا: وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخُلْد وهو في دار الخُلْد والمُلْك الذي لا يبلَى؟ فالجواب: أن الله تعالى عَرّف الجنة بالألف واللام؛ ومن قال: أسأل الله الجنة؛ لم يُفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد.\nولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم؛ وقد لَقِي موسى آدم ﵉ فقال له موسى: أنت أشقيتَ ذُرّيتك وأخرجتهم من الجنة؛ فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد المعروفة، فلم ينكر ذلك آدم، ولو كانت غيرها لردّ على موسى؛ فلما سكت آدم على ما قَرّره موسى صحّ أن الدار التي أخرجهم الله ﷿ منها بخلاف الدار التي أُخرجوا إليه.\nوأما ما احتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة، ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد يخرج منها من قُضي عليه بالفناء.","vol":"1","page":150},{"text":"وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها، وقد كان مفاتيحها بيد إبليس ثم انتزعت منه بعد المعصية، وقد دخلها النبيّ -ﷺ- ليلة الإسراء ثم خرج منها وأخبر بما فيها وأنها جنة الخلد حقًا. (تفسير القرطبي).\n(وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا) أي هنيئًا واسعًا طيبًا.\n(حَيْثُ شِئْتُمَا) أي: من أيّ مكان من الجنة أردتما وفي أي زمان.\n(وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) أي فلا تأكلا منها كما قال تعالى (فدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ).\n• قال في التسهيل (وَلَا تَقْرَبَا) النهيُ عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى، وإنما نهى عن القرب سدًّا للذريعة، فهذا أصل في سدّ الذرائع.\n• قال القاسمي: قوله تعالى (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) أي: هذه الحاضرة من الشجر، أي: لا تأكلا منها، وإنما علق النهي بالقربان منها، مبالغة في تحريم الأكل، ووجوب الاجتناب عنه، لأن القرب من الشيء مقتضى الألفة. والألفة: داعية للمحبة، ومحبة الشيء تعمي وتصمّ. فلا يرى قبيحًا، ولا يسمع نهيًا، فيقع. والسبب الداعي إلى الشر منهيّ عنه، كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به. وعلى ذلك قوله -ﷺ- (العينان تزنيان) لما كان النظر داعيًا إلى الألفة، والألفة إلى المحبة، وذلك مفضٍ لارتكابه، فصار النظر مبدأ الزنا. وعلى هذا قوله تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى)، (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).\n• قوله تعالى (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) اختلف العلماء بالمراد بهذه الشجرة:\nفقيل: هي شجرة الكرم.\nوقيل: السنبلة.\nوقيل: شجرة التين، وقيل: غير ذلك.\nوالراجح ما رجحه ابن جرير من عدم تعيين ذلك حيث قال: والصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فأكلا منها، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلًا على ذلك في القرآن ولا في السنة الصحيحة.","vol":"1","page":151},{"text":"• وقال ابن عطية: وليس في شيء من هذا التعيين ما يَعْضُده خبرٌ؛ وإنما الصواب أن يُعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها.\n• فإن قيل: ما وجه الحكمة في تخصيص تلك الشجرة بالنهي؟\nفالجواب: أنه ابتلاء من الله تعالى بما أراد.\nوقال أبو العالية: كان لها ثقل من بين أشجار الجنة، فلما أكل منها: قيل أخرج إلى الدار التي تصلح لما يكون منك (زاد المسير).\n(فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) أي فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله، بمخالفة أمره.\n• قال الرازي: قوله تعالى (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) قال بعض العلماء هذا النهي نهي تحريم ويدل عليه أمور:\nأحدها: أن قوله تعالى (وَلَا تَقْرَبَا هذه الشجرة) كقوله (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ) وقوله (وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ) فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول.\nوثانيها: أنه قال (فَتَكُونَا مِنَ الظالمين) معناه: إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما ألا تراهما لما أكلا (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا).\nوثالثها: أن هذا النهي لو كان نهي تنزيه لما استحق آدم بفعله الإخراج من الجنة ولما وجبت التوبة عليه (تفسير الرازي).\n• هل كان آدم ناسيًا عند ما أكل من الشجرة؟\nقيل: كان ناسيًا.\nلقوله تعالى (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا).\nويضعف هذا القول قوله تعالى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى).","vol":"1","page":152},{"text":"وقيل: إنه كان عامدًا وأنه طمع في جنة الخلد كما في قول إبليس له (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى). والله أعلم.\n• ورجح القرطبي الأول، وقال: قلت: وهو الصحيح لإخبار الله تعالى في كتابه بذلك حَتْمًا وجَزْمًا فقال (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)، ولكن لما كان الأنبياء ﵈ يلزمهم من التحفظ والتيقّظ لكثرة معارفهم وعُلُوّ منازلهم ما لا يلزم غيرهم كان تشاغله عن تذكّر النّهي تضييعًا صار به عاصيًا؛ أي مخالفًا.\n• قال في التسهيل: اختلفوا في أكل آدم الشجرة:\nفالأظهر أنه كان على وجه النسيان، لقوله تعالى (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا).\nوقيل: سكر من خمر الجنة فحينئذٍ أكل منها، وهذا باطل؛ لأن خمر الجنة لا تسكر.\nوقيل: أكل عمدًا وهي معصية صغرى، وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر.\nوقيل: تأوّل آدم أن النهي: كان عن شجرة معينة فأكل من غيرها من جنسها.\nوقيل: لما حلف له إبليس صدقه؛ لأنه ظنّ أنه لا يحلف أحد كذبًا.\n(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ) أي استزلهما، وأوقعهما في الزلل وهو الخطأ.\n• قوله تعالى (عَنْهَا) قيل المراد (عن الجنة) ويكون المعنى: نحاهما الشيطان عن الجنة، وقيل: (عن الشجرة) ويكون المعنى: أزلهما الشيطان بسببها، أي بسبب أكلهما منها.\n• قال في التسهيل: (عَنْهَا) الضمير عائد على الجنة، أو على الشجرة فتكون عن سببية على هذا.\n• وقد بين تعالى في موضع آخر كيف أزلهما وذلك بالقسم والإغواء.\nكما قال تعالى (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى).\nوقال تعالى (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ).\nوقال تعالى عنه (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ).\n• قال القرطبي: ولا خلاف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان متولّي إغواء آدم؛ واختلف في الكيفية: فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة؛ ودليل ذلك قوله تعالى (وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين) والمقاسمة ظاهرها المشافهة.\n• الحذر من مكايد الشيطان، فإنه كاد للأبوين بالأيمان الكاذبة أنه ناصح لهما وأنه إنما يريد خلودهما في الجنة.\nومن مكايده: التخويف بالفقر، وتخويفه للمؤمنين من أوليائه فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف ولا ينهونهم عن المنكر كما قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) وقال تعالى (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَه) المعنى: يخوفكم بأوليائه.","vol":"1","page":153},{"text":"• قال ابن عاشور: وتفيد الآية إثارة الحسرة في نفوس بني آدم على ما أصاب آدم من جراء عدم امتثاله لوصاية الله تعالى وموعظة تُنبِّهُ بوجوب الوقوف عند الأمر والنهي والترغيب في السعي إلى ما يعيدهم إلى هذه الجنة التي كانت لأبيهم وتربيةِ العداوة بينهم وبين الشيطان وجنده إذ كان سببًا في جر هذه المصيبة لأبيهم حتى يكونوا أبدًا ثأرًا لأبيهم مُعادين للشيطان ووسوسته مسيئين الظنون بإغرائه كما أشار إليه قوله تعالى (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة) وقوله هنا (بعضكم لبعض عدو).\nوهذا أصل عظيم في تربية العامة ولأجله كان قادة الأمم يذكرون لهم سوابق عداوات منافسيهم ومَن غلبهم في الحروب ليكون ذلك باعثًا على أخذ الثأر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-183> كيف وسوس إبليس لهما؟.</span>\nقيل: أنه دخل في فم الحية.\nوقيل: أنه مُنع من دخولها مكرمًا، أما على وجه الإهانة فلا يمتنع.\nوقيل: أنه وسوس لهما وهو بالأرض.\nوقيل: أنه وسوس إلى آدم وهو خارج باب الجنة. والله أعلم بالصواب.\n• شاركت حواء بالأكل كما قال تعالى (فأكلا منها).\n(فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) أي من نعيم الجنة من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة.\n(وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) هذا الخطاب لآدم وحواء وإبليس، وهذه العداوة بين آدم وذريته وبين الشيطان، كما قال تعالى (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا).\nوأما ما ورد في قوله بالتثنية (اهبطا منها) قيل المراد آدم وحواء، وقيل: آدم وإبليس وحواء تبع لآدم وهذا الصحيح.\n• قال الرازي: اعلم أن في هذه الآيات تحذيرًا عظيمًا عن كل المعاصي من وجوه:\nأحدها: أن من تصور ما جرى على آدم -﵇- بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة كان على وجل شديد من المعاصي.\nوثانيها: التحذير عن الاستكبار والحسد والحرص.\nوثالثها: أنه ﷾ بين العداوة الشديدة بين ذرية آدم وإبليس، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الحذر.","vol":"1","page":154},{"text":"• فإن قيل ما الحكمة من إهباط آدم من الجنة؟ ذكر ابن القيم ﵀ عدة حكم:\nفقال: ليعود إليها على أحسن أحواله، فأراد سبحانه أن سيذيقه وولده من نصب الدنيا وغمومها وهمومها ما يُعظّم به عندهم مقدار دخولهم إليها في الدار، فإن الضد يظهر حسنه الضد، ولو تربوا في دار النعيم لم يعرفوا قدرها.\nوأيضًا، فإنه سبحانه أراد أن يتخذ منهم أنبياء ورسلًا وأولياء وشهداء يحبهم ويحبونه، فخلّى بينهم وبين أعدائه، وامتحنهم بهم، فلما آثروه وبذلوا نفوسهم وأموالهم في مرضاته ومحابه، نالوا من محبته ورضوانه والقرب منه ما لم يكن ليُنال بدون ذلك أصلًا،\nفدرجة الرسالة والنبوة والشهادة والحب فيه والبغض فيه وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه عنده من أفضل الدرجات، ولم يكن يُنال هذا إلا على الوجه الذي قدّره وقضاه من إهباطه إلى الأرض.\nوأيضًا، فإنه سبحانه له الأسماء الحسنى، فمن أسمائه: الغفور، والرحيم، والحليم، والخافض، الرافع .. ولابد من ظهور آثار هذه الأسماء، فاقتضت حكمته سبحانه أن ينزل آدم وذريته دار يظهر عليهم فيها أثر أسمائه الحسنى، فيغفر لمن يشاء، ويرحم من يشاء، ويخفض من يشاء، ويرفع من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء.\nوأيضًا، فإنه سبحانه الملِك الحق المبين، والملك هو الذي يأمر وينهى، ويثيب ويُعاقب، ويهين ويكرم، ويعز ويذل، فاقتضى ملكه سبحانه أن ينزِل آدم وذريته دارًا تجري عليهم فيها أحكام الملك، ثم ينقلهم إلى دار يُتم عليهم فيها ذلك.\nوأيضًا، فإنه - سبحانه - أنزلهم إلى دار يكون إيمانهم فيها بالغيب هو الإيمان النافع، وأما الإيمان بالشهادة فكل أحد يؤمن يوم القيامة، يوم لا ينفع نفسًا إلا إيمانها في الدنيا، فلو خلقوا في دار النعيم لم ينالوا درجة الإيمان بالغيب، واللذة والكرامة الحاصلة بذلك لا تحصل بدونه.","vol":"1","page":155},{"text":"وأيضًا، فإنه سبحانه لما كان يحب الصابرين، ويحب المحسنين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الشاكرين، وكانت محبته أعلى أنواع الكرامات، اقتضت حكمته أن أسكن آدم وبنيه دارًا يأتون فيها بهذه الصفات التي ينالون بها أعلى الكرامات من محبته، فكان إنزالهم إلى الأرض من أعظم النعم عليهم.\nوأيضًا، فإنه سبحانه جعل عبوديته أفضل درجاتهم - وذكر نبيه باسم العبودية في أعلى الدرجات - اقتضت حكمته أن أسكن آدم وذريته دارًا ينالون فيها هذه الدرجة بكمال طاعتهم لله، وتقربهم إليه بمحابه، وترك مألوفاتهم من أجله.\nوأيضًا: فإنه سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته، ومعلوم أن كمال العبودية المطلوب من الخلق لا يحصل بدار النعيم والبقاء، إنما يحصل في دار المحنة والابتلاء، وأما دار البقاء فدار لذة ونعيم، لا دار ابتلاء وامتحان وتكليف. [مفتاح دار السعادة].\n(وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) أي لكم في الأرض موضع استقرار بالإقامة فيها.\n• قال الرازي: الأكثرون حملوا قوله تعالى (وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ) على المكان، والمعنى أنها مستقركم حالتي الحياة والموت.\n(وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) أي تمتع بنعيمها إلى وقت انقضاء آجالكم وهو الموت، وهذا قول من يقول المستقر هو المقام في الدنيا.\nوقيل: إلى قيام الساعة، وهذا قول من يقول: المستقر هو في القبور.\n• فإن الله كتب الموت على كل نفس:\nقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) وقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) وقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-184>الفوائد:</span>\n١ - إثبات القول لله تعالى.\n٢ - أن الجنة موجودة.\n٣ - حكمة الله في نهيهما عن الأكل من هذه الشجرة.\n٤ - أن الله قد يمتحن العبد، فينهاه عن شيء يحبه.\n٥ - أن معصية الله ظلم للنفس.\n٤ - إثبات عداوة الشيطان وأنه سبب كل شر، كما قال تعالى (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ\nأَصْحَابِ السَّعِيرِ) وقال تعالى (وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) وقال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).\n٥ - إثبات عداوة الشيطان لنا، فإنه هو الذي أخرج الأبوين من الجنة.\n٦ - إثبات علو الله لقوله (اهبطوا) والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل.\n٧ - يجب أن نتخذ الشيطان عدوًا لنا، فنحذر من خطواته وتزيينه ومكره وخداعه.\n٨ - أنه لا دوام لبني آدم في الدنيا لقوله (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومتاع إلى حين).","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-185>(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧».</span> [البقرة: ٣٧].\n<hr><s0>\n\n(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) أي استقبل آدم دعوات من ربه وألهمه إياها فدعاه بها فتاب عليه.\n• وهذه الكلمات هي المفسرة بقوله تعالى (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)\n• قال السعدي (فَتَلَقَّى آدَمُ) أي: تلقف وتلقن، وألهمه الله (مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) وهي قوله (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) الآية، فاعترف بذنبه وسأل الله مغفرته (فَتَابَ) الله (عَلَيْهِ) ورحمه.\n(فَتَابَ عَلَيْهِ) أي رزقه التوبة من خطيئته.\n• قال القرطبي: إن قيل: لم قال (عليه) ولم يقل عليهما، وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع، وقد قال (وَلَا تَقْرَبَا هذه الشجرة) و(قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا) فالجواب:\nأولًا: أن آدم -﵇- لما خوطب في أوّل القصة بقوله (اسكن) خصّه بالذكر في التلقّي؛ فلذلك كملت القصة بذكره وحده.\nوثانيًا: فلأن المرأة حُرمة ومستورة فأراد الله السّتر لها؛ ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله (وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى)\nوثالثًا: لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تُذكر؛ كما لم يذكر فَتَى موسى مع موسى في قوله (أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ).\n• وقال الماوردي: فإن قيل: فِلمَ قال: (فَتَابَ عَلَيْهِ)، ولم يقُلْ: (فتابَ علَيْهِما) والتوبة قد توجهت إليهما؟\nقيل: عنه جوابان:\nأحدهما: لما ذكر آدم وحده بقوله: (فَتَلَّقى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ)، ذكر بعده قبول توبته، ولم يذكر توبة حوَّاء - وإن كانت مقبولة التوبة - لأنه لم يتقدم ذكرها.\nوالثاني: أن الاثنين إذا كان معنى فعلهما واحدًا، جاز أن يذكرَ أحدهما، ويكونَ المعنى لهما، كما قال تعالى (وَإذَا رَأَوا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا)، وكما قال ﷿ (وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ).\n(إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ) اسم من أسماء الله، والتواب صيغة مبالغة لكثرة توبته وكثرة من يتوب عليهم.\nمعناه: التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه.\n• قال السعدي: هو التائب على التائبين أولًا: بتوفيقهم للتوبة، والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب على التائبين بعد توبتهم قبولًا لها وعفوًا عن خطاياهم.\n• ووصف نفسه سبحانه بالتواب - وهي صيغة مبالغة - لكثرة من يتوب عليهم، ولكثرة توبته على العبد","vol":"1","page":158},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-186> وتوبة الله على العبد نوعان:</span>\nأحدهما: توفيق الله للعبد للتوبة، كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) بمعنى وفقهم للتوبة ليتوبوا.\nالثاني: قبولها من العبد إذا تاب، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ). [قاله الشيخ ابن عثيمين].\n\n•<span data-type='title' id=toc-187> أثر الإيمان بهذا الاسم:</span>\nأولًا: أن الله يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، مهما كثرت وعظمت.\nقال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).\nوقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ).\nثانيًا: إفراد الله بالتوبة وطلب العفو وغفران الذنوب، لأنه لا يغفر الذنوب ولا يوفق إلى التوبة ويقبلها إلا الله وحده كما قال تعالى (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ).\nثالثًا: الحياء من الله، البر الرحيم التواب الغفور، الذي يفرح بتوبة عبده، وهذا الحياء إذا تمكن من القلب أثمر تعظيمًا لله وحياء منه، ومبادرة إلى طاعته وترك معاصيه قدر الجهد والاستطاعة.\nرابعًا: عدم اليأس من رحمة الله، والقوة في رجائه.\n(الرَّحِيمُ) اسم من أسماء الله دال على إثبات صفة الرحمة الواسعة لله تعالى، كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) وقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type='title' id=toc-188>والرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان:</span>\nالأول: رحمة ذاتية موصوف بها سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه، يجب إثباتها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، كما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ).\nالثاني: رحمة مخلوقة أنزل الله منها رحمة واحدة يتراحم بها الخلائق وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة يرحم الله بها عباده يوم القيامة.\nكما قال -ﷺ- (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) رواه مسلم، ومن ذلك ما جاء في قوله -ﷺ- (إن الله ﷿ قال عن الجنة: أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء …) وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى، بل هي من أثر رحمته التي هي صفته الذاتية الفعلية.\n\n•<span data-type='title' id=toc-189> ورحمة الله تعالى لعباده نوعان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-190>الأولى: رحمة عامة.</span>\nوهي لجميع الخلائق بإيجادهم، وتربيتهم، ورزقهم، وإمدادهم بالنعم والعطايا، وتصحيح أبدانهم، وتسخير المخلوقات من نبات وحيوان وجماد في طعامهم وشرابهم، ومساكنهم، ولباسهم، وحركاتهم، وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى\n\n<span data-type='title' id=toc-191>الثانية: رحمة خاصة.</span>\nوهذه الرحمة لا تكون إلا للمؤمنين فيرحمهم الله في الدنيا بتوفيقهم إلى الهداية والصراط المستقيم، ويثبتهم عليه، ويدافع عنهم وينصرهم على الكافرين ويرزقهم الحياة الطيبة ويبارك لهم فيها، ويمدهم بالصبر واليقين عند المصائب، ويغفر لهم ذنوبهم، ويكفرها بالمصائب، ويرحمهم في الآخرة بالعفو عن سيئاتهم والرضا عنهم والإنعام عليهم بدخول الجنة، كما قال تعالى (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا).\nقال الشيخ ابن عثيمين: فهي رحمة إيمانية دينية دنيوية.\n• ومن أعظم آثار رحمة الله تعالى إرسال الرسل وإنزال الكتب هداية للناس وإخراجًا لهم من الظلمات إلى النور، كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) وقال تعالى (ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ).","vol":"1","page":160},{"text":"• ومن رحمته: سبحانه مغفرته لذنوب عباده بالصفح عنهم، وتكفير سيئاتهم، وفتح باب التوب لهم، كما قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).\n• ينبغي على العبد أن يتصف بصفة الرحمة، فقد مدح بها أشرف رسله فقال (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)، ومن أسمائه -ﷺ- (نبي الرحمة) ومدح الصحابة بقوله (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، وخص أبو بكر من بينهم بقوله (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر).\n\n•<span data-type='title' id=toc-192> الآثار المرتبة على معرفتنا بهذا الاسم:</span>\nأولًا: محبة الله المحبة العظيمة، وذلك حينما يفكر العبد وينظر في آثار رحمة الله في الآفاق وفي النفس والتي لا تعد ولا تحصى، وهذا يثمر تجريد المحبة لله والعبودية الصادقة له سبحانه وتقديم محبته على النفس والأهل والمال والناس جميعًا.\nثانيًا: عبودية الرجاء والتعلق برحمة الله وعدم اليأس من رحمة الله تعالى، فإن الله قد وسعت رحمته كل شيء، وحسن الظن بالله وانتظار الفرج بعد الشدة من أجل العبادات.\nثالثًا: اتصاف العبد بالرحمة وبذلها لعباد الله ﵎، وقد حض الله عباده على التخلق بها، ومدح بها أشرف رسله فقال (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) ومن أسمائه -ﷺ- أنه نبي الرحمة، ومدح الصحابة بقوله (رحماء بينهم) وخُص أبو بكر بينهم بالكمال البشري في الرحمة بعد الرسل حيث قال -ﷺ- فيه (أرحم أمتي أبو بكر) رواه أحمد.\nرابعًا: التعرض لرحمة الله بفعل أسبابها.","vol":"1","page":161},{"text":"• وإذا كان الله رحيمًا فينبغي أن يعمل ب<span data-type='title' id=toc-193>الأسباب التي تنال بها الرحمة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-194>أولًا: رحمة الناس.</span>\nقال -ﷺ- (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.\nوقال -ﷺ- (إنما يرحم الله من عباده الرحماء).\nوقال -ﷺ- (والشاة إن رحمتها رحمك الله).\n\n<span data-type='title' id=toc-195>ثانيًا: الإحسان.</span>\nقال تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-196>ثالثًا: طاعة الرسول -ﷺ</span>-.\nقال تعالى (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)\n\n<span data-type='title' id=toc-197>رابعًا: السماحة في البيع والشراء.</span>\nقال رسول الله -ﷺ- (رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى). رواه البخاري.\n\n<span data-type='title' id=toc-198>خامسًا: عيادة المريض.</span>\nقال رسول الله -ﷺ- (من عاد مريضًا خاض في الرحمة).\n\n<span data-type='title' id=toc-199>سادسًا: قيام الليل وإيقاظ الأهل.</span>\nقال رسول الله -ﷺ- (رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وايقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء) رواه أبو داود.\n\n<span data-type='title' id=toc-200>سابعًا: الحلق في النسك.</span>\nقال رسول الله -ﷺ- (اللهم ارحم المحلقين ثلاثًا) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-201>ثامنًا: مجالس الذكر.</span>\nقال رسول الله -ﷺ- (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-202>تاسعًا: الجلوس في المسجد.</span>\nقال رسول الله -ﷺ- (إن الملائكة تستغر للمصلي مادام في مصلاه تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه) متفق عليه.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-203>عاشرًا: سماع حديث الرسول وتبليغه.</span>\nقال رسول الله -ﷺ- (رحم الله من سمع مني حديثًا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع) رواه ابن حبان.\n\n<span data-type='title' id=toc-204>الحادي عشر: الإنصات للقرآن.</span>\nقال تعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-205>الثاني عشر: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.</span>\nقال تعالى (وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-206>الثالث عشر: الاستغفار.</span>\nقال تعالى (لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-207> والحكمة من قرن توبته برحمته:</span>\nأولًا: أن الله تعالى رحيم بعباده فلا يعاقبهم بعد التوبة.\nثانيًا: أنه تعالى لا يخذل ولا يرد من جاء منهم تائبًا، ولو بلغت ذنوبه عنان السماء وملء الأرض.\nثالثًا: أن قبوله لتوبة عباده تفضل منه عليهم، وهو مقتضى رحمته تعالى بهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-208>الفوائد:</span>\n١ - منّة الله تعالى على أبينا آدم حيث وفقه لهذه الكلمات التي كانت بها توبته.\n٢ - سعة رحمة الله حيث يقبل توبة التائبين.\n٣ - إثبات القول لله تعالى.\n٤ - إثبات هذين الاسمين الكريمين (التواب) و(الرحيم).\n٥ - أن التوبة واجبة على كل أحد، وأن التائب قد يرجع بعد توبته إلى حال أحسن من قبل.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-209>(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩».</span> [البقرة: ٣٨ - ٣٩].\n<hr><s0>\n\n(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً) يقول تعالى مخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة، والمراد الذرية، أنه سينزل الكتب ويبعث الأنبياء والرسل كما قال أبو العالية: الهدى: الأنبياء والرسل والبينات والبيان.\n• قوله تعالى (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا) كرّر الأمر بالهبوط:\nقيل: كرّره على جهة التغليظ وتأكيده؛ كما تقول لرجل: قُمْ قُمْ.\nوقيل: كرّر الأمر لما علّق بكل أمر منهما حُكمًا غيرَ حُكم الآخر؛ فعلّق بالأوّل العداوة، وبالثاني إتيان الهدى (فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف، فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضله\nهلك). (وهذا اقرب الأقوال والله أعلم) ورجحه ابن كثير ﵀.\nوقيل: الهبوط الأوّل من الجنة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض.\nويضعف هذا الوجه قوله في الهبوط الأول (ولكم في الأرض مستقر).\n(فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) أي من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل.\n• قال ابن القيم: أيَّ وقتٍ وأيَّ حين أتاكم مني هدى.\n(فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) أي فيما يستقبلونه من أمر الآخرة.\n(وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) على ما فاتهم من أمور الدنيا، فهم في سرور دائم، لا يعرض لهم حزن على ما فات.\nكما قال في سورة طه (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).\n• قال ابن القيم: إن الله سبحانه جعل اتباع هداه وعهده الذي عهده إلى آدم سببًا ومقتضيًا لعدم الخوف والأمن والضلال والشقاء، وهذا الجزاء ثابت بثبوت الشرط، منتف بانتفائه.\nونفي الخوف والحُزن عن متبع الهدى نفيٌ لجميع أنواع الشرور، فإن المكروه الذي ينزل بالعبد متى علِم بحصوله فهو خائف منه أن يقع به، وإذا وقع به فهو حزين على ما أصابه منه، فهو دائمًا في خوف وحزن، فكل خائف حزين، وكل حزين خائف.\n• قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى).","vol":"1","page":164},{"text":"• قال السعدي: رتب على اتباع هداه أربعة أشياء: نفي الخوف والحزن والفرق بينهما، أن المكروه إن كان قد مضى، أحدث الحزن، وإن كان منتظرًا، أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه، وإذا انتفيا، حصل ضدهما، وهو الأمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه، وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه، حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه، من الخوف، والحزن، والضلال، والشقاء، فحصل له المرغوب، واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه، فكفر به، وكذب بآياته.\n(وَالَّذِينَ كَفَرُوا) ولم يؤمنوا بالله ولا برسوله (وسبق تعريف الكفر).\n(وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أي: الآيات الشرعية، وهي الوحي المنزل من الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-210>وآيات الله تنقسم إلى قسمين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-211>الآيات الكونية القدرية.</span> (فهي مما نشاهده مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها).\nوهي ما نصبه الله (جل وعلا) ليدل به خلقه على أنه الواحد الأحد المستحق للعبادة، كالشمس والسماء والأرض ونحوها، وكل ما في الكون من مخلوقات الله شاهد بكمال الله وقدرته وعزته وأنه المستحق للعبادة.\nقال تعالى (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: لعلامات واضحة جازمة قاطعة بأن من خلقها هو رب هذا الكون، وهو المعبود وحده.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>الآيات الشرعية الدينية،</span> كآيات هذا القرآن العظيم. (لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله).\nومنه قوله تعالى (رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ).","vol":"1","page":165},{"text":"وسميت آيات، جمع آية، لأنها علامة على صدق من جاء بها.\nالكفر بالآيات الكونية يكون بأمور: أن يجحد أن الخالق سبحانه خلقها فيدعي أن الذي خلقها غير الله، أو أن يعتقد أن له شريكًا في خلقه، أو أن له معينًا في خلقه.\nوالكفر بالآيات الشرعية إما بجحودها، أو بتكذيبها، أو بالاستكبار والعناد.\n(أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) الملازمون لها ملازمة الصاحب لصاحبه، والغريم لغريمه، لأن الأصل في الصحبة طول الملازمة.\nوالنار هي الدار التي أعدها الله للكافرين.\n• قوله تعالى (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) وهذا الأسلوب يطلق على الذين يخلدون فيها، فالمؤمن العاصي - وإن كان يستحق العذاب بالنار - فإنه لا يسمى من أصحاب النار، لأن الأصل في الصحبة طول الملازمة.\n(هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون.\n• وقد ذكر الله تأبيده لأهل النار في ثلاث آيات من القرآن الكريم.\nفي سورة النساء: قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا).\nوفي سورة الأحزاب: قال تعالى (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا).\nوفي سورة الجن: قال تعالى (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-213>الفوائد:</span>\n١ - إثبات علو الله.\n٢ - الحكمة في إنزال آدم من الجنة.\n٣ - أن الهدى من الله.\n٤ - وجوب اتباع هدى الله الذي أنزله على رسله وبكتبه.\n٥ - إثبات الأمن وعدم الخوف لمن اتبع هدى الله.\n٦ - الخوف والحزن والقلق لكل من لم يتبع هدى الله.\n٧ - أن النار دار للكفار ملازمين لها لا يخرجون منها.\n٨ - إثبات الخلود المؤبد للكفار في النار.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-214>(يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١».</span> [البقرة: ٤٠ - ٤١].\n<hr><s0>\n\n(يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) يقول تعالى آمرًا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومهيجًا لهم بذكر أبيهم إسرائيل وهو نبي الله يعقوب ﵇، وتقديره يا بني العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) أي اذكروا نعمي عليكم الكثيرة كالإنجاء من فرعون، وإغراق فرعون وقومه، وجعل منهم الأنبياء والمرسلين وغيرها.\nكما قال تعالى (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى).\nوقال تعالى (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ).\nوقال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ).\n• قوله (نعمتي) والنعمة هنا اسم جنس، فهي مفردة بمعنى الجمع، قال الله تعالى (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا) أي نِعمَه.\n• قوله (اذكروا نعمتي) أي اذكروها بقلوبكم واذكروها بألسنتكم لتقوموا بشكرها.\n• والضمير في (عليكم) يراد به على آبائكم كما تقول العرب ألم نهزمكم يوم كذا لوقعه كانت بين الآباء والأجداد.\n• إسرائيل: لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل.\n• قال الرازي: واعلم أنه ﷾ إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه:\nأحدها: أن في جملة النعم ما يشهد بصدق محمد -ﷺ- وهو التوراة والإنجيل والزبور.\nوثانيها: أن كثرة النعم توجب عظم المعصية فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد -ﷺ- وبالقرآن.","vol":"1","page":168},{"text":"وثالثها: أن تذكير النعم الكثيرة يوجب الحياء عن إظهار المخالفة.\n• قال ابن عاشور: والمراد بالنعمة هنا جميع ما أنعم الله به على المخاطبين مباشرة أو بواسطة الإنعام على أسلافهم فإن النعمة على الأسلاف نعمة على الأبناء لأنها سمعة لهم، وقدوة يقتدون بها، وبركة تعود عليهم منها، وصلاح حالهم الحاضر كان بسببها، وبعض النعم يكون فيما فطر الله عليه الإنسان من فطنة وسلامة ضمير وتلك قد تورث في الأبناء، ولولا تلك النعم لهلك سلفهم أو لساءت حالهم فجاء أبناؤهم في شر حال.\n(وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) أي أدوا ما عهد إليكم من الإيمان بالنبي محمد -ﷺ- إذا بعث.\n• وهذا العهد ذكره الله في موضع آخر فقال سبحانه (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا).\n(أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) وهو قوله تعالى (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ).\n(وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) أي فاخشون، قال ابن كثير: وقال ابن عباس في قوله تعالى (وإياي فارهبون) أي إن نزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره.\n• قال ابن كثير: وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول -ﷺ- والاتعاظ بالقرآن وزواجره وامتثال أوامره وتصديق أخباره والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\n• الرهبة: أشد الخوف.\n\n•<span data-type='title' id=toc-215> والخوف ثلاثة أنواع:</span>\nالأول: خوف طبيعي كخوف الإنسان من السبع والنار والغرق، وهذا لا يلام عليه العبد، قال تعالى عن موسى (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ).\nالثاني: خوف العبادة، أن يخاف أحدًا يتعبد بالخوف له فهذا لا يكون إلا لله، وصرفه لغير الله شرك أكبر.\nالثالث: خوف السر، كأن يخاف صاحب القبر، أو وليًا بعيدًا عنه لا يؤثر فيه، لكنه يخافه مخافة سر، فهذا ذكره العلماء من الشرك.","vol":"1","page":169},{"text":"(وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) يعني بالقرآن الذي أنزل على محمد -ﷺ- النبي الأمي العربي بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا مشتملًا على الحق من الله تعالى مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.\n• قال أبو العالية ﵀ في قوله تعالى (وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم) يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم، يقول لأنهم يجدون محمدًا -ﷺ- مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.\n• قال الرازي: اعلم أن المخاطبين بقوله (وَءامِنُواْ) هم بنو إسرائيل ويدل عليه وجهان:\nالأول: أنه معطوف على قوله (اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) كأنه قيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي وآمنوا بما أنزلت.\nالثاني: أن قوله تعالى: (مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ) يدل على ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-216> قوله تعالى (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) التصديق لما معهم له معنيان:</span>\nأولًا: أنه شاهد لها بالصدق، وقد شهد القرآن أن التوراة والإنجيل كليهما من عند الله.\nثانيًا: أنه جاء مطابقًا لما أخبرت به.\n(وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) أي: ولا تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم.\nفالضمير في قوله (به) عائد إلى القرآن والمعنى: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن وحقكم أن تؤمنوا به.\n• فإن قيل: كيف قال (أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) مع أن كفار قريش بمكة قد كفروا قبلهم؟\nالجواب: قال ابن كثير: يعني (به) أول من كفر به من بني إسرائيل، لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن فكفْرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم.","vol":"1","page":170},{"text":"• اختار ابن جرير أن الضمير في قوله (به) عائد على محمد -ﷺ-، وكلا القولين صحيح لأنهما متلازمان.\n(وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) أي لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها، فإنها قليلة فانية، فإنهم يعتقدون أن هذه المناصب - كالرياسة والمال والجاه والمآكل - تنقطع إذا آمنوا بالله ورسوله.\n• قال ابن عاشور: عطف على النهي الذي قبله وهذا النهي موجَّه إلى علماء بني إسرائيل وهم القدوة لقومهم، والمناسبة أن الذي صدهم عن قبول دعوة الإسلام هو خشيتهم أن تزول رئاستهم في قومهم فكانوا يتظاهرون بإنكار القرآن ليلتف حولهم عامة قومهم فتبقى رئاستهم عليهم، قال النبي -ﷺ-: لو آمن بي عشرة من اليهود لآمَن بي اليهودُ كلهم.\nوقال ﵀: ووجه المشابهة بين إعراضهم وبين الاشتراء، أن إعراضهم عن آيات القرآن لأجل استبقاء السيادة، والنفع في الدنيا يشبه استبدال المشترِي في أنه يعطي ما لا حاجة له به ويأخذ ما إليه احتياجه وله فيه منفعته.\nوقال ﵀: (ثمنًا قليلًا) وقد أجمل العوض الذي استبدلوا به الآيات فلم يبين أهو الرئاسة أو الرشى التي يأخذونها ليشمل ذلك اختلاف أحوالهم فإنهم متفاوتون في المقاصد التي تصدهم عن اتباع الإسلام على حسب اختلاف همهم.\n• قال القرطبي: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول مَن فعل فعلهم.\nسئل الحسن البصري عن قوله تعالى (ثَمَنًا قَلِيلًا) قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها.\n• فالثمن القليل: يشمل المال والمنصب والجاه والشهرة والرفعة، فإن أحبار اليهود لو آمنوا بمحمد -ﷺ- لذهبت عنهم بعض ما هم فيه من المكانة والمنزلة والرفعة.\nوقد صدق من قال من السلف: من أحب أن يعرف ذهب دينه.\nقال الحسن -﵀: عقوبة العالم موت القلب، قيل له: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة (جامع بيان العلم وفضله).\nقال محمد بن عمر الأسلمي - توفي سنة (٢٠٧ هـ) -﵀: لقد كان الرجلان يتقاولان بالمدينة في أول الزمان، فيقول أحدهما لصاحبه: لأنت أفلس من القاضي، فصار القضاة اليوم ولاة وجبابرة وملوكًا وأصحاب غلات وضياع وتجارات وأموال! (الطبقات الكبرى).","vol":"1","page":171},{"text":"قال يوسف بن زكريا -﵀: كان محمد بن يوسف، لا يشتري من خباز واحد، ولا من بقال واحد، وقال: لعلهم يعرفوني فيحابوني، فأكون ممن أعيش بديني؟ (حلية الأولياء).\nجلس الحسن -﵀ - يُحَدّث فأُهدِيَ له فردَّه، وقال: إن من جلس هذا المجلس ثم قَبِل، فليس له عند الله خلاق، أو قال: فليس له خلاق (الزهد لأحمد).\nقال وهب بن منبه - توفي سنة (١١٤ هـ) -﵀: كان العلماء من قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إليها، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم، فأصبح أهل العلم يبذلون لأهل الدنيا عِلمَهُم رغبة في دنياهم، وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم، لما رأوا من سوء موضعه عندهم. (حلية الأولياء).\nقال أبو حازم -﵀ - لا تكون عالمًا حتى تكون فيك خصال: لا تبغ على من فوقك ولا تحقر من دونك ولا تأخذ على علمك دنيا. (المداراة).\nقال مطرف بن عبد الله -﵀ - إن أقبحَ ما طُلبت به الدنيا عملُ الآخرة. (حلية الأولياء).\nقال شميط بن عجلان -﵀ - يعمد أحدهم فيقرأ القرآن ويطلب العلم، حتى إذا علمه أخذ الدنيا فضمها إلى صدره، وحملها على رأسه، فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: امرأة ضعيفة، وأعرابي جاهل، وأعجمي، فقالوا: هذا أعلم بالله منا، لو لم ير في الدنيا ذخيرة ما فعل هذا، فرغبوا في الدنيا وجمعوها. وكان أبي يقول: فمثله كمثل الذي قال الله ﷿ (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) (حلية الأولياء).\nقال خالد بن دُرَيك -﵀ -: خرج ابن محيريز إلى بزاز يشتري منه ثوبًا والبزاز لا يعرفه قال: وعنده رجل يعرفه فقال: بكم هذا الثوب قال الرجل: بكذا وكذا فقال الرجل الذي يعرفه: أحسن إلى ابن محيريز، فقال ابن محيريز: إنما جئت أشتري بمالي ولم أجئ أشتري بديني فقام ولم يشتر. (حلية الأولياء).\nقال ابن المبارك -﵀ - إنما الناس العلماء والملوك والزهاد، والسفلة الذين يأكلون بدينهم أموال الناس بالباطل ثم قرأ (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل).\nقال (يأكلون الدنيا بالدين، قال: فبكى فضيل بن عياض بكاءًا شديدًا ثم قال: كذب من قال: إنه لا يأكل بدينه أنا - والله - آكل بديني. (شعب الإيمان).\n• وقد ذكر العلامة المعلمي أن المنزلة والجاه من موانع الهداية فقال ﵀ بعد أن ذكر الوجه الأول:\nالوجه الثاني: أن يكون قد صار له في الباطل جاه وشهرة ومعيشة، فيشق عليه أن يعترف بأنه باطل فتذهب تلك الفوائد.\n(وَإِيَّايَ) أي: لا غيري.\n(فَاتَّقُونِ) هذا أمر لهم بالتقوى، أي اتقون وخافون دون غيري.","vol":"1","page":172},{"text":"• التقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\nوقد عرفها بعضهم بقوله: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله.\nوقال ابن مسعود (اتقوا الله حق تقاته) قال: أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يُكفر.\n\n<span data-type='title' id=toc-217>الفوائد:</span>\n١ - وجوب ذكر نعمة الله على العبد.\n٢ - أن ذكر نعمة الله موجب للشكر والانقياد.\n٣ - أن من أساليب الدعوة تذكير العبد بنعم الله عليه.\n٤ - أن من وفى الله بعهد وفى الله له.\n٥ - وجوب الوفاء بالعهد.\n٦ - أن الجزاء من جنس العمل.\n٧ - وجوب الخوف من الله لا من غيره.\n٨ - يجب على كل الناس الإيمان بمحمد -ﷺ-.\n٩ - ذم من قدم الدنيا على الآخرة، واختار المتاع الزائل على الآخرة الباقية.\n١٠ - أن من اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا ففيه شبه من اليهود، فمن يطلب العلم للدنيا والمنصب، ففيه شبه من اليهود، وقد قال سفيان: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود.\n١١ - أن متاع الدنيا - مهما كثر وتنوع وعظم - فهو قليل بالنسبة للآخرة، لأنه يزول، ومنغص بالأكدار والمصائب، قال تعالى (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا).\n١٢ - وجوب تقوى الله.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-218>(وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣».</span> [البقرة: ٤٢ - ٤٣].\n<hr><s0>\n\n(وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) يقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق، وإظهارهم الباطل (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ).\n• قال الشنقيطي: الحق الذي لبسوه بالباطل هو إيمانهم ببعض ما في التوراة، والباطل الذي لبسوا به الحق هو كفرهم ببعض ما في التوراة وجحدهم له كصفات رسول الله -ﷺ- وغيرها مما كتموه وجحدوه، وهذا بينه قوله تعالى (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).\n• قال القرطبي: اللَّبْس: الخلط، لَبَست عليه الأمر ألبِسه، إذا مزجتَ بيّنه بمُشْكله وحقَّه بباطله، قال الله تعالى (وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) وفي الأمر لُبْسة؛ أي ليس بواضح.\n(وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به.\n(وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: وأنتم تجدونه مكتوبًا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.\n• قال ابن عاشور: (وأنتم تعلمون) حال وهو أبلغ في النهي لأن صدور ذلك من العالم أشد، فمفعول (تعلمون) محذوف دل عليه ما تقدم، أي وأنتم تعلمون ذلك أي لَبسكم الحق بالباطل.\n(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أي: أدوها على وجه المطلوب، بخشوعها وواجباتها وسننها.\n• وفي هذا أن الصلاة موجودة في الأمم السابقة كما قال تعالى (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ).\n(وَآتُوا الزَّكَاةَ) أي أعطوا الزكاة الواجبة عليكم لمستحقيها.\n• الإيتاء: هو الإعطاء قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ).","vol":"1","page":174},{"text":"• الزكاة: هي: قدر واجب في مال مخصوص، لطائفة أو جهة مخصوصة.\nوسميت بذلك: لأنها تزكي المال، وتزكي صاحب المال، كما قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ)، بل وتزكي المجتمع كله، فتنتشر المحبة والوئام والإخاء.\n(وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) أي وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخص ذلك وأكمله الصلاة.\n\n<span data-type='title' id=toc-219>الفوائد:</span>\n١ - وجوب بيان الحق.\n٢ - تحريم كتمان الحق أو تلبيسه.\n٣ - أن كتم الحق من صفات اليهود.\n٤ - الحذر من التشبه بصفات اليهود، ومن أبرزها: كتم العلم، والحسد، والبخل.\n٥ - وجوب إقامة الصلاة على أكمل وجه.\n٦ - أن الصلاة مشروعة في الأمم الماضية.\n٧ - وجوب إيتاء الزكاة إذا توفرت شروطها.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-220>(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤».</span> [البقرة: ٤٤].\n<hr><s0>\n\n(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) يقول تعالى: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر وهو جماع الخير، أن تنسوا أنفسكم (أي: تتركونها) فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله؟\nقال ابن عباس: نزلت في اليهود، كان الرجل يقول لقرابته من المسلمين في السر: اثبت على ما أنت عليه فإنه حق.\n• قال الشوكاني: قوله (وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب) جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع، وأشد توبيخ، وأبلغ تبكيت: أي: كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به؟ وأنتم من أهل العلم العارفين بقبح هذا الفعل، وشدّة الوعيد عليه، كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه، والآيات التي تقرءونها من التوراة. والتلاوة: القراءة، وهي المراد هنا، وأصلها الإتباع؛ يقال تلوته: إذا تبعته، وسمي القارئ تاليًا، والقراءة تلاوة؛ لأنه يتبع بعض الكلام ببعض على النسق الذي هو عليه.\nوقوله (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) استفهام للإنكار عليهم.\n• قوله تعالى (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) المراد بالكتاب هنا التوراة، وهذا قول أكثر العلماء.\n(أَفَلا تَعْقِلُونَ) أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم، فتنتبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم.\n• قال الطبري: أي أفلا تفقهون وتفهمون.\n• قال الرازي: قوله (أفلا تعقلون) فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم ونظيره قوله تعالى: (أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) وسبب التعجب وجوه:\nالأول: أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى تحصيل المصلحة وتحذيره عما يوقعه في المفسدة، والإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل\nمتناقض لا يقبله العقل فلهذا قال (أفلا تعقلون).","vol":"1","page":176},{"text":"الثاني: أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سببًا لرغبة الناس في المعصية لأن الناس يقولون أنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات وإلا لما أقدم على المعصية فيصير هذا داعيًا لهم إلى التهاون بالدين والجراءة على المعصية، فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن المعصية ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء، فلهذا قال (أفلا تعقلون).\nالثالث: أن من وعظ فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه نافذًا في القلوب، والإقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول، فمن وعظ كان غرضه أن يصير وعظه مؤثرًا في القلوب، ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثرًا في القلوب، فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء، ولهذا قال علي -﵁-: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك.\n• قال السعدي: وسمى العقل عقلا لأنه يعقل به ما ينفعه من الخير، وينعقل به عما يضره، وذلك أن العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه، فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن الشر فلم يتركه، دل على عدم عقله وجهله، خصوصًا إذا كان عالمًا بذلك، قد قامت عليه الحجة.\n• قوله تعالى (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) أي: وتتركون أنفسكم، فالنسيان هنا المراد به الترك.\nوالنسيان في القرآن يطلق على معنيين:\nالمعنى الأولى: بمعنى الترك: ومنه قوله تعالى (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) نسوا الله: أي: تركوه فلم يقوموا بحقه، فنسيهم: تركهم سبحانه فلم يجبهم، ومنه قوله تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ) أي تركوه (فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) أي: جعلهم ينسونها ويغفلون عنها ويتركونها إذا لم يعطوا الله حقه، ومنه قوله تعالى (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ) أي: نترككم في النار.\nالمعنى الثاني: الذهول عن الشيء المعلوم، ومنه قوله تعالى (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) المراد بالنسيان: الذهول عن شيء معلوم، فالله تعالى أحصاه، لكن هؤلاء نسوه، وهذا المعنى لا يوصف به الله تعالى.","vol":"1","page":177},{"text":"• التوبيخ بالآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر، فإن الأمر بالمعروف وهو واجب، ولكن الواجب والأولى أن يفعله مع أمرهم به ولا يتخلف عنهم، فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء.\nوذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف، قال ابن كثير: والصحيح: أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه، قال مالك عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق من ذا الذي ليس فيه شيء؟\nقال الحسن لمطرف بن عبد الله: عظ أصحابك، فقال: إني أخاف أن أقول مالا أفعل، قال يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول، ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر.\n• قال الشوكاني: الهمزة في قوله (أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر) للاستفهام مع التوبيخ للمخاطبين، وليس المراد توبيخهم على نفس الأمر بالبر، فإنه فعل حسن مندوب إليه، بل بسبب ترك فعل البر المستفاد من قوله (وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُم).\n• قال السعدي: وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما، لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير، وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم\nبالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-221>الفوائد:</span>\n١ - ذم من يأمر الناس بالطاعة والبر ولا يفعل ذلك.\nقال تعالى (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ).\nعن أسامة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: يا فلان ما أصابك، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) رواه البخاري ومسلم.\nعن أنس بن مالك -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت من هؤلاء؟ قالوا: خطباء أمتك من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون) رواه أحمد.\n٢ - توبيخ العالم المخالف لما يأمر به.\n٣ - أن من أمر بمعروف ولم يفعله، أو نهى عن منكر وفعله من هذه الأمة، ففيه شبه من اليهود.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-222>(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٥».</span> [البقرة: ٤٥].\n<hr><s0>\n\n(وَاسْتَعِينُوا) أي اطلبوا العون على أموركم الدنيوية والأخروية.\n(بِالصَّبْرِ) على فعل الطاعات، وبالصبر عن المعاصي، وبالصبر على أقدار الله المؤلمة.\nوالصبر شرعًا: هو حبس النفس على حكم الله.\nوحكم الله نوعان: أحدهما: قدري، والآخر شرعي.\nوقيل: الصبر احتمال وثبات على ما لا يلائم.\n• قال السعدي: أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه، وهو الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها، والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليه معونة عظيمة على كل أمر من الأمور، ومن يتصبر يصبره الله.\nفلا نجاح في الدنيا، ولا فلاح في الآخرة إلا بالصبر.\nفلولا صبر الزارع على بذره ما حصد، ولولا صبر الغارس على غرسه ما جنى، ولولا صبر الطالب على درسه ما تخرج، ولولا صبر المقاتل في ساح الوغى ما انتصر، وهكذا كل الناجحين في الدنيا إنما حققوا آمالهم بالصبر.\nوإذا كان هذا في أمور الدنيا، ففي أمور الآخرة أولى، وخاصة أهل الإيمان، فهم أشد الناس حاجة للصبر لأنهم يتعرضون للأذى والمحن والابتلاءات.\nقال تعالى (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ).\nوقال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ).\n• قال ابن القيم: هو خُلق فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمُل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها.\nالصبر باعتبار متعلقه أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها. …\nفالصبر سلاح عظيم للحصول على كل خير في الدنيا والنجاة من كل كرب.\nكما قال تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا).\nوقال تعالى (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ).","vol":"1","page":180},{"text":"وقال تعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ …).\nوصبر يوسف ﵇ من إجابة امرأة العزيز حين دعته إلى نفسها فصبر وقال (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ).\n\n• فمن فضائل الصبر أنه من أعظم المعين على أمور الدنيا والآخرة،<span data-type='title' id=toc-223> وللصبر فضائل كثيرة:</span>\nأولًا: معية الله للصابرين.\nقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).\nثانيًا: محبة الله لهم.\nقال تعالى (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ).\nثالثًا: إطلاق البشرى لهم.\nقال تعالى (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ).\nرابعًا: إيجاب الجزاء على أحسن أعمالهم.\nقال تعالى (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\nخامسًا: ضمان المدد والنصرة لهم.\nقال تعالى (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ).\nسادسًا: استحقاقهم دخول الجنة وتسليم الملائكة عليهم.\nقال تعالى (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا).\nوقال تعالى (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)\nسابعًا: حفظهم من كيد الأعداء.\nقال تعالى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).\nثامنًا: سبب للحصول على درجة الإمامة في الدين.\nقال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ).\nقال ابن تيمية: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. ثم تلا هذه الآية (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون).","vol":"1","page":181},{"text":"تاسعًا: أنه من أسباب النصر.\nكما في حديث ابن عباس (واعلم أن النصر مع الصبر).\nعاشرًا: أمر الله به المؤمنين.\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).\nالحادي عشر: الصبر ضياء.\nكما في حديث أبي مالك الأشعري. قال: قال -ﷺ- (والصبر ضياء) رواه مسلم.\nالثاني عشر: أنه خير ما أعطي العبد.\nقال -ﷺ- (وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر) رواه مسلم.\n• والذي يبعث على الصبر أمور:\nأحدها: إجلال الله ﵎ أن يعصى وهو يرى ويسمع.\nالثاني: مشهد محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له.\nالثالث: مشهد النعمة والإحسان فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه.\nالرابع: مشهد الغضب والانتقام، فإن الرب إذا تمادى العبد في معصيته غضب.\nالخامس: مشهد الفوات وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة.\nالسادس: مشهد القهر والظفر، فإن قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرة وفرحة عند من ذاقه.","vol":"1","page":182},{"text":"(وَالصَّلاةِ) أي استعينوا بالصلاة، فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر.\nكما قال تعالى (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ).\nوعن حذيفة. قال (كان رسول الله -ﷺ-، إذا حزبه أمر صلى) رواه أبو داود.\n• قال القرطبي: خصّ الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويهًا بذكرها.\nلأن العبد إذا قام بين يدي ربه يناجيه ويتلو كتابه هان عليه كل ما في الدنيا رغبة فيما عند الله ورهبة منه فيتباعد عن كل ما لا يرضي الله فيرزقه الله ويهديه.\n• قال ابن القيم: والصلاة مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، مطردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، منورة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن، وبالجملة: فلها تأثير عجيب في حفظ الصحة والبدن وقواهما، ودفع المواد الرديئة عنهما، وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، ولا سيما إذا أعطيت حقها من التكميل ظاهرًا وباطنًا، فما استُدفِعتْ شرور الدنيا والآخرة، ولا استُجلبتْ مصالحهما بمثل الصلاة، وسر ذلك: أن الصلاة صلة بالله، وعلى قدر صلة العبد بربه ﷿ تفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه من الشرور أسبابها، وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه، والعافية والصحة والغنيمة والغنى، والراحة والنعيم، والأفراح والمسرات كلها محضرة لديه ومسارعة إليه.\n• وقال الشنقيطي في بيان سر أن الصلاة معينة على أمور الدنيا والآخرة: لأن العبد إذا وقف بين يدي ربه، يناجي ربه ويتلو كتابه، تذكر ما عند الله من الثواب، وما لديه من العقاب، فهان في عينه كل شيء، وهانت عليه مصائب الدنيا، واستحقر لذاتها، رغبة فيما عند الله، ورهبة مما عند الله.\n(وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ) أي وإن الصلاة لكبيرة وثقيلة وشاقة.","vol":"1","page":183},{"text":"• قال الشوكاني: (وإنها لكبيرة) والكبيرة التي يكبر أمرها، ويتعاظم شأنها على حاملها؛ لما يجده عند تحملها، والقيام بها من المشقة.\n• والضمير في قوله (وإنها لكبيرة) عائد إلى الصلاة، واختار ذلك ابن جرير، لأنها أقرب مذكور.\n• وقيل عائد على ما يدل عليه الكلام وهو الوصية بذلك كقوله تعالى (ولا تستوي الحسنة ..) أي وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا، وما يلقاها أي يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظ عظيم.\n• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (وإِنها) في المكنى عنها ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها الصلاة، قاله ابن عباس والحسن، ومجاهد والجمهور.\nوالثاني: أنها الكعبة والقبلة، لأنه لما ذكر الصلاة، دلت على القبلة، ذكره الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل.\nوالثالث: أنها الاستعانة، لأنه لما قال (واستعينوا) دل على الاستعانة.\nوقال القرطبي قوله تعالى (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ) اختلف المتأوّلون في عود الضمير من قوله (وإنها):\nفقيل: على الصلاة وحدها خاصة.\nوقيل: عليهما، ولكنه كَنَى عن الأغلب وهو الصلاة؛ كقوله (والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله)، وقوله (وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفضوا إِلَيْهَا) فردّ الكناية إلى الفضة؛ لأنها الأغلب والأعم، وإلى التجارة؛ لأنها الأفضل والأهم.\nوقيل: إن الصبر لمّا كان داخلًا في الصلاة أعاد عليها؛ كما قال (والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ) ولم يقل: يرضوهما؛ لأن رضا الرسول داخل في رضا الله جل وعز.","vol":"1","page":184},{"text":"(إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) فإنها خفيفة عليهم.\n• قال السعدي: أي فإنها سهلة عليهم خفيفة؛ لأن الخشوع وخشية الله ورجاء ما عنده يوجب له فعلها منشرحًا بها صدره، لترقُبه للثواب وخشيته من العقاب. كما أن الخشوع هو العلم الحقيقي.\nقال الشوكاني: (إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) لأنهم لما يعلمونه من تضاعف الأجر، وتوفر الجزاء، والظفر بما وعد الله به من عظيم الثواب، تسهل عليهم تلك المتاعب، ويتذلل لهم ما يرتكبونه من المصاعب، بل يصير ذلك لذة لهم خالصة، وراحة عندهم محضة.\nولذلك قيل: من عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل، ومن أيقن بالخلف، جاد بالعطية.\n• وقال ابن القيم: وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب وثمرته على الجوارح.\n• قال ابن الجوزي: والخشوع في اللغة: التطامن والتواضع، وقيل: السكون.\n• والخاشع: المنكسر الخاضع لأوامر الله الذليل المصدق بوعده ووعيده.\n• قال القرطبي: والخشوع: هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع.\n• قال السعدي: والخشوع هو: خضوع القلب وطمأنينته، وسكونه لله تعالى، وانكساره بين يديه، ذلا وافتقارًا، وإيمانًا به وبلقائه.\n• وقال ابن عاشور: والمراد بالخاشع هنا الذي ذلل نفسه وكسر سورتها وعودها أن تطمئن إلى أمر الله وتطلب حسن العواقب وأن لا تغتر بما تزينه الشهوة الحاضرة فهذا الذي كانت تلك صفته قد استعدت نفسه لقبول الخير.\n\n•<span data-type='title' id=toc-224> وللخشوع فضائل:</span>\nأولًا: يسهل فعل الطاعة.\nلهذه الآية (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)\nثانيًا: من علامات المؤمنين المفلحين.\nقال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ).","vol":"1","page":185},{"text":"ثالثًا: من صفات الأنبياء.\nقال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).\nرابعًا: لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا.\nقال تعالى (إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).\nخامسًا: هو أول ما يرفع.\nقال -ﷺ- (يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى خاشعًا).\nسادسًا: عاتب الله الصحابة به.\nقال تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ).\nسابعًا: حث النبي -ﷺ- على الخشوع.\nقال -ﷺ- (هل ترون قبلتي ههنا، فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوكم) متفق عليه.\nثامنًا: الخشوع من أسباب دخول الجنة.\nقال -ﷺ- (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: … ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) متفق عليه.\nتاسعًا: أثنى الله على من آمن من أهل الكتاب بخشوعه.\nقال تعالى (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا).\nعاشرًا: الخشوع من أسباب قبول العمل.\nقال -ﷺ- (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثن صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.","vol":"1","page":186},{"text":"قال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان.\nوقال أبو يزيد المدني: إن أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع.\nوقال الفضيل بن عياض: كان يكره أن يُريَ الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه.\n(الَّذِينَ يَظُنُّونَ) هذا من تمام الكلام الذي قبله، أي وإن الصلاة أو الوصاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون (أي: يوقنون).\n• والظن هنا بمعنى اليقين، والظن يطلق على اليقين.\nكما في قوله تعالى (وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا). أي فأيقنوا وكقوله تعالى (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ). وكقوله تعالى عن الجن (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا).\n(أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ) أي يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة معروضون عليه.\n(وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) أي أمورهم راجعة إلى مشيئته يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سهل عليهم فعل الطاعات وترك المنكرات.\n• قال السعدي (وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات، ونفس عنهم الكربات، وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه، كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-225>الفوائد:</span>\n١ - إرشاد الله عباده إلى الاستعانة بهذين الأمرين: الصبر والصلاة.\n٢ - فضيلة الصبر، وأنه من أسباب التوفيق، في أنواعه الثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.\n• الصبر نوعان: اختياري واضطراري:\nوالاختياري أكمل من الاضطراري، فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختياري، ولذلك كان صبر يوسف الصديق عن مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لمّا ألقوه في الجب، وفرقوا بينه وبين أبيه فباعوه بيع العبد.\n٣ - ينبغي على الإنسان معرفة الأسباب التي تعينه على الصبر، وقد ذكرتها قبل قليل.\n٤ - فضيلة الصلاة.\n٥ - فضيلة الخشوع والخاشعين، وأن الطاعات ثقيلة إلا عليهم.\n٦ - الحث والجد في الخشوع والخضوع لله، لأن ذلك مما يسهل الطاعات. …","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-226>(يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧».</span> [البقرة: ٤٧].\n<hr><s0>\n\n(يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) سبق شرحها.\n• قوله تعالى (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) المراد بالذكر هنا: ذكر يحمل على الشكر، ومن شكر تلك النعمة المأمور به: تصديق النبي -ﷺ- واتباعه فيما جاء به.\n• قوله تعالى (نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) سبق ذكر بعض هذه النعم: كالإنجاء من فرعون، وإنزال المن والسلوى، وتظليل الغمام وغيرها، وقد جرت العادة في القرآن أن الله يمتن على الموجودين في زمن النبي -ﷺ- بالنعم التي أنعمها على أسلافهم الماضين، وكذلك يعيبهم بالمعائب التي صدرت من أسلافهم الماضين، لأنهم أمة واحدة، ولأن الأبناء يتشرفون بفضائل الآباء، فكأنهم شيء واحد، ولذلك كان جل وعلا يمتن على هؤلاء بنعمه على الأسلاف، وكذلك يعيبهم بما صدر من الأسلاف لأنهم جماعة واحدة.\n• قال الآلوسي: (يا بَنِي إسرائيل اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُم) كرر التذكير للتأكيد والإيذان بكمال غفلتهم عن القيام بحقوق النعمة، وليربط ما بعده من الوعد الشديد به لتتم الدعوة بالترغيب والترهيب، فكأنه قال سبحانه: إن لم تطيعوني لأجل سوابق نعمتي، فأطيعوني للخوف من لواحق عقابي، ولتذكير التفضيل الذي هو أجل النعم، فإنه لذلك يستحق أن يتعلق به التذكير بخصوصه مع التنبيه على أجليته بتكرير النعمة التي هي فرد من أفرادها.\n(وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) ظاهر هذه الآية أن بني إسرائيل هم أفضل العالمين، بينما المعروف أن محمد -ﷺ- هي أفضل الأمم على الإطلاق، والجواب عن هذه الآية:\nالجواب الأول: أن الله فضل بني إسرائيل على عالم زمانهم، بينما الأمة المحمدية مفضلة على سائر الأمم.\nوهذا قول جمهور المفسرين.\nقال أبوة العالية: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالمًا.","vol":"1","page":189},{"text":"قال ابن كثير: ويجب الحمل على هذا، لأن هذه الأمة أفضل منهم.\nلقوله تعالى، خطابًا لهذه الأمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).\nولقوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا).\nوقال رسول الله -ﷺ- (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله) رواه أحمد.\nولقوله -ﷺ- (أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، … وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم) رواه أحمد.\nولقوله -ﷺ- (يدخل الجنة من أمتي زمرة وهم سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر) رواه البخاري.\nومن الآيات المبينة لفضل أمة محمد -ﷺ- على أمة موسى أنه قال في أمة موسى (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) فجعل أعلى مراتبهم الفئة المقتصدة، بخلاف أمة محمد -ﷺ- فقسمهم إلى ثلاث طوائف، وجعل فيهم طائفة أكمل من الطائفة المقتصدة وذلك في قوله في فاطر (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) فجعل فيهم سابقًا بالخيرات، وهو أعلى من المقتصد، ووعد الجميع بظالمهم ومقتصدهم وسابقهم بجنات عدن في قوله (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ).\nالجواب الثاني: أن بني إسرائيل أفضل من العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء، وإلى هذا أشار الرازي والقرطبي والشوكاني.\n• قال ابن كثير: وفيه نظر، لأن العالمين عام يشمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم في الدنيا والَاخرة، صلوات الله وسلامه عليه.\nالجواب الثالث: أن المراد بالعالم الجمع الكثير من الناس، فيكون المعنى: فضلتكم على الكثير من الناس لا الكل، وهذا قول الزمخشري في الكشاف، وضعفه الرازي، والصحيح الأول.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-227>الفوائد:</span>\n١ - أنه يجب على بني إسرائيل أن يذكرون نعم الله عليكم.\n٢ - أن الفضل والنعمة من الله، كما قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ).\n٣ - أن كثرة النعم توجب مزيد الشكر، ولذلك كان النبي -ﷺ- يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ويقول: أفلا أكون عبدًا شكورًا.\n٤ - أن بني إسرائيل هم أفضل الأمم في زمانهم.","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-228>(وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨».</span> [البقرة: ٤٨].\n<hr><s0>\n\n(وَاتَّقُوا يَوْمًا) لما ذكرهم تعالى بنعمه أولًا، عطف على ذلك التحذير من طول نقمه بهم يوم القيامة، فقال (وَاتَّقُوا يَوْمًا) يعني يوم القيامة من أهواله وشدائده، واتقاء يوم القيامة يكون بالاستعداد له.\nوهذا كثير في القرآن.\nقال تعالى (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).\nوقال تعالى (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا).\n• قال ابن عاشور: عَطَفَ التحذير على التذكير، فإنه لما ذكرهم بالنعمة وخاصة تفضيلهم على العالمين في زمانهم وكان ذلك منشأ غرورهم بأنه تفضيل ذاتي فتوهموا أن التقصير في العمل الصالح لا يضرهم فعقب بالتحذير من ذلك، والمراد بالتقوى هنا معناها المتعارف في اللغة لا المعنى الشرعي.\n• قال الرازي: اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب والشدائد لأن نفس اليوم لا يتقى ولا بد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-229> وأسباب النجاة من كرب يوم القيامة كثيرة:</span>\nمنها: التنفيس عن المسلمين.\nلحديث أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (من نَفَّس عن مؤمن كُرْبة منْ كُرب الدُّنْيا، نفَّس اللَّه عنْه كُرْبة منْ كُرَب يومِ الْقِيامَةِ، ومنْ يسَّرَ على مُعْسرٍ يسَّرَ اللَّه عليْه في الدُّنْيَا والآخِرةِ) رواه مسلم.\nومنها: إنظار المعسر أو الوضع عنه.","vol":"1","page":192},{"text":"قال -ﷺ- (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنَجِّيَهُ اللَّه مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أوْ يَضَعْ عَنْهُ) رواه مسلم\nومنها: الوفاء بالنذر، وإطعام الطعام لله.\nقال تعالى (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا. وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا. فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا).\n(لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا) أي لا يغني أحد عن أحد.\nقال السعدي: (لا تَجْزِي) أي: لا تغني (نَفْسٌ) ولو كانت من الأنفس الكريمة كالأنبياء والصالحين (عَنْ نَفْسٍ) ولو كانت من العشيرة الأقربين (شَيْئًا) لا كبيرًا ولا صغيرًا وإنما ينفع الإنسان عمله الذي قدمه.\nكما قال تعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).\nوقال تعالى (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا) فهذا أبلغ المقامات أن كلًا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئًا.\n(وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) يعني من الكافرين كما قال (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) وكما قال عن أهل النار (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم).\n• ظاهر الآية عدم قبول الشفاعة مطلقًا يوم القيامة لكنه بين في مواضع أخرى أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السموات والأرض، أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، والشفاعة لا تكون إلا بشرطين:\nالشرط الأول: أن يأذن الله بها.\nوالشرط الثاني: أن يكون راضيًا عمن شفع وعمن شفع له.\nكما قال تعالى (منْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وقال تعالى (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا).\n(وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) أي لا يقبل منها فداء، والعدل بمعنى: المعادل المكافئ.\nكما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).","vol":"1","page":193},{"text":"وقال تعالى (وإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا).\nوقال تعالى (فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ).\n(وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء.\n• وأصل النصر في لغة العرب: هو إعانة المظلوم.\n• قال السعدي: فنفى الانتفاع من الخلق بوجه من الوجوه، فقوله (لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا) هذا في تحصيل المنافع، (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) هذا في دفع المضار، فهذا النفي للأمر المستقل به النافع.","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type='title' id=toc-230>الفوائد:</span>\n١ - التحذير من يوم القيامة.\n٢ - وجوب الاستعداد ليوم القيامة.\n٣ - أن يوم القيامة لا ينفع الإنسان إلا عمله.\n٤ - أن يوم القيامة لا ينفع لا مال ولا ولد ولا ملك، وإنما الذي ينفع العمل الصالح.\n٥ - أن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذرًا خائفًا في كل حال، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم. (قاله الرازي).\n٦ - أن يوم القيامة ليس فيه فداء، وأيضًا لا أحد ينصر أحد، فلا الآلهة والأسياد ولا غيرهم يستطيعون نصر أحد.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-231>(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠». [٤٩ - ٥٠].</span>\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) يقول تعالى: اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) أي: خلصتكم منهم، وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى ﵇، وقد كانوا يسومونكم أي يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب وأشده وأفظعه.\n• يسومونكم: يذيقونكم ويلزمونكم إياه، وقيل: يديمون عذابكم.\n• سبب ذلك: قيل أن فرعون لعنه الله كان قد رأى رؤيا هالته، رأى نارًا خرجت من بيت المقدس فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال بعد تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم يكون لهم به دولة ورفعة، فعند ذلك أمر فرعون لعنه الله بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأرذلها.\n• قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالًا بين بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة.\n• الإنجاء هو الإنقاذ من المكروه.\n• والخطاب للموجودين، والمراد من سلف من الآباء، وقيل: إنما قال نجيناكم، لأن نجاة الآباء كانت سببًا لنجاة هؤلاء الموجودين.\n• فرعون: عَلَمٌ على من ملَك مصر كافرًا.\n(يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) أي يذبحون الذكور دون الإناث.\nوعبر بالتشديد (يذبّحون) دلالة على الكثرة، لأنهم ذبحوا كثيرًا من أبنائهم.\n• قال الرازي: قال بعض العلماء: إن المراد بقوله (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) الرجال دون الأطفال ليكون في مقابلة النساء، وأكثر المفسرين على أن المراد بالآية الأطفال دون البالغين، وهذا هو الأولى لوجوه:\nالأول: حملًا للفظ الأبناء على ظاهره.\nالثاني: أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم.\nالثالث: أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة.\nالرابع: أنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى ﵇ في التابوت حال صغره معنى.\n• وقال الرازي ﵀: إن ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه:\nأحدها: أن ذبح الأبناء يقتضي فناء الرجال، وذلك يقتضي انقطاع النسل، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن البتة في ذلك، وذلك يقضي آخر الأمر إلى هلاك الرجال والنساء.\nوثانيها: أن هلاك الرجال يقتضي فساد مصالح النساء في أمر المعيشة، فإن المرأة لتتمنى وقد انقطع عنها تعهد الرجال وقيامهم بأمرها الموت، لما قد يقع إليها من نكد العيش بالانفراد فصارت هذه الخصلة عظيمة في المحن، والنجاة منها في العظم تكون بحسبها.","vol":"1","page":196},{"text":"وثالثها: أن قتل الولد عقيب الحمل الطويل وتحمل الكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب، لأن قتله والحالة هذه أشد من قتل من بقي المدة الطويلة مستمتعًا به مسرورًا بأحواله، فنعمة الله من التخليص لهم من ذلك بحسب شدة المحنة فيه.\nورابعها: أن الأبناء أحب إلى الوالدين من البنات، ولذلك فإن أكثر الناس يستثقلون البنات ويكرهونهن وإن كثر ذكرانهم، ولذلك قال تعالى (وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ يتوارى مِنَ القوم مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ) الآية، ولذلك نهى العرب عن الوأد بقوله (وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق) وإنما كانوا يئدون الإناث دون الذكور.\nوخامسها: أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان.\n(وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) أي يستبقون الإناث على قيد الحياة، للخدمة.\n• فإن قال قائل: إن بقاء البنت حية أفضل من موتها، فما وجه جعل ذلك من إهانتهم؟\nإبقاء الإناث يعتبر عار وتعذيب، لأن موت البنت أرحم من بقائها عند عدو يذلها ويهينها.\n• قال الشنقيطي: … فبقاؤهن [أي الإناث] تحت يد العدو يفعل بهن ما يشاء من الفاحشة والعار ويستخدمهن في الأعمال الشاقة نوع من العذاب، وموتهن راحة من هذا العذاب وقد كان العرب يتمنون موت الإناث خوفًا من مثل هذا.\n(وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) قال ابن جرير: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا آباءكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم، أي نعمة عظيمة عليكم في ذلك.\n• وأصل البلاء الاختبار، وقد يكون بالخير والشر، كما قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) وقال تعالى (وبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).\n• وقيل المراد بقوله (وفي ذلكم بلاء) إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء، واستحياء النساء، قال القرطبي: وهذا قول الجمهور.\n(وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) أي: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون وخرجتم مع موسى ﵇، خرج فرعون في طلبكم ففرقنا بكم البحر كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلًا في سورة الشعراء (فأنجيناكم) أي خلصناكم منهم وحجزنا بينكم وبينهم وأغرقناهم.","vol":"1","page":197},{"text":"• قوله تعالى (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ) الباء للسببية أي: أي: فصلنا بعض أجزاء البحر عن بعض بسبب دخولكم فيه، ليمكنكم المرور سالكين بين أجزائه، وقيل إن (الباء) بمعنى (اللام) والمعنى: فرقنا بكم أي: أي فرقنا لكم، وهو عائد للمعنى الأول، لأن اللام للتعليل، والباء للسبب، فالمعنى متقارب.\n• فرقنا: أصل الفرق الفصل، ومنه الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل، أي يفصل ومنه قوله تعالى (فالفارقات فرقًا) يعني الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل.\n(وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) بأبصاركم، ليكون ذلك أشفى لصدوركم وأبلغ في إهانة عدوكم.\n• قال ابن عاشور: وهذا الحال زيادة في تقرير النعمة وتعظيمها فإن مشاهدة المنعم عليه للنعمة لذة عظيمة لا سيما ومشاهدة إغراق العدو أيضًا نعمة زائدة كما أن مشاهدة فرق البحر نعمة عظيمة لما فيها من مشاهدة معجزة تزيدهم إيمانًا وحادث لا تتأتى مشاهدته لأحد.\n• البحر: معروف سمي بذلك لاتساعه.\n• ذكر الله تعالى الإنجاء والإغراق ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه، لكن ثبت في الصحيح أنه كان يوم عاشوراء.\nفعن ابن عباس (أن رسول الله -ﷺ- قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله -ﷺ-: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا فنحن نصومه، فقال رسول الله -ﷺ-: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله -ﷺ- وأمر بصيامه).\n• لم يبين هنا كيفية فرق البحر بهم، لكنه بين ذلك في مواضع:\nكقوله تعالى (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ).\nوقوله (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى).","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-232>الفوائد:</span>\n١ - عظم نعمة الله على بني إسرائيل إذ نجاهم من آل فرعون، حيث تضمن هذا التذكير حصول المطلوب وذلك بنجاتهم، وزوال المكروه بإهلاك عدوهم.\n٢ - أن الإنجاء من العدو من أعظم النعم.\n٣ - شدة عذاب فرعون لبني إسرائيل.\n٤ - شدة قوة الله ﷿ حيث أهلك فرعون.\n٥ - بيان قدرة الله على كل شيء.\n٦ - أن إهلاك عدو الإنسان وهو ينظر من نعمة الله عليه.\n٧ - قال السمرقندي: وكان في قصة فرعون وغيره علامة نبوة محمد -ﷺ- لأنه لا يعرف ذلك إلا بالوحي، فلما أخبرهم بذلك\nمن غير أن يقرأ كتابًا، كان ذلك دليلًا أنه قاله بالوحي، وفيه أيضًا تهديد للكفار ليؤمنوا حتى لا يصيبهم مثل ما أصاب أولئك، وفيه أيضًا تنبيه للمؤمنين وعظة لهم ليزجرهم ذلك عن المعاصي.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-233>(وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣».</span> [البقرة ٥١ - ٥٣].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ) يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يومًا وهي المذكورة في الأعراف في قوله تعالى (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ) قيل إنها: ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون وإنجائهم من البحر.\n• في هاتين الآيتين يذكر الله بني إسرائيل بنعمته عليهم بهذا العفو العظيم، وذلك أن الله واعد موسى ثلاثين ليلة فأتمها بعشر فصارت أربعين ليلة، وكان ذلك بعد أن جاوز البحر وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل، وصعدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة، فلما تأخر موسى عن الموعد الذي ذكره لبني إسرائيل فتنوا بعبادة العجل، وقال لهم السامري (هذا إلهكم وإله موسى فنسي) فاطمأنوا إلى قوله ونهاهم هارون وقال (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفًا فيما روي في الخبر، وتهافت في عبادته سائرهم، فلما رجع موسى ووجدهم على تلك الحال ألقى الألواح وأحرق العجل وذره في البحر، وقال (يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى …) فجعل الله من توبتهم أن يقتل بعضهم بعضًا.\n• قوله تعالى (مِنْ بَعْدِهِ) أي: من بعد ذهاب موسى إلى ميقات ربه.\n(وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) أي: بعبادتكم العجل، فإن الشرك ظلم، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك ظالم، لأنه وضع العبادة التي هي حق لله تعالى وحده، وضعها في المخلوق الضعيف الفقير أو وضعها لصنم أو حجر أو شجر، ولأجل هذا البيان فإن القرآن يكثر الله فيه إطلاق الظلم على الشرك.\nكما قال تعالى عن العبد الصالح (إن الشرك لظلم عظيم).\nوثبت في صحيح البخاري أن النبي -ﷺ- فسر قوله (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) قال: بشرك، ثم تلا قول لقمان (إن الشرك لظلم عظيم).","vol":"1","page":200},{"text":"وقال تعالى (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) أي: من المشركين.\nولم يأت الظلم في القرآن إلا بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف، بمعنى النقص، كما قال تعالى (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) أي ولم تنقص.\n• وقد يطلق الظلم على ظلم الإنسان نفسه ببعض المعاصي التي لا تبلغ الكفر، ومنه قوله تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) بدليل قوله في الجميع (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا)، لأن هذا أطاع الشيطان وعصى ربه فقد وضع الطاعة في غير موضعها.\n• قوله: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة، لم يبين هل واعده إياها مجتمعة أو متفرقة، ولكنه بيّن في سورة الأعراف أنها متفرقة،\nوأنه واعده أولًا ثلاثين ثم أتمها بعشر، وذلك في قوله تعالى (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً).\n(ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ) فالعفو: مَحْوُ الذنب؛ أي محوْنا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم.\n(مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي من بعد عبادتكم العجل، والعجل ولد البقرة.\nقال القرطبي: وسُمِّيَ العجل عجلًا لاستعجالهم عبادته.\n(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي: لأجل أن تقوموا بشكره.","vol":"1","page":201},{"text":"• قال بعض العلماء: أن كل (لعل) في القرآن هي بمعنى التعليل إلا التي في سورة الشعراء (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) قالوا: هي بمعنى: كأنكم تخلدون.\n• والشكر: هو القيام بطاعة المنعم اعترافًا بالقلب، وثناء باللسان، وطاعة بالأركان.\nوفي ذلك يقول الشاعر:\nأفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً … يدي ولساني والضمير المحجبا\nفنعمة العين: أن لا ينظر بها إلا فيما يرضي الله، وشكر نعمة اليد أن لا يبطش بها إلا فيما يرضي الله، وشكر نعمة الرجِل أن لا يمشي بها إلا فيما يرضي الله، وشكر نعمة المال: أن لا يستعين به ويصرفه إلا فيما يرضي الله\n\n•<span data-type='title' id=toc-234> كيف يتحقق الشكر؟</span>\nأولًا: سؤال الله ذلك.\nكما قال تعالى عن سليمان: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ).\nوقال -ﷺ- لمعاذ: (يا معاذ، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). رواه أبو داود\nثانيًا: أن يعلم الإنسان أن النعم إذا شكرت قرت وزادت.\nقال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ).\nثالثًا: أن يعلم الإنسان أن الله سيسأله يوم القيامة عن شكر نعمه.\nقال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ).\nقال ابن كثير: أي ثم لتسألن عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ما ذا قابلتم به نعمه من شكر وعبادة.\nرابعًا: أن ينظر إلى من هو دونه في أمور الدنيا، فإذا فعل ذلك استعظم ما أعطاه الله.\nقال -ﷺ-: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم).\nالشكر يكون من الله لعبده ومن العبد لربه.","vol":"1","page":202},{"text":"فشكر العبد لربه كقوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ). وقوله تعالى (كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ).\nوتعريفه كما سبق وهو أن يستعمل نعمه في طاعة الله.\nوشكر الله لعبده كقوله تعالى (ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) وقوله تعالى (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ)\nومعنى شكر الله لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، وإذا ترك له شيئًا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا ردّه عليه أضعافًا مضاعفة.\nلما عقر سليمان الخيل غضبًا له إذ شغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح.\nولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته، أعاضهم عنها أن ملّكهم الدنيا وفتحها عليهم.\nولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.\n\n•<span data-type='title' id=toc-235> فضائل الشكر:</span>\nأولًا: الله أمر به.\nقال تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ).\nثانيًا: التوبيخ على عدم الشكر.\nقال تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ).","vol":"1","page":203},{"text":"ثالثًا: الثناء على الشاكرين وأنه سبل الرسل.\nقال تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا).\nرابعًا: الشكر نفع للشاكر نفسه.\nقال تعالى: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ).\nخامسًا: أن الشكر إذا صدر من المؤمنين فهو مانع من نزول العذاب.\nقال تعالى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ).\nسادسًا: أن الشكر سبب لزيادة النعم.\nقال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ).\nسابعًا: أن الصفوة من عباد الله يسألون الله أن يوزعهم شكر نعمته.\nقال تعالى عن سليمان: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ).\nثامنًا: أن الشاكرين قليلون.\nقال تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ).\nوقال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).\nوهذا يدل على أنهم هم خواص الله.\n(وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) أي وأعطينا موسى الكتاب وهو التوراة.\n• قال ابن عاشور: هذا تذكير بنعمة نزول الشريعة التي بها صلاح أمورهم وانتظام حياتهم وتأليف جماعتهم مع الإشارة إلى تمام النعمة وهم يعدونها شعار مجدهم وشرفهم لسعة الشريعة المنزلة لهم حتى كانت كتابًا فكانوا به أهل كتاب أي أهل علم تشريع.","vol":"1","page":204},{"text":"• وموسى هو ابن عمران، أفضل أنبياء بني إسرائيل، وأحد أولي العزم من الرسل، وهو كليم الرحمن.\n(وَالْفُرْقَانَ) أي وأعطيناه الفرقان، وقد اختلف العلماء في المراد فيه:\nفقيل: الفرقان انفراق البحر له حتى صار فرقًا فعبروا، وهذا بعيد.\nوقيل: إن الواو زائدة، والمعنى: آتينا موسى الكتاب الفرقان.\nوقيل: الفرقان هو الكتاب (التوراة)، عطف عليه وإن كان المعنى واحدًا، ويكون ذلك من قبيل عطف الأوصاف والموصوف واحدًا، كما في قوله تعالى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى. وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى).\nوقيل: إن الفرقان الذي آتاه موسى هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها، فيكون تأويل\nالآية حينئذ: وإذا آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل، ورجحه الطبري.\nوقيل: في الآية مضمر، ومعناه: وآتينا موسى الكتاب يعني التوراة، وأعطينا محمدًا الفرقان، فكأنه خاطبهم فقال: قد أعطيناكم علم موسى وعلم محمد -ﷺ- وعلم سائر الأنبياء.\n(لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي لكي تهتدوا بالتدبر فيها والعمل بما فيها من أحكام.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-236>الفوائد:</span>\n١ - حكمة الله في تقديره، حيث واعد موسى أربعين ليلة لينزّل عليه فيها التوراة.\n٢ - عظمة الله لقوله (آتينا).\n٣ - سفه هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلهًا، حيث هم الذي صنعوه.\n٤ - أن الشرك أعظم الظلم.\n٥ - أن المستحق للعبادة هو الله ﷿ الخالق.\n٦ - سعة رحمة الله بعفوه عمن ظلم.\n٧ - وجوب شكر الله، لأنه عفا وصفح.\n٨ - نعمة الله العظيمة بإنزال الكتب.\n٩ - إثبات رسالة موسى.\n١٠ - أن الكتب التي ينزلها تكون فرقانًا بين الحق والباطل.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-237>(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤».</span> [البقرة: ٥٤].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) أي واذكروا إذ قال موسى لقومه بعدما رجع من الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد اتخذوا العجل.\n(يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ) وأي ظلم أعظم وأشد من أن يتخذ الإنسان مع بارئه وخالقه إلهًا يعبده، فإن هذا أظلم الظلم كما قال تعالى (نَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).\nقوله تعالى (بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ): أي إلهًا.\n(فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ) أي خالقكم، والتوبة الرجوع من المعصية إلى الطاعة، مع الإقلاع والندم.\n• قوله تعالى (إِلَى بَارِئِكُمْ) قال ابن كثير: في هذا تنبيه على عظم جرمهم، أي فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره.\nوالله ﷿ ينبه كثيرًا على هذا المعنى، ويذكر المشركين بذلك، وأن الخالق هو المستحق للعبادة:\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ).\nوقال تعالى (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ).\nوقال تعالى (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ).\nوقال تعالى (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).\nوكما قال تعالى عن إبراهيم -﵇- (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) ولم يقل إلا الله لفائدتين:\nالأولى: الإشارة إلى علة إفراد الله بالعبادة، لأنه كما أنه متفرد بالخلق، فيجب أن ينفرد بالعبادة.\nوالثانية: الإشارة إلى بطلان عبادة الأصنام، ولأنها لم تفطركم حتى تعبدوها، ففيها تعليل للتوحيد الجامع بين النفي والإثبات.","vol":"1","page":207},{"text":"قال بعض العلماء: إنما نص الله تعالى على صفة الخلق دون غيرها من الصفات، لأن المشركين كانوا يعترفون أن الله خالقهم، كما قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) وقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ).\nوقيل: ليذكرهم بذلك نعمته عليهم.\n(فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي ليقتل بعضكم بعضًا، وإنما عبر بقتل النفس، لأن المؤمن أخو المؤمن فكأنه هو نفسه، فالأمة الواحدة المجتمعة على شيء ينزلون منزلة النفس الواحدة.\nكقوله تعالى (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: على من في البيت.\nوقوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يلمز بعضكم بعضًا.\nوقوله تعالى (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) أي: ظنوا بإخوانهِم خيرًا.\nوقوله تعالى (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) أي: إخوانكم.\nعن ابن عباس (… فقال الله ﵎ إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من والد أو ولدٍ فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، فتاب أولئك الذين كان قد خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا به فغفر الله للقاتل والمقتول.\nقيل: فاجتلد القوم فكان من قتل من الفريقين سبعون ألفًا، حتى دعا موسى وهارون: ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا البقية البقية، فأمرهم أن يضعوا السلاح فتاب عليهم، وقيل: أصابتهم ظلمة فأصبح بعضهم يقتل بعض، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، وقيل: بل إن القتل وقع جهرًا بلا ظلمة، وهذا أصح، لأنه أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم.\n(ذَلِكُمْ) أي القتل.\n(خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ) أي رضاكم بحكم الله ونزولكم عند أمره خير لكم عند الخالق العظيم.\nقال الشنقيطي: أن هذا القتل بهذه التوبة يقطع حياتهم الدنيوية، ولكنه يكسبهم حياة أخروية، وهذه الحياة الأخروية خير من الحياة الدنيوية.","vol":"1","page":208},{"text":"(فَتَابَ عَلَيْكُمْ) في الكلام حذف تقديره: ففعلتم فتاب عليكم، أي فقبل توبتكم وتجاوز عنكم.\n(إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) الذي يتوب على التائبين، فمن رحمته أنه يقبل توبة التائبين مهما عظمت ذنوبهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-238>الفوائد:</span>\n١ - أن الشرك من أعظم الظلم، لأنه وضع للعبادة في غير موضعها.\n٢ - خطورة الشرك.\n٣ - تذكير العاصي بمن يستحق الطاعة والعبادة لقوله (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ) فالذي خلقكم هو من يستحق العبادة.\n٤ - أن الذي لا يخلق لا يستحق أن يعبد.\n٥ - أن العاجز لا يستحق أن يكون إلهًا.\n٦ - وجوب التوبة.\n٧ - الإخلاص في التوبة.\n٨ - ما وضع الله على بني إسرائيل من الأغلال والآصار، حيث كانت توبتهم من عبادة العجل أن يقتل بعضهم بعضًا.\n٩ - أن الأمة كنفس واحدة.\n١٠ - رحمة الله بهذه الأمة ورفع الآصار عنها.\n١١ - تفاضل الأعمال.\n١٢ - إثبات اسمين من أسماء الله: التواب والرحيم.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type='title' id=toc-239>(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦».</span> [البقرة: ٥٥ - ٥٦].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) أي واذكروا يا بني إسرائيل حين خرجتم مع موسى لتعتذروا إلى الله من عبادة العجل.\n(لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) أي لن نصدق لك بأن ما نسمعه كلام الله، وبأن الله أمرك ونهاك.\n(حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) علانية (رؤية بصرية)، وقيل المعنى (جهرة) أنه صفة لقولهم، أي: جهروا بذلك القول.\nقال ابن كثير: والمراد السبعون المختارون منهم ولم يحك كثير من المفسرين سواه.\nفي القائلين لموسى ذلك قولان:\nالقول الأول: أنهم السبعون المختارون، فلما صار يكلم موسى ربه ويكلمه الله، قالوا (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً).\nالقول الثاني: أنه لما رجع موسى من ميقات الله، وأنزل عليه التوراة، وجاء بها قالوا: ليست من عند الله (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً).\n• قال ابن عطية: واختلف في وقت اختيارهم، فحكى أكثر المفسرين أن ذلك بعد عبادة العجل، اختارهم ليستغفروا لبني إسرائيل، وحكى النقاش وغيره أنه اختارهم حين خرج من البحر وطلب بالميعاد، والأول أصح.\n(فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) أي فأهلكهم الله بالصاعقة، عقابًا لمقالتهم هذه الشنعاء.\n• قال ابن جرير: الصاعقة كل أمرٍ هائل رآه المرء أو عاينه أو أصابه حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب، وإلى ذهاب عقل وغمور فهم أو فقد بعض آلات الجسم صوتًا كان ذلك أو زلزلة أو رجفًا.\nالصاعقة: بمعنى الشيء الهائل العظيم إذا عاينه الإنسان فإنه يموت لهوله أو يحترق أو يفقد شيئًا من حواسه.\nوصعق هؤلاء بالموت فماتوا وهذا هو ظاهر القرآن، وأما صعق موسى في قوله تعالى (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) فهو إغماء.\n(وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) قيل: ينظر بعضهم إلى بعض يقع ميتًا حتى ماتوا عن آخرهم، وهذا اختيار ابن جرير، وقيل: صعق بعضهم والبعض الآخر ينظر، ثم بعث الذين صعقوا، وصعق الآخرون.\n(ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) أي أحييناكم، وفي هذا دليل على أن صعقهم كان موتًا حقيقيًا.","vol":"1","page":210},{"text":"• قال ابن الجوزي: ومن الدليل على أنهم ماتوا قوله تعالى (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ) هذا قول الأكثرين، وزعم قوم أنهم لم يموتوا، واحتجوا بقوله تعالى (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) وهذا قول ضعيف، لأن الله تعالى فرق بين الموضعين، فقال هناك (فلما أفاق) وقال هاهنا (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ) والإفاقة للمغشي عليه، والبعث للميت.\n• وفي هذا إثبات البعث. (وسأذكر مباحث البعث في قصة القتيل إن شاء الله).\n• وهذه قصة من خمس قصص مذكورة في سورة البقرة في إثبات البعث.\n(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي: لتشكروا الله على إنعامه عليكم بالبعث بعد الموت. (وسبقت مباحث الشكر).\n\n<span data-type='title' id=toc-240>الفوائد:</span>\n١ - إثبات البعث، وهذه إحدى القصص الخمس التي تدل على البعث في سورة البقرة.\n٢ - قدرة الله ﷿.\n٣ - تذكير الله بني إسرائيل بنعمته عليهم، حيث بعثهم من بعد موتهم.\n٤ - أن ألم العقوبة ووقعها إذا كان الإنسان ينظر إليها تكون أشد.\n٥ - وجوب شكر الله على نعمه.\n٦ - أن من شكر فإنما يشكر لنفسه.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧».</span> [البقرة ٥٧].\n<hr><s0>\n\n(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم، شرع يذكرهم - أيضًا - بما أسبغ عليهم من النعم فقال (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) جمع غمامة، سمي بذلك لأنه يغُم السماء، أي: يواريها ويسترها، وهو السحاب الأبيض، ظللوا به في التِّيهِ ليقيَهم حر الشمس.\n• وكان ذلك لما كانوا في التيه، واشتكوا الحر، دعا نبي الله موسى لهم، فظلل الله عليهم الغمام، وهو غمام أبيض رقيق يُظلهم من الشمس.\n• قال الشيخ السبت (الغمام) إن ما ورد من تحديده أنه سحاب أبيض فهو مما أخِذ من بني إسرائيل، وإلا فإن كل ما سترك فإنه يقال له غَمام، وجاء في الحديث (كأنهما غمامتان).\n• قال الشوكاني: وقد ذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر، والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين.\n• قال الرازي: قال المفسرون (وَظَلَّلْنَا) وجعلنا الغمام تظلكم، وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس.\n• قال ابن الجوزي: (الغمام) السحاب، سمي غمامًا، لأنه يغم السماء، أي: يسترها، وكل شيء غطيته فقد غممته، وهذا كان في التيه.\n• وصيغة الجمع في قوله (وَظَلَّلْنَا) للتعظيم.\n(وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ) اختلفت عبارات المفسرين فيه، فقيل: صمغة حلوة، وهذا قول مجاهد. وقيل: أنه كان ينزل عليهم على الأشجار فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاء، كأنه العسل، قاله الشيخ ابن عثيمين.\nوقيل: هو العسل، وهذا قول الشعبي.","vol":"1","page":212},{"text":"قال الماوردي: قوله ﷿ (وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ ....) فيه سبعة أقاويل:\nأحدها: أن المنَّ ما سقط على الشجر فيأكله الناس، وهو قول ابن عباس.\nوالثاني: أن المنَّ صمغة، وهو قول مجاهد.\nوالثالث: أن المنَّ شرابٌ، كان ينزل عليهم يشربونه بعد مزجِهِ بالماء، وهو قول الربيع بن أنس.\nوالرابع: أن المنَّ عسل، كان ينزل عليهم، وهو قول ابن زيدٍ.\nوالخامس: أن المن الخبز الرقاق، وهو قول وهب.\nوالسادس: أنه الزنجبيل، وهو قول السدي.\nوالسابع: أنه الترنجين.\nقال ابن كثير: والله أعلم أنه أكل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس فيه عمل ولا كد، وفي الحديث قال -ﷺ- (الكمأة من المن) أي: من جنس ما منّ الله به على بني إسرائيل، حيث إنه يوجد - فضلًا من الله - من غير تعب.","vol":"1","page":213},{"text":"(وَالسَّلْوَى) عامة المفسرين على أن السلوى طائر حلو اللحم، وهو السُّمَانَى.\nقال ابن عطية: السلوى طائر بإجماع المفسرين.\n(كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) أي: وقلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم كهذا المنّ والسلوى.\nوهما طيبان حسًا ومعنى، للذاذة طعمهما وحلِّيتهما شرعًا، لأنهما منّ وفضل من الله جل وعلا.\nفالطيّبْ هنا شامل لطيب الإباحة وطيب اللذاذة، لأن الطيبْ يطلق إطلاقين: يطلق طيبًا من جهة الإباحة وعدم الشبهة، ويطلق طيبًا من جهة اللذاذة وحسن المأكل، وهو جامع لهما هنا.\n(وَمَا ظَلَمُونَا) أي: ما نقصونا شيئًا، لأن الله لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين.\n(وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدونا فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات، فظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي ومقابلة النعم بالمعاصي.\nكما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ).\nوفي الحديث القدسي (… يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني …).\n• قال ابن كثير: ومن هنا يتبين فضيلة أصحاب محمد -ﷺ- ورضي الله عنهم على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، مع ما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، ولم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلًا على النبي -ﷺ-.","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-242>الفوائد:</span>\n١ - بيان شيء من نعم الله على بني إسرائيل.\n٢ - أن الغمام يسير بأمر الله تعالى.\n٣ - أن لحوم الطيور من أفضل اللحوم.\n٤ - الأكل من الطيبات.\n٥ - تحريم الأكل من الخبائث، والخبيث نوعان: خبيث لذاته، وخبيث لكسبه.\nفالخبيث لذاته: كالميتة، والخنزير، والخبيث لكسبه: كالغش والربا.\n٦ - أن الله لا تضره معصية العاصين.\n٧ - أن الذنوب والمعاصي ظلم للنفس.\n٨ - أن بني إسرائيل كفروا هذه النعمة.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-243>(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩».</span> [البقرة: ٥٨ - ٥٩].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ) أي: واذكروا يا بني إسرائيل إذا قلنا ادخلوا هذه القرية.\nوالقرية: المدينة، وسميت بذلك لأنها تقرت أي: اجتمعت، واختلف في تعيين هذه القرية:\nفقال الجمهور: هي بيت المقدس، قال ابن كثير مرجحًا هذا القول: ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس كما نص على ذلك السدي والربيع بن أنس وقتادة وغير واحد، وقد قال الله تعالى حاكيًا عن موسى (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا).\nوقال آخرون: هي أريحاء، قال ابن كثير: وهذا بعيد، لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحاء.\n• قال القرطبي: واختلف في تعيينها؛ فقال الجمهور: هي بيت المقدس، وهذه نعمة أخرى، وهي أنه أباح لهم دخول البلدة وأزال عنهم التِّيه.\nوكان هذا بعد خروجهم من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ﵇، وفتحها الله عليهم، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب سجدًا.\n• قال الشنقيطي: ولما زال عنهم التيه، ومات موسى وهارون، وكان الخليفة بعدهما يوشع بن نون، وجاءوا وجاهدوهم الجهاد المعروف الذي ردّ الله فيه الشمس ليوشع بن نون، وفتحوا البلد، أمرهم الله أن يشكروا هذه النعمة بقولٍ يقولونه، وفعلٍ يفعلونه، فبدلوا القول الذي قيل لهم بقول غيره، وبدلوا - أيضًا - الفعل الذي قيل لهم بفعل غيره.\n(فَكُلُوا مِنْهَا) أمر إباحة.\n(حَيْثُ شِئْتُمْ) أي: في أي مكان كنتم في البلد.\n(رَغَدًا) أي: أكلًا رغدًا أي: واسعًا لذيذًا لا عناء فيه ولا تعب.\nثم أمرهم الله بقول وفعل شكرًا لنعمة الفتح وهو قوله:\n(وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) أي: أن يدخلوا باب القرية سجدًا شكرًا لله على النعمة.\nقيل: المراد بالسجود هنا الركوع تواضعًا وانحناء وتعظيمًا لله.\nوقيل: هو السجود على الجبهة.\nوقيل: المراد مطلق التواضع لكنه قول ضعيف.","vol":"1","page":216},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-244> والحكمة من أمرهم بذلك:</span>\nلعله ابتلاء من الله تعالى لهم، وقيل: شكرًا لله على هذه النعمة، فلما أنعم الله بدخول الأرض المقدسة بعد التيه الذي ضربه الله عليهم أربعين سنة، لزمهم شكر هذه النعمة بأن يدخلوا الباب (باب القرية) سجدًا.\nوسجود الشكر مشروع في شريعتنا، وقد سجده النبي -ﷺ- وسجد أصحابه، وعند الفتح أيضًا صلى النبي -ﷺ- ثمان ركعات.\n(وَقُولُوا حِطَّةٌ) هذا القول الذي أُمروا به، أي: مسألتنا حطة، والحطة فعلة من الحط الذي هو الوضع، والمعنى: مسألتنا\nلربنا هي حطة لذنوبنا وأوزارنا، فهي كلمة استغفار تؤذن بحط الذنوب ووضع الأوزار.\n(نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) المغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، والخطيئة: الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه التنكيل، والمعنى: نتجاوز ونستر لكم ذنوبكم العظيمة.\n(وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) الذين يحسنون في عبادة ربهم، ويحسنون إلى المخلوقين طلبًا لمرضاة الله.\nوهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال، ويدخل فيه الإحسان بالجاه، وبالشفاعة ونحو ذلك، وتعليم العلم النافع، وقضاء حوائج الناس من تفريج كرباتهم، وإزالة شدائدهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم.\nويدخل في ذلك الإحسان في عبادة الله، إخلاصًا لله تعالى، ومتابعة للرسول -ﷺ-، كما قال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) وقال تعالى (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ).\nفالإحسان في عبادة الله: أن تقوم بالعمل متقنًا فيه إخلاصًا ومتابعة.\nوالإحسان إلى المخلوق: بأداء حقوقهم الواجبة والمستحبة، وأن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك.","vol":"1","page":217},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-245> قال السعدي: والإحسان نوعان:</span>\nالإحسان في عبادة الخالق، والإحسان إلى المخلوق.\nفالإحسان في عبادة الخالق: فسرها النبي -ﷺ- بقوله (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).\nوأما الإحسان إلى المخلوق: فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم، ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم، فيدخل في ذلك أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليم جاهلهم، ووعظ غافلهم، والنصيحة لعامتهم وخاصتهم، والسعي في جمع كلمتهم، وإيصال الصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة إليهم، على اختلاف أحوالهم وتباين أوصافهم، فيدخل في ذلك بذل الندى وكف الأذى، واحتمال الأذى، كما وصف الله به المتقين في هذه الآيات، فمن قام بهذه الأمور، فقد قام بحق الله وحق عبيده. (تفسير السعدي)\n• وأعظم دافع للإحسان مراقبة الله تعالى، ولذلك قال النبي -ﷺ- في تعريفه (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تره فإنه يراك).\nوسؤال جبريل هذا ليعلم أصحاب النبي -ﷺ- معنى الإحسان، وأن إحسان العمل إنما يكون لمن راقب الله وعلم يقينيًا أن الله مطلع عليه.\nلأن الإحسان هو الغاية التي من أجلها خلق الخلق، وأنه سبحانه يختبر عباده في إحسانهم للعمل.\nكما قال تعالى في أول سورة هود (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا). ولم يقل أيكم أكثر عملًا.\nوقال تعالى في أول سورة الكهف (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا) ثم بيّن الحكمة بقوله (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).\nوقال تعالى في أول سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).\nفالإحسان: أن يأتي بالعمل حسنًا متقنًا لا نقص فيه ولا وصم، وإحسان العمل لا يمكن إلا بمراقبة خالق هذا الكون\n\n•<span data-type='title' id=toc-246> فضائل الإحسان:</span>\nأولًا: أن من أحسن إلى الناس أحسن الله إليه.\nكما قال تعالى (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ).\nوقال تعالى (وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).\nوقال تعالى (ويَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى).","vol":"1","page":218},{"text":"ثانيًا: لهم في الدنيا حسنة.\nقال تعالى (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ).\nثالثًا: رحمة الله قريبة من المحسنين.\nقال تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ).\nرابعًا: لهم الجنة ونعيمها.\nقال تعالى (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ).\nخامسًا: تبشير المحسنين.\nقال تعالى (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ).\nسادسًا: أن الله معهم.\nقال تعالى (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).\nسابعًا: إن الله يحب المحسنين.\nقال تعالى (وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).\nثامنًا: إن الله لا يضيع أجر المحسنين.\nقال تعالى (إِنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).\nتاسعًا: الإحسان سبب في دخول الجنة.\nقال تعالى (.. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ).\nعاشرًا: الكافر إذا رأى العذاب تمنى أن لو أحسن في الدنيا.\nقال تعالى (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِين).\n• قال ابن رجب: قوله تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، وقد ثبت في \" صحيح مسلم \" عنِ النَّبيِّ -ﷺ- تفسيرُ الزِّيادةِ بالنّظرِ إلى وجهِ الله - ﷿ - في الجنة، وهذا مناسبٌ لجعلِه جزاءً لأهلِ الإحسّانِ؛ لأنَّ الإحسانَ هو أنْ يَعبُدَ المؤمنُ ربّه في الدُّنيا على وجهِ الحُضورِ والمُراقبةِ، كأنّه يراهُ بقلبِهِ وينظرُ إليه في حال عبادتِهِ، فكانَ جزاءُ ذلك النَّظرَ إلى الله عيانًا في الآخرة، وعكس هذا ما أخبرَ الله تعالى به عَنْ جَزاءِ الكُفَّار في الآخرةِ (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)، وجعلَ ذلك جزاءً لحالهم في الدُّنيا، وهو تراكُم الرَّانِ على قُلوبِهم، حتّى حُجِبَتْ عن معرفتِهِ ومُراقبته في الدُّنيا، فكان جزاؤُهم على ذلك أنْ حُجِبوا عن رُؤيته في الآخرة.","vol":"1","page":219},{"text":"(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة. قال: قال النبي -ﷺ- (قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقال: حبة في شعير).\n(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) بقول غيره، فالقول الذي قيل لهم هو (حطة) فبدلوه بقول غيره وقالوا (حبة في شعير).\nوبدلوا الفعل بفعل غيره، فالفعل الذي أمروا به أن يدخلوا سجدًا، فبدلوه فدخلوا يزحفون على أستاههم أي: على ألياتهم وعجائزهم، وهذا من كفرهم وعنادهم.\n• قوله تعالى (الَّذِينَ ظَلَمُوا) أنفسهم وعصوا أمر ربهم، وأصل الظلم - كما سبق - وضع الشيء في غير موضعه، فهؤلاء وضعوا الأمر في غير موضعه، حيث قابلوا نعم الله بالعصيان، وعصوا الله.\n(فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ) أي: أنزل الله عليهم رجزًا من السماء، والرجز العذاب، قال العلماء: وهذا العذاب طاعون أنزله الله عليهم، قال بعض العلماء: أهلك الله به منهم سبعين ألفًا.\nويؤيد هذا قوله -ﷺ- (الطاعون رجس أُرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه).\n(بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (الباء) سببية، أي: بسبب كونهم فاسقين.\n• والفسق في لغة العرب الخروج، ومنه قوله جل وعلا (إلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) أي: فخرج عن طاعة ربه، والعرب تقول (فسقت الفأرة) إذا خرجت من جحرها للإفساد.","vol":"1","page":220},{"text":"ويطلق في القرآن ويراد به الكفر كقوله تعالى (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ) وقال تعالى (ومَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ)، ويطلق ويراد به ما دونه من المعاصي كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ).\n• فالمعاصي سبب لنزول المصائب وزوال النعم.\nقال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).\nوقال تعالى (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ).\nوقال تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا).\nوقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).\nوقال تعالى (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).\nوقال تعالى (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ).\nوقال تعالى (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-247>الفوائد:</span>\n١ - إثبات القول لله.\n٢ - مشروعية لسجود لله عند تجدد النعم واندفاع النقم.\n٣ - أن النعم تستوجب الخضوع والذل لله، ولذلك لما دخل النبي -ﷺ- مكة فاتحًا دخل وهو متواضع خاضع لله.\n٤ - عناد بني إسرائيل حيث بدلوا وغيروا.\n٥ - فضل الإحسان وأنه سبب للمزيد.\n٦ - مراقبة الله.\n٧ - أن الجزاء من جنس العمل، فمن أحسن أحسن الله إليه.\n٨ - أن الظلم سبب للعقوبة.","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-248>(وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠»</span> [البقرة: ٦٠].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ) أي واذكروا يا بني إسرائيل حين طلب موسى السقيا لقومه وقد عطشوا في التيه.\n• قال الرازي: جمهور المفسرين أجمعوا على أن هذا الاستسقاء كان في التيه، لأن الله تعالى لما ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل ثيابهم بحيث لا تبلى ولا تتسخ خافوا العطش فأعطاهم الله الماء من ذلك الحجر.\n• قال ابن عاشور: تذكير بنعمة أخرى جمعت ثلاث نعم وهي:\nأ-الري من العطش، وتلك نعمة كبرى أشد من نعمة إعطاء الطعام ولذلك شاع التمثيل بري الظمآن في حصول المطلوب.\nب-وكون السقي في مظنة عدم تحصيله وتلك معجزة لموسى وكرامة لأمته لأن في ذلك فضلًا لهم.\nج-وكون العيون اثنتي عشرة ليستقل كل سبط بمشرب فلا يتدافعوا.\n(فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ) أي: اضرب أي حجر كان تتفجر بقدرتنا العيون منه.\n• قوله تعالى (بِعَصَاكَ الْحَجَرَ) قيل (أل) للعهد، أي اضرب عصًا معهودًا معينًا معروفًا عندهم، لكن الصحيح أنه حجر غير معين، والمراد أن يضرب أي حجر من غير تحديد.\n• قال في التسهيل: قيل هو جنس غير معين، وذلك أبلغ في الإعجاز.\n• وقال الشيخ ابن عثيمين: و(الحجر) المراد به الجنس، فيشمل أيّ حجر يكون، وهذا أبلغ من القول بأنه حجر معين.\nوقال ابن الجوزي: واختلفوا في صفة الحجر على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه كان حجرًا مربعًا، والثاني: كان مثل رأس الثور، والثالث: مثل رأس الشاة.\n• قال الرازي - ﵀ - بعد ذكر بعض هذه الأقوال في صفة الحجر: واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب، لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع، ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفي فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولى تركها.\n• وقال الآلوسي: بعد أن ذكر أكثر هذه الروايات في صفة الحجر: وظاهر أكثرها التعارض، ولا ينبئ على تعيين هذا الحجر أمر ديني والأسلم تفويض علمه إلى الله.","vol":"1","page":223},{"text":"• قوله تعالى (بعصاك) قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:\n\n•<span data-type='title' id=toc-249> وهذه العصا كان فيها أربع آيات:</span>\nأولًا: أنه يلقيها فتكون حية تسعى، ثم يأخذها فتعود عصا.\nثانيًا: أنه يضرب بها الحجر فينفجر عيونًا.\nثالثًا: أنه ضرب بها البحر، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم.\nرابعًا: أنه ألقاها حين اجتمع إليه السحرة، وألقوا حبالهم وعصيهم، فألقاها فإذا هي تلقف ما يأفكون.\n(فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) أي فضرب فتدفق الماء منه بقوة وخرجت منه اثنتا عشرة عينًا بقدر قبائلهم.\n• في سورة الأعراف قال تعالى (فانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) وهنا قال (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) قال ابن كثير قوله (فانْبَجَسَتْ مِنْهُ) هذا أول الانفجار، وأخبر ههنا بما آل إليه الحال آخرًا وهو الانفجار.\nوقال بعض العلماء: بل هما بمعنى واحد، فكل من الأنبجاس والانفجار انشقاق واسع ينحدر منه الماء بقوة ورجحه الشنقيطي.\n• هذه معجزة وآية عظيمة لموسى، قال بعض العلماء: إنه ما من معجزة أوتيها نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي نبينا -ﷺ- من جنسها.\nفنبينا -ﷺ- أوتي معجزة تفجر الماء من بين أصابعه، وهذه المعجزة لا شك أقوى من معجزة موسى ﵇، وذلك لأن الحجارة أصلًا ما يتفجر منه الأنهار، لكن ليس من الأصابع ما يتفجر من بينها الماء.\nومن ذلك: سليمان ﵇، سخّرت له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ونبينا -ﷺ- سخّر له البراق فانطلق به من مكة إلى بيت المقدس، وكذلك عُرج برسول الله -ﷺ- إلى السموات، ولم يحدث هذا لسليمان ﵇.\n(قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) أي علمت كل قبيلة مكان شربها لئلا يتنازعوا.\n• وهذه من نعمة الله على بني إسرائيل، وهي من نعمة الله على موسى، أما كونها نعمة على موسى فلأنها آية دالة على رسالته، وأما كونها نعمة على بني إسرائيل فلأنه مزيلة لعطشهم ولظمئهم.","vol":"1","page":224},{"text":"(كُلُوا) من المن والسلوى.\n(وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) أي من هذا الماء من غير كدٍ منكم ولا تعب، بل هو رزق ونعمة من الله.\n(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) أي ولا تطغوا في الأرض بأنواع البغي والفساد.\n• قال ابن عاشور: وقوله (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) ووجه النهي عنه أن النعمة قد تنسي العبد حاجته إلى الخالق فيهجر الشريعة فيقع في الفساد قال تعالى (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى).\n\n<span data-type='title' id=toc-250>الفوائد:</span>\n١ - افتقار الخلق إلى الله ولو كان أعلى أصناف الخلق وهم الرسل.\n٢ - مشروعية الاستسقاء وطلب المطر من الله.\n٣ - بيان ما حصل من عصا موسى من الآيات حيث ضرب بها الحجر فانفجر عيونًا.\n٤ - إثبات وجود الله ﷿.\n٥ - أن الله يجيب دعاء من سأله.\n٦ - أن رزق الله واسع وكثير لكل الخلق.\n٧ - أن كل ما في الأرض من خيرات فهو من رزق الله.\n٨ - تحريم طلب الرزق من غير الله، لأن الرزق رزق الله وهو الذي يرزق ويمنع.\n٩ - ينبغي قسم الماء عند الكثرة وتوزيعه بالتساوي حتى لا يحصل الازدحام والاقتتال.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-251>(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١».</span> [البقرة: ٦١]\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) أي واذكروا يا بني إسرائيل حين قلتم لنبيكم موسى وأنتم في الصحراء تأكلون من المنّ والسلوى، لن نصبر على طعام واحد، أي على نوع واحد من الطعام.\n• قال القرطبي: كان هذا القول منهم في الِّتيه حين مَلُّوا المنّ والسَّلْوَى، وتذكّروا عيشهم الأوّل بمصر.\n• قوله تعالى (على طعام واحد) مع أن المن والسلوى طعام متعدد، والجواب من وجهين:\nالأول: أن الشيء الذي يتكرر دائمًا - وإن كان متنوعًا - ولا يتغير يقال له طعام واحد.\nالثاني: أن المجعول على مائدة واحدة يصح أن يقال له طعام واحد ورجحه الشنقيطي وقال:\nإن المجعول على المائدة الواحدة تسميه العرب طعامًا واحدًا وإن اختلفت أنواعه، ومنه قولهم: أكلنا طعام فلان، وإن كان أنواعًا مختلفة.\n(فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) أي ادع الله أن يرزقنا غير ذلك الطعام، فقد سئمنا المن والسلوى وكرهناه، ونريد ما تخرجه الأرض من الحبوب والبقول.\n• قال ابن كثير: وكانوا قومًا أهل عدس وبصل وبقول وفوم.\n(مِنْ بَقْلِهَا) البقل: كل نبات ليس له ساق، كالكراث والجرجير.\n(وَقِثَّائِهَا) القثاء نوع من الخيار طويل.\n(وَفُومِهَا) قيل: هو الثوم، وقيل: هو الحنطة، قال القرطبي: روي عن ابن عباس وأكثر المفسرين.\n(وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) أي العدس والبصل المعروفان.\n(قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيئة مع ما هم فيه من العيش الرغيد والطعام الهنيء الطيب النافع.","vol":"1","page":226},{"text":"• قال القرطبي: ومعنى الآية: أتستبدلون البَقْل والقِثّاء والفُومَ والعَدَس والبَصل الذي هو أدنى بالمنّ والسَّلْوَى الذي هو خير.\n• قال ابن عاشور: وفي الاستبدال للخير بالأدنى النداء بنهاية حماقتهم وسوء اختيارهم.\n• إنما فضل المن والسلوى على هذه البقول من وجوه:\nأولًا: أن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المنّ والسلوى كانا أفضل؛ قاله الزجاج.\nالثاني: لمّا كان المنّ والسلوى طعامًا منّ الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذُخْرٌ في الآخرة، والذي طلبوه عارٍ من هذه الخصائل، كان أدنى في هذا الوجه.\nالثالث: لمّا كان ما منّ الله به عليهم أطيب وألذّ من الذي سألوه، كان ما سألوه أدنى من هذا الوجه لا محالة.\nالرابع: لمّا كان ما أُعْطُوا لا كُلْفةَ فيه ولا تعب، والذي طلبوه لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب، كان أدنى.\nالخامس: لمّا كان ما ينزل عليهم لا مِرْيةَ في حِلّه وخُلوصه لنزوله من عند الله، والحبوب والأرض يتخلّلها البيوع والغصوب وتدخلها الشُّبه، كانت أدنى من هذا الوجه. [تفسير القرطبي].\n(اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) أي مصرًا من الأمصار، كما قال ابن عباس، ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون.\nقال ابن كثير: والحق أن المراد: مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره، والمعنى على ذلك لأن موسى ﵇ يقول لهم: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه، ولهذا قال (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم) أي ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا إليه.\nظاهر هذا أن موسى لم يسأل الله لهم، لأن هذه التي طلبوها متوفرة موجودة في كل مكان.\n(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) أي وضعت عليهم وأُلْزِموا بها شرعًا وقدرًا أي: لا يزالون مستذلين، من وَجدهم استذلهم وأهانهم وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون.","vol":"1","page":227},{"text":"• قيل: الذلة: الصغار، والمسكنة: الفقر والخضوع.\n• قال الرازي (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّة) فالمعنى جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم فهم فيها كمن يكون في القبة المضروبة أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازم كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه.\n• وقال القرطبي: أي أُلزِموهما وقُضِيَ عليهم بهما. والذَّلّة: الذُّلّ والصَّغار، والمسكنة: الفقر، فلا يوجد يهوديّ وإن كان غَنِيًا خاليًا من زِي الفقر وخضوعه ومهانته.\n(وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) أي: رجعوا وانقلبوا متحملين غضب الله قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط.\n(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة، وإحلال الغضب بهم من الذلة، بسبب استكبارهم عن اتباع الحق وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع، وهم الأنبياء وأتباعهم، فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كفر أعظم من هذا، إنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء الله بغير الحق.\n• وقال القرطبي: قوله تعالى (بِغَيْرِ الحق) تعظيم للشُّنْعة والذّنب الذي أتوه.\nفإن قيل: هذا دليل على أنه قد يصح أن يُقتلوا بالحق؛ ومعلوم أن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يُقتلون به، قيل له: ليس كذلك؛ وإنما خرج هذا مخرج الصفة لقتلهم أنه ظُلم وليس بحق؛ فكان هذا تعظيمًا للشُّنعة عليهم؛ ومعلوم أنه لا يُقتل نبيّ بحق، ولكن يُقتل على الحق؛ فصرّح قوله (بِغَيْرِ الحق) عن شُنعة الذنب ووضوحه؛ ولم يأت نبيّ قط بشيء يوجب قتله.\n• وقال السعدي (بغير الحق) زيادة شناعة، وإلا فمن المعلوم أن قتل النبيين لا يكون بحق، لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم.\n• عن ابن مسعود. أن رسول الله -ﷺ- قال (أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبيًا وإمام ضلالة وممثل من الممثلين) رواه أحمد.","vol":"1","page":228},{"text":"• قال القرطبي: فإن قيل: كيف جاز أن يخلّى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟\nقيل: ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم؛ كمثل من يُقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك بُخذلان لهم.\nوقال ابن عباس والحسن: لم يُقتل نبيّ قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلُّ مَن أمر بقتال نُصِر.\n(ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به أنهم كانوا يعصون ويعتدون فالعصيان فعل المناهي، والاعتداء المجاوزة في حد المأذون فيه والمأمور به، والله أعلم.\n• قال السعدي: واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأمة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين وقت نزول القرآن، وهذه الأفعال المذكورة خوطبوا بها وهي فعل أسلافهم، ونسبت لهم لفوائد عديدة:\nمنها: أنهم كانوا يتمدحون ويزكون أنفسهم، ويزعمون فضلهم على محمد ومن آمن به، فبين الله من أحوال سلفهم التي قد تقررت عندهم، ما يبين به لكل أحد منهم أنهم ليسوا من أهل الصبر ومكارم الأخلاق، ومعالي الأعمال، فإذا كانت هذه حالة سلفهم، مع أن المظنة أنهم أولى وأرفع حالة ممن بعدهم فكيف الظن بالمخاطبين؟\nومنها: أن نعمة الله على المتقدمين منهم، نعمة واصلة إلى المتأخرين، والنعمة على الآباء، نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها، لأنها نعم تشملهم وتعمهم.\nومنها: أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم، مما يدل على أن الأمة المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها، حتى كان\nمتقدمهم ومتأخرهم في وقت واحد، وكان الحادث من بعضهم حادثًا من الجميع.\nلأن ما يعمله بعضهم من الخير يعود بمصلحة الجميع، وما يعمله من الشر يعود بضرر الجميع.\nومنها: أن أفعالهم أكثرها لم ينكروها، والراضي بالمعصية شريك للعاصي، إلى غير ذلك من الحِكَم التي لا يعلمها إلا الله.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-252>الفوائد:</span>\n١ - فضل الله على بني إسرائيل حيث أعطاهم الطعام من غير تعب ولا كد.\n٢ - بيان سفه هؤلاء حيث لم يصبروا على هذا الطعام الطيب الذي أنزله الله من السماء تكريمًا لهم.\n٣ - جواز التوسل بدعاء من ترجى إجابته.\n٤ - ذم من يطلب الأدنى بدلًا من الأعلى.\n٥ - أن الذي ينبت الزرع ويأتي بالأرزاق هو الله.\n٦ - جواز تفضيل الأطعمة بعضها على بعض.\n٧ - أن الله كتب على بني إسرائيل الذلة والمسكنة، وما قوتهم الآن إلا بسبب ضعف المسلمين.\n٨ - حلول غضب الله على بني إسرائيل.\n٩ - إثبات الغضب لله.\n١٠ - أن سبب ذلك: هو قتلهم للأنبياء وبسبب عصيانهم وطغيانهم.\n١١ - أن المعاصي والذنوب سبب لغضب الله.\n١٢ - أن الله لا يظلم أحدًا، قال تعالى (فكلًا أخذنا بذنبه).","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-253>(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).</span> [البقرة: ٦٢].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي آمنوا بمحمد -ﷺ-.\n(وَالَّذِينَ هَادُوا) وهم اليهود، سموا بذلك، قيل: من التوبة كقول موسى (إنا هدنا إليك) أي تبنا إليك، وقيل: نسبة إلى يهود أكبر أولاد يعقوب، وقيل: لأنهم يتهودون، أي يتحركون عند القراءة.\n(وَالنَّصَارَى) هم أتباع عيسى، سموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقيل: سموا بذلك لأنهم نزلوا أرضًا يقال لها ناصرة.\n(وَالصَّابِئِينَ) اختلف العلماء فيهم، فقيل: هم قوم بين المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين، وهذا قول مجاهد، وقيل: هم فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور، وقيل: هم قوم يعبدون الملائكة.\n• قال ابن كثير: وأظهر الأقوال والله أعلم، قول مجاهد ومتابعيه ووهب بن منبه: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتنونه، ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئ، أي أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك. وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، والله أعلم.\n(مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) الإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده والإيمان بربوبيته والإيمان بألوهيته والإيمان بأسمائه وصفاته.\n(وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي -ﷺ- مما يكون بعد الموت، فيشمل ما يكون في القبر\nمن سؤال الملكين، وعذاب القبر ونعيمه، والبعث، والحشر، والصراط، والجزاء، والجنة والنار، سمي بذلك لأنه لا يوم بعده.\n• وكثيرًا ما يقرن الله ﷿ بين الإيمان به وبين الإيمان باليوم الآخر.\nكما في قوله تعالى (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ).\nوقوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر).\nوقوله تعالى (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ).\nوقال -ﷺ- (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) متفق عليه.\nوذلك لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم الحوافز التي تدفع الإنسان للعمل الصالح، حيث الجزاء على الأعمال في ذلك اليوم، فهو أعظم دافع إلى العمل الصالح، وهو أعظم رادع عن التمادي في الباطل لمن وفقه الله.","vol":"1","page":231},{"text":"وقد روي عن عمر أنه قال (لولا الإيمان باليوم الآخر لرأيت من الناس غير ما ترى) أي: لتنكّر الناس بعضهم لبعض وتهالكوا في الشرور، واعتدى بعضهم على بعض ونحو ذلك.\n(وَعَمِلَ صَالِحًا) العمل الصالح ما اجتمع فيه شرطان: الإخلاص لله، المتابعة للرسول -ﷺ-.\nودائمًا يقرن الله العمل بالصالح، لأنه ليس كل عمل يقبل إلا إذا كان صالحًا.\nقال تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ …).\nوقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً …).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا).\nوقال تعالى (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى).\nقال السعدي: ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.\n(فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: ثوابهم عند ربهم.\n• وفي تسمية ثوابهم أجرًا تأكيد لتكفله -﷿- لهم بذلك، وفي كونه عند ربهم تعظيم له، لأنه الكريم الجواد.\n(وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) أي: فيما يستقبلونه من أمر الآخرة.\n(وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي: على ما فاتهم من أمور الدنيا.\n• هذه الآية هي قطعًا في الأمم التي كانت قبل مبعث النبي، فإن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب، فمن تبع الأنبياء وقبِل دعوتههم واستجاب لهم فإن الله وعده بالرحمة والجنة، وأما بعد مبعث النبي -ﷺ- فإن الله لا يقبل من أحد سوى الإسلام.\nكما قال (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).\nوقال النبي -ﷺ- (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم.\n• فقد جاءت الآيات القرآنية في كفر اليهود والنصارى، وكونهم مشركين لا يقبل الله منهم إيمانًا ولا عملًا قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).\nوقال تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ\nبِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ).","vol":"1","page":232},{"text":"• فالمراد إذًا من الآية (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ …) الإخبار عمن مضى ممن كان متمسكًا بدين حقٍّ من اليهود والنصارى والصابئين، ومن المؤمنين بعد مبعث النبي -ﷺ-.\nقال ابن القيم: فتناولت هذه الآية من كان من أهل هذه الملل الأربع متمسكًا بها قبل النسخ بغير تبديل.\nوقال السعدي: والصحيح أن هذا الحكم بين هذه الطوائف من حيث هم، لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد، فإن هذا إخبار عنهم قبل بعثة محمد -ﷺ-، وأن هذا مضمون أحوالهم.\nويستدل لهذا:\nما جاء عن سلمان أنه قال (سألت النبي -ﷺ- عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ..).\nولحديث عِياض بن حمار. أن رسول الله -ﷺ- قال في حديثه عن قبل البعثة (وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب) رواه مسلم.\n• وذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ …) منسوخة بقوله تعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين) ونسبه ابن الجوزي لجماعة من المفسرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-254>الفوائد:</span>\n١ - فضل من آمن بالله واليوم الآخر مع العمل الصالح، وأنه لا خوف عليه ولا حزن وله أجر كبير عند الله.\n٢ - بيان عدل الله.\n٣ - أن العبرة عند الله بالإيمان والعمل الصالح.\n٤ - وجوب الإيمان باليوم الآخر.\n٥ - أن الإيمان بالله والعمل الصالح يطرد الخوف والقلق.\n٦ - أن عدم الإيمان بالله وعدم العمل الصالح سبب للقلق والاضطراب والخوف.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-255>(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ).</span> [البقرة: ٦٣ - ٦٤]\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) يقول تعالى مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له، واتباع رسله، وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق، رفع الجبل فوق رؤوسهم.\n• قال الآلوسي: تذكير بنعمة أخرى، لأنه سبحانه إنما فعل ذلك لمصلحتهم، والظاهر من الميثاق هنا العهد، ولم يقل: مواثيقكم، لأن ما أخذ على كل واحد منهم أخذ على غيره فكان ميثاقًا واحدًا ولعله كان بالانقياد لموسى ﵇.\n• فالطور هو الجبل كما فسره به في الأعراف في قوله تعالى (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). نتقنا: أي رفعنا.\n• قال الشوكاني: والطور: اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇، وأنزل عليه التوراة فيه.\n• قال أبو حيان: سبب رفعه امتناعهم من دخول الأرض المقدّسة، أو من السجود، أو من أخذ التوراة والتزامها.\n• قال ابن الجوزي: وجمهور العلماء على أنه إنما رفع الجبل عليهم لإبائهم التوراة.\n(خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ) أي التوراة.\n(بِقُوَّةٍ) أي: أي بجد وعزيمة كاملة وعدول عن التغافل والتكاسل.\n• في هذا أنه ينبغي على الإنسان أن يأخذ أوامر الله بنشاط وقوة وعزيمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-256>ومما يؤدي ويحفز إلى النشاط في الطاعات ما يلي:</span>\nأولًا: أن يعلم أنه سيأتي يوم ينمو يتمنى أن لو عمل.\nقال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).\nوقال تعالى (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).","vol":"1","page":234},{"text":"وقال تعالى (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي).\n(يَا لَيْتَنِي) متحسرًا متندمًا.\nوفي الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها وكمالها هي الحياة في دار القرار.\nوقال -ﷺ- (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا ..).\nثانيًا: أن النشاط في الطاعات دليل القوة.\nعن أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف).\nثالثًا: أن النشاط في العبادة دليل الإيمان.\nفإن المنافق لا يأتي للطاعة إلا بكسل وتثاقل.\nقال تعالى (إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا).\nوقال تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ).\nوقال -ﷺ- (أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا).\nرابعًا: أن النشاط في الطاعة من دعاء النبي -ﷺ-.\nفقد -ﷺ- يستعيذ من ضدها من كسل وعجز.\nعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) متفق عليه.\nخامسًا: أن ذلك من صفات الأنبياء.\nقال تعالى (يا يحيي خذ الكتاب بقوة).\nوقال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).\nسادسًا: ذكر نعم الله.\nقال تعالى (اذكروا نعمة الله عليكم).\nفإن ذكر النعم داع إلى محبة الله، منشط في العبادة.\n• وإذا استمر الإنسان بالكسل والتخلف والتباطئ قد يعاقب بعدم التوفيق للطاعة مرة أخرى.\nقال تعالى (وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِين).\nوعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا فَقَالَ لَهُمْ: تَقَدَّمُوا فَائْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ).\nقال الشيخ ابن عثيمين: وعلى هذا فيخشى على الإنسان إذا عود نفسه التأخر في العبادة أن يبتلى بأن يؤخره الله ﷿ في جميع مواطن الخير.\n(وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) يقول: اقرؤوا ما في التوراة واعملوا به.","vol":"1","page":235},{"text":"• قال القرطبي: (واذكروا مَا فِيهِ) أي: تدبّروه واحفظوا أوامره ووعيده، ولا تنسوه ولا تضيّعوه.\nقلت: هذا هو المقصود من الكُتب، العملُ بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها؛ فإن ذلك نَبْذٌ لها؛ على ما قاله الشعبي وابن عُيَيْنة.\n(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (لعل) للتعليل، أي: لأجل أن تتقوا الهلاك في الدنيا والآخرة.\n(ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي من بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه.\n• قال أبو حيان: أي أعرضتم عن الميثاق والعمل بما فيه.\n(فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) أي بتوبته عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم.\n(لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة.\n• ونقض العهد ضرره عظيم من اللعنة وقسوة القلب كما قال تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة).\n\n<span data-type='title' id=toc-257>الفوائد:</span>\n١ - أن الله أخذ العهود والمواثيق على بني آدم أن يوحدوه ويؤمنوا به.\n٢ - بيان قدرة الله، حيث رفع فوقهم هذا الجبل العظيم.\n٣ - وجوب أخذ الإنسان شريعة الله بقوة.\n٤ - الحذر من الكسل والتواني في الأعمال الصالحات وهذا ينقسم إلى قسمين:\nأولًا: التواني في فعل المأمورات: بأن نتكاسل في فعل الواجبات ونتراخى في فعل المندوبات.\nثانيًا: الضعف في ترك المنهيات، بحيث يضعف الإنسان أمام الشهوة الدافعة إلى فعل المعصية.\n٥ - وجوب ذكر ما في الكتب السابقة، من وعد ووعيد، وترغيب وتهديد، وهذا الذكر يكون باللسان وبالعمل والتطبيق.\n٦ - إثبات فضل الله على بني إسرائيل.\n٧ - أن أخذ الشرائع بقوة وذكر ما فيها يكون سببًا للتقوى.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-258>(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ. فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ).</span> [البقرة: ٦٥ - ٦٦].\n<hr><s0>\n\n(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) يقول تعالى (ولقد علمتم) يا معشر اليهود ما أحل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره إذ كان مشروعًا لهم، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما وضعوا لها من الحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله إلى صورة القردة وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم.\n\nقال الرازي:<span data-type='title' id=toc-259> المقصود من ذكر هذه القصة أمران:</span>\nالأول: إظهار معجزة محمد ﵇ فإن قوله (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ) كالخطاب لليهود الذين كانوا في زمان محمد ﵇ فلما أخبرهم محمد ﵇ عن هذه الواقعة مع أنه كان أميًا لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك على أنه ﵇ إنما عرفه من الوحي.\nالثاني: أنه تعالى لما أخبرهم بما عامل به أصحاب السبت فكأنه يقول: لهم أما تخافون أن ينزل عليكم بسبب تمردكم ما نزل عليهم من العذاب فلا تغتروا بالإمهال الممدود لكم.\n• وقد جاءت القصة مبسوطة في سورة الأعراف، قال تعالى (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).\n(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ) أي واسأل يا محمد اليهود عن أخبار أسلافهم وعن أمر القرية.\n(الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) مبنية على شاطئه بحضرته قريبًا منه.\n• اختلف العلماء في هذه القرية، فقيل: هي أيلة وهذا قول الأكثر، وقيل: مدين، وقيل غير ذلك، ولا يهم معرفة القرية، وإنما المهم معرفة ما حدث لهم والاعتبار به والاتعاظ.","vol":"1","page":237},{"text":"وملخص قصتهم: كانت هذه القرية محرم عليهم الاصطياد يوم السبت - ابتلاء واختبارًا من الله - وكان يشتد قرمهم إلى لحم السمك - القَرَم بفتحتين: شهوة اللحم - وكان الله افتتنهم فتنة، كان إذا كان يوم السبت جاءهم السمك على وجه البحر أفواجًا أفواجًا، فإذا غربت الشمس يوم السبت تمنّع في البحر فلا يقدرون على شيء منه، وهذا ابتلاء وامتحان لهم، فمكثوا من الزمن بهذا ما شاء الله، ثم بعد ذلك اشتدت شهوتهم إلى اللحم، فصاروا يحتلون على السمك يوم الجمعة - مثلًا - فيحفرون فيُجرُون في الماء أخاديد يسيل فيها الماء، فإذا انتهت حفروا حُفرًا عميقة، فإذا جاء الحوت مع تلك الأخاديد المائية نزل في الحفر فلا يقدر على الرجوع فأخذوه يوم الأحد، وكان بعضهم - فيما يقولون - يجعل في ذنب الحوت خيطًا ويدق وتدًا على الشاطئ، ويمسك رأس الخيط فيه، فيبقى الحوت في الماء ممسكًا بالخيط، فإذا غربت شمس يوم السبت جاء وأخذه، فلما فعلوا هذه الحيل ولم يعاجلهم العذاب كأنهم تجرؤا وتشجعوا وقالوا: لعل حرمة صيد السمك رفعها الله، لأنه لم يفعل بنا بأسًا، فلم يزالوا يتدرجون في الحيل حتى صار بعضهم يصطاده علنًا ويملحونه ويبيعونه في الأسواق، وكانوا ثلاث طوائف: طائفة باشرت العدوان يوم السبت واصطياد السمك، وطائفة نهتهم عنه، وطائفة سكتت، وقد بيّن الله أن الذين اعتدوا في السبت عذبهم عذابًا بئيسًا وهو مسخهم قردة، والطائفة التي نهتهم أنجاهم، وسكت تعالى عن الطائفة الساكتة.\n(فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) أي: فأصبحوا قردة خاسئين. والخاسئ: هو الحقير الذليل الخسيس.\n• قال الشنقيطي: القردة: جمع قرد، وهو الحيوان المعروف، وهو من أخس الحيوانات، والدليل على أنه من أخس الحيوانات أن الله مسخ في صورته من أراد إذلالهم وإهانتهم وصغارهم، وهذا معروف أن القرد من أخس الحيوانات.\n• اختلف العلماء هل هذا المسخ كان حقيقة أم كان معنويًا، والصحيح أنه كان حسيًا فصاروا قردة، وهذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد: مسخت قلوبهم ولم تمسخ صورهم، قال القرطبي: ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-260>(فَجَعَلْنَاهَا) اختلف في مرجع الضمير على أقوال:</span>\nقيل: العقوبة.\nوقيل: القردة.\nوقيل: القرية، وهذا الصحيح.\nورجحه ابن كثير، وقال: والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي فجعل الله هذه القرية والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم.","vol":"1","page":238},{"text":"(نَكَالًا) أي عاقبناها عقوبة فجعلناها عبرة.\n• قال القرطبي: والنّكال: الزجر والعقاب، والنِّكْل والأنكال: القيود، وسُمِّيت القيود أنكالًا لأنها يُنْكل بها، أي يمنع، والتّنكيل: إصابة الأعداء بعقوبة تُنَكِّل مَن وراءهم؛ أي تُجَبِّنهم.\n(لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا) اختلف العلماء في المراد في قوله: بين يديها وما خلفها.\nوالصحيح: (بين يديها) أي من بحضرتها من القرى يبلغهم خبرها وما حل بها كما قال تعالى (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) فجعلهم عبرة ونكالًا لمن في زمانهم.\n(وما خلفها) من يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم.\n(وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) المراد بالموعظة هنا الزاجر، أي جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم.\n• قال الرازي: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) أن: من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم، وإن لم ينزل عاجلًا فلا بد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم.\n• وقال الآلوسي: (وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ) الموعظة ما يذكر مما يلين القلب ثوابًا كان أو عقابًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-261>الفوائد:</span>\n١ - تحريم الحيل المحرمة وأن ذلك من صفات اليهود.\nوالحيلة: التوصل إلى أمر محرم بفعلٍ ظاهره الإباحة، والحيل حرام لقوله -ﷺ- (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) ولأن المتحيل فيه نوع استهزاء بالله تعالى.\nكل من تحيل لارتكاب محرم [إما بإسقاط واجب أو فعل محرم] فقد ارتكب مفسدتين:\nالأولى: مفسدة التحايل. الثانية: مفسدة فعل المحرم.\nإسقاط واجب: سافر من أجل أن يفطر، [فعل محرم] قلب الدين كما سبق.\nوقد دل على التحريم أدلة كثيرة:\nمنها: الآية التي معنا حيث عاقبهم الله ومسخهم قردة.\nومنها: قوله -ﷺ- (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) رواه ابن أبي بطة.\nومنها: أن الله سبحانه أخبر عن أهل الجنة الذين بلاهم بما بلاهم به في سورة (القلم) وأنه عاقبهم بأنه أرسل على جنتهم طائفًا وهو نائمون فأصبحت كالصريم، وذلك لما تحيلوا على إسقاط نصيب المساكين، بأن يصرموها مصبحين، قبل مجيء المساكين، فكان في ذلك عبرة لكل محتال على إسقاط حق من حقوق الله تعالى أو حقوق عباده.","vol":"1","page":239},{"text":"٢ - أن إقامة شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة.\nلقوله تعالى في سورة الأعراف في هذه القصة (وأَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ).\nوعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا). رواه البخاري\n٣ - تذكير الأمة بما فعل أسلافها ليتخذوا من ذلك عبرة.\n٤ - وجوب الاعتبار بقصص من مضى (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب).\n٥ - أن الحيل من صفات اليهود.\n٦ - أن العقوبة تكون مجانسة للعمل، فهؤلاء القوم لما تحيلوا على فعل المحرم بما ظاهره الإباحة، قلبهم الله إلى أقرب الحيوانات شبهًا بالإنسان وهي القردة.\n٧ - بيان قدرة الله حيث قلب هؤلاء البشر من الإنسانية إلى الحيوانية البهيمية.\n٨ - إثبات العقوبة وأن العقوبة لابد أن لها تأثيرًا.\n٩ - أن الموعظة إنما ينتفع بها المتقون، فمن ليس بمتقٍ لا ينتفع بالموعظة، فكلما كان الإنسان أتقى لله كان أوعى للموعظة وأكثر انتفاعًا بها.\n١٠ - أن من فوائد التقوى أن صاحبها يتعظ ويعتبر بما يحصل.\n١١ - فضل التقوى.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type='title' id=toc-262>(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ (٦٨) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣».</span> [البقرة: ٦٧ - ٧٣].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً) أي واذكروا يا بني إسرائيل حين قال لكم نبيكم موسى (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) أي: وتضربوا القتيل ببعضها فيحيا، فيخبركم عن قاتله.\n• قال ابن عاشور: تعرضت هذه الآية لقصة من قصص بني إسرائيل ظهر فيها من قلة التوقير لنبيهم ومن الإعنات في المسألة والإلحاح فيها إما للتفصي من الامتثال، وإما لبعد أفهامهم عن مقصد الشارع ورومهم التوقيف على ما لا قصد إليه.\nوسبب ذلك: أنه وجد قتيل في بني إسرائيل ولا يعرف قاتله، فأتوا موسى وطلبوا منه أن يسأل ربه عن قاتله، فأمرهم بذبح بقرة فقال (أن تذبحوا بقرة).\nوظاهر هذه الآية يدل على أنهم لو ذبحوا أيّ بقرة لأجزأت، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم.\n(قالُو اْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) هذا جواب منهم لموسى لما قال لهم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً).\nوالهزء: اللعب والسخرية.\n(قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) لأن الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء جهل، فاستعاذ منه ﵊، لأنها صفة تنتفي عن الأنبياء.\nقال أبو حيان (قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) لما فهم موسى -﵇- عنهم أن تلك المقالة التي صدرت عنهم إنما هي لاعتقادهم فيها أنه أخبر عن الله بما لم يأمر به، استعاذ بالله وهو الذي أخبر عنه، أن يكون من الجاهلين بالله، فيخبر عنه بأمر لم يأمر به تعالى، إذ الإخبار عن الله تعالى بما لم يخبر به الله إنما يكون ذلك من الجهل بالله تعالى.\n• وفي الآية دليل على أن الذي يستهزئ بالناس جاهل سفيه.\n(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ) أي ما سنها.","vol":"1","page":241},{"text":"• قال الشنقيطي: لم يبين هنا مقصودهم بقولهم (ما هي) إلا أن جواب سؤالهم دل على أن مرادهم بقولهم في الموضع الأول (ما هي) أي ما سنها.\n• قال القرطبي: هذا تعنيت منهم وقلّة طواعية؛ ولو امتثلوا الأمر وذبحوا أيّ بقرة كانت لحصل المقصود، لكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما.\n(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ) أي: لا كبيرة هرِمَة، ولا صغيرة لم يلْقَحْها الفحل.\n(عَوَانٌ بَيْنَ ذلِكَ) أي وسط بين الكبيرة والصغيرة.\n(فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ) أي افعلوا ما أمركم به ربكم ولا تتعنتوا ولا تشددوا فيشدد الله عليكم.\n• قال القرطبي: (فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ) تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنّت فما تركوه.\nوهذا يدل على أن مقتضى الأمر الوجوب كما تقوله الفقهاء؛ وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه.\n(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ) أي إنها بقرة صفراء شديدة الصفرة، ولذلك أكد صفرتها بقوله:\n(فَاقِعٌ لَّوْنُهَا) شديدة الصفرة.\n• قال ابن عاشور: سألوا بـ (ما) عن ماهية اللون وجنسه لأنه ثاني شيء تتعلق به أغراض الراغبين في الحيوان.\nوما ذهب إليه بعض العلماء من أن المراد بالصفرة (السواد) مردود من وجهين:\nأحدهما: أنه أكّد الصفرة بقوله (فاقع لونها) والفقوع لا يوصف به إلا الصفرة الخالصة تمامًا.\nثانيهما: أن العرب لا تُطلق الصفرة وتريد السواد إلا في الإبل خاصة دون غيرها.\n• قال الماوردي: حُكِيَ عن الحسن البصري، أن المراد بقوله صفراء، أي سوداء شديدة السواد، وقال سائر المفسرين: إنها صفراء اللون، من الصفرة المعروفة، وهو أصح، لأنه الظاهر، ولأنه قال (فَاقِعٌ لَّوْنُهَا) والفاقع من صفات الصفرة، وليس يوصف السواد بذلك، وإنما يقال: أسود حالكٌ، وأحمر قانٍ، وأبيضُ ناصعٌ، وأخضرُ ناضرٌ، وأصفرُ فاقعٌ.\n(تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) تعجب الناظرين.\n(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) أي لكثرتها، فميّز لنا هذه البقرة ووصفها وجلِّها لنا.","vol":"1","page":242},{"text":"• قال الآلوسي: (إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا) تعليل لقوله تعالى (ادع) كما في قوله تعالى (صَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتك سَكَنٌ لَّهُمْ) وهو اعتذار لتكرير السؤال أي إن البقر الموصوف بما ذكر كثير فاشتبه علينا، والتشابه مشهور في البقر، وفي الحديث (فتن كوجوه البقر) أي يشبه بعضها بعضًا.\n(وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) إذا بينتها لنا، وقد جاء في حديث مرفوع (لولا أن بني إسرائيل قالوا: وإنا إن شاء الله لمهتدون، لما أعطوا، ولكن استثنوا).\n• قال ابن عاشور: وقولهم (وإنا إن شاء الله لمهتدون) تنشيط لموسى ووعد له بالامتثال لينشط إلى دعاء ربه بالبيان ولتندفع عنه سآمة مراجعتهم التي ظهرت بوارقها في قوله (فافعلوا ما تؤمرون) ولإظهار حسن المقصد من كثرة السؤال وأن ليس قصدهم الإعنات، تفاديًا من غضب موسى عليهم، والتعليق بـ (إن شاء الله) للتأدب مع الله في رد الأمر إليه في طلب حصول الخير.\n(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ) أي إنها ليست مذللة بالحراثة ولا معدة للسقي في الساقية، بل هي مكرمة حسنة.\n(مُسَلَّمَةٌ) أي لا عيب فيها، ليس فيها عرج ولا عور ولا كسر قرن.\n(لاَّ شِيَةَ فِيهَا) أي ليس فيها لون غير لونها.\n• قال ابن كثير: وقد زعم بعضهم أن المعنى في ذلك قوله تعالى (إنها بقرة لا ذلول) ليست بمذللة بالعمل، ثم استأنف فقال (تثير الأرض) أي يعمل عليها بالحراثة، لكنها لا تسقي الحرث، وهذا ضعيف لأنه فسر الذلول التي لم تذلل بالعمل بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، كذا قرره القرطبي.\n(قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) أي: الآن بينت لنا.\n• قال ابن القيم: من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم (قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) فإن أرادوا بذلك: أنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة، فتلك ردةٌ وكفر ظاهر، وإن أرادوا: إنك الآن بيّنت لنا البيان التام في تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر، فإن البيان قد حصل بقوله (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة).\n(فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ) عن ابن عباس: كادوا أن لا يفعلوا ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها.","vol":"1","page":243},{"text":"• قال ابن كثير: يعني أنهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذم لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت، فلهذا ما كادوا يذبحونها.\nوقيل: فذبحوها وما كادوا يفعلون لكثرة ثمنها، وفي هذا نظر.\nوقيل: أنهم كادوا ألا يذبحوها خوفًا من الفضيحة التي ستحل بالقاتل وقومه.\nورجح ذلك ابن جرير؛ فقال: والصواب من التأويل عندنا أن القوم لم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة للخلتين كلتيهما، إحداهما: غلاء ثمنها، مع ما ذكر لنا من صغر خطرها وقلة قيمتها، والأخرى: خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم بإظهار نبي الله موسى على قاتله.\n(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) أي وإذ قتلتم نفسًا محرمة فاختلفتم فيها، فبين الله ما حصل بواسطة هذه البقرة التي ذبحت.\n• هذه الآية مؤخرة في التلاوة، مقدمة في المعنى.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادارأتم فِيهَا) هذا الكلام مقدّم على أوّل القصة، التقدير: وإذ قتلتم نفسًا\nفادارأتم فيها: فقال موسى: إن الله يأمركم بكذا، وهذا كقوله (الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّمًا) أي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ قَيِّمًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا؛ ومثله كثير.\n• قوله (نفسًا) لم يصرح هل هذه النفس ذكر أم أنثى، وقد أشار إلى أنها ذكر بقوله تعالى (فقلنا اضربوه ..).\n(وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) أي مظهر ما تخفونه.\nوالآية تدل على أن من فعل سوءًا وكتمه أن الله يظهره، فلا يسر الإنسان سريرة - غالبًا - إلا ألبسه الله رداءها.\n(فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ) أي: اضربوا القتيل، وصيغة الجمع للتعظيم.\n(بِبَعْضِهَا) أي ببعض البقرة، وهذا البعض لم يحدد، فأي شيء ضرب به حصلت المعجزة.\nقال الرازي: في الكلام محذوف والتقدير، فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيى إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى (كذلك يُحْيِ الله الموتى).\nقال ابن كثير: هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن، وقد كان معينًا في نفس الأمر، فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه ولم يجي من طريق صحيح عن معصوم بيانه، فنحن نبهمه كما أبهمه الله.","vol":"1","page":244},{"text":"قال الشوكاني: واختلف في تعيين البعض الذي أمروا أن يضربوا القتيل به، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من القول بغير علم، ويكفينا أن نقول: أمرهم الله بأن يضربوه ببعضها، فأيّ: بعض ضربوا به، فقد فعلوا ما أمروا به، وما زاد على هذا، فهو من فضول العلم، إذ لم يرد به برهان.\nفلما ضربوه ببعضها قام فقالوا من قتلك؟ قال: قتلني فلان.\n(كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى) أي: كما أحيا الله هذا القتيل، وهذا الجم الغفير من الناس ينظرون، كذلك الإحياء المشاهد يحيي الله الموتى يوم القيامة.\nفهو دليل قرآني على البعث، لأن من أحيا نفسًا واحدة فهو قادر على إحياء جميع النفوس، وقد قال تعالى (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).\n(وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ) أي: يجعلكم ترونها واضحة.\nقال القاسمي: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ) أي: دلائله الدالة على أنه تعالى على كل شيء قدير، ويجوز أن يراد بالآيات هذا الإحياء. والتعبير عنه بالجمع لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على عضو ميت. وإخباره بقاتله، وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادة.\nوسبق أن آيات الله تنقسم إلى قسمين كونية، كالشمس والقمر والليل والنهار، ومعنى أنها آية: أي علامة على كمال قدرة الله.\nوآيات شرعية: كالوحي المنزل كقوله تعالى (رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) أي: آياته الدينية الشرعية، سميت [الآية الشرعية] آية لأنها علامة على صدق من جاء بها لما فيها من الإعجاز.\n(لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي: لأجل أن تدركوا بعقولكم أنه - جل وعلا - يحيي الناس بعد الموت، ويبعثهم من قبورهم، وأنه قادر على كل شيء.\n• قال الشنقيطي: أشار في هذه الآية إلى أن إحياء قتيل بني إسرائيل دليل على بعث الناس بعد الموت، لأن من أحيا نفسًا واحدة بعد موتها، قادر على إحياء جميع النفوس، وقد صرح بهذا في قوله تعالى (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).","vol":"1","page":245},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-263> والله تعالى قد ذكر في هذه السورة خمس قصص تدل على البعث:</span>\nالموضع الأول: قصة بني إسرائيل التي سبقت (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).\nالموضع الثاني: هذا الموضع (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).\nالموضع الثالث: قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ).\nالموضع الرابع: قوله تعالى في عزير وحماره (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\nالموضع الخامس: قوله تعالى في طيور إبراهيم (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).\n\nفي هذه الآية ذكر الله تعالى طريقة من<span data-type='title' id=toc-264> طرق إثبات البعث،</span> وقد تنوعت طرق إثبات البعث في القرآن، وجاءت على سبع طرق:\n<span data-type='title' id=toc-265>الطريقة الأولى:\nآيات صريحة في إثبات ذلك:</span>\nقال تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ). وقال تعالى: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ). وقال تعالى: (وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ). وقال تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ). وقال تعالى: (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)\nوأمر نبيه أن يقسم به على المعاد:\nفقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ).\nوقال تعالى: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ).\nوقال تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).\nوذم الله المكذبين بالمعاد:\nفقال تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ).\nوقال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا).","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-266>الطريقة الثانية:\nالتذكير بنشأة الإنسان الأولى:</span>\nقال تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ. إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ).\nوقال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-267>الطريقة الثالثة:\nالاستدلال بإنبات النبات على إحياء الأموات:</span>\nقال تعالى: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\nوقال تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ)\nوقال سبحانه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-268>الطريقة الرابعة:\nالإشارة ولفت الانتباه إلى خلق السماوات:</span>\nقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-269>الطريقة الخامسة:\nتنزيه الله سبحانه عن العبث.</span>\nفلو فرضنا أنه لا جزاء ولا حساب ولا بعث، فما فائدة الأوامر والنواهي.\nقال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ).\nوقال تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً). أي: لا يؤمر ولا ينهى، وقيل لا يبعث.\n\n<span data-type='title' id=toc-270>الطريقة السادسة:\nتنزيه الله عن الظلم:</span>\nفلو لم يكن هناك بعث لا استوى الناس، فاستوى المؤمن الذي ترك كثيرًا من الشبهات مخافة ربه، والكافر لا يعرف ربه أصلًا.\nقال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-271>الطريقة السابعة:\nذكر وقائع وأحداث يستدل بها على البعث.</span>\nكما في قصة قتيل بني إسرائيل.\nوقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت.\nوقصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها.\nوقصة إبراهيم -﵇- والطيور الأربعة.\nوقصة أصحاب الكهف، فقد أماتهم الله في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين، قال تعالى في قصتهم: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ …).","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-272>الفوائد:</span>\n١ - أن الإخبار بها من أعلام نبوة رسول الله -ﷺ-.\n٢ - الدلالة على نبوة موسى، وأنه رسول رب العالمين.\n٣ - الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم: من معاد الأبدان، وقيام الموتى من قبورهم.\n٤ - إثبات الفاعل المختار، وأنه عالم بكل شيء، قادر على كل شيء، عدلٌ لا يجوز عليه الظلم والجور، حكيم لا يجوز عليه العبث.\n٥ - إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق والمتنوعات، زيادته في هداية المهتدي، وإعذارًا وإنذارًا للضال.\n٦ - أنه لا ينبغي مقابلة أمر الله بالتعنت وكثرة الأسئلة بل يبادر إلى الامتثال.\n٧ - أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يعلم المأمور وجه الحكمة فيه بالإنكار، وذلك نوع من الكفر.\n٨ - الإخبار عن قساوة قلوب هذه الأمة وغلظها وعدم تمكن الإيمان فيها.\n٩ - مقابلة الظالم الباغي بنقيض قصده شرعًا وقدرًا، فإن القاتل قصده ميراث المقتول ودفع القتل عن نفسه، ففضحه الله تعالى وهتكه وحرمه ميراث المقتول.\n٧ - الرجوع إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأمور الهامة التي طريقها الشرع.\n٨ - بيان ما عليه بنو إسرائيل من سوء الظن بموسى.\n٩ - تحريم الاستهزاء والسخرية.\n١٠ - أن الأنبياء لا يلجئون إلا إلى الله.\n١١ - أن الله مجيب الدعاء.\n١٢ - أن القاتل لابد أن يخرجه الله.\n١٣ - أن الله أرى عباده من آياته ما يكون به العقل والرشد.\n١٤ - أن تدبر الأسباب سبب للعقل.","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-273>(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤».</span> [البقرة: ٧٤].\n<hr><s0>\n\n(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ) يقول تعالى توبيخًا لبني إسرائيل وتقريعًا لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى وإحيائه القتيل (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: أصبحت قاسية غليظة لا تتأثر بمواعظ ولا يدخلها خير.\n(مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: من بعد ذلك الأمر الذي عاينتموه، وهو إحياء القتيل، الذي هو أعظم سبب للين القلب.\n• قال في التسهيل (مِن بَعْدِ ذلك) أي بعد إحياء القتيل وما جرى في القصة من العجائب، وذلك بيان لقبح قسوة قلوبهم بعد ما رأوا تلك الآيات.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (من بعد ذلك) زيادة تعجيب من طرق القساوة للقلب بعد تكرر جميع الآيات السابقة المشار إلى مجموعها بذلك.\n• معنى قسوة القلب: غلظتها وشدتها بحيث لا ينفع فيها وعظ ولا تذكير.\n• قال القرطبي: القسوة: الصلابة والشدّة واليُبْس، وهي عبارة عن خلوّها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى.\n• وقد بين تعالى سبب قسوة القلب في آيات أخرى ومنها: نقض العهد، وطول الأمل.\nقال تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً).\nوقال تعالى في طول الأمل (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).\n• وقد نهانا الله تعالى أن نتشبه بأهل الكتاب في قسوة قلوبهم كما في الآية السابقة، فوصف أهل الكتاب بالقسوة ونهانا عن التشبه بهم.","vol":"1","page":250},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-274> أسباب قسوة القلب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-275>أولًا: نقض العهد مع الله.</span>\nقال تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً).\nقال ابن عقيل يومًا في موعظته: يا من يجد في قلبه قسوة، احذر أن تكون نقضت عهدًا، فإن الله يقول (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ …).\n\n<span data-type='title' id=toc-276>الثاني: طول الأمل.</span>\nقال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ).\nولذلك طول الأمل ينسي الآخرة، كما قال علي: أخوف ما أخاف عليكم اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى، فطول الأمل ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق.\nفليس هناك أنفع للقلب من قصر الأمل (وهو العلم بقرب الرحيل).\n\n<span data-type='title' id=toc-277>الثالث: كثرة الأكل، لا سيما إن كان من الشبهات أو الشهوات.</span>\nقال بشر: خصلتان تقسّيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل.\n\n<span data-type='title' id=toc-278>الرابع: كثرة الذنوب.</span>\nقال تعالى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).\nوفي المسند قال -ﷺ- (إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، فلذلك الران الذي ذكر الله في كتابه: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).\nقال بعض السلف: البدن إذا عري رقّ، وكذلك القلب إذا قلت خطاياه أسرعت دمعته.","vol":"1","page":251},{"text":"قال ابن المبارك:\nرأيت الذنوب تميت القلوب … ويورث الذل إدمانها.\nوترْك الذنوب حياة القلوب … وخيرٌ لنفسِك عصيانها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-279> علامات رقة ولين القلب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-280>أولًا: الإكثار من ذكر الله.</span>\nقال تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).\nقال رجل للحسن، يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة قلبي، قال: أذبه بذكر الله.\nقال بعض السلف: دواء القلب من خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتفكر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين.\n\n<span data-type='title' id=toc-281>ثانيًا: العطف على المسكين.</span>\nفقد جاء رجل إلى النبي -ﷺ- يشكو قسوة قلبه؟ فقال له الرسول -ﷺ-: (إذا أحببت أن يلين قلبك فامسح رأس اليتيم وأطعم المسكين) رواه أحمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-282>ثالثًا: زيارة المقابر.</span>\nقال -ﷺ-: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة، وترق القلب) رواه أحمد.\nإذا قسا القلب قحطت العين.\n\n<span data-type='title' id=toc-283>رابعًا: كثرة ذكر الموت.</span>\nولذلك قال -ﷺ- (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) رواه الترمذي.\nلما في ذلك من رقة القلب، ونشاط العبادة، وتعجيل التوبة، والإقلاع عن المعاصي.\nقال سعيد بن جبير: لو فارق الموت ذكر قلبي لفسد.","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-284>خامسًا: أكل الحلال.</span>\nقال الفضيل: من عرف ما يدخل جوفه كتب عند الله صديقًا.\nوقال سهل التستري: من أكل الحلال أطاع الله شاء أم أبى، ومن أكل الحرام عصى الله شاء أم أبى.\nوسُئِل الإمام أحمد ﵀: بِمَ تلين القلوب؟ قال: بأكل الحلال.\n\n<span data-type='title' id=toc-285>سادسًا: الدعاء بسلامة القلب.</span>\nكان -ﷺ- يقول (اللهم إني أسألك قلبًا سليمًا ..) رواه أحمد.\nسابعًا: الاستجابة لأمر الله ورسوله.\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ).\n• قال ابن القيم: ما ضربَ عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله. …\nخلقت النار لإذابة القلوب القاسية.\nأبعد القلوب من الله القلب القاسي.\nإذا قسا القلب قحطت العين.\nقسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل والنوم والكلام والمخالطة.\nكما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجح فيه المواعظ.\n(فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ) أي: فهي كالحجارة التي لا تلين أبدًا، فلا علاج للينها.\n• قال البغوي: وإنما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة، لأن الحديد قابل للين فإنه يلين بالنار، وقد لان لداود ﵇، والحجارة لا تلين قط.\n• وقال ابن عاشور: وقد كانت صلابة الحجر أعرف للناس وأشهر لأنها محسوسة فلذلك شبه بها.\n(أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) أجمع العلماء على أن (أو) ليست للشك لاستحالة ذلك في حق الله، واختلف في معناها.\nفقيل: هي بمعنى (بل) والتقدير فهي كالحجارة بل أشد قسوة.\nكقوله تعالى (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) أي: بل يزيدون.\nوقيل: هي بمعنى (الواو) والتقدير: فهي كالحجارة وأشد قسوة.","vol":"1","page":253},{"text":"كقوله تعالى (ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) أي: وكفورًا.\nوكقوله تعالى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لبعولتهن أو آبائهن) والمعنى وآبائهن.\nوكقوله (أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم) يعني وبيوت آبائكم.\nوقيل: معنى ذلك قلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين، إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة وإما أن تكون أشد منها في القسوة.\nقال ابن جرير: ومعنى ذلك على هذا التأويل: فبعضها كالحجارة قسوة وبعضها أشد قسوة من الحجارة، ورجحه ابن جرير.\n(وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ) أي: تتدفق منها الأنهار الغزيرة.\n(وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ) أي: ومن الحجارة ما يتصدع إشفاقًا من عظمة الله فينبع منه الماء.\n(وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) أي: ومنها ما يتفتت ويتردى من رؤوس الجبال من خشية الله.\n• قال بعض العلماء في قوله (مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) هو سقوط البرد من السحاب، لكن هذا تأويل بعيد، وخروج عن اللفظ عن ظاهره بلا دليل، وزعم بعضهم أن إسناد الخشوع إلى الحجارة من باب المجاز، ولكن هذا قول ضعيف، قال القرطبي: ولا حاجة إلى هذا، فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة.\nكما في قوله تعالى (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).","vol":"1","page":254},{"text":"وقوله تعالى (وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ).\nوقوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ).\nوقوله تعالى (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا).\nوقال -ﷺ- (إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (أحد جبل يحبنا ونحبه) متفق عليه.\nوقد حن الجذع لرسول الله -ﷺ-.\nوقد سبح الحصى في يد رسول الله -ﷺ-.\n(وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) أي: أنه تعالى رقيب على أعمالكم لا يخفي عليه خافية، وسيجازيهم عليها، وفي هذا وعيد وتهديد.\n• قال القاسمي: وقوله تعالى (وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) فيه من التهديد وتشديد الوعيد ما لا يخفى. فإن الله ﷿ إذا كان عالمًا بما يعملونه، مطلعًا عليه غير غافل عنه، كان لمجازاتهم بالمرصاد.\n• والغفلة صفة منفية فيجب نفيها عن الله مع إثبات ضدها، فالله لا يغفل لكمال علمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-286>الفوائد:</span>\n١ - التحذير من قسوة القلب.\n٢ - أن قسوة القلب من صفات اليهود، فيجب الحذر منها.\n٣ - يجب الابتعاد عن كل سبب يؤدي إلى قسوة القلب.\n٤ - التحذير من قسوة القلب بعد ظهور الآيات، لأنه أعظم شرًا وأكبر إثمًا.\n٥ - أن قلوب بني إسرائيل التي قست كالحجارة أو أشد.\n٦ - عموم رقابة الله ﷿ على كل شيء، ولا يفوته شيء ولا يخفى عليه شيء.\n٧ - أن الغفلة من الصفات المنفية عن الله وذلك لكمال علمه سبحانه.\n٨ - تهديد العصاة، بأن الله لا يغفل عنهم.","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-287>(أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧».</span> [البقرة: ٧٥ - ٧٧].\n<hr><s0>\n\n(أَفَتَطْمَعُونَ) أيها المؤمنون.\n(أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) أي: ينقاد لكم بالطاعة، هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهدوا من الآيات البينات ما شاهدوه ثم قست قلوبهم من بعد ذلك.\n• قال القاسمي (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) أي: هؤلاء اليهود الذين بين أظهركم، وهم متماثلون في الأخلاق الذميمة، لا يأتي من أخلاقهم إلا مثل ما أتى من أسلافهم.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ) هذا استفهام فيه معنى الإنكار، كأنه أيأسهم من إيمان هذه الفرقة من اليهود؛ أي إن كفروا فلهم سابقة في ذلك.\nوالخطاب لأصحاب النبيّ -ﷺ-، وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجِوار الذي كان بينهم.\nوقيل: الخطاب للنبيّ -ﷺ- خاصة.\nأي لا تحزن على تكذيبهم إياك، وأخبره أنهم من أهل السوء الذين مضوا.\n• قال الرازي: المراد بقوله (أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ) هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول -﵇- لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا وخلافه لأن الطمع إنما يصح في المستقبل لا في الواقع.\n• قال ابن عاشور: فإن قلت، كيف يُنهى عن الطمع في إيمانهم أو يُعَجَّب به والنبي والمسلمون مأمورون بدعوة أولئك إلى الإيمان دائمًا؟ وهل لمعنى هذه الآية ارتباط بمسألة التكليف بالمحال الذي استحالته لتعلق عِلْمِ الله بعدم وقوعه؟\nقلت: إنما نُهينا عن الطمع في إيمانهم لا عن دعائهم للإيمان لأننا ندعوهم للإيمان وإن كنا آيسين منه لإقامة الحجة عليهم في الدنيا عند إجراء أحكام الكفر عليهم وفي الآخرة أيضًا، ولأن الدعوة إلى الحق قد تصادف نفسًا نيّرة فتنفعها، فإن استبعاد إيمانه حُكم على غالبهم وجَمْهَرتهم أما الدعوة فإنها تقع على كل فرد منهم.\n(وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) اختلف العلماء في المراد بكلام الله هنا:\nفقيل: المراد السبعون الذين اختارهم موسى -﵇-، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقولهم.\nوضعف هذا القول بعض العلماء، لأن فيها (إذهابا) لفضيلة موسى في اختصاصه (بالتّكليم).\nوقيل: المراد بكلام الله التوراة، حرفوا ما فيها من الأحكام ونعت محمدًا -ﷺ-، وهذا الصحيح، ورجحه القرطبي، وابن كثير، وابن الجوزي.\nقال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد -ﷺ- فحرفوه عن مواضعه.","vol":"1","page":256},{"text":"• قال الماوردي: قوله تعالى (… وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُم يَسْمَعُون كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) في ذلك قولان:\nأحدهما: أنهم علماء اليهود والذين يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حرامًا والحرام حلالًا ابتاعًا لأهوائهم وإعانة لراشيهم وهذا قول مجاهد والسدي.\nوالثاني: أنهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم، وهذا قول الربيع بن أنس وابن إسحاق.\n• وقال ابن الجوزي: وفي سماعهم لكلام الله قولان:\nأحدهما: أنهم قرؤوا التوراة فحرّفوها، هذا قول مجاهد والسدي في آخرين، فيكون سماعهم لكلام الله بتبليغ نبيهم، وتحريفهم: تغيير ما فيها.\nوالثاني: أنهم السبعون الذين اختارهم موسى، فسمعوا كلام الله كفاحًا عند الجبل، فلما جاؤوا إلى قومهم قالوا: قال لنا: كذا وكذا، وقال في آخر قوله: إن لم تستطيعوا ترك ما أنهاكم عنه؛ فافعلوا ما تستطيعون. هذا قول مقاتل، والأول أصح. وقد أنكر بعض أهل العلم، منهم الترمذي صاحب «النوادر» هذا القول إِنكارًا شديدًا، وقال: إنما خص بالكلام موسى وحده، وإلا فأي ميزة؟! وجعل هذا من الأحاديث التي رواها الكلبي وكان كذابًا.\n• قوله تعالى (ثم يحرفونه) فالمراد بالتحريف إخراج الوحي والشريعة عما جاءت به، إما بتبديل وهو قليل وإما بكتمان بعض وتناسيه وإما بالتأويل البعيد وهو أكثر أنواع التحريف. (قاله ابن عاشور).\n(مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) أي: من بعد ما فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة.","vol":"1","page":257},{"text":"(وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله؟ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ).\n(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا) تقدم، قيل: المراد بهم المنافقين من اليهود، وقيل: هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، قاله بعض السلف.\nوالمعنى: أن هذه الطائفة من المنافقين إذا اجتمعوا بالمؤمنين - النبي -ﷺ- وأصحابه - (قَالُوا آمَنَّا) وذكروا لهم أنهم آمنوا، وبيّنوا لهم أن النبي المنتظر المبشر به، أن صفاته الموجودة في كتبهم منطبقة على هذا النبي -ﷺ-.\n(وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) أي: وإذا انفرد واختلى بعضهم ببعض، ورجعوا إلى أصحابهم، وكان الموضع خاليًا من المؤمنين.\n(قَالُوا) يعني: أصحابهم الذين لم ينافقوا، قالوا منكرين على الذين نافقوا وموبخين لهم:\n(أَتُحَدِّثُونَهُمْ) أي: أتحدِّثون المؤمنين وأصحابه.\n(بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) أي: بما بيّن الله لكم في التوراة من صفة محمد -ﷺ-، وأن هذه صفاته، وأنها منطبقة عليه، وأنه لا شك فيه.\n(لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ) بهذا الإقرار.\n(عِنْدَ رَبِّكُمْ) أنكم أقررتم بأنكم تعرفون أنه الحق، يوم القيامة.\n(أَفَلا تَعْقِلُونَ) هذا من بقية مقولهم لقومهم.\nوالمعنى أي: أفليست لكم عقول تمنعكم من أن تحدثوهم بما يكون لهم فيه حجة عليكم؟ والقائلون ذلك هم اليهود لمن نافق منهم.\n• قال الرازي: قوله (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ففيه وجوه:\nأحدها: أنه يرجع إلى المؤمنين فكأنه تعالى قال: أفلا تعقلون لما ذكرته لكم من صفتهم أن الأمر لا مطمع لكم في إيمانهم، وهو قول الحسن.\nوثانيها: أنه راجع إليهم فكأن عند ما خلا بعضهم ببعض قالوا لهم أتحدثونهم بما يرجع وباله عليكم وتصيرون محجوجين به، أفلا تعقلون أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه، وهذا الوجه أظهر لأنه من تمام الحكاية عنهم فلا وجه لصرفه عنهم إلى غيرهم.\n• وهذا يدل على أنهم في غاية الجهل، لأنهم لو كتموه، أليس الله عالمًا بما في ضمائرهم؟ ولذلك وبخهم الله بقوله:\n(أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) أي: أولا يعلمون هؤلاء اليهود أن الله يعلم ما يخفونه وما يظهرونه، والمعنى: أن إسرارهم وإعلانهم عند الله سواء، لأن الله يعلم السر وأخفى، السر عنده علانية.\n• فالله تعالى يعلم ما يسرونه ويبطنونه وما يعلنونه.","vol":"1","page":258},{"text":"• قال ابن عطية: والذي أسروه كفرهم، والذي أعلنوه قولهم آمنا، هذا في سائر اليهود، والذي أسره الأحبار صفة محمد -ﷺ- والمعرفة به، والذي أعلنوه الجحد به، ولفظ الآية يعم الجميع.\nقال أبو العالية: يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد -ﷺ- وتكذيبهم به وهم يجدونه مكتوبًا عندهم.\nوقال الحسن: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد -ﷺ- وخلا بعضهم إلى بعض تناهوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد بما فتح الله عليهم بما في كتابهم خشية أن يحاجهم أصحاب محمد -ﷺ- بما في كتابهم عند ربهم (وما يعلنون) أي: حين قالوا لأصحاب محمد -ﷺ- آمنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-288>الفوائد:</span>\n١ - تأييس النبي -ﷺ- وأصحابه من إيمان هؤلاء المعاندين المنحرفين.\n٢ - إثبات كلام الله، وأن الله يتكلم.\n٣ - ذم تحريف الكلم عن مواضعه.\n٤ - أن تحريف الشيء بعد فهمه من نقصان العقل وأشد إثمًا من تحريفه إذا لم يفهمه.\n٥ - أن نبوة النبي -ﷺ- كانت معروفة عند اليهود وكتموها.\n٦ - أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث ولقاء الله.\n٧ - إثبات عموم علم الله لكل شيء.\n٨ - وجوب الحذر من معصية الله، لأن الله يعلم كل شيء حتى ما في الصدور.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-289>(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩».</span> [البقرة: ٧٨ - ٧٩].\n<hr><s0>\n\nثم ذكر الله تعالى طائفة ثالثة، وهي الطائفة الجاهلة التي لا تدري، وإنما تسمع كلامًا فتقلد فيه تقليدًا أعمى: فقال:\n(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ) أي: ومن أهل الكتاب أميون.\n• والأميون: جمع أمي، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة.\n• قال ابن الجوزي: وفي تسميته بالأمي قولان:\nأحدهما: لأنه على خلقة الأمة التي لم تتعلم الكتاب، فهو على جبلته، قاله الزجاج.\nوالثاني: أنه ينسب إلى أمه، لأن الكتابة في الرجال كانت دون النساء. وقيل: لأنه على ما ولدته أمه.\n(لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ) أي: لا يدرون ما فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-290>(إِلَّا أَمَانِيَّ) اختلف العلماء في المراد بالأماني هنا على قولين:</span>\nأحدهما: أن المراد بالأمنية القراءة، أي: لا يعلمون من الكتاب إلا قراءة ألفاظ دون إدراك معانيها.\nواستشهد على ذلك بقوله تعالى (إِلَّا إِذَا تَمَنَّى) أي: تلا (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ..).\nويكون الأماني هنا جمع أمنِيّة.\n• قال الشنقيطي: وهذا القول لا يتناسب مع قوله (ومنهم أميون) لأن الأمي لا يقرأ.\nوالثاني: أن الاستثناء منقطع، والمعنى: لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون أماني باطلة، لأن الأماني ليست من الكتابة، وهذا قول جمهور العلماء.","vol":"1","page":260},{"text":"ويكون الأماني - على هذا القول- جمع أُمْنِيَة، والأمنيَة هي: أن يود الإنسان ويطلب ما لا يمكن وقوعه أو ما يبعد وقوعه جدًا، كقول الشاعر:\nألا ليت الشبابَ يعود يومًا … فأخبره بما فعل المشيبُ.\nفهم يتمنون أماني فقط:\nكقوله تعالى عنهم (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ).\nوقوله تعالى (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً).\nوقوله تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ).\nوهذا القول هو الراجح، وفي الآية قرينة تدل على هذا القول وهي قوله (ومنهم أميون) والأمي هو الذي لا يقرأ، فلو فسرتْ (إلا أماني) بمعنى إلا قراءة لصار في ذلك تعارض\n(وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) أي: ما هم على يقين من أمرهم بل هم مقلدون للآباء تقليد أهل العمى والغباء.\n• قال الشنقيطي: والظن يطلق إطلاقين، يطلق على الشك، وهو المراد هنا، وكما في قوله -ﷺ- (إياكم والظن …) وهناك إطلاق آخر.\n• ثم ذكر تعالى صنف آخر من اليهود وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب وأكل أموال الناس بالباطل فقال:\n(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) أي: هلاك وعذاب لأولئك الذين حرفوا التوراة، وكتبوا تلك الآيات المحرفة بأيديهم.\n• فمعنى (يكتبونه) أي: يكتبونه كتابة محرفة.\n• الويل: قيل: واد في جهنم، وقيل: جبل من نار، وقيل: كلمة تهديد ووعيد.\n• قوله تعالى (يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) تأكيد، فإنه قد علم أن الكتْب لا يكون إلا باليد، فهو مثل قوله تعالى (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) وقوله تعالى (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ).\nوقيل فائدة (بِأَيْدِيهِمْ) بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم، فإن من تولى الفعل أشد مواقعة ممن لم يتولى وإن كان رأيًا له.\n• قال في التسهيل: (بِأَيْدِيهِمْ) تحقيق لافترائهم.\n• قال الشوكاني: وقوله (بِأَيْدِيهِمْ) تأكيد؛ لأن الكتابة لا تكون إلا باليد، فهو مثل قوله (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) وقوله (يَقُولُونَ بأفواههم).\n(ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: ثم يقولون لأتباعهم الأميين هذا الذي تجدونه هو من نصوص التوراة التي أنزلها الله على\nموسى، مع أنهم كتبوها بأيديهم ونسبوها إلى الله كذبًا وزورًا.","vol":"1","page":261},{"text":"(لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) أي: لينالوا به عرض الدنيا وحطامها الفاني.\n• والاشتراء في لغة العرب: الاستبدال، فكل شيء استبدلته بشيء فقد اشتريته.\n• قال السعدي: فجعلوا باطلهم شركًا يصطادون به ما في أيدي الناس، فظلموهم من وجهين: من جهة تلبيس دينهم عليهم، ومن جهة أخذ أموالهم بغير حق، بل بأبطل الباطل، وذلك أعظم ممن يأخذها غصبًا وسرقة ونحوهما.\n• فاليهود حرفوا وكتموا حرصًا على الدنيا وحطامها من المال والرئاسة والمنصب وغيرها.\nقال الحسن: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها.\n• وفي هذا أن الدنيا كلها ثمن قليل حقير.\nوفي الحديث قال -ﷺ- (موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) رواه الترمذي.\nولهذا قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود.\n• وقد ذكر بعض العلماء أن من موانع الهداية أن يكون للإنسان جولة ومنصب في الباطل.\n(فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) أي: العذاب حاصل على أمرين:\nالأول: ما كتبوه. الثاني: ما كسبوه من المال الحرام من هذه الكتابة.\nولهذا قال ابن كثير: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت.\n• وقال أبو حيان: (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل مما يكسبون) كتابتهم مقدمة، نتيجتها كسب المال الحرام، فلذلك كرر الويل في كل واحد منهما، لئلا يتوهم أن الوعيد هو على المجموع فقط.\nفكل واحد من هذين متوعد عليه بالهلاك.\nوظاهر الكسب هو ما أخذوه على تحريفهم الكتاب من الحرام، وهو الأليق بمساق الآية.","vol":"1","page":262},{"text":"• وقال السعدي: (فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ) أي: من التحريف والباطل (وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) من الأموال، والويل: شدة العذاب والحسرة، وفي ضمنها الوعيد الشديد.\n\n<span data-type='title' id=toc-291>الفوائد:</span>\n١ - ذم من لا يفهم معنى كتاب الله\n٢ - الحث على تدبر وفهم كلام الله.\n٣ - تحريم القول على الله بغير علم.\n٤ - التهديد الشديد لمن يحرف دين الله وشرعه من أجل حطام الدنيا.\n٥ - أن من فعل ذلك من علمائنا ففيه شبه من اليهود.\n٦ - أن متاع الدنيا متاع قليل، لأن صاحبه يموت، وهو متاع يزول.\n٧ - الحث على طلب الآخرة لأنها هي الباقية.\n٨ - التحذير من التشبه بصفات اليهود من كتم العلم، وطلب الدنيا بالآخرة.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>(وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠».</span> [البقرة: ٨٠].\n<hr><s0>\n\n(وَقَالُوا) أي: اليهود، يخبر تعالى عن اليهود فيما نقلوه وادعوا لأنفسهم.\n(لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) أي: أنه لن تمسهم النار ويدخلونها إلا أيامًا معدودة، ثم ينجون منها.\n• يقصدون أن الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنهم يعذبون بكل ألف سنة يومًا في النار، وقيل: يعنون الأيام التي عبدنا فيها العجل.\n• قال ابن الجوزي: (وقالوا لن تمسنا النار إِلا أيامًا معدودة) وهم: اليهود. وفيما عنوا بهذه الأيام قولان.\nأحدهما: أنهم أرادوا أربعين يومًا، قاله ابن عباس، وعكرمة، وأبو العالية، وقتادة، والسدي.\nولماذا قدروها بأربعين؟ فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنهم قالوا: بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، ونحن نقطع مسيرة كل سنة في يوم، ثم ينقضي العذاب وتهلك النار، قاله ابن عباس، والثاني: أنهم قالوا: عتب علينا ربنا في أمر، فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة، ثم يدخلنا الجنة، فلن تمسنا النار إِلا أربعين يومًا تحلّة القسم، وهذا قول الحسن وأبي العالية، والثالث: أنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، قاله مقاتل.\nوالقول الثاني: أن الأيام المعدودة سبعة أيام، وذلك لأن عندهم أن الدنيا سبعة آلاف سنة، والناس يعذبون لكل ألف سنة يومًا من أيام الدنيا، ثم ينقطع العذاب، قاله ابن عباس.\n• فرد الله عليهم وأكذبهم فقال.\n(قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا) أي: قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ، هل أعطاكم الله العهد والميثاق بذلك؟\nقال ابن الجوزي: أي عهد إِليكم أنه لا يعذبكم إِلا هذا المقدار؟","vol":"1","page":264},{"text":"(فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ) أي: فإنْ كان قد وقع عهد فهو لا يخلف الميعاد، ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا قال:\n(أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (أم) بمعنى بل، أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.\nعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ (لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- «اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ». فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ «إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ». فَقَالُوا نَعَمْ. قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- «مَنْ أَبُوكُمْ». قَالُوا فُلَانٌ. فَقَالَ «كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ». قَالُوا صَدَقْتَ. قَالَ «فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ» فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا. فَقَالَ لَهُمْ «مَنْ أَهْلُ النَّارِ». قَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- «اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ». فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. قَالَ «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا».\nقَالُوا نَعَمْ. قَالَ «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ». قَالُوا أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ) رواه البخاري.\n\n<span data-type='title' id=toc-293>الفوائد:</span>\n١ - بيان كذب اليهود فيما ادعوا.\n٢ - من أسلوب القرآن الرد على الشبه وتوضيح الحق كما قال تعالى (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) فكذبهم الله بقولهم (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) فإن الله لا يأمر بالفحشاء.\n٣ - أن اليهود لا يبالون بالافتراء على الله لينالوا مآربهم.","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-294>(بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢».</span> [البقرة: ٨١ - ٨٢].\n<hr><s0>\n\n(بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) يقول تعالى ردًا على دعوى اليهود: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر أنه من كسب سيئة، والسيئة: العمل السيء، سميت سيئة لأنها تسوء صاحبها في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا بظهور آثارها عليه من الهمّ والضيق في الصدر والخلق والرزق، فيفقد من السعادة في الحياة بقدر ما عمل من السوء، قال تعالى (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) وقال تعالى (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ). وتسوؤه آجلًا بعد موته لمعاقبته عليها إن لم يتب منها أو يتداركه الله بعفوه.\n(وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) أي: أحاط به شركه، وغمرته ذنوبه من جميع جوانبه، وسدت عليه جميع مسالك النجاة، بأن فعل مثل فعلكم أيها اليهود.\n• فالمراد بالخطيئة هنا الشرك، لأنه الذنب الذي يخلد صاحبه في النار، لأن الله أخبر أنه من أصحاب النار المخلدين، ولا يخلد في النار إلا المشرك.\n(فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي: أصحابها الملازمين لها، أبد الآبدين ودهرين الداهرين، لا يخرجون منها (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ).\n(وَالَّذِينَ آمَنُوا) بقلوبهم.\n(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) بجوارحهم. [سبق شرح الآية].\nوتقدم شروط العمل الصالح: أن يكون خالصًا لله، متابعًا للشريعة.\n(أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي: أصحابها الملازمون لها، لا يخرجون منها (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ) [وقد سبق شرح الخلود].\n• قال الرازي: اعلم أنه ﷾ ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر بجنبها آية في الوعد، وذلك لفوائد:\nأحدها: ليظهر بذلك عدله سبحانه، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان.\nوثانيها: أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه.\nوثالثها: أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصير ذلك سببًا للعرفان.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-295>الفوائد:</span>\n١ - أن من كذب الله وأشرك به فمأواه جهنم.\n٢ - أن العبرة بالشريعة بالعمل لا بالدعوى والتمني.\n٣ - أن من آمن وعمل صالحًا فله الجنة.\n٤ - الحث على العمل الصالح وهو ما كان خالصًا لله موافقًا لسنة النبي -ﷺ-.\n٥ - أنه لا يستحق الخلود في النار إلا من أحاطت به خطيئته وهو من أشرك بالله تعالى.\n٦ - أن من طريقة القرآن أنه إذا ذكر أهل النار وعقوبتهم، ذكر أهل الجنة ومالهم من النعيم.\n٧ - إثبات الجنة والنار.\n٨ - أن أهل الجنة مخلدون فيها.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-296>(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ (٨٣».</span> [البقرة: ٨٣].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ) أي: واذكر حين أخذنا على أسلافكم يا معشر اليهود الميثاق.\n• والميثاق هو: العهد المؤكد.\n• اختلف في الميثاق، فقيل: هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر، وقيل: هو ميثاق أخذ عليهم وهم أحياء على السنة رسلهم.\n• قال السعدي: قوله (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به، استعصوا؛ فلا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة، والعهود الموثقة\n(لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) أي: أن يخلصوا في عبادة الله، فلا يعبدون ملكًا ولا رسولًا ولا حجرًا.\n• ففيه النهي عن الشرك، فلا تقبل الأعمال كلها مع الشرك.\n• والله أمر بهذا جميع خلقه:\nكما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).\nوقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).\nوقال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).\nوهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله ﵎.\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود قال (قلت يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) متفق عليه.\n• وقد نقدم تعريف العبادة عند آية [٢٠].\n(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ذكر تعالى بعد حق الله حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن الله بين حقه وحق الوالدين.\nكما قال تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).","vol":"1","page":268},{"text":"وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).\nوقال تعالى (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).\nوقال تعالى (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).\nوقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-297>وأوصى تعالى بالوالدين إحسانًا:</span>\nقال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا).\nوقال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ).\nوعن ابن مسعود قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا). قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ (ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ). قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ (ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.\nوعن عبد الله بن عمرو قال (جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) متفق عليه.\nولمسلم (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتَهما).\nولحديث أبي هريرة. (أن رجلًا قال يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك؟ قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك).\n\n<span data-type='title' id=toc-298>كيفية الإحسان لهما: بالقول والفعل:</span>\nفي حياتهما: بالبر والطاعة والإكرام والتوقير والتواضع لهما.\nبعد موتهما: الدعاء لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما.","vol":"1","page":269},{"text":"• وللإحسان ضدان: الإساءة وهي أعظم جرمًا، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول. (قاله السعدي).\n• هذا البر لا يختص بالأبوين المسلمين، بل ولو كانا على الشرك.\nقال تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)\nوقال تعالى (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)\nوعن أسماء قالت (قدمت أمي وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: نعم).\nراغبة: أي بالعطاء.\nومن الإحسان ألا يجاهد إلا بإذنهما.\nللحديث السابق.\nوهذا محمد -ﷺ- يزور قبر أمه:\nقال -ﷺ- (استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة). رواه مسلم\nوهذا إبراهيم خليل الرحمن يخاطب أباه بلطف وإشفاق:\nقال تعالى (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا).\nوهذا يحي يثني عليه الله بوصفه برًا بوالديه:\nقال تعالى (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا).\nوكذلك عيسى ﵇ فيذكر الله في كتابه قوله:\nقال تعالى (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا).\n\n<span data-type='title' id=toc-299>نماذج من سلف الأمة:</span>\nعن محمد بن المنكدر أنه كان يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه: قومي ضعي قدمك على خدي.\nوعن ابن عون المزني: أن أمه نادته فأجابها، فعلا صوته صوتها فأعتق رقبتين.\nقال ابن الجوزي: بلغنا عن عمر بن ذر، أنه لما مات ابنه قيل له: كيف كان بره بك؟ قال: ما مشى معي نهارًا إلا كان خلفي، ولا ليلًا إلا كان أمامي، ولا رقد على سطح أنا تحته.","vol":"1","page":270},{"text":"كان أبو هريرة إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمِّه فقال: السلام عليك - يا أماه - ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام - يا ولدي - ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحِمَك الله كما ربيتني صغيرًا، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيرًا.\nوعن الزهري قال: كان الحسن بن علي لا يأكل مع أمه، وكان أبرَّ الناس بها، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن آكل معها، فتسبق عينها إلى شيء من الطعام وأنا لا أدري فآكله، فأكون قد عققتها.\n(وَذِي الْقُرْبَى) أي: وأحسنوا إلى ذي القرابة، سواء من قبل الأم أو من قبل الأب، والإحسان إليهم يكون بالقول والفعل، لكن الإحسان إلى الوالدين أعظم، لأنهم أقرب القربى إليك.\n(وَالْيَتَامَى) أي: وأحسنوا إلى اليتامى.\n• واليتيم: هو من مات أبوه وهو لم يبلغ.\n• قال في التسهيل: جمع يتيم: وهو من فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من سائر الحيوان من فقد أمه.\n• وقد أوصت الشريعة بالعناية باليتيم وبماله وحذرت من أكل ماله.\n\n<span data-type='title' id=toc-300>فقد أوصى الله باليتيم في آيات كثيرة:</span>\nكقوله تعالى (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ).\nوقال تعالى (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ).\nوحذر الله من أكل مال اليتامى.\nفقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا).\nوأخبر النبي -ﷺ- أن كافل اليتيم في الجنة:\nفقال -ﷺ- (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (اللهم إني أحرّج حق الضعيفين اليتيم والمرأة) رواه النسائي، أي: ألحق الحرج وهو الإثم بمن ضيع حقهما، وأحذّر من ذلك تحذيرًا بليغًا.\n(وَالْمَسَاكِينِ) أي: وأحسنوا إلى المساكين، والمساكين جمع مسكين، وهو من لا يجد تمام كفايته، سموا بذلك، لأن الفقر أذله وأسكنه، وقد استعاذ النبي -ﷺ- من الفقر والجوع، فعن أبي هريرة. أن النبي -ﷺ- كان يقول (اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع) رواه أبو داود.\nوفي حديث أبي بكرة أن النبي -ﷺ- كان يقول دبر كل صلاة (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر). رواه النسائي ويدخل في المساكين هنا: الفقراء، لأن كلًا منهما يطلق على الآخر إذا انفرد كل واحد منهما، لكن إذا ذكرا معًا كما في قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) كان لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.\n• وسمي المعدم مسكينًا، لأن الفقر أسكنه وأذله، فلا يطمع أن يصل إلى مرتبة الأغنياء.\n• قال في التسهيل: وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهم، فقدم الوالدين لحقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين.","vol":"1","page":271},{"text":"• قال الرازي: إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسكين قد يكون بحيث ينتفع به في الاستخدام فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى، ولأن المسكين أيضًا يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته، واليتيم ليس كذلك\nفلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين.\n(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) أي: كلموهم كلامًا طيبًا ولينوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-301> فضائل الكلمة الطيبة:</span>\nالكلمة الطيبة سبب لصلاح الأحوال وغفران الذنوب.\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).\nوأمر الله بالكلمة الطيبة.\nفقال تعالى (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ).\nوقال سبحانه (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن).","vol":"1","page":272},{"text":"وقال سبحانه (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه).\nالكلمة الطيبة سبب لرضوان الله.\nعن بِلالِ بن الحارِثِ المُزَنِيِّ -﵁-: أنَّ رسول الله -ﷺ- قَال (إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَومِ يَلْقَاه) رواه الترمذي.\nوالكلمة الطيبة سبب دخول الجنة.\nعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا» فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَام) رواه الترمذي.\nوعن المقدام بن شريح عن أبيه عن جده -﵃- قال: قلت يا رسول الله حدثني بشيء يوجب لي الجنة. قال: «موجب الجنة: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وحسن الكلام» رواه الطبراني\nالكلمة الطيبة سبب للنجاة من النار\nعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّارَ فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ»، ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» رواه البخاري ومسلم\nالكلمة الطيبة شعبة من شعب الإيمان.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» متفق عليه.\nالكلمة الطيبة صدقة.\nقال -ﷺ- (وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَة) متفق عليه.\nوالكلمة الطيبة انتصار على الشيطان.\nقال تعالى (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا).\n• قال السعدي: ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب.\nولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله، أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول، فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار، ولهذا قال تعالى (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن).","vol":"1","page":273},{"text":"ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده، أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله، غير فاحش ولا بذيء، ولا شاتم، ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد، صبورا على ما يناله من أذى الخلق، امتثالا لأمر الله، ورجاء لثوابه.\nقال الحسن البصري فالحُسْن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خُلُق حسن رضيه الله.\n• وفي هذا حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا ووجهه منبسطًا طلقًا، لأن الله يقول لموسى وهارون (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى).\nوقال تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).\nوقال تعالى (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).\n• قال ابن كثير: وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي.\n(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) تقدم عند آية [٤٣].\n(وَآتُوا الزَّكَاةَ) تقدم عند آية [٤٣].\n• قال السعدي: ثم أمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد.\n(ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) الخطاب لمعاصري محمد -ﷺ-، وأسند إليهم تولي أسلافهم إذ كلهم بتلك السبل في إعراضهم عن الحق مثلهم.\n(إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ) كعبد الله بن سلام وأصحابه.\n• قال أبو حيان: والمعنيُّ بالقليل القليل في عدد الأشخاص، فقيل: هذا القليل هو عبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل: من آمن قديمًا من أسلافهم، وحديثًا كعبد الله بن سلام وغيره.\nقال ابن عطية: ويحتمل أن تكون القلة في الإيمان، أي لم يبق حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد -ﷺ- إلا إيمان قليل، إذ لا ينفعهم، والأول أقوى، وضعفه أبو حيان.\n(وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) عن الميثاق الذي أخذ عليكم.\n• فسر بعض العلماء التولي بالإعراض، ومن ثَمّ قال: الفائدة من ذلك التكرار التأكيد كما قال تعالى (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) ومن من العلماء من قال: إن التولي يكون بالجسم، والإعراض يكون بالقلب، ومنهم من قال (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) خطاب لهم والمراد أسلافهم من آبائهم وأجدادهم الذين تولوا، وقوله (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) انتقل الخطاب إلى المعاصرين للنبي -ﷺ- من اليهود، والمعنى على ذلك: ثم تولى آباؤكم، وأنتم كذلك معرضون.","vol":"1","page":274},{"text":"• قال ابن كثير: وقد أمر تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء بقوله (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-302>الفوائد:</span>\n١ - وجوب عبادة الله تعالى.\n٢ - تحريم الشرك.\n٣ - أهمية حق الوالدين وأنه أعظم الحقوق بعد حق الله تعالى.\n٤ - بيان عظمة الله لقوله (وإذ أخذنا ..) لأن الضمير هنا للتعظيم.\n٥ - وجوب الإحسان إلى ذي القربى، وهم من يجتمعون به بالأب الرابع فما دون.\n٦ - وجوب الإحسان إلى اليتامى.\n٧ - اهتمام الشريعة بحقوق الضعفاء وجاءت بالأجر الكبير بالإحسان إليهم.\n٨ - وجوب الإحسان إلى المساكين وذلك بإعطائهم ما يستحقون من الزكاة.\n٩ - وجوب القول الحسن.\n١٠ - تحريم القول السوء.\n١١ - أهمية الصلاة وأنها مشروعة في جميع الأمم.\n١٢ - أهمية الزكاة وأنها من أعظم الأركان بعد الصلاة.\n١٣ - أن بني إسرائيل مع هذا الميثاق الذي أخذه الله عليهم لم يقوموا به إلا القليل منهم.\n١٤ - سنة الله في أن أهل الطاعة أقل من أهل الشر كما قال تعالى (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) وقال تعالى (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال -ﷺ- (… يأتي والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد).","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-303>(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (٨٦».</span> [البقرة: ٨٤ - ٨٦].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ) بين تعالى أنه أخذ ميثاقًا على بني إسرائيل وهو عدم العدوان من بعضهم على بعض.\n(لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ) أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، لأن أهل الملة الواحدة كالنفس الواحدة كما قال تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يلمز بعضكم بعضًا، وقوله تعالى (فسلموا على أنفسكم) أي: على إخوانكم، وقوله تعالى (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) أي: بإخوانهم.\n• قال القرطبي: فإن قيل: وهل يَسفِك أحد دمه ويُخرج نفسه من داره؟ قيل له: لما كانت ملّتهم واحدة وأمرهم واحد وكانوا في الأمم كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضًا وإخراج بعضهم بعضًا قتلًا لأنفسهم ونَفيًا لها.\n• قال ابن عاشور: وليس المراد النهي عن أن يسفك الإنسان دم نفسه أو يخرج نفسه من داره لأن مثل هذا مما يزع المرء عنه وازعه الطبيعي فليس من شأن الشريعة الاهتمام بالنهي عنه، وإنما المراد أن لا يسفك أحد دم غيره ولا يخرج غيره من داره على حد قوله تعالى (فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم) أي فليسلم بعضكم على بعض.\n(وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) أي: ولا يعتدي بعضكم على بعض بالإخراج من الديار، والإجلاء عن الأوطان.\n• قال الماوردي: قوله (لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُ مِّن دِيَارِكُمْ) أما النفس فمأخوذة من النفاسة، وهي الجلالة، فنفس الإنسان أنفس ما فيه، وأما الديار فالمنزل الذي فيه أبنية المقام، بخلاف منزل الارتحال.\n(ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) أي: ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به\n(ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) يعني إخوانكم.","vol":"1","page":276},{"text":"• قال ابن كثير: ينكر الله تعالى على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله -ﷺ-، وذلك أن الأوس والخزرج وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم، قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم، ويخرجونهم من بيوتهم، وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكّوا الأسرى من الفريق المغلوب عملًا بحكم التوراة، ولهذا قال: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).\n(وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ) أي: وطردتموهم من ديارهم من غير التفات إلى العهد الوثيق.\n(تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) أي: تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم.\n(وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ) أي: وإذا وقعوا في الأسر فاديتموهم، ودفعتم المال لتخليصهم من الأسر.\n(وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ) تشنيع وتبليد لهم إذ توهموا القُربة فيما هو من آثار المعصية أي كيف ترتكبون الجناية وتزعمون أنكم تتقربون بالفداء وإنما الفداء المشروع هو فداء الأسرى من أيدي الأعداء لا من أيديكم فهلا تركتم موجب الفداء؟. (قاله ابن عاشور).\n(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ) أي: أفتؤمنون ببعض أحكام التوراة، وهذا يتبين مما قبله: وهو فداء الأسارى منهم.\n(وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) وهو إخراجهم من ديارهم وقتلهم ومظاهرة العدو عليهم.\n• قال في التسهيل: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب) فداؤهم الأسارى موافقة لما في كتبهم (وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) القتل والإخراج من الديار مخالفة لما في كتبهم.\n• وإن كان وقع منهم كفر بأشياء أخرى ككتم صفة محمد -ﷺ-.\n• والآية توبيخ لهم، لأنهم جمعوا بين الكفر والإيمان.\n(فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ) أي: ما عقوبة من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض.\n(إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إلا ذل ومهانة وصغار.\n• الحياة الدنيا سميت بذلك: لأنها قبل الآخرة في الزمن، ولدناءتها وحقارتها بالنسبة للآخرة. كما قال تعالى (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) وقال -ﷺ- (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء). رواه الترمذي\nوقال -ﷺ- (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري.","vol":"1","page":277},{"text":"(وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ) جزاء على مخالفتهم كتاب الله الذي بأيدهم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-304> ويوم القيامة سمي بذلك:</span>\n<span data-type='title' id=toc-305>أولًا: لقيام الناس من قبورهم.</span>\nكما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-306>ثانيًا: لقيام الأشهاد.</span>\nكما قال تعالى (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-307>ثالثًا: لقيام الروح والملائكة.</span>\nكما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا).\n(وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وعيد شديد لمن عصى أوامر الله، فإن الله لا يغفل عنه شيئًا وذلك لكمال علمه ﷾.\n(أُولَئِكَ) الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة.\n(الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) أي: استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة، أي: اختاروها وآثروها على الآخرة.\n(فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) أي: لا يُفتر عنهم العذاب ساعة واحدة.\n(وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي: ليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-308>الفوائد:</span>\n١ - أن بني إسرائيل أُخِذ عليهم تحريم قتال بعضهم بعضًا.\n٢ - بيان تمرد بني إسرائيل، حيث إنهم نقضوا العهد الذي أخذه الله عليهم.\n٣ - تناقض بني إسرائيل في دينهم.\n٤ - أن الكفر ببعض الشريعة كفر بجميعها.\n٥ - إثبات الجزاء يوم القيامة.\n٦ - إثبات يوم القيامة.\n٧ - أن عذاب الآخرة أشد وأبقى.\n٨ - التحذير لهذه الأمة من التشبه باليهود في أعمالهم المنكرة.\n٩ - أن الله لا يغفل عن شيء لكمال علمه، وهذه قاعدة: كل صفة نفي: فإننا ننفيها ونثبت كمال ضدها، فالله لا ينام لكمال حياته، ولا يجهل لكمال علمه، ولا يظلم لكمال عدله.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-309>(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧».</span> [البقرة: ٨٧].\n<hr><s0>\n\n(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) أي: ولقد أعطينا موسى بن عمران الكتاب وهو التوراة.\n• وموسى هو ابن عمران أفضل أنبياء بني إسرائيل، وأحد أولي العزم من الرسل الخمسة.\n(وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ) أي: وأتبعنا وأردفنا من بعده بالرسل كما قال تعالى (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا) حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم.\n• قال ابن الجوزي: وقفَّينا: أتبعنا. قال ابن قتيبة: وهو مأخوذ من القفا. يقال: قفوت الرجل: إذا سرت في أثره.\n• قال الشوكاني: والمراد أن الله سبحانه أرسل على أثره رسلًا جعلهم تابعين له وهم أنبياء بني إسرائيل المبعوثون من بعده.\n(وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ) أي: وأعطينا من الآيات البينات والمعجزات الظاهرات الواضحات الدالة على نبوته.\n• قال الرازي: السبب في أن الله تعالى أجمل ذكر الرسول ثم فصل ذكر عيسى لأن من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متبعين له، وليس كذلك عيسى، لأن شرعه نسخ أكثر شرع موسى ﵇.\n• ولم يبيّن هنا ما هذه البينات لكنه بينها في آية أخرى كقوله تعالى (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).","vol":"1","page":280},{"text":"• قوله تعالى (ابن مريم) قال ابن تيمية: ولهذا لما ذكر الله المسيح في القرآن قال (ابن مريم) بخلاف سائر الأنبياء وفي ذلك فائدتان:\nإحداهما: بيان أنه مولود، والله لم يولد.\nوالثانية: نسبته إلى مريم، بأنه ابنها ليس هو ابن الله.\n(وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) اختلف ما هو روح القدس هنا والصحيح أنه جبريل ورجحه ابن جرير وابن كثير والشنقيطي وابن جزي ويدل لهذا:\nقوله تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ).\nوقوله تعالى (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) أي جبريل.\nوأيضًا قوله -ﷺ- لحسان (اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك) رواه البخاري وفي رواية (أهجهم وجبريل معك).\n• قال الطبري: وإنما سمى الله تعالى جبريل (روحًا) وأضافه إلى القدس، لأنه كان بتكوين الله له روحًا من عنده من غير ولادة والد ولده فسماه بذلك (روحًا) وأضافه إلى (القدس) والقدس هو الطهر، كما سمى عيسى ابن مريم روحًا من أجل تكوينه له روحًا من عنده من غير ولادة والد له.\n(أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ) أي: أفكلما جاءكم نبي يا بني إسرائيل بما لا يوافق أنفسكم ولا يلائمها.\n• قال ابن عاشور: و(تهوى) مضارع هوى بكسر الواو إذا أحب والمراد به ما تميل إليه أنفسهم من الانخلاع عن القيود الشرعية والانغماس في أنواع الملذات والتصميم على العقائد الضالة.\n(اسْتَكْبَرْتُمْ) عن إجابته، احتقارًا للرسل واستبعادًا للرسالة.\nقال ابن عاشور: والاستكبار: الاتصاف بالكبر وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعًا لهم.","vol":"1","page":281},{"text":"(فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ) فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد ﵉.\n(وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) وكان من قتلوه يحيي وزكريا ﵉.\nقال ابن كثير: كانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء ﵈ أسوأ المعاملة، ففريقًا يكذبونه، وفريقًا يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم وبإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها، فلهذا كان يشق ذلك عليهم، فيكذبونهم، وربما قتلوا بعضهم.\nوقال: قال الزمخشري في قوله (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) وإنما لم يقل: وفريقًا قتلتم، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضًا، لأنهم حاولوا قتل النبي -ﷺ- بالسم والسحر، وقد قال -ﷺ- في مرض موته: ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري.\n• قال الرازي: قوله تعالى (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ استكبرتم فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) فهو نهاية الذم\nلهم، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه، وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم.","vol":"1","page":282},{"text":"• قال الشنقيطي: قوله تعالى (أفكُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن الرسل غالبون منصورون كقوله (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)، وكقوله (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون)، وقوله تعالى (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) وبيّن تعالى أن هذا النصر في دار الدنيا أيضا كما في هذه الآية الأخيرة وكما في قوله (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية.\nوالذي يظهر في الجواب عن هذا أن الرسل قسمان: قسم أمروا بالقتال في سبيل الله، وقسم أمروا بالصبر والكف عن الناس، فالذين أمروا بالقتال وعدهم الله بالنصر والغلبة في الآيات المذكورة، والذين أمروا بالكف والصبر هم الذين قتلوا ليزيد الله رفع درجاتهم العلية بقتلهم مظلومين، وهذا الجمع مفهوم من الآيات لأن النصر والغلبة فيه الدلالة بالالتزام على جهاد ومقاتلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-310>الفوائد:</span>\n١ - بيان ما منّ الله به على موسى من إعطائه الكتاب.\n٢ - عظمة الله حيث وصف نفسه بقوله (ولقد آتينا).\n٣ - إثبات نبوة موسى ﵇.\n٤ - أن الله لم يهمل الخلق بل أرسل إليهم رسلًا.\n٥ - أن الله أعطى عيسى الآيات البينات الواضحات التي تدل على صدقه.\n٦ - رحمة الله بخلقه وحكمته حيث أيد الرسل بالآيات، من أجل يؤمنوا به ويصدقوه.\n٧ - بطلان دعوى النصارى بألوهية عيسى.\n٨ - إثبات الملك الكريم جبريل.\n٩ - أن بني إسرائيل قتلة الأنبياء.\n١٠ - شدة تكذيب بني إسرائيل للرسل.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-311>(وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ (٨٨».</span> [البقرة: ٨٨].\n<hr><s0>\n\n(وَقَالُوا) أي: اليهود، إذا دعوا إلى الحق.\n\n<span data-type='title' id=toc-312>(قُلُوبُنَا غُلْفٌ) اختلف العلماء في معنى ذلك على قولين:</span>\nالقول الأول: أي: في أكنّة لا تفقه.\nقال ابن القيم: وهذا قول أكثر المفسرين.\nوالقول الثاني: أي: قلوبنا ممتلئة علمًا لا تحتاج إلى علم محمد، وهذا على القراءة الشاذة (قلوبنا غُلُف).\nوالأول أصح لتكرر نظائره في القرآن كقولهم (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ) وقوله تعالى (الَذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ\nعَنْ ذِكْرِي).\n• قال ابن الجوزي: (وقالوا قلوبنا غلف) قرأ الجمهور بإسكان اللام، وقرأ قوم، منهم الحسن وابن محيصن بضمها. قال الزجاج. من قرأ (غلف) بتسكين اللام، فمعناه: ذوات غلف، فكأنهم قالوا: قلوبنا في أوعية. ومن قرأ (غلُف) بضم اللام، فهو جمع (غلاف) فكأنهم قالوا: قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم وهي أوعية للعلم؟! فعلى الأول؛ يقصدون إعراضه عنهم، كأنهم يقولون ما نفهم شيئًا. وعلى الثاني يقولون: لو كان قولك حقًا لقبلته قلوبنا.\n• قال الطبري: وقالت اليهود: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه يا محمد، فقال الله: ما ذلك كما زعموا، ولكن الله أقصى اليهود وأبعدهم من رحمته وطردهم عنها، وأخزاهم بجحودهم له ولرسله.\n(بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بكفرهم) هذا رد من الله عليهم، أي: ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة. بل لعنهم الله (بِـ) بسبب (كُفْرِهِمْ) بالله تعالى، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.","vol":"1","page":284},{"text":"• بل هنا للإضراب الإبطالي، يعني: بل ليس في قلوبهم غلاف، ولكن لعنهم الله بكفرهم.\n• قال الآلوسي: (بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بكفرهم) هذا رد لما قالوه، وتكذيب لهم فيما زعموه، والمعنى أنها خلقت على فطرة التمكن من النظر الصحيح الموصل إلى الحق لكن الله تعالى أبعدهم، وأبطل استعدادهم الخلقي للنظر الصحيح بسبب اعتقاداتهم الفاسدة وجهالاتهم الباطلة الراسخة في قلوبهم، أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لعدم كونه حقًا وصدقًا بل لأنه سبحانه طردهم وخذلهم بكفرهم فأصمهم وأعمى أبصارهم.\n• قال ابن عاشور: فاللعنة حصلت لهم عقابًا على التصميم على الكفر وعلى الإعراض عن الحق وفي ذلك رد لما أوهموه من أن قلوبهم خلقت بعيدة عن الفهم لأن الله خلقهم كسائر العقلاء مستطيعين لإدراك الحق لو توجهوا إليه بالنظر وترك المكابرة وهذا معتقد أهل الحق من المؤمنين عدا الجبرية.\n• قال ابن القيم: وجه الإضراب أنهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه، فكيف تقوم به عليهم الحجة؟ وكأنهم ادعوا أن قلوبهم خلقت في غلف فهم معذورون في عدم الإيمان فأكذبهم الله وقال (قَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا). فأخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم وآثروه على الإيمان، فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة، والمعنى لم نخلق قلوبهم غلفًا لا تعي ولا تفقه، ثم نأمرهم بالإيمان وهم لا يفهمونه ولا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالًا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-313>(فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ) اختُلف في معناها:</span>\nفقيل: فقليل من يؤمن منهم، وهذا أمر مشاهد، فاليهود قليل منهم من يسلم.\nوقيل: فقليل إيمانهم، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد -ﷺ-.\nوقيل: لا يؤمنون أبدًا، وأن مثل هذا التعبير جار في لسان العرب، فهو نفي للكل، قال الكسائي: تقول العرب: مررنا بأرض قليلًا ما تنبت، يريدون ولا تنبت شيئًا.","vol":"1","page":285},{"text":"والآية تعم الجميع، لأننا القاعدة في التفسير: أنه متى احتملت الآية أكثر من معنى بدون أن يكون هناك تناقض فإنها تحمل على كل المعاني.\n\n<span data-type='title' id=toc-314>الفوائد:</span>\n١ - أن اليهود يدعون ما ليس بحق، حينما يدعوهم النبي -ﷺ-، فيقولون إن قلوبنا غلف.\n٢ - أن اليهود ملعونون.\n٣ - أن الكفر سبب للعنة.\n٤ - خطر المعاصي على القلب من كفر ومعصية، ولذلك أصاب بني إسرائيل قسوة القلب بسبب نقضهم الميثاق وطول الأمل كما سبق.\n٥ - من أراد صفاء قلبه وطهارته فليبتعد عن المعاصي.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-315>(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ (٩٠».</span> [البقرة: ٨٩ - ٩٠].\n<hr><s0>\n\n(وَلَمَّا جَاءَهُمْ) أي: اليهود.\n(كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وهو القرآن الكريم، وسبق لماذا سمي القرآن كتابًا.\n• قال الرازي: قد اتفقوا على أن هذا الكتاب هو القرآن لأن قوله تعالى (مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ) يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم وما ذاك إلا القرآن.\n(مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) أي: أن هذا القرآن مصدق لما معهم من التوراة، قال قتادة: وهو القرآن الذي أنزل على محمد مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل.\n• وسبق معنى تصديق القرآن للكتب السابقة عند الآية [٤١].\n(وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ) أي: وكان هؤلاء اليهود قبل مجيء هذا الرسول -ﷺ- بالقرآن.\n(يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين، والاستفتاح: الاستنصار، وهو طلب الفتح والنصر، فطلب الفتح والنصر به هو أن يبعث فيقاتلونهم معه، فبهذا ينصرون.\n(فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا) أي: من الحق وصفة محمد -ﷺ- الذي كانوا ينتظرونه.\n(كَفَرُوا بِهِ) ولم يؤمنوا به، ولم يؤمنوا بما جاء به.\nعن قتادة قال: كانت اليهود تستفتح بمحمد -ﷺ- على كفار العرب من قبل، وقالوا: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة يُعذبهم ويقتلهم! فلما بعث الله محمدًا -ﷺ- فرأوا أنه بُعث من غيرهم كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله -ﷺ- يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة.\n(فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) اللعن: هو الطرد من رحمة الله، وهؤلاء لعنوا وطردوا من رحمة الله لأنهم كفروا بالرسول -ﷺ- الذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.","vol":"1","page":287},{"text":"(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) أي: أن اليهود باعوا الحق بالباطل، وكتموا ما جاء به محمد -ﷺ- بأن يبينوه.\n(بَغْيًا) أي: وإنما حملهم على ذلك البغي، والأكثر على أن المراد بالبغي هنا الحسد، والظاهر أنه أخص من الحسد.\n(أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) أي: لأجل إنزال الله الفضل على نبيه -ﷺ-.\n• والمراد بالفضل هنا النبوة والقرآن.\n• قال الطبري: بئس الشيء باعوا به أنفسهم الكفر بالذي أنزل الله في كتابه على موسى من نبوة محمد -ﷺ- والأمر بتصديقه واتباعه، من أجل أن أنزل الله من فضله - وفضله حكمته وآياته ونبوته - على من يشاء من عباده، يعني به على محمد -ﷺ-، بغيًا وحسدًا لمحمد -ﷺ- من أجل أنه كان من ولد إسماعيل ولم يكن من بني إسرائيل.\n• قوله تعالى (على من يشاء من عباده) هذه المشيئة لحكمة.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة.\n(فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) باءوا: أي رجعوا، وأكثر ما يقال في الشر.\nواختلف العلماء في معنى (بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) أما الغضب الثاني فسببه هو كفرهم بمحمد -ﷺ- بعد أن عرفوا صفته وأنه النبي المبعوث.","vol":"1","page":288},{"text":"وأما الغضب الأول فسببه كفرهم بعيسى -ﷺ-، ويدخل في ذلك أيضًا عبادتهم العجل، وتضييعهم التوراة، وقولهم عزير ابن الله، وقولهم يد الله مغلولة، وقولهم: إن الله فقير ونحن أغنياء.\n• قال ابن الجوزي: في قوله تعالى (بغضب على غضب) خمسة أقوال:\nأحدها: أن الغضب الأول لاتخاذهم العجل، والثاني: لكفرهم بمحمد، حكاه السدي عن ابن مسعود وابن عباس.\nوالثاني: أن الأول لتكذيبهم رسول الله، والثاني: لعداوتهم لجبريل.\nوالثالث: أن الأول حين قالوا (يد الله مغلولة) والثاني: حين كذّبوا نبي الله، واختاره الفراء.\nوالرابع: أن الأول لتكذيبهم بعيسى والإنجيل، والثاني: لتكذيبهم بمحمد والقرآن.\nوالخامس: أن الأول لتبديلهم التوراة، والثاني: لتكذيبهم محمدًا -ﷺ- قاله مجاهد.\n(وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ) أي: عقوبة.\n(مُهِينٌ) أي: ذو إهانة وإذلال، لما كان كفرهم سببه البغي والحسد ومنشأ ذلك التكبر قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) أي: ذليلين حقيرين، ومن إهانتهم أن يقال لهم (قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ).","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-316>الفوائد:</span>\n١ - أن القرآن من عند الله.\n٢ - أن من أسماء القرآن الكتاب.\n٣ - أن القرآن مصدق للكتب السابقة.\n٤ - إقامة الحجة على اليهود بمعرفتهم بالنبي -ﷺ- وببعثته.\n٥ - شدة عناد واستكبار اليهود.\n٦ - خطر الحسد وأنه سبب للصد عن الحق.\n٧ - أن من رد الحق حسدًا ففيه شبه من اليهود.\n٨ - وجوب قبول الحق من أي شخص كان.\n٩ - أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء تبعًا لحكمته.\n١٠ - أن العقوبات سببها المعاصي والذنوب.\n١١ - أن المستكبر يعاقب بنقيض قصده.\n١٢ - إثبات الغضب لله إثباتًا يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type='title' id=toc-317>(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢».</span> [البقرة: ٩١ - ٩٢].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب.\n(آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) على محمد -ﷺ- وصدقوه واتبعوه.\n(قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا) أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل.\n(وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ) أي: بما سواه.\n• قوله تعالى (وراءه) من كلمة الأضداد، تأتي لمعنىً ولضده، فهي تستمعل بمعنى خلف وبمعنى أمام، فقوله تعالى (وراءهم ملك يأخذ ..) أي: أمامَهم.\n(وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ) تقدم معنى تصديق القرآن للكتب السابقة.\n(قُلْ) رد عليهم من الله في قولهم أنهم آمنوا بما أنزل عليهم، وتكذيب منه لهم وتوبيخ.\n(فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها وأنتم تعلمون صدقهم، قتلتموهم بغيًا وعنادًا واستكبارًا على رسل الله.\n• والخطاب لمن حضر محمدًا -ﷺ-، والمراد أسلافهم، وإنما توجه الخطاب لأبنائهم، لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا، وقيل: لأنهم رضوا فعلهم فنسب ذلك إليهم.\n• قال ابن عطية: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ) وجاء (تقتلون) بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله (من قبل) وإذا لم يشكل فجائز سوق الماضي بمعنى المستقبل وسوق المستقبل بمعنى الماضي.\n• وقال ابن الجوزي: وتقتلون بمعنى: قتلتم، فوضع المستقبل في موضع الماضي، لأن الوهم لا يذهب إلى غيره.\n• قال السمرقندي: وفي الآية دليل أن من رضي بالمعصية فكأنه فاعل لها، لأنهم كانوا راضين بقتل آباءهم الأنبياء، فسماهم الله تعالى قاتلين.","vol":"1","page":291},{"text":"وفي الآية دليل أن من ادعى أنه مؤمن، ينبغي أن تكون أفعاله مصدقة لقوله، لأنهم كانوا يدعون أنهم مؤمنون بما معهم.\n(وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ) أي: بالآيات الواضحات، والدلائل القاطعات على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله.\nوالبينات هي الموضحة في قوله تعالى (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) والعصا واليد، وفلق البحر، وتظليلهم الغمام، والمنّ والسلوى وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها.\n(ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ) معبودًا من دون الله في زمان موسى.\n(مِنْ بَعْدِهِ) قيل: من بعد موسى، وذلك أنهم عبدوا العجل بعد أن فارقهم موسى ماضيًا إلى ميقات ربه، وقيل: من بعده، أي من بعد مجيء موسى ﵇ إليكم بالبينات، والأول أقوى.\n(وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) لأنفسكم، لأنكم أشركتم بالله تعالى، لأن الشرك أعظم الظلم، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك ظالم، لأنه وضع العبادة التي هي حق لله تعالى وحده، وضعها في المخلوق الضعيف الفقير أو وضعها لصنم أو حجر أو شجر، ولأجل هذا البيان فإن القرآن يكثر الله فيه إطلاق الظلم على الشرك، كما قال تعالى عن العبد الصالح (إن الشرك لظلم عظيم)، وثبت في صحيح البخاري أن النبي -ﷺ- فسر قوله (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) قال: بشرك، ثم تلا قول لقمان (إن الشرك لظلم عظيم)، وقال تعالى (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين) أي: من المشركين.","vol":"1","page":292},{"text":"ولم يأت الظلم في القرآن إلا بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف، بمعنى النقص، كما قال تعالى (كلنا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئًا) أي ولم تنقص.\n\n<span data-type='title' id=toc-318>الفوائد:</span>\n١ - بيان تعصب اليهود لما هم عليه من الطريق ولو كانت خاطئة.\n٢ - التحذير من التشبه باليهود في التعصب للآراء.\n٣ - تكذيب الله لليهود بقوله (نؤمن بما أنزل علينا) لأنهم لو آمنوا به، لآمنوا بمحمد -ﷺ-.\n٤ - بيان عتو وعناد اليهود لأنهم قالوا (لا نؤمن إلا بما أنزل علينا.\n٥ - أن اليهود قتلة الأنبياء، وهذا من أعظم المنكرات.\n٦ - أن القرآن منزل غير مخلوق.\n٧ - إفحام الخصم بإقامة الحجة عليه من فعله، وذلك أن الله أقام الحجة على اليهود الحجة على فعلهم، وهم قد قتلوا أنبياء الله الذين جاءوا بالكتاب إليهم.\n٨ - إقامة الحجة على اليهود حيث جاءهم موسى بالبينات الواضحات ومع ذلك اتخذوا العجل إلهًا.\n٩ - سفاهة اليهود لاتخاذهم العجل إلهًا مع أنهم هم الذين صنعوه.\n١٠ - أن المشرك ظالم.\n١١ - أن الظلم درجات، أعظمه الشرك بالله.\nومن الظلم: ظلم العبد نفسه بالمعاصي كما قال تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ).\nومن الظلم: ظلم العباد بعضهم بعضًا: كما في الحديث (قال الله: إني حرمت الظلم وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا). رواه مسلم","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-319>(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ (٩٣».</span> [البقرة: ٩٣].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ) تقدم شرحها عند آية [٦٣].\n- قال الرازي: اعلم أن في الإعادة وجوهًا:\nأحدها: أن التكرار في هذا وأمثاله للتأكيد وإيجاب الحجة على الخصم على عادة العرب.\nوثانيها: أنه إنما ذكر ذلك مع زيادة وهي قولهم (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) وذلك يدل على نهاية لجاجهم.\nوقال أبو حيان: وإنما كررت لدعواهم أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم، وهم كاذبون في ذلك.\nألا ترى أن اتخاذ العجل ليس في التوراة؟ بل فيها أن يفرد الله بالعبادة، ولأن عبادة غير الله أكبر المعاصي، فكرر عبادة العجل تنبيهًا على عظيم جرمهم.\nوفي هذا التكرار أيضًا من الفائدة تذكارهم بتعداد نعم الله عليهم ونقمه منهم، ليزدجر الأخلاف بما حل بالأسلاف.\n(بِقُوَّةٍ) تقدم شرحها، ومعناه: أي: أُمروا أن يأخذوا الكتاب الذي أنزله عليهم وهو التوراة بقوة في تصديق أخباره والعمل بأحكامه.\n(وَاسْمَعُوا) المراد بالسمع هنا الإجابة، ومنه قولهم (سمعًا وطاعة) أي: إجابة، ومنه (سمع الله لمن حمده) في الصلاة، أي: أجاب دعاء من حمده، ويشهد له قوله تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) وهذا قول الجمهور.\nوقيل: المراد (وَاسْمَعُوا) بآذانكم ولا تمتنعوا من أصل الاستماع.\n- قال ابن عاشور: قوله: (واسمعوا) مراد به الامتثال فهو كناية كما تقول فلان لا يسمع كلامي أي لا يمتثل أمري إذ ليس الأمر هنا بالسماع بمعنى الإصغاء إلى التوراة فإن قوله (خذوا ما آتيناكم بقوة) يتضمنه ابتداء.\n(قَالُوا سَمِعْنَا) بآذاننا.","vol":"1","page":294},{"text":"(وَعَصَيْنَا) بأفعالنا، والعصيان مخالفة الأمر، إن كان أمرًا فبتركه، وإن كان نهيًا فبارتكابه، وقولهم هذا: غاية ما يكون من المحادة لله ﷿ ورسله.\n(وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) أي: حب العجل، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم، وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن العجل في قلوبهم.\n- قال القرطبي: وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل، لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام مجاور لها غير متغلغل فيها.\n- وقال ابن عطية: قوله تعالى (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) التقدير حب العجل، والمعنى جعلت قلوبهم تشربه، وهذا تشبيه ومجاز، عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم.\n- وقال ابن عاشور: وإنما جعل حبهم العجل إشرابًا لهم للإشارة إلى أنه بلغ حبهم العجل مبلغ الأمر الذي لا اختيار لهم فيه كأن غيرهم أشربهم إياه كقولهم أُولِع بكذا وشُغِف.\nفائدة: قِيلَ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: مَا بَالُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ لَهُمْ مَحَبَّةٌ شَدِيدَةٌ لِأَهْوَائِهِمْ؟، فَقَالَ: أَنَسِيتَ قَوْله تَعَالَى: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهم).\n(بِكُفْرِهِمْ) أي: بسبب كفرهم.\n(قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ) أي: قل لهم على سبيل التهكم بهم، بئس هذا الإيمان الذي يأمركم بعبادة العجل.\n(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: إن كنتم تزعمون الإيمان فبئس هذا العمل والصنيع، والمعنى: لستم بمؤمنين، لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل.","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-320>الفوائد:</span>\n١ - أن الله أخذ الميثاق على بني إسرائيل بالإيمان.\n٢ - بيان قدرة الله تعالى.\n٣ - وجوب تلقي الشريعة بالقوة والنشاط دون الكسل.\n٤ - بيان عتو بني إسرائيل.\n٥ - أن الله تعالى قد يبتلي العبد، فيملأ قلبه حبًا لما يكرهه لقوله (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ).","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-321>(قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦».</span> [البقرة: ٩٤ - ٩٦].\n<hr><s0>\n\n(قُلْ) يا محمد لهؤلاء اليهود.\n(إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ) يعني الجنة.\n(عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ) كما تزعمون أن لكم الجنة دون الناس، فإن اليهود ادعوا دعاوى باطلة:\nكقولهم (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً).\nوقولهم (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى).\nوقولهم (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (من دون الناس) والمراد من الناس جميع الناس فاللام فيه للاستغراق لأنهم قالوا (لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا).\nفأكذبهم الله بقوله:\n(فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) وقد اختلف العلماء في معنى (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) على قولين:\nالقول الأول: دعاهم لتمني الموت إن كانوا من أهل الجنة كما يزعمون.\nلأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة، لما يصير إليه من نعيم الجنة ويزول عنه أذى الدنيا، فأحجموا عن تمي ذلك فرقًا من الله لقبح أعمالهم، وحرصهم على الدنيا.\nوهذا القول رجحه ابن جرير.\nالقول الثاني: المراد المباهلة، أي: ادعوا بالموت على أكذب الفريقين منا ومنكم فما دعوا لعلمهم بكذبهم.\nورجح هذا القول ابن كثير وقال: هذا هو المتعين وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة، ونقله ابن جرير عن قتادة وأبي العالية والربيع بن أنس، ونظير هذه الآية قوله تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) فهم عليهم لعائن الله لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، دعُوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم أو من المسلمين، فلما نكلوا عن ذلك، علم كل أحد أنهم ظالمون، لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا علِم كذبهم.\n• قال ابن كثير: وسميت هذه المباهلة تمنيًا، لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له.","vol":"1","page":297},{"text":"(وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي: ولن يتمنوا الموت ما عاشوا بسبب ما اجترحوه من الذنوب والآثام.\n• والذي قدمته أيديهم: تكذيبهم الأنبياء، وقتلهم إياهم، وقولهم (أرنا الله جهرة)، وقولهم (اجعل لنا إلهًا) وقولهم (فاذهب أنت وربك) واعتداؤهم في السبت، وسائر الكبائر التي لم تصدر من أمة قبلهم ولا بعدهم.\n• قال أبو حيان: (ولن يتمنوه أبدًا بما قدّمت أيديهم) هذا من المعجزات، لأنه إخبار بالغيب.\n• وأضيفت الأعمال إلى اليد، لأن أكثر الجنايات التي يرتكبها الإنسان تكون بيده فأضيفت سائر أعمال الجوارح إلى اليد تغليبًا، فتحريف التوراة كان باليد، وقتل الأنبياء كان باليد.\n• قال الرازي: قوله تعالى (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) فبيان للعلة التي لها لا يتمنون (الموت) لأنهم إذا علموا سوء طريقتهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى أن لا يتمنوا الموت.\n(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) تهديد لكل ظالم، أن الله عليم بهم وبأعمالهم وسيجازيهم عليها، وأعظم الظلم الشرك بالله كما تقدم.\n• قال الرازي: قوله تعالى (والله عليم بالظالمين) فهو كالزجر والتهديد لأنه إذا كان عالمًا بالسر والنجوى ولم يمكن إخفاء شيء عنه صار تصور المكلف لذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي، وإنما ذكر الظالمين لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافرًا فلما كان ذلك أعم كان أولى بالذكر.\n(وَلَتَجِدَنَّهُمْ) أي: اليهود.\n(أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) أي: على طول العمر، لما يعلمون من مآلهم السيئ وعاقبتهم عند الله الخاسرة.\n• قال ابن عاشور: والمراد من الناس في الظاهر جميع الناس أي جميع البشر فهم أحرصهم على الحياة فإن الحرص على الحياة غريزية في الناس إلا أن الناس فيه متفاوتون قوة وكيفية وأسبابًا.\n(وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) أي: وأحرص من الذين أشركوا الذين لا كتاب لهم، لأن مشركي العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة، ولا علم لهم من الآخرة، وقيل: إن الكلام تم في (حياة) ثم استأنف الإخبار عن طائفة من المشركين، والأول أصح.","vol":"1","page":298},{"text":"• قال في التسهيل: (وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ) فيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون عطفًا على ما قبله فيوصل به، ولمعنى أن اليهود أحرص على الحياة من الناس ومن الذين أشركوا، فحمل على المعنى كأنه قال: أحرص من الناس ومن الذين أشركوا، وخص الذين أشركوا بالذكر بعد دخولهم في عموم الناس لأنهم لا يؤمنون بالآخرة فإفراط حبهم للحياة الدنيا.\nوالآخر: أن يكون من الذين أشركوا ابتداء كلام فيوقف على ما قبله، والمعنى: من الذين أشركوا قوم (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) فحذف الموصوف.\nوقيل: أراد به المجوس، لأنهم يقولون لملوكهم عش ألف سنة، والأول أظهر؛ لأن الكلام إنما هو في اليهود، وعلى الثاني يخرج الكلام عنهم.\n• قال السعدي: هم أحرص على الحياة من كل أحد من الناس، حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بأحد من الرسل والكتب.\n(يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) أي: يتمنى أحدهم.\n(لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) أي: أن يعيش ألف سنة، وهذا أبلغ ما يكون من الحرص، تمنوا حالة هي من المحالات.\n• وعبر بالألف لأن العرب كانت تعبر به عند إرادة المبالغة.\n• قال الرازي: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) فالمراد أنه تعالى بيّن بعدهم عن تمني الموت من حيث إنهم يتمنون هذا البقاء ويحرصون عليه هذا الحرص الشديد، ومن هذا حاله كيف يتصور منه تمني الموت.\n(وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ) أي: وما طول العمر - مهما عمّر - بمبعده ومنجيه من عذاب الله.\n• قال الشنقيطي: إذا عرفت معنى الآية فاعلم أن الله قد أوضح هذا المعنى مبينًا أن الإنسان لو متع ما متع من السنين ثم انقضى ذلك المتاع وجاءه العذاب، أن ذلك المتاع الفائت لا ينفعه، ولا يغني عنه شيئًا بعد انقضائه وحلول العذاب محله. وذلك في قوله (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ)، وهذه هي أعظم آية في إزالة الداء العضال الذي هو طول الأمل. كفانا الله والمؤمنين شره.","vol":"1","page":299},{"text":"(وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) تهديد لهم على المجازاة بأعمالهم، فالله بصير بالذي يعملونه من ظاهر وباطن، وخير وشر.\n• وبصير يجوز أن يكون من الإبصار بالعين، ويجوز أن يكون من الإبصار بالعلم\n\n<span data-type='title' id=toc-322>الفوائد:</span>\n١ - تكذيب اليهود الذين قالوا لنا الآخرة دون الناس.\n٢ - أن الكافر يكره الموت لما يعلم من سوء العاقبة.\n٣ - إثبات علم الله للمستقبل.\n٤ - أن اليهود أحرص الناس على حياة.\n٥ - ذم الحرص على الحياة، وأن ذلك من صفات اليهود.\n٦ - أن كل من كان مذنبًا عاصيًا لله فإنه يكره الموت.\n٧ - أن الإنسان مهما طال عمره فإنه لابد أن يموت.\n٨ - أن طول العمر لا ينفع الإنسان شيئًا إذا كان في معصية، بل يكون وبالًا وعذابًا عليه.\n٩ - إثبات البصر لله تعالى.","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-323>(قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (٩٨».</span> [البقرة ٩٧ - ٩٨]\n<hr><s0>\n\n(قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ) قال الطبري: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل؛ إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم.\nعن ابن عباس قال (أقبلت يهود على رسول الله -ﷺ- فقالوا: يا أبا القاسم؛ أخبرنا عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: والله على ما نقول وكيل، قال: هاتوا، قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر؟ قال: يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت. قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يشتكي عرق النساء، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا - قال أحمد: قال بعضهم يعني الإبل - فحرم لحومها. قالوا: صدقت. قالوا: فأخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله ﷿ موكل بالسحاب بيديه أو في يديه مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله تعالى. قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: صوته. قالوا: صدقت. قالوا: إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، إنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخير، فأخبرنا من صاحبك؟ قال:\nجبريل -﵇-. قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان، فأنزل الله (قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ …).\n• قال ابن عاشور: ومن عجيب تهافت اعتقادهم أنهم يثبتون أنه ملك مرسل من الله ويبغضونه، وهذا من أحط دركات الانحطاط في العقل والعقيدة، ولا شك أن اضطراب العقيدة من أكبر مظاهر انحطاط الأمة لأنه ينبئ عن تظاهر آرائهم على الخطأ والأوهام.","vol":"1","page":301},{"text":"(فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ) أي من عادى جبريل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه، فهو رسول من رسل الله ملكي، ومن عادى رسولًا فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول يلزمه الإيمان بجميع الرسل، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ …) فحكم عليهم بالكفر المحقق إذا آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم، وكذلك من عادى جبريل فإنه عدو لله، لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه، كما قال تعالى (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ).\n• فقوله (فإنه) أي: جبريل، (نزّله) أي: نزّل القرآن، مع أن القرآن لم يسبق له ذكر، لكن عاد الضمير للقرآن، لأنه مفهوم من السياق كما في قوله تعالى (ما ترك على ظهرها من دابة) فحذفت الأرض لدلالة السياق عليها.\n• قال الرازي: قوله تعالى (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ) الهاء في قوله تعالى (فإنه) وفي قوله (نزله) إلى ماذا يعود؟\nالجواب فيه قولان: أحدهما: أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية: على القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم كقوله (مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ) يعني على الأرض وهذا قول ابن عباس وأكثر أهل العلم، أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن الله.\n• قال القرطبي ﵀: وخص القلب بالذكر؛ لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف.\n• قال الشنقيطي في قوله (فإنه نزله على قلبك): ظاهر هذه الآية أن جبريل ألقى القرآن على قلب النبي -ﷺ- من غير سماع قراءة، ونظيرها في ذلك قوله تعالى: (نزل به الروح الأمين على قلبك) ولكنه بين في مواضع أخر أن معنى ذلك: أن الملك يقرؤه عليه حتى يسمعه منه، فتصل معانيه إلى قلبه بعد سماعه، وذلك هو معنى تنزيله على قلبه، وذلك كما في قوله تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) وقوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا).\n• قوله تعالى (بِإِذْنِ اللّهِ) فيه أن جبريل لا ينزل من عند نفسه بل ينزل بإذن الله.\n(مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) سبق الكلام عن معناه.\n(وَهُدًى) أي: هدى لقلوبهم.\n(وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين، كما قال تعالى: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ) وقال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).","vol":"1","page":302},{"text":"• قال ابن عاشور: والبشرى الإخبار بحصول أمر سار أو بترقب حصوله، فالقرآن بشر المؤمنين بأنهم على هدى وكمال ورضى من الله تعالى وبشرهم بأن الله سيؤتيهم خير الدنيا وخير الآخرة.\n• وقال ﵀: فقد حصل من الأوصاف الخمسة للقرآن وهي أنه منزل من عند الله بإذن الله، وأنه منزل على قلب الرسول، وأنه مصدق لما سبقه من الكتب، وأنه هاد أبلغ هدى، وأنه بشرى للمؤمنين، الثناء على القرآن بكرم الأصل وكرم المقر وكرم الفئة ومفيض الخير على أتباعه الأخيار خيرًا عاجلًا وواعد لهم بعاقبة الخير.\n(مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ …) يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي؛ ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر كما قال تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ).\n• قوله تعالى (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) هذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة في عموم الرسل، ثم خُصِّصَا بالذكر، لأن السياق في الانتصار لجبرائيل وهو السفير بين الله وبين أنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبرائيل عدوهم، وميكائيل وليهم، فأعلمهم الله أن من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضًا.\nوقيل: خُصا بالذكر تشريفًا لهما وبيانًا لفضلهما.\n• قال الماوردى: فإن قيل: فلم قال (مَن كَانَ عَدُوًَّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌ لِلْكَافِرِينَ) وقد دخل جبريل وميكائيل في عموم الملائكة فلِمَ خصهما بالذكر؟ فعنه جوابان:\nأحدهما: أنهما خُصَّا بالذكر تشريفًا لهما وتمييزًا.\nوالثاني: أن اليهود لما قالوا جبريل عدوّنا، وميكائيل ولينا، خُصَّا بالذكر، لأن اليهود تزعم أنهم ليسوا بأعداء لله وملائكته، لأن جبريل وميكائيل مخصوصان من جملة الملائكة، فنص عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص.\nوقال ابن عاشور: وخُص جبريل بالذكر هنا لزيادة الاهتمام بعقاب معاديه","vol":"1","page":303},{"text":"(فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ) أظهر في موضع الإضمار فإنه قال (عدو للكافرين) ولم يقل: عدو لهم، لثلاثة أمور:\nأولًا: الحكم على أن من كان عدوًا لله ومن ذُكر، بأنه يكون كافرًا.\nالثاني: أن كل كافر سواء كان سبب كفره معاداة الله أولا، فالله عدو له.\nالثالث: بيان العلة - وهي في هذه الآية - الكفر. [قاله الشيخ ابن عثيمين].\nقال الشيخ السبت: أظهر هنا في موضع الإضمار، من أجل أن يبين أن عداوة جبريل كفر بالله.\n\n<span data-type='title' id=toc-324>الفوائد:</span>\n١ - شرف جبريل -﵇- حيث كان موكلًا بتنزيل الوحي على رسول الله -ﷺ-.\n٢ - ذم من عادى جبريل.\n٣ - شرف جبريل وميكائيل، وجاء في صحيح مسلم عن عائشة أن النبي -ﷺ- كان إذا قام من الليل يقول: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).\n٤ - أن القلب هو محل الوعي والفهم.\n٥ - أن نزول جبريل بالوحي على رسول الله -ﷺ- كان بإذن الله.\n٦ - بيان أن لجبريل -﵇- وإن كان من الملائكة، أعداء من البشر من بني آدم ومن أولهم اليهود.\n٧ - أن هذا القرآن لا يهتدي به وينتفع به ويكون بشرى إلا للمؤمنين، أما غير المؤمنين فإنه لا ينتفع بهذا القرآن.\n٨ - أن كل من كان عدوًا لله أو ملائكته أو لرسله أو لجبريل وميكال، فإنه كافر.\n٩ - أن كل كافر هو عدو لله، ويشهد لهذا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ).\n١٠ - أن كل من كان عدوًا لله، فإنه يجب أن يكون عدوًا للمؤمنين، لأن من أحب أحدًا كان وليًا لمن والاه وعدوًا لمن عاداه.","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-325>(وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ (٩٩».</span> [البقرة: ٩٩]\n<hr><s0>\n\n(وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) قال ابن جرير في هذه الآية: أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك، وتلك الآيات هو ما حواه كتاب الله من خفايا علم اليهود ومكنونات سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، فأطلع الله في كتابه الذي أنزله على محمد -ﷺ-، فكان من ذلك في أمره الآيات البينات لمن أنصف من نفسه ولم يدعها إلى هلاكها الحسد والبغي، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة؛ تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد -ﷺ- من الآيات البينات. (تفسير الطبري).\nقال الرازي: الأظهر أن المراد من الآيات البينات القرآن الذي لا يأتي بمثله الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وقال بعضهم: لا يمتنع أن يكون المراد من الآيات البينات القرآن مع سائر الدلائل نحو امتناعهم من المباهلة ومن تمني الموت وسائر المعجزات نحو إشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ونبوع الماء من بين أصابعه وانشقاق القمر.\n(وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) أي: وما يجحد بهذه الآيات ويكذب بها إلا الجاحدون عن الطاعة الماردون عن الكفر.\nقال أبو حيان (وما يكفر بها إلا الفاسقون) المراد بالفاسقين هنا: الكافرون، لأن كفر آيات الله تعالى هو من باب فسق العقائد، فليس من باب فسق الأفعال.\nسبق أن الفسق يطلق على الفسق المخرج عن الملة، وعلى الفسق ما دون ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-326>الفوائد:</span>\n١ - أن القرآن آيات بينات ليس فيها غموض ولا إشكال.\n٢ - الرد على من قال: إن آيات القرآن مشتبهات لا يعلم معناها الناس، فإن جميع آيات القرآن الكريم معلومة المعنى وليس فيها شيء مجهول المعنى لجميع الأمة، لو كان فيها شيء مجهول المعنى لجميع الأمة لم يكن القرآن بيانًا، بل كان بعضه بيانًا وبعضه غير بيان.\n٣ - أنه لا يكفر بهذه الآيات التي أنزلها على محمد -ﷺ- إلا الفاسق الخارج عن طاعة الله.\n٤ - أن كل من كان أطوع لله ﷿ وأقوم لطاعته، كان ظهور الآيات الكريمة في القرآن أبين عنده وأوضح.\n٥ - يجب العناية بهذا القرآن.","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-327>(أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠».</span> [البقرة: ١٠٠]\n<hr><s0>\n\n(أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) يقول تعالى في هذه الآية موبخًا هؤلاء القوم بنبذ فريق منهم لما عاهدوا عليه، يقول (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) ثم يبين أن هذا النبذ بالعهد لكون أكثرهم لا يؤمنون.\n• قال الرازي: أراد تسلية الرسول عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم، بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم على ما بينه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالًا بعد حال لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك\n• والنبذ الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط منبوذًا.\n• قيل إن اليهود عاهدوا لئن خرج محمد لنؤمنن به ولنكونن معه على مشركي العرب، فلما بُعِثَ كفروا به، وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين النبي -ﷺ- وبين اليهود فنقضوها، كفعل قريظة والنظير.\n• قال الشنقيطي عند هذه الآية، قال: ذكر في هذه الآية أن اليهود كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم، وصرح في موضع آخر أن رسول الله -ﷺ- هو المعاهد لهم وأنهم ينقضون عهدهم في كل مرة، وذلك في قوله تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ).\nوصرح في آية أخرى بأنهم أهل خيانة إلا القليل منهم، وذلك في قوله: (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ).\n• يجب الحذر من اليهود، فإن من دأبهم الغدر ونقض العهود، كما قال تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) وقال تعالى (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ).\n(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) أي: بل أكثر اليهود لا يؤمن بالتوراة الإيمان الصادق لذلك ينقضون العهود والمواثيق.\n• قال ابن عاشور: وليس المراد أن ذلك الفريق قليل منهم فنبه على أنه أكثرهم بقوله (بل أكثرهم لا يؤمنون).","vol":"1","page":306},{"text":"• قال أبو حيان: ولما كان الفريق ينطلق على القليل والكثير، وأسند النبذ إليه، كان فيما يتبادر إليه الذهن أنه يحتمل أن يكون النابذون قليلًا، فبين أن النابذين هم الأكثر، وصار ذكر الأكثر دليلًا على أن الفريق هنا لا يراد به اليسير منهم، فكان هذا إضرابًا عما يحتمله لفظ الفريق من دلالته على القليل.\n\n<span data-type='title' id=toc-328>الفوائد:</span>\n١ - توبيخ من عاهد عهدًا فنبذه.\n٢ - أنه إذا وقع الخطاب من بعض قوم فإنه لا ينسب إلى الجميع، بل العدل أن يشار إلى أن هذا - الذي حصل - إنما كان من فريق منهم لئلا يلحق العار جميع القوم مع براءة بعضهم منه.\n٣ - أن نقض العهد علامة على نقض الإيمان، ولهذا جاء في الحديث عن النبي -ﷺ-: أن من خصال النفاق الغدر بالعهد.","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-329>(وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١».</span> [سورة البقرة: ١٠١]\n<hr><s0>\n\n(وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: ولما أتاهم رسول، مرسل من عند الله وهو محمد.\n• وقوله تعالى (وَلَمَّا جَاءَهُمْ) الضمير يعود إلى اليهود وأحبارهم، لأن الآيات في الكلام عنهم.\n• هذه الآية كسابقتها، فيها التوبيخ لهؤلاء القوم الذين عرفوا الحق لكن فريقًا منهم نبذه وكأنهم لا يعلمون.\n• قوله تعالى (رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) هو محمد -ﷺ-، الذي أخذ الله الميثاق على الرسل لئن بعث وهم أحياء ليؤمنن به، وهم أيضًا أخذوا الميثاق على أقوامهم بذلك.\n• قوله تعالى (رَسُولٌ) نكّر رسول للتعظيم، فهو أفضل الرسل، وسيد ولد آدم كما قال -ﷺ- (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)، وفي حديث أبي سعيد قال -ﷺ- (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر).\n(مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) (ما) موصولة، أي: مصدق للذي معهم من التوراة والإنجيل.\n\n•<span data-type='title' id=toc-330> وتصديق من وجهين:</span>\nالأول: أنه كان معترفًا بنبوة موسى وبصحة التوراة.\nالثاني: أنه مصدقًا لما معهم من حيث إن التوراة بشرت بمقدم محمد -ﷺ-، فإذا أتى محمد كان مجرد مجيئه مصدقًا للتوراة، فهو مصدق لما جاء فيها من البشارة به -ﷺ-.\n(نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) أي: طرح وترك فريق من الذين أنزل عليهم وهم اليهود والنصارى كتاب الله (وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) أي خلف ظهورهم، وهو مثل يُضرب لمن يستخف بالشيء فلا يعمل به، تقول العرب: اجعل هذا خلف ظهرك، ودبر أذنك، وتحت قدمك، أي اتركه وأعرض عنه.","vol":"1","page":308},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-331> وقد اختلف العلماء في المراد بكتاب الله هنا على قولين:</span>\nقيل: أنهم نبذوا التوراة وأعرضوا عنها.\nوقيل: أن المراد بالكتاب هنا هو القرآن.\nورجح كثير من العلماء القول الأول.\n• قال الرازي مرجحًا القول الأول: وهذا هو الأقرب، لوجهين:\nالأول: أن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولًا وأما إذا لم يلتفتوا إليه لا يقال إنهم نبذوه.\nالثاني: أنه قال (نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب) ولو كان المراد به القرآن لم يكن لتخصيص الفريق معنى لأن جميعهم لا يصدقون بالقرآن.\n\n•<span data-type='title' id=toc-332> قال الشوكاني: قوله تعالى (كتاب الله وراء ظهورهم):</span>\nقيل: التوراة، لأنهم لما كفروا بالنبي -ﷺ-، وبما أنزل عليه بعد أن أخذ الله عليهم في التوراة والإيمان به واتباعه، وبين لهم صفته، كأن ذلك منهم نبذًا للتوراة ونقضًا لها ورفضًا لما فيها.\nويجوز أن يراد بالكتاب هنا القرآن، أي جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم من التوراة نبذوا كتاب الله الذي جاء به هذا الرسول، وهذا أظهر.\n• قال أبو حيان: ومعنى نبذهم له: اطراح أحكامه، أو اطراح ما فيه من صفة رسول الله -ﷺ-، إذ الكفر ببعض، كفر بالجميع.\n• قوله تعالى (فريق …) مفهومه أن فريقًا منهم آمن كالنجاشي من النصارى، وعبد الله بن سلام من اليهود).\n• قال الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيرًا من اليهود نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولم يؤمنوا به، وبين في موضع آخر أن هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالكتاب هم الأكثر، وذلك في قوله تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).\n• قوله تعالى (نَبَذَ فَرِيقٌ) النبذ: الطرح والإلقاء والترك والاستغناء.\n(كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) تشبيه لهم بمن لا يعلم شيئًا مع كونهم يعلمون علمًا يقينًا من التوراة بما يجب عليهم من الإيمان بهذا النبي -ﷺ-، ولكنهم لما لم يعملوا بالعلم، بل عملوا عمل من لا يعلم من نبذ كتاب الله وراء ظهورهم، كانوا بمنزلة من لا يعلم.\nوهذا من أخص صفات اليهود، ترك الحق وكتمانه وتكذيبه وجحده بعد معرفته قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ).","vol":"1","page":309},{"text":"ولهذا وصفهم الله ﷿ بالمغضوب عليهم لأنهم عرفوا الحق وتركوه، ومثلهم من سلك طريقهم في ترك الحق بعد معرفته، كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى.\nولمّا لم ينتفعوا بعلمهم صاروا كمن لا يعلم، بل أقل وأسوأ حالًا منه، كما قال تعالى فيهم (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-333>الفوائد:</span>\n١ - صدق رسالة النبي -ﷺ-، لقوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ).\n٢ - أن رسول الله -ﷺ- مرسل إلى بني إسرائيل، كما أنه مرسل إلى الأميين وهم العرب، بل وإلى الناس أجمعين، قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).\n٣ - أن رسول الله -ﷺ- كان مصدقًا لما جاءت به الرسل السابقة، أي مقرًا بأنها صدق وشاهد بصدق.\n٤ - قيام الحجة على بني إسرائيل، حيث كان محمدًا -ﷺ- مصدقًا لما معهم، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.\n٥ - أن الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم من بني إسرائيل، نبذوه عن علم، لأنهم أوتوا الكتاب وعرفوا الحق.\n٦ - أن نبذ هؤلاء الفريق من الذين أتوا الكتاب نبذ لا يرجى معه إقبال، لقوله: (وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) والذي ينبذ كتاب الله وراء ظهره في الدنيا، يؤتى كتابه يوم القيامة من وراء ظهره جزاءً وفاقًا.\n٧ - أن من نبذ عن علم؛ أشد قبحًا ولومًا ممن نبذ عن جهل، ولهذا قال: (كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ).\n٨ - التحذير من رد الحق بعد العلم.\n٩ - أن من رد الحق بعد العلم به ففيه شبه من بني إسرائيل من اليهود والنصارى.","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-334>(وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (١٠٣»</span> [البقرة: ١٠٢ - ١٠٣].\n<hr><s0>\n\n(وَاتَّبَعُوا): أي اليهود، قيل: من كان في زمن النبي -ﷺ-، وقيل: من كان في زمن سليمان، وابن جرير جمع بين المعنيين.\n• ومعنى اتبعوا: قيل: فعلوا واختاره ابن جرير، وقيل: من الاتباع المعروف.\n(مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ) (ما) هنا موصولة، أي: الذي تتلوه الشياطين، وفي معنى (تتلوا) قولان: قيل: من التلاوة، أي تحدّث وتخبر به وتقصه، وقيل: تتّبع وتعمل به. (هذا يتلوا هذا أي يتبعه).\n• فابتلي هؤلاء اليهود عقوبة لهم على نبذ كتاب الله، باتباع ما تتلوا الشياطين، وهكذا من ترك الحق مع علمه به، ابتلي وعوقب باتباع الباطل، كما قال تعالى (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) وقال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)، وقال تعالى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).\nقوله تعالى (الشَّيَاطِينُ) المراد بالشياطين هنا شياطين الجن، وهذا هو المفهوم من هذه الآية.\n(عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) أي: على عهد ملك سليمان، وقيل (على) بمعنى (في) أي: في ملك سليمان أي: في قصصه وصفاته وأخباره.","vol":"1","page":311},{"text":"• وهو سليمان بن داود ﵉، وإنما قال الله (على ملك سليمان) لأن الله قد جمع له بين النبوة والملك العظيم خلاف ما يزعمه اليهود فقط أنه ملك فقط.\n• والسحر موجود قبل زمان سليمان ﵇، فهو موجود في زمن موسى كما ذكر الله عن سحرة فرعون، وموسى قبل سليمان بمدد طويلة، بل إن السحر كان موجودًا ومعروفًا في زمن نبي الله صالح وهو قبل إبراهيم الخليل ﵇ فقد قال قوم صالح له (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) أي: من المسحورين.\nفالشياطين كانت تأتي بالسحر وتعلمه قبل سليمان ﵇، وتعلّمه الناس، وإنما أخبر ﷿ عن اليهود أنهم اتبعوا ما تتلوه الشياطين على عهد سليمان ﵇ لأن الشياطين وأتباعهم من اليهود نسبوا ذلك إلى سليمان كذبًا منهم وزورًا.\n(وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) أي: وما كفر سليمان بتعلم السحر وتعليمه كما يزعمه الشياطين وأتباعهم من اليهود، لأنه رسول من عند الله معصوم من الكفر وأسبابه.\n• وهذه الآية تبرئة لسليمان من الكفر، لأن اليهود نسبوه إلى السحر، ولما كان السحر كفرًا كان بمنزلة من نسبه إلى الكفر. (فليس هناك أحد قال إن سليمان كافر لكن نسبوه للسحر والسحر كفر).\n• قال الرازي: قوله تعالى (وَمَا كَفَرَ سليمان) فهذا تنزيه له ﵇ عن الكفر، وذلك يدل على أن القوم نسبوه إلى الكفر والسحر: قيل فيه أشياء:\nأحدها: ما روي عن بعض أخبار اليهود أنهم قالوا: ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبيًا وما كان إلا ساحرًا، فأنزل الله هذه الآية.\nوثانيها: أن السحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان فنزهه الله تعالى منه.\nوثالثها: أن قومًا زعموا أن قوام ملكه كان بالسحر فبرأه الله منه لأن كونه نبيًا ينافي كونه ساحرًا كافرًا،\n• وأخذ العلماء من هذه الآية كفر الساحر.\nثم بين تعالى أن الذي برأه منه لاصق بغيره فقال:\n(وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) هذا دليل آخر على كفر من تعلم السحر.\n(يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) تفسير لقوله (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا).\n• والسحر لغة: ما خفي ولطف سببه، وفي الشرع: عزائم ورقى وعقد ينفث فيها فتؤثر في العقول والأبدان بإذن الله الكوني، ولا يحصل إلا بالشعوذة ودعاء الشياطين والاستعانة بهم والكفر بالله.\n(وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) (ما) موصولة بمعنى (الذي) والمعنى: اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، واتبعوا الذي أنزل على الملَكين أحدهما هاروت والآخر ماروت.\nوالمراد بالإنزال هنا بمعنى الخلق كما قال -ﷺ- (ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله) رواه أحمد.","vol":"1","page":312},{"text":"وكما في حديث أم سلمة (أن النبي -ﷺ- استيقظ ليلة فقال: سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الفتن، ما أنزل من الخزائن …) رواه البخاري.\n• والمراد بالملكين هؤلاء: ملكان أنزلا إلى الأرض وأذن لهما في تعليم السحر، وأنه جائز في حقهما، ابتلاء وامتحانًا للناس، بعدما بيّن لهم على ألسنة الرسل أن ذلك لا يجوز، فأكثر المفسرين على أن هاروت وماروت ملكان أُنزِلا إلى الأرض يعلمان السحر ابتلاء واختبارًا للناس.\n• وقد روي في سبب نزول هاروت وماروت إلى الأرض وما كان من أمرهما آثار غريبة جدًا عن جمع من السلف، بل روي في ذلك حديث مرفوع إلى النبي -ﷺ- … وكل ذلك لا يصح وباطل، وكيف تصح والله يقول (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وقال (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ).\n• قوله تعالى (ببابل) اسم بلد في العراق.\n• وقد جاءت روايات كثيرة إسرائيلية لا تصح فيما يتعلق بهذه الآية لا يصح منها شيء.\n(وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ) أي: هؤلاء الملكين: هاروت وماروت.\n(حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) أي: يقولا له ناصحين ومحذرين (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ) أي: إنما نحن في تعليمنا السحر ابتلاء وامتحان للناس، ليظهر مدى تمسكهم في دينهم (فَلا تَكْفُرْ) أي: فلا تكفر بتعلم السحر.\nقال الحسن في تفسير الآية: نعَم، أنزل الملكان بالسحر ليعلما الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ).\nوقال قتادة: كان أخذ عليهما ألا يعلما أحدًا حتى يقولا (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) أي: بلاء ابتلينا به (فلا تكفر).\n• والفتنة الاختبار والابتلاء كما قال تعالى (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) أي: ابتلاؤك واختبارك، وتكون في الخير والشر كما قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)\n• والله ﷿ يبتلي عباده بما شاء ومن ذلك ابتلاء العباد بهذا السحر.\n• فإن قيل: كيف ينزل السحر على الملكين ويعلمانه الناس والله يقول في شأن الملائكة (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).\nالجواب الأول: أن هذا من قبيل الاختبار والابتلاء، فهؤلاء الملائكة كانوا يعلمون السحر ولم يكونوا يشتغلون به.\nالجواب الثاني: أن هذا من العام المخصوص بمعنى أن عموم الملائكة صالحون مطيعون لله إلا أنه قد يكون فيهم من عصى.\nقال ابن كثير: وذهب كثيرون من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان أمرهما ما كان، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد ففي مسنده، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ثبت من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق.","vol":"1","page":313},{"text":"(فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا) أي: فيتعلم الذين يجترئون على تعلم السحر بعد تحذيرهم منه (مِنْهُمَا) أي: من هاروت وماروت.\n(مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) (ما) موصولة بمعنى (الذي) أي: السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه، وهذا من أشد أنواع السحر وأخبثها وأعظمها ضررًا، يخيل فيه لكل واحد من الزوجين المسحورين صاحبه بأقبح صورة، حتى يكرهه وينصرف عنه ويفارقه، وهذا ما يسمى بالصرف.\nوهذا من صنيع الشياطين كما قال -ﷺ- (إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة ....) رواه مسلم.\n• وفي هذا دليل على أن للسحر تأثيرًا في القلوب بالحب والبغض والجمع والفرقة والقرب والبعد.\n(وَمَا هُمْ) إشارة إلى السحرة، وقيل: إلى اليهود، وقيل: إلى الشياطين\n(بِضَارِّينَ بِهِ) أي: بالسحر، لأن الحديث عنه.\n(مِنْ أَحَدٍ) أي: أحدًا.\n(إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: إلا بإرادته وقضائه وقدره وعلمه ﷾، فلا تأثير للسحر بذاته، فمن قضى الله كونًا وقدرًا أن يضره السحر ضره، ومن قضى أن لا يضره السحر فلا يمكن أن يضره أبدًا.\n• واختار ابن جرير في قوله (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: لمن سبق في علم الله أن يحصل له ذلك:\nفقال ﵀ (وما هم بضارين) بالذي تعلموا من الملكين من أحد إلا بعلم الله، يعني بالذي سبق له في علم الله أنه يضره.\nقال الحسن: (وما هم بضارين به …) قال: نعم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله.","vol":"1","page":314},{"text":"• فعلى العبد إخلاص العبادة لله تعالى والتحصن والأذكار والأوراد الشرعية مع صدق التوكل على الله، وتمام الثقة به، فهو الحافظ الكافي والواقي من جميع الشرور قبل وقوعها والرافع لها بعد وقوعها، فمن توكل عليه حفظه ووقاه وكفاه (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).\n• قال السعدي: وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير تابعة للقضاء والقدر، ليست مستقلة في التأثير.\n(وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ) أي: الذي يضرهم في دينهم ودنياهم وأخراهم ضررًا محضًا ولهذا قال:\n(وَلا يَنْفَعُهُمْ) فأثبت ضرره ونفى نفعه.\nواختار ابن جرير (مَا يَضُرُّهُمْ) في دينهم (وَلا يَنْفَعُهُمْ) في معادهم، فقال ﵀:\n(وَيَتَعَلَّمُونَ) أَيْ النَّاسُ الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ، مَا أَنْزَلَ إلَيْهِمَا مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا السِّحْرَ الَّذِي يَضُرُّهُمْ فِي دِينِهِمْ (وَلَا يَنْفَعُهُمْ) فِي مَعَادِهِمْ. فَأَمَّا فِي الْعَاجِلِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَكْسِبُونَ بِهِ وَيُصِيبُونَ بِهِ مَعَاشًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-335> فهم يتعلمون ما يضرهم ضررًا محضًا لا فائدة فيه بوجه من الوجوه وذلك لأمور:</span>\nأولًا: أن تعلم السحر كفر، والكفر ضد الإيمان، وإذا فقد الإنسان الإيمان فقد خسر خسرانًا كبيرًا.\nثانيًا: أن ما يأخذه الساحر من أموال الناس بالباطل مقابل عمله الباطل، يذهب سحتًا لا بركة فيه.\n(وَلَقَدْ عَلِمُوا) أي: اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة النبي -ﷺ-، النابذون لكتاب الله وراء ظهورهم.\n(لَمَنِ اشْتَرَاهُ) أي: لمن اختاره واعتاض به عن الإيمان.\n(مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ) أي: في الدار الآخرة، وسميت آخرة لأنها متأخرة زمنًا بعد الدنيا، وإلا فهي الدار الحقيقية كما قال تعالى (وإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).\n(مِنْ خَلاقٍ) أي: من نصيب من خير.","vol":"1","page":315},{"text":"• قال ابن القيم: أي علموا من أخذ السحر وقَبِلَه لا نصيب له في الآخرة، ومع هذا العلم والمعرفة فهم يشترون به ويقبلونه ويتعلمونه.\n• وهذا ديدن اليهود، ترك الحق بعد معرفته كما قال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، ولهذا وصفوا بالمغضوب عليهم في القرآن الكريم في مواضع عديدة كما قال تعالى (غير المغضوب عليهم).\n(وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) قال ابن كثير: أي: ولبئس البديل ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان ومتابعة الرسول -ﷺ- لو كان لهم علم بما وعظوا به.\nوقيل: ولبئس ما شروا: أي بايعوا أنفسهم واختاره ابن جرير حيث قال: معنى (شروا) باعوا، فمعنى الكلام إذًا: ولبئس ما باع به نفسه من تعلّم السحر لو كان يعلم سوء عاقبتهِ.\n• والضمير في قوله (به) يعود إلى السحر.\nفباعوا أنفسهم بثمن حقير قبيح زهيد وهو السحر، فخسروا أنفسهم وخسروا دينهم ودنياهم وأخراهم.\n• قوله تعالى (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي: علمًا ينفعهم، فهم لم ينتفعوا بالعلم فلذلك نفيَ عنهم العلم، والإنسان إذا لم ينتفع بعلمه فكأنه ما علِمَه.\n(وَلَوْ أَنَّهُمْ) أي: هؤلاء الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وتعلموا السحر واعتاضوا به عن الإيمان من اليهود وغيرهم.\n(آمَنُوا) فصدقوا بقلوبهم وألسنتهم وانقادوا بجوارحهم لفعل ما أمرهم الله به.\n(وَاتَّقَوْا) ربهم فخافوه، واجتنبوا نواهيه من السحر وغيره، وخافوا عقابه.","vol":"1","page":316},{"text":"(لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: لأثابهم الله ثوابًا أفضل مما شغلوا به أنفسهم من السحر.\n• المثوبة: الأجر والجزاء، وسمي أجرهم وجزاؤهم بالمثوبة أخذًا من ثاب يثوب إذا رجع، لأن ثمرة عملهم رجعت إليهم.\n• وفي وصف المثوبة بأنها من عند الله تعظيم وتفخيم لها، لأنها من عند الجواد الكريم، فلا يدرك قدر عظمتها إلا العظيم سبحانه، وأيضًا في ذلك تأكيد ضمانها، لأنها من عند الله، وهو الذي لا يخلف الميعاد.\n(خَيْرٌ) أن ثواب الله إياهم على ذلك خير لهم من السحر ومما اكتسبوه به، (خير) من كل شيء، خيرية مطلقة، خير مما باعوا به أنفسهم من تعلم السحر وتعليمه، ومما يحصلون عليه من متاع الدنيا، والثمن القليل وغير ذلك.\n(لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي: لو كانوا من ذوي العلم النافع الذين ينتفعون بعلمهم.\nوهذه الآية كقوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ).\nوقوله تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. والآخرة خير وأبقى).\nوقال تعالى (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى).\nوقال تعالى (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).\nوفي قوله (لو كانوا يعلمون) تأكيد لشدة جهلهم وعدم علمهم، وأن العلم الحقيقي الممدوح ما انتفع به صاحبه، وأن من أعظم الجهل ترك الحق بعد معرفته والعلم به، وهذا من أخص أوصاف اليهود، ولهذا استحقوا غضب الله ومقته.\nفالمعنى الإجمالي: أن الشياطين في ذلك الزمن كانوا يسترقون السمع من السماء، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها، ويلقونها إلى كهنة اليهود وأحبارهم، وقد دونها هؤلاء في كتب يقرؤونها، ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان -﵇- حتى قالوا: هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه يسخر الإنسان والجن والريح التي تجري بأمره، وهذا من افتراءات اليهود على الأنبياء، فأكذبهم الله بقوله (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) ثم عطف عليه: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ …) فالمراد بما أنزل هو: علم السحر الذي نزلا ليعلماه الناس، حتى يحذروا منه، فالسبب في نزولهما هو: تعليم الناس أبوابًا من السحر، حتى يعلم الناس الفرق بين السحر والنبوة، وأن سليمان لم يكن ساحرًا، وإنما كان نبيًا مرسلًا من ربه، وقد احتاط الملكان - ﵉ - غاية الاحتياط، فما كانا يعلمان أحدًا شيئًا من السحر حتى يحذراه، ويقولا له: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ) أي بلاء واختبار، (فَلا تَكْفُرْ) بتعلمه والعمل به، وأما من تعلمه للحذر منه، وليعلم الفرق بينه وبين النبوة والمعجزة؛ فهذا لا شيء فيه، بل هو أمر مطلوب مرغوب فيه إذا دعت الضرورة إليه، ولكن الناس ما كانوا يأخذون بالنصيحة، بل كانوا يفرقون بين المرء وزوجه، وذلك بإذن الله ومشيئته.","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type='title' id=toc-336>الفوائد:</span>\n١ - أن الله ﷾ سخر الشياطين لسليمان، وامتحن الناس بهم، لقوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ).\n٢ - أن سليمان -﵇- لم يكفر بكفر هؤلاء الشياطين الذين تعلموا السحر وصاروا يتلونه ويلقونه على الناس، وذلك لأن الأنبياء معصومون من الكفر والشرك.\n٣ - أن اليهود أخذوا السحر عن الشياطين.\n٤ - أن العمل بالسحر كفر، لقوله تعالى: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا …).\n٥ - أن تعليم الناس السحر من الكفر، لقوله تعالى: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ).\n٦ - أن الحق ما أذن الله فيه وأمر به ولو كان في نفسه باطلًا، فهذان الملكان نزلا إلى الأرض ليعلما الناس السحر، وتعليم السحر كما سبق كفر، لكن الله ﷿ أباح لهذين الملكين أن يعلما الناس من أجل هذا الامتحان الذي حصل بتعليمهما.\nالشيء قد يكون كفرًا، وقد يكون طاعة ولو كان واحدًا من نوعه، وأضرب لهذا مثلين:\nأحدهما: السجود لغير الله، كفر وشرك، وإذا سجد الإنسان لغير الله بأمر الله كان عبادة، ألم تر قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) فهنا نجد أن السجود لغير الله كان طاعة وعبادة، لأن الله أمر به، ويكون شركًا في الحالة التي لم يأمر الله به فيها.\nالثاني: قتل النفس، فإنه من كبائر الذنوب، ولا سيما إذا كان المقتول من أقارب القاتل، ومع ذلك كان طاعة يمدح عليه، وذلك في قصة إبراهيم مع ابنه إسماعيل ﵉.\nفالملكان اللذان نزلا يعلمان الناس السحر نزلا بأمر الله وبإذن الله، فكان تعليمهما للسحر طاعة لله، لكنه باعتبار المعلَّم كفر، ولهذا قال: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ).\n٧ - أن الله تعالى قد ييسر للإنسان أسباب المعصية ليبلوه هل يعصي الله أم لا، فالله يسّر تعلم السحر بما أنزل على الملكين وبما بذلاه من أنفسهما لتعليم الناس، وكما في قصة أصحاب السبت حين حرّم عليهم صيد البحر يوم السبت، فلم يصبروا حتى تحيلوا على صيدها يوم السبت فقال الله تعالى (كونوا قردة خاسئين).","vol":"1","page":318},{"text":"٨ - أنه يجب على الإنسان أن ينصح للناس. وإن أوجب ذلك إعراضهم عنه؛ لقوله تعالى (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما فتنة فلا تكفر) فإذا كانت عندك سلعة رديئة، وأراد أحد شراءها يجب عليك أن تُحذِّره.\n٩ - أن من أعظم أنواع السحر: التفريق بين الرجل وزوجته، لقوله: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) وهذا يسمى بالعطف والصرف.\n١٠ - أن ما يقع من تأثير السحر، إنما يقع بأمر الله وإرادته، لقوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ).\n١١ - أن الأسباب وإن عظمت لا تأثير لها إلا بإذن الله.\n١٢ - الإشارة إلى أنه ينبغي للمسحور أن يلجأ إلى الله، وأن يسأله رفع ما نزل به بصدق وإخلاص وضرورة.\n١٣ - أن السحر ضرر على الساحر كما هو ضرر على غيره، وإن ظن الساحر أنه ينتفع بذلك، وأنه يكسب من ورائه، فإن هذا الكسب خبيث، ولهذا قال: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ).\n١٤ - تقبيح ما حصل من هؤلاء من تعلم السحر، حيث قال: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ).\n١٥ - أن هؤلاء الذين اختاروا تعلم السحر وأهلكوا أنفسهم به، كانوا من أجهل الناس.\n١٦ - سعة فضل الله وإحسانه وكرمه، فهؤلاء الذين عتوا وبغوا على الخلق بما يتعلمونه من السحر، بعْرض الله عليهم أن يؤمنوا ويتقوا حتى يكون لهم المثوبة، وهذا أنموذج من نماذج سعة الله وفضله.\n١٧ - أن ما عند الله من الثواب خير مما يحصل في الدنيا من المكاسب، وهذا ظاهر بالأثر والنظر، أما الأثر فقد بين الله في غير آية أن الآخرة خير من الدنيا، فقال تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) وقال النبي -ﷺ-: (وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري\n١٨ - أن هؤلاء الذين تعلموا السحر - مع علمهم بأن من اشتراه لا خلاق له في الآخرة - من ذوي الجهالة وكأنهم لا يعلمون، لذا قال: (لو كانوا يعلمون).\n١٩ - الحث على العلم والعمل به، وإن لم يعمل بعلمه فهو كالجاهل بل أشد قبحًا من الجاهل.\nقال ابن القيم: لو نفع العلم بلا عمل لما ذم اليهود.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤».</span> [سورة البقرة: ١٠٤]\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد:\nالأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه.\nالثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد.\nالثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصًا في الإيمان.\n(لا تَقُولُوا رَاعِنَا) قال ابن كثير: يخاطب الله المؤمنين بصفة الإيمان لينهاهم أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص.\nقال ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي -ﷺ- راعنا على جهة الطلب والرغبة - من المراعاة - أي التفت إلينا، وكان هذا بلسان اليهود سبًا، أي: اسمعْ لا سمعتَ، فاغتنموها وقالوا: كنا نسبه سرًا، فالآن نسبه جهرًا، فكانوا يخاطبون بها النبي -ﷺ- ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: عليكم لعنة الله، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي -ﷺ- لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه.\nوالأصل أن (راعنا) في اللغة أي: أرعنا سمعك، أي فرغ سمعك لكلامنا.\nواليهود لا يقصدون هذا المعنى؛ وإنما يقصدون بها من الرعونة، فتكون (راعنا) أي: إنك ذليل.\nقال الشوكاني: وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سبًا، قيل إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت؛ وقيل غير ذلك، فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبيّ -ﷺ- راعنا؛ طلبًا منه أن يراعيهم من المراعاة، اغتنموا الفرصة، وكانوا يقولون للنبي -ﷺ- كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السبّ الذي هو: معنى هذا اللفظ في لغتهم.\nوقيل: إنما نهى الله المسلمين عنها لما فيها من الجفاء وقلة التوقير.\n(لا تَقُولُوا رَاعِنَا) النهي للتحريم.","vol":"1","page":320},{"text":"جمهور العلماء أن النهي كان بسبب أن اليهود كانت تستخدم تلك الكلمة للاستهزاء برسول -ﷺ- وسبه والسخرية والنيْل منه، وذهب ابن جرير إلى أنها كلمة كرهها الله أن تقال لنبيه -ﷺ- كما قال النبي -ﷺ-: لا تقولوا للعنب الكرم، وذكر ﵀ كلامًا طويلًا. [١، ٥٤٢].\nهذه الآية أصل في قاعدة: سد الذرائع.\nقال القرطبي: والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يُخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع.\nقال ابن القيم: وإذا تأملت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات.\nفنهى الله عن سب آلهة المشركين، لكونه ذريعة إلى أن يسبوا الله تعالى عدوًا وكفرًا على وجه المقابلة.\nوأمسك -ﷺ- عن قتل المنافقين مع ما فيه من المصلحة لكونه ذريعة إلى التنفير وقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه.\nومنع النساء إذا خرجن إلى المسجد من الطيب والبخور، ومنعهن من التسبيح في الصلاة لنائبة تنوب بل جعل لهن التصفيق.\nونهى المرأة أن تصف لزوجها امرأة غيرها، حتى كأنه ينظر إليها.\nونهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن فاعله.\nونهى عن تعليه القبور وتشريفها وأمر بتسويتها.\nونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لكون هاتين الوقتين وقت سجود الكفار للشمس، ففي الصلاة نوع تشبه بهم في الظاهر.\nونهى عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في مواضع كثيرة، لأن المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة.\nوحرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، لكونه ذريعة إلى قطيعة الرحم.\nوأمر بالتسوية بين الأولاد في العطية، وأخبر أن تخصيص بعضهم بها جور لا يصلح، لكون ذلك ذريعة ظاهرة إلى وقوع العداوة بين الأولاد وقطيعة الرحم بينهم.\nومنع من تجاوز أربع زوجات، لكونه ذريعة ظاهرة إلى الجور، وعدم العدل بينهن.\nومن ذلك: نهيه سبحانه رسوله -ﷺ- عن الجهر بالقرآن بحضرة العدو، لما في ذلك ذريعة إلى سبهم للقرآن ومن أنزله.\nومن ذلك: أنه سبحانه نهى الصحابة أن يقولوا للنبي -ﷺ- (راعنا) مع قصدهم المعنى الصحيح، وهو المراعاة، لئلا يتخذ اليهود هذه اللفظة ذريعة إلى السب، ولئلا يتشبهوا بهم.\nومن ذلك أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم، وإفراد يوم الجمعة، لئلا يتخذ ذريعة إلى الابتداع في الدين، وتخصيص زمان لم يخصه الشارع بالعبادة.\nونهى -ﷺ- عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة وإن ظلموا وجاروا، ما أقاموا الصلاة، سدًا لذريعة الفساد العظيم والشر الكبير بقتالهم كما هو الواقع، فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه، والأمة في بقايا تلك الشرور إلى الآن.\n(وَقُولُوا انْظُرْنَا) أي: إذا أردتم من الرسول -ﷺ- أن يراعيكم ويرفق بكم فلا تقولوا (راعنا) ولكن قولوا (انظرنا) أي: ارفق بنا، وارقبنا وانتظرنا.","vol":"1","page":321},{"text":"(وَاسْمَعُوا) فعل أمر من السمع بمعنى الاستجابة، أي: اسمعوا سمع استجابة وقبول كما قال تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ).\n• (واسمعوا) لم يذكر المسموع، ليعم كل ما أمر الشرع باستماعه من سماع كلام الله وكلام رسوله -ﷺ- سماع تدبر، وطاعة وانقياد، واستجابة وانتفاع.\n• قال الطبري: أي: واسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربكم وعوه وافهموه.\n(وَلِلْكَافِرِينَ) عامة، وبخاصة اليهود.\n(عَذَابٌ) أي: عقاب.\n(أَلِيمٌ) أي مؤلم موجع حسيًا للأبدان، ومؤلم معنويًا للقلوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-338>الفوائد:</span>\n١ - أنه إذا ذكر باب ممنوع مسدود أمام الناس، فإن الحكمة تقتضي أن يذكر لهم ما يستغنون به عنه من الأشياء المباحة، لهذا قال: (وَقُولُوا انْظُرْنَا) فهو لم ينههم ويجعلهم عائمين لا يدرون ما يقولون، بل أرشدهم إلى القولة المباحة النافعة، وهي: (انظرنا).\n٢ - تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام.\n٣ - النهي عن مشابهة المشركين، عن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم). رواه أبو داود\nقال ابن كثير: ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نقر عليها.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم عن حديث (ومن تشبه بقوم فهو منهم) قال: وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم.\n٤ - تحريم الخطاب بالكلمات المحتملة للحق والباطل بالنسبة للرسول -ﷺ-.\n٥ - تجني اليهود في تحريف الكلم عن مواضعه، وجرأتهم على وصف الرسول -ﷺ- والمؤمنين بالمعاني السيئة القبيحة.\n٦ - وجوب الاحتراز من التعابير التي قد توهم معاني سيئة، والحرص على الأدب في الألفاظ فذلك أسلم وأكمل.\n٧ - سد الذرائع الموصلة إلى أمر محظور شرعًا.\n٨ - وجوب السمع والطاعة لأوامر الله، لقوله تعالى: (واسمعوا).\n٩ - ثبوت الجزاء على العمل لقوله (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ).","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-339>(مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥».</span> [البقرة: ١٠٥]\n<hr><s0>\n\n(مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي: ما يحب الكافرون من اليهود والنصارى ولا المشركون أن ينزّل عليكم شيئًا من الخير، بغضًا فيكم وحسدًا، مهما قلّ، لا في الدين ولا في الدنيا ولا في الآخرة.\nقال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ).\n• قال ابن كثير: يبين الله ﷿ بهذه الآية شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، والذين حذر الله من مشابهتهم للمؤمنين ليقطع المودة بينهم وبينه.\n• وقال الشيخ ابن عثيمين: والخير هنا يشمل خير الدنيا والآخر، والقليل والكثير، لو حصل للكافرين من أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن المشركين أن يمنعوا القطر عن المسلمين لفعلوا، وليس هذا خاصًا بأهل الكتاب والمشركين في زمان الرسول -ﷺ-، بل هو عام.\nقال الشوكاني: فيه بيان شدة عداوة الكفار للمسلمين حيث لا يودّون إنزال الخير عليهم من الله سبحانه.\nوقال ﵀: والظاهر أنهم لا يودّون أن ينزل على المسلمين أيّ خير كان.\n(مَا يَوَدُّ) قال القرطبي: ما يتمنى.\n(وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: والله يخص برحمته من يشاء من عباده، كما قال تعالى (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ).\nواختلف في المراد بالرحمة هنا:\nفقيل: بالنبوة، خص بها محمدًا -ﷺ-.\nوقيل: القرآن.\nوقيل: الرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديمًا وحديثًا. [تفسير القرطبي].\nوهذا القول هو الصحيح: أن الرحمة عامة وما ذكر من الأقوال السابقة هو تفسير بالمثال فليس بينها تضاد.\nوأعظم هذه الرحمة ما خص به نبينا -ﷺ- وأمته من بعثته فيهم، وإنزال القرآن عليه.\nكما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).\nوقال تعالى (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ).\nوقال تعالى (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).","vol":"1","page":323},{"text":"قال الطبري: قوله تعالى (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ..) تعريض من الله تعالى بأهل الكتاب، أن الذي آتى نبيه محمد -ﷺ- والمؤمنين به من الهداية تفضلًا منه، وأن نعمه لا تدرك بالأماني، ولكنها مواهب منه يختص بها من يشاء من خلقه.\nقوله تعالى (من يشاء) قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة.\n(وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ) أي: ذو العطاء الزائد عما تتعلق به الضرورة، ومعنى (ذو) صاحب.\n(الْعَظِيمِ) أي: الواسع الكثير، فالعِظم هنا يعود إلى الكمية وإلى الكيفية.\n• فالله هو صاحب الإحسان والفضل على عباده كما قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ).\n• قال الطبري: وأما قوله (والله ذو الفضل العظيم) فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن أن كل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم، فإنه من عنده ابتداء وتفضلًا منه عليهم من غير استحقاق منهم ذلك عليه.\n• قال السعدي: ومن فضله عليكم إنزال الكتاب على رسولكم، ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، فلله الحمد والمنة.","vol":"1","page":324},{"text":"كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-340>الفوائد:</span>\n١ - أن اليهود والنصارى والمشركين لا يودون الخير للمسلمين، وهذا ليس خاص بزمن الرسول -ﷺ-، بل هو عام إلى يوم القيامة.\n٢ - أن من كره الخير للمؤمنين عمومًا أو البعض منهم على سبيل الخصوص، فإن فيه شبهًا من اليهود والنصارى والمشركين.\n٣ - تحريم كراهة نزول الخير للمؤمنين، وكراهة نزول الخير هو الحسد، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن التفسير الصحيح للحسد: هو أن يكره الإنسان ما أنزل الله على غيره من الخير، سواء تمنى زواله أو لم يتمنّ.\n٤ - بيان ما منح الله هذه الأمة من الربوبية الخاصة، ولهذا قال (من خير من ربكم).\n٥ - وجوب الحذر من الكفار.\n٦ - أن القرآن منزل من عند الله.\n٧ - إثبات صفة العلو لله تعالى.\n٨ - أن الخلق والملك والتدبير كله بيد الله.\n٩ - أن فضل الله قد يختص لأناس دون آخرين (والله يختص برحمته من يشاء).\n١٠ - إثبات أن الله موصوف بالفضل العظيم، حيث قال تعالى (والله ذو الفضل العظيم).\n١١ - أنه لا يليق بالإنسان أن يطلب الفضل من غير الله، بل يطلب الفضل من الله وحده.","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-341>(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧»</span> [البقرة: ١٠٦ - ١٠٧]\n<hr><s0>\n\n(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) أي: ما نرفع حكم آية - سواء مع بقاء تلاوتها أو نسخ تلاوتها - لأن النسخ يكون على أنواع كما سيأتي إن شاء الله.\n\n•<span data-type='title' id=toc-342> النسخ يأتي في لغة العرب بمعنيين:</span>\nالأول: بمعنى: النقل، وذلك إما ببقاء الأصل المنقول كما تقول: نسخت الكتاب، وإما أن يكون مع انتقال أصله، كما لو أنقل الشيء من مكانه إلى مكان آخر.\nالثاني: ويكون بمعنى الإزالة والرفع، ويكون بإزالة المنسوخ وإحلال مكانه شيء آخر كما تقول: نسخت الشمس الظل - فحل محل الظل الشمس -، ونسْخ بإذهاب المنسوخ من غير أن يحل مكانه غيره، كما لو تقول: نسخت الريح الأثر، أي: أذهبته ومحته. (وهذا المشهور عند العلماء بتفسير النسخ).\n• فالنسخ رفع حكم شرعي بخطاب شرعي بحكم آخر متراخٍ عنه.\nقال الطبري: يعني جل ثناؤه: ما ننقل من حكم آية إلى غيرها فنبدِّله ونغيره، وذلك أن يُحول الحلال حرامًا والحرام حلالًا والمباح محظورًا والمحظور مباحًا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ومنسوخ.\n(أَوْ نُنسِهَا) قيل: من النسيان الذي هو بمعنى الترك، فيكون المعنى: ما ننسخ من آية أو نتركها بلا نسخ نأت بخير منها أو مثلها [أي: يثبت لفظها ونترك حكمها] وقد جاءت قراءة أخرى تؤيد ذلك وهي بفتح النون والهمزة بعد السين (نَنْسَأها) أي: نؤخرها فلا ننسخها، ورجحه الطبري وقال: ومعنى ذلك: ما نبدل من حكم آية فتغيره أو نترك تبديله فنقرّه بحاله.\nوقيل: أن المراد النسيان المعروف والمعنى: نرفع لفظها فلا يستقر منها في القلوب والأذهان شيء\nنَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا) مطلقًا في الدين والدنيا والآخرة، ومن حيث العمل ومن حيث الثواب والأجر وغير ذلك.\nقال الطبري: نأت بخير منها لكم من حكم الآية التي نسخناها فغيرنا حكمها، إما في العاجل لخفته عليكم، من أجل أنه وضع فرض كان عليكم فأسقط ثقله عنكم، وإما في الآجل لعظم ثوابه من أجل مشقة حمله وثقل عبئه على الأبدان. [وسيأتي أمثلة للنسخ إن شاء الله].","vol":"1","page":326},{"text":"• فإن كان النسخ إلى أثقل، كما في نسخ التخيير بين الصيام والإطعام بإيجاب الصيام، فالخيرية فيه بمضاعفة الأجر والثواب، لأن الأجر على قدر المشقة.\nوإن كان النسخ إلى أخف، كما في نسخ مصابرة الواحد للعشرة في القتال، بمصابرته الاثنين فقط، وكما في نسخ وجوب قيام الليل إلى الندب، فالخيرية في هذا بالتخفيف على الأمة مع تمام الأجر.\nوإن كان النسخ إلى مساوٍ ومماثل، كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة، فالخيرية في هذا الاستسلام لأمر الله وتمام الانقياد له.\n(أَوْ مِثْلِهَا) في الخيرية، من حيث العمل والأجر وغير ذلك، أو مثلها في العمل، وإن كان خير منها في العاقبة والأجر.\n• اختلف العلماء هل يكون النسخ إلى غير بدل أم لابد من بدل؟\nذهب جمهور العلماء إلى أن النسخ يكون إلى غير بدل، ومثلوه بنسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي نجوى رسول الله -ﷺ- في قوله تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ …).\nوقد رد هذا القول الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان ٣/ ٣٦٢، وفي مذكرته على الروضة ص ٧٩ وبين أن القول بالنسخ إلى غير بدل غير صحيح وإن قال به جمهور العلماء، لأنه مخالف لقوله تعالى (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) ثم أورد أمثلة الجمهور وأجاب عنها:\nوأجاب الجمهور عن هذه الآية: أن النسخ إلى غير بدل لا يعارض الآية، لأن الله تعالى عليم حكيم، فقد يكون عدم الحكم خيرًا من ذلك الحكم المنسوخ في نفعه للناس.\n(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: ألم تعلم أيها المخاطب، أن الله عليم حكيم قدير، لا يصدر منه إلا كل خير وإحسان للعباد.","vol":"1","page":327},{"text":"• ومن قدرته أنه سبحانه: يعز من يشاء ويذل من يشاء ويؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، وينسخ من الأحكام ما يشاء ويبقي ما يشاء، كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\n• ووجه ختم قوله تعالى (ما ننسخ …) بقوله تعالى (ألم تعلم أن الله على …)؟ بيان قدرة الله ونفي العجز عنه، فالله قادر على أن يأتي بالآية المحكمة قبل الآية المنسوخة، ولكن يؤخر هذه ويُبدل هذه بتلك، وهو عالم بالأول والآخر، ويعلم ما يصلح الناس في وقت وما يصلحهم في الوقت الآخر.\n(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: خلقًا وملكًا وتدبيرًا، فهو سبحانه مالك الأعيان، ومالك التصرف فيها.\n• قال الشوكاني: أي له التصرف في السموات والأرض بالإيجاد، والاختراع، ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته، فهو أعلم بمصالح عباده، وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم بها، وشرعها لهم. وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال، والأزمنة، والأشخاص، وهذا صنع من لا وليّ لهم غيره، ولا نصير سواه، فعليهم أن يتلقوه بالقبول، والامتثال، والتعظيم، والإجلال.\n\n•<span data-type='title' id=toc-343> والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد فائدتين عظيمتين:</span>\nالفائدة الأولى: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضًا فلا تعترض، ولو قضى عليك فقرًا فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء ..\nالفائدة الثانية: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه.\nقال ابن كثير: يرشد عباده تعالى بهذه الآية إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما يخلقهم كما يشاء ويسعد من يشاء، ويخذل من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء ويحرم ما يشاء ويبيح ما يشاء ويحظر ما يشاء وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى، فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا.\nوفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنهم الله في دعوى استحالة النسخ إما عقلًا كما زعمه بعضهم جهلًا وكفرًا، وإما نقلًا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكًا.","vol":"1","page":328},{"text":"(وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) أي: وما لكم من غير الله من ولي: يرعى شؤونكم، أو ناصر ينصركم، فالله نعم الولي ونعم النصير.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: اعلم أن الولي والنصير إذا اجتمعا صار الولي فيما ينفع، والنصير من يدافع عنك ممن يعتدي عليك، وأما إذا أفرد أحدهما شمل الآخر، فإذا قيل: ولي بدون نصير، فالمراد به من يجلب لك الخير ويدفع عنك الشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-344>الفوائد:</span>\n١ - أن الله قد يُنسي الرسول -ﷺ- الآية من كتاب الله.\n٢ - إثبات القدرة لله ﷿ في قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وأن القدرة متقررة عند الإنسان بفطرته.\n٣ - عموم قدرة الله في كل شيء في قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو قادر على الموجود أن يعدمه، وعلى المعدوم أن يوجده.\n٤ - قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الآية عامة، فهو قدير على كل شيء، على ما شاءه وما لم يشأه، وبهذا نعرف أن تقييد بعض الناس القدرة بالمشيئة خطأ، لأن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، وأما قوله تعالى (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) فالمشيئة هنا ليست عائدة على القدرة، ولكنها عائدة على الجمع، يعني: إذا أراد جمعهم وشاء جمعهم فهو قدير عليه لا يعجزه شيء.\n٥ - تقرير ملك الله ﷿ للسماوات والأرض، لقوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).\n٦ - اختصاص ملك السماوات والأرض لله ﷿ لا يملكهما أحد سواه، قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).\n٧ - أن ولاية الله عامة وخاصة، فالعامة هي تولي أمور الخلق، وهذه عامة لكل أحد حتى الكفار.\nوخاصة وهي الولاية التي تتضمن العناية والتوفيق والسداد، وهذه خاصة بالمؤمنين.","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-345>فائدة: النسخ:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-346> تعريفه: لغة الإزالة والنقل.</span>\nمثال الإزالة تقول: نسخت الشمس الظل، أي أزالته.\nوأما النقل فتقول: نسخت الكتاب أي نقلته.\nوشرعًا: هو رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل شرعي.\nقولنا (رفع حكم) أي تغييره من إيجاب إلى إباحة، مثل: صيام عاشوراء، أو من إباحة إلى تحريم، مثل: شرب الخمر.\nوقولنا (أو لفظه) لفظ الدليل الشرعي، لأن النسخ: إما أن يكون للحكم دون الفظ، أو بالعكس، أو لهما جميعًا كما سيأتي.\nوخرج بقولنا (بدليل من الكتاب والسنة) ما عداهما من الأدلة، كالإجماع والقياس، فلا ينسخ بهما.\nفالقياس لا ينسخ لأننا لو نسخنا بالقياس، لصادمنا النصوص بالقياس، ولأنه أصلًا لا يوجد قياس صحيح مخالف للنص أبدًا.\nوأما الإجماع فلا ينسخ لأنه لا يمكن أن يوجد إجماع من الأمة على خلاف النص.\n\n•<span data-type='title' id=toc-347> النسخ جائز عقلًا وواقع شرعًا.</span>\nأما جوازه عقلًا، فلأن الله بيده الأمر وله الحكم، لأنه الرب المالك، فله أن يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته ورحمته، وهل يمنع العقل أن يأمر المالك مملوكه بما أراد؟ ثم إن مقتضى حكمة الله ورحمته بعباده أن يشرع لهم ما يعلم تعالى أن فيه قيام مصالح دينهم ودنياهم، والمصالح تختلف بحسب الأحوال والأزمان، فقد يكون الحكم في وقت أو حال، أصلح للعباد، ويكون غيره في وقت أو حال أخرى أصلح، والله عليم حكيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-348>وأما وقوعه شرعًا فلأدلة منها:</span>\nقوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) ثم قال سبحانه: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) وهذا نص صريح في النسخ.\nقوله -ﷺ-: (كنت نهيتكم عز زيارة القبور فزوروها) رواه مسلم\nفهذا نص صريح في نسخ النهي عن زيارة القبور.","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-349>الآراء في النسخ:</span>\n١ - اليهود: وهؤلاء ينكرونه لأنه يستلزم في زعمهم البداء وهو الظهور بعد الخفاء، وهم يعنون بذلك أن النسخ: إما أن يكون لغير حكمة، وهذا أعبث محال على الله، وإما أن يكون لحكمة ظهرت، ولم تكن ظاهرة من قبل، وهذا يستلزم البداء وسبق الجهل، وهو محال على الله.\nواليهود أنفسهم يعترفون بأن شريعة موسى ناسخة لما قبلها، وجاء في نصوص التوراة النسخ، كتحريم كثير من الحيوان على بني إسرائيل بعد حله، قال تعالى في إخباره عنهم: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ).\n٢ - الروافض: وهؤلاء غالوا في إثبات النسخ وتوسعوا فيه وأجازوا البداء على الله، واستدلوا على ذلك بأقوال نسبوها إلى علي -﵁- زورًا وبهتانًا، وبقوله تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).\n٣ - أبو مسلم الأصفهاني: قال: يجوز النسخ عقلًا ويمنع وقوعه شرعًا، وقيل: يمنعه في القرآن خاصة محتجًا بقوله تعالى: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ويحمل آيات النسخ على التخصيص.\n٤ - جمهور العلماء على جواز النسخ عقلًا ووقوعه شرعًا، وسبقت أدلتهم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-350> النسخ باعتبار المنسوخ: فهو قسمان:</span>\nأ- إلى بدل.\nب- وإلى غير بدل.\nأما النسخ إلى غير بدل، فهو مذهب جمهور العلماء، ومثلوه بنسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي نجوى رسول الله -ﷺ- في قوله تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ …).\nوقد رد هذا القول الشنقيطي ﵀ كما تقدم.","vol":"1","page":331},{"text":"وأما النسخ إلى بدل، فهو ثلاثة أقسام:\nإلى بدل أخف. مثاله: قوله تعالى (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) فقد دلت الآية على وجوب مصابرة العشرين من المسلمين المائتين من الكفار، ومصابرة المائة الألف، فنسخ هذا الحكم بقوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ).\nإلى بدل أثقل. وهذا محل خلاف، والصحيح الجواز لوقوعه، ومثاله: نسخ التخيير بين صيام رمضان والإطعام، في قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) نسخ بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) الدالة على وجوب الصيام في حق المقيم الصحيح، وإيجاب الصيام أثقل من التخيير بينه وبين الإطعام.\nولا دليل لمن منع هذا القسم محتجًا بآيات التيسير والتخفيف ورفع الحرج عن هذه الأمة، كقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) وذلك أن الحكم الجديد يكون ميسرًا على المكلفين لا مشقة فيه، مع ما فيه من زيادة النفع وعظم الثواب، وثقله وصف له بالنسبة إلى ما قبله.\nإلى بدل مساوٍ. ومثاله: نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة كما في الحديث الصحيح (أنه -ﷺ- صلى إلى بيت المقدس بعد الهجرة بضعة عشر شهرًا). متفق عليه\nنسخ هذا باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) فاستقبال الكعبة مساوٍ لاستقبال بيت المقدس بالنسبة لفعل المكلف.\n• فإن قيل: ما الحكمة في نقل الحكم من الأخف إلى الأثقل؟\nابتلاء الناس بالامتثال وعدمه.\nبيان حكمة الله تعالى في التدرج في التشريع، حيث أنه يقابل الناس بالأهون حتى تستقبل نفوسهم الحكم الثاني بسهولة.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-351>النسخ في القرآن:</span>\nينقسم النسخ في القرآن إلى ثلاثة أقسام:\nنسخ التلاوة والحكم معًا. مثاله: ما رواه مسلم وغيره عن عائشة قالت: (كان فيما أنزل عشر رضعات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله -ﷺ- وهن مما يقرأ من القرآن).\nفآية التحريم بعشر رضعات منسوخ لفظها وحكمها.\nوقولها (وهن مما يقرأ من القرآن) ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك، فإنه غير موجود في المصحف العثماني.\nوالجواب: قيل أن المراد: قارب الوفاة، والأظهر أن التلاوة نسخت ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله -ﷺ-، فتوفي وبعض الناس يقرؤها.\nنسخ الحكم وبقاء التلاوة. وهذا أكثر أنواع النسخ في القرآن، وتقدم له أمثلة.\nمثال: آية المصابرة، ومثاله أيضًا قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) نسخت بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).\nفإن قيل: ما الحكمة من رفع الحكم وبقاء التلاوة؟\nأ- أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به، فيتلى لكونه كلام الله تعالى، فيثاب عليه القارئ فتركت التلاوة لهذه الحكمة.\nب- أن النسخ غالبًا يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيرًا بالنعمة ورفع المشقة.\n• نسخ التلاوة وبقاء الحكم.\nومثاله آية الرجم، ففي الصحيحين عن عمر أنه قال (كان فيما أنزل فيما أنزل آية الرجم، فقرأناها ووعيناها وعقلناها، ورجم رسول الله -ﷺ- ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله …).","vol":"1","page":333},{"text":"فإن قيل: ما الحكمة من رفع التلاوة وبقاء الحكم؟\nفالجواب ما نقله الزركشي في البرهان ٢/ ٣٧ عن ابن الجوزي أنه قال: إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي.\n\n•<span data-type='title' id=toc-352> أقسام النسخ باعتبار الناسخ:</span>\nهي أربعة أقسام:\n\n<span data-type='title' id=toc-353>نسخ القرآن بالقرآن. أمثلة:</span>\no  آية المصابرة (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) ثم نسخت بقوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ).\no  آية الاعتداد بالحول، نسخت بآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-354>نسخ السنة بالقرآن. مثال:</span>\no  نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ …).\n\n<span data-type='title' id=toc-355>نسخ القرآن بالسنة.</span>\nوهذا فيه خلاف، والصحيح الجواز سواء الحديث متواترًا أو أحادًا، لأن محل النسخ هو الحكم، وليس اللفظ، والحكم لا يشترط في ثبوته التواتر.\nوقد رجح جماعة من أهل العلم أن الحديث ولو كان آحادًا ينسخ القرآن، منهم: المحلى في شرحه على جمع الجوامع ٢/ ٧٨، وابن حزم في الأحكام ١/ ٤٧٧، ورجحه الشنقيطي في أضواء البيان ٣/ ٣٦٧، وفي مذكرته على الروضة/ ٨٦.\nمثال: قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: ولم أجد له مثالًا سليمًا، ومثل بعضهم بقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) مع حديث: (لا وصية لوارث) رواه الترمذي والنسائي. فقالوا: إن الحديث ناسخ للوصية للوالدين والأقربين، ولكن هذا فيه نظر، فإن من شروط النسخ تعذر الجمع بين الدليلين، وهنا يمكن الجمع عن طريق التخصص، بأن يخرج من الآية الوارث منهما فلا وصية له بمقتضى الحديث، فتكون الآية في حق غير الوارث، ويكون الحديث في حق الوارث.","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-356>نسخ السنة بالسنة.</span>\nمثاله: قوله -ﷺ-: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) رواه مسلم.\nفلما قال (كنت نهيتكم) علم أن النهي من السنة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-357> ما يمتنع نسخه:</span>\nأولًا: الأخبار، لأن النسخ محله الحكم، ولأن نسخ أحد الخبرين يستلزم أن يكون أحدهما كذبًا، والكذب مستحيل في إخبار الله ورسوله.\nثانيًا: الأحكام التي فيها مصلحة في كل زمان ومكان، كالتوحيد وأصول الإيمان، وأصول العبادات، ومكارم الأخلاق من الصدق والعفاف والكرم والشجاعة ونحو ذلك، فلا يمكن نسخ الأمر بها، وكذلك لا يمكن نسخ النهي عما هو قبيح في كل زمان ومكان، كالشرك والكفر ومساوئ الأخلاق من الكذب والفجور والبخل والجبن.\n\n•<span data-type='title' id=toc-358> كيفية معرفة الناسخ والمنسوخ:</span>\nالنقل الصريح عن النبي -ﷺ- أو عن صحابي، كحديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها). رواه مسلم\nومثال: ما علم بخبر صحابي، كقول عائشة: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات). رواه مسلم\nمعرفة المتقدم من المتأخر في التاريخ. مثاله: قوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) فقوله (الآن) يدل على تأخر هذا الحكم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-359> شروط النسخ:</span>\n١ - تعذر الجمع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع فلا نسخ، لإمكان العمل بكل منهما.\n٢ - العلم بتأخر الناسخ، وَيُعْلَمُ ذلك: إما بالنص أو بخبر صحابي أو بالتاريخ، وقد سبق ذلك قبل قليل.\nمثال الجمع بين الدليلين إن أمكن:\nذهب كثير من أهل العلم أن الإمام إذا صلى قاعدًا وجب على المأمومين القادرين على القيام أن يصلوا قيامًا، واستدلوا: (أن النبي -ﷺ- خرج ذات يوم في مرض موته والناس يصلون خلف أبي بكر، فتقدم حتى جلس عن يسار أبي بكر فجعل يصلي بهم -ﷺ- قاعدًا وهم قيام هم يقتدون بأبي بكر وأبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله -ﷺ-. رواه مسلم\nقالوا: وهذا في آخر حياة النبي -ﷺ- ناسخًا لحديث: (وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا). رواه مسلم\nوذهب بعض العلماء إلى الجمع بين الدليلين، فقالوا:\nإذا صلى الإمام بالمأمومين قاعدًا من أول الصلاة، فليصلوا قعودًا، لحديث (وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا) وإن صلى بهم قائمًا، ثم أصابته علة فجلس، فإنهم يصلون قيامًا.\nقال الشيخ محمد حفظه الله: وبهذا يحصل الجمع بين الدليلين، والجمع بين الدليلين إعمال لهما جميعًا.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-360>(أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨».</span> [سورة البقرة: ١٠٨].\n<hr><s0>\n\n(أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) نهى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية عن كثرة سؤال النبي -ﷺ- عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبيّن لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه، فلعله أن يحرم من أجل المسألة.\n• قال في التسهيل: (تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ) أي: تطلبوا الآيات، ويحتمل السؤال عن العلم، والأوّل أرجح لما بعده، فإنه شبهه بسؤالهم لموسى، وهو قولهم لهم (أَرِنَا الله جَهْرَةً).\nولهذا جاء في الصحيح (إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته).\nوعن المغيرة بن شعبة (أن رسول الله -ﷺ- كان ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال).\nوفي صحيح مسلم قال -ﷺ- (ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).\n• قوله تعالى (أَمْ تُرِيدُونَ) وهذا استفهام إنكاري عليهم، وقيل: إنها بمعنى (بل) أي: بل تريدون.\n\n•<span data-type='title' id=toc-361> ويدخل في الآية صورًا كثيرة:</span>\nأ-كالسؤال عن الأشياء النادرة.\nب- وكالسؤال عن الأمور التي لا يترب عليها عمل وإنما تثير الشبه والنزاعات.\nج-وكالسؤال عن أمور سكت عنها الشارع، كما سأل بنو إسرائيل عن صفات البقرة حينما طلب منهم موسى أن يذبحوا بقرة، فتشددوا بالسؤال عنها وعن لونها فشُدد عليهم.\nد-ويدخل في الآية: النهي عن اقتراح الآيات كقولهم (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا) وطلبهم نزول الملائكة، أو يكون له بيت من زخرف وغيرها.\nواختلف العلماء لمن الخطاب هنا.","vol":"1","page":336},{"text":"فقيل: للمؤمنين.\nلأنه قال في آخر الآية (ومن يتبدل الكفر بالإيمان …) وهذا الكلام لا يصح إلا في حق المؤمنين.\nوقيل: لكفار مكة.\nكم قال تعالى عنهم (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا).\nوقد سأل المشركون رسول الله -ﷺ- أن يجعل لهم الصفا ذهبًا.\nوقيل: المراد اليهود.\nلأن هذه السورة من أول قوله (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ..) حكاية عنهم ومحاجة معهم.\nوقيل: يعم المؤمنين والكفار.\n• قال ابن كثير: وهو يعم المؤمنين والكافرين، فإنه -ﷺ- رسول الله إلى جميع الخلق.\n• قال الشنقيطي في قوله (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل …) لم يبين هنا هذا الذي سأل موسى من قبل من هو؟ ولكنه بينه في مواضع أخرى، وذلك في قوله تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً).","vol":"1","page":337},{"text":"قال ابن كثير: والمراد أن الله ذم من سأل رسول الله -ﷺ- تعنتًا وتكذيبًا وعنادًا.\n(وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ) أي: ومن يشتر الكفر بالإيمان.\n(فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) أي فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال، وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء وأتباعهم، والانقياد لهم إلى مخالفتهم وتكذيبهم، والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَار).\n\n<span data-type='title' id=toc-362>الفوائد:</span>\n١ - توبيخ الأمة لو سألت كما سئل موسى.\n٢ - بيان حال قوم موسى من التعنت والتشدد.\n٣ - إثبات أن موسى -﵇- رسول.\n٤ - بيان أن موسى قد أوذي من قبل.\n٥ - أن من أخذ الكفر بديلًا عن الإيمان فإنه ضال مخطئ مهما ازدهرت له الدنيا.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-363>(وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠»</span> [البقرة: ١٠٩ - ١١٠]\n<hr><s0>\n\n(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: تمنى وحب كثير من اليهود والنصارى.\nوسموا أهل الكتاب، لأن الله أنزل عليهم الكتاب، فأنزل على اليهود التوراة، وعلى النصارى الإنجيل.\n(لَوْ يَرُدُّونَكُمْ) أي: لو يصيرونكم كفارًا بعد أن آمنتم.\n(مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا) الخطاب للمؤمنين من هذه الأمة، أي: ودوا وتمنوا وأحبوا لو يرجعونكم من بعد إيمانكم بالله ورسوله وبما أنزل على رسوله -ﷺ- من الوحي والشرع المطهر.\n(كُفَّارًا) مرتدين عن دينكم، متبعين لهم في دينهم، كما قال تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).\n(حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) أي: حسدًا منهم لكم حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة، فقوله (من عند أنفسهم) أي: هذا الحسد ناشئ من نفوسهم.\nقال الضحاك عن ابن عباس: إن رسولًا أميًا يخبرهم بما في أيديهم في الكتاب والرسل والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا وحسدًا وبغيًا.\nقوله تعالى (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) أي من تلقائهم من غير أن يجدوه في الكتاب ولا أمروا به، ولفظة الحسد تعطي هذا، فجاء (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) تأكيدًا وإلزامًا، كما قال تعالى (يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) وقوله (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ).\nوالحسد: تمني زوال نعمة الله عن الغير، سواء تمنى كونها له أو لغيره، أو مجرد زوالها.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الحسد كراهة نعمة الله على الغير.","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type='title' id=toc-364>قال ابن القيم: الحسد ثلاث مراتب:</span>\nأحدها: أن يحسد ويقوم بمقتضاه من الأذى بالقلب واللسان والجوارح، فهذا الحسد المذموم.\nوالثاني: تمني استصحاب عدم النعمة، فهو يكره أن يحدث الله لعبده نعمة، بل يحب أن يبقى على حاله من جهله أو فقره أو ضعفه أو شتات قلبه عن الله أو قلة دينه، فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب، فهذا حسد على شيء مقدر، والأول حسد على شيء محقق، وكلاهما حاسد عدو نعمة الله، وعدو عباده، وممقوت عند الله وعند الناس، ولا يسود أبدًا، فإن الناس لا يسودون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم، فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يسودونه باختيارهم أبدًا إلا قهرًا.\nوالثالث: حسد الغبطة، وهو تمني أن يكون له مثل حال المحسود من غير أن تزول النعمة عنه، فهذا لا بأس به ولا يعاب صاحبه، بل هذا قريب من المنافسة (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).\nوفي الصحيح قال -ﷺ- (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا وسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعلمها الناس) فهذا حسد غبطة، الحامل لصاحبه عليه كبر نفسه، وحب خصال الخير، والتشبه بأهلها، والدخول في جملتهم، فهذا لا يدخل في الآية بوجه ما.\n(مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) قال أبو العالية: من بعد ما تبين أن محمدًا رسول الله يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدًا وبغيًا إذ كان من غيرهم.\nفي هذه الآية أن الكفار يتمنون أن يردوا أهل الإيمان إلى كفر، وهذا جاء ذلك في آيات أخرى:\nقال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً).\nوقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ).\nوقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-365>مباحث الحسد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-366>أولًا: تعريف الحسد:</span>\nهو تمني زوال نعمة المحسود وإن لم يحصل للحاسد مثلها، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود.\n\n<span data-type='title' id=toc-367>ثانيًا: خطر الحسد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-368>أولًا: أنه من صفات اليهود.</span>\nكما في هذا الآية (… حسدًا من عند أنفسهم).\nوكما في قوله تعالى (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-369>ثانيًا: أنه من الإيذاء وتعد على المسلم.</span>\nقال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-370>ثالثًا: أن النبي -ﷺ- نهى عنه.</span>\nقال -ﷺ- (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-371>رابعًا: أنه اعتراض على قضاء الله وقدره.</span>","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-372>فضل السلامة من الحسد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-373>أولًا: أن تركه من علامة كمال الإيمان.</span>\nفقد سئل رسول الله -ﷺ-: أي المؤمنين أفضل؟ قال (المؤمن النقي القلب، ليس فيه غل ولا حسد) رواه ابن ماجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-374>ثانيًا: أن الله أثنى على الأنصار بذلك.</span>\nقال تعالى (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أوتوا).\n\n<span data-type='title' id=toc-375>من أقوال السلف في الحسد:</span>\nقال الأصمعي: رأيت أعرابيًا أتى عليه مائة وعشرين سنة، فقلت له: ما أطول عمرك. فقال: تركتُ الحسد فبقيت.\nوقال معاوية: كل إنسان أقدر على أن أرضيه، إلا الحاسد، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة. وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من الحاسد: غم دائم ونفس متتابع. وقيل رأى موسى ﵇، رجلًا عند العرش فغبطه، فقال: ما صفته؟ فقيل: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله.\nوَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْحَسَدُ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي السَّمَاءِ، يَعْنِي حَسَدَ إبْلِيسَ لِآدَمَ ﵇ وَأَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، يَعْنِي حَسَدَ ابْنِ آدَمَ لِأَخِيهِ حَتَّى قَتَلَهُ.\nوَقَدْ قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ فِي خِصَالِ الشَّرِّ أَعْدَلُ مِنْ الْحَسَدِ، يَقْتُلُ الْحَاسِدَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَحْسُودِ.\nوقال لابنه: يا بني! إياك والحسد، فإنه يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك.\nوعن سفيان بن دينار قال: قلت لأبي بشر: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا ويؤجرون كثيرًا، قال: قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم.\nوقيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: لا أم لك، أنسيت إخوة يوسف، لكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه.\nوقال ابن سيرين: ما حسدت أحدًا على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار.\nقال الشاعر:\nكل العداواة قد تُرجَى إماتتها … إلا عداوةَ من عاداك من حسدِ.\nوقال الخليل بن أحمد: لا شيء أشبه بالمظلوم من الحاسد.","vol":"1","page":342},{"text":"وقال بعض الحكماء: كل أحد يمكن أن ترضيه إلا الحاسد، فانه لا يرضيه إلا زوال نعمتك.\nوقال الأصمعي: سمعت أعرابيًا، يقول: ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم، ونفس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي.\nوقال عون بن عبد الله: إياك والكبْر، فإن أول ذنب عصيَ الله به ثم قرأ (وإذ قلنا للملائكة …)، وإياك والحرص، فإنه أخرج آدم من الجنة ثم قرأ (اهبطوا منها)، وإياك والحسد، فإنما قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق).\nقال بعض العلماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه:\nأولها: قد أبغض كل نعمة قد ظهرت على غيره، والثاني: سخط لقسمته كأنه يقول لربه: لم قسمت هكذا؟، والثالث: أنه ضن بفضله، يعني أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله، والرابع: خذل ولي الله، لأنه يريد خذلانه وزوال النعمة عنه، والخامس: أعان عدوه يعني إبليس لعنه الله.\nقال بعض العلماء: ليس شيء من الشر أضر من الحسد، لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه:\nأولها: غم لا ينقطع.\nوالثاني: مصيبة لا يؤجر عليها.\nوالثالث: مذمة لا يحمد عليها.\nوالرابع: يسخط عليه الرب.\nوالخامس: تغلق عليه أبواب التوفيق.\n(فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) العفو: ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح: إزالة أثره من النفس وترك اللوم والتثريب.\nقال الآلوسي (فاعفوا واصفحوا) العفو: ترك عقوبة المذنب، والصفح ترك التثريب والتأنيب وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح.\n(حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) أي: حتى يأتي الله بأمره بقتالهم.","vol":"1","page":343},{"text":"قال الرازي: (حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ) وذكروا فيه وجوهًا:\nأحدها: أنه المجازاة يوم القيامة عن الحسن.\nوثانيها: أنه قوة الرسول وكثرة أمته.\nوثالثها: وهو قول أكثر الصحابة والتابعين، إنه الأمر بالقتال لأن عنده يتعين أحد أمرين: إما الإسلام، وإما الخضوع لدفع الجزية وتحمل الذل والصغار.\nوفي هذا دلالة على مراعاة التشريع الإسلامي للظروف والأحوال والتدريج في التشريع.\nذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة.\nوالناسخ لها قوله تعالى (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ).\nوقوله (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) وكذا قال ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي.\nوالصحيح أن هذا ليس من قبيل النسخ، لأمور:\nأولًا: لأن هذه الآية وأشباهها مما أمر الله بالإعراض عن المشركين محمولة على وقت الضعف، والآيات الأمر بقتالهم محمولة على وقت القوة، وليست منسوخة.\nثانيًا: أن الآية (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتى يأتي الله بأمره) مغياة بغاية ينتهي حكمها عند حلول تلك الغاية ولا يعد نسخًا.\n(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: ذو قدرة تامة، لا يعجزه شيء كما قال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا)، وقال تعالى (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا).\nفهو سبحانه ذو قدرة تامة على كل شيء، يبدل الأحوال، ويأتي بأمره، ويعفو مع القدرة.","vol":"1","page":344},{"text":"(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) تقدم، ومعناه: أدوا الصلاة فرضها ونفلها تامة كاملة قائمة، بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها.\nوَآتُوا الزَّكَاةَ) تقدم. ومعناه: أعطوا الزكاة المفروضة طيبة بها نفوسكم لمستحقيها.\nوالزكاة شرعًا: دفع مال مخصوص لطائفة مخصوصة تعبدًا لله تعالى.\nقال الشيخ ابن عثمين ﵀: إن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من أسباب النصر، لأن الله ذكرها بعد قوله (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) وقد جاء ذلك صريحًا في قوله تعالى (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ).\n(وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ) أي: وما تقدموا لأنفسكم في حياتكم من خير أيا كان ومهما كان، قل أو كثُر.\n(تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ) أي: تلقوه عند الله يوم القيامة، مدخرًا لكم ثوابه مضاعفًا لكم أجره.\nكما قال تعالى (وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا).\nوقال تعالى (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا).\nوفي قوله (لِأَنْفُسِكُمْ) استجاشة للضمائر، وتحريك للهمم، بأن الإنسان إذا عمل، إنما يعمل لنفسه، كما قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ).\nوقال -ﷺ- (كل الناس يغدوا، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) رواه مسلم.\nقال الشوكاني: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ …) حثّ من الله سبحانه لهم على الاشتغال بما ينفعهم ويعود عليهم بالمصلحة، من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. وتقديم الخير الذي يثابون عليه حتى يمكن الله لهم، وينصرهم على المخالفين لهم.\nجاء في الحديث (إن العبد إذا مات قال له الناس ما خلف، وقالت له الملائكة ما قدم).\nوخرج البخاري عن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ- (أيُّكُم مَالُ وَارِثِهِ أحبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟) قالوا: يَا رسول اللهِ، مَا مِنَّا أحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: (فإنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أخَّر).\nوقال -ﷺ- (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) رواه مسلم.\nوعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ- (مَا بَقِىَ مِنْهَا، قَالَتْ مَا بَقِىَ مِنْهَا إِلاَّ كَتِفُها، قَالَ: بَقِىَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا). رواه الترمذي.","vol":"1","page":345},{"text":"كان أبو هريرة يبكي ويقول: سفري بعيد، وزادي قليل.\nوكان أبو الدرداء يقول: صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور.\nوقال ابن السماك: إن الموتى لم يبكوا من الموت، ولكنهم يبكون من حسرة الفوْت، فاتَتْهم والله دار لم يتزودوا منها، ودخلوا دارًا لم يتزودوا لها.\nقال أحد السلف: إذا أردت اللحاق بالمجدين وأنت صادق، فاجعل نصب عينيك قول الله جل وعلا (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا). وقوله تعالى (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ).\nوقال القعقاع بن حكيم: قد استعددت للموت منذ ثلاثين سنة، فلو أتاني ما أحببت تأخير شيء عن شيء\nويروى عن ابن المبارك أنه لما احتضر نظر إلى السماء، فضحك ثم قال: لمثل هذا فليعمل العاملون.\nواحتضر بعض الصالحين فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: عليك أبكي، قال: إن كنتِ باكية فابك على نفسك، فأما أنا فقد بكيت على هذا اليوم منذ أربعين سنة.\nوقيل لبعض السلف لما حضرته الوفاة: ما كان عملك؟ فقال: لو لم يقرب أجلي ما أخبرتكم به، وقفت على باب قلبي أربعين سنة فكلما مر فيه غير الله حجبته عنه.\nوعن أنس بن عياض، رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له: غدًا القيامة ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة.\nوهذا بلال - مؤذن رسول الله -ﷺ- لما حضرته الوفاة قالت امرأته، واحزناه، فقال: بل واطرباه غدًا نلقى الأحبة محمدًا وحزبَه.\nقال أبو حازم سلمة بن دينار: كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرك متى متّ.\nقال النووي: عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس بْن يَزِيد الْأَوْدِيّ الْكُوفِيّ أَبُو مُحَمَّد الْمُتَّفَق عَلَى إِمَامَته وَجَلَالَته وَإِتْقَانه وَفَضِيلَته، وَوَرَعِهِ وَعِبَادَته، رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِبِنْتِهِ حِين بَكَتْ عِنْد حُضُور مَوْته: لَا تَبْكِي فَقَدْ خَتَمْت الْقُرْآن فِي هَذَا الْبَيْت أَرْبَعَة آلَاف خَتْمَة قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل: كَانَ اِبْن إِدْرِيس نَسِيجًا وَحْده.","vol":"1","page":346},{"text":"(إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) يعني أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه، سواء كان خيرًا أو شرًا، فإنه سيجازي كل عامل بعمله.\nقال الشيخ ابن عثيمين: بصير، ليس من البصر الذي هو الرؤية، لكن من البصر الذي بمعنى العلم، لأنه أشمل حيث يعم العمل القلبي والبدني.\n\n<span data-type='title' id=toc-376>الفوائد:</span>\n١ - بيان ما عليه أهل الكتاب من الحسد العظيم لهذه الأمة.\n٢ - شدة عداوة كثير من أهل الكتاب وحسدهم لهذه الأمة.\n٣ - الإشارة لعظم نعمة الله على هذه الأمة بالإسلام والإيمان وبعثة محمد -ﷺ-.\n٤ - أن من كان فيه حسد للناس على ما أتاهم الله من فضله، فإن فيه شبه باليهود.\n٥ - أن هذا الحسد من أهل الكتاب نابع من عند أنفسهم لم يؤذن لهم فيه، ولم يكن عن رؤية وتعقل.\n٦ - وجوب الحذر من الحسد فإنه داء وبيل، ومرض خطير، من أعظم أسباب الاعتداء على الغير ورد الحق.\n٧ - أن هؤلاء الذين يودون هذا لهذه الأمة يؤدونه عن عمد وعناد من بعد ما تبين لهم الحق.\n٨ - التدرج في معاملة الكفار، حيث أمر الله ﷾ في هذه الآية أن نعفو ونصفح حتى يأتي الله بأمره.\n٩ - أن الإنسان يعذر بجهله إذا خالف الأمر والنهي، لقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ).\nوهذا الأصل دلّ عليه الكتاب والسنة:\nقال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).\nوقال تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).\nوقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ).\nوأما السنة: أن النبي -ﷺ- لم يأمر المسيء في صلاته أن يقضي ما فعله، وكان المسيء في صلاته لا يطمئن لا في ركوع ولا في سجود.\n١٠ - عموم قدرة الله، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\n١١ - وجوب إقامة الصلاة.\n١٢ - وجوب إيتاء الزكاة لمستحقيها.\n١٣ - أن الصلاة أوكد من الزكاة.\n١٤ - الحث على تقديم الخير.\n١٥ - الترغيب في الخير قولًا وعملًا.\n١٦ - أن ما تقدمه من الخير لن يضيع، بل ستجده عند الله.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type='title' id=toc-377>(وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢»</span> [البقرة: ١١١ - ١١٢]\n<hr><s0>\n\n(وَقَالُوا) أي: اليهود والنصارى.\n(لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا) هذا قول اليهود.\n(أَوْ نَصَارَى) هذا قول النصارى.\n• قال القرطبي: المعنى: وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًّا.\n• وقال ابن كثير: يبين الله تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، فاليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًا، والنصارى قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-378>ومن الدعاوى الكاذبة التي ادعوها:</span>\nقولهم (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ).\nوقولهم (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً).\nوقولهم (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا).\nوقولهم في هذه الآية (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى).\nفأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد الله تعالى عليهم في ذلك، وهكذا قال في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة فقال:\n(تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) قال أبو العالية: أماني تمنوها على الله بغير حق.\nوالأماني جمع أمنية، وهي: ما يتمناه الإنسان بدون سبب يصل به إليه.\nقال في التسهيل: (أَمَانِيُّهُمْ) أكاذيبهم أو ما يتمنونه.\nثم قال تعالى:\n(قُلْ) يا محمد.\n(هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) قال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس: حجتكم. وقال قتادة: بينتكم على ذلك.","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type='title' id=toc-379>(إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي فيما تدعونه، ثم قال تعالى:</span>\n(بَلَى) أي: ليس بأمانيكم ودعاويكم، ولكن:\n(مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) أي من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، وقوله (وجهه) أي دينه، وهذا الشرط الأول من شروط قبول العمل، وهو الإخلاص لله تعالى.\nقال الطبري: بلى من أسلم لله بدنه، فخضع له بالطاعة جسده.\nفإن قال قائل: هل هذا من التأويل لصفة الوجه؟\nالجواب: لا، لأن الوجه يطلق ويراد به الوِجْهة والقصد.\nفإن قيل: لم خص الوجه بالذكر؟\nفالجواب: وإنما خص الوجه بالذكر لوجوه:\nأحدها: لأنه أشرف الأعضاء من حيث أنه معدن الحواس والفكر والتخيل، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى.\nوثانيها: أن الوجه قد يكنى به عن النفس.\nوثالثها: أن أعظم العبادات السجدة، وهي إنما تحصل بالوجه فلا جرم خصه بالذكر.\n• وقال القرطبي: وخص الوجه بالذكر، لكونه أشرف ما يرى من الإنسان، ولأنه موضع الحواس، وفيه يظهر العز والذل، والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد.\n• وقال البغوي: وخص الوجه بالذكر، لأنه إذا جاد بوجهه في السجود، لم يبخل بسائر جوارحه.\n(وَهُوَ) مع إخلاصه.\n(مُحْسِنٌ) أي اتبع فيه الرسول -ﷺ-، وهذا هو الشرط الثاني من شروط قبول العمل وهو متابعة الرسول -ﷺ-، فإن العمل المتقبل لا يقبل إلا بشرطين:\nأحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده، لحديث (إنما الأعمال بالنيات) متفق عليه.\nوالآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، لحديث (من عمل عملًا …) متفق عليه.\nفمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا؛ لم يتقبل، ولهذا قال الرسول -ﷺ-: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد). رواه مسلم عن عائشة\nوأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله، فهو أيضًا مردود على فاعله.\nقال ابن كثير: فعمل الرهبان ومن شابههم - وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله - فإنه لا يتقبل منهم، حتى يكون ذلك متابعًا للرسول محمد -ﷺ- المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم، قال الله تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).","vol":"1","page":349},{"text":"وقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا).\nوأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضًا مردود على فاعله وهذا حال\nالمنافقين والمرائين:\nكما قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا).\nوقال تعالى (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).\nولهذا قال تعالى (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاَءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).\nوقال في هذه الآية الكريمة (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ).\nكيف يكون العلم مخلصًا؟\nقال مالك بن دينار: إن العبد إذا طلب العلم للعمل كسره علمُهُ، وإذا طلبه لغير ذلك ازداد به فجورًا أو فخرًا.\nقال الذهبي: فَمَن طلبَ العلمَ للآخرة كَسَرَه العلمُ وخشع لله.\nقال بعض السلف: من ازداد علمًا ولم يزدد خشية فليتّهِم علمه.\nسُئِلَ الحافظ عبد الغني المقدسي: لِمَ لا تقرأ من غير كتاب؟ قال: أخاف العجب. [السير ٢١/ ٤٤٩].\nوقد قيل لذي النون المصري رحمه الله تعالى: متى يعلم العبد أنه من المخلصين؟ فقال: إذا بذل المجهود في الطاعة، وأحب سقوط المنزلة عند الناس.\nوقيل ليحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: متى يكون العبد مخلصًا؟ فقال: إذا صار خلقه كخلق الرضيع، لا يبالي من مدحه أو ذمه.","vol":"1","page":350},{"text":"قال النووي: من علامة المخلص أن يتكدر إذا اطلع الناس على محاسن عمله كما يتكدر إذا اطلعوا على مساويه فإن فرح النفس بذلك معصية وربما كان الرياء أشد من كثير من المعاصي.\n(فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) أي: ثوابه، والأجر في الأصل ما يؤخذ مقابل العمل، وإنما سماه الله أجرًا لبيان أنه متكفل به وأنه لا يضيع عنده.\nقال الشيخ ابن عثيمين: وسمى الله (الثواب) أجرًا، لأنه ﷾ التزم على نفسه أن يجزي به كالتزام المستأجر بدفع الأجرة للأجير.\n(وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي (فلا خوف عليهم) فيما يستقبلونه (ولا هم يحزنون) على ما مضى مما يتركونه.\nفالخوف: الغم من أمر مستقبل، والحزن: الغم من أمر فائت، وقد يستعمل الحزن بمعنى الخوف ويمكن يفسر به قوله تعالى عن أهل الجنة حين دخلوها (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) أي: أذهب عنهم الخوف.\nوقال السعدي: ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فحصل لهم المرغوب ونجوا من المرهوب، ويفهم منها أن من ليس كذلك، فهو من أهل النار الهالكين، فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول -ﷺ-. …\n\n<span data-type='title' id=toc-380>الفوائد:</span>\n١ - بيان دعوى أهل الكتاب من اليهود والنصارى أنه لا يدخل الجنة إلا من كان مثلهم يهوديًا أو نصرانيًا.\n٢ - أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والجزاء، لأن الجنة إنما يدخلها أهلها بعد البعث يوم القيامة.\n٣ - أن الثواب لا يحصل إلا بأمرين:\no  إسلام الوجه لله.\no  الإحسان، وهو متابعة النبي -ﷺ-.\n٤ - قوة المحاجة في كتاب الله التي تدحض الخصم وتفحمه.\n٥ - أنه لا تقبل الدعوى إلا ببينة، فمن ادعى حكمًا من أحكام الله الأخروية أو الدنيوية، فإن عليه أن يبرهن فيما قال.\n٦ - أن اليهود والنصارى لا حجة لهم إطلاقًا فيما ادعوه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وما أكثر دعاوي اليهود والنصارى بأنهم أهل الجنة.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-381>(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣».</span> [سورة البقرة: ١١٣].\n<hr><s0>\n\n(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ) يبين الله تعالى تناقض اليهود والنصارى وتباغضهم وتعاندهم.\nقال الطبري: قالت اليهود: ليست النصارى في دينها على صواب، وقالت النصارى: ليست اليهود في دينها على صواب.\nكما قال ابن عباس لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله -ﷺ-: أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول الله -ﷺ-، فقال رافع بن حرملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى والإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجحدوا نبوة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله في ذلك من قولهما (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ …).\nقوله تعالى (على شيء) المراد: على شيء معتبر.\nقال أبو حيان: قيل: المراد عامة اليهود وعامة النصارى، فهذا من الإخبار عن الأمم السالفة، وتكون أل للجنس، ويكون في ذلك تقريع لمن بحضرة رسول الله -ﷺ- من الفريقين، وتسلية له -ﷺ-، إذ كذبوا بالرسل وبالكتب قبله.\nوقيل: المراد يهود المدينة ونصارى نجران، حيث تماروا عند الرسول وتسابوا، وأنكرت اليهود الإنجيل ونبوّة عيسى، وأنكرت النصارى التوراة ونبوّة موسى.\nقال ابن عاشور: لزيادة بيان أن المجازفة دأبهم وأن رمي المخالف لهم بأنه ضال شنشنة قديمة فيهم فهم يرمون المخالفين بالضلال لمجرد المخالفة، فقديمًا ما رمت اليهود النصارى بالضلال ورمت النصارى اليهود بمثله فلا تعجبوا من حكم كل فريق منهم بأن المسلمين لا يدخلون الجنة، وفي ذلك إنحاء على أهل الكتاب وتطمين لخواطر المسلمين ودفع الشبهة عن المشركين بأنهم يتخذون من طعن أهل الكتاب في الإسلام حجة لأنفسهم على مناوأته وثباتًا على شركهم.\n(وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) أي: والحال أنهم يتلون ويقرؤون التوراة والإنجيل.\nوفي هذه الآية توبيخ لهم، حيث تعمدوا الكذب والافتراء كل فريق على الآخر مع كونهم يعلمون بكذب ما ذهبوا إليه.\nقال في التسهيل: (وَهُمْ يَتْلُونَ) تقبيح لقولهم مع تلاوتهم الكتاب.\nوقال الشوكاني: وفي هذا أعظم توبيخ، وأشدّ تقريع؛ لأن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان هو: وإن كان قبيحًا على الإطلاق لكنه من أهل العلم، والدراسة لكتب الله أشدّ قبحًا، وأفظع جرمًا، وأعظم ذنبًا.\n(كَذَلِكَ) أي مثل ذلك القول.","vol":"1","page":352},{"text":"(قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) أي: قال مشركوا العرب: ليس محمد على شيء.\n• وقد اختلف فيمن عني بقوله تعالى (قال الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)؟\nقيل: كفار العرب، قال القرطبي: وهو قول الجمهور، لأنهم لا كتاب لهم.\nوقيل: المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى.\nقال ابن كثير: واختار أبو جعفر بن جرير: أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثَمّ دليل قاطع يعين واحدًا من هذه الأقوال، والحمل على الجميع أولى.\n(فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي أنه يجمع بينهم يوم القيامة، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة، وهذه كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).\nقوله تعالى (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) سمي بذلك:\nأولًا: لأن الناس يقومون من قبورهم.\nقال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).\nثانيًا: ولقيام الأشهاد.\nلقوله تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).\nثالثًا: ولقيام الملائكة.\nلقوله تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا).\n\n<span data-type='title' id=toc-382>الفوائد:</span>\n١ - بيان عداوة اليهود والنصارى بعضهم لبعض.\n٢ - أن هذه المقالة التي قالتها اليهود وقالتها النصارى، يقولها أيضًا كل من كان جاهلًا، أي كل من كان ذا جهالة.\n٣ - إثبات الجزاء يوم القيامة، لقوله تعالى: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).\n٤ - أن الذين اختلفوا في الكتاب وفي الرسل سوف يقضي تعالى بينهم يوم القيامة ويبين من هو على الحق.\n٥ - إثبات يوم القيامة، وهو اليوم الآخر.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-383>(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤».</span> [سورة البقرة: ١١٤].\n<hr><s0>\n\n(وَمَنْ أَظْلَمُ) أي لا أحد أظلم.\n(مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) والمراد بمنع المساجد أن يذكر فيها اسم الله: منع من يأتي إليها للصلاة، والتلاوة، والذكر، وتعليمه.\nقال الشوكاني: هذا الاستفهام فيه أبلغ دلالة على أن هذا الظلم متناه، وأنه بمنزلة لا ينبغي أن يلحقه سائر أنواع الظلم،\nأي: لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله.\nوقد اختلف المفسرون في المراد في الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها على قولين:\nالقول الأول: هم النصارى.\nقال مجاهد: النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.\nوقال قتادة في قوله (وسعى في خرابها) قال: هو بخْتَنصَّر، خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك النصارى، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البالي المجوسي على تخريب المقدس.\nوقال السدي: كانوا ظاهروا بختنصر على تخريب بيت المقدس، حتى خربه وأمر أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحي بن زكريا.\nوروي نحوه عن الحسن البصري، وعلى هذا القول فإن الخراب هنا خراب حسي.\nالقول الثاني: نزلت في صد المشركين النبي -ﷺ- عن البيت الحرام في عمرة الحديبية عام ٦ هـ.\nواختار ابن جرير القول الأول، واحتج بأن قريشًا لم تسعَ في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.\nواختار ابن كثير القول الثاني، حيث قال ﵀: والذي يظهر والله أعلم القول الثاني.\nثم قال ابن كثير ردًا على ابن جرير: … وأيضًا فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى، شرع في ذم المشركين الذي أخرجوا الرسول وأصحابه من مكة ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده في أن قريشًا لم تسعَ في خراب الكعبة؛ فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله -ﷺ- وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم.\nورجح القرطبي ﵀ العموم، فقال: وقيل المراد من منع من كل مسجد إلى يوم القيامة، وهو الصحيح، لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجميع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف.\nقال البيضاوي: قوله تعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله …) عام لكل من خرب مسجدًا، أو سعى في تعطيل مكان مرشح للصلاة، وإن نزل في الروم لما غزوا بيت المقدس وخربوه وقتلوا أهله، أو في المشركين لما منعوا رسول الله -ﷺ- أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية.","vol":"1","page":354},{"text":"(وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) أي: وسعى، أي: اجتهد وبذل وسعه (في خرابها) الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي هدمها وتخريبها وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها.\nقال الرازي: السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين.\nأحدهما: منع المصلين والمتعبدين والمتعهدين له من دخوله فيكون ذلك تخريبًا.\nوالثاني: بالهدم والتخريب وليس لأحد أن يقول: كيف يصح أن يتأول على بيت الله الحرام ولم يظهر فيه\nالتخريب، لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريبًا له، وقيل: إن أبا بكر -﵁- كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر.\n(أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ) قيل: هذا خبر معناه الطلب، أي لا تمكنوا هؤلاء إذا قدرتم عليهم من دخولها إلا تحت الهدنة أو الجزية، ولهذا لما فتح رسول الله -ﷺ- مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: ألا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان.\nوقيل: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على وجه التهديد وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلًا أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها.\nوالمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك.\nوقيل: إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم، حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفًا يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم.\nقال القرطبي: ومن جعل الآية في النصارى روي أنه مرَّ زمان بعد بناء عمر بيت المقدس في الإسلام لا يدخله نصراني إلا أوجع ضربًا بعد أن كان متعبدهم.\n(لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) من جعل الآية في قريش، جعل الخزي في الدنيا: الفتح، وأن لا يدخل أحدهم المسجد الحرام إلا خائفًا\n، لأن الجزاء من جنس العمل، فكما صَدوا المسلمين عن المسجد الحرام؛ صُدوا عنه.","vol":"1","page":355},{"text":"(وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) على ما انتهكوا من حرمة البيت وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله عنده، والطواف به عريًا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله.\nوأما من جعل الآية في النصارى فقال كعب الأحبار: أن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه، فلما بعث الله محمدًا -ﷺ- أنزل عليه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ …) فليس في الأرض نصرانيًا يدخل المسجد إلا خائفًا.\nوقال السدي: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يضرب عنقه، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها.\n\n<span data-type='title' id=toc-384>الفوائد:</span>\n١ - تحريم منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه.\n٢ - الإشارة إلى أن ما يتعلق بأمور الدنيا من بيع وشراء وأجارة ونحوها، لا يحل إيقاعه في المسجد، ولهذا قال النبي -ﷺ-: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا رد الله عليك).\n٣ - الإشارة إلى أن المساجد إنما بنيت لذكر الله.\n٤ - أن ذكر الله يكون بذكر اسمه، وذلك يقتضي أن يكون باللسان، وذكر الله يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح.\nأما ذكر الله بالقلب: بأن يكون الإنسان متفكرًا متأملًا في آيات الله.\nوأما الذكر باللسان: فهو يتناول كل قول يقرب إلى الله، من قراءة أو تسبيح.\nوأما الذكر بالجوارح: فيشمل كل فعل يتقرب به الإنسان إلى ربه، كالوضوء والصلاة وغيرها.\n٥ - أن السعي في خراب المساجد يشمل منع ذكر الله تعالى، ويشمل الخراب الحسي وذلك بهدمها.\n٦ - أن هؤلاء المتسلطين على عباد الله، بمنعهم من مساجد الله أن يذكروا اسم الله، لهم عقوبتان:\nعقوبة في الدنيا: وهي الخزي والذل.\nوعقوبة في الآخرة: وهي العذاب العظيم.","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-385>(وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥».</span> [سورة البقرة: ١١٥].\n<hr><s0>\n\n(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي هما له ملك، وما بينهما من الجهات والمخلوقات بالإيجاد والاختراع، وخصهما بالذكر والإضافة له تشريفًا، نحو: بيت الله، وناقة الله.\nقال السعدي: خصهما بالذكر، لأنهما محل الآيات العظيمة، فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكًا لها، كان مالكًا لكل الجهات.\nفي هذا الآية قال تعالى (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) وجاء في آية أخرى بلفظ التثنية كقوله تعالى (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) وجاء في آية أخرى بلفظ الجمع كقوله تعالى (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ)؟ فاختلف العلماء في الجمع بينها؟\nالقول الأول: أن المراد بالمشرق والمغرب - بلفظ الإفراد - الجهة التي تشرق منها الشمس، والجهة المقابلة التي تغيب فيها الشمس، فالمشرق هو موضع الشروق، والمغرب: هو موضع الغروب.\nوالمراد بهما - بلفظ التثنية - فهو مشرقا الصيف والشتاء ومغرباهما، وأما المراد بهما - بلفظ الجمع - فهو مشارق السنة ومغاربها، فللشمس مشرق كل يوم يختلف عن مشرقها في اليوم الآخر على مدار السنة، وكذلك مغربها وهي ثلاثمائة وستون مشرقًا،\nوكذلك المغارب بعدد أيام السنة.\nذهب إلى هذا المسلك ابن عباس وتابعه مجاهد وقتادة ورجحه الطبري والبغوي وابن القيم والسمرقندي وابن كثير والسيوطي والشنقيطي.\nالقول الثاني: أن المراد بالمشرق والمغرب - بلفظ الإفراد - اليوم الذي يستوي فيه الليل والنهار، والمراد بهما - بلفظ التثنية: أطول يوم في السنة، وأقصر يوم في السنة، وأما المراد بهما - بلفظ الجمع - مشارق السنة ومغاربها. (آيات العقيدة التي قد يوهم ظاهرها التعارض).\n(فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا) أي: تتجهوا.\n(فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أي: هنالك وجه الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-386>اختلف العلماء هل هذه الآية من آيات الصفات أم لا على قولين:</span>\nالقول الأول: ذهبت طائفة إلى أنها من آيات الصفات، وأن المراد بالآية وجه الله الذي هو صفة من صفاته سبحانه.\nوقال بذلك: ابن خزيمة، والبيهقي، وابن القيم، وعبد الرحمن السعدي، وابن عثيمين.","vol":"1","page":357},{"text":"قال ابن القيم: الصحيح في قوله تعالى (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أنه كقوله في سائر الآيات التي ذكر فيها الوجه، فإنه قد اطرد مجيئه في القرآن والسنة مضافًا إلى الرب تعالى، على طريقة واحدة، ومعنى واحد، فليس فيه معنيان مختلفان في جميع المواضع غير الموضع الذي ذكر في سورة البقرة، وهو قوله (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، وهذا لا يتعين حمله على القبلة والجهة، ولا يمتنع أن يراد به وجه الرب حقيقة، فحمله على غير القبلة كنظائره كلها أولى.\nوقال الشيخ ابن عثيمين: لكن الراجح أن المراد به الوجه الحقيقي، لأن ذلك هو الأصل، وليس هناك ما يمنعه، وقد أخبر النبي -ﷺ- أن الله تعالى قِبَلَ وجه المصلي. ولهذا نهى أن يبصق أمام وجهه؛ لأن الله قِبَل وجهه فإذا صليت في مكان لا تدري أين القبلة واجتهدت وتحريت وصليت وصارت القبلة في الواقع خلفك فالله يكون قبل وجهه حتى في هذه الحالة. وهذا معنى صحيح موافق لظاهر الآية والمعنى الأول لا يخالفه في الواقع.\nالقول الثاني: ذهبت طائفة إلى أن هذه الآية ليس من باب الصفات في شيء.\nقال ابن تيمية: ليست هذه الآية من آيات الصفات ومن عدها في الصفات فقد غلط.\n\n<span data-type='title' id=toc-387>وقد اختلف هؤلاء في معناها على أقوال:</span>\nفقيل: أن معنى (فثم وجه الله) أي: فثم قبلة الله، قالوا: والوجه يأتي في اللغة بمعنى الجهة، يقال: وِجْهَة ووجه وَجِهَة. وممن روي عنه هذا القول: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والشافعي.\nواختاره: الواحدي، والزمخشري، وابن عطية، والرازي، وابن تيمية.\nقال ابن تيمية: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أي: قبلة الله، ووجْهِة الله، هكذا قال جمهور السلف.\nوقيل: (فثم وجه الله) أي: فثم رضا الله وثوابه.\nوالراجح - والله أعلم - القول الأول.\nوقد اختلف العلماء في المعنى الذي نزلت فيه (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه) على أقوال:\nقيل: ما جاء عن ابن عباس قال (كان أول ما نسخ من القرآن: القبلة، وذلك أن رسول الله -ﷺ- لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله -ﷺ- بضعة عشر شهرًا، فكان رسول الله -ﷺ- يحب قبلة إبراهيم ﵇، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله (قد نرى تقلب وجهك في السماء …\nإلى قوله فولوا وجوهكم شطره) فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) فأنزل الله (قل لله المشرق والمغرب) وقال (فأينما تولوا فثم وجه الله) رواه ابن جرير، وهذه الرواية ثابتة عن ابن عباس، وأيضًا من قبيل الصريح في سبب النزول.","vol":"1","page":358},{"text":"قيل: نزلت فيمن صلى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة. أخرجه الترمذي\nعن عامر بن ربيعة قال (كنا مع النبي -ﷺ- في سفر فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي -ﷺ-، فنزلت: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أخرجه الترمذي وفيه ضعف.\nوقيل: نزلت في المسافر يتنفل حيثما توجهت به راحلته.\nفعن ابن عمر قال (كان رسول الله -ﷺ- يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيثما كان وجهه، قال: وفيه نزلت:\n(فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ». رواه مسلم.\nوقيل: إن الآية منسوخة بقوله: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) أي تلقاءه.\nروي عن مجاهد والضحاك: أنها محكمة المعنى: أينما كنتم من شرق وغرب فثم وجه الله الذي أمرنا باستقباله وهو الكعبة.\nوقيل: لما نزلت (ادعوني أستجب لكم) قالوا: إلى أين؟ فنزلت (فأينما تولوا فثم وجه الله) لكنه ضعيف.\n(إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ) قال ابن جرير: واسع يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير.\nوقال الخطابي: الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه.\nوقال السعدي: الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة، والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم.\nفالله ﷿ واسع العطاء، كثير الإفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وفضله، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.\nوالله واسع المغفرة.\nومن سعة مغفرته: أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه.\nقال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). وقال حملة العرش عن ربهم ﵎ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-388>والله واسع العلم:</span>\nكما قال تعالى (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-389>والله واسع الرحمة:</span>\nكما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، وقال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).\n(عَلِيمٌ) بكل شيء لا يخفى عليه شيء. [تقدمت مباحث العلم].\n\n<span data-type='title' id=toc-390>الفوائد:</span>\n١ - عموم ملك الله (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ).\n٢ - أن هذا العموم لا يأتي لأحد سوى الله، لقوله (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ).\n٣ - أن الإنسان مهما تولى واتجه إلى شيء فثم وجه الله.\n٤ - أن الإنسان إذا صلى إلى جهة مجتهدًا حيث يحل له الاجتهاد، معتقدًا أن هذه الجهة هي القبلة، فإن صلاته تصح.\n٥ - إثبات الوجه لله، وعقيدة أهل السنة: إثبات الوجه لله إثباتًا يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، وهكذا بقية الصفات كاليدين والعينين.\n٦ - إثبات سعة علم الله تعالى وإحاطته بكل شيء، وذلك أن كل الأشياء بالنسبة إليه صغيرة، قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).\n٧ - الحذر من مخالفة الله ﷿ بترك أوامره أو فعل نواهيه، لأنه عالم ﷾ بذلك، وعلمه بذلك يقتضي الحذر من مخالفته.","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-391>(وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (١١٧».</span> [البقرة: ١١٦ - ١١٧]\n<hr><s0>\n\n(وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا) هذا إخبار عن النصارى عليهم لعائن الله، وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب ممن جعل الملائكة بنات الله.\nقال الشنقيطي: هذا الولد المزعوم على زاعمه لعائن الله، قد جاء مفصلًا في آيات أخر، كقوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) وقوله (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ).\n• فادعاء لله الولد أمر خطير وكبير.\nكما قال تعالى (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا).\nوقال تعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا. وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا).\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ (قَالَ اللَّهُ كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّاي فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّاي فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا) رواه البخاري.\nوقال -ﷺ- (لا أحد أصبر على اذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويعافيهم) متفق عليه.\n(سُبْحَانَهُ) أي تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة: من أنه لما ذكر وصف الكفار له بما لا يليق به، نزه نفسه عن ذلك، معلمًا خلقه في كتابه أن ينزهوه عن كل ما لا يليق به، جاء موضحًا في آيات كثيرة:\nكقوله تعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ).\nوقوله تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ).\nوقوله تعالى (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ).","vol":"1","page":361},{"text":"وقوله تعالى (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ).\nوقوله تعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ).\nوقوله تعالى (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا).\nوقوله تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).\nوقوله تعالى (سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-392>والله منزه عن الولد لأمور متعددة:</span>\nأولًا: لأنه مالك كل شيء، والمالك لا بد أن يكون المملوك مباينًا له في كل الأحوال.\nثانيًا: أنه ليس له زوجة، والابن إنما يكون غالبًا ممن له زوجة، كما ذكر الله ذلك في سورة الأنعام (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ).\nثالثًا: أن الولد إنما يكون لمن يحتاج للبقاء، أي: بقاء النوع باستمرار النسل، والرب ﷿ ليس بحاجة إلى ذلك، لأنه الحي الذي لا يموت.\nرابعًا: أن الابن إنما يحتاج إليه والده ليساعده ويعينه على شؤونه وأموره، والله ﷾ غني، وقد أشار إلى ذلك بقوله (سبحانه هو الغني). … [قاله الشيخ ابن عثيمين].\nقال الرازي: إن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة، فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد عليه ﷾ محالًا واعلم أنه تعالى حكى في مواضع كثيرة عن هؤلاء الذين يضيفون إليه الأولاد قولهم، واحتج عليهم بهذه الحجة وهي أن كل من في السموات والأرض عبد له، وبأنه إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، وقال في مريم (ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الحق الذي فِيهِ يَمْتُرُون مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سبحانه إِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُون) وقال أيضًا في آخر هذه السورة (وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدًّا * أَن دَعَوْا للرحمن وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْدًا).\n(بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السماوات والأرض ومن فيهن، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم ورازقهم ومقدورهم ومسخرهم ومسيرهم ومصرفهم كما يشاء، والجميع عبيد له، وملك له، فكيف يكون له ولد منهم والولد إنما يكون متولدًا من شيئين متناسبين، وهو ﵎ ليس له شبيه ولا مشارك في عظمته وكبريائه، ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد.\nقال ابن عطية: وإنما خص السماوات والأرض بالذكر، لأنهما أعظم ما نرى من مخلوقاته جل وعلا.\n(كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) أي: مطيعون.\nقال مجاهد: (كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) مطيعون، قال: طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره.","vol":"1","page":362},{"text":"قال ابن كثير: وهذا القول عن مجاهد هو اختيار ابن جرير يجمع الأقوال كلها، وهو أن القنوت: هو الطاعة والاستكانة إلى الله، كما قال تعالى (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).\nفإن قيل: كيف عمَّ بهذا القول وكثير من الخلق ليس له بمطيع؟ فعنه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أن يكون ظاهرها ظاهر العموم، ومعناها معنى الخصوص، والمعنى: كل أهل الطاعة له قانتون.\nوالثاني: أن الكفار تسجد ظلالهم لله بالغدوات والعشيات، فنسب القنوت إليهم بذلك.\nوالثالث: أن كل مخلوق قانت له بأثر صنعه فيه، وجري أحكامه عليه، فذلك دليل على ذُلهِ للرب.\nوالرابع: كل له قائم يوم القيامة.\nوالخامس: مطيعون (في الأمر القدري الكوني) كن إنسانًا فكان، كن حمارًا فكان.\nوالصواب ما سبق وهو اختيار ابن جرير كما تقدم.\nوقال السعدي: القنوت نوعان: قنوت عام وهو قنوت الخلق كلهم تحت تدبير الخالق، وخاص وهو قنوت العبادة، فالنوع الأول كما في هذه الآية، والنوع الثاني، كما في قوله تعالى (وقوموا لله قانتين).\n(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي خالقها على غير مثال سابق.\nقال القرطبي: فالله ﷿ بديع السماوات والأرض أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له: مبدع.\n(وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيمِ سلطانهِ، وأنه إذا قدّر أمرًا وأراد كونه؛ فإنما يقول له كن، أي مرة واحدة، فيكون، أي فيوجد على وفق ما أراد.\nكما قال تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).\nوقال تعالى (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).\nوقال تعالى (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ).\nالمراد بقوله (قضى أمرًا) أي: إذا أحكم أمرًا وحتمه. (قاله ابن جرير).\nوالمراد بأمر الله هنا بمعنى الشأن، (فإذا قضى أمرًا) أي شيئًا مقضيًا، وليس الأمر هنا بمعنى الطلب.\nكما في قوله تعالى (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) أي: وما شأنه.","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type='title' id=toc-393>الفوائد:</span>\n١ - تنزيه الله عن الولد، وقد نزه الله نفسه عن ذلك في آيات:\nقال تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا).\nوقال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا).\nوقال تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ).\nوأخرج البخاري عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: (قال الله تعالى: كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي: فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي: فقوله لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا).\nوفي الصحيحين أن رسول الله -ﷺ- قال: (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم).\n٢ - بيان تنزيه الله ﷿ عن كل عيب ونقص.\n٣ - بيان غنى الله عن اتخاذ الولد، حيث أنه ﷾ مالك السماوات والأرض وما فيهما.\n٤ - أن جميع الخلق قانت لله، ومنهم: عزير والمسيح والملائكة، فلا يمكن أن يكون له ولد.\n٥ - أن الله لا ينبغي أن يتخذ ولدًا، لأنه خالق السماوات والأرض، فهو مستغن عن الولد.\n٦ - بيان كمال قدرة الله ﷿ في قوله (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).\n٧ - أن الأمر مهما كانت عظمته؛ فإن الله تعالى قادر عليه بكلمة واحدة، وهي (كن).\n٨ - إثبات القول لله، وأن الله يقول، وأن قوله بحروف لقوله (كن).\n٩ - القنوت له معاني كثيرة: منها: القيام والمداومة، ومنها: الصمت، ومنها: الوقوف، ومدارها على الدوام على الطاعة.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-394>(وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨».</span> [سورة البقرة: ١١٨].\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-395>(وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ) اختلف العلماء في قائل هذا:</span>\nفقيل: هم النصارى، ورجحه الطبري، لأنهم المذكورون في الآية أولًا.\nوقيل: هم اليهود، لأنهم طلبوا من موسى الآيات وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة.\nوقيل: هذا قول كفار العرب.\nويؤيد هذا القول، وأن القائلين ذلك هم مشركي العرب:\nقوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ).\nوقوله تعالى عنهم: (فلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ).\nوقوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا) إلى قوله (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا).\nوقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا).\nوقوله تعالى: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، إنما الكفر والمعاندة كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) وقال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)\nقوله تعالى (أو تأتينا آية) أي: يريدون معجزة - عنادًا وعتوًا - كسؤال رؤية الله، وكسؤالهم جعل الصفا ذهبًا، وكسؤالهم الرقي في السماء ونحو ذلك.\n(كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) المراد بهم اليهود والنصارى.\nقال ابن عاشور: وفي هذا الكلام تسلية للنبي -ﷺ- بأن ما لقيه من قومه مثل ما لاقاه الرسل قبله ولذلك أردفت هذه الآية بقوله (إنا أرسلناك بالحق).\n(تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) أي أشبهت قلوب مشركي العرب، قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَل).\nقال الرازي: (تشابهت قُلُوبُهُمْ) فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم، فكما أن قوم موسى كانوا أبدًا في التعنت واقتراح الأباطيل، كقولهم (لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد) وقولهم (اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ) وقولهم (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) وقولهم (أَرِنَا الله جَهْرَةً) فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبدًا في العناد واللجاج وطلب الباطل.","vol":"1","page":365},{"text":"(قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) أي أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة لمن أتقن وصدق واتبع الرسل وفهم ما جاءوا به عن الله ﵎.\nوأما من ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة، فأولئك قال الله عنهم (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ).\nقال الشنقيطي: هذه الآية تدل بظاهرها على أن البيان خاص بالموقنين، وقد جاءت آيات أخر تدل على أن البيان عام لجميع الناس كقوله تعالى (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) وكقوله (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) ووجه الجمع: أن البيان عام لجميع الخلق، إلا أنه لما كان الانتفاع به خاصا بالمتقين خص في هذه الآية بهم، لأن ما لا نفع فيه كالعدم، ونظيرها قوله تعالى (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) وقوله (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْر) الآية، مع أنه منذر للأسود والأحمر، وإنما خص الإنذار بمن يخشى ومن يتبع الذكر لأنه المنتفع به.\n\n<span data-type='title' id=toc-396>الفوائد:</span>\n١ - بيان عظم عناد الكفار المحادين لله ورسله.\n٢ - أن القلوب إذا تشابهت، تشابهت الأقوال والأعمال.\n٣ - الإشارة إلى أن القلوب هي الموجهة للبدن، لقوله تعالى: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ).\n٤ - تشابه أعمال الكفرة، أي مشابهة لاحقيهم لسابقيهم.\n٥ - أن الله بين وأوضح الآيات التي تدل على صدق ما جاءت به رسله.\n٦ - أن هذه الآيات البينات بنفسها لا تتبين إلا لموفق.","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-397>(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩».</span> [سورة البقرة: ١١٩].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ) المرسِل هو الله ﷿، والخطاب للرسول -ﷺ-.\n(بالْحَقِّ) يحتمل أن يكون تبيانًا للرسالة، أي أن رسالتك حق، ليس فيها شيء من الباطل.\nويحتمل أن يكون تبيانًا للمرسل به، والمعنيان صحيحان، فرسالة النبي -ﷺ- حق، وما أرسل به من العلم والإيمان والعمل الصالح حق.\nقال السعدي: ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه -ﷺ- وصحة ما جاء به فقال (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها، وهي ترجع إلى ثلاثة أمور:\nالأول: في نفس إرساله، والثاني: في سيرته وهديه ودلهِ، والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة.\n(بَشِيرًا وَنَذِيرًا) صفتان من صفات الرسول -ﷺ- أنه بشير ونذير، فهو بشير للمؤمنين، وهو نذير للكافرين، بشير للمؤمنين بالثواب العاجل والآجل، ونذير للكافرين بالعقاب العاجل والآجل.\nكما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).\nوقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).\nوقال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).\n(وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) أي: أي لا نسألك عن كفر من كفر بك، وعصيان من عصى، وتمرد من تمرد، لأنك قد بلغت، والحساب على الله.","vol":"1","page":367},{"text":"كقوله تعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ).\nوقال تعالى (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).\nوقال تعالى (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). وقال تعالى (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-398>الفوائد:</span>\n١ - إثبات رسالة النبي -ﷺ- لقوله (إنا أرسلناك).\n٢ - أن رسالة النبي -ﷺ- حق، لقوله (إنا أرسلناك بالحق).\n٣ - وجوب اتباع النبي -ﷺ- لكونه رسول الله، ولكون ما جاء به حق وضد الحق الباطل.\n٤ - أن النبي -ﷺ- ليس له حق من الربوبية والتصرف في الخلق، وإنما هو بشير ونذير.\n٥ - أن رسول الله -ﷺ- لا يسأل عن ضلال الضالين، ومن كان من أصحاب الجحيم.\n٦ - أن الإنسان إذا أدى ما عليه من إبلاغ الشرع والدعوة إليه، فإنه لا يناله من ضلال الضالين شيء، إنما يضلون على أنفسهم.","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-399>(وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠».</span> [سورة البقرة: ١٢٠]\n<hr><s0>\n\n(وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) قال ابن جرير: يعني جل ثناؤه (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدًا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق.\nقال القرطبي: والمعنى ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو آتيناهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك، وإنما يرضيهم ترك ما أنت عليه من الإسلام واتباعهم.\n• وقال ﵀: (ولن ترضى عنك اليهود) يعني إلا باليهودية، (ولا النصارى) يعني إلا بالنصرانية وهذا شيء لا يتصور إذ لا يجتمع في رجل واحد شيئان في وقت واحد وهو قوله (حتى تتبع ملتهم) يعني دينهم وطريقتهم.\nقال ابن عاشور: الكناية عن اليأس من اتباع اليهود والنصارى لشريعة الإسلام يومئذ لأنهم إذا كانوا لا يرضون إلا باتباعه ملتهم فهم لا يتبعون ملته، ولما كان اتباع النبي ملتهم مستحيلًا كان رضاهم عنه كذلك على حد (حتى يلج الجمل في سم الخياط) وقوله (لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد).\n(قُلْ) أي: قل يا محمد منكرًا عليهم:\n(إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) أي: ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي، لا ما يدعيه هؤلاء.\nقال ابن كثير: أي قل يا محمد؛ إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى، يعني هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل.\n(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) فيه تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعد ما علموا من القرآن والسنة.\nوفي هذا الخطاب وجهان:\nأحدهما: أنه للرسول -ﷺ- لتوجه الخطاب إليه.\nوالثاني: أنه للرسول -ﷺ- والمراد به أمته، كقوله تعالى (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ).\nوعلى الأول يكون فيه تأديب لأمته، إذ منزلتهم دون منزلته.\nقوله تعالى (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ) فإن الهوى رأي ناشئ عن شهوة لا عن دليل.","vol":"1","page":369},{"text":"قوله تعالى (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الفرق بين الولي والنصير: أن النصير هو من يدافع عنك ممن يعتدي عليك، فهو ينصرك، وأما الولي فهو الذي يتولاك بالعناية، وبتحصيل مطلوبك ودفع مرهوبك، هذا إذا اجتمعا، أما إذا أفرد أحدهما شمل الآخر، فإذا قيل ولي بدون نصير، فالمراد من يجلب لك الخير ويدفع عنك الشر. [قاله الشيخ ابن عثيمين]\n\n<span data-type='title' id=toc-400>الفوائد:</span>\n١ - أن اليهود والنصارى يرضون بمن يتبع ملتهم، بل يفرحون بذلك ويسرون به ويستبشرون به.\n٢ - أن الهدى لا يختص بأمة أو طائفة معينة، فليس الهدى لليهود فقط، ولا للنصارى فقط، بل الهدى هدى الله، فمن اتبع هدى الله على يد أي رسول فقد اهتدى بهدى الله.\n٣ - التحذير من اتباع اليهود والنصارى.\n٤ - قوله (ملتهم) استدل بها كثير من الفقهاء على أن الكفر ملة واحدة، وعلى هذا القول يتوارث الكفار فيما بينهم.\nاختلف العلماء في توارث الكفار بعضهم من بعض، كاليهود مع النصارى أو المجوس:\nالقول الأول: أن الكفر بجميع نحله ملة واحدة.\nوهذا قول الحنفية والشافعية ورواية في مذهب أحمد، وهو قول الجمهور.\nوعلى هذا القول يتوارث الكفار فيما بينهم دون نظر إلى اختلافهم في الديانة.\nلقوله تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).\nولقوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).\nالقول الثاني: أن الكفر ملل متعددة، لا يرث أهل كل ملة من أهل الملة الأخرى.\nوهذا القول رواية عن أحمد، وهو القول الثاني للمالكية.\nلقوله -ﷺ- (لا يتوارث أهل ملتين شتى). رواه أحمد وأبو داود\nوهذا القول هو الراجح.\n٥ - أن العقوبات إنما تقع على العبد بعد أن يأتيه العلم، وأما الجاهل فلا عقوبة عليه، وهذا الأصل يشهد له آيات كثيرة متعددة، منها:\nقوله تعالى (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا).\nوقوله تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ).\nوقوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).\nوقوله تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ).","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type='title' id=toc-401>(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١».</span> [سورة البقرة: ١٢١].\n<hr><s0>\n\n(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) اختلف العلماء في المراد بهم على قولين:\nفقيل: هم علماء اليهود والنصارى، ورجحه ابن جرير.\nوالدليل عليه أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب فلما ذم طريقتهم وحكى عنهم سوء أفعالهم، أتبع ذلك بمدح من ترك طريقتهم، بل تأمل التوراة وترك تحريفها وعرف منها صحة نبوة محمد -ﷺ-.\nقال الطبري: بل عني الله بذلك علماء بني إسرائيل الذين آمنوا بالله وصدقوا رسلَه، فأقروا بحكم التوراة، فعملوا بما أمر الله فيها من اتباع محمد -ﷺ- والإيمان به، والتصديق بما جاء به من عند الله، وهذا القول أولى بالصواب.\nوقيل: هم أصحاب رسول الله -ﷺ-، والصحيح أن الآية عامة.\n(يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ) أي: أنهم يعلمون بما فيه، فيحلُّون حلاله، ويحرّمون حرامه، فيكون من تلاه يتلوه إذا اتبعه، ومنه قوله تعالى (والقمر إِذَا تلاها) أي: اتبعها، كذا قيل، ويحتمل أن يكون من التلاوة: أي: يقرءونه حق قراءته لا يحرّفونه، ولا يبدّلونه. (فتح القدير).","vol":"1","page":371},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-402> والتلاوة يراد بها ثلاث أمور:</span>\n١ - التلاوة اللفظية، بأن يقيم الإنسان حروف الكتاب الذي أنزل.\n٢ - التلاوة المعنوية، بأن يقيم معناه، أي معنى الكتاب الذي أنزل، وذلك بأن يفسره بما أراد الله لا بهوى نفسه.\n٣ - التلاوة الحكمية العملية، بأن يؤمن بأخباره، ويقوم بأوامره، ويجتنب نواهيه.\nقوله تعالى (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ) أي التلاوة الحق.\n(أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) يعني هؤلاء هم الذي يؤمنون به حقًا، وأما من لم يتله حق تلاوته: إما باللفظ أو في المعنى أو في الحكم والعمل، فإنه لم يؤمن به، وقد نقص من إيمانه بقدر ما نقص من تلاوته.\nقال ابن كثير: وقوله (أولئك يؤمنون به) خبر عن الذين أتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته، أي من أقام كتابه من أهل الكتاب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته، آمن بما أرسلتك به يا محمد، كما قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ).\n\n<span data-type='title' id=toc-403>صور من التطبيق والعمل بالقرآن:</span>\nعن عائشة قالت (لما أنزل الله في براءتي، قال أبو بكر - وكان ينفق على مسطح بن أُثاثة لقرابته وفقره - والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال أبو بكر: بلى والله، إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا) رواه البخاري.\nوعن ابن عمر قال: حضرتني هذه الآية (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إليّ من مرجانة - جارية رومية - فقلت: هي حرة لوجه الله.\nولما نزلت هذه الآية، قال زيد بن حارثة: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إليّ من فرسي هذه، فجاء بها إلى النبي -ﷺ- فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله -ﷺ-: قد قبِله الله منك.","vol":"1","page":372},{"text":"عن أَنَس بْن مَالِك قال (كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِىٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَى وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِى إِلَىَّ بَيْرَحَى وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «بَخْ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ\nرَابِحٌ قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ». فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّه) متفق عليه.\n(وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) أي: بالكتاب المذكور وهو القرآن.\n(فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) وخسارته ولوج النار، كما قال تعالى: (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ).\nالخاسرون جمع خاسر، وأصل الخسران: هو ذهاب مال التاجر، سواء كان ربحًا أو رأس مال، وكل من خسر شيئًا من ماله فقد خسر، وخسران الناس: المراد به غبنهم حظوظهم من ربهم جل وعلا، وقد أقسم الله تعالى على أن هذا الخسران لا ينجو منه أحد إلا بتلك الصفات المقررة المعروفة في تلك السورة الكريمة وهي سورة العصر في قوله تعالى (وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).\nالفوائد:\n١ - الثناء على من آتاه الله الكتاب فتلاه حق تلاوته.\n٢ - أن من لم يقم حروف الكتاب، فإنه لم يؤمن به حق الإيمان، لأنه لم يتله حق تلاوته.\n٣ - أن التلاوة تنقسم إلى قسمين:\nتلاوة تامة: وهي حسن التلاوة.\nوتلاوة ناقصة: وهي ما دون ذلك.\n٤ - أن من لم يقم بالعمل الصالح الذي دل عليه الكتاب؛ فإنه لم يتله حق تلاوته، فيكون ناقص الإيمان.\n٥ - الثناء على التالين لكتاب الله حق تلاوته، لقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ).\n٦ - أن الكافر بالكتاب الذي أنزله الله على رسله، خاسر في الدنيا والآخرة.\n٧ - قال ابن القيم في الفوائد: إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فأجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-404>(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (١٢٣».</span> [سورة البقرة: ١٢٢، ١٢٣]\n<hr><s0>\n\nقد تقدم تفسير هذه الآية في صدر السورة آية [٤٧ - ٤٨].\nقال ابن كثير: وكررت هنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم ونعتَه واسمَه وأمره وأمته، فحذرهم من كتمام هذا.\nوقال الخازن: كررها في أول السورة وهنا للتوكيد وتذكير النعم.","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type='title' id=toc-405>(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤».</span> [سورة البقرة: ١٢٤]\n<hr><s0>\n\n(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ) أي: واذكر يا محمد حين اختبر الله عبده إبراهيم الخليل.\n(بِكَلِمَاتٍ) اختلف العلماء في المراد بالكلمات على أقوال:\nقيل: شرائع الإسلام.\nوقيل: ابتلاه الله بالمناسك.\nوقيل: ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد.\nوقيل: الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذ في الله.\nوقيل: بذبح ابنه.\nوقيل: بأداء الرسالة.\nوقال مجاهد في قوله (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) قال: ابتلي بالآيات الله بعدها (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).\n• قال ابن جرير: ما حاصله أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع، قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسلم إليه.\nثم قال ﵀: ولو قال قائل إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس، أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم، كان مذهبًا، لأن قوله (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) وقوله (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ …) وسائر الآيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم.\n• وقال ابن كثير معقبًا على قول ابن جرير: والذي قاله أولًا من الكلمات تشمل جميع ما ذكر أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله، لأن السياق يعطي غير ما قالوه، والله أعلم.","vol":"1","page":375},{"text":"• فإبراهيم أخذ ولده إلى المذبح والاستعداد التام لذبحه، طاعة لأمر الله سبحانه.\nوأسكن الزوج والولد في واد غير ذي زرع بمكة، حيث لم يسكن فيه إنسان.\nونهض بوجه عَبَدة الأصنام وتحطيم الأصنام، والوقوف ببطولة في تلك المحاكمة التاريخية، ثم إلقاؤه في وسط النيران، وثباته ورباطة جأشه في كل هذه المراحل.\nوهاجر من أرض عبدة الأصنام والابتعاد عن الوطن، والاتجاه نحو أصقاع نائية لأداء رسالته.\n(فَأَتَمَّهُنَّ) أي: قام بهن؛ أي قام بهن كلهن، وأداهن أحسن تأدية من غير تفريط ولا توان كما قال تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) أي وفَّى جميع ما شرع له، فعمل به صلوات الله عليه.\n• قوله تعالى (فَأَتَمَّهُنَّ) في هذا ثناء على إبراهيم ﵊، وقد أثنى الله عليه في آيات كثيرة:\nقال تعالى (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا).\nوقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\nوقال تعالى (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)\nوقال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ..).\nوقال تعالى (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-406> وثناء الله على شخص لفائدتين:</span>\nالأولى: لنقوم بالثناء عليه.\nوالثانية: لنقتدي به.\n(قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) الإمام القدوة، والمعنى: أي جاعلك إمامًا يقتدي بك الناس ويأتمون بك، ويقتدي بك الصالحون.\n• قال الفخر الرازي: إن الله تعالى لما وعده بأن يجعله إمامًا للناس حقق الله تعالى ذلك الوعد فيه إلى قيام الساعة، فإن أهل الأديان على شدة اختلافها ونهاية تنافيها يعظمون إبراهيم ﵊ ويتشرفون بالانتساب إليه إما في النسب وإما في الدين والشريعة حتى إن عبدة الأوثان كانوا معظمين لإبراهيم -﵇-، وقال الله تعالى في كتابه (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا).\nوقال (مِنْ يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ).\nوقال في آخر سورة الحج (مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ).\nوجميع أمة محمد -﵇- يقولون في آخر الصلاة وارحم محمدًا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.\n(قَالَ) إبراهيم -﵇-.","vol":"1","page":376},{"text":"(وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) أي: ومن أولادي أيضًا فاجعل أئمة يُقتدَى بهم.\n• قال ابن عطية: هو على جهة الدعاء والرغباء إلى الله، أي: ومن ذريتي يا رب فاجعل.\n• قال ابن عباس: سأل إبراهيم ﵇ أن يجعل من ذريته إمام، فأعلمه الله أن في ذريته من يعصي فقال (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).\n• قال السعدي: فلما اغتبط إبراهيم -﵇- بهذا المقام، وأدرك هذا، طلب ذلك لذريته لتعلو درجته، ودرجة ذريته.\n• هذا وقد جعل الله تعالى في ذرية إبراهيم النبوة والكتاب.\nقال تعالى (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ).\n• قال السعدي: فلم يأت بعده نبي إلا من ذريته، ولا نزل كتاب إلا على ذريته، حتى ختموا بابنه محمدًا -ﷺ- وعليهم أجمعين.\nوهذا من أعظم المناقب والمفاخر أن تكون مواد الهداية والرحمة، والسعادة والفلاح والفوز في ذريته، وعلى أيديهم اهتدى المهتدون، وآمن المؤمنون، وصلح الصالحون. (السعدي).\n• قوله تعالى (ومن ذريتي) يحتمل: أن يكون ذلك دعاء من إبراهيم، أي: واجعل من ذريتي أئمة، ويحتمل: أن يكون هذا من إبراهيم بقصد الاستفهام وإن لم يكن بصيغته، أي: ومن ذريتي ماذا يكون يا رب، فأخبره أن فيهم عصاة وظلمة، ويحتمل: دعاء وطلب على جهة الرغباء إلى الله تعالى، أي من ذريتي يا رب فاجعل، وهذا أصح.\n• الذرية في الأصل تطلق على الأبناء ومن جاء منهم، كهذه الآية، وكقوله تعالى (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) وكقوله تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ)، وقد تطلق على الآباء، ومنه قوله تعالى (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ).\n• قال ابن عاشور: وإنما قال إبراهيم (ومن ذريتي) ولم يقل وَذُريتي لأنه يعلَم أن حكمة الله من هذا العالم لم تجر بأن يكون جميع نسل أحد ممن يصلحون لأن يُقتدَى بهم فلم يسأل ما هو مستحيل عادة، لأن سؤال ذلك ليس من آداب الدعاء.\n(قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) أي: لا ينال هذا الفضل العظيم - وهو الإمامة في الدين - أحد من المشركين.\nقال ابن جرير: هذا خبر من الله جل ثناؤه عن أن الظالم لا يكون إمامًا يقتدي به أهل الخير.\n• ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل -﵇- أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه.","vol":"1","page":377},{"text":"• قوله تعالى (لا ينال عهدي …) واختلف في المراد بالعهد:\nفقيل: النبوة، وقيل: الإمامة في الدين، وروي عن قتادة في قوله (لا ينال عهدي الظالمين) قال: لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمن به وأكل وعاش وأبصر، قال الزجاج: وهذا قول حسن.\n\n•<span data-type='title' id=toc-407> وقال ابن الجوزي: وفي العهد هاهنا سبعة أقوال:</span>\nأحدها: أنه الإمامة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير.\nوالثاني: أنه الطاعة، رواه الضحاك عن ابن عباس.\nوالثالث: الرحمة، قاله عطاء وعكرمة.\nوالرابع: الدين، قاله أبو العالية.\nوالخامس: النبوة، قاله السدي عن أشياخه.\nوالسادس: الأمان، قاله أبو عبيدة. والسابع: الميثاق، قاله ابن قتيبة. والأول أصح.\n• فإن قيل: أفما كان إبراهيم ﵊ عالمًا بأن النبوة لا تليق بالظَّالمين؟\nفالجواب: بلى، ولكن لم يعلم حال ذرّيته، فبيّن الله تعالى أن فيهم من هذا حاله، وأن النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-408> صفات إبراهيم ﵇:</span>\n<span data-type='title' id=toc-409>الصفة الأولى: أمة.</span>\nقال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ..).\nقيل معناها هنا: الرجل الجامع لخصال الخير حتى يقوم مقام أمة من الناس، وهذا هو المقصود في حق إبراهيم، وهذه تدلنا على عظيم ما كان يتصف به إبراهيم من عبادة ودعوة وخلق.\nوقيل أن المقصود بالأمة هنا: أي الإمام، أي قدوة يقتدى به في الخير، وممن قال به ابن جرير الطبري وابن كثير.\n\n<span data-type='title' id=toc-410>الصفة الثانية: قانت.</span>\nقال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا).\nوالقنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-411>الصفة الثالثة: حنيفًا.</span>\nوالحَنَف: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، والحنيفُ: المائل والجنف: ضده.\nوالأحنف: مَنْ في رجله ميل سمي بذلك تفاؤلًا، وقيل لمجرد الميل.\nقال ابن كثير: الحنيف: المنحرف قصدًا عن الشرك إلى التوحيد.\nوقد كان ذلك من إبراهيم حتى عُدَّ إمام الحنفاء الموحدين، قال تعالى: [ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ]، وقال: [ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ]، وهكذا فليكن أولياء الله.","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type='title' id=toc-412>الصفة الرابعة: شاكر.</span>\nقال تعالى (شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ) أي قائمًا بشكر نعم الله عليه.\nنعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافًا، وعلى قلبه: شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه: انقيادًا وطاعة.\nبالقلب، قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ).\nوباللسان، قال تعالى (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ).\nوبالجوارح، قال تعالى (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-413>الصفة الخامسة: الحلم.</span>\nقال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).\nوالحلم: ضبط النفس والطبع عن الهيجان عند الاستثارة.\nوالحليم: الكثير الحلم وموقف إبراهيم من مقالة أبيه (لأَرْجُمَنَّكَ).\nومن العتاة قوم لوط حينما مرت به الملائكة وأخبرته بما أمرت بها قال (فلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وجَاءَتْهُ البُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).\nولم يكن حلم إبراهيم ذريعة يتذرع للسكوت عن المنكر بل كان يعلن الحق وينكر الباطل (وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-414>الصفة السادسة: أوّاه.</span>\nقال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).\nوالذي يتحقق من معنى الأوّاه أنه الخاشع الدعّاء المتضرع، وكثرة تأوّه إبراهيم وتضرعه بين يدي ربه قد ذكرت في آيات كثيرة تدل على تحقيق إبراهيم (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وإلَيْكَ أَنَبْنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ) وجدير بمن سلك طريق الدعوة أن يجعل تعجيل الإنابة من أبرز سماته ليكسب عون ربه وتسديده ومحبته.","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type='title' id=toc-415>الصفة السابعة: السخاء.</span>\nقال تعالى (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ * إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ).\nفذكر أن الضيف مكرمون لإكرام إبراهيم لهم، ولم يذكر استئذانهم ليدل على أنه قد عرف بإكرام الضيفان، مع أنهم قوم منكرون لا يعرفهم فقد ذبح لهم عجلًا واستسمنه، ولم يعلمهم بذلك بل راح: أي ذهب خفية حتى لا يُشعر به، تجاوبًا لضيافة، فدل على أن ذلك كان معدًا عندهم مهيئًا للضيفان، وخدمهم بنفسه، فجاء به ومرّ به إليهم ولم يقربهم إليه، وتلطف مبالغة في الإكرام فقال (أَلا تَأْكُلُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-416>الصفة الثامنة: الصبر.</span>\nكان إبراهيم مثلًا يحتذى في الصبر حتى استحق أن يكون من أولي العزم الذين أمر رسولنا -ﷺ- أن يصبر كصبرهم (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).\nوكان صبر إبراهيم شاملًا لابتلاءات كثيرة، سيأتي بيان جملة منها بإذن الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-417>الصفة التاسعة: شجاعته.</span>\nواجه إبراهيم قومه ولم يخش كيدهم وقال مقسمًا (وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) وقوله لهم (أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ..).\n\n<span data-type='title' id=toc-418>الصفة العاشرة: تحقيقه الكامل لعقيدة الولاء والبراء.</span>\nقال تعالى (وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إلاَّ الَذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ).\nفكل عدو لله وإن قربه النسب تجب البراءة منه، وكل ولي لله وإن باعدت به الأوطان والأزمان تجب موالاته ومحبته وقد أمرنا أن\nنتأسى بإبراهيم في ذلك (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ ..).","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type='title' id=toc-419>الصفة الحادية عشرة: سلامة القلب.</span>\nقال تعالى (وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ * إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).\nوسلامة القلب نوعان: كلاهما داخل في مضمون الآية، أحدهما: في حق الله وهو سلامة قلبه من الشرك، وإخلاصه العبودية لله، وصدق التوكل عليه.\nوالثاني: في حق المخلوقين بالنصح لهم وإيصال الخير إليهم، وسلامة القلب من الحقد والحسد وسوء الظن والكبر وغير ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-420>الفوائد:</span>\n١ - فضيلة إبراهيم وأنه إمام يقتدى به.\n٢ - شفقة إبراهيم على أمته حيث قال: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي).\n٣ - أن الله أعطى إبراهيم ما سأل بأن يجعل من أمته أئمة، لكنه استثنى من ذلك الظالم فإنه لا يكون إمامًا.\n٤ - كراهية الله تعالى للظلم، ولذلك لا يكون للظالم إمامة.","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-421>(إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥».</span> [سورة البقرة: ١٢٥]\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ) (جَعَلْنَا) بمعنى صيرنا (الْبَيْتَ) يعني الكعبة.\n(مَثَابَةً لِلنَّاسِ) أي مرجعًا، أي: يرجع الحجاج إليه بعد تفرقهم عنه، وقيل: المثابة من الثواب، أي: يثابون هنالك.\n• قال في التسهيل: لأنّ الناس يرجعون إليه عامًا بعد عام.\n• وقال الشيخ ابن عثيمين: أي يرجعون إليه من كل أقطار الدنيا سواء ثابوا إليه بأبدانهم أو بقلوبهم، فالذين يأتون إليه حجاجًا أو معتمرين يثوبون إليه بأبدانهم، والذين يتجهون إليه كل يوم بصلواتهم يثوبون إليه بقلوبهم.\n(وَأَمْنًا) أي: موضع أمن، فمن دخله كان آمنًا، فيأمن الناس فيه على دمائهم وأموالهم حتى أشجار الحرم وحشيشه آمن من القطع.\n• قال ابن كثير: في هذه الآية يذكر الله تعالى شرف البيت وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا من كونه مثابة للناس، أي جعله محلًا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا ولو ترددت إليه كل عام استجابة من الله تعالى، لدعاء خليله إبراهيم -﵇- في قوله (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) إلى أن قال (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)، ويصفه تعالى أنه آمنًا من دخله أمن.\n\n•<span data-type='title' id=toc-422> خصائص حرم مكة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-423>أولًا: يجب السفر إليها (شد الرحال إليه فرض).</span>\nكما قال تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-424>ثانيًا: قصْدُه مكفرًا للذنوب.</span>\nقال -ﷺ- (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (نابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) متفق عليه.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type='title' id=toc-425>ثالثًا: أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة.</span>\nكما قال -ﷺ- (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-426>رابعًا: أن مكة أفضل البلاد.</span>\nكما روى الترمذي عن عبد الله بن عدي. أنه سمع رسول الله -ﷺ- وهو واقف على راحلته بالحَزْوَرَة من مكة يقول (والله إنكِ لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجتُ منك ما خرجت).\n\n<span data-type='title' id=toc-427>خامسًا: أنها قبلة أهل الأرض كلهم.</span>\nقال تعالى (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ).\n\n<span data-type='title' id=toc-428>سادسًا: أن المسجد الحرام أول مسجد وضع في الأرض.</span>\nكما في الصحيحين عن أبي ذر قال (سألت رسول الله -ﷺ- عن أول مسجد وضع في الأرض؟ فقال: المسجد الحرام …) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-429>سابعًا: أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة.</span>\nكما قال -ﷺ- (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) متفق عليه.\n(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) نبه الله ﷾ في هذه الآية على مقام إبراهيم وأمر بالصلاة عنده، قال قتادة: أمروا أن يصلوا عنده.\nوالمقام في اللغة موضع القدمين، وقد اختلف في المراد بالمقام ما هو؟\nفقيل: مقام إبراهيم الحج كله، روي هذا عن مجاهد وعكرمة وعطاء.\nوقيل: الحرم كله مقام إبراهيم، روي هذا عن النخعي.\nقال القرطبي: أصحها: أنه الحجر الذي تعرفه الناس اليوم الذي يصلون عنده ركعتي طواف القدوم، وهذا قول جابر بن عبد الله وابن عباس وقتادة وغيرهم، وفي حديث مسلم من حديث جابر الطويل (أن النبي -ﷺ- لما رأى البيت استلم الركن فرمل ثلاثًا، ومشى ثلاثًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فصلى ركعتين قرأ بهما بـ (قل هو الله أحد) و(قل يا أيها الكافرون).\nورجح هذا القول ابن كثير في تفسيره حيث قال بعد أن ذكر حديث جابر السابق: فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم -﵇- يقوم عليه لبناء الكعبة.","vol":"1","page":383},{"text":"ورجحه أيضًا ابن الجوزي في زاد المسير فقال: والقول الثالث: الحجر، قاله سعيد بن جبير، وهو الأصح.\nقال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت.\nورجحه أيضًا الشوكاني وقال: والأحاديث الصحيحة تدل على أن مقام إبراهيم هو: الحجر الذي كان إبراهيم يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار، أتاه إسماعيل به ليقوم فوقه، كما في البخاري من حديث ابن عباس، وهو: الذي كان ملصقًا بجدار الكعبة، وأوّل من نقله عمر بن الخطاب كما أخرجه عبد الرزاق، والبيهقي، بإسناد صحيح.\nورجح هذا القول أيضًا الرازي واحتج له بوجوه:\nالأول: ما روى جابر أنه -﵇- لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا قوله تعالى (واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى) فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر.\nوثانيها: أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع، والدليل عليه أن سائلًا لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع. ثم ذكر بقية الأوجه.\n(وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم) قيل معناه: أمرنا، وقيل: أوحينا إلى إبراهيم.\n(وَإِسْمَاعِيلَ) أي: وولده إسماعيل.\nإسماعيل هو أكبر أولاد إبراهيم، وهو من سريته هاجر، وقد أبقاهما -﵇- في هذا المكان (مكة) أي أبقى إسماعيل وأمه في هذا المكان حتى شب وكبر وأتاه الأولاد الذين هم العرب المستعربة، فكان إسماعيل مع أبيه في هذا المكان، فأمر الله ﷿ أن يطهر بيته للطائفين والعاكفين والركع السجود.\n• إسماعيل هو الذبيح، وقد ادعت اليهود أن الذبيح هو إسحاق، وقالوا: إنه مكتوب في التوراة أن الله قال لإبراهيم: اذبح ولدك وبكرك ووحيدك إسحاق، وقد رد ابن القيم هذه اللفظة (إسحاق) وبأنها من زيادة اليهود، وبين بطلانها من عشرة أوجه.\n(أنْ طَهِّرَا بيتي) وتطهير البيت ينقسم إلى قسمين: تطهير معنوي، وتطهير حسي.","vol":"1","page":384},{"text":"أما التطهير المعنوي: بأن يطهر من الشرك والمعاصي، وذلك لأن الشرك نجاسة.\nوالطهارة الحسية: أن يطهر من الأقذار، من البول والغائط والدم وما أشبه ذلك من الأشياء النجسة، فالواجب أن يطهر منها، فهذا الحكم - أعني التطهير من النجاسة - ثابت للمسجد الحرام ولغيره من المساجد، ولهذا لما بال الأعرابي في مسجد النبي -ﷺ- أمر النبي -ﷺ- بذنوب من ماء فأهريق عليه.\nفان قيل: لم يكن هناك بيت؛ فما معنى أمرهما بتطهيره؟ فعنه جوابان:\nأحدهما: أنه كانت هناك أصنام، فأمرا بإخراجها، قاله عكرمة.\nوالثاني: أن معناه: ابنياه مطهرًا. (زاد المسير).\nقال السعدي: وأضاف الباري البيتَ إليه لفوائد:\nمنها: أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره، لكونه بيت الله، فيبذلان جهدهما، ويستفرغان وسعهما في ذلك.\nومنها: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام، ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه.\nومنها: أن هذه الإضافة هي السبب الجاذب للقلوب إليه. [تفسير السعدي: ٦٦].\nفإن قيل: لم يكن هناك بيت؛ فما معنى أمرهما بتطهيره؟\nفعنه جوابان:\nأحدهما: أنه كانت هناك أصنام، فأمرا بإخراجها، قاله عكرمة.\nوالثاني: أن معناه: ابنياه مطهرًا. [زاد المسير: ١/ ٤٢١].\nوقال الرازي: إن المفسرين ذكروا وجوهًا:\nأحدها: أن معنى (طَهّرَا بَيْتِيَ) ابنياه وطهراه من الشرك وأسساه على التقوى، كقوله تعالى (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ).\nوثانيها: عرفا الناس أن بيتي طهرة لهم متى حجوه وزاروه وأقاموا به، ومجازه: اجعلاه طاهرًا عندهم، كما يقال: الشافعي -﵁- يطهر هذا، وأبو حنيفة ينجسه.","vol":"1","page":385},{"text":"وثالثها: ابنياه ولا تدعا أحدًا من أهل الريب والشرك يزاحم الطائفين فيه، بل أقراه على طهارته من أهل الكفر والريب، كما يقال: طهر الله الأرض من فلان، وهذه التأويلات مبنية على أنه لم يكن هناك ما يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان والشرك، وهو كقوله تعالى (وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ) فمعلوم أنهن لم يطهرن من نجس بل خلقن طاهرات، وكذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهرًا.\nورابعها: معناه نظفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي، ليقتدي الناس بكما في ذلك.\nوخامسها: قال بعضهم: إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف والأقذار فأمر الله تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك، وهذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجودًا فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيرًا للبيت، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتًا لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتًا ولكنه مجاز.\n(للطَّائِفِينَ) الذين يطوفون بالكعبة.\nقال في التسهيل: (لِلطَّائِفِينَ) هم الذين يطوفون بالكعبة، وقيل: الغرباء القادمون على مكة، والأول أظهر.\nقال القرطبي عن القول الثاني: فيه بُعد.\nلأن الأصل حمل الألفاظ الواردة في القرآن على المتبادر المشهور دون المعنى البعيد.\n(وَالْعَاكِفِينَ) أي: للمعتكفين، وهذا اختيار ابن جرير ﵀.\nوالاعتكاف: لزوم مسجد لطاعة الله بنية.\nوقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالعاكفين المقيمين فيه.\n(وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) أي المصلون عند الكعبة.\nقال القرطبي: وخص الركوع والسجود بالذكر؛ لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى.\nوقال الشوكاني: وخص هذين الركنين بالذكر؛ لأنهما أشرف أركان الصلاة.\n• قال ابن جرير: فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين، والتطهير الذي أمرهما به في البيت؛ هو تطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه، ومن الشرك، ثم أورد سؤالًا، فقال: فإن قيل: فهل قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟\nوأجاب بوجهين:\nأحدهما: أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عند زمان قوم نوح من الأصنام والأوثان، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما، قلت: وهذا الجواب مفرغ على أنه كان يعبد عنده أوثان قبل إبراهيم -﵇-، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم -ﷺ-.\nالثاني: أنه أمرهما أن يخلصا في بنائه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهرًا من الشرك والريب.\nوملخص هذا الجواب: أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل - ﵉ - أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به والعاكفين عنده، المصلين إليه من الركع السجود.","vol":"1","page":386},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-430> وقد وردت نصوص كثيرة تدل على فضل تطهير المساجد:</span>\nقال تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).\nوقال -ﷺ- للأعرابي الذي بال في المسجد (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) رواه مسلم.\nوكانت امرأة سوداء تقم المسجد وتنظفه في عهد النبي -ﷺ-، فلما ماتت، فقدها النبي -ﷺ-، فسأل عنها فقالوا: ماتت، فقال\n(دلوني على قبرها، فصلى عليها) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-431>الفوائد:</span>\n١ - فيه استحباب الصلاة خلف المقام، وفيه مباحث:\no  يستحب إذا انتهى من الشوط السابع من الطواف؛ أن ينطلق إلى مقام إبراهيم ويقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً).\no  أن يجعل المقام بينه وبين الكعبة ويصلي ركعتين، قال جابر: (ثم أتى مقام إبراهيم فصلى). رواه مسلم\nواتفق العلماء على مشروعيتها.\no  أنه لا يشترط الدنو من المقام، وأن السنة تحصل بهما وإن كان مكانهما بعيدًا من المقام.\no  يقرأ في هاتين الركعتين (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).\no  حكمها سنة مؤكدة.\n٢ - قوله (وأمنًا) استدل به من قال بتحريم إقامة الحدود في الحرم، وهو قول جمهور التابعين والإمام أبو حنيفة وأصحابه من الفقهاء والإمام أحمد، وبعض المحدثين، واستدلوا به بقوله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا).\nوذهب مالك والشافعي ومن تبعهم: إلى أنه يستوفى الحد في الحرم، واستدلوا بعمومات الأدلة الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان، وأن رسول الله -ﷺ- أمر بقتل ابن خطل حينما قال رجل للرسول: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: (اقتلوه).\n٣ - أن الله جعل البيت مثابة للناس وأمنًا، أي مرجعًا لهم وأمنًا، ومن ذلك أنهم يترددون إليه في كل موسم حج، وفي غير موسم حج.\n٤ - أن مكة بلد آمن، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله -ﷺ- قال: (إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة). متفق عليه\nفلا يحل القتال في مكة لأحد إلا الرسول -ﷺ- حين الفتح فقط، فهي لم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده، ولهذا يحرم القتال في مكة المكرمة إلا على سبيل الدفاع عن النفس، فإن الله تعالى يقول: (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ).","vol":"1","page":387},{"text":"٥ - الأمر باتخاذ مصلى من مقام إبراهيم،\n٦ - تعلية شأن إبراهيم، حيث أمرنا الله أن نتخذ من مقامه مصلى، وهذا من جملة ما يترتب على الإمامة التي قال الله تعالى فيها: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا).\n٧ - وجوب تطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود.\n٨ - فضيلة الطواف، لقوله (طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) ولا شك أن الطواف من الأعمال الجليلة الفاضلة، ولهذا كان ركنًا من أركان الحج والعمرة.\nالإشارة إلى أن المشروع للطائف أن يكون متطهرًا، لأنه إذا أمر بتطهير البيت من أجله فتطهيره بنفسه وتطهير ملابسه من الثياب من باب أولى.\n٩ - قوله (أن طهرا) قال القرطبي: دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى، فيكون حكمها حكمه بالتطهير والنظافة، وإنما خص الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها، أو لكونها أعظم حرمة، والأول أظهر.\nوفي التنزيل (في بيوت أذن الله أن ترفع).\n١٠ - واختلف الفقهاء أيهما أفضل: الصلاة عند البيت أو الطواف فيه؟\nفقال مالك: الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل.\nوذُكِر عن ابن عباس ومجاهد وعطاء والجمهور: أن الصلاة أفضل، وفي الخبر: لولا رجال خشع، وشيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لصببنا عليكم العذاب صبًا.\nوفي حديث أبي ذكر: (الصلاة خير موضوع فاستكثر أو استقل).\nقال القرطبي: والأخبار في فضل الصلاة والسجود كثيرة تشهد لقول الجمهور.\n١١ - فضيلة الاعتكاف، وهو كذلك، فهو سنة مؤكدة بالاتفاق، وهذه الآية تدل على أن الاعتكاف حتى في الأمم السابقة.\n١٢ - فضيلة الركوع والسجود حيث عبر بهما عن الصلاة الكاملة.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-432>(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦».</span> [البقرة: ١٢٦].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا) يعني مكة.\n(آمِنًا) أي اجعل هذا المكان - والمراد مكة المكرمة - بلدًا ذا أمن يكون أهله في أمنٍ واستقرار.\n• قال ابن كثير: أي: من الخوف، أي: لا يرعب أهله، واجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا.\nوقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا:\nفقال تعالى (ومَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا).\nوقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ).\nوقال تعالى (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا).\nإلى غير ذلك من الآيات، وفي صحيح مسلم عن جابر. قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول (لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح).\n• قال الخازن: فإن قيل: لم دعا إبراهيم ﵇ للبلد بالأمن؟\nإنما دعا إبراهيم له بالأمن لأنه بلد ليس فيه زرع ولا ثمر فإذا لم يكن آمنًا، لم يجلب إليه شيء من النواحي فيتعذر المقام به، فأجاب الله تعالى دعاء إبراهيم وجعله بلدًا آمنًا، فما قصده جبار إلا قصمه الله تعالى كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم من الجبابرة.\n• قال ابن عاشور: ولقد كانت دعوة إبراهيم هذه من جوامع كلم النبوة، فإن أمن البلاد والسبُل يستتبع جميع خصال سعادة الحياة ويقتضي العدل والعزة والرخاء إذ لا أمن بدونها، وهو يستتبع التعمير والإقبالَ على ما ينفع والثروةَ فلا يختل الأمن إلا إذا اختلت الثلاثة الأول وإذا اختل اختلت الثلاثة الأخيرة، وإنما أراد بذلك تيسير الإقامة فيه على سكانه لتوطيد وسائل ما أراده لذلك البلد من كونه منبع الإسلام.\n• سؤال: فإن قلت: قد غزا مكة الحجاج وخرب الكعبة؟\nقلت لم يكن قصده بذلك مكة ولا أهلها ولا إخراب الكعبة، وإنما كان قصده خلع ابن الزبير من الخلافة ولم يتمكن من ذلك إلا بذلك فلما حصل قصده أعاد بناء الكعبة فبناها وشيدها وعظم حرمتها وأحسن إلى أهلها. (تفسير الخازن).\n(وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) أي: وارزق يا رب المؤمنين من أهله وسكانه من أنواع الثمرات، ليقبلوا على طاعتك ويتفرغوا لعبادتك وخصَّ بدعوته المؤمنين فقط.","vol":"1","page":389},{"text":"• قال ابن عاشور: والتعريف في الثمرات تعريف الاستغراق وهو استغراق عُرفي أي من جميع الثمرات المعروفة للناس ودليل كونه تعريف الاستغراق مجيء (مِن) التي للتبعيض، وفي هذا دعاء لهم بالرفاهية حتى لا تطمح نفوسهم للارتحال عنه.\n• دعاء إبراهيم لهم بالثمرات ليقوموا بعبادة الله، كما قال تعالى عن إبراهيم (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).\nفلم يكن طلب الرزق مقصودًا لذاته بل صرح في دعائه أن يكون الرزق عونًا لهم على أداء العبادات والطاعات.\n• قال الرازي: وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات، وإقامة الطاعات.\n• وقال الخازن: وفيه دليل على أن تحصيل منافع الدنيا إنما ليُستعان بها على أداء العبادات وإقامة الطاعات.\n• وقال ابن عاشور: والمقصود توفر أسباب الانقطاع إلى العبادة، وانتفاء ما يحول بينهم وبينها من فتنة الكدح للاكتساب.\nوقد قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ).\n• فإن قيل: المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمنًا كثير الخصب، وهذا مما يتعلق بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها؟!\nوالجواب عنه من وجوه:\nأحدها: أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين، كان ذلك من أعظم أركان الدين، فإذا كان البلد آمنًا وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك.\nوثانيها: أنه تعالى جعله مثابة للناس، والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة.\nوثالثها: لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة.\n(مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ) الإيمان بالله يتضمن: الإيمان بوجوده وبربوبيته وبألوهيته وبأسمائه وصفاته.\n(وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) هو يوم القيامة، وسمي آخرًا، لأنه لا يوم بعده.","vol":"1","page":390},{"text":"• خص بدعوته المؤمنين فقط.\nقال الرازي عن هذا التخصيص (من آمن بالله واليوم الآخر) بقوله: وسبب هذا التخصيص النص والقياس، أما النص فقوله تعالى (فَلَا تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين) وأما القياس فمن وجهين:\nالوجه الأول: أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته، قال الله تعالى (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظالمين) فصار ذلك تأديبًا في المسألة، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه بقوله (فَأُمَتّعُهُ قَلِيلًا) الفرق بين النبوة ورزق الدنيا، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين، لأنه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر والصادق والمنافق، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه، ومن كفر فالنار مستقره ومأواه.\nالوجه الثاني: يحتمل أن إبراهيم ﵇ قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب.\n• كثيرًا ما يقرن الله بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم الحوافز التي تدفع الإنسان للعمل الصالح، حيث الجزاء على الأعمال في ذلك اليوم، فهو أعظم دافع إلى العمل الصالح، وهو أعظم رادع على التمادي في الباطل لمن وفقه الله تعالى.\n(قَالَ) الله جوابًا له.\n(وَمَنْ كَفَرَ) أي: قال الله: وأرزق من كفر؛ لأن الله يرزق في الدنيا المؤمن والكافر.\n• قال الشوكاني: وقوله (وَمَن كَفَرَ) الظاهر أن هذا من كلام الله سبحانه ردًّا على إبراهيم حيث طلب الرزق للمؤمنين دون غيرهم، أي: وارزق من كفر، فأمتعه بالرزق قليلًا، ثم أضطره إلى عذاب النار.\n(فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا): والمتاع: ما يتمتع به ثم يزول، وذلك بموت الإنسان.\n• والقلة هنا: تتناول الزمان، وتتناول عين الممتّع، فالزمن قصير، فمهما طال بالإنسان العمر فهو قليل (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا)، وكذلك عين الممتع به قليل، فكل ما يحصل للإنسان من هذه الدنيا من اللذة والمتاع قليل بالنسبة للآخرة كما في الحديث (لموضع سوطٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها).\n(ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ) أي: ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار.\n(وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي: وبئس النار المآل والمرجع للكافر.","vol":"1","page":391},{"text":"• قال ابن كثير: ومعناه: أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.\nكقوله تعالى (وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ).\nوفي الصحيحين قال -ﷺ- (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم).\nوقال -ﷺ- (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ).\n• وقد أخبر تعالى أنه يمهل الكافرين ويمتعهم ثم يأخذهم.\nقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).\nوقال تعالى (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ).\nوقال تعالى (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ).\n• فقوله تعالى (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ …) هذا من قول الله تعالى، ورجحه ابن جرير، وقيل: هو من تمام دعاء إبراهيم -﵇-، والأول أصح، فإن إبراهيم أراد أن يحجر الدعوة بالرزق للمؤمنين دون الكافرين، فأجابه الله ﷿ بقوله (.. ومن كفر فأمتعه ..) والمعنى: ومن كفر فإني أرزقه أيضًا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير، وهي كقوله (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)، قال ابن جرير: فتأويل الآية على ذلك: قال الله: يا إبراهيم قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم متاعًا لهم إلى بلوغ آجالهم، ثم أضطر كفارهم بعد ذلك إلى النار.\n\n<span data-type='title' id=toc-433>الفوائد:</span>\n١ - فضل الدعاء، وأنه سبب لحصول المقصود.\n٢ - رأفة إبراهيم بمن يؤم هذا البيت.\n٣ - أن رزق الله شامل للكافر والمؤمن (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا).\n٤ - أن متاع الدنيا قليل.\n٥ - التزهيد في الدنيا.\n٦ - الترغيب بالباقي وهو الآخرة.\n٧ - الحذر من أن تكون نعم الله على العبد استدراجًا.\n٨ - إثبات عذاب النار.","vol":"1","page":392},{"text":"<span data-type='title' id=toc-434>(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨».</span> [البقرة: ١٢٧ - ١٢٨].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) أي: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل البيت ورفعهِما القواعد منه.\n• القواعد: جمع قاعدة وهي السارية والأساس، والمراد بالبيت هنا الكعبة، وقد نقل ابن عطية الإجماع على هذا.\n• وكانا يقولان:\n(رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) أي: اقبل منا عملنا هذا واجعله خالصًا لوجهك الكريم.\n• قال ابن كثير: فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما جاء عن وهيب بن الورْد أنه قرأ (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يُتقبل منك، وهذا كما حكى الله عن حال المؤمنين الخلّص في قوله (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا) أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أي: خائفة أن لا يتقبل منهم.\nوهكذا أهل الصلاح يعملون أعمالًا صالحة ويخافون.\nكما قال تعالى عن عباد الرحمن يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا ويقولون (ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرامًا).\nوقال تعالى (إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).\nوهذا الصديق أبو بكر يصدّق برسول الله -ﷺ- ويجاهد معه وصحبه في هجرته ويتصدق بكل ماله في سبيل الله ويعلمه النبي -ﷺ- أن يقول في صلاته (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).\nوهذا عمر بن الخطاب يجاهد مع رسول الله -ﷺ- وينفق نصف ماله في سبيل الله ويقول عند موته: وددت أن ذلك كفاف لا عليّ ولا لي.\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) قالت عائشة: يا رسول الله! أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات) رواه الترمذي.\n• قال ابن القيم: والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن.\nقال تعالى (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ).\nثم قال: ومن تأمل أحوال الصحابة وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير - بل التفريط - والأمن، فهذا الصديق يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن.\nوذكر عنه أنه كان يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.\nوكان يبكي كثيرًا ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا.\nوكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله ﷿.","vol":"1","page":393},{"text":"وهذا عمر قرأ سورة الطور حتى بلغ (إن عذاب ربك لواقع) بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه.\nوكان في وجهه خطان أسودان من البكاء.\nوهذا عثمان كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبتل لحيته.\nوهذا علي اشتد بكاؤه وخوفه من اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى.\nوكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشّراك البالي من الدموع.\nوكان أبو ذر يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد وددت أني لم أخلق.\nوقال ابن أبي مليْكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -ﷺ- كلهم خاف على نفسه النفاق ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.\nوقال الحسن: ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق.\nوقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا.\nوأما أهل الفساد والريب فكما قال الله (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا).\n• من أسباب قبول العمل:\nمنها: الرجاء وكثرة والدعاء.\nكما هنا (ربنا تقبل منا).\nومنها: الخوف من عدم قبول العمل.\nكما قال تعالى في وصف الأبرار أنهم يعملون ويخافون (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ).\nعن علي أنه قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منكم بالعمل. ألم تسمعوا الله ﷿ يقول: (إنما يتقبل الله من المتقين).\n(إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) هذه الجملة تعليل لطلب القبول، يعني نسألك أن تقبل، لأنك أنت السميع لأقوالنا، العليم بأحوالنا ونياتنا لا تخفى عليك خافية.\n• والسميع: اسم من أسماء الله تعالى، متضمن لصفة السمع لله تعالى، فهو سبحانه يسمع جميع الأقوال والأصوات، السر والجهر عنده سواء.\nكما قال تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).\nوقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).\nوقال تعالى (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).\nوقال تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ).","vol":"1","page":394},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-435> وسمع الله ينقسم إلى قسمين:</span>\nأولًا: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظاهر.\nقال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي …).\nهذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.\nوقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).\nوقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.\nثانيًا: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.\nومنه قول إبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.\nومنه قول المصلي (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.\nومنه كقوله -ﷺ- (اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع) أي: من دعاء لا يستجاب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-436> آثار الإيمان بهذا الاسم:</span>\nأولًا: مراقبة الله تعالى فيما يقوله اللسان، سواء أسر أو جهر به، وسواء كان ذلك في جماعة أو في خلوة.\nثانيًا: اللجوء إلى الله وسؤاله سبحانه من حاجات الدنيا والآخرة، فهو السميع لدعاء عباده سرهم ونجواهم، وهذا المعنى من معاني السميع (المجيب) يسكب في القلب الطمأنينة والأنس بالله وحسن الظن به سبحانه، والرجاء فيما عنده، وعدم الملل من دعائه.\nوقد دعا الأنبياء والصالحون ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم:\nفإبراهيم وإسماعيل قالا (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nوامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصًا لله لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nودعا زكريا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).\nودعا يوسف -﵇- ربه أن يصرف عنه كيد النسوة (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nوأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن، قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).\n(العليم) اسم من أسماء الله، وقد تقدم مباحثه.","vol":"1","page":395},{"text":"• قال السعدي: هو الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والإسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات، والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء.\nومن علم الله أنه يعلم الأمور التي لن تكون كيف تكون لو كانت.\nكما قال تعالى عن الكفار حين يكونون في النار (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)، وقال تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا).\nوالمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أبدًا، لأن الله هو الذي ثبطهم عنها بحكمته بقوله (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) وهذا الخروج الذي لا يكون قد علم جل وعلا أن لو كان كيف يكون، كما صرح به في قوله (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ).\n(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) قال ابن جرير: يعنيان بذلك واجعلنا مستسلميْن لأمرك، خاضعيْن لطاعتك، ولا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك.\n(وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) أي: واجعل من ذريتنا من يسلم وجهه لك، ويخضع لعظمتك.\n• وفي هذا أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته بالدعاء، لأن الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالحة، كما قال إبراهيم في آية أخرى (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ). (ابن عثيمين).\n• فائدة تكرير النداء بقوله (ربنا) إظهار الضراعة إلى الله تعالى وإظهار أن كل دعوى من هذه الدعوات مقصودة بالذات، ولذلك لم يكرر النداء إلا عند الانتقال من دعوة إلى أخرى فإن الدعوة الأولى لطلب تقبل العمل والثانية لطلب الاهتداء فجملة النداء معترضة بين المعطوف هنا والمعطوف عليه في قوله الآتي (ربنا وابعث فيهم رسولًا).\n• فإن قلت: لم خص ذريتهما بالدعاء، قلت: لأنهم أحق بالشفقة والنصيحة، قال الله تعالى (قوا أنفسكم وأهليكم نارًا) ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء: إذا كانوا على السداد كيف يتسببون لسداد من وراءهم. (تفسير الخازن).\n• وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل ﵉ كما أخبرنا الله تعالى عن عباده المتقين المؤمنين في قوله (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا) وهذا القدر مرغوب فيه شرعًا، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا شريك له.","vol":"1","page":396},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-437> سؤال: لم خصا بعض الذرية بالدعاء؟</span>\nالجواب: وخصا البعض لما علما من قوله سبحانه (وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وظالم لّنَفْسِهِ) أو من قوله عز شأنه (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظالمين) باعتبار السياق أن في ذريتهما ظلمة وأن الحكمة الإلهية تستدعي الانقسام إذ لولاه ما دارت أفلاك الأسماء ولا كان ما كان من أملاك السماء.\n(وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) اختلف في ذلك: قيل: مذابحنا، وقيل: مناسك حجنا.\n• قال السعدي: أي علمناها على وجه الإرادة والمشاهدة، ليكون أبلغ.\nثم قال: يحتمل أن يكون المراد بالمناسك: أعمال الحج كلها، كما يدل عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعظم من ذلك: وهو الدين كله، والعبادات كلها، كما يدل عليه عموم اللفظ، لأن النسك التعبد، لكن غلب على متعبدات الحج تغليبًا عرفيًا، فيكون حاصل دعائهما: يرجع إلى التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح.\n• هذه من الرؤية البصرية، أي: أنهم يرونها ويشاهدونها، وقيل: من رؤية القلب.\n(وَتُبْ عَلَيْنَا) أي: وفقنا للتوبة فنتوب، والتوبة: هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة.\n• واختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل ﵉ (وتب علينا) وهم أنبياء معصومون:\nفقيل: طلبا التثبيت والدوام.\nوقيل: أرادا من بعدهما من الذرية.\nوقيل: إنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت وأطاعا أرادا أن يبينا للناس أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة.\n• وقال الطبري: إنه ليس أحد من خلق الله تعالى إلا وبينه وبين الله تعالى معانٍ يحب أن تكون أحسن مما هي. (المحرر الوجيز)\n(إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ) اسم من أسماء الله تعالى.\nمعناه: التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه.\n• وقال السعدي: هو التائب على التائبين أولًا: بتوفيقهم للتوبة، والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب على التائبين بعد\nتوبتهم قبولًا لها وعفوًا عن خطاياهم.","vol":"1","page":397},{"text":"• ووصف نفسه سبحانه بالتواب - وهي صيغة مبالغة - لكثرة من يتوب عليهم، ولكثرة توبته على العبد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-438> وتوبة الله على العبد نوعان:</span>\nأحدهما: توفيق الله للعبد للتوبة، كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) بمعنى وفقهم للتوبة ليتوبوا.\nالثاني: قبولها من العبد إذا تاب، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ). [قاله الشيخ ابن عثيمين].\n\n•<span data-type='title' id=toc-439> أثر الإيمان بهذا الاسم:</span>\nأولًا: أن الله يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، مهما كثرت وعظمت.\nقال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).\nوقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ).\nثانيًا: إفراد الله بالتوبة وطلب العفو وغفران الذنوب، لأنه لا يغفر الذنوب ولا يوفق إلى التوبة ويقبلها إلا الله وحده كما قال تعالى (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ).\nثالثًا: الحياء من الله، البر الرحيم التواب الغفور، الذي يفرح بتوبة عبده، وهذا الحياء إذا تمكن من القلب أثمر تعظيمًا لله وحياء منه، ومبادرة إلى طاعته وترك معاصيه قدر الجهد والاستطاعة.\nرابعًا: عدم اليأس من رحمة الله، والقوة في رجائه.\n(الرَّحِيمُ) اسم من أسماء الله دال على إثبات صفة الرحمة الواسعة لله تعالى، كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) وقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). (وقد تقدمت مباحث الرحمة عند آية:\n\n•<span data-type='title' id=toc-440> من آثار رحمته:</span>\nمن رحمته ﷾ إرسال الرسل وإنزال الكتب هداية للناس وإخراجًا لهم من الظلمات إلى النور، فالرسل رحمة من عند الله لعباده قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).","vol":"1","page":398},{"text":"ومن رحمته ﷾ مغفرته لذنوب عباده والصفح عنهم، وتكفير سيئاتهم، وفتح لهم باب التوبة لهم\nومن رحمته إلى غير ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-441>الفوائد:</span>\n١ - فضل عمارة الكعبة.\n٢ - فضل التعاون على الخير.\n٣ - فضل بناء بيوت الله (المساجد).\n٤ - أهمية اهتمام العبد بقبول عمله، فالمدار على القبول وليس على كثرة العمل، فكم من إنسان يعمل أعمالًا كثيرة ولا يقبل منه، فليس له من عمله إلا التعب، وكم من إنسان عمل أعمالًا قليلة قبلت منه وفي الحديث (رب صائم حظه من صيامه الجوع والظمأ، ورب قائم حظه من قيامه السهر) رواه أحمد.\n٥ - الحذر كل الحذر من محبطات الأعمال التي تحبط العمل بعد القيام به، وهي كثيرة منها: المنّ بها والتحدث بها رياء، والعجب وغير ذلك.\n٦ - إثبات اسم السميع من أسماء الله المتضمن لصفة السمع الكامل.\n٧ - إثبات اسم العليم من أسماء الله، المتضمن لصفة العلم الكامل، فلا يخفى عليه شيء سبحانه.\n٨ - افتقار العبد لربه.\n٩ - كمال عبودية الأنبياء لربهم.\n١٠ - أن الإنسان - مهما كانت منزلته - محتاج إلى تثبيت الله له.\n١١ - أهمية الإخلاص لله تعالى لقوله (واجعلنا مسلمين لك).\n١٢ - تحريم التعبد لله بما لم يشرعه.\n١٣ - إثبات اسم التواب من أسماء الله.\n١٤ - إثبات اسم الرحيم من أسماء الله.","vol":"1","page":399},{"text":"<span data-type='title' id=toc-442>(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (١٢٩».</span> [البقرة: ١٢٩].\n<hr><s0>\n\n(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ) الضمير راجع إلى الأمة المسلمة المذكورة سابقًا، ويحتمل: أن يكون راجعًا إلى الذرية، وقد استجاب الله لإبراهيم -﵇- هذه الدعوة.\n• قال ابن عاشور: إن قيل لم قال (فيهم) ولم يقل لهم؟\nفالجواب: إنما قال (فيهم) ولم يقل لهم لتكون الدعوة بمجيء رسول برسالة عامة فلا يكون ذلك الرسول رسولًا إليهم فقط، ولذلك حذف متعلق (رسولًا) ليعم.\n• وأجاب الآلوسي عن هذا السؤال بقوله: ليكون أشفق عليهم، ويكونوا أعز به وأشرف، وأقرب للإجابة، لأنهم يعرفون منشأه وصدقه وأمانته.\n(رَسُولًا مِنْهُمْ) يعني محمدًا -ﷺ-.\n• قال الرازي: وأما إن الرسول هو محمد -ﷺ- فيدل عليه وجوه:\nأحدها: إجماع المفسرين وهو حجة.\nوثانيها: ما روي عنه -﵇- أنه قال (أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى) وأراد بالدعوة هذه الآية، وبشارة عيسى -﵇- ما ذكر في سورة الصف من قوله (مُبَشّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ).\nوثالثها: أن إبراهيم -﵇- إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين يكونون بها وبما حولها ولم يبعث الله تعالى إلى من بمكة وما حولها إلا محمدًا -ﷺ- ..\n• قال ابن كثير: يقول تعالى إخبارًا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله رسولًا منهم، أي: من ذرية إبراهيم.\n• قوله تعالى (وابعث) أصل البعث الإنشاء، وسميت الرسالة بعثًا، لأنها إخراج للناس من حال إلى حال، فكأنهم بُعثوا خلقًا جديدًا، وأُنْشِئوا خلقًا جديدًا.\n• قوله تعالى (منهم) كما في آية أخرى (رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: من جنسهم، وكونه من جنسهم أتم في النعمة، لأنه لو كان من الملائكة ما ألِفَه الناس ولا ركنوا إليه وربما لا يقبلون منه.\n• قوله تعالى (رسولًا منهم) أن يكون ذلك المبعوث منهم لا من غيرهم لوجوه:\nأحدها: أنه إذا كان منهم فإنهم يعرفون مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته.\nوثانيها: أنه إذا كان منهم كان أحرص الناس على خيرهم وأشفق عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم.","vol":"1","page":400},{"text":"• قال ابن كثير: وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد -ﷺ- رسولًا في الأميين إليهم وإلى سائر الأعجمين من الإنس والجن كما قال تعالى (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ).\nوقال تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ).\nولذلك قال -ﷺ- (سأنبئكم عني: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي) رواه أحمد.\n(يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ) التلاوة هنا تشمل التلاوة لفظًا، والتلاوة معنى، والتلاوة حكمًا.\nفالتلاوة لفظًا: أن يقرأ الكتاب بينهم.\nوالتلاوة معنى: أن يعلمهم معانيه.\nوالتلاوة حكمًا: أن يعمل بأحكامه.\nكما قال تعالى (وأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).\nوقالت عائشة (كان النبي -ﷺ- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، يتأول القرآن) يعني يعمل به.\n• والمراد بالآيات هنا الآيات الشرعية وهي القرآن.\n(ويعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) وهو القرآن، وليس هذا تكرار مع قوله (يتلو عليهم آياته) لأن الأول تلاوة والثاني تعليم، والتعليم أخص من التلاوة، والتعليم هنا شامل لتعليم اللفظ وتعليم المعنى وتعليم الحكم.\nوذهب بعضهم إلى أن معنى (ويعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) هو الكتابة، ويدل عليه أن الله ذكر القرآن قبله، فلو قلنا إن المراد بالكتاب هو القرآن لصار تكرارًا.","vol":"1","page":401},{"text":"• وسبق لماذا سمي القرآن كتابًا.\n(والْحِكْمَةَ) يعني السنة، قاله الحسن وقتادة ومقاتل كما قال تعالى (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، وقيل: الفهم في الدين ولا منافاة.\n(وَيُزَكِّيهِمْ) أي: يطهر قلوبهم من الشرك والنفاق وسوء الأخلاق، ويهذب أخلاقهم، فطهارة النفوس بطاعة الله وترك الشرك والذنوب.\nقال ابن جرير: ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان وينميهم ويكثرهم بطاعة الله.\n• وقد أقسم الله بفلاح من زكى نفسه فقال (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا .... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا).\nومن أسباب تزكية النفس: الصدقة كما قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).\nومنها: غض البصر وحفظ الفرج كما قال تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ).\nومنها: الدعاء بذلك: كان -ﷺ- يقول (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِى تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) رواه مسلم.\n(إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيز) اسم من أسماء الله وهو: العزيز، وهو متضمن لصفة العزة الكاملة لله، وهي ثلاثة أنواع:\nعزة القدْر: بمعنى أن الله ذو قدْر شريف عظيم، كما قال النبي -ﷺ- (السيد الله).\nوعزة القهر: بمعنى أن الله القاهر لكل شيء، لا يُغلب، كما قال تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).\nوعزة الامتناع: بمعنى أنه يمتنع أن يناله أحد بسوء أو نقص.\n• قال السعدي: (العزيز) الذي له العزة كلها: عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع الموجودات، ودانت له الخليقة وخضعت لعظمته.","vol":"1","page":402},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-443> الآثار المترتبة على معرفة هذا الاسم:</span>\nأولًا: أن اسمه سبحانه (العزيز) يستلزم توحيده وعبادته وحده لا شريك له، إذ الشركة تنافي كمال العزة.\nثانيًا: ومن كمال العزة تبرئته سبحانه من كل سوء وتنزيهه من كل شر ونقص، قال ابن القيم: ومن تمام عزته: براءته عن كل سوء وشر وعيب، فإن ذلك ينافي العزة التامة.\nثالثًا: من كمال عزته سبحانه نفاذ حكمه وأمره في عباده وتصريف قلوبهم على ما يشاء، وهذا ما لا يقدر عليه إلا الله، وهذا يجعل العبد خائفًا من ربه سبحانه، لائذًا بجنابه معتصمًا به متبرئًا من الحول والقوة ذليلًا حقيرًا بين يدي ربه سبحانه.\nرابعًا: أن الإيمان بهذا الاسم الكريم يثمر العزة في قلب المؤمن، ومهما ابتغى العبد العزة عند غير الله وفي غير دينه فلن يجدها ولن يجد إلا الذل والضعف والهوان كما قال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا). والشعور بهذه العزة تثمر التعالي على الباطل وأهله وعدم الاستكانة لهم مهما تسلطوا على العبد.\nخامسًا: أن الإيمان بهذا الاسم يثمر عدم الركون إلى شيء من هذه الدنيا الفانية وجعلها مصدر العزة والقوة، فكم رأينا وسمعنا من كثير من الناس اغتر بعضهم بماله أو جاهه أو ولده أو سلطانه ومنصبه فكانت كلها سببًا في إذلاله وشقائه.\nسادسًا: من أسباب العزة: العفو والتواضع والذلة للمؤمنين، قال تعالى في وصف عباده الذين يحبهم ويحبونه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) وقال -ﷺ- (… وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) رواه مسلم.\n(الْحَكِيمُ) في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها لعلمه وحكمته وعدله [وقد تقدم مباحثه].","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-444>الفوائد:</span>\n١ - استجابة الله لدعاء إبراهيم ﵇.\n٢ - ضرورة الناس إلى بعث الرسل.\n٣ - أن كون الرسول منهم أقرب إلى قبول دعوته.\n٤ - أن دعوة الرسول تتضمن تعليم الكتاب تلاوة ومعنى.\n٥ - أهمية تزكية الأخلاق وتطهيرها، وأن ذلك من منهج الرسل.\n٦ - على الداعية أن يحرص أن يزكي نفسه ويزكي غيره بتطهيرها من الأخلاق الرديئة وإلزامها بالأخلاق الرفيعة، وقد قال تعالى (قد أفلح من زكاه).\n٧ - إثبات اسمين من أسماء الله: العزيز والحكيم.\n٨ - إثبات الحكمة الكاملة لله تعالى.\n٩ - أن الإنسان لا يعترض على قضاء الله، لأنه صادر عن حكمة.\n١٠ - إثبات العزة الله، فمن أراد العزة فليطلبها من الله، وذلك بطاعته.","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-445>(وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٣٢».</span> [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢].\n<hr><s0>\n\n(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ) أي: عن طريقته ومنهجه، فيخالفُها ويرغب عنها.\n• وملة إبراهيم: هي الحنيفية السمحة، وهي الإسلام كما قال تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\nوقال تعالى (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\n• والْحَنِيفِيَّةُ: دِينُ جَمِيعِ الأنْبِيَاءِ؛ ولكِن أُضِيفت إلى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ -﵇-؛ لأنَّه أكْمَلُ الخلْقِ تحقِيقًا للتَّوحيدِ مع نبيِّنا -ﷺ-؛ وإِبْرَاهِيمُ: الأبُ، ومُحَمَّدٌ -ﷺ-: الِابنُ؛ فاستَحَقَّ أن تُنْسَبَ إلى الأَبِ دُون الابْنِ؛ فيقال: مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ على جهةِ التَّشْريفِ له؛ وإن كانَت هي ملَّةَ الأنبيَاء جَميعًا.\n(إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) أي: فقد ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطُفيَ في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلًا، فمن ترك طريقة هذا ومسلكه وملته، واتبع طريق الضلالة والغي، فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا؟\n• فمعنى (سَفِهَ نَفْسَهُ):\nقيل: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره.\nوقيل: أي: جهل أمر نفسه فيما يصلحها ويُقَوِمُهَا.\nوقيل: سفه نفسه أي: أهلكها.\nوقيل: لم يفكر في نفسه.\n• وقال ابن جرير: وما يرغب عن ملة إبراهيم الحنيفية إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها ويضرها في معادها.\n• قال قتادة: نزلت هذه الآية في اليهود، أحدثوا طريقًا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\n• فإن ملة إبراهيم هي عبادة الله مخلصين له الدين، فهي توحيد الله فلم يدعو معه غيره ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه حتى تبرأ من أبيه فقال (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\nوقال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ). وقال تعالى (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ).","vol":"1","page":405},{"text":"وقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\n(وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا) أي: ولقد اخترناه من بين سائر الخلق بالرسالة والنبوة والإمامة.\n(وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) الذين لهم أعلى الدرجات.\n(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) أي استسلم لأمر ربك وأخلص لربك.\n• قال بعض العلماء: الإسلام ورد في القرآن على ثلاثة أَوجه:\nالأَوّل: بمعنى الإِخلاص.\nقال تعالى (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) أي أَخْلِص.\nالثاني: بمعنى الإِقرار.\nقال تعالى (وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ) أي أَقرّ له العبوديّة.\nالثالث: بمعنى الدّين.\nقال تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ). وقال تعالى (وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا).\n(قَالَ) امتثالًا لأمر ربه مبادرًا.\n(أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) إخلاصًا وتوحيدًا ومحبة وإنابة.\nقال بعض العلماء: إنما قال لرب العالمين دون أن يقول أسلمت لك ليكون قد أتى بالإسلام وبدليله.\n• من أسباب اصطفاء إبراهيم في الدنيا وعلو منزلته في الآخرة:\nسرعة امتثاله لأمر الله ﷿.\nوصبره، فلما ابتلاه ربه بالكلمات أتمهن ووفى بهن.\nوشكره لنعم الله كما قال تعالى (شَاكِرًا لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).\n(وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ) اختلف في مرجع الضمير في قوله [بها]:\nفقيل: هذه الملة.","vol":"1","page":406},{"text":"وقيل: هذه الكلمة: (أسلمت لرب العالمين) ورجحه القرطبي وقال: هو أصوب لأنه أقرب مذكور، ورجح الشوكاني الأول وقال: لأن المطلوب ممن بعده هو اتباع لا مجرد التكلم لكلمة الإسلام، فالتوصية بذلك أليق بإبراهيم وأولى بهم.\n• قوله تعالى (وَوَصَّى بِهَا) الوصية: العهد المؤكد في الأمر الهام.\n• قال ابن الجوزي: ووصى أبلغ من أوصى، لأنها تكون لمرات كثيرة.\n• وقال الماوردي: ووصّى أبلغ من أوصى، لأن أوصى يجوز أن يكون قاله مرة واحدة، وَوَصَّى لا يكون إلا مرارًا.\n• فإن قلت، لم قال: وصى بها إبراهيم بنيه ولم يقل أمرهم؟.\nالجواب: قلت: لأن لفظ الوصية أوكد من لفظ الأمر لأن الوصية إنما تكون عند الخوف من الموت وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لولده أشد وأعظم، وكانوا هم إلى قبول وصيته أقرب وإنما خص بنيه بهذه الوصية لأن شفقة الرجل على بنيه أكثر من شفقته على غيرهم. وقيل: لأنهم كانوا أئمة يقتدى بهم فكان صلاحهم صلاحًا لغيرهم. [تفسير الخازن: ١/ ٨٥].\n(وَيَعْقُوبُ) معطوف على إبراهيم: أي وأوصى يعقوب بنيه كما أوصى إبراهيم بنيه.\nقال ابن كثير: لحرصهم عليها ومحبتهم لها، حافظوا عليها إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم كقوله تعالى (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).\n• وقرأ بعض السلف (ويعقوبَ) بالنصب عطفًا على بنيه، وكأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب ابن إسحاق وكان حاضرًا ذلك، ورجح هذا ابن كثير وقال: فإن وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبًا، وهذا يدل على أنه ههنا من جملة الموصين.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: وسمي يعقوب، قيل: لأنه عقب إسحاق.\n(يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ) أي: اختار لكم دين الإسلام دينًا، وهذه حكاية لما قاله إبراهيم ويعقوب لأبنائهما.","vol":"1","page":407},{"text":"• والدين هو الإسلام وذلك لقوله (فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) كما قال تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ).\nوقال تعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). [أضواء البيان: ١/ ١٠٢].\n(فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي: أحسنوا في حال الحياة، والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وفق له ويسر عليه، ومن نوى صالحًا ثُبّتَ عليه. [قاله ابن كثير: ١/ ١٧٤].\n• وما ذكره ابن كثير هنا كلام رائع، لأن لقائل أن يقول في قوله تعالى (فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) هل يملك الإنسان أن يحدد الأمر الذي يموت عليه؟ فالجواب ما ذكره ابن كثير، فالمراد: الإحسان في حال الحياة مع ملازمة هذا حتى يختم للإنسان خاتمة طيبة. [قاله الشيخ خالد السبت حفظه الله].\n• ولهذا قال الطبري في معنى الآية: أي: فلا تفارقوا هذا الدين وهو الإسلام أيام حياتكم، وذلك أن أحدًا لا يدري متى يأتيه منيته، فلذلك قالا لهم (فلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مناياكم من ليل أو نهار، فلا تفارقوا الإسلام فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم فتموتوا وربكم ساخط عليكم فتهلكوا.\n• وقال الخازن: أي مؤمنون مخلصون، فالمعنى دوموا على إسلامكم حتى يأتيكم الموت وأنتم مسلمون لأنه لا يعلم في أي وقت يأتي الموت على الإنسان.\n\n•<span data-type='title' id=toc-446> الموت على الإسلام مطلب لأهل الصلاح:</span>\nكما قال تعالى عن يوسف أنه قال (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).\nوقول المؤمنين بموسى (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ).\nوقول إبراهيم ويعقوب لأبنائهما (فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).\n• ولذلك تمنى جماعة من السلف الموت خشية الفتنة.\nلما حج عمر آخر حجة حجها رفع يديه وقال: اللهم إنه كبر سني ورق عظمي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيِّع ولا مفتون، ثم رجع إلى المدينة، فما انسلخ حتى قتل.\nودعا علي ربه أن يريحه من رعيته حيث سئم منهم فقتل عن قريب.\nودعت زينب بنت جحش لما جاءها عطاء عمر من المال فاستكثرته وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعدها، فماتت قبل العطاء الثاني.","vol":"1","page":408},{"text":"ولما ضجر عمر بن عبد العزيز من رعيته حيث ثقل عليهم قيامه فيهم بالحق طلب من رجل كان معروفًا بإجابة الدعوة أن يدعو له بالموت، فدعا له ولنفسه بالموت فماتا.\nودعي طائفة من السلف الصالح إلى ولاية القضاء فاستُهْمِلوا ثلاثة أيام، فدعوا الله لأنفسهم بالموت فماتوا.\nواطلع على حال بعض الصالحين ومعاملاته التي كانت سرًا بينه وبين ربه، فدعا الله أن يقبضه إليه خوفًا من فتنة الاشتهار، فمات، فإن الشهرة بالخير فتنة.\nوكان سفيان الثوري يتمنى الموت كثيرًا فسئل عن ذلك فقال: ما يدريني لعلي أدخل في بدعة، لعلي أدخل فيما لا يحل لي، لعلي أدخل في فتنة أكون قد مت فسبقت هذا.\nوفي الحديث (وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون).\nجاء في الحديث في المسند قال -ﷺ- (اثنتان يكرهما ابن آدم: يكره الموت والموت خير له من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال\nأقل للحساب).\nولما ابتلي الإمام أحمد بفتنة الضراء صبر ولم يجزع وقال: كانت زيادة في إيماني، فلما ابتلي بفتنة السراء جزع وتمنى الموت صباحًا ومساء وخشي أن يكون نقصًا في دينه.","vol":"1","page":409},{"text":"<span data-type='title' id=toc-447>الفوائد:</span>\n١ - أن الرشد في اتباع ملة إبراهيم.\n٢ - أن مخالفة ملة إبراهيم سفه.\n٣ - فضيلة إبراهيم حيث اصطفاه الله.\n٤ - إثبات الآخرة.\n٥ - أن الصلاح وصف للأنبياء.\n٦ - فضل المبادرة للإسلام وعدم التردد.\n٧ - إثبات ربوبية الله تعالى.\n٨ - أهمية هذه الوصية، لأنه اعتنى بها إبراهيم ويعقوب.\n٩ - ينبغي التواصي على الحق والثبات عليه.\n١٠ - على الإنسان أن يدعو ربه بالثبات والموت على الإسلام.\n١١ - أن الأعمال بالخواتيم.","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-448>(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤».</span> [البقرة: ١٣٣ - ١٣٤].\n<hr><s0>\n\n(أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ) أم هنا منقطعة، وهي بمعنى بل والمعنى: بل أكنتم حضورًا.\n• والخطاب قيل: إنه لليهود الذين ادعوا إنهم على حق، وأن هذه وصية أبيهم يعقوب.\nويحتمل أن يكون عائدًا على جميع المخاطبين، ويكون المقصود الإعلام بما حصل من يعقوب حين حضره الموت.\n• قال الشوكاني: قوله (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء) أم هذه قيل: هي المنقطعة. وقيل: هي المتصلة. وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع والتوبيخ، والخطاب لليهود والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم، وإلى بنيه أنهم على اليهودية والنصرانية، فردّ الله ذلك عليهم، وقال لهم: أشهدتم يعقوب، وعلمتم بما أوصى به بنيه، فتدّعون ذلك عن علم، أم لم تشهدوا بل أنتم مفترون.\n(إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) أي حين احتضر وأشرف على الموت وجاءت مقدماته.\n(إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ) على وجه الاختبار، ولتقر عينه في حياته بامتثالهم ما وصاهم به.\n• وبنيه: يوسف وإخوته: أحد عشر رجلًا.\n(مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي) أي: من بعد موتي.\n• إن هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في لحظة الموت والاحتضار لمشهد عظيم الدلالة، قوي الإيحاء، عميق التأثير، ميت يحتضر، فما هي القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار؟ ما هو الشاغل الذي يعني خاطره وهو في سكرات الموت؟ ما هو\nالأمر الجلل الذي يريد أن يطمئن عليه ويستوثق منه؟ ما هي التركة التي يريد أن يخلفها لأبنائه ويحرص على سلامة وصولها إليهم فيسلمها لهم في محضر، يسجل فيه كل التفصيلات؟.\nإنها العقيدة .. هي التركة، وهي الذخر، وهي القضية الكبرى، وهي الشغل الشاغل، وهي الأمر الجلل، الذي لا تشغل عنه سكرات الموت وصرعاته (ما تعبدون من بعدي).\nهذا هو الأمر الذي جمعتكم من أجله. وهذه هي القضية التي أردت الاطمئنان عليها. وهذه هي الأمانة والذخر والتراث (قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق. إلهًا واحدًا. ونحن له مسلمون).","vol":"1","page":411},{"text":"إنهم يعرفون دينهم ويذكرونه، إنهم يتسلمون التراث ويصونونه. [في ظلال القرآن: ١/ ٩٠].\n(قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) أي: لا نعبد إلا إلهًا واحدًا هو اله رب العالمين.\n• قال الطبري: تأويل الكلام: أكنتم يا معشر اليهود والنصارى المكذبين بمحمد -ﷺ- الجاحدين نبوته حضور يعقوب وشهوده إذ حضره الموت: أي: أنكم لم تحضروا ذلك، فلا تدّعوا على أنبيائي ورسلي الأباطيل وتنحلوهم اليهودية والنصرانية، فإني ابتعثت خليلي إبراهيم وولده إسحاق وإسماعيل وذريتهم بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصّوا بنيهم، وبه عهدوا إلى أولادهم من بعدهم، فلو حضرتموهم فسمعتم منهم علمتم أنهم على غير ما نحلتموهم من الأديان والملل من بعدهم.\n• وقال ابن عطية: هذا الخطاب لليهود والنصارى الذين انتحلوا الأنبياء صلوات الله عليهم ونسبوهم إلى اليهودية والنصرانية فرد الله عليهم وكذّبهم وأعلمهم أنهم كانوا على الحنيفية والإسلام.\n• قوله (وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) هذا من باب التغليب، لأن إسماعيل عمه، قال النحاس: والعرب تسمي العم أبًا، وقيل: إن العم يقال له: أب.\n(إِلَهًا وَاحِدًا) نوحده بالألوهية ولا نشرك به شيئًا.\n(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي: مطيعون خاضعون كما قال تعالى (وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه يرجعون) والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).\nكما قال تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\nوقال تعالى (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).\nوقال تعالى (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ).\n(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ) أي: مضت، يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ولهذا جاء في الحديث (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) رواه مسلم. وقال تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) وقال تعالى (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا).\n• الأمة في القرآن تطلق على معان:\nمنها: الجماعة من الناس.\nكما في قوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). وقوله تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ).\nومنها: الإمام في الدين المقتدى به.\nكما في قوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً).","vol":"1","page":412},{"text":"ومنها: البرهة من الزمن.\nكما في قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) أي: تذكر بعد بُرهة من الزمن.\nوكقوله تعالى (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) أي: إلى قطعة من الزمن معينة.\nومنها: الشريعة والدين.\nكقوله تعالى (إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) أي: على شريعة وملة ودين.\n(لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ) أي إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم.\n(وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا، بل كل نفس تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء.\n• قال الشوكاني: وفيه الرد على من يتكل على عمل سلفه ويرّوح نفسه بالأماني الباطلة، والمعنى: أنكم لا تنتفعون بحسناتهم ولا تؤاخذون بسيآتهم ولا تسألون عن أعمالهم كما لا يسألون عن أعمالكم.\nكما قال تعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى).\nوقال تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى).\nوقال تعالى (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ).","vol":"1","page":413},{"text":"وقال -ﷺ- (من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه) رواه مسلم.\nوفي حديث أبي هريرة. قال (قام رسول الله -ﷺ- حين أنزل الله (وأنذر عشيرتك الأقربين) قال: يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد -ﷺ- سليني من مالي ما شئتِ، لا أغني عنك من الله شيئًا) متفق عليه.\nفائدة: حكي عن بعض العلماء أنه سئل عما وقع من الفتن بين علي ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة - رضوان الله عليهم - فقرأ (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-449>الفوائد:</span>\n١ - أن التوحيد وصية الأنبياء.\n٢ - ينبغي الاقتداء بالأنبياء والوصية بالتوحيد.\n٣ - أهمية التوحيد.\n٤ - أن الموت حق على الأنبياء.\n٥ - وجوب إخلاص الإسلام لله تعالى.\n٦ - أن الاعتماد على أعمال الآباء لا يجدي شيئًا.\n٧ - أن الإنسان يجازى بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type='title' id=toc-450>(وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥».</span> [البقرة: ١٣٥].\n<hr><s0>\n\n(وَقَالُوا) أي: اليهود والنصارى الزاعمين أنهم على حق.\n(كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) أي: قالت اليهود كونوا على ملتنا يهودًا تهتدوا، وقالت النصارى كونوا نصارى تهتدوا.\n• والمراد بقولهم (تهتدوا) أي: إلى الحق وتدخلون الجنة كما قالوا (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى).\n(قُلْ) أي: قل لهم يا محمد.\n(بَلْ) نتبع.\n(مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) مستقيمًا مائلًا عن الشرك إلى التوحيد.\n(وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هذه توكيد للتي قبلها.\n• في هذا ثناء على إبراهيم من وجوه ثلاثة:\nأولًا: إمامته، ووجهها: أننا أمرنا باتباعه، والمتبوع هو الإمام.\nثانيًا: أنه حنيف، والحنيف هو المائل عن كل دين سوى الإسلام.\nثالثًا: أنه ليس فيه شرك في عمله لقوله (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-451>الفوائد:</span>\n١ - أن أهل الباطل يدعون إلى باطلهم.\n٢ - أن كل داع إلى ضلال ففيه شبه من اليهود والنصارى.\n٣ - أن الشرك ممتنع في حق الأنبياء.\n٤ - أن ملة إبراهيم أفضل الملل.","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-452>(قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧».</span> [البقرة: ١٣٦ - ١٣٧].\n<hr><s0>\n\n(قُولُوا) الخطاب هنا للرسول -ﷺ- وأمته، وهذا القول يشمل القول باللسان مع اعتقاد القلب.\n• فالخطاب هنا للمؤمنين، ولهذا قال ابن كثير: أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد -ﷺ- مفصلًا وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء.\nوقيل: الخطاب للكفار، أي: أمروا أن يقولوا: آمنا بالله، حتى يكون على الحق، ورجح الشوكاني الأول.\n• قال السعدي: في قوله (قولوا) فيها إشارة إلى الإعلان بالعقيدة والصدع بها والدعوة لها، إذ هي أصل الدين وأساسه.\n(آمَنَّا بِاللَّهِ) والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجود الله، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته.\n(وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) أي القرآن العظيم، ويشمل السنة لقوله تعالى (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).\n(وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) أي: وآمنا بما أنزل على إبراهيم.\n• ولم يبين هنا هذا الذي أنزل إلى إبراهيم، ولكن بيّن في سورة الأعلى أنه صحف، وأن من جملة ما في تلك الصحف (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) وذلك في قوله (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى). [أضواء البيان: ١/ ١٠٢].\n(وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ) أي: آمنا بما أنزل على هؤلاء، ولم يذكر ما أنزل إليهم بالتحديد.\n• والأسباط: هم بنو يعقوب اثنا عشر رجلًا، ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا الأسباط، وقال الخليل بن أحمد\nوغيره: الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل.\nقال البخاري: الأسباط قبائل بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ههنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، وهذا اختيار الطبري.\n(وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى) أي من التوراة والإنجيل والآيات كاليد والعصا وكإخراج الموتى بإذن الله.\nقال تعالى (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) وهو التوراة بالإجماع، وذكر ما أوتيه عيسى وهو الإنجيل كما في قوله تعالى (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ).","vol":"1","page":416},{"text":"• سؤال: لم أفرد موسى وعيسى بالذكر (وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى)؟\nالجواب: لكون أهل الكتاب زادوا ونقصوا وحرفوا فيهما وادعوا أنهما أنزلا كذلك، والمؤمنون ينكرونه اهتم بشأنهما فأفردهما بالذكر وبين طريق الإيمان بهما ولم يدرجهما في الموصول السابق.\n(وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: ونؤمن بما أنزل على غيرهم من الأنبياء جميعًا ونصدق بما جاءوا به من عند الله من الآيات البينات والمعجزات الباهرات.\n• سؤال: فإن قيل: كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة؟ قلنا: نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقًا في زمانه فلا يلزم منا المناقضة، أما اليهود والنصارى لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز عليه، وأنكروا نبوة محمد -ﷺ- مع قيام المعجز على يده، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق. (مفاتيح الغيب).\n(لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) أي نؤمن على هذا الوجه، فلا نفرق بين أحد منهم في الإيمان بهم، لا في الاتباع، فلا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعلت اليهود والنصارى.\n(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي: منقادون لأمر الله خاضعون لحكمه، ظاهرًا وباطنًا.\n(فَإِنْ آمَنُوا) يعني الكفار من أهل الكتاب وغيرهم.\n(بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ) أي: بمثل ما آمنتم به يا معشر المؤمنين من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، الذين أول من دخل فيهم وأولى: هو خاتمهم وأفضلهم محمد -ﷺ- والقرآن، من غير تحريف لهذه الكتب.\n• قال ابن عاشور: والباء في قوله (بمثل ما آمنتم به) للملابسة وليست للتعدية أي إيمانًا مماثلًا لإيمانكم.\n(فَقَدِ اهْتَدَوْا) أي فقد أصابوا الحق وأُرشِدوا إليه، فلا سبيل للهداية إلا بهذا الإيمان، لا كما زعموا بقولهم (كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا).\n• والهدى: هو العلم بالحق والعمل به.\n(وَإِنْ تَوَلَّوْا) أي عن الحق إلى الباطل بعد قيام الحجة عليهم.\n• التولي هو الإعراض.\n(فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ) معنى الشقاق في الأصل الفراق، والمراد أن هؤلاء المعاندين أصبحوا في شق، والحق والحنيفية السمحة في شق آخر.","vol":"1","page":417},{"text":"قال قتادة: (فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ) أي: في فراق.\nقال القرطبي: … وقيل: الشقاق المجادلة والمخالفة والتعادي، وأصله من الشِّق وهو الجانب، فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه، وقيل: إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب، فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه.\n(فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) أي: فسينصرك عليهم ويظفر بهم.\n• وقد أتم الله لنبيه -ﷺ- هذا الوعد الذي وعده إياه فسلطه على بعضهم بالقتل والإجلاء من الديار وسبي بعضهم وضرب الجزية على آخرين منهم.\n• قال ابن عاشور: وفرع قوله (فسيكفيكهم الله) على قوله (فإنما هم في شقاق) تثبيتًا للنبي -ﷺ- لأن إعلامه بأن هؤلاء في شقاق مع ما هو معروف من كثرتهم وقوة أنصارهم مما قد يتحرج له السامع فوعده الله بأنه يكفيه شرهم الحاصل من توليهم.\n(وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فالله سينصر نبيه لأنه هو السميع لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، العليم بما بين أيديهم وما خلفهم، وبالغيب والشهادة، بالظواهر والبواطن، فإذا كان كذلك كفاك الله شرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-453>الفوائد:</span>\n١ - وجوب الإيمان بالله.\n٢ - إثبات علو الله لقوله (وما أنزل إلينا).\n٣ - وجوب الإيمان بالأنبياء.\n٤ - أنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل.\n٥ - أن من خالف عليه النبي فهو ضلال.\n٦ - الوعيد الشديد لمن تولى عن شريعة محمد -ﷺ-.\n٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع العليم.\n٨ - الحذر من معصية الله، لأن الله يسمع ويعلم كل شيء.","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-454>(صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ (١٣٨».</span> [البقرة: ١٣٨].\n<hr><s0>\n\n(صِبْغَةَ اللَّهِ) أي الزموا صبغة الله، وهو دينه، وقوموا به قيامًا تامًا بجميع أعماله الظاهرة والباطنة، وجميع عقائده في جميع الأوقات، حتى يكون لكم صبغة وصفة من صفاتكم.\n• والمراد بصبغة الله: دين الله، والصبغ مأخوذة من الصَّبغ وهو تغيير الشيء بلون من الألوان، وسمي الدين صبغة لظهور أثره على العامل به، وقيل: سمي صبغة كلزوم الصبغ للثوب.\nقال قتادة: إن اليهود تصبغ أبناءها يهود، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحًا والأنبياء بعده.\n(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) أي: لا أحسن صبغة من صبغته.\n(وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) أي: نحن نعبده جل وعلا ولا نعبد أحدًا سواه.\n• قال السعدي: (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) فوصفهم باسم الفاعل الدال على الثبوت والاستقرار ليدل على اتصافهم بذلك وكونه صار صبغة لهم ملازمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-455>الفوائد:</span>\n١ - وجوب الالتزام بدين الله.\n٢ - أن دين الله أحسن الأديان.\n٣ - وجوب إخلاص العبادة لله.","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type='title' id=toc-456>(قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٤١».</span> [البقرة: ١٣٩ - ١٤١].\n<hr><s0>\n\n(قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ) يقول تعالى مرشدًا نبيه -ﷺ- إلى درء مجادلة المشركين (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ) أي: تناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد واتباع أوامره وترك زواجره.\n• اختلف العلماء في هذه المحاجة كانت مع من؟ ذكروا فيه وجوهًا:\nأحدها: أنه خطاب لليهود والنصارى.\nوثانيها: أنه خطاب مع مشركي العرب حيث قالوا (لَوْلا أُنزِلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ) والعرب كانوا مقرين بالخالق.\nوثالثها: أنه خطاب مع الكل، والقول الأول أليق بنظم الآية. [مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠].\n(وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) المتصرف فينا وفيكم المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له.\n(وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) أي: نحن برآء منكم ومما تعبدون وأنتم برآء منا.\nكما في الآية الأخرى (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ).\nوقال تعالى (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ).\nوقال تعالى إخبارًا عن إبراهيم (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ).\n(وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) أي: مخلصون له في العبادة والتوجه. وفيه توبيخ لليهود والنصارى، والمعنى وأنتم به مشركون.\n• والإخلاص أن يخلص العبد دينه، وعمله لله تعالى فلا يشرك في دينه ولا يرائي بعمله.\nوالأدلة على وجوب الإخلاص كثيرة.\nقال تعالى (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ).\nوقال تعالى (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).\nوقال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ).\nوقال تعالى (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي).\nوقال تعالى (قُلْ إني أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصًا لَّهُ الدين).\nوقال تعالى (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).\nوقال -ﷺ- (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وابتغي به وجه الله) رواه النسائي.\nوقال -ﷺ-. قال تعالى (من عمِل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركَه) رواه مسلم.\nوعن محمود بن لبيد أن رسول الله -ﷺ- قال (إن أخوفَ ما أخاف عليكم الشرك الأصغر؟ قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء، يقول الله ﷿ إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء). رواه أحمد","vol":"1","page":420},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-457> وللإخلاص فضائل:</span>\n<span data-type='title' id=toc-458>أولًا: أنه سبب لمغفرة الذنوب.</span>\nوالدليل: قصة المرأة الزانية التي سقت الكلب فغفر الله لها \"والقصة عند البخاري ومسلم.\nقال ابن القيم ﵀: فتأمل ما قام في قلبها من حقائق الإيمان والعبودية في هذه اللحظة فمنها: أنها لم تعمله ابتغاء الأجر من أحد لأنها تعطي كلبًا فلا تنتظر منه جزاء أو شيئًا - وأنه لم يرها أحد إلا الله وهذا يدل عليه ظاهر الحديث - أنها أتعبت نفسها في سقايتها لهذا الكلب فنزلت في البئر مع أنها امرأة ثم ملئت خفها بالماء وحملته بفيها ثم سقت هذا الكلب الحقير، فتأمل ما قام في قلبها من أسرار الإخلاص فعندما تمت هذه الحقائق في قلبها، أحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء والزنا فغفر الله لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-459>ثانيًا: أنه يصرف الفتنه عن القلب.</span>\nقال الإمام ابن تيميه في الفتاوى (١/ ٦٠): فلا تزول الفتنة عن القلب إلا إذا كان دين العبد كلّه لله ﷿.\nويوسف -﵇- ما نجى من فتنة المرأة إلا بالإخلاص لله تعالى قال تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء اِنه من عبادنا المخلصين).\nوقال أيضًا في الفتاوى (١٠/ ٢٦١): فإن قوة إخلاص يوسف -﵇- وخشيته من الله ﷿ كان أقوى من جمال امرأة العزيز وحسنها وحبه لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-460>ثالثًا: أنه به تكمل العبودية لله تعالى.</span>\nقال الإمام ابن تيمية في الفتاوى (١٠/ ١٩٨): وكلما قوي إخلاص العبد كملت عبوديته.\nلأن بالإخلاص تقبل الأعمال وترفع إلى الله، وكلما قبل العمل ارتفعت المنزلة والدرجة عند الله تعالى لذلك العبد، ولهذا كان من أبرز صفات المقربين والسابقين عند الله هو \"إخلاصهم لله\"فبالإخلاص ارتفعوا عن الناس وأصبحوا في أعالي عليين.\n\n<span data-type='title' id=toc-461>رابعًا: أنه سبب لاستغناء القلب عن الناس.</span>\nقال الإمام ابن تيميه في الفتاوى: لا يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يحب إلا له ولا يبغض إلا له.\n\n<span data-type='title' id=toc-462>خامسًا: أنه سبب لمضاعفة الحسنات.</span>\nقال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ\nيَشَاءُ).\nقال ابن كثير: وقوله ههنا (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) أي: بحسب إخلاصه في عمله.\nوقال -ﷺ- (والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف …) رواه البخاري.\nقال ابن رجب: ومضاعفة الأجر بحسب كمال الإسلام، وبكمال وقوة الإخلاص في ذلك العمل.\nوقال -ﷺ- (صلاة الرجل تطوعًا حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس بخمس وعشرين درجه) رواه ابن ماجه وصححه الألباني.","vol":"1","page":421},{"text":"<span data-type='title' id=toc-463>سادسًا: أنه سبب لقبول الدعاء وتفريج الكرب.</span>\nوالدليل على ذلك: قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار وفيها أنهم قالوا: (اللهم إن كنا فعلنا ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه ففرج الله عنهم) والقصة معروفه وهي عند البخاري ومسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-464>سابعًا: أنه سبب للنصر على الأعداء.</span>\nلحديث سعد -﵁- قال: قال -ﷺ- (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم).\n\n<span data-type='title' id=toc-465>ثامنًا: أنه ينجي العبد من النار يوم القيامة.</span>\nلقول النبي -ﷺ- (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله) رواه البخاري.\nقال ابن تيمية في الفتاوى (١٠/ ٢٦١): فإن الإخلاص ينفي أسباب دخول النار، فمن دخل النار من القائلين لا إله إلا الله، فإن ذلك دليل على أنه لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار.\nوقال ابن القيم في عدة الصابرين: من عوّد نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره، ومن عوّد نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الإخلاص والعمل لله، وهذا في جميع أبواب الأعمال، فليس شيء أشق على المنفق لله من الإنفاق لغيره وكذا بالعكس.\nوقال في المدارج: ومما يخلصه من طلب العوض: علمه بأنه عبد محض والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضا ولا أجرة إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته.\nقال الربيع بن خثيم: كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل.\nوقال ابن المبارك: ما رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة.\n(أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى) ينكر تعالى عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية وإما النصرانية، فقال:\n(قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) يعني بل الله أعلم، وقد أخبر تعالى أنهم لم يكونوا هودًا ولا نصارى كما قال تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\n• قال السعدي: رد الله عليهم بقوله (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) فالله يقول (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وهم يقولون: بل كان يهوديا أو نصرانيا.\nفإما أن يكونوا، هم الصادقين العالمين، أو يكون الله تعالى هو الصادق العالم بذلك، فأحد الأمرين متعين لا محالة، وصورة الجواب مبهم، وهو في غاية الوضوح والبيان، حتى إنه - من وضوحه - لم يحتج أن يقول بل الله أعلم وهو أصدق، ونحو ذلك، لانجلائه لكل أحد، كما إذا قيل: الليل أنور، أم النهار؟ والنار أحر أم الماء؟ والشرك أحسن أم التوحيد؟ ونحو ذلك.\n(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ) أي: لا أحد أظلم ممن أخفى وكتم ما اشتملت عليه آيات التوراة والإنجيل من البشارة برسول الله.","vol":"1","page":422},{"text":"• وفي الذي كتموه قولان:\nقيل: هي ما في كتبهم من أن الأنبياء على الحنيفية لا على ما ادعوا هم.\nوقيل: المراد هنا ما كتموه من صفة محمد -ﷺ-.\n(وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) تهديد ووعيد شديد، أي: أن علمه محيط بعلمكم وسيجزيكم عليه.\n(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) تقدم شرحها.\nوقد قيل في تكرارها أقوال:\nقيل: أنه كررها للتهديد والتخويف، والمعنى: أنه إذا كان أولئك الأنبياء على طاعتهم لله وفضلهم يُجازون يوم القيامة بكسبهم فأنتم أحرى أن تجازون بكسبكم كذلك. [تفسير القرطبي: ٢/ ٤٧].\nوقيل: أنه كررها لقطع التعلق بالمخلوقين وتنبيهًا لليهود ولمن يتكل على فضل آبائه وأجداده وشرفهم كي لا يتكلوا على فضل الآباء.\nوقيل: كررها لشدة الحاجة إليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-466>الفوائد:</span>\n١ - وجوب البراءة من أعمال الكفار.\n٢ - أنه لا يجوز التشبه بأعداء الله.\n٣ - وجوب الإخلاص لله تعالى.\n٤ - إبطال دعوى هؤلاء اليهود والنصارى أن إبراهيم وإسماعيل كانوا هودًا أو نصارى.\n٥ - عظم كتم العلم.\n٦ - كمال علم الله ومراقبته.\n٧ - تخويف الإنسان وتحذيره من المخالفة.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type='title' id=toc-467>(سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٤٢».</span> [سورة البقرة: ١٤٢].\n<hr><s0>\n\n(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا) أي: سيقول ضعفاء العقول من الناس.\n(مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا) ما صرفهم وحولهم عن القبلة التي كانوا عليها وهي بيت المقدس، قبلة المرسلين قبلهم؟\n• اختلف العلماء بالمراد بالسفهاء هنا:\nفقيل: مشركوا العرب، وقيل: أحبار اليهود، وقيل: المنافقون، قال ابن كثير: والآية عامة في هؤلاء كلهم.\n• قال السعدي: دلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل فيتلقى أحكام ربه بالقبول والانقياد والتسليم.\n• قال ابن القيم: وكان لله في جعل القبلة إلى بيت المقدس؛ ثم تحويلها إلى الكعبة حِكَم عظيمة، ومحنةٌ للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين.\nفأما المسلمون، فقالوا: سمعنا وأطعنا، وقالوا (آمنا به كل من عند ربنا) وهم الذين هدى الله، ولم تكن كبيرة عليهم.\nوأما المشركون، فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا، وما رجع إليها إلا أنه الحق.\nوأما اليهود، فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله، ولو كان نبيًا لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء.\nوأما المنافقون، فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجه، إن كانت الأولى حقًا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق، فقد كان\nعلى باطل، وكثرت أقاويل السفهاء من الناس.\n• قوله تعالى (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ …) فيه قولان.\nالقول الأول: أن هذا إخبار من الله تعالى لنبيه -ﷺ- وللمؤمنين بأن السفهاء من اليهود والمنافقين سيقولون هذه المقالة عند أن تتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.\nوفائدة ذلك:\nأولًا: أنه ﵊ إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه، كان هذا إخبارًا عن الغيب فيكون معجزًا.\nوثانيها: أنه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولًا ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذيه من هذا الكلام أقل مما إذا سمعه منهم.\nوثالثها: أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولًا ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه النبي -﵇- منهم يكون الجواب حاضرًا، فكان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضرًا. [مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٣].","vol":"2","page":1},{"text":"القول الثاني: أن (سيقول) بمعنى قال، وإنما عبر عن الماضي بلفظ المستقبل للدلالة على استدامته واستمراره عليه.\n• قال الشوكاني: قوله (سَيَقُولُ) هذا إخبار من الله سبحانه لنبيه -ﷺ- وللمؤمنين، بأن السفهاء من اليهود، والمنافقين سيقولون هذه المقالة عند أن تتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.\nوقيل: إن (سَيَقُولُ) بمعنى: قال، وإنما عبر عن الماضي بلفظ المستقبل للدلالة على استدامته، والاستمرار عليه، وقيل: إن الإخبار بهذا الخبر كان قبل التحول إلى الكعبة، وأن فائدة ذلك أن الإخبار بالمكروه إذا وقع قبل وقوعه كان فيه تهوين لصدمته، وتخفيف لروعته، وكسرًا لسَوْرته.\n• قوله تعالى (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ …) فائدة وصفهم بأنهم من الناس مع كونه معلومًا هو التنبيه على بلوغهم الحد الأقصى من السفاهة بحيث لا يوجد في الناس سفهاء غير هؤلاء فإذا قسم نوع الإنسان أصنافًا كان هؤلاء صنف السفهاء فيفهم أنه لا سفيه غيرهم على وجه المبالغة، والمعنى أن كل من صدر منه هذا القول هو سفيه سواء كان القائل اليهود أو المشركين من أهل مكة.\n• سميت القبلة قبلة لأن المصلي يستقبلها.\n• النبي -ﷺ- حينما كان يستقبل بيت المقدس هل كان ذلك بوحي من الله أو باجتهاد منه؟ اختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: كان ذلك منه عن رأي واجتهاد، وقيل: أنه كان مخيرًا بين بيت المقدس والكعبة فاختار القدس طمعًا في إيمان اليهود واستمالتهم، وقيل: أن ذلك كان بأمر الله ووحيه ثم نسخ بعد ذلك وأمره أن يستقبل بصلاته الكعبة، واستدلوا بقوله تعالى (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم …) وهي واضحة الدلالة، وهذا القول هو الصحيح.\n• قال القرطبي: دلت الآية على جواز نسخ السنة بالقرآن، وذلك أن النبي -ﷺ- صلى نحو بيت المقدس، وليس في ذلك قرآن، فلم يكن الحكم إلا من جهة السنة ثم نسخ ذلك بالقرآن، وعلى هذا يكون (كنت عليها) بمعنى أنت عليها. … (قُلْ) أي: أنزل الله جوابًا لهم.\n(لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) و(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده وفي تصرفه، وخدامه حيثما وجهنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد -ﷺ- وأمته عناية عظيمة، إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له أشرف بيوت الله في الأرض، إذ هي بناء الخليل -﵇-.","vol":"2","page":2},{"text":"• وقال القرطبي: أي: له ملك المشارق والمغارب وما بينهما، فله أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء.\n(يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) إشعار بأن تحويل القبلة إلى الكعبة من الهداية للنبي لأهل ملته إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.\n• قوله تعالى (مَنْ يَشَاءُ) فيه إثبات المشيئة لله، وليعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، هي مشيئة مقرونه بالحكمة، والدليل على ذلك، قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله، بيّن أن ذلك مبني عن علم وحكمة. (الشيخ ابن عثيمين)","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-468>الفوائد:</span>\n١ - سفه من يعترض على أقدار الله.\n٢ - تسلية النبي -ﷺ- وأصحابه.\n٣ - الرد على المعترضين، ومن الرد العام الذي يرد به: أن الله رب العالمين مالك الملك، وأن الخلق كلهم ملكه وعبيده، فله أن يشرع لهم ما يشاء، لأنه يعلم ما صلح لهم (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).\n٤ - وجوب الانقياد لله والسمع والطاعة، لأن هذا هو مقتضى العبودية الحق.\n٥ - عموم ملك الله تعالى.\n٦ - الرد على من يقول: لماذا الله أعطى فلانًا ولم يعط فلانًا.\n٧ - أن الهداية بيد الله.\n٨ - استحباب طلب الهداية من الله، وفي الحديث القدسي (فاستهدوني أهدكم).\n٩ - إثبات مشيئة الله.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-469>(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (١٤٣».</span> [البقرة: ١٤٣].\n<hr><s0>\n\n(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) أي: كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل وكذلك جعلناكم أمة وسطًا.\n• قال ابن كثير: يقول تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم -﵇-، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، والوسط ههنا الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها، وكان رسول الله -ﷺ- وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا، ومنه الصلات الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر، وفي القرآن (قَالَ أَوْسَطُهُمْ) أي: أعدلهم وخيرهم.\nوقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري. عن النبي -ﷺ- في قوله (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قال: عدلًا).\n• وقال السعدي: وما عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة، وسطًا في كل أمور الدين.\nوسطًا في الأنبياء: بين من غلا فيهم، كالنصارى، وبين من جفاهم، كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك.\nووسطًا في الشريعة: لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى.\nوفي باب الطهارة والمطاعم: لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات، عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئًا، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج.\nبل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها.\nووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا (أُمَّةً وَسَطًا).\n• وهذا يدل على فضيلة هذه الأمة، ومن فضائلها:\nقوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).\nوقوله تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ).","vol":"2","page":5},{"text":"وقال -ﷺ- (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم …) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله) رواه أحمد.\nوقال -ﷺ- (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله …) متفق عليه.\nوقوله -ﷺ- (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرجل … الحديث وفيه: ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (وجعلت أمتي خير الأمم) رواه أحمد.\n(لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) أي: لتشهدوا على الأمم والناس كافة يوم القيامة أن رسلهم بلّغتهم، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري. قال: قال رسول الله -ﷺ- (يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال: لأمته هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدًا، فذلك قوله جل ذكره: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا) والوسط: العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم) رواه البخاري.\n• ووصفت أمة محمد -ﷺ- بالوسط، لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذي غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها. [تفسير الطبري: ٢/ ١١]\n(وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) أي: يشهد عليكم بالتبليغ أنه قد بلغ.","vol":"2","page":6},{"text":"• قال الشنقيطي: لم يبين هنا هل هو شهيد عليهم في الدنيا أو الآخرة؟ ولكنه بين في موضع آخر أنه شهيد عليهم في الآخرة، وذلك في قوله (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول …).\n(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا) وهي بيت المقدس، كما روى البخاري عَنِ الْبَرَاءِ (أَنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ - مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ\nاللَّهُ تَعَالَى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ).\nويدل له أيضًا قوله (الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا).\n(إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) أي: إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولًا إلى بيت المقدس ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ويطيعك، ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه، أي: مرتدًا عن دينه.\nقوله تعالى (إلا لنعلم …) المراد علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب، فلا ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس.\n• قال القرطبي: هذا العلم هو العلم الذي يقع عليه به الجزاء، لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم.\n• قال الشنقيطي: ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه، ﷾ عن ذلك علوًّا كبيرًا، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون، وقد بين أنه لا يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه بقوله جل وعلا (وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور) فقوله (والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور) بعد قوله (وَلِيَبْتَلِيَ) دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئًا لم يكن عالمًا به، … ومعنى (إِلاَّ لِنَعْلَمَ) أي علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب فلا ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس. أما عالم السر والنجوى فهو عالم بكل ما سيكون، كما لا يخفى.","vol":"2","page":7},{"text":"• وقال الشيخ ابن عثيمين: المراد علم ظهور أو علم يترتب عليه الجزاء، لأن علم الله الكائن في الأزل لا يترب عليه الجزاء حتى يُمتحن العبد ويُنظر.\n• ومثل هذه الآية قوله تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) وقوله تعالى (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) وقوله تعالى (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ).\n(وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً) أي: هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي: وإن كان هذا الأمر عظيمًا في النفوس.\n(إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) قلوبهم وأيقنوا بتصديق الرسول، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكًا كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال تعالى (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ).\n(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك ما كان يضيع ثوابها عند الله.\nكما جاء في الحديث السابق عن البراء قال (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ - مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) فجمهور المفسرين فسروا (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي\n: صلاتكم.","vol":"2","page":8},{"text":"• قال السعدي: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: ما ينبغي له ولا يليق به تعالى، بل هي من الممتنعات عليه، فأخبر أنه ممتنع عليه، ومستحيل، أن يضيع إيمانكم، وفي هذا بشارة عظيمة لمن مَنَّ الله عليهم بالإسلام والإيمان، بأن الله سيحفظ عليهم إيمانهم، فلا يضيعه …، وفي هذه الآية، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، أن الإيمان تدخل فيه أعمال الجوارح.\n(إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ) قال الطبري: إن الله بجميع عباده ذو رأفة، والرأفة أعلى معاني الرحمة.\nوقال الخطابي: الرؤوف هو الرحيم العاطف برأفته على عباده.\nوقال بعضهم: الرأفة أبلغ الرحمة وأرقها.\n• ومن رأفته ﷾: أنه لا يضيع لعباده طاعة أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها، فمن مات قبل تحويل القبلة لهم ثوابهم وأجرهم.\nومن رأفته ﷾ بنا: أنه خوفنا من عقوبته وعذابه، ونهانا عن معصيته، قبل أن يلقاه العبد يوم القيامة ليستعد للقائه، ويتجنب سخطه وغضبه «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ).\nومن رأفته: أنه أرسل رسله وأنزل كتبه التي تبين شرعه، لينقذ الناس من ظلمات الشرك والجاهلية إلى نور التوحيد والهداية (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ).\nومن رأفته: أنه يقبل توبة التائبين، ولا يُرد عن بابه العاصين المنيبين، مهما كثرت سيئاتهم، وتعاظمت خطيئاتهم (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).\nومن رأفته: تسخيره لما في السماوات وما في الأرض لمصلحة الإنسان ومنفعته، وخلقه الأنعام ليركب على ظهرها فتحمله المسافات الشاسعة، هو ومتاعه وزاده (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ).\n(رَحِيمٌ) الرحيم اسم من أسماء الله، فيجب إثبات ذلك، وهو متضمن لصفة الرحمة الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).\nوقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورحمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). (وقد تقدمت مباحث الرحمة).","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-470>الفوائد:</span>\n١ - أن هذه الأمة هي خير الأمم وأفضلها.\n٢ - إثبات رسالته -ﷺ- وشهادته على أمته وتشريفه وتكريمه -ﷺ-.\n٣ - تشريف هذه الأمة وتكريمها بحيث تشهد على جميع الأمم، ولا يشهد عليها إلا رسولها.\n٤ - اشتراط العدالة في الشهود.\n٥ - أن في أمره -ﷺ- بالتوجه في الصلاة إلى بيت المقدس ثم تحويله إلى الكعبة ابتلاءً وامتحانًا للناس، ليظهر من يتبع الرسول ويطيعه، وحال من يرجع على عقبيه ويرتد.\n٦ - وجوب اتباع الرسول وتأكيد ذلك.\n٧ - إثبات علم الله.\n٨ - أن صرف القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام أمر كبير وحدث عظيم، ليس من السهل التسليم به وقبوله إلا على من هداهم الله من أهل الإيمان واليقين.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-471>(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤».</span> [سورة البقرة: ١٤٤].\n<hr><s0>\n\n(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) (قد) إذا دخلت على المضارع منسوبًا إلى الله، فإن ذلك يعني المبالغة في التحقيق. أي: قد رأينا ذلك (تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) أي: توجهك بوجهك وبصرك إلى السماء حال الدعاء، تنظر إليها، وتنتظر أمر الله لك ووحيه إليك، بتحويل القبلة إلى الكعبة.\nقال ابن عباس: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله -ﷺ- لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله -ﷺ- بضعة عشر شهرًا، وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء فأنزل الله (قد نرى … إلى قوله: فولوا وجوهكم شطره). (تفسير ابن كثير).\n• قال ابن عطية: المقصد تقلب البصر، وذكر الوجه لأنه أعم وأشرف، وهو المستعمل في طلب الرغائب، تقول: بذلت وجهي في كذا، وفعلت لوجه فلان.\n(فَلَنُوَلِّيَنَّكَ) أي: فلنجعلنك متوليًا إلى جهتها، وقيل: هو من الولاية، أي: فلنعطينك ذلك، والأول أولى.\n(قِبْلَةً تَرْضَاهَا) وهي المسجد الحرام، كما في حديث البراء بن عازب وفيه (… وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قِبَلَ مَكَّةَ …).\n• قوله تعالى (تَرْضَاهَا) المراد بهذا الرضا رضا المحبة بالطبع، لا رضا التسليم والانقياد لأمر الله.\n(فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) المراد بالشطر هنا: الناحية والجهة، والمراد بشطر المسجد: الكعبة.\n(وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) أي: وحيثما كنتم أيها المؤمنون فتوجهوا في صلاتكم نحو الكعبة.\n• بهذا الخطاب والأمر له -ﷺ- ولأمته، حولت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، ونسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة.\n• وكان أول صلاة صلاها رسول الله -ﷺ- إلى الكعبة صلاة العصر، كما في حديث البراء، وروي أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة الظهر، وكان ذلك في منتصف رجب، وقيل في منتصف شعبان.","vol":"2","page":11},{"text":"• قال ابن كثير: أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئًا في نفس الأمر، لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.\n• قال الرازي: قوله تعالى (وجوهكم) المراد من الوجه ههنا جملة بدن الإنسان لأن الواجب على الإنسان أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط والوجه يذكر ويراد به نفس الشيء لأن الوجه أشرف الأعضاء ولأن بالوجه تميز بعض الناس عن بعض، فلهذا السبب قد يعبر عن كل الذات بالوجه.\n• قوله تعالى (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) وإنما ذكر الحق تعالى شطر المسجد، أي: جهته، دون عين الكعبة، لأنه -﵇- كان في المدينة، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها حَرجٌ عليه، بخلاف القريب، فإنه يسهل عليه مسامته العين. وقيل: إن جبريل -﵇- عيّنها له بالوحي فسميت قبلة وحْي.\n• فإن قيل: هل في الآية الكريمة تكرار؟\nهذا ليس بتكرار، وبيانه من وجهين.\nأحدهما: أن قوله تعالى (فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام) خطاب مع الرسول -﵇- لا مع الأمة، وقوله (حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) خطاب مع الكل.\nوثانيهما: أن المراد بالأولى مخاطبتهم وهم بالمدينة خاصة، وقد كان من الجائز لو وقع الاختصار عليه أن يظن أن هذه القبلة قبلة لأهل المدينة خاصة، فبين الله تعالى أنهم أينما حصلوا من بقاع الأرض يجب أن يستقبلوا نحو هذه القبلة.\n(وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: وإن اليهود يعلمون أن تحويل القبلة من بيت المقدس هو الحق من ربهم.\n• فإن قيل: كيف يعلمون أنه حق وليس ذلك من دينهم ولا في كتابهم؟\nقيل: أنهم لما علموا من كتابهم أن محمدًا -ﷺ- نبي علموا أنه لا يقول إلا الحق.\nوقيل: أنهم علموا من دينهم جواز النسخ.\nوقيل: أن في كتابهم الأمر بالتوجه إليها.","vol":"2","page":12},{"text":"وقيل: أنهم يعلمون أن المسجد الحرام قبلة إبراهيم. [زاد المسير: ١/ ١٥٧]. [تفسير القرطبي: ٢/ ١٠٩]\n• قال ابن كثير: أي: وإن اليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة، وانصرافكم عن بيت المقدس - يعلمون أن الله تعالى - سيوجهك إليها، بما في كتبهم عن أنبيائهم، من النعت والصفة لرسول الله -ﷺ- وأمته، وما خصه الله تعالى به وشرفه، من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا.\n(وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) لكمال علمه ﷾.\n\n<span data-type='title' id=toc-472>الفوائد:</span>\n١ - إثبات علو الله.\n٢ - إثبات عظمة الله لقوله (فلنولينك) فإن ضمير الجمع للتعظيم.\n٣ - وجوب الاتجاه إلى المسجد الحرام في الصلاة.\n٤ - عظمة هذا المسجد لوصفه بالحرام.\n٥ - بيان عناد اليهود والنصارى.\n٦ - انتفاء الغفلة عن الله تعالى لكمال علمه وإحاطته بهم.\n٧ - تهديد هؤلاء المعاندين.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-473>(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥».</span> [سورة البقرة: ١٤٥].\n<hr><s0>\n\n(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) يخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول الله -ﷺ-، وأنه لو قام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ).\n• وفائدة إخبار النبي -ﷺ- بذلك: إراحة قلب النبي -ﷺ- وإبعاد الشغل والفكر في هؤلاء عنه، أي: لا تشتغل بهم ولا تفكر فيهم.\n(وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) هذا الإخبار يمكن أن يكون بمعنى النهي من الله سبحانه لنبيه -ﷺ-، أي: لا تتبع يا محمد قبلتهم، ويمكن أن يكون على ظاهره دفعًا لأطماع أهل الكتاب، وقطعًا لما يرجونه من رجوعه -ﷺ- إلى القبلة التي كان عليها. (قاله الشوكاني).\nوالثاني أولى، ولهذا قال ابن كثير: هو إخبار عن شدة متابعة الرسول -ﷺ- لما أمره الله تعالى به، وأنه كما هم مستمسكون بآرائهم وأهوائهم، فهو أيضًا مستمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله.\n(وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) أي: إن النصارى لا يتبعون قبلة اليهود، كما أن اليهود لا يتبعون قبلة النصارى، لما بينهم من العداوة والخلاف الشديد.\nكما قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ).\n(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ) أي: ما يهوونه ويريدونه.\nوالهوى: هو الميل عن الحق والمخالفة له بلا دليل من شرع أو عقل، وهو ضد الهدى كما قال تعالى (إنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى).\n• قال السعدي: إنما قال: (أهواءهم) ولم يقل دينهم، لأن ما هم عليه مجرد أهوية نفس، حتى هم في قلوبهم يعلمون أنه ليس بدين، ومن ترك الدين، اتبع الهوى ولا محالة، قال تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ).","vol":"2","page":14},{"text":"(مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي: من بعد ما وصل إليك من العلم بإبلاغي إياك أنهم مقيمون على باطل وعلى عناد منهم للحق ومعرفة منهم أن القبلة التي وجهتك إليها هي القبلة التي فرضت على أبيك إبراهيم -﵇- وسائر ولده من بعده من الرسل التوجه نحوها.\n(إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) يعني: إنك إذا فعلت ذلك من عبادي الظلمة أنفسهم المخالفين أمري والتاركين طاعتي. …\nوأي ظلم أعظم، من ظلم، من علم الحق والباطل، فآثر الباطل على الحق، وهذا وإن كان الخطاب له -ﷺ- فإن أمته داخلة في ذلك، وأيضًا، فإذا كان هو -ﷺ- لو فعل ذلك -وحاشاه- صار ظالمًا مع علو مرتبته، وكثرة حسناته، فغيره من باب أولى وأحرى. (تفسير السعدي).\n• هذا الخطاب للنبي -ﷺ- والمراد أمته.\n• وفي الآية تهديد ووعيد للعالم عن مخالفة الحق الذي يعلمه، فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره.\nكما قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا).\nوقال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ …).\nوفي الحديث (… يؤتى بالرجل فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه … الحديث وفيه: أنه يقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) متفق عليه.\nوحديث (أول من تسعر بهم النار ثلاثة، … ومنهم: عالم تعلم العلم ليقال: عالم) رواه مسلم.\n• قال الشوكاني: وإن كان من أهل العلم والفهم المميزين بين الحق والباطل كان في اتباعه لأهويتهم ممن أضله الله على علم وختم على قلبه، وصار نقمة على عباد الله ومصيبة صبها الله على المقصرين، لأنهم يعتقدون أنه في علمه وفهمه لا يميل إلا إلى\nحق، ولا يتبع إلا الصواب، فيضلون بضلاله، فيكون عليه إثمه وإثم من اقتدى به إلى يوم القيامة. …\n\n<span data-type='title' id=toc-474>الفوائد:</span>\n١ - أن رد الحق بعد معرفته وقيام الأدلة عليه من صفات أهل الكتاب وبخاصة اليهود.\n٢ - اختلاف قبلة اليهود والنصارى، فاليهود قبلتهم إلى بيت المقدس، والنصارى قبلتهم إلى المشرق.\n٣ - ذم أهل الكتاب باتباعهم أهواءهم.\n٤ - وجوب اتباع الحق إذا ظهرت آياته.\n٥ - تحذير الأمة من اتباع أهواء غير المؤمنين.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-475>(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧».</span> [سورة البقرة: ١٤٦ - ١٤٧].\n<hr><s0>\n\n(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) من علماء أهل الكتاب.\n(يَعْرِفُونَهُ) اختلف في مرجع الضمير:\nفقيل: إنه عائد إلى رسول الله -ﷺ- أي يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره كما يعرفون أبناءهم، لا تشتبه عليهم وأبناء غيرهم.\nوقيل: إن الضمير في قوله (يَعْرِفُونَهُ) راجع إلى أمر القبلة: أي علماء أهل الكتاب يعرفون أمر القبلة التي نقلت إليها كما يعرفون أبناءهم وهو قول ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد.\nورجح هذا القول الطبري والشوكاني، لأن السياق في أمر القبلة.\nورجح الرازي القول الأول، وقال: واعلم أن القول الأول أولى من وجوه:\nأحدها: أن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق، وأقرب المذكورات العلم في قوله (مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم) والمراد من ذلك العلم: النبوة، فكأنه تعالى قال: إنهم يعرفون ذلك العلم كما يعرفون أبناءهم، وأما أمر القبلة فما تقدم ذكره البتة.\nوثانيها: أن الله تعالى ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة مذكور في التوراة والإنجيل، وأخبر فيه أن نبوة محمد -ﷺ- مذكورة في التوراة والإنجيل، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى.\nوثالثها: أن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد -﵇-، فأما أمر القبلة فذلك إنما يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد -ﷺ- فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى.\n(كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) أي: كما يعرف أحدهم ابنه لا امتراء ولا شك.\n• قال في التسهيل (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) مبالغة في وصف المعرفة، وقال عبد الله بن سلام معرفتي بالنبي -ﷺ- أشدّ من معرفتي بابني؛ لأن ابني قد يمكن فيه الشك.\n• وإنما كانوا يعرفونه كمعرفتهم أبناءهم، لما جاء في كتبهم من البشارة به -ﷺ- وذكر صفاته، وكمال دينه، وفضيلة أمته، قال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).","vol":"2","page":16},{"text":"عن عمر -﵁- أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله -ﷺ- فقال (أنا أعلم به مني بابني، قال: ولم؟ قال: لأني لست أشك\nفي محمد أنه نبي وأما ولدي فلعل والدته خانت. فقبل عمر رأسه).\nوقيل: كما يعرفون أبناءهم من بين أبناء الناس كلهم، لا يشك أحد ولا يمتري في معرفة ابنه إذا رآه من أبناء الناس كلهم.\n• فإن قيل: لم خص الأبناء الذكور؟\nالجواب: لأن الذكور أعرف وأشهر وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق.\n(وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ) أي: ومع هذا التحقق والإتقان العلمي ليكتمون الحق وما في كتبهم من صفة محمد -ﷺ-، وعلى القول الثاني يكتمون الحق في أمر القبلة.\n(وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن محمد على الحق ومع هذا كتموه.\n• فيه تحريم كتم العلم والحق، وأن من فعل ذلك ففيه شبه من اليهود.\n• قال السعدي: فالعالم عليه إظهار الحق، وتبيينه وتزيينه، بكل ما يقدر عليه من عبارة وبرهان ومثال، وغير ذلك، وإبطال الباطل وتمييزه عن الحق، وتشيينه، وتقبيحه للنفوس، بكل طريق مؤد لذلك، فهؤلاء الكاتمون، عكسوا الأمر، فانعكست أحوالهم.\n(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أي: ما أوحاه الله إليك يا محمد من أمر القبلة هو الحق الثابت.\n(فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي: فلا تكونين من الشاكين.","vol":"2","page":17},{"text":"• والخطاب للنبي -ﷺ- والمراد أمته.\n• قال الطبري: فإن قال قائل: أو كان النبي -ﷺ- شاكًا في أن الحق من ربه، أو في أن القبلة التي وجهه الله إليها حق من الله حتى نهي عن الشك؟ قيل: ذلك من الكلام الذي تخرجه العرب مخرج الأمر أو النهي للمخاطب به والمراد به غيره، كما قال جل ثناؤه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-476>الفوائد:</span>\n١ - معرفة أهل الكتاب للنبي -ﷺ- وصدق رسالته، وأن ما جاء به حق، كما يعرفون أبناءهم.\n٢ - أن من صفات أهل الكتاب كتم العلم.\n٣ - أن من كتم العلم من هذه الأمة ففيه شبه من اليهود.\n٤ - أن من رد الحق وخالفه عن علم ومعرفة أعظم جرمًا وأشد ذمًا ممن رده وخالفه عن جهل.\n٥ - إثبات ربوبية الله ﷿ الخاصة لرسله وأوليائه.","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-477>(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨».</span> [سورة البقرة: ١٤٨].\n<hr><s0>\n\n(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) أي: لكل أمة من الأمم قبلة هو موليها ومتوجه لها، يعني بذلك أهل الأديان، لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها الأمة إلى القبلة التي هي القبلة.\n• قال ابن كثير: وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا).\nوقيل: المراد لكل قوم من المسلمين وجهة أي جهة من الكعبة يصلي إليها: جنوبية أو شمالية، أو شرقية أو غربية، لكن هذا فيه ضعف والأول أصح.\n• قوله تعالى (هو موليها) الضمير راجع إلى لفظ (كل) أي: لكل صاحب ملة قبلة، صاحب القبلة موليها وجهه، وقيل:\nإن الضمير في قوله (هو موليها) إلى الله، والمعنى: ولكلٍّ وجهة الله ﷿ موليه إياها، والأول أصح.\n(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) أي: بادروا إلى ما أمركم الله من استقبال البيت الحرام كما يفيده السياق، وإن كان ظاهره الأمر بالاستباق إلى كل ما يصدق عليه أنه خير كما يفيده العموم المستفاد من تعريف الخيرات.\n• قال السعدي: والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات، فإن الاستباق إليها يتضمن فعلها وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها.\n• فينبغي للمسلم أن يبادر للخيرات والأعمال الصالحات الواجبات والمستحبات كما أمر الله بذلك.\nكما قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).\nوقال تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).\nوقال تعالى (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ).\nوقال تعالى (وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ).\nوامتدح أولياءه بأنهم (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) و(أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ).","vol":"2","page":19},{"text":"وقال -ﷺ- (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا) رواه مسلم.\n• وقد كان الرسول -ﷺ- وصحابته يبادرون للخيرات.\nفقد ثبت في البخاري عن عقبة بن الحارث قال (صليتُ وراء النبي -ﷺ- بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعًا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجَر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، قال: ذكرت شيئًا من تِبْرٍ عندنا، فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته) [التبر: قطع ذهب أو فضة].\nوعن ربيعة بن كعب قال (كنت أبيت مع رسول الله -ﷺ- فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سلني، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم.\nوعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. فَقَالَ «وَمَا ذَاكَ». قَالُوا يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونُ وَلَا نَتَصَدَّقُ وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ». قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً». قَالَ أَبُو صَالِحٍ فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) رواه مسلم.\nقال ابن القيم: … كما كان أصحاب رسول الله -ﷺ- يتنافسون في الخير ويفرح بعضهم ببعض باشتراكهم فيه، بل يحض بعضهم بعضًا، وهي نوع من المسابقة، وقد قال تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض).\nوعن عبد الله بن عمرو (أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله -ﷺ-: قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعط) رواه أبو داود.","vol":"2","page":20},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-478> ومن المسارعة إلى الخيرات التأسف على فواتها، ومن الأمثلة على ذلك:</span>\nأولًا: ما جاء في الحديث السابق: حيث كان الفقراء يحزنون على ما يتعذر عليهم فعله من الخير مما يقدر عليه غيرهم.\nثانيًا: الحزن على التخلف عن الخروج في الجهاد لعدم القدرة على آلته.\nكما قال تعالى (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ).\nثالثًا: التأسف على فعل الطاعة.\nفإن ابن عمر لما بلغه حديث (من شهد الجنازة حتى تدفن فله قيراط، ومن شهدها حتى يصلى عليها فله قيراطان) قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.","vol":"2","page":21},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-479> لماذا ينبغي أن نبادر ونسارع إلى الخيرات؟</span>\n<span data-type='title' id=toc-480>أولًا: استجابة لأمر الله ورسوله.</span>\nكما في الآيات والأحاديث التي سبقت، وقد تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ …).\n\n<span data-type='title' id=toc-481>ثانيًا: قبل حدوث الشواغل من فقر أو موت أو هرم </span>أو ....\nكما في الحديث قال -ﷺ- (بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنتظرون إلى فقْرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو موتًا مجهزًا …) رواه الترمذي وفيه ضعف.\nوفي الحديث قال -ﷺ- (اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، …) رواه الحاكم.\nفالإنسان إذا انشغل بفقره لا يستطيع أن يؤدي ويسارع للأعمال الصالحات، وكذا إذا مرض، فإنه ينشغل بمرضه، وكذا لا يدري متى يأتيه الموت، فالموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل.\n\n<span data-type='title' id=toc-482>ثالثًا: قبل الفتن المانعة من العمل.</span>\nكما قال -ﷺ- (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا). رواه مسلم\nفالإنسان ينبغي أن يبادر بالأعمال الصالحة قبل وقوع الفتن فينشغل بها، فتشغله عن التفرغ للعمل الصالح، كما هو حال كثير من الناس الآن، وأيضًا الأعمال الصالحة سبب للنجاة من الفتن، ولهذا قال (بادروا بالأعمال - أي الصالحة - فتنًا، أي، قبل وقوع الفتن، فالعمل الصالح من إخلاص لله ومتابعة للرسول وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وصلاة وخاصة بالليل وغيره سبب للنجاة من الفتن إذا حدثت وانتشرت، ولهذا قام النبي -ﷺ- ليلة من الليل فزعًا وهو يقول: (من يوقظ صواحب الحجرات كي يصلين، ما أنزل الليلة من الفتن).\n\n•<span data-type='title' id=toc-483> من أقوال السلف:</span>\nقال عمر بن عبد العزيز: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.\nوقال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها فإنه لو جاء وقت نفاقها لم تصلوا فيها إلى قليل ولا كثير.\nوكان أبو بكر بن عياش يقول: لو سقط من أحدكم درهم لظل يومه يقول: إنا لله ذهب درهمي وهو يذهب عمره ولا يقول: ذهب عمري وقد كان لله أقوام يبادرون الأوقات ويحفظون الساعات ويلازمونها بالطاعات.\nوقال سعيد بن المسيب: ما تركت الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة.\nوكان سعيد بن جبير يختم القرآن في ليلتين.\nوقيل لعمرو بن هانئ: لا نرى لسانك يفتر من الذكر فكم تسبح كل يوم؟ قال: مائة ألف إلا ما تخطئ الأصابع.","vol":"2","page":22},{"text":"وصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها وكان الليل كله يبكي فتقول له أمه: يا بني قتلت قتيلًا فيقول: أنا أعلم بما صنعت نفسي.\nقال الجماني: لما حضرت أبو بكر بن عياش الوفاة بكت أخته فقال: لا تبك وأشار إلى زاوية في البيت: إنه قد ختم أخوك في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة.\nمن قدم اليوم شيئًا قدم عليه غدًا، ومن لم يقدم شيئًا قدم على غير شيء، قيل لبعضهم جمع فلان مالًا؟ قال: هل جمع عمرًا ينفقه فيه، قالوا: لا، قال: ما جمع شيئًا.\nوقال بعض السلف: اعمل للدنيا على قدر مكثك فيها، واعمل للآخرة على قدر مكثك فيها.\n• قال السعدي: ولما كان أقوى ما يحث النفوس على المسارعة إلى الخير وينشطها، ما رتب الله عليها من الثواب قال:\n(أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) أي: في موضع تكونوا من أعماق الأرض أو قمم الجبال يجمعكم الله للحساب فيفصل بين المحق والمبطل (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى).\n(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ومن قدرته ﷾ جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-484>الفوائد:</span>\n١ - أن الإنسان يجب عليه أن يتبع الحق أينما كان ولا ينظر إلى كثرة المخالف.\n٢ - الحث على المسابقة إلى الخير.\n٣ - إحاطة الله بالخلق أينما كانوا.\n٤ - إثبات البعث والجزاء.\n٥ - عموم قدرة الله لكل شيء.","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-485>(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠».</span> [سورة البقرة: ١٤٩ - ١٥٠].\n<hr><s0>\n\n(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض، وقد اختلفوا في حكمة التكرار ثلاث مرات:\nأحدها: أن الأحوال ثلاثة، أولها: أن يكون الإنسان في المسجد الحرام، وثانيها: أن يخرج عن المسجد الحرام ويكون في البلد، وثالثها: أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض، فالآية الأولى محمولة على الحالة الأولى، والثانية على الثانية، والثالثة على الثالثة، لأنه قد كان يتوهم أن للقرب حرمة لا تثبت فيها للعبد، فلأجل إزالة هذا الوهم كرر الله تعالى هذه الآيات.\nوالجواب الثاني: أنه سبحانه إنما أعاد ذلك ثلاث مرات لأنه علق بها كل مرة فائدة.\nأما في المرة الأولى فبين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد -ﷺ- وأمر هذه القبلة حق، لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل، وأما في المرة الثانية فبين أنه تعالى يشهد أن ذلك حق، وشهادة الله بكونه حقًا مغايرة لعلم أهل الكتاب بكونه حقًا،\nوأما في المرة الثالثة فبين أنه إنما فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة، فلما اختلفت هذه الفوائد حسنت إعادتها لأجل أن يترتب في كل واحدة من المرات واحدة من هذه الفوائد، ونظيره قوله تعالى (فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أيديهم وويل لهم مما يكسبون).","vol":"2","page":24},{"text":"والجواب الثالث: أنه تعالى قال في الآية الأولى (فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) فكان ربما يخطر ببال جاهل أنه تعالى إنما فعل ذلك طلبًا لرضا محمد -ﷺ- - لأنه قال (فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) فأزال الله تعالى هذا الوهم الفاسد بقوله: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ) أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك، بل لأجل أن هذا التحويل هو الحق الذي لا محيد عنه فاستقبالها ليس لأجل الهوى والميل كقبلة اليهود المنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والميل، ثم أنه تعالى قال ثالثًا (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) والمراد دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات، ولا تولوا فيصير ذلك التولي سببًا للطعن في دينكم، والحاصل أن الآية السالفة أمر بالدوام في جميع الأمكنة والثانية أمر بالدوام في جميع الأزمنة والأمكنة، والثالثة أمر بالدوام في جميع الأزمنة وإشعار بأن هذا لا يصير منسوخًا ألبتة.\nوالجواب الرابع: أن الأمر الأول مقرون بإكرامه إياهم بالقبلة التي كانوا يحبونها وهي قبلة أبيهم إبراهيم -﵇-، والثاني مقرون بقوله تعالى (وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا) أي لكل صاحب دعوة وملة قبلة يتوجه إليها فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم الله تعالى أنها حق وذلك هو قوله (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَإِنَّهُ للْحَقُّ مِن رَّبّكَ) والثالث مقرون بقطع الله تعالى حجة من خاصمه من اليهود في أمر القبلة فكانت هذه عللًا ثلاثًا، قرن بكل واحدة منها أمر بالتزام القبلة، نظيره أن يقال: الزم هذه القبلة فإنها القبلة التي كنت تهواها، ثم يقال: الزم هذه القبلة فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى، وهو قوله (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ) ثم يقال: الزم هذه القبلة فإن في لزومك إياها انقطاع حجج اليهود عنك، وهذا التكرار في هذا الموضع كالتكرار في قوله تعالى (فَبِأَيّ ءَالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ) وكذلك ما كرر في قوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ).","vol":"2","page":25},{"text":"والجواب الخامس: أن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة وإيضاح البينات. (تفسير الرازي).\nورجح القرطبي القول الأول.\n\n<span data-type='title' id=toc-486>والخلاصة:</span>\nأن الأمر الأول: لتقرير حكم النسخ واستجابة لرغبة النبي -ﷺ-.\nوالأمر الثاني: لبيان أن الحق من ربك، وأن لكل ملة وجهة وهذا وجهتكم.\nوالأمر الثالث: حيثما توجهتم فهذه قبلتكم، ولقطع حجج المعاندين.\n(لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) المراد بالناس هنا أهل الكتاب، وهذا قول جمهور المفسرين، ووجه حجتهم: أنهم يقولون يجحد ديننا ويتبع قبلتنا.\n(إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) المراد بهم: مشركي قريش.\nذهب بعض العلماء إلى أن الاستثناء هنا منقطع - على القول الراجح - ويكون بمعنى (لكن) الذين ظلموا منهم (وهم مشركوا العرب) لا حجة لهم فلا يلتفت إليهم.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: والأقرب عندي -والله أعلم - أنه استثناء منقطع والمعنى: لئلا يكون للناس عليكم حجة، لكن الذين ظلموا منهم لن تنجوا من محاجتهم ومخاصمتهم.\nوذهب بعض العلماء إلى أن الاستثناء متصل، أي: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا سيحتجون ولن تنقطع دعواهم الباطلة. (يقولون رجع محمد إلى قبلتنا فسيرجع إلى ديننا).","vol":"2","page":26},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-487> فإن قيل: لماذا سميت حجة؟</span>\nفالجواب: الحجة تأتي بالقرآن بمعنى ما يحتج وبه ويتمسك به سواء كان صحيحًا أو باطلًا كما قال الله تعالى (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِم) فسماها حجة مع أنها باطلة، وقال تعالى (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم) والمحاجة هي أن يورد كل واحد منهم على صاحبه حجة، وهذا يقتضي أن يكون الذي يورد المبطل يسمى بالحجة، ولأن الحجة اشتقاقها من حجه إذا علا عليه، فكل كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجة، وقال بعضهم: إنها مأخوذة من محجة الطريق، فكل كلام يتخذه الإنسان مسلكًا لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجة، وإذا ثبت أن الشبهة قد تسمى حجة كان الاستثناء متصلًا.\nوممن رجح أن الاستثناء متصلًا ابن جرير الطبري ورجحه ابن تيمية وابن القيم.\n• قال السعدى: وكان صرف المسلمين إلى الكعبة، مما حصلت فيه فتنة كبيرة، أشاعها أهل الكتاب، والمنافقون، والمشركون، وأكثروا فيها من الكلام والشبه، فلهذا بسطها الله تعالى، وبينها أكمل بيان، وأكدها بأنواع من التأكيدات، التي تضمنتها هذه الآيات.\nمنها: الأمر بها، ثلاث مرات، مع كفاية المرة الواحدة.\nومنها: أن المعهود أن الأمر، إما أن يكون للرسول، فتدخل فيه الأمة تبعًا، أو للأمة عمومًا، وفي هذه الآية أمر فيها الرسول -ﷺ- بالخصوص في قوله (فَوَلِّ وَجْهَكَ) والأمة عمومًا في قوله (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ).\nومنها: أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة، التي أوردها أهل العناد وأبطلها شبهة شبهة، كما تقدم توضيحها.\nومنها: أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول قبلة أهل الكتاب.\nومنها: قوله (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف، ولكن مع هذا قال (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ).\nومنها: أنه أخبر - وهو العالم بالخفيات - أن أهل الكتاب متقرر عندهم، صحة هذا الأمر، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم.\n(فَلا تَخْشَوْهُمْ) أي: فلا تخشوا هؤلاء الظلمة المعاندين المخالفين للحق من اليهود والمشركين والمنافقين مهما قالوا، ومهما أرادوا بكم من أذى.\n(وَاخْشَوْنِي) أي: وخافوني وأفردوني بالخشية، فأنا القادر على نصركم، وحفظكم منهم.","vol":"2","page":27},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-488> والخشية أخص من الخوف، والفرق بينهما من وجوه:</span>\nأولًا: الخشية مع العلم، والخوف قد لا يكون.\nثانيًا: الخشية تكون لعظمة المخشي، وأما الخوف لضعف الخائف أو يكون المخوف منه قويًا، قال تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).\n• قال الرازي: فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج، ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم، واخشوني، يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم، وهذه الآية يدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه: خشية عقاب الله، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء ألبتة، وأن لا يكون مشتغل القلب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم.\n• وقال القرطبي: ومعنى الآية التّحقير لكل مَن سوى الله تعالى، والأمر باطراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى.\n\n•<span data-type='title' id=toc-489> في الآية الأمر بخشية الله وخوفه، وللخوف من الله فضائل:</span>\nأولًا: أنه من علامات الإيمان.\nقال تعالى (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).\nثانيًا: مدح الله أنبياءه بالخوف منه.\nكما قال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).\nثالثًا: الخوف من الله يجعل الإنسان في ظل العرش يوم القيامة.\nذكر النبي -ﷺ- في حديث السبعة (ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) فالخشية الموجبة لدمع العين تؤدي إلى أن النار لا تمس العين يوم القيامة.\nرابعًا: الخوف سبب للنجاة من كل سوء\nقال -ﷺ- (ثلاث منجيات: وذكر منها: خشية الله تعالى في السر والعلانية).\nخامسًا: أثنى الله على ملائكته بشدة خوفهم منه.\nكما قال تعالى (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ).\nسادسًا: من صفات الرجال العظماء.\nقال تعالى (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ).\nسابعًا: من صفات الأبرار خوفهم من عدم القبول.\nقال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) أي: والذين يعطون ويعملون ويخافون أن لا يتقبل منهم.","vol":"2","page":28},{"text":"ثامنًا: وعد الله الخائفين الجنة.\nكما قال تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ).\nتاسعًا: أنه من صفات نبينا محمد -ﷺ- وأصحابه.\nقال -ﷺ- (إني أخشاكم لله وأتقاكم له) رواه مسلم.\nوعن أنس قال (خطبنا رسول الله -ﷺ- خطبة ما سمعت مثلها قط قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، فغطى أصحاب رسول الله وجوههم ولهم خنين) متفق عليه.\nعاشرًا: من أسباب النجاة من النار.\nقال -ﷺ- (عينان لا تمسهما النار: عين باتت تحرس في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله) رواه الترمذي.\nوقد قال -ﷺ- (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).\nالحادي عشر: الخوف سبب للبعد عن المعاصي.\nقال تعالى (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ).\nقال بعض السلف: إذا سكن الخوف في القلب أحرق موضع الشهوات منه.\nالثاني عشر: سبب في إخلاص العمل لله.\nقال تعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا).\nالثالث عشر: سبب لعلو الهمة في العبادة.\nقال تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).\nالرابع عشر: الخوف يجعل العبد سائرًا على طريق الهداية.\nقال ذو النون المصري: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق.\nالخامس عشر: الخوف يضفي المهابة على صاحبه.\nقال عمر بن عبدالعزيز ﵀: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء.\nوقال يحيى بن معاذ الرازي: على قدر حبك لله يحبك الخلق، وعلى قدر خوفك من الله يهابك الخلق.\nالسادس عشر: الخوف من أسباب قبول الدعاء:\nقال تعالى (وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمت الله قريب من المحسنين).\nالسابع عشر: الخوف من أسباب الانتفاع بكلام الله تعالى.\nقال تعالى (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد).","vol":"2","page":29},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-490> من أقوال السلف:</span>\nقال أبو سليمان الداراني: ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب.\nوقال حاتم الأصم: لكل شيء زينة، وزينة العبادة الخوف من الله.\nوقال عامر بن قيس: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.\nوحين سئل عطاء السليمي: ما هذا الحزن؟ قال ويحك؟ الموت في عنقي، والقبر بيتي، وفي القيامة موقفي، وعلى جسر جهنم طريقي، لا أدري ما يصنع بي؟\nوقال الفضيل: من خاف الله دله الخوف على كل خير.\nوقال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبدالعزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما.\nوقال السبكي ﵀: ما خفت الله يوما، إلا رأيت له بابا من الحكمة والعبرة ما رأيته قط.\nوقال حكيم: الحزن يمنع الطعام، والخوف يمنع الذنوب، والرجاء يقوي على الطاعة، وذكر الموت يزهد في الفضول.\nوقال الحسن: الرجا والخوف مطيتا المؤمن.\nوقال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأن أهل الجنة قالوا (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن).\n(وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) أي: لأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها.\n• فبين الله تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين الحكمتين:\nإحداهما: لانقطاع حجتهم عنه.\nوالثانية: لتمام النعمة.\n(وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي: إلى ما ضلت عنه الأمم وهديناكم إليه وخصصناكم به.\n• قال الشنقيطي: (لعل) تأتي في القرآن بمعنيين، قال بعض العلماء: هي على الترجي، ولكن الترجي بحسب ما يظهر للناس، أما الله فهو عالم بما كان فلا يصدق عليه الترجي كقوله لموسى وهارون (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) أي: على رجائِكما وعلم بني آدم القاصر، أما الله فهو عالم أنه لا يذكر ولا يخشى.","vol":"2","page":30},{"text":"الثاني: ما قاله بعض العلماء: إن كل (لعل) في القرآن مشتملة معنى التعليل بمعنى (لأجل) وعليه فـ (لعلكم تذكرون)، لأجل أن تتذكروا وتتعظوا بآياتنا وغرائب صنعنا وعجائبنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-491>الفوائد:</span>\n١ - تكرار الأمر الهام.\n٢ - أن أهل الباطل يحاجون في الحق لإبطاله.\n٣ - وجوب تنفيذ شرع الله، وألا يخشى الإنسان لومة لائم.\n٤ - أن خشية الناس من أسباب كتم العلم وتبديله.\n٥ - أن تنفيذ أوامر الله وخشيته سبب للهداية.","vol":"2","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-492>(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (١٥١».</span> [سورة البقرة: ١٥١].\n<hr><s0>\n\n(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ) الكلام متعلق بما سبق في قوله (ولأتم نعمتي) والمعنى: كما أتممت عليكم نعمتي كذلك أرسلت فيكم رسولًا منكم.\n• قال ابن كثير: يذكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول -ﷺ- محمد إليهم.\nوالمخاطب بذلك هم العرب، قال الطبري: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ) فإنه يعني بذلك العرب، قال لهم جل ثناؤه: الزموا أيها العرب طاعتي وتوجهوا إلى القبلة التي أمرتكم بالتوجه إليها لتنقطع حجة اليهود عنكم، فلا تكون لهم عليكم حجة، ولأتم نعمتي عليكم وتهتدوا كما ابتدأتكم بنعمتي فأرسلت فيكم رسولًا إليكم منكم، وذلك الرسول الذي أرسله إليهم منهم محمد -ﷺ-. [تفسير الطبري: ٢/ ٤٦].\n(يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا) أي: يقرأ عليكم آياتنا، والمراد بالآيات هنا الشرعية، وهي الوحي.\n\n•<span data-type='title' id=toc-493> لأن آيات الله تنقسم إلى قسمين:</span>\nالآيات الكونية القدرية. (فهي مما نشاهده مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها).\nوهي ما نصبه الله (جل وعلا) ليدل به خلقه على أنه الواحد الأحد المستحق للعبادة، كالشمس والسماء والأرض ونحوها، وكل ما في الكون من مخلوقات الله شاهد بكمال الله وقدرته وعزته وأنه المستحق للعبادة.\nقال تعالى (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: لعلامات واضحة جازمة قاطعة بأن من خلقها هو رب هذا الكون، وهو المعبود وحده.\nالآيات الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم. (لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله).\nومنه قوله تعالى (رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ).\nوسميت آيات، جمع آية، لأنها علامة على صدق من جاء بها.\n(وَيُزَكِّيكُمْ) أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور.","vol":"2","page":32},{"text":"• قال السعدي: أي: يطهر أخلاقكم ونفوسكم، بتربيتها على الأخلاق الجميلة، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة، وذلك كتزكيتكم من الشرك، إلى التوحيد ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع، إلى التحاب والتواصل والتوادد، وغير ذلك من أنواع التزكية. [تفسير السعدي: ٧٤].\n• ينبغي للمسلم أن يسعى في تزكية نفسه، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا).\nفقد أقسم الله ثمان أقسام (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا. وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا. وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا. وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا. وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا. وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا).\nفينبغي على المسلم أن يحمل نفسه ويجاهدها على تزكية نفسه، لأن من زكى نفسه فقد أفلح، ولهذا كان النبي -ﷺ- يقول: (اللهم آتي نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها).\n\n<span data-type='title' id=toc-494>من تزكية النفس غض البصر:</span>\nكما قال تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ).\nومن تزكية النفس رجوع الإنسان إذا قيل له ارجع.\nكما قال تعالى (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ).\nأن تزكية الله من فضل الله.\nكما قال تعالى (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).\n(وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ) وهو القرآن، وسبق لماذا سمي القرآن كتابًا.","vol":"2","page":33},{"text":"(وَالْحِكْمَةَ) تقدم الخلاف في المراد بها.\n(وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) أي: يعلمكم من أخبار الأنبياء وقصص الأمم الخالية، والخبر عما هو حادث وكائن من الأمور التي لم تكن العرب تعلمها، فعلموها من رسول الله -ﷺ-، فأخبرهم جل ثناؤه أن ذلك كله إنما يدركونه برسوله -ﷺ-. [تفسير الطبري: ٤٦٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-495>الفوائد:</span>\n١ - بيان نعمة الله بإرسال الرسل.\n٢ - أن النبي -ﷺ- بلغ جميع ما أوحي إليه.\n٣ - أن من مهمات الرسول تزكية النفوس وتطهيرها.\n٤ - أن الأصل في الإنسان الجهل.\n٥ - فضل الله علينا حيث علمنا ما لم نكن نعلم.","vol":"2","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-496>(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢»</span> [البقرة: ١٥٢].\n<hr><s0>\n\n(فَاذْكُرُونِي) بألسنتكم وقلوبكم وجوارحكم\n(أَذْكُرْكُمْ) أي: أثيبكم بالثواب والأجر العظيم، كما في الحديث قال -ﷺ- (قال تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) متفق عليه.\nقال سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي.\n• قال الطبري: فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم.\n• وهذه الآية من أعظم الآيات في فضل ذكر الله تعالى، وللذكر فضائل عظيمة:\nمنها: أنه يورث العبد ذكر الله له.\nكما في هذه الآية (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ).\nقال ابن القيم: ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلًا وشرفًا.\nوقال -ﷺ- (قال تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خير منهم) متفق عليه.\nومنها: أنه سبب لنزول السكينة وغشيان الرحمن.\nكما في حديث أبي هريرة في قوله -ﷺ- (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.\nومنها: أنه غرس الجنة.\nكما في قوله -ﷺ- (لقيت ليلة اسري بي إبراهيم الخليل فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) رواه الترمذي.\nومنها: أن دوام ذكر الرب يوجب الأمان من نسيانه وهو سبب شقاء العبد.\nفإن نسيان الرب سبحانه يوجب نسيان نفسه ومصالحها، قال تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).","vol":"2","page":35},{"text":"ومنها: أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال.\nكما قال -ﷺ- (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ..) متفق عليه.\nومنها: أن العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله.\nكما في الحديث (… وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك رجل خرج العدو في أثرهِ سراعًا، حتى أتى إلى حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله …) رواه الترمذي.\nقال ابن القيم: فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة، لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى.\nوكما في الحديث السابق (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده …، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك).\nومنها: أن سيد المرسلين كان كثير الذكر.\nكما في حديث عائشة قالت (كان رسول الله -ﷺ- يذكر الله على كل أحيانه) رواه مسلم.\nومنها: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله فيه.\nكما سبق في حديث (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.\nوكما في حديث أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (إن لله ملائكة فُضُلًا سيارة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادّوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا …) رواه مسلم.\nومنها: أن الله يباهي بالذاكرين ملائكته.\nكما في حديث معاوية (أن رسول الله -ﷺ- خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم استحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني: أن الله ﵎ يباهي بكم الملائكة) رواه مسلم.","vol":"2","page":36},{"text":"ومنها: أن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه.\nكما في الحديث (أن النبي -ﷺ- علم ابنته فاطمة وعليًا أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثًا وثلاثين، ويحمدا ثلاثًا وثلاثين، ويكبرا أربعًا وثلاثين، لما سألته الخادم، فعلمها -ﷺ- ذلك وقال: إنه خير لك من خادم) متفق عليه.\nقال ابن القيم: قيل: إن من داوم على ذلك وجد قوة في بدنه مغنية عن خادم.\nومنها: أن كثرة ذكر الله أمان من النفاق.\nقال تعالى في المنافقين وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا).\nوقال كعب: من أكثر ذكر الله برئ من النفاق.\nومنها: أن العبادات إنما شرعت لذكر الله.\nومنها: أنه من أحب الأعمال إلى الله.\nكما أوصى -ﷺ- رجلًا بقوله (لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله) رواه الترمذي.\nومنها: أنه سبب لاشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل.\nفإن العبد لابد أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى، وذكر أوامره، تكلم بهذه المحرمات أو بعضها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-497> من أقوال السلف في ذكر الله تعالى:</span>\nقال أبو الدراء: لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله.\nوقال معاذ: ما عمل العبد عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله.\nوقال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس.\nوقال كعب: من أكثر من ذكر الله برأ من النفاق.\nوقال ابن تيمية: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء.\nوقال ابن القيم: الذكر باب المحبة وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم.","vol":"2","page":37},{"text":"وقال: من أراد أن ينال محبة الله فليلهج بذكره.\nوقال: وكل شيء له صدأ، وصدأ القلب الغفلة والهوى، وجلاؤه الذكر والتوبة.\nوعن عكرمة: أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة ويقول: أسبح بقدر ذنوبي.\nوقال ابن السماك: رأيت مسعرًا في النوم، فقلت: أي العمل وجدت أنفع؟ قال: ذكر الله.\nوقال أحمد بن حنبل: صحبت هشيْمًا أربع سنين أو خمس، ما سألته عن شيء إلا مرتين هيبة له، وكان كثير التسبيح بين الحديث، يقول بين ذلك: لا إله إلا الله، يمد بها صوته.\nوقال رياح القيسي: لي نيف وأربعون ذنبًا، قد استغفرت لكل ذنب مأئة ألف مرة.\nوقالت رابعة العدوية لصالح المري: يا صالح، من أحب شيئًا أكثر من ذكره.\nوعن ابن عون قال: ذكر الناس داء، وذكر الله دواء.\nوعن ميمون بن سياه قال: إذا أراد الله بعبده خيرًا: حبب إليه ذكره.\nوعن ذي النون المصري: ما طابت الدنيا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنان إلا برؤيته.\n(وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) أي: اشكروا لي أيها المؤمنون فيما أنعمت عليكم من الإسلام، والهداية للدين الذي شرعته لأنبيائي وأصفيائي (ولا تكفرون) أي: ولا تجحدوا إحساني إليكم، فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم، ولكن اشكروا لي\nعليها، أزيدكم فأتمم نعمتي عليكم.\n• والشكر: هو القيام بطاعة المنعم اعترافًا بالقلب، وثناء باللسان، وطاعة بالأركان.\nوفي ذلك يقول الشاعر: أفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً … يدي ولساني والضمير المحجبا\nفنعمة العين: أن لا ينظر بها إلا فيما يرضي الله، وشكر نعمة اليد أن لا يبطش بها إلا فيما يرضي الله، وشكر نعمة الرجِل أن لا يمشي بها إلا فيما يرضي الله، وشكر نعمة المال: أن لا يستعين به ويصرفه إلا فيما يرضي الله.","vol":"2","page":38},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-498> كيف يتحقق الشكر؟</span>\n<span data-type='title' id=toc-499>أولًا: سؤال الله ذلك.</span>\nكما قال تعالى عن سليمان: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ).\nوقال -ﷺ- لمعاذ: (يا معاذ، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). رواه أبو داود\n\n<span data-type='title' id=toc-500>ثانيًا: أن يعلم الإنسان أن النعم إذا شكرت قرت وزادت.</span>\nقال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ).\n\n<span data-type='title' id=toc-501>ثالثًا: أن يعلم الإنسان أن الله سيسأله يوم القيامة عن شكر نعمه.</span>\nقال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ).\nقال ابن كثير: أي ثم لتسألن عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ما ذا قابلتم به نعمه من شكر وعبادة.\n\n<span data-type='title' id=toc-502>رابعًا: أن ينظر إلى من هو دونه في أمور الدنيا، فإذا فعل ذلك استعظم ما أعطاه الله.</span>\nقال -ﷺ-: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم).\nالشكر يكون من الله لعبده ومن العبد لربه.\nفشكر العبد لربه كقوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ). وقوله تعالى (كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ).\nوتعريفه كما سبق وهو أن يستعمل نعمه في طاعة الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-503>وشكر الله لعبده:</span>\nكقوله تعالى (ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ).\nوقوله تعالى (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ)\nومعنى شكر الله لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، وإذا ترك له شيئًا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا ردّه عليه أضعافًا مضاعفة.\nلما عقر سليمان الخيل غضبًا له إذ شغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح.\nولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته، أعاضهم عنها أن ملّكهم الدنيا وفتحها عليهم.\nولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.","vol":"2","page":39},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-504> فضائل الشكر:</span>\nأولًا: الله أمر به.\nقال تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ).\nثانيًا: التوبيخ على عدم الشكر.\nقال تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ).\nثالثًا: الثناء على الشاكرين وأنه سبل الرسل.\nقال تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا).\nرابعًا: الشكر نفع للشاكر نفسه.\nقال تعالى: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ).\nخامسًا: أن الشكر إذا صدر من المؤمنين فهو مانع من نزول العذاب.\nقال تعالى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ).\nسادسًا: أن الشكر سبب لزيادة النعم.\nقال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ).\nسابعًا: أن الصفوة من عباد الله يسألون الله أن يوزعهم شكر نعمته.\nقال تعالى عن سليمان: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ).","vol":"2","page":40},{"text":"ثامنًا: أن الشاكرين قليلون.\nقال تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ).\nوقال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).\nوهذا يدل على أنهم هم خواص الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-505>الفوائد:</span>\n١ - الأمر بذكر الله.\n٢ - أن من ذكر الله ذكره الله.\n٣ - فضيلة ذكر الله.\n٤ - وجوب الشكر.\n٥ - تحريم كفر النعمة.","vol":"2","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-506>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣».</span> [البقرة: ١٥٣].\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-507>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد:</span>\nالأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه.\nالثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد.\nالثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصًا في الإيمان. (ابن عثيمين).\nوالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وانقادوا وعملوا بجوارحهم.\n• والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم\nوهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به. (الشنقيطي).\n(اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) تقدم شرحها عند آية [٤٥].\nالاستعانة بالصبر يكون:\nفي المصائب: بأن يحبس نفسه عن الجزع والتسخط.\nوفي النّعم: بأن يحبس نفسه عن البطر، وكذلك يحبسها على فعل طاعة الله شكرًا على هذا الإنعام والإفضال.\nفالصبر يكون: صبر على طاعة الله، وصبر عن المعاصي، وصبر على الأقدار المؤلفة، وأفضلها الأول لأنه هو المقصود.\nوالاستعانة بالصلاة: فهي من أعظم من يعين على طاعة الله، وتحمل الأكدار والآلام والمصائب، ولذلك كان النبي -ﷺ- إذا حزبه أمر صلى.\n(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) الذين يصبرون على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى اقدار الله المؤلمة.\n\nالفوائد:\n١ - الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة.\n٢ - فضل الصلاة وأنها سبب لمعونة العبد في أموره.\n٣ - أن الاستعانة بالصلاة من آثار الإيمان.\n٤ - فضيلة الصبر، لأنه يعين على الأمور.\n٥ - إثبات معية الله.","vol":"2","page":42},{"text":"<span data-type='title' id=toc-508>(ولا تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ (١٥٤».</span> [البقرة: ١٥٤].\n<hr><s0>\n\n(وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) ينهى تعالى عباده المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتا؛ بمعنى الذين تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأضحوا كالجمادات، كما يتبادر من معنى الميت، ويأمرهم سبحانه بأن يقولوا لهم: الأحياء؛ لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، كما قال تعالى في آل عِمْرَان (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ).\n• قال ابن كثير: يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون كما جاء في صحيح مسلم (أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فاطلع عليهم ربك اطلاعة، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا وأي شيء نبغي، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى لما يرون من ثواب الشهادة، فيقول الرب ﷻ: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون.\n\n•<span data-type='title' id=toc-509> قال الماوردي: قوله تعالى (بَلْ أَحْيَاءٌ) في الآية تأويلان:</span>\nأحدهما: أنهم ليسوا أمواتًا وإن كانت أجسامهم أجسام الموتى بل هم عند الله أحياء النفوس منعّمو الأجسام.\nوالثاني: أنهم ليسوا بالضلال أمواتًا بل هم بالطاعة والهدى أحياء، كما قال تعالى (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا\nيَمْشِي بِهِ في النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) فجعل الضالَّ ميتًا، والمُهْتَدي حيًا.\nويحتمل تأويلًا ثالثًا: أنهم ليسوا أمواتًا بانقطاع الذكر عند الله وثبوت الأجر.\nوقد رجح القول الأول الإمام فخر الدين الرازي فقال: اعلم أن أكثر العلماء على ترجيح القول الأول.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ) المراد لا تقولوا أموات موتًا مطلقًا - دون الموت الذي هو مفارقة الروح للجسد - فهذا موجود، ولولا أن أرواحهم فارقت أجسادهم لما دفناهم، ولكن الموت المطلق لم يقع منهم بدليل الإضراب الإبطالي في قوله تعالى (بل أحياء) يعني: بل هم أحياء، والمراد أنهم أحياء عند ربهم، كما في آية آل عمران، وهي حياة برزخية لا نعلم كيفيتها ولهذا قال:\n(وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) أي: لا تشعرون بحياتهم، لأنها حياة برزخية، ولولا أن الله ﷿ أخبرنا بها ما كنا نعلم بها","vol":"2","page":43},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-510> هذه الآية فيها دلالة واضحة على فضل الشهادة، وللشهادة فضائل كثيرة:</span>\nأولًا: من أسباب دخول الجنة.\nكما في حديث الباب.\nوقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).\nوعن جابر. قال (قال رجل للنبي -ﷺ- يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل) متفق عليه.\nثانيًا: الحياة بعد الاستشهاد مباشرة.\nقال تعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُون).\nوقال تعالى (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).\nثالثًا: مغفرة الذنوب وتكفير السيئات.\nقال تعالى (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).\nوقال -ﷺ- (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (إن للشهيد عند الله ست خصال يغفر له عند أول دفعة من دمه …) رواه الترمذي.\nرابعًا: تمني الرجوع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى بل عشر مرات.\nعن أنس قال: قال -ﷺ- (ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسرهُ أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى وفي رواية: لما يرى من الكرامة) متفق عليه.\nصحيح مسلم (٣/ ١٤٩٨)","vol":"2","page":44},{"text":"وعَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، غَيْرُ الشَّهِيدِ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ». رواه مسلم\nخامسًا: الشهيد في الفردوس الأعلى.\nوعن أنس (أن أم حارثة أتت النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول الله ألا تحدثني عن حارثة، وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه بالبكاء، فقال رسول الله: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة وإن ابنك\nأصاب الفردوس الأعلى) متفق عليه.\nسادسًا: الملائكة تظل الشهيد بأجنحتها.\nعن جابر قال (جيء بأبي إلى النبي -ﷺ- وقد مثّل به ووضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع صوت نائحة، فقيل: ابنة عمرو -أو أخت عمرو- فقال: لم تبكي أو لا تبكي، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها). متفق عليه\nسابعًا: الشهداء لا يفتنون في قبورهم:\nعن المقداد بن معد يكرب. قال: قال رسول الله -ﷺ- (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- لما سئل لماذا الشهداء لا يسألون في قبورهم؟ قال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) رواه النسائي.\nقال ابن النحاس: ولا شك بأن من وقف للقتال ورأى السيوف تلمع وتقطع، والأسنة تبرق وتخرق، والسهام ترشق وتمرق، والرؤوس تندر، والدماء تثعب، والأعضاء تتطاير، وجاد بنفسه لله تعالى إيمانًا به وتصديقًا بوعده ووعيده، فيكفيه هذا امتحانًا لإيمانه واختبارًا له وفتنة، إذ لو كان عنده شك أو ارتياب لولى الدبر، وذهل عما هو واجب عليه من الثبات، وداخله الشك والارتياب.","vol":"2","page":45},{"text":"ثامنًا: الشهيد لا يشعر بألم القتل.\nعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة) رواه الترمذي.\nقال علي: إن لم تقتلوا تموتوا، والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش.\nتاسعًا: دم الشهيد أحب شيء إلى الله.\nعن أبي أمامة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة من دموع في خشية الله، وقطرة دم تهرق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله) رواه الترمذي.\nعاشرًا: الشهيد يشفع في أهل بيته.\nعن أم الدرداء قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) رواه الترمذي.\nالحادي عشر: لا يشترط للشهيد أعمال صالحة قبل الشهادة.\nعن البراء بن عازب قال (أتى النبي -ﷺ- رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله -ﷺ-: عمل قليل وأجر كثير) رواه البخاري.\nفائدة: سمي الشهيد بذلك:\nقال النووي: \" قال النضر بن شميل: لأنه حي، فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار الإسلام وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة \".\nوقال ابن الأنباري: \" إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة \".","vol":"2","page":46},{"text":"وقيل: لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى له من الثواب والكرامة.\nوقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه.\nوقيل: لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله.\nوقيل: لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا وهو الدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-511>الفوائد:</span>\n١ - النهي عن القول بأن الذين قتلوا في سبيل الله أموات.\n٢ - التنبيه على الإخلاص في القتال.\n٣ - إثبات حياة الشهداء، لكنها حياة برزخية، لا تماثل حياة الدنيا، بل هي أجل وأعظم.\n٤ - إثبات نعيم القبر.","vol":"2","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-512>(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧».</span> [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].\n<hr><s0>\n\n(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) أخبرنا تعالى أنه يبتلي عباده، أي: يختبرهم ويمتحنهم كما قال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع … وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه ومن قنط أحل به عقابه.\n(بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ) أي: بقليلٍ من ذلك.\n• المراد بالخوف: ما يحصل لمن يخشى من نزول ضرر به من عدو أو غيره، وبالجوع: المجاعة التي تحصل عند الجدب والقحط.\n• قال الخازن: قوله تعالى (بشيء ..) وإنما قلله لأن ما واقاهم منه أكثر بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة.\n• قال ابن عاشور: وجيءَ بكلمة (شيءٍ) تهوينًا للخبر المفجع.\n(وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ) أي: ذهاب بعضِها.\n(وَالْأَنْفُسِ) كموت الأصحاب والأقارب والأحباب.\n(وَالثَّمَرَاتِ) أي: لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها، أو ما يصيبها من الآفات.\n\n•<span data-type='title' id=toc-513> وقد أخبر الله في آيات كثيرة أنه يبتلي عباده في هذه الدار الدنيا:</span>\nقال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).\nوقال تعالى (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ).\nوقال تعالى عن سليمان لما رأى عرش ملكة سبأ مستقرًا عنده (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-514> وقد ذكر بعض العلماء فوائد الابتلاء:</span>\n• قال القاسمي: وللإمام عز الدين محمد بن عبد السلام، رحمه الله تعالى، كلام على فوائد المحن والرزايا يحسن إيراده هنا. . .","vol":"2","page":48},{"text":"قال عليه الرحمة: للمصائب والبلايا والمحن والرزايا فوائد تختلف باختلاف رتب الناس:\nأحدها: معرفة عز الربوبية وقهرها.\nوالثانية: معرفة ذلة العبودية وكسرها، وإليه الإشارة بقوله تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، اعترفوا بأنهم ملكه وعبيده، وأنهم راجعون إلى حكمه وتدبيره وقضائه وتقديره لا مفر لهم منه ولا محيد لهم عنه.\nوالثالثة: الإخلاص لله تعالى؛ إذ لا مرجع في رفع الشدائد إلا إليه، ولا معتمد في كشفها إلا عليه (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).\nالرابعة: الإنابة إلى الله تعالى والإقبال عليه (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ).\nالخامسة: التضرع والدعاء (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا) (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ).\nالسادسة: الصبر عليها، وهو موجب لمحبة الله تعالى وكثرة ثوابه.\nقال تعالى (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) وقال (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).\nالسابعة: تمحيصها للذنوب والخطايا.\nقال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير).\nالثامنة: معرفة نعمة العافية والشكر عليها.\nفإن النعم لا تعرف أقدارها إلا بعد فقدها.\nالتاسعة: ما أعده الله تعالى على هذه الفوائد من ثواب الآخرة على اختلاف مراتبها.","vol":"2","page":49},{"text":"العاشرة: ما في طيّها من الفوائد الخفية.\nقال تعالى (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).\nوقال تعالى (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).\nولما أخذ الجبار سارة من إبراهيم كان في طيّ تلك البلية أن أخدمها هاجر. فولدت إسماعيل لإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فكان من ذرية إسماعيل خاتم النبيين، فأعظم بذلك من خبر كان في طي تلك البلية.\nالحادية عشرة: إن المصائب والشدائد تمنع من الأشر والبطر والفخر والخيلاء والتكبر والتجبر.\nفإن نمرود، لو كان فقيرًا سقيمًا، فاقد السمع والبصر، لما حاجّ إبراهيم في ربه، لكن حمله بطرُ الملك على ذلك، وقد علل الله ﷾ مُحاجّته بإتيانه الملك، ولو ابتلى فرعون بمثل ذلك لما قال (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) وقال تعالى (وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) وقال تعالى (إِنَّ الْإِنْسَاْن لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) وقال تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ).\nوقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ).\nالثانية عشرة: الرضا الموجب لرضوان الله تعالى، فإن المصائب تنزل بالبَرِّ والفاجر، فمن سخطها فله السخط وخسران الدنيا والآخرة، ومن رضيها فله الرضا والرضا أفضل من الجنة وما فيها؛ لقوله تعالى (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) أي: من جنات عدن ومساكنها الطيبة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-515> وقال ابن القيم:</span>\nمنها: معرفة عز الربوبية وقهرها.\nومنها: معرفة ذل العبودية وكسرها، وإليه الإشارة بقوله (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) اعترفوا بأنهم ملكه وعبيده وأنهم راجعون إلى حكمه وتدبيره وقضائه وتقديره لا مفر لهم منه ولا محيد لهم عنه.\nومنها: الإخلاص لله تعالى، إذ لا مرجع في رفع الشدائد إلا إليه ولا معتمد في كشفها إلا عليه.\nومنها: الإنابة إلى الله تعالى والإقبال عليه.\nومنها: التضرع والدعاء.","vol":"2","page":50},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-516> وقال ابن رجب: في فوائد البلاء:</span>\nتذكير العبد بذنوبه فربما تاب ورجع.\nزوال قسوة القلوب وحدوث رقتها.\nانكساره لله وذلهِ وذلك أحب إلى الله من كثير من طاعات الطائعين.\nانها توجب للعبد الرجوع بقلبه إلى الله والوقوف ببابه والتضرع له والاستكانة.\nأن البلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى المخلوق\nأن البلاء يوصل إلى قلبه لذة الصبر عليه أو الرضا به.\n\n<span data-type='title' id=toc-517>قال بعض السلف:</span>\nإن العبد ليُمرَض فيذكر ذنوبه فيخرج منه مثل رأس الذباب من خشية الله فيغفر له.\n\n<span data-type='title' id=toc-518>وقال بعض العلماء:</span>\nفي بعض الكتب السابقة إن الله ليبتلي العبد وهو يحبه ليسمع تضرعه.\n(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) الصابرين على المصائب بالثواب، والتبشير: الإخبار بما يسر، وهذا أمر للرسول -ﷺ- أو لكل من يقدر على التبشير.\n\n•<span data-type='title' id=toc-519> ثم بيّن من هم فقال:</span>\n(الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) من موت قريب أو هلاك مال أو غيرها من المصائب.\n(قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) أي: تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة.\n• قال الطبري: يعني تعالى: وبشر يا محمد الصابرين الذين يعلمون أن جميع ما بهم من نعمة فمني، فيقرون بعبوديتي، ويوحدوني بالربوبية، ويصدقون بالمعاد والرجوع إلي، فيستسلمون لقضائي، ويرجون ثوابي، ويخافون عقابي، ويقولون - عند امتحاني إياهم ببعض محني - إنا مماليك ربنا ومعبودنا أحياء، ونحن عبيده وإنا إليه بعد مماتنا صائرون، تسليمًا لقضائي ورضًا بأحكامي.","vol":"2","page":51},{"text":"• وقال القرطبي: جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتَحنين؛ لما جمعت من المعاني المباركة؛ فإن قوله: \"إنَّا لِلَّهِ\" توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله (وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ) إقرار بالهلْك على أنفسنا والبعث من قبورنا؛ واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لم تعط هذه الكلمات نبيًّا قبل نبيّنا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسَفي على يوسف.\n• وقد جاء في صحيح مسلم عن أُم سَلَمَة. قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ (مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا. إِلاَّ أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا». قَالَتْ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِى سَلَمَةَ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-. قَالَتْ أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَاطِبَ بْنَ أَبِى بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ …).\n(أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: ثناء عليهم من ربهم في الملأ الأعلى.\n(وَرَحْمَةٌ) عطفها على الصلوات من باب عطف العام على الخاص، لأن الثناء عليهم في الملأ الأعلى من الرحمة.\n(وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) أي: الذين اهتدوا إلى طريق الحق، فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية.\n• قال ابن القيم: الصبر على البلاء ينشأ من أسباب عديدة:\nأحدها: شهود جزائها وثوابها.\nالثاني: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.\nالثالث: شهود القدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن تخلق فلا بد منها.\nالرابع: شهوده حق الله عليه في تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر.\nالخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه.\nالسادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه.\nالسابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع، ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته الرحيم له.","vol":"2","page":52},{"text":"الثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لا تحصل بدونه.\nالتاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه.\nالعاشر: أن يعلم أن الله سبحانه يربي عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء. [طريق الهجرتين: ٢٨٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-520>الفوائد:</span>\n١ - ابتلاء العباد بما ذكر اختبارًا وامتحانًا.\n٢ - أن الناس ينقسمون عند المصائب إلى قسمين: صابر، وساخط.\n٣ - البشرى للصابرين.\n٤ - أن من سمة الصابرين تفويض أمورهم إلى الله.\n٥ - مشروعية هذا القول عند المصيبة (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا …).","vol":"2","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-521>(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨».</span> [سورة البقرة: ١٥٨].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) جبلان معروفان بمكة، يسعى بينهما الحاج أو المعتمر.\n(مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أي: من أعلام دينه ومناسكه التي تعبّدنا الله بها.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: (من شعائر الله) من: للتبعيض، يعني بعض شعائر الله، والشعائر جمع شعيرة، وهي التي تكون عَلَمًا في الدين، يعني من معالم الدين الظاهرة، وليس المراد أن نفس الجبل من الشعائر، بل المراد الطواف بهما من الشعائر.\nقال تعالى (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ).\n• وفي هذا مشروعية السعي بين الصفا والمروة.\n(فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ) أي: قصد البيت الحرام لأداء مناسك الحج.\n(أَوِ اعْتَمَرَ) (أو) للتنويع، لأن قاصد البيت إما أن يكون حاجًا، وإما أن يكون معتمرًا.\nوالعمرة لغة: الزيارة، والمراد بها: زيارة البيت لأداء مناسك العمرة.\n(فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) أي: لا حرج ولا إثم عليه أن يسعى بينهما.\nوهذه الآية يوضح معناها سبب النزول، كما قال ابن تيمية: إن سبب النزول يوضح معنى الآية.\nعن عُرْوَةُ قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ - ﵂ - فَقُلْتُ لَهَا أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَالَتْ بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الأَنْصَارِ، كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ، فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الآيَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا) متفق عليه.","vol":"2","page":54},{"text":"وعَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -﵁- عَنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَقَالَ كُنَّا نَرَى أَنَّهُمَا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) إِلَى قَوْلِهِ (أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا).\n• قال البغوي: سبب نزول هذه الآية أنه كان على الصفا والمروة صنمان إساف ونائلة، وكان إساف على الصفا ونائلة على المروة، وكان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة تعظيما للصنمين ويتمسحون بهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كان المسلمون يتحرجون عن السعي بين الصفا والمروة لأجل الصنمين فأذن الله فيه وأخبر أنه من شعائر الله.\nفكان الناس يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، لأن الناس كانوا في الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة لصنمين كانا عليهما، فلما جاء الإسلام وتركوا الأوثان والأصنام تحرجوا من الطواف بهما، فنزلت هذه الآية.\nوعلى هذا يكون النفي هنا لدفع ما وقع في نفوسهم من التحرج، وليس لبيان أصل الحكم.\nوقال بعض العلماء: أنهم كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة فأنزل الله (إن الصفا والمروة من شعائر الله).\n(وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) قيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع، وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات.\n• قول من قال (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) أي: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب فهو ضعيف.\n(فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ) هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، وإذا ترك له شيئًا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا ردّه عليه أضعافًا مضاعفة.\nلما عقر سليمان الخيل غضبًا له إذ شغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح.","vol":"2","page":55},{"text":"ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته، أعاضهم عنها أن ملّكهم الدنيا وفتحها عليهم.\nولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.\n(عَلِيمٌ) أي: ذو علم واسع محيط بكل شيء، فهو سبحانه عليم بجميع أعمال عباده وما يستحقونه من الجزاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-522>الفوائد:</span>\n١ - أن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الدين.\n٢ - أن من حج أو اعتمر فلا بد أن يسعى بينهما.\n٣ - أهمية معرفة سبب النزول، لأنه يوضح المعنى ويزيل الإشكال.\n٤ - فضل التطوع بالخير والإكثار منه.\n٥ - أن شاكر، يثيب على القليل الكثير، فضلًا منه ونعمة.\n٦ - رحمة الله بعباده.\n٧ - إثبات علم الله الكامل.","vol":"2","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-523>(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠».</span> [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ) هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاء به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى لعباده من كتبه أنزلها على رسله.\n• واختلف في المراد من ذلك: فقيل: أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد -ﷺ-، وقيل: كل من كتم الحق وترك بيان ما أوجب الله بيانه، وهو الراجح، لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فعلى فرض أن سبب النزول ما وقع من اليهود والنصارى من الكتم فلا ينافي ذلك تناول هذه الآية كل من كتم الحق. … [فتح القدير: ١/ ١٧٧].\n• قال الطبري: وهذه الآية وإن كانت نزلت في خاص من الناس، فإنها معنيّ بها كل كاتم علمًا فرض الله تعالى بيانه للناس.\n• وقد رجح الإمام فخر الدين الرازي أيضًا: أن الآية تتناول كل من كتم شيئًا من الدين واستدل له بوجوه:\nأحدها: أن اللفظ عام والعارض الموجود، وهو نزوله عند سبب معين لا يقتضي الخصوص على ما ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nوثانيها: أنه ثبت أيضًا في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم لا سيما إذا كان الوصف مناسبًا للحكم، ولا شك أن كتمان الدين يناسبه استحقاق اللعن من الله تعالى، وإذا كان هذا الوصف علة لهذا الحكم وجب عموم هذا الحكم عند عموم الوصف.\nوثالثها: أن جماعة من الصحابة حملوا هذا اللفظ على العموم، وعن عائشة ﵂ أنها قالت: من زعم أن محمدًا ﵊ كتم شيئًا من الوحي فقد أعظم الفرية على الله، والله تعالى يقول (إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى) فحملت الآية على العموم، وعن أبي هريرة -﵁- قال: لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثًا بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة. وتلا (إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى). [مفاتيح الغيب: ١٤٨].","vol":"2","page":57},{"text":"• (مِنَ الْبَيِّنَاتِ) أي: من الآيات البينات (وَالْهُدَى) وهو العلم النافع الذي يهتدي به الخلق (مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ) أي: أظهرناه، والضمير راجع إلى قوله: ما أنزلنا (لِلنَّاسِ) عمومًا (فِي الْكِتَابِ) المراد جميع الكتب.\n(أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ) أي: يطردهم ويبعدهم عن رحمته.\n(وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) أي: يطلبون من الله أن يلعنهم، ولم يبين هنا ما اللاعنون، ولكنه أشار إلى ذلك في قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).\nوقيل: المراد باللاعنين هنا دواب الأرض وهوامها كالعقارب والخنافس وغير ذلك.\nوقيل: كل من يتأتى منه اللعن فيدخل في ذلك الجن،\nوقيل: المراد باللاعنين الملائكة والمؤمنون، ورجحه ابن عطية. [فتح القدير: ١/ ١٧٧].\n• في الآية وعيد شديد وتحريك كبير لمن يكتمون العلم.\nقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).\nوقال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ).\nوعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (من كتم علمًا ألجم بلجام من نار يوم القيامة) رواه أبو داود.\n• قال ابن تيمية: معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، والله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير، لما في ذلك من عموم النفع لكل شيء، وعكسه كاتموا العلم، فإنهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. …\nوقال: فَتَرْكُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِتَبْلِيغِ الدِّينِ كَتَرْكِ أَهْلِ الْقِتَالِ لِلْجِهَادِ وَتَرْكِ أَهْلِ الْقِتَالِ لِلْقِتَالِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ كَتَرْكِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلتَّبْلِيغِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ كِلَاهُمَا ذَنْبٌ عَظِيم.","vol":"2","page":58},{"text":"• قال ابن رجب: وأيضًا فإن العلم إذا ظهر في الأرض وعمل به درّت البركات ونزلت الأرزاق فيعيش أهل الأرض كلهم، حتى النملة وغيرها من الحيوانات ببركته، ويستبشر أهل السماء بما يرتفع لأهل الأرض من الطاعات والأعمال الصالحات فيستغفرون لمن كان السبب في ذلك.\nوعكس هذا أن من كتم العلم الذي أمر الله بإظهاره لعنه الله وملائكته وأهل السماء والأرض، حيث سعى في إطفاء نور الله في الأرض، الذي بسبب إخفائه تظهر المعاصي والظلم والعداوة والبغي.\nقال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ).\nوقد قيل أنها نزلت في أهل الكتاب، الذين كتموا ما عندهم في كتابهم من صفة النبي -ﷺ-.\nوكان أبو هريرة يقول: \"لَوْلَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا. وَيَتْلُو هَذِه الآيَةَ\".\nوفي سنن ابن ماجه عن البراء بن عازب، عن النبي -ﷺ- في قوله (يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) قَالَ: \"دَوَابّ الأَرْضِ\".\nوقد روي هذا موقوفًا على البراء.\n• قال ابن المبارك - ﵀:\nوهل أَفْسَدَ الدينَ إلا الملوكُ … وأحْبَارُ سُوءٍ ورُهْبَانُهَا\nوباعُوا النفوسَ ولم يَرْبَحُوا … ولم تغْلُ في البَيْع أثْمَانُهَا\nلقدْ رتعَ القومُ في جِيفَةٍ … يَبِينُ لذِي العَقْلِ إنْتَانُهَا\nوكان يحيى بن معاذ الرازي ﵁ يقول لعلماء وقته (يا معْشرَ العلماء، ديارُكم هَامَانيَّة، وملابِسُكُم قَارُونية، ومَرَاكِبُكُم فرعونية وولائمُكُمْ جالوتية، فأين السنّةُ المحمدية؟).\nقال عبد الله بن المبارك: إذا كتم العالم علمه، ابتلي: إما بموت القلب، أو ينسى، أو يتبع السلطان\n(إلَّا الَّذِينَ تَابُوا) هذا استثناء من الله من هؤلاء من تاب إليه فقال (إلَّا الَّذِينَ تَابُوا) أي: رجعوا عما كانوا فيه، والتوبة الرجوع من معصية الله إلى طاعته، والمراد بالتوبة هنا الرجوع عن كتمان ما أنزل الله إلى بيانه ونشره.\n(وَأَصْلَحُوا) أي: أصلحوا نياتهم وأحوالهم وأعمالهم، وأصلحوا ما بينهم وبين الله.\n• قال ابن عاشور: وشُرط للتوبة أن يصلحوا ما كانوا أفسدوا وهو بإظهار ما كتموه وأن يبينوه للناس فلا يكفي اعترافهم وحدهم أو في خلواتهم.","vol":"2","page":59},{"text":"(وَبَيَّنُوا) أي: الذي كتموه.\n(فَأُولَئِكَ) الذين تابوا وأصلحوا وبينوا.\n(أَتُوبُ عَلَيْهِمْ) أي: أقبل منهم التوبة، لأن توبة الله على العبد نوعان:\nأحدهما: توفيق الله للعبد للتوبة، كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) بمعنى وفقهم للتوبة ليتوبوا.\nالثاني: قبولها من العبد إذا تاب، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ). [قاله الشيخ ابن عثيمين].\n(وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) تقدم تفسيرها عند آية: ١٢٨.\n\n<span data-type='title' id=toc-524>الفوائد:</span>\n١ - اليهود والنصارى كتموا صفات النبي لصدّ الناس عن الإيمان به.\n٢ - كتم العلم خيانة للأمانة التي جعلها الله في أعناق العلماء.\n٣ - يجب نشر العلم وتبليغه إلى الناس لتعمّ الهداية جميع البشر.\n٤ - من كتم شيئًا من أحكام الشرع الحنيف استحق اللعنة المؤبدة.","vol":"2","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-525>(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (١٦٢»</span> [البقرة: ١٦١ - ١٦٢].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) أي: من كفر واستمر كفره حتى الممات.\n(أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ) أي: أبعدهم من رحمته وطردهم.\n(وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) أي: يطلبون من الله أن يلعنهم.\nواختلف العلماء بالمراد في الناس هنا، فقيل: المؤمنون فقط، وقيل: المراد أغلب الناس، لكن هذا ضعيف، لأن أغلب الناس كفار كما قال تعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) وقال تعالى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ولذلك الصحيح أن الكافر يلعن الكافر، ويكون لذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فكوْن الكافر يلعن الكافر في الدنيا بأن يدعو الكافر مثلًا على الظالم، فإذا قال الكافر - مثلًا - اللعن الظالم، دخل هو نفسه في اللعنة، وأما كون الكفار يلعن بعضهم بعضًا في الآخرة فهذا واضح من قوله تعالى (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا. رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) وكذلك من قوله تعالى (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا).\n\n•<span data-type='title' id=toc-526> استدل بهذه الآية من قال بجواز لعن الكافر، ولعن الكافر على أنواع:</span>\n<span data-type='title' id=toc-527>أولًا: لعن الكفار جملة فهذا جائز</span>\nكما في هذه الآية.\nوقوله تعالى (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-528>ثانيًا: الكافر المعين، فهذا فيه خلاف:</span>\nفقيل: لا يجوز.\nوممن ذهب إلى هذا الغزالي، وذكره الإمام النووي.\nقالوا: ربما يسلم.\nوقيل: يجوز.","vol":"2","page":61},{"text":"لحديث عمر بن الخطاب (أن رجلًا كان على عهد النبي -ﷺ-، كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يُضحك رسول الله -ﷺ-، وكان النبي -ﷺ- قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي -ﷺ-: لا تلعنوه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله) رواه البخاري.\nقالوا: فدل على من لا يحب الله ورسوله يلعن.\nوالذي يظهر الجواز خاصة إذا كان ممن يؤذي المسلمين.\n\n•<span data-type='title' id=toc-529> وأما العصاة لمسلمين:</span>\nفلعنهم جملة جائز ولا بأس.\nقال تعالى (لعنة الله على الظالمين).\nوقال تعالى (لعنة الله على الكاذبين).\nوقال -ﷺ- (لعن الله السارق …) وقال -ﷺ- (لعن الله آكل الربا …).\n• وأما العاصي المعين: فلا يجوز لعنه اتفاقًا.\nللحديث السابق (حيث كان يؤتى به ويجلد في شرب الخمر، قال -ﷺ-: لا تلعنوه، وفي رواية: لا تكونوا أعوانًا للشيطان على أخيكم).\n(خَالِدِينَ فِيهَا) قيل: في اللعنة، وقيل: في النار، ورجح الرازي الأول وقال: والأول أولى لوجوه.\nالأول: أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر.\nالثاني: أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار، لأن اللعنة هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى.\nالثالث: أن قوله (خالدين فِيهَا) إخبار عن الحال، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلًا في الحال، وفي حمله على النار لا يكون حاصلًا في الحال، بل لا بد من التأويل؛ فكان ذلك أولى.","vol":"2","page":62},{"text":"(لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) أي: لا يخفف عنهم طرفة عين. بل هو دائم متواصل.\nكما قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ).\nوقال تعالى (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ. لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُون).\nوقال تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ).\n(وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي: ولا يُمهلون أو يؤجلون، بل يكون حاضرًا متصلًا بعذاب مثله فكأنه تعالى أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى آجال قدرها الله تعالى، وفي الآخرة لا مهلة ألبتة فإذا استمهلوا لا يمهلون، وإذا استغاثوا لا يغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون، وقيل لهم (اخسئوا فِيهَا وَلَا تُكَلّمُونِ).\nوقيل: هومن النظر أي: لا ينظر الله إليهم فيرحمهم.\n• قال الماوردي: (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) يحتمل وجهين:\nأحدهما: لا يؤخرون عنه ولا يمهلون.\nوالثاني: لا ينظر الله ﷿ إليهم فيرحمهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-530>الفوائد:</span>\n١ - أن من مات على الكفر فهو ملعون.\n٢ - أن من مات على الكفر فإن مأواه النار خالدًا فيها.\n٣ - من أنواع عذاب الكفار في النار، أنهم لا يخفف عنهم ولا يمهلون.","vol":"2","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-531>(وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣».</span> [البقرة: ١٦٣].\n<hr><s0>\n\n(وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) يخبر تعالى عن تفرده بالألوهية، وأنه لا شريك له ولا عديل، هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد.\nكما قال تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).\nوقال تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).\nوقال تعالى (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ).\nوقال تعالى (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).\nمعنى (الأحد) المتوحد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشارك.\nومعنى (الواحد) هو الفرد الذي لم يزل وحده بلا شريك.\nففي هذه الآية: إثبات وحدانية الله تعالى، الذي لا إله إلا هو، وحده لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهو الواحد الذي ليس له ند ولا نظير ولا شبيه ولا مثيل قال تعالى (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) وقال (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).\nوقد بيّن سبحانه بأنه لم يأمر إلا بأن يعبد وحده ويفرد بالعبادة فقال (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ).\nوكفّر وضل من اتخذ إلهًا سواه أو معه، قال تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) وقال سبحانه (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ).\n• وكيف يعبد غيره، والله سبحانه قد تفرد بالخلق والإيجاد والرزق والإمداد والبسط والقبض، والرفع والخفض، قال تعالى (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).\n• وقد أمر الرسول -ﷺ- رسوله إلى اليمن أن يبدأ أولًا بدعوتهم إلى توحيد الله، كما في حديث ابن عباس قال (بعث النبي -ﷺ- معاذًا إلى اليمن … قاله له: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم أن يوحدوا الله) متفق عليه.\n(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: لا إله بحق إلا هو سبحانه.","vol":"2","page":64},{"text":"كما قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) وقال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\n• فالله هو المنفرد باستحقاق العبودية، فلا يُعبد أحد سواه كائنًا من كان، بأي نوع من أنواع العبادات، فلا قيام ولا ركوع ولا سجود ولا ذبح ولا نذر إلا له وحده تعالى، ولا يدعى في السر والضراء واليسر والعسر والفرح والغم إلا هو ﷾.\n• وهذا الذي بُدء به آية الكرسي هو أصل دعوة جميع الأنبياء والمرسلين، ما بعث الله تعالى من نبي إلا وأوحي إليه أنه لا إله إلا هو.\nقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) وهذه عقيدة لم تختلف فيها النبوات.\nوبيّن تعالى أن دعوة الرسل ﵈ كانت لدعوة الناس إلى هذا الأساس، فقال سبحانه (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ\nاعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).\n• قال ابن كثير: وبعث في كل أمة، أي في كل قرن وطائفة رسولًا، وكلهم يدعون إلى عبادة الله وينهون عن عبادة ما سواه.\nوهكذا الأنبياء كانت دعوة كل واحد منهم (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).\nوالله تعالى خاطب نبيه -ﷺ- بقوله (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ).\nوقد طبق -ﷺ- ذلك ونشره ودعا غليه.\nكان يأتي سوق المجاز ويقول: (يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) رواه أحمد.\nوأمر معاذًا حينما أرسله لليمن بأن يكون أول ما يدعوهم إليه توحيد الله فقال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله ..) متفق عليه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-532> وقد وردت أحاديث في فضل: لا إله إلا الله:</span>\nمنها: قوله -ﷺ- (من قال: لا إله إلا الله ابتغاء الله ختم له بها دخل الجنة) رواه أحمد.\nوقال -ﷺ- (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة) متفق عليه.","vol":"2","page":65},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-533> فضائل كلمة التوحيد:</span>\nأولًا: هِيَ كَلِمَةُ اَلْإِخْلَاصِ، وَشَهَادَةُ اَلْحَقِّ وَدَعْوَةُ اَلْحَقِّ، وَبَرَاءةٌ مِنْ اَلشِّرْكِ، وَلِأَجْلِهَا خُلِقَ اَلْخَلْقُ.\nكَمَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون).\nثانيًا: وَلِأَجْلِهَا أُرْسِلَتْ اَلرُّسُلُ وَأُنْزِلَتْ اَلْكُتُبُ.\nقَالَ تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون).\nوقال تعالى (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ).\nثالثًا: هي ثَمَنُ اَلْجَنَّةِ.\nقال -ﷺ- (مَنْ كَانَتْ آخِرَ كَلَامِهِ دَخَلَ اَلْجَنَّة) رواه أبو داود.\nرابعًا: وهي نَجَاةٌ مِنْ اَلنَّارِ.\nوَسَمِعَ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- مُؤَذِّنًا يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، فَقَالَ خَرَجَ مِنْ اَلنَّارِ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ\nخامسًا: وهي أَحْسَنُ اَلْحَسَنَاتِ:\nقَالَ أَبُو ذَرٍّ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! عَلِّمْنِي عَمَلًا يُقَرِّبُنِي مِنَ اَلْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ اَلنَّارِ، قَالَ: إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ حَسَنَةً، فَإِنَّهَا عَشْرُ أَمْثَالِهَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ مِنَ اَلْحَسَنَاتِ؟ قَالَ هِيَ أَحْسَنُ اَلْحَسَنَات).\nسادسًا: وَهِيَ: تُجَدِّدُ مَا دُرِسَ مِنَ اَلْإِيمَانِ فِي اَلْقَلْبِ.\nكما في اَلْمُسْنَدِ أَنَّ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِأَصْحَابِهِ (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).\nسابعًا: وَهِيَ اَلَّتِي لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ فِي اَلْوَزْنِ، فَلَوْ وُزِنَتْ اَلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ رَجَحَتْ بِهِنَّ.\nكَمَا فِي اَلْمُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ اَلنَّبِي -ﷺ- (أَنَّ نُوحًا قَالَ لِابْنِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهِ إِلَّا اَللَّهُ، فَإِنَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ اَلسَّبْعَ كُنَّ فِي حَلْقَةٍ مُبْهَمَةٍ قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).","vol":"2","page":66},{"text":"وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. عَنْ اَلنَّبِي -ﷺ- (أَنَّ مُوسَى -﵇- قَالَ: يَا رَبُّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى! قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، قَالَ: يَا رَبِّ! كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا. قَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ. فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ\nشَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ. قَالَ: يَا مُوسَى! لَوْ أَنَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ اَلسَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).\nثامنًا: وَهِيَ أَفْضَلُ اَلذِّكْرِ.\nكَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ اَلْمَرْفُوع (أَفْضَلُ اَلذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه) رواه الترمذي.\nتاسعًا: ومن أعظم فضائلها:\nما جاء فِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنْ اَلنَّبِي -ﷺ- مَنْ قَالَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ اَلْمُلْكُ وَلَهُ اَلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ اَلشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك).\nوَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ اَلنَّبِي -ﷺ- قال (مَنْ قَالَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيل).\nعاشرًا: وَمِنْ فَضَائِلِهَا أَنَّهَا تَفْتَحُ لِقَائِلِهَا أَبْوَابَ اَلْجَنَّةِ اَلثَّمَانِيَةِ. يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ.\nكَمَا فِي حَدِيثِ عُمَر. قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ اَلْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ اَلْجَنَّةِ\") أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ","vol":"2","page":67},{"text":"وَفِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ عَنْ اَلنَّبِيِّ -ﷺ- قَال (مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اَللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ اَلْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ اَلنَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ اَللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا.\nالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-534> لكن ما الفرق بينهما؟</span>\nقيل: الرحمن: ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة الخاصة للمؤمنين يوم القيامة\nواستدلوا بقوله تعالى (وكان بالمؤمنين رحيمًا).\nوقيل: الرحمن يدل على الصفة العائدة على الله من الرحمة، والرحيم يدل على تعلقها بالمرحوم، فالرحمن دال على أن الرحمة صفته، والرحيم دال على أنه يرحم خلقه برحمته. وهذا أصح وهو اختيار ابن القيم\nإذن: الرحمن تدل على الوصف، والرحيم تدل على الفعل، أي: على أنه يرحم.\nومما يضعف القول الأول قوله تعالى (إن الله بالناس لرؤوف رحيم).\n• (الرحمن) على وزن فعلان، وهو ذو الرحمة الواسعة. (والرحيم) الموصل رحمته لمن يشاء من عباده.\n• (الرحمن) مختص بالله لا يسمى به غيره ولا يعرف أحد تسمى به، قال ابن كثير: ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب فصار يضرب به المثل في الكذب.\n• والفرق بين الرحمن والله: الله مختص بالله لفظًا ومعنى، وأما الرحمن مختص بالله لفظًا لا معنى، فإن المخلوق يوصف بالرحمة.","vol":"2","page":68},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-535> وقد قسّم العلماء - ﵏ - الرحمة إلى قسمين:</span>\nعامة - وخاصة.\nفأما العامة: فهي الشاملة لجميع الخلق (المؤمن والكافر والبر والفاجر)، فكل الخلق تحت رحمة الله ﷿.\nوأما الرحمة الخاصة: فهي التي تختص بالمؤمنين.\nوالفرق بينهما: أن الرحمة الخاصة تتصل برحمة الآخرة، فيكون لله على المؤمنين رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة.\nوأما الرحمة العامة: فلا أثر لها إلا في الدنيا، ولذلك الكفار في الآخرة يعاملون بالعدل ولا يعاملون بالرحمة\n(وقد تقدم الكلام على صفة الرحمة).\n\n<span data-type='title' id=toc-536>الفوائد:</span>\n١ - وحدانية الله تعالى.\n٢ - تحريم اتخاذ ند وشريك مع الله.\n٣ - وجوب عبادة الله وحده لا شريك له.\n٤ - أنه لا إله حق إلا الله.\n٥ - أن كل آلهة غير الله فهي باطلة.\n٦ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الرحمن والرحيم.\n٧ - إثبات صفة الرحمة لله تعالى.","vol":"2","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-537>(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤».</span> [البقرة: ١٦٤]\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: تلك في ارتفاعها ولطافتها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع.\nوقد أمرنا الله بالنظر والتفكر في السماوات والأرض الدالة على توحيده وعظمته وجلاله في آيات كثيرة:\nفقال تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ).\nوقال تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ).\nوقال تعالى (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ).\nوقال تعالى (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ).\nوقال تعالى (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).\nوقال تعالى (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ).\nوقال تعالى (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).\nوقال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).\n• وهما من أعظم المخلوقات، بل جعلها الله من أدلة البعث، حيث أن من قدر على خلق الأعظم فهو على غيره من باب أحرى.\nقال تعالى (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).\nوقال تعالى (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ).\nوقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ\nقَدِيرٌ).","vol":"2","page":70},{"text":"وقال تعالى (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا).\n• وخلقهما سبحانه بالحق كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا).\nوقال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ).\nفمن الحق الذي كان خلقهما من أجله: إقامة البرهان على أنه الواحد المعبود وحده جل وعلا.\nكما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).\nوقال تعالى (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).\nولما بين تعالى في أول سورة الفرقان، صفات من يستحق أن يعبد ومن لا يستحق، قال في صفات من يستحق العبادة (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا).\nوالآيات في مثل ذلك كثيرة تدل دلالة واضحة على أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقًا متلبسًا بالحق.\nومن الحق الذي من أجله خلق السموات والأرض، تعليمه لخلقه أنه تعالى على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علمًا، كما قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا).\nومن الحق الذي من أجله خلق السماوات والأرض وما بينهما: هو تكليف الخلق، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا ثم جزاؤهم على أعمالهم، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).\n(وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) وتارة يطول هذا ويقصر هذا وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتعاوضان كما قال تعالى (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ).\n• قال السعدي: قوله تعالى (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) وهو تعاقبهما على الدوام، إذا ذهب أحدهما، خلفه الآخر، وفي اختلافهما في الحر، والبرد، والتوسط، وفي الطول، والقصر، والتوسط، وما ينشأ عن ذلك من الفصول، التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم، وجميع ما على وجه الأرض، من أشجار ونوابت، كل ذلك بانتظام وتدبير، وتسخير، تنبهر له العقول، وتعجز عن إدراكه من الرجال الفحول، ما يدل ذلك على قدرة مصرفها، وعلمه وحكمته، ورحمته الواسعة، ولطفه الشامل، وتصريفه وتدبيره، الذي تفرد به، وعظمته، وعظمة ملكه وسلطانه، مما يوجب أن يؤله ويعبد، ويفرد بالمحبة والتعظيم، والخوف والرجاء، وبذل الجهد في محابه ومراضيه.","vol":"2","page":71},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-538> وهذا البرهان ذكره الله تعالى في عدة مواضع:</span>\nقال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ).\nوقال تعالى (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ).\nوقال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلَا تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).\n(وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) أي: والسفن الضخمة الكبيرة التي تسير في البحر على وجه الماء، بما فيه\nمصالح الناس من أنواع المتاجر والبضائع.\nفمن الذي ألهمهم صنعتها، وأقدرهم عليها، وخلق لهم من الآلات ما به يعملونها؟ أم من الذي سخر لها البحر، تجري فيه بإذنه وتسخيره، والرياح؟ أم من الذي خلق للمراكب البرية والبحرية، النار والمعادن المعينة على حملها، وحمل ما فيها من الأموال؟\nفهل هذه الأمور، حصلت اتفاقًا، أم استقل بعملها هذا المخلوق الضعيف العاجز، الذي خرج من بطن أمه، لا علم له ولا قدرة، ثم خلق له ربه القدرة، وعلمه ما يشاء تعليمه، أم المسخر لذلك رب واحد، حكيم عليم، لا يعجزه شيء، ولا يمتنع عليه شيء؟ بل الأشياء قد دانت لربوبيته، واستكانت لعظمته، وخضعت لجبروته.\nوغاية العبد الضعيف، أن جعله الله جزءًا من أجزاء الأسباب، التي بها وجدت هذه الأمور العظام، فهذا يدل على رحمة الله وعنايته بخلقه، وذلك يوجب أن تكون المحبة كلها له، والخوف والرجاء، وجميع الطاعة، والذل والتعظيم. (تفسير السعدي).\n(وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) أي: وما أنزل الله من السحاب المطر به حياة البلاد والعباد. كمال تعالى (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ).\n• أليس ذلك دليلًا على قدرة من أنزله، وأخرج به ما أخرج ورحمته، ولطفه بعباده، وقيامه بمصالحهم، وشدة افتقارهم وضرورتهم إليه من كل وجه؟ أما يوجب ذلك أن يكون هو معبودهم وإلههم؟ أليس ذلك دليلًا على إحياء الموتى ومجازاتهم بأعمالهم؟\n(تفسير السعدي).","vol":"2","page":72},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-539> وهذا البرهان ذكره الله تعالى في عدة مواضع:</span>\nقال تعالى (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا).\nوقال تعالى (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ).\nوقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-540> المراد بالسماء هنا العلو، وذلك أن السماء يُطلق على معنيين:</span>\nالمعنى الأول: العلو، كقوله تعالى هنا (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ) المراد بالسماء هنا العلو، لأن المطر ليس ينزل من السماء السقف، بل ينزل من العلو.\nالمعنى الثاني: المراد بالسماء السقف، كما في قوله تعالى (والسَّمَاءَ بِنَاءً).\n(وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) أي: نشر وفرّق في الأرض من كل ما يدب عليها من أنواع الدواب، على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى عليه شيء من ذلك.\nكما قال تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).\n• قوله تعالى (من كل دابة) قال القرطبي: ودابة تجمع الحيوان كله، وقد أخرج بعض الناس الطير وهو مردود، قال الله تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) فإن الطير يدب على رجليه في بعض حالاته.\n• فمن الدواب: ما يأكلون من لحمه، ويشربون من دره، ومنها: ما يركبون، ومنها: ما هو ساع في مصالحهم وحراستهم، ومنها: ما يعتبر به، ومع أنه بث فيها من كل دابة، فإنه سبحانه هو القائم بأرزاقهم، المتكفل بأقواتهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها. (تفسير السعدي).\n(وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) أي: تقليب الرياح في هبوبها جنوبًا وشمالًا، حارة وباردة، وليّنة وعاصفة.\n• قال ابن كثير: فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن.","vol":"2","page":73},{"text":"• وقال الطبري وتصريف الله إياها: أن يرسلها مرة لواقح، ومرة يجعلها عقيمًا، ويبعثها عذابًا تدمر كل شيء بأمر ربها. (وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أي: سائر بين السماء والأرض، مسخر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن كما يصرفه تعالى.\n• قال الشنقيطي: لم يبين هنا كيفية تسخيره، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله (وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون)، وقوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ).\n(لَآياتٍ) أي: لعلامات ودلالات وبراهين.\n• قال القاسمي: عظيمة كثيرة، فالتنكير للتفخيم كَمًّا وكيفًا.\n(لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: يتفكرون فيها وينظرون إليها بعين العقول، فيستدلون على قدرته، سبحانه، القاهرة، وحكمته الباهرة، ورحمته الواسعة المقتضية لاختصاص الألوهية به جل شأنه.\n• قال السعدي: والحاصل، أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات، وازداد تأمله للصنعة وما أودع فيها من لطائف البر والحكمة، علم بذلك، أنها خلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب دلالات، على ما أخبر به الله عن نفسه ووحدانيته، وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر، وأنها مسخرات، ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها.\nفتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون، وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا الله، ولا رب سواه.\n• يختم الله كثيرًا من الآيات عندما يبين للعباد الأصول والأحكام النافعة بقوله: لعلكم تعقلون وهذا يدل على أمور:\nمنها: أن الله يحب منا أن نعقل أحكامه وإرشاداته وتعليماته، فنحفظها ونفهمها ونعقلها بقلوبنا، ونؤيد هذا العقل ونثبته بالعمل بها.\nومنها: أنه كما يحب منا أن نعقل هذا الحكم الذي بينه بيانًا خاصًا، فإنه يحب أن نعقل بقية ما أنزل من الكتاب والحكمة، وأن نعقل آياته المسموعة وآياته المشهودة.","vol":"2","page":74},{"text":"ومنها: أن هذا أكبر دليل على أن معرفة ما أنزل الله إلينا من أعظم ما يربي عقولنا ويجعلها عقولًا تفهم الحقائق النافعة والضارة، وترجح هذه على هذه، ولا تميل بها الأهواء والأعراض والخيالات والخرافات المفسدة للعقول.\n• قال البقاعي: وسبب تكثير الأدلة أنّ عقول الناس متفاوتة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-541> قال ابن القيم: الرب ﵎ يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين:</span>\nأحدهما: النظر في مفعولاته، والثاني: التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة.\nفالنوع الأول كقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ …).\nوقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) وهو كثير في القرآن\nوالثاني كقوله (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) وقوله (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) وقوله (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-542> قال ابن القيم مبينًا من يعتبر بآيات الله الكونية والشرعية:</span>\nقال تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) وقال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) فأخبر عن آياته المشهودة العيانية أنها إنما ينتفع بها أهل الصبر والشكر، كما أخبر عن آياته الإيمانية القرآنية أنها إنما ينتفع بها أهل التقوى والخشية والإنابة ومَن\nكان قصده اتباع رضوانه، وأنها إنما يتذكر بها من يخشاه سبحانه كما قال (طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) وقال في الساعة (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا).\nوأما من لا يؤمن بها ولا يرجوها ولا يخشاها فلا تنفعه الآيات العيانية ولا القرآنية، ولهذا لما ذكر سبحانه في سورة هود عقوبات الأمم المكذبين للرسل وما حل بهم في الدنيا من الخزي، قال بعد ذلك (إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة) فأخبر أن في عقوباته للمكذبين عبرة لمن خاف عذاب الآخرة.","vol":"2","page":75},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-543> وآيات الله تنقسم إلى قسمين:</span>\nالآيات الكونية القدرية. (فهي مما نشاهده مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها).\nوهي ما نصبه الله (جل وعلا) ليدل به خلقه على أنه الواحد الأحد المستحق للعبادة، كالشمس والسماء والأرض ونحوها، وكل ما في الكون من مخلوقات الله شاهد بكمال الله وقدرته وعزته وأنه المستحق للعبادة.\nقال تعالى (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: لعلامات واضحة جازمة قاطعة بأن من خلقها هو رب هذا الكون، وهو المعبود وحده.\nالآيات الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم. (لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله).\nومنه قوله تعالى (رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ).\nوسميت آيات، جمع آية، لأنها علامة على صدق من جاء بها.\nالكفر بالآيات الكونية يكون بأمور: أن يجحد أن الخالق سبحانه خلقها فيدعي أن الذي خلقها غير الله، أو أن يعتقد أن له شريكًا في خلقه، أو أن له معينًا في خلقه.\nوالكفر بالآيات الشرعية إما بجحودها، أو بتكذيبها، أو بالاستكبار والعناد.\n\n<span data-type='title' id=toc-544>الفوائد:</span>\n١ - عظم خلق السماوات والأرض.\n٢ - أن السموات متعددة.\n٣ - أنه ينبغي للإنسان أن يتأمل في هذه المخلوقات وعظم خلقتها، ليزداد إيمانه.\n٤ - أن من أعظم الآيات اختلاف الليل والنهار وما يحدث بسبب ذلك.\n٥ - أن اختلاف الليل والنهار من رحمة الله وحكمته.\n٦ - عظم نعمة الله بالفلك التي تجري بالبحر.\n٧ - من رحمة الله إنزال المطر.\n٨ - قدرة الله العظيمة.\n٩ - وجوب تعظيم الله.\n١٠ - أن الله يدعو للنظر والتفكر في آياته الكونية والشرعية.","vol":"2","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-545>(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧».</span> [البقرة: ١٦٥ - ١٦٧].\n<hr><s0>\n\n(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) يخبر تعالى عن حال المشركين حيث جعلوا له ندًا يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، والند: النظير والمماثل المناوئ، والمراد به هنا الأوثان.\n• وقد اختلف العلماء في معنى (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) على قولين:\nأحدهما: يحبونهم كما يحبون الله، فيكون قد أثبت لهم محبة الله، ولكنها محبة يشركون فيها مع الله أندادًا.\nورجح هذا القول ابن تيمية وقال: إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة، ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له.\nوالثاني: أن المعنى يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله.\n• قال ابن القيم: فأخبر سبحانه أن المشرك يحب الند كما يحب الله تعالى، وأن المؤمن أشد حبا لله من كل شيء وقال أهل النار في النار (تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين) ومن المعلوم أنهم إنما سووهم به سبحانه في الحب والتأله والعبادة، وإلا فلم يقل أحد قط أن الصنم أو غيره من الأنداد مساو لرب العالمين في صفاته وفي أفعاله، وفي خلق السماوات والأرض، وفي خلق عباده أيضًا، وإنما كانت السوية في المحبة والعبادة.\n• وعقوبة جعل لله ندًا النار، لأنه ارتكب أعظم ذنب.\nقال -ﷺ- (من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار) متفق عليه.\nوحينما سئل النبي -ﷺ-: أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) متفق عليه.\n(وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه) أي: أثبت وأدوم على حبه لأنهم لا يختارون على الله ما سواه، والمشركون إذا اتخذوا صنمًا ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني.\nقال قتادة: إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله ﷿ عنهم فقال (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين) والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء والضراء والشدة والرخاء.\n• قال ابن كثير: ولحبهم لله وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا بل يعبدونه وحده، ويتوكلون عليه، ويلجأون في جميع أمورهم إليه.\n(وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي: الذين جعلوا مع الله أندادًا وأشركوا به.\n• فإن الشرك ظلم، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك ظالم، لأنه وضع العبادة التي هي حق لله تعالى وحده، وضعها في المخلوق الضعيف الفقير، أو وضعها لصنم أو حجر أو شجر، ولأجل هذا البيان فإن القرآن يكثر الله فيه إطلاق الظلم على الشرك.","vol":"2","page":77},{"text":"كما قال تعالى عن العبد الصالح (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).\nوثبت في صحيح البخاري أن النبي -ﷺ- فسر قوله (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قال: بشرك، ثم تلا قول لقمان (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).\nوقال تعالى (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) أي: من المشركين.\nولم يأت الظلم في القرآن إلا بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف، بمعنى النقص، كما قال تعالى (كلنا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئًا) أي ولم تنقص.\n\n•<span data-type='title' id=toc-546> الظلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:</span>\nالأول: الشرك.\nوهو أعظم الظلم وأشده.\nكما قال تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).\nوقال تعالى (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) أي: من المشركين.\nقال ابن رجب: فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، فعبده وتألهه، فوضع الأشياء في غير موضعها، وأكثر ما ذكر في القرآن من وعيد الظالمين، إنما أريد به المشركون كما قال الله تعالى (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ).\nوالثاني: ظلم العبد نفسه بالمعاصي.\nكما قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ).\nوالثالث: ظلم العبد لغيره.","vol":"2","page":78},{"text":"كما في الحديث (قال الله: إني حرمت الظلم وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- في خطبته في حجة الوداع (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه.\nوعن ابن عمر. قال: قال -ﷺ- (الظلم ظلمات يوم القيامة) متفق عليه.\n(إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ) أي: حين يرون العذاب.\n• والرؤية هنا بصرية (على قراءة فتح الياء: يَرون)، أي: بأبصارهم.\nوالمعنى: لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعًا.\n(أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) أي: أن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه.\n(وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) أي: قوي العقوبة.\n(إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) أي: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا) تبرأ الذين عُبدوا من دون الله كالأوثان والملائكة والجن والشيطان والرؤساء وعيسى -﵇-، فكل من عُبِد من دون الله يتبرأ من عابديه (مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) أي: من أتباعهم.\nفالملائكة تتبرأ: كما قال تعالى (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ).\nوكذلك الشيطان يتبرأ من تابعيه: كما قال تعالى عنه (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).\nوكذلك الأوثان تتبرأ من عابديها: قال تعالى (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).\nوالجن تتبرأ منهم وينتصلون من عبادتهم لهم: كما قال تعالى (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ). [بعض العلماء حمل هذه الآية على أن المعبودين من دون الله هم الجن].","vol":"2","page":79},{"text":"وقال تعالى (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا. كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) أي: سيخونونهم أحوج ما\nيكونون إليهم.\nوقال الخليل لقومه (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).\nوكذلك الجبابرة والرؤساء والظلمة يتبرأون: قال تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ).\n(وَرَأَوُا الْعَذَابَ) أي: عاينوا عذاب الله.\n(وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَاب) أي: تقطعت بهم الحيَل وأسباب الخلاص ولم يجدوا عن النار معدلًا ولا مصرفًا.\n(وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا) أي: لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم بل نوحد الله وحده بالعبادة، وهم كاذبون في هذا كما قال تعالى (ولَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون).\n(كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ) أي: أنه تعالى كما أراهم شدة عذابه، كذلك يريهم أعمالهم حسرات عليهم، أي: كذلك يري الله الكافرين أعمالهم الخبيثة حسرات عليهم، لِمَ عملوا بها؟ وهلاّ عملوا بغيرها؟ فندموا على ما فرط منهم من أعمالهم الرديئة إذ رأوا جزاءها من الله وعقابها، لأن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم ندمًا عليهم. [تفسير الطبري: ٢/ ٩١]\nفأعمالهم تذهب وتضمحل.","vol":"2","page":80},{"text":"كما قال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).\nوقال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ).\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ).\nقال تعالى عن يوم القيامة (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).\n• قال ابن عاشور: سؤال: لم أضيفت الأعمال إليهم؟\nالجواب: وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأما إضافة الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها.\n• قوله تعالى (حسرات ..) الحسرة شدة الأسف.\n(وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) أي: ليس لهم سبيل إلى الخروج من النار، بل هم في عذاب سرمدي وشقاء أبدي.\nكما قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ)\nوقال تعالى (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ. لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُون).\nوقال تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-547>الفوائد:</span>\n١ - تحريم اتخاذ الند لله.\n٢ - وجوب إخلاص العبادة لله في المحبة.\n٣ - أن المحبة من العبادة.\n٤ - أن من جعل لله ندًا في المحبة فهو ظالم.\n٥ - تحريم الظلم، وأشده الشرك بالله تعالى.\n٦ - أن المتبوعين بالباطل لا ينفعون أتباعهم.\n٧ - ثبوت العقاب.\n٨ - ثبوت العذاب.\n٩ - تحسر هؤلاء وأمثالهم تحسرًا عظيمًا.\n١٠ - إثبات نكال الله بهم.\n١١ - أن المشركين مخلدون في النار.\n١٢ - إثبات النار.","vol":"2","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-548>(يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩».</span> [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا) الخطاب لجميع البشر، أي: كلوا مما أحله الله لكم من الطيبات.\n• قوله تعالى (حلالًا) أي: ما كان حلالًا في كسبه. (طيبًا) أي: طيبًا في ذاته. نافعًا لآكله في دينه.\nوهذا القول أولى من قول إن (طيبًا) تأكيد، لأن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التوكيد.\n• قوله تعالى (حلالًا طيبًا) فلا يجوز أكل الخبيث والمحرّم.\n(وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) نهي من الله عن اتباع خطوات الشيطان وهي: طرائقُه ومسالكه.\nوالخطوات جمع خُطْوة، ويقال بالفتح خَطوة، وهي ما بين القدمين حال الخَطُو.\n(إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) أي: ظاهر العداوة، وذلك لأن الشيطان التزم أمورًا سبعة في العداوة أربعة منها في قوله تعالى (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ الأنعام وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله) وثلاثة منها في قوله تعالى (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين) فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدوًا متظاهرًا بالعداوة فلهذا وصفه الله تعالى بذلك. [تفسير الرازي].\n• وقد حذرنا الله في آيات كثيرة عن اتباع خطواته:\nكما قال تعالى (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).\nوقال تعالى (ومِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ).\nوقال تعالى (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ).\nوقال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).\nوقال تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).","vol":"2","page":82},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-549> فيجب الحذر من خطوات الشيطان لأنه عدو ظاهر مبين لنا:</span>\n• فهو يحب أن يحزن المؤمن.\nكما قال تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) وأحب شيء إلى الشيطان: أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه.\n• وهو يخوف المؤمنين بالأعداء.\nكما قال تعالى (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: يخوفكم بأوليائه.\n• ويخوف بالفقر.\nكما قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) فيخوف المسلم من الفقر وذلك لأمور:\nأولًا: ليُمسك عن الصدقة فيحرمه أجرها وثوابها العظيم.\nثانيًا: ليصيبه بالقلق والحزن.\nثالثًا: ليشك بوعد الله (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه).\nرابعًا: ليقدم على أكل الحرام خوفًا من الفقر كما قال تعالى (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين).\n• ويحث على الرياء في الإنفاق والتبذير.\nقال تعالى (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا).\nوكما قال تعالى (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا).\n• ومن أعماله: الدعوة إلى الكفر والارتداد عن الدين.\nكما قال تعالى (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).\nوقال تعالى عن الهدهد (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ).\nوقال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ).\n• ومن أعماله: زرع العداوة والبغضاء بين الناس.\nكما قال تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).\nوقال تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).\nوقال تعالى عن يعقوب (قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ).\nوقال تعالى (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا).","vol":"2","page":83},{"text":"• ومن تزيينه تسمية المعاصي بأسماء محببة لكي يخفي خبثها.\nكما قال لآدم (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى).\nقال ابن القيم: وقد ورّث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تُحِبُ النفوسُ مسمياتها، فسموا الخمر بأم الأفراح.\nوفي عصرنا يسمون الربا بالفائدة، والتبرج الفاضح بحرية المرأة، والمغنية الفاسقة بالفنانة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-550> عقبات الشيطان:</span>\nالعقبة الأولى: عقبة الكفر بالله تعالى.\nفإنه إن ظفر في هذه به بردت نار عداوته واستراح.\nالعقبة الثانية: عقبة البدعة.\nإما باعتقاد خلاف حق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه، وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله.\nفإن نجا منها بنور السنة:\nالعقبة الثالثة: عقبة الكبائر.\nفإن ظفر به فيها زينها له، وحسنها في عينه، وسوّف به.\nفإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله أو بتوبة نصوح طلبه على:\nالعقبة الرابعة: عقبة الصغائر.\nفكان له منها بالقُفز، وقال: ما عليك إذا اجتنبت الكبائر ما غشيت من اللمم، أوَما علمت بأنها تكفّر باجتناب الكبائر وبالحسنات، ولا يزال يهون عليه أمرها حتى يصر عليها، فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالًا منه.","vol":"2","page":84},{"text":"العقبة الخامسة: عقبة المباحات التي لا حرج على فعلها.\nفشغله بها عن الاستكثار من الطاعات، وعن الاجتهاد في التزود لمعاده، وأقل ما ينال منه: تفويته الأرباح والمكاسب العظيمة والمنازل العالية.\nالعقبة السادسة: عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات.\nفأمره بها وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبًا وربحًا؟ [مدارج السالكين: ١/ ٢٣٧].\n(إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) فهذا كالتفصيل لجملة عداوته، وهو مشتمل على أمور ثلاثة: أولها: السوء، وهو متناول جميع المعاصي سواء كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب، أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة.\nوثانيها: الفحشاء: وهي نوع من السوء، لأنها أقبح أنواعه، وهو الذي يستعظم ويستفحش من المعاصي.\nوثالثها: (أَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ) وكأنه أقبح أنواع الفحشاء، لأنه وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر، فصارت هذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى (وَلَا تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان) فيدخل في الآية أن الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر والكفر والجهل بالله.\n• قوله تعالى (والسوء) أي الأعمال السيئة، وسميت سيئة، لأنها تسوء صاحبها في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا بظهور آثارها عليه من الهمّ والضيق في الصدر والخلق والرزق، فيفقد من السعادة في الحياة بقدر ما عمل من السوء، قال تعالى (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) وقال تعالى (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ). وتسوؤه آجلًا بعد موته لمعاقبته عليها إن لم يتب منها أو يتداركه الله بعفوه، وربما تسوء غيره بأن يتعدى ضررها إلى الغير مباشرة، أو بأن يكون لها أثرها السيئ على البلاد والعباد عامة بمحق البركات وقلة الخيرات، كما قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) وقال -ﷺ- (ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء). رواه ابن ماجه","vol":"2","page":85},{"text":"• قوله تعالى (والفحشاء …) أي: الزنا واللواط هذه نوع من السوء، فيكون من باب عطف الخاص على العام، فالفحشاء: ما قبح من الأعمال الشنيعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-551>الفوائد:</span>\n١ - منّة الله على عباده، حيث أباح لهم جميع ما في الأرض.\n٢ - أن الأصل في الأشياء الطهارة.\n٣ - تحريم اتباع خطوات الشيطان.\n٤ - ينبغي على المسلم معرفة عدوه الشيطان ليتجنبه.\n٥ - تأكيد عداوة الشيطان لبني آدم.\n٦ - أن الشيطان لا يأمر بالخير.\n٧ - أن الإنسان إذا وقع في قلبه همّ بالسيئة أو بالفاحشة فليعلم أنها من الشيطان.\n٨ - تحريم القول على الله بلا علم.\n٩ - أن القول على الله بلا علم من أوامر الشيطان.","vol":"2","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-552>(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١».</span> [البقرة: ١٧٠ - ١٧١].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ) قيل: المراد بهؤلاء: متخذي الأنداد، ويكون المعنى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، واختاره ابن كثير حيث لم يذكر في تفسيره غيره.\n[تفسير ابن كثير: ١/ ١٩٠].\nوقيل: أن المراد (وإذا قيل لهم) أي الناس الذين خوطبوا بقوله (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا) والمعنى: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان … وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، وهذا اختيار ابن جرير الطبري ﵀. [تفسير الطبري: ٢/ ٩٤].\n(اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه من الضلالة والجهل.\n\n•<span data-type='title' id=toc-553> فيه وجوب اتباع ما أنزل الله:</span>\nكما قال تعالى (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).\nوقال تعالى (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-554>(قَالُوا) في جواب ذلك:</span>\n(بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، أي: من عبادة الأصنام والأنداد، كما في الآية الأخرى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) والقرآن يفسر بعضه بعضًا.\nقال الرازي: (أَلْفَيْنَا) بمعنى وجدنا، بدليل قوله تعالى في آية أخرى (بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا) ويدل عليه أيضًا قوله تعالى (إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَاءهُمْ ضَالّينَ).","vol":"2","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-555>قال تعالى منكرًا عليهم:</span>\n(أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ) الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم.\n(لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ) أي: ليس لهم فهم ولا هداية.\n(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل.\n(كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً) أي: كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها، أي: دعاها إلى ما يرشدها لا تفقه ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط.\nهذا التأويل الأول للآية: أي: مثل واعظ الذين كفروا الذي يعظهم مع هؤلاء الكفار كمثل صاحب بقر أو غنم أو بهيمة يناديها وينعق بها فتسمع ما يقول لكنها لا تفقه منه شيئًا، واختار هذا ابن كثير.\n• قال السعدي: … أخبر تعالى أن مثلهم - عند دعاء الداعي لهم إلى الإيمان - كمثل البهائم التي ينعق لها راعيها، وليس لها علم بما يقول راعيها ومناديها.\nوعلى هذا القول يكون المثل قد ضُرب بالمدعو الذي لا يستجيب لا الداعي.\nوالتأويل الثاني: أن هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئًا، ورجح هذا ابن جرير.\nوعلى هذا القول يكون هذا المثل في حال المشركين مع معبوداتهم، والأول أصح.","vol":"2","page":88},{"text":"(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) أي: صم عن سماع الحق، بكم لا يتفوهون به، عمي عن رؤية طريقه ومسلكه.\n(فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) أي: لا يعلمون شيئًا ولا يفهمونه.\n\n<span data-type='title' id=toc-556>الفوائد:</span>\n١ - ذم التعصب بغير هدى.\n٢ - أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء.\n٣ - وجوب اتباع ما أنزل الله.\n٤ - أن كل من خالف الحق، وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدى، وقد قال تعالى (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).\n٥ - ذم من يسمع ولا يستجيب.\n٦ - أن من يسمع الحق ولا يستجيب له فيه شبه من هؤلاء الذين ذكرهم الله.\n٧ - فضل من سمع الحق واستجاب له وقد قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).\nوقال تعالى (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).\nوقال تعالى (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى).\n٨ - أن من طبع الله على قلبه فإنه يكون كالبهيمة، فلا يسمعون الحق ولا يقولون به.","vol":"2","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-557>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٧٣».</span> [البقرة: ١٧٢ - ١٧٣].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم تعالى.\nوالآيات الدالة على إباحة الطيبات وتحريم الخبائث كثيرة:\nقال تعالى (ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ).\nوقال تعالى (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ).\nوقال تعالى (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ).\nوالله أمر المرسلين بذلك فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)\nوفي الحديث قال -ﷺ- (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا ..).\n\n•<span data-type='title' id=toc-558> واختلف بالمراد بالطيب الذي أباحه الله:</span>\nفقيل: الطيبات هي المحللات، وقيل: المراد بالطيبات ما تستطبه العرب، وقيل: الطيبات التي أحلها الله ما كان نافعًا لآكلهِ في دينه، وهذا اختيار ابن تيمية.\n• هذه الآية تدل على أن الأصل في الأشياء الحل والإباحة.\n(وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) أي: قوموا بشكره على نعمه عليكم، بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم. [وقد تقدم مباحث الشكر]\n(إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) أي: اشكروا لله تعالى إن كنتم فعلًا تعبدونه وتخضعونه له.\nوالعبادة: هي التذلل لله بالطاعة، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-559> إن رزق الله للعبد يستلزم شكره:</span>\nفسليمان عندما رأى عرش بلقيس عنده مستقرًا (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).","vol":"2","page":90},{"text":"ونبينا -ﷺ- كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويقول: أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا.\n(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) أي: ما حرم عليكم ربكم إلا الخبائث كالميتة وهي: التي تموت حتف أنفها من غير تذكية وسواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة.\n• والميتة إنما حرمت لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها، والذكاة لما كانت تزيل ذلك الدم والفضلات كانت سبب الحل.\n• يستثنى من ذلك: ميتة البحر لقوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ)، قال ابن عباس: صيد البحر ما أخذ حي، وطعامه ما أخذ ميتًا.\nوعن أبي هريرة. أن رسول الله -ﷺ- قال في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبو داود.\nويستثنى كذلك الجراد.\n(وَالدَّمَ) أي: وحرم عليكم الدم، والمراد هنا الدم المسفوح كما قال تعالى (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ).\n(وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) أي: وحرم عليكم لحم الخنزير.\nقال القرطبي: لا خلاف في تحريم خنزير البر.\n\n<span data-type='title' id=toc-560>وقد ذكر الله تحريمه في عدة آيات:</span>\nفقال تعالى كما في سورة المائدة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ).\nوقال تعالى في سورة الأنعام (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ).\n• وهو حيوان سمج والعين تكرهه، له نابان كنابي الفيل، ورأسه كرأس الجاموس، وهو حرام لحمه وشحمه وجميع أجزائه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-561> الحكمة من تحريمه:</span>\nكثرة الديدان في لحم الخنزير، ولأن أشهى غذائه القاذورات والنجاسات، وأكل لحمه من أسباب الدودة الوحيدة القاتلة، ويقال: إن له تأثيرًا سيئًا في العفة والغيرة.\n(وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) الإهلال المراد به رفع الصوت، والمعنى: وما ذبح وذكر عليه اسم غير الله ﵎، وكانوا يذكرون اسم آلهتهم على الذبيحة ويرفعون أصواتهم بذلك.","vol":"2","page":91},{"text":"(فَمَنِ اضْطُرَّ) أي: ألجأته الضرورة إلى الأكل من المحرمات.\nلكن بشرط:\n(غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ) لا يكون باغيًا ولا عاديًا [وسيأتي المراد بهما]\n(فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي: فلا عقوبة عليه في الأكل.\n\n•<span data-type='title' id=toc-562> في هذه الآية جواز الأكل من الميتة عند الضرورة، وهنا مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-563>أولًا: تعريف الضرورة لغة وشرعًا:</span>\nقال ابن منظور: الاضطرار الاحتياج إلى الشيء وقد اضطره إليه أمر.\nوشرعًا: للضرورة تعاريف متقاربة في المعنى عند الفقهاء، ومن ذلك ما يأتي:\nقيل: إنها بلوغه حدًا إن لم يتناول الممنوع هلك إذا قارب وهذا يبيح تناول الحرام.\nوقيل: ومعنى الضرورة هاهنا خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل، والمعنى متقارب.\n\n<span data-type='title' id=toc-564>ثانيًا: بيان حد الاضطرار الذي يبيح تناول المحرم:</span>\nحد الاضطرار هنا يتبين من مجموع الآيات الواردة في الموضوع، وهي:\nقوله تعالى (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ).\nفأطلق في هذه الآية الإباحة بوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها.\nقوله تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ).\nفقيد الإباحة في هذه الآية بأن يكون المضطر غير باغ ولا عاد لكنه لم يبين سبب الاضطرار ولم يبين المراد بالباغي والعادي.\nقوله تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).\nفبين سبحانه سبب الاضطرار وهو المخمصة.\nوإذًا: يمكننا أن نقول: إن حد الاضطرار المبيح لتناول المحرم هو أن يخاف على نفسه التلف بسبب الجوع ولم يجد ما يتغذى به من الحلال، بشرط أن يكون غير متجانف لإثم، وهو الباغي والعادي.\n\n•<span data-type='title' id=toc-565> وقد اختلف العلماء في المراد بالباغي والعادي على قولين:</span>\nالقول الأول: أن المراد بالباغي هو الخروج على إمام المسلمين، والإثم الذي يتجانف إليه العادي هو إخافة الطريق وقطعها على المسلمين، ويلحق بذلك كل سفر معصية لله، لأن في ذلك إباحة على المعصية وذلك لا يجوز.\nفعلى هذا القول: الباغي: الخارج على الإمام، والعادي: قاطع الطريق، وكل مسافر سفر معصية.","vol":"2","page":92},{"text":"القول الثاني: أن المراد بالباغي: الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه.\nورجح هذا التفسير شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: وأما الآية فأكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا التفسير هو الصواب، وهو قول أكثر السلف … وليس في الشرع ما يدل على أن العاصي بسفره لا يأكل الميتة ولا يقصر، بل نصوص الكتاب والسنة عامة مطلقة.\nورجح هذا القول القرطبي والإمام ابن جرير.\nثالثًا: بيان حكم تناول الطعام المحرم في حال الضرورة.\nاختلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: يجب على المضطر الأكل من الميتة ونحوها.\nوهذا قول الحنفية والصحيح من مذهب المالكية وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة، وأصح الوجهين عند الشافعية.\nلقوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ).\nولقوله تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وترك الأكل مع إمكانه في هذه الحال؛ إلقاء بيده إلى التهلكة، ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحل الله له فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال.\nالقول الثاني: أنه لا يلزمه في هذه الحال الأكل من المحرم.\nلأن له غرضًا في تركه وهو أن يتجنب ما حرم عليه، ولأن إباحة الأكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص.\nوالراجح القول الأول أنه يجب عليه أن يأكل في هذه الحال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حيث قال: ويجب على المضطر أن يأكل ويشرب ما يقيم به نفسه، فمن اضطر إلى الميتة أو الماء النجس فلم يشرب ولم يأكل حتى مات دخل النار.\nرابعًا: بيان مقدار ما يباح للمضطر تناوله من المحرم.\nيباح له أكل ما يسد به الرمق ويأمن معه الموت بالإجماع، ويحرم ما زاد على الشبع بالإجماع.\n\n<span data-type='title' id=toc-566>واختُلف في حكم الشبع على ثلاثة أقوال:</span>\nالقول الأول: لا يباح له الشبع.\nوهو قول أبي حنيفة وأحد الروايتين عن أحمد وأحد القولين للشافعي.\nوهو قول ابن الماجشون من المالكية.\nقالوا: لأن الآية دلت على تحريم ما ذكر فيها، واستثنى ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل الأكل كحال الابتداء.\nولأنه بعد سد الرمق غير مضطر فلم يحل له الأكل للآية، يحققه أن حاله بعد سد رمقه كحاله قبل أن يضطر وثم لم يبح له الأكل كذا هاهنا.\nالقول الثاني: أن له الشبع.\nوهذا قول مالك وأحد القولين في مذهب الشافعي.","vol":"2","page":93},{"text":"لحديث جابر بن سمرة (أن رجلًا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة، فقالت له امرأته: اسلخها حتى نقدر شحمها ولحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله -ﷺ-، فسأله فقال: (هل عندك غنى يغنيك؟) قال: لا، قال: فكلوها) فأطلق النبي -ﷺ- الأمر بأكل ولم يحدد.\nالقول الثالث: التفصيل بين من يخشى استمرار الضرورة فيحل له الشبع، ومن ضرورته مرجوة الزوال فلا يحل له إلا سد الرمق، لأن من ضرورته مستمرة إذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب ولا يتمكن من البعد من الميتة مخافة الضرورة، ويفضي إلى ضعف بدنه، وربما أدى ذلك إلى تلفه بخلاف من ليست ضرورته مستمرة فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل له.\nوهذا احتمال في مذهب الحنابلة، ذكره صاحب المغني، وقول في مذهب الشافعي.\nوهذا القول هو الراجح.\nخامسًا: هل يجوز للمضطر أن يتزود من الطعام المحرم؟\nالصحيح أنه يجوز له ذلك، وهذا قول مالك ورواية عن أحمد وهو قول الشافعية.\nلأنه لا ضرر في استصحابها ولا في إعدادها لدفع ضرورته وقضاء حاجته، ولا يأكل منها إلا عند ضرورته.\nسادسًا: إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة بل يأكل طعام الغير.\nسابعًا: كل المحرمات إذا اضطر إليها، وزالت بها الضرورة كانت مباحة، قلنا (وزالت بها الضرورة) احترازًا مما لا تزول به الضرورة، كما إذا ما اضطر الإنسان إلى أكل سم، فلا يجوز أن يأكل، لأنه لا تزول بها ضرورته، بل يموت به، ولو اضطر إلى شرب خمر لعطش لم يحل له، لأنه لا تزول به ضرورته، ولذلك لو احتاج إلى شربه لدفع لقمة غص بها حل له، لأنه تزول به ضرورته.","vol":"2","page":94},{"text":"ثامنًا: لو اضطر لميتة آدمي، فالمشهور عند الحنابلة أنه لا يجوز أن يأكلها، وقالت الشافعية: إنه يجوز أكلها عند الضرورة، وهو الصحيح. (الشيخ ابن عثيمين).\n(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هذا تعليل للحكم، فالحكم انتفاء الإثم، والعلة (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).\n(غَفُورٌ) سبق شرحها.\n• قال السعدي: ولما كان الحل مشروطًا بهذين الشرطين، وكان الإنسان في هذه الحالة، ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها، أخبر تعالى أنه غفور، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال، خصوصًا وقد غلبته الضرورة، وأذهبت حواسه المشقة.\nوفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة (الضرورات تبيح المحظورات) فكل محظور، اضطر إليه الإنسان، فقد أباحه له، الملك الرحمن، فله الحمد والشكر، أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.\n(رَحِيمٌ) ومن رحمته أنه أباح المحرمات حال الضرورة، ومن رحمته يغفر الزلات والخطيئات.\n\n<span data-type='title' id=toc-567>الفوائد:</span>\n١ - فضيلة الإيمان.\n٢ - الأمر بالأكل من طيبات ما رزق الله.\n٣ - أن الخبائث لا يؤكل منها.\n٤ - أن ما يحصل للإنسان من مأكول فإنه من رزق الله.\n٥ - وجوب شكر الله.\n٦ - وجوب الإخلاص لله تعالى.\n٧ - أن الشكر من تحقيق العبادة.\n٨ - تحريم أكل الميتة.\n٩ - نجاسة الميتة والدم ولحم الخنزير وكل ما أهل لغير الله.\n١٠ - أن التحريم والتحليل إلى الله.\n١١ - أن الضرورة تبيح المحظور، لكن هذه الضرورة تبيح المحرم بشرطين:\nالأول: صدق الضرورة، بحيث لا يندفع الضرر إلا بتناول المحرّم.\nوالثاني: زوال الضرورة به حيث يندفع الضرر، كما تقدم.\n١٢ - أن تناول المحرم بدون عذر إثم ومعصية.\n١٣ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور، والرحيم.","vol":"2","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-568>(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦».</span> [البقرة: ١٧٤ - ١٧٦].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ) يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد -ﷺ- في كتبهم التي بأيديهم مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف، فخشوا - لعنهم الله - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاءً على ما كان يحصل لهم من ذلك، وهو نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة.\nولهذا قال تعالى:\n(وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) الضمير في قوله (به) يرجع إلى الشيء المكتوم، أي: أنهم يشترون بالشيء الذي كتموه ثمنًا قليلًا من متاع الدنيا، كالرشا أو المناصب أو الجاه عند أتباعهم.\n• معنى اشتروا: أي استعاضوا عنه بثمن قليل من المنافع الدنيوية.\n• وسماه قليلًا لانقطاع مدته وسوء عاقبته.\n• وفي الآية أن من موانع الهداية أن يكون للإنسان في الباطل شهرة ومكانة.\n• وهذه الآية وإن كانت في اليهود لكنها لا تختص بهم، فكل من كتم علمًا فهو داخل في هذه الآية.\n\n•<span data-type='title' id=toc-569> قال الشيخ ابن عثيمين: المنحرف عن الدين وعن نشر العلم ينحرف لأحد سببين:</span>\nالسبب الأول: خشية الناس.\nالسبب الثاني: الطمع في الدنيا.\nقال تعالى في سورة المائدة (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قليلًا).\n(أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارًا تأجج في بطونهم يوم القيامة كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) وفي الحديث الصحيح عن رسول الله -ﷺ- (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم). [تفسير ابن كثير: ١/ ٩٢]","vol":"2","page":96},{"text":"وقيل: معنى (مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) أي: أنه يوجب عليهم عذاب النار، فسمى ما أكلوه (من الرشا وغيرها) نارًا لأنه يؤول بهم إليها، وما ذكره ابن كثير أقرب وأصح.\n• وهذا الحكم وإن كان خاصًا فالاعتبار بعموم اللفظ، فهو يشمل كل من كتم ما شرعه الله، وأخذ عليه الرشا.\n(وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: لا يكلمهم تكليم رضا، فالنفي هنا ليس نفيًا لمطلق الكلام، وإلا فالله ﷿ يكلم الكفار ويوبخهم كما قال تعالى (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ. رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-570> يوم القيامة، سمي بذلك:</span>\nأولًا: لأن الناس يقومون من قبورهم، قال تعالى (يوم يقوم الناس لرب العالمين).\nثانيًا: ولقيام الأشهاد، لقوله تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).\nثالثًا: ولقيام الملائكة، لقوله تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا …).\n(وَلا يُزَكِّيهِمْ) أي: لا يثني عليهم بخير.\n(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: موجع، والعذاب هو: النكال والعقوبة.\n(أُولَئِكَ) المشار إليهم (الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب).\n(الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) أي: (الَّذِينَ اشْتَرَوُا) أي: اختاروا واعتاضوا (الضَّلالَةَ) وهي هنا كتمان العلم، وهو تكذيب النبي -ﷺ- وكتم صفته التي في كتبهم (بِالْهُدَى) وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به واتباعه وتصديقه.\n• قال أبو حيان: وفي لفظ اشتروا إشعار بإيثارهم الضلالة والعذاب، لأن الإنسان لا يشتري إلا ما كان له فيه رغبة ومودة، واختيار وذلك يدل على نهاية الخسارة، وعدم النظر في العواقب.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: (اشتروا) بمعنى اختاروا، ولكنه عبر بهذا، لأن المشتري طالب راغب في السلعة، فكان هؤلاء - والعياذ بالله - طالبون راغبون في الضلالة بمنزلة المشتري.","vol":"2","page":97},{"text":"(وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ) أي: واختاروا العذاب بالمغفرة، وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة وهو كتم العلم.\n(فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) هذه الآية للتعجب، قال الطبري: أي: ما أجرأهم على النار، أي: ما أجرأهم على عذاب النار وأعملهم بأعمال أهلها.\n• وقال ابن كثير: يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد هائل يتعجب من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع شدة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال عياذًا بالله من ذلك. [تفسير ابن كثير: ١/ ١٩٢].\nوقيل: إن (ما) استفهامية، والمعنى: ما الذي أصبرهم على النار؟ والقول الأول هو الصحيح وهو مذهب الجمهور كما ذكر ذلك الشوكاني.\n(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) أي: ذلك العذاب الذي يجازون به بسبب كتمهم للكتاب، بسبب أن الله أنزل الكتاب -التوراة - بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه.\nوقيل: المراد ب (الكتاب) جنس الكتب ويشمل التوراة والإنجيل والقرآن.\n(وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ) قيل: المراد بالكتاب التوراة، والذين اختلفوا فيه هم اليهود والنصارى، وقيل: المراد بالكتاب القرآن، والذين اختلفوا فيه هم اليهود والنصارى والمشركين، فبعضهم يقول: هو سحر، وبعضهم يقول: هو شعر، وبعضهم يقول: كهانة.\n(لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد) أي: في خلاف بعيد عن الحق والصواب مستوجب لأشد العذاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-571>الفوائد:</span>\n١ - تحريم كتم العلم.\n٢ - أن كتم العلم من صفات اليهود.\n٣ - عظم جرم كتم العلم.\n٤ - وجوب نشر العلم.\n٥ - أن الكتب منزلة من عند الله.\n٦ - علو الله ﷿.\n٧ - أن متاع الدنيا قليل ولو كثر.\n٨ - خطر فتنة الدنيا، ولذلك قال -ﷺ- (فاتقوا الدنيا ..).\n٩ - إقامة العدل في الجزاء.\n١٠ - إثبات الكلام لله تعالى.","vol":"2","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-572>(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧».</span> [البقرة: ١٧٧].\n<hr><s0>\n\n(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) لما أمر الله تعالى المؤمنين أولًا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حولهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة الله ﷿، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة المشرق أو المغرب بر ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، ولهذا قال (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ …) وقال الثوري: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ …) قال: هذه أنواع البر كلها. قال ابن كثير: وصدق ﵀، فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها وأخذ بمجامع الخير كله.\n• البر اسم جامع للطاعات، وأعمال الخير المقربة إلى الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-573>(مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:</span>\nالأول: الإيمان بوجود الله تعالى.\nوقد دل على وجوده: الفطرة، والعقل، والشرع، والحس.\nأما دلالة الفطرة على وجوده: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه.\nوأما دلالة العقل على وجوده تعالى: فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها، لا بد لها من خالق أوجدها، إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجد صدفة.\nوأما دلالة الحس على وجود الله: فإننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين، وغوث المكروبين، ما يدل دلالة قاطعة على وجوده تعالى، قال تعالى: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ).\nالثاني: الإيمان بربوبيته.\nأي بأنه وحده الرب لا شريك له ولا معين.\nالثالث: الإيمان بألوهيته.\nأي بأنه وحده الإله لا شريك له.\nالرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته.\nأي إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو سنة رسوله -ﷺ- من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.\n(وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ويشمل الإيمان بجميع ما يكون بعد الموت.\n(وَالْمَلائِكَةِ) الملائكة: عالم غيبي مخلوقون، عابدون لله تعالى، وليس لهم من خصائص الروبية والألوهية شيء، خلقهم الله تعالى من نور، ومنحهم الانقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه.","vol":"2","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-574>والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:</span>\nالأول: الإيمان بوجودهم.\nالثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، كجبريل، ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالًا.\nالثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة جبريل، فقد أخبر النبي -ﷺ- أنه رآه على صفته التي خلق عليها وله ستمائة جناح قد سد الأفق.\nالرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى، وقد يكون لبعضهم أعمال خاصة.\n(وَالْكِتَابِ) اسم جنس يشمل جميع الكتب المنزلة على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب الذي انتهى إليه كل خير واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله.\n\n•<span data-type='title' id=toc-575> والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:</span>\nالأول: الإيمان بأن نزولها من عند الله حقًا.\nالثاني: الإيمان بما علمنا اسمه من عند الله باسمه.\nالثالث: تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.\nالرابع: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا والتسليم به.\n(وَالنَّبِيِّينَ) أي: وآمن برسل الله كلهم من أولهم إلى آخرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-576>والإيمان بالرسل والأنبياء يتضمن أربعة أمور:</span>\nالأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى.\nالثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم، مثل: محمد، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح، وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالًا.\nالثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.\nالرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد -ﷺ-.\n(وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) أي أخرجه وهو محب له راغب فيه، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا (أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر).\n• وهذه الآية مثل: قوله تعالى (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا).\nوقوله (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ).\nوقوله (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).","vol":"2","page":100},{"text":"• فقوله تعالى (على حبه) على حب المال، هذا القول هو الصحيح، وهو قول الأكثر، خلافًا لمن قال إن الضمير في قوله (على حبه) يرجع إلى الله، أو من قال يرجع إلى الإيتاء، أي على حب الإيتاء.\n• فإنفاق المال على حبه من أفضل القربات وأعظمها، لأن المال محبوب للنفس.\n• واختلف العلماء في هذه الآية (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) فقيل: يَحْتَمِلُ بِهِ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ ويحتمل: أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّطَوُّعَ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا الْوَاجِبَةُ، وَإِنَّمَا فِيهَا حَثٌّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَوَعْدٌ بِالثَّوَابِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهَا أَنَّهَا مِنْ الْبِرِّ، وَهَذَا لَفْظٌ يَنْطَوِي عَلَى الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، إلَّا أَنَّ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ، وَنَسَقِ التِّلَاوَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الزَّكَاةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ) فَلَمَّا عَطَفَ الزَّكَاةَ عَلَيْهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الزَّكَاةَ بِالصَّدَقَةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهَا.\n• قال الرازي: وهذا التأويل يدل على أن الصدقة حال الصحة أفضل منها عند القرب من الموت، والعقل يدل على ذلك أيضًا من وجوه:\nأحدها: أن عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال وعند ظن قرب الموت يحصل ظن الاستغناء عن المال، وبذل الشيء عند الاحتياج إليه أدل على الطاعة من بذله عند الاستغناء عنه على ما قال (لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ).\nوثانيها: أن إعطاءه حال الصحة أدل على كونه متيقنًا بالوعد والوعيد من إعطاءه حال المرض والموت.\nوثالثها: أن إعطاءه حال الصحة أشق، فيكون أكثر ثوابًا قياسًا على ما يبذله الفقير من جهد المقل فإنه يزيد ثوابه على ما يبذله الغني.\nورابعها: أن من كان ماله على شرف الزوال فوهبه لأحد مع العلم بأنه لو لم يهبه لضاع فإن هذه الهبة لا تكون مساوية لما إذا لم يكن خائفًا من ضياع المال ثم إنه وهبه منه طائعًا وراغبًا فكذا ههنا.\nوخامسها: أنه متأيد بقوله تعالى (لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) وقوله (وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ) أي على حب الطعام.\n• وقال السعدي: بيَّن به أن المال محبوب للنفوس، فلا يكاد يخرجه العبد، فمن أخرجه مع حبه له تقربًا إلى الله تعالى، كان هذا برهانًا لإيمانه.","vol":"2","page":101},{"text":"ومن إيتاء المال على حبه: أن يتصدق وهو صحيح شحيح، يأمل الغنى، ويخشى الفقر، وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة، كانت أفضل، لأنه في هذه الحال، يحب إمساكه، لما يتوهمه من العدم والفقر.\nوكذلك إخراج النفيس من المال، وما يحبه من ماله كما قال تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) فكل هؤلاء ممن آتى المال على حبه. (تفسير السعدي).\n(ذَوِي الْقُرْبَى) وهم قرابات الرجل، وهم أولى من أعطي من الصدقة كما ثبت في الحديث (الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذوي الرجم ثنتان: صدقة وصلة) رواه الترمذي، فهم أولى الناس بك وببرِك وإحسانِك، وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير موضع من كتابه العزيز.\n(وَالْيَتَامَى) هم الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب.\n(وَالْمَسَاكِينَ) وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تسد به حاجتهم وخلتهم.\n• قيل: سمي المسكين بذلك لأن الفقر أسكنه، وقيل: سمي بذلك لأنه ساكن إلى الناس من أجل أن يجد كفايته.\n(وَابْنَ السَّبِيلِ) وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفرًا في طاعة الله، فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه.","vol":"2","page":102},{"text":"• والسبيل الطريق، وسمي بابن السبيل لأنه ملازم لها.\n(وَالسَّائِلِينَ) وهم الذين يتعرضون للطلب، فيعطون من الزكوات والصدقات.\n(وَفِي الرِّقَابِ) وهم المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم (والمكاتب: العبد إذا اشترى نفسه من سيده بمبلغ من المال على أقساط معلومة)، ويدخل في الرقاب إعتاق العبيد ابتداء، وكذلك يدخل فيه فك الأسارى.\n(وَأَقَامَ الصَّلاةَ) أي وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي.\n(وَآتَى الزَّكَاةَ) أي: وأعطى الزكاة الواجبة.\nوالزكاة: هي قدر واجب في مال مخصوص لطائفة أو جهة مخصوصة بشروط مخصوصة، وسميت بذلك لأنها تزكي المال وصاحب المال (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ).\nويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين قبل ذلك، إنما هو التطوع والصلة.\n(وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) أي: ويوفون بالعهود ولا يخلفون الوعود.\nكما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).\nوقال تعالى (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ).\nوقال تعالى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ).\nوعكس هذه الصفة النفاق كما في الحديث عنه -ﷺ- أنه قال (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان) متفق عليه.\n(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ) أي في حال الفقر.\n• قال السعدي: لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة، لكونه يحصل له من الآلام القلبية والبدنية المستمرة ما لا يحصل لغيره.","vol":"2","page":103},{"text":"فإن تنعم الأغنياء بما لا يقدر عليه تألم، وإن جاع أو جاعت عياله تألم، وإن أكل طعامًا غير موافق لهواه تألم، وإن عرى أو كاد تألم، وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له تألم، وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه تألم، فكل هذه ونحوها، مصائب، يؤمر بالصبر عليها، والاحتساب، ورجاء الثواب من الله عليها.\n(وَالضَّرَّاءِ) وفي حال المرض والأسقام، وخصوصًا مع تطاول ذلك، لأن النفس تضعف، والبدن يألم، وذلك في غاية المشقة على النفوس، فإنه يؤمر بالصبر، احتسابًا لثواب الله.\n(وَحِينَ الْبَأْسِ) أي: في حال القتال والتقاء الأعداء.\nقال السعدي: لأن الجلاد، يشق غاية المشقة على النفس، ويجزع الإنسان من القتل، أو الجراح أو الأسر، فاحتيج إلى الصبر في ذلك احتسابًا، ورجاء لثواب الله الذي منه النصر والمعونة، التي وعدها الصابرين.\n• ونص على هذا الصبر في هذه المواضع لصعوبته وشدته.\n• والبأس يطلق في القرآن على (٣) إطلاقات:\nبمعنى العذاب: كقوله تعالى (لينذر بأسًا شديدًا من لدنه) وقوله (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا).\nوبمعنى القتال والمعركة: كقوله تعالى (وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا).\nوبمعنى: الفقر والضيق: كقوله تعالى (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ).","vol":"2","page":104},{"text":"(أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) أي هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات، هم الذين صدقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا.\n(وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات.\n• قال القرطبيُّ: تضمَّنت هذه الآية الكريمة ستَّ عشرة قاعدةً من أُمَّهات الأحكام:\nالإيمان بالله وبأسمائه، وصفاته، والحشر، والنشر، والصراط، والحوض، والشَّفاعة، والجنة، والنار، والملائكة، والرُّسل، والكتب المنزلة، وأنَّها حقٌّ من عند الله؛ كما تقدم، والنَّبيين، وإنفاق المال فيما يعنُّ له من الواجب، والمندوب، وإيصال القرابة، وترك قطعهم، وتفقُّد اليتيم، وعدم إهماله المساكين كذلك، ومراعاة ابن السبيل، وهو: المسافر المنقطع، وقيل: الضعيف، والسُّؤَّال، وفكّ الرقاب، والمحافظة على الصَّلوات، وإيتاء الزَّكاة، والوفاء بالعهود، والصَّبر في الشَّدائد، وكلُّ قاعدةٍ من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب.\n• وقال ابن عاشور: فلله هذا الاستقراء البديع الذي يعجز عنه كل خطيب وحكيم غير العلام الحكيم. وقد جمعت هذه الخصال جماع الفضائل الفردية والاجتماعية الناشئ عنها صلاح أفراد المجتمع من أصول العقيدة وصالحات الأعمال.\nفالإيمان وإقام الصلاة هما منبع الفضائل الفردية، لأنهما ينبثق عنهما سائر التحليات المأمور بها، والزكاة وإيتاء المال أصل نظام الجماعة صغيرها وكبيرها، والمواساة تقوى عنها الأخوة والاتحاد وتسدد مصالح للأمة كثيرة، وببذل المال في الرقاب يتعزز جانب الحرية المطلوبة للشارع حتى يصير الناس كلهم أحرارًا. والوفاء بالعهد فيه فضيلة فردية وهي عنوان كمال النفس، وفضيلة اجتماعية وهي ثقة الناس بعضهم ببعض.\nوالصبر فيه جماع الفضائل وشجاعة الأمة ولذلك قال تعالى هنا (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) فحصر فيهم الصدق والتقوى حصرًا ادعائيًا للمبالغة، ودلت على أن المسلمين قد تحقق فيهم معنى البر، وفيه تعريض بأن أهل الكتاب لم يتحقق فيهم، لأنهم لم يؤمنوا ببعض الملائكة وبعض النبيين، ولأنهم حرموا كثيرًا من الناس حقوقهم، ولم يفوا بالعهد، ولم يصبروا.\nوفيها أيضًا تعريض بالمشركين إذ لم يؤمنوا باليوم الآخر، والنبيين، والكتب وسلبوا اليتامى أموالهم، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة.","vol":"2","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-577>الفوائد:</span>\n١ - أن البر حقيقة هو الإيمان بالله وما ذكره تعالى في هذه الآية.\n٢ - أن الإيمان باليوم بالآخر من أكبر الحوافز على الإيمان بالله، ولذلك دائمًا يقرن الله بينه وبين الإيمان به.\n٣ - وجوب الإيمان بالملائكة.\n٤ - وجوب الإيمان بالكتب.\n٥ - وجوب الإيمان بالرسل جميعهم وأنهم بلغوا الأمانة ونصحوا للأمة.\n٦ - فضل ومنزلة إعطاء المال على حبه وفي الحديث (والصدقة برهان).\n٧ - أن المال محبوب للنفوس.\n٨ - أن إعطاء القريب من الصدقة وغيرها أفضل وأولى.\n٩ - فضل الصدقة على المسكين واليتيم وابن السبيل والسائلين.\n١٠ - أن إقامة الصلاة من البر.\n١١ - أن المعتبر إقامتها بخشوعها وأركانها ليس فقط فعلها جسديًا من غير خشوع.\n١٢ - الحرص والاجتهاد في إقامة الصلاة على أكمل الوجوه.\n١٣ - عظم منزلة الزكاة وأنها بعد الصلاة.\n١٤ - الثناء على الموفين بالعهد سواء مع الله أو مع الخلق.\n١٥ - فضل الصبر وأنه من أعلى المنازل.\n١٦ - أن من حقق هذه الصفات فقد صدق مع الله.\n١٧ - أن الصدق ليس بالدعاوى ولكن بالعمل والفعل.\n١٨ - أن القيام بالبر من التقوى.","vol":"2","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-578>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨».</span> [سورة البقرة: ١٧٨]\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي: يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وانقادوا وعملوا بجوارحهم.\n• والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به.\n• والإيمان شرعًا: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان.\n\n•<span data-type='title' id=toc-579> تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد:</span>\nالأولى: العناية والاهتمام به.\nالثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد.\nالثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصًا في الإيمان. (الشيخ ابن عثيمين).\n(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) أي: فرض عليكم المماثلة والعدل في القصاص حركم بحركم، وعبدِكم بعبدِكم وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزا وتعتدوا فتقتلوا غير الجاني، فإن أخْذ غير الجاني ليس بقصاص بل هو ظلم واعتداء.\n• قال السعدي: يمتن تعالى على عباده المؤمنين، بأنه فرض عليهم (الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) أي: المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة، التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد.\nوتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول، إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية، ومن أشبههم من إيواء المحدثين.\n• كتب عليكم: أي فرض عليكم.\n• قال الرازي: قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) فمعناه: فرض عليكم فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين:\nأحدهما: أن قوله تعالى (كتب) يفيد الوجوب في عرف الشرع قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام).\nوالثاني: لفظة (عَلَيْكُمْ) مشعرة بالوجوب كما في قوله تعالى (وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت).\nوالقصاص: لغة تتبع الأثر كالقصص، واصطلاحًا: هو أن يفعل بالجاني كما فَعل، إن قَتَل قُتِل، وإن قطع طرفًا قُطِع طرفه،\nوهكذا.","vol":"2","page":107},{"text":"• قال الرازي: أما القصاص فهو أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، من قولك: اقتص فلان أثر فلان إذا فعل مثل فعله، قال تعالى (فارتدا على ءاثَارِهِمَا قَصَصًا) وقال تعالى (وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ) أي اتبعي أثره، وسميت القصة قصة لأن بالحكاية تساوي المحكي، وسمي القصص لأنه يذكر مثل أخبار الناس، ويسمى المقص مقصًا لتعادل جانبيه.\n• ففي هذه الآية وجوب القصاص، لكن إذا عفا أولياء المقتول أو قبلوا الهدية سقط القصاص لقوله تعالى بعد ذلك (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) ولقوله -ﷺ- (ومن قتُل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يُودي وإما أن يُقاد) متفق عليه.\n• قوله تعالى (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ …) أي: فإذا قتل الحرُّ الحرَّ فاقتلوه به، وإذا قتل العبدُ العبدَ فاقتلوه به، وإذا قتلت الأنثى الأنثى فاقتلوا الأنثى، وهذا لا إشكال فيه.\n• وظاهر الآية أن الرجل لا يقتل بالمرأة لقوله (وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) مع أن جماهير العلماء على أن الرجل يقتل بالمرأة بل نقل بعضهم الإجماع كالقرطبي، ويدل لذلك حديث أنس (أن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها فقتلها بحجر فجيء بها إلى النبي -ﷺ- وبها رمق، فقال: أقتلك فلان؟ فأشارت برأسها أن لا، ثم قال الثانية فأشارت برأسها أن لا، ثم سألها الثالثة فأشارت برأسها أن نعم، فقتله النبي -ﷺ- بحجرين) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-580>والجواب عن ظاهر الآية:</span>\nأولًا: قال بعض العلماء: إن الآية نزلت في قوم لا يرضون إذا قُتل العبد منهم أن يقتل قاتله العبد من القبيلة التي تركته ويقولون لا نرضى مقابله إلا رجلًا حرًا أفضل من قاتله، وإذا قتلت امرأة من غيرهم امرأة منهم لا يرضون بقتل المرأة القاتلة فقط ولكنهم يقولون نقتل مكانها رجلًا، وإذا قُتل منهم حر قالوا لا نرض بأن نقتل قاتله فقط بل لا بد أن نقتل أكثر من قاتله فنزلت الآية فيهم.\nثانيًا: أنها منسوخة بقوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).\n(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) أي: إذا عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء، فإنه يسقط القصاص وتجب الدية.","vol":"2","page":108},{"text":"• قال الشيخ ابن عثيمين (فمن عفي له) المعفو عنه القاتل (من أخيه) المراد به المقتول - أي من دم أخيه - فأيّ قاتل عفي له من دم أخيه شيء سقط القصاص.\n• قال السعدي (فمن عفي له من أخيه) ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانًا.\n• وقال الخازن: (فمن عفي له من أخيه شيء) أي: ترك له وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد، ورضي بالدية أو العفو عنها، أو قبول الدية في قتل العمد من أخيه أي من دم أخيه وأراد بالأخ ولي المقتول، وإنما قيل له أخ لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم والمطالب به. وقيل: إنما ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بما هو ثابت بينهما من الجنسية وأخوة الإسلام.\n• وقال ابن عاشور (فمن عفي له) هو ولي المقتول وإن المراد بأخيه هو القاتل وصفًا بأنه أخ تذكيرًا بأخوة الإسلام وترقيقًا لنفس ولي المقتول؛ لأنه إذا اعتبر القاتل أخًا له كان من المروءة ألا يرضى بالقَوَد منه؛ لأنه كمن رضي بقتل أخيه.\nوقال: في قوله (وأخيه) دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى سائر المعاصي التي هي دون الكفر، ولا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه.\n(فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) أي: فإذا عفى عنه، وجب على الولي (أي ولي المقتول) أن يتبع القاتل ويطالبه (بالمعروف) من غير أن يشق عليه ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب ولا يحرجه.\n• قال الخازن (فاتباع بالمعروف) أي: فليتبع الولي القاتل بالمعروف فلا يأخذ أكثر من حقه ولا يعنفه.\n• قال الرازي: الاتباع بالمعروف أن لا يشدد بالمطالبة، بل يجرى فيها على العادة المألوفة فإن كان معسرًا فالنظرة، وإن كان واجدًا لعين المال فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق، وإن كان واجدًا لغير المال الواجب، فالإمهال إلى أن يبتاع ويستبدل، وأن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من الواجبات.\n(وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) وعلى القاتل [أداء إليه بإحسان] من غير مطل ولا نقص ولا إساءة فِعْليّة أو قولية، فهل جزاء الإحسان بالعفو، إلا الإحسان بحسن القضاء، فكما أنه عفَى عنه فينبغي أن يحسن إليه بحسن القضاء. فالضمير في قوله (إليه) يعود على العافي بإحسان، والمُؤدَّى: ما وقع الاتفاق عليه.\n• قال الرازي: فأما الأداء بإحسان فالمراد به أن لا يدعي الإعدام في حال الإمكان ولا يؤخره مع الوجود، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه، وأن يؤدي ذلك المال على بشر وطلاقة وقول جميل.\n• قال الخازن (وأداء إليه بإحسان) أي: على القاتل أداء الدية إلى ولي الدم من غير مماطلة، أمر كل واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه.","vol":"2","page":109},{"text":"• وحسن القضاء هذا مأمور به في كل ما يثبت في ذمم الناس للإنسان، مأمور من له حق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق بالأداء بالإحسان.\n(ذَلِكَ) المشار إليه كل ما سبق من جواز العفو إلى الدية.\n(تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ) إِشارة إِلى ما شرعه لهذه الأمة، من أخذ الدية، وكانت بنو إِسرائيل لا ديَةَ عندهم، إِنما هو القِصَاصُ فَقَط.\n(وَرَحْمَةٌ) بالجميع، بالقاتل، حيث سقط عنه القتل، وبأولياء المقتول حيث أبيح لهم أن يأخذوا العوض.\n(فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ) أي: فمن اعتدى بعد أخذ الدية وقبولها.\n• قال الرازي: المراد أن لا يقتل بعد العفو والدية، وذلك لأن أهل الجاهلية إذا عفوا وأخذوا الدية، ثم ظفروا بعد ذلك بالقاتل قتلوه، فنهى الله عن ذلك.\nوقيل المراد: أن يقتل غير قاتله، أو أكثر من قاتله أو طلب أكثر مما وجب له من الدية أو جاوز الحد بعد ما بين له كيفية القصاص ويجب أن يحمل على الجميع لعموم اللفظ.\n(فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) عذاب أليم موجع شديد يوم القيامة وقد جاء في الحديث (من أصيب بقتل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص منه، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدًا فيها) رواه أحمد.\nوقيل: العذاب في الدنيا: القتل في الدنيا، لأنه قتله بعد عفوه وأخذ الدية منه، فلما قتله بعد ذلك صار معتديًا قاتلًا فوجب قتله.\nورجح الرازي الأول وقال المراد العذاب الأليم في الآخرة، وضعف القول الثاني وأن المراد به العذاب في الدنيا، لأن المفهوم من العذاب الأليم عند الإطلاق هو عذاب الآخرة.","vol":"2","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-581>الفوائد:</span>\n١ - وجوب إقامة القصاص.\n٢ - أن تنفيذ القصاص من مقتضى الإيمان، لأن الخطاب موجه للمؤمنين.\n٣ - أن ترك تنفيذه نقص في الإيمان.\n٤ - أن الذكر يقتل بالذكر، وهذا بالإجماع، لقوله (الحر بالحر) لكن يشترط أن يكون القاتل مكلفًا، فأما الصبي والمجنون فلا قصاص عليهما بلا خلاف. قاله في الشرح.\nويشترط أن يكون المقتول معصومًا، فلا يجب القصاص بقتل حربي.\nوالمعصوم هو المسلم والذمي والمعاهد والمستأمن.\n٥ - أن العبد يقتل بالعبد، لقوله (والعبد بالعبد).\n• واختلف العلماء: هل يقتل الحر بالعبد؟\nالقول الأول: أن الحر يقتل بالعبد.\nوهذا مذهب الجمهور. الأدلة:\nقوله تعالى: (الحر بالحر …).\nولحديث ابن عباس: (لا يقتل حر بعبد) رواه الدار قطني وفيه ضعف.\nالقول الثاني: أن الحر يقتل بالعبد.\nوهذا مذهب الأحناف، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، لقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).\nقال ابن كثير: ذهب أبو حنيفة إلى أن الحر يقتل بالعبد، لعموم آية المائدة، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن علي وابن مسعود وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم.","vol":"2","page":111},{"text":"• وأما قوله: (الحر بالحر) فقد اختلف في تأويلها:\nفقالت طائفة: جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حرًا، والعبد إذا قتل عبدًا، والأنثى إذا قتلت أنثى، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فالآية محكمة وفيها إجمال بينه قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) وبينه النبي -ﷺ- بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة. قاله مجاهد.\nوروي عن ابن عباس أنها منسوخة بآية المائدة.\n٦ - أن الأنثى تقتل بالأنثى.\nلقوله تعالى: (وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى).\nوتقتل المرأة بالرجل والرجل بالمرأة.\nقال القرطبي: وأجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل.\nوقال في المغني: وهذا قول أكثر أهل العلم.\nلقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).\nولما رواه أنس أن النبي -ﷺ- قتل يهوديًا بجارية قتلها على أوضاح لها. رواه البخاري\n• هل يقتل أحد الأبوين بالولد؟\nذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يقتل الوالد بولده.\nلحديث عمر قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول (لا يقاد الوالد بولده) رواه أحمد\nقال الترمذي بعد إخراجه: والعمل على هذا عند أهل العلم، أن الأب إذا قتل ابنه لا يقتل بولده.\nولأن الأب هو سبب لوجود الابن.\nوقال بعض العلماء: إن الوالد يقتل بالولد.\nوهذا قول ابن نافع وابن الحكم وابن المنذر، لعموم قوله تعالى: (النفس بالنفس) ورجحه الشيخ محمد ﵀.\n• لا يقتل مسلم بكافر.","vol":"2","page":112},{"text":"قال في الشرح: هذا قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ومعاوية، وهو قول جمهور العلماء.\nلحديث: (لا يقتل مؤمن بكافر) رواه أبو داود\nوأما الكافر فيقتل بالمسلم بإجماع العلماء، كما في الصحيح أن النبي -ﷺ- قتل يهوديًا رضخ رأس جارية من الأنصار.\nولأن المسلم أعلى مرتبة بإسلامه من الكافر.\n٧ - فضيلة العفو في القصاص.\nقال في الشرح: وهو أفضل بالإجماع.\nلقوله تعالى: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) وقوله: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).\nواختار شيخ الإسلام أنه إذا كان القاتل معروفًا بالشر والفساد، فإن القصاص منه أفضل\n٨ - في قوله (أخيه) قال الشيخ السعدي: دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر؛ لا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه.\n٩ - أن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان.\n١٠ - الرد على الخوارج والمعتزلة.\n١١ - وجوب الأداء على القاتل بالإحسان بلا مماطلة ولا تأخير.\n١٢ - أن المعتدي بعد انتهاء القصاص أو أخذ الدية متوعد بالعذاب الأليم.","vol":"2","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-582>(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩».</span> [سورة البقرة: ١٧٩]\n<hr><s0>\n\n(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل، حكمة عظيمة وهي بقاء المهج وصونها، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل، انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل، فتمنعه مخافة أن يقتل. (ابن كثير).\n• قال البقاعي (ولكم) أي يا أيها الذين آمنوا (في القصاص) أي: هذا الجنس وهو قتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة من غير مجاوزة ولا عدوان (حياة) أي: عظيمة بديعة لأن من علم أنه يُقتل لا يَقْتُل.\n• قال الرازي: اعلم أنه ليس المراد من هذه الآية أن نفس القصاص حياة، لأن القصاص إزالة للحياة وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلًا، وفي حق من يراد جعله مقتولًا، وفي حق غيرهما أيضًا، أما في حق من يريد أن يكون قاتلًا فلأنه إذا علم أنه لو قَتل قُتل ترك القتل فلا يقتل فيبقى حيًا، وأما في حق من يراد جعله مقتولًا فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول، وأما في حق غيرهما فلأن في شرع القصاص بقاء من هَمّ بالقتل، أو من يهم به وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما، لأن الفتنة تعظم بسبب القتل فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس، وفي تصور كون القصاص مشروعًا زوال كل ذلك وفي زواله حياة الكل.\n• وقال الرازي: اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات، وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثير، كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقل القتل، وأجود.","vol":"2","page":114},{"text":"الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم: القتل أنفى للقتل، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا، وبيان التفاوت من وجوه:\nأحدها: أن قوله (وَلَكُمْ فِي القصاص حياة) أخصر من الكل، لأن قوله (وَلَكُمْ) لا يدخل في هذا الباب، إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك، لأن قول القائل: قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله، وكذلك في قولهم: القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله (فِي القصاص حياة) أشد اختصارًا من قولهم: القتل أنفى للقتل.\nوثانيها: أن قولهم: القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سببًا لانتفاء نفسه وهو محال، وقوله (فِي القصاص حياة) ليس كذلك، لأن المذكور هو نوع من القتل وهو القصاص، ثم ما جعله سببًا لمطلق الحياة لأنه ذكر الحياة منكرة، بل جعله سببًا لنوع من أنواع الحياة.\nوثالثها: أن قولهم القتل أنفى للقتل، فيه تكرار للفظ القتل وليس قوله (فِي القصاص حياة) كذلك.\nورابعها: أن قول القائل: القتل أنفى للقتل لا يفيد إلا الردع عن القتل، وقوله (فِي القصاص حياة) يفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهو أجمع للفوائد.\nوخامسها: أن نفي القتل مطلوب تبعًا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي، فكان هذا أولى.\n• وقال الإمام السيوطي: وقوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) فإن معناه كثير، ولفظه قليل، لأن معناه أن الإنسان إذا علم أنه متى قَتل قُتل كان ذلك داعيًا إلى أن لا يقدم على القتل، فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، وكان ارتفاع القتل حياة لهم.\nوقد فضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى وهو قولهم: القتل أنفى للقتل بعشرين وجهًا أو أكثر.\n(يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) يقول: يا أولي العقول والأفهام والنهى.\n• قيل: إنما خصهم بالنداء مع أن الخطاب السابق عام لأنهم أهل التأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس.\nقال ابن عاشور: (يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) فالمراد به العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف، فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعداءهم، وعلموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعًا لهم، لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه، فإذا خاف ذلك كان خوفه سببًا للكف والامتناع، إلا أن هذا الخوف إنما يتولد من الفكر الذي ذكرناه ممن له عقل يهديه إلى هذا الفكر، فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر لا يحصل له هذا الخوف، فلهذا السبب خص الله سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب.","vol":"2","page":115},{"text":"(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) لعلكم تنزجرون وتتركون محارم الله ومآثمه، لأن من عرف ربه وعرف ما في دينه وشرعه من الأسرار العظيمة، والحكم البديعة، والآيات الرفيعة، أوجب ذلك أن ينقاد لأمر الله، ويعظم معاصيه فيتركها، فيستحق بذلك أن يكون من المتقين.\n• والتقوى اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.\n\n<span data-type='title' id=toc-583>الفوائد:</span>\n١ - الحكمة العظمى في القصاص وهي الحياة الكاملة.\n٢ - أن أحكام الله كلها غاية في الحكمة والعلم.\n٣ - فضل معرفة حكم الله في تشريعاته وأحكامه.\n٤ - أن يُفعل بالجاني كما فَعل، لأن بذلك يتم القصاص.\n٥ - أن من فوائد القصاص أن يتقي الجناة القتل، واتقاهم للقتل من تقوى الله.","vol":"2","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-584>(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٨٢».</span> [سورة البقرة: ١٨٠ - ١٨٢]\n<hr><s0>\n\n(كُتِبَ عَلَيْكُمْ) أي فرض عليكم يا معشر المؤمنين.\n(إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) أي أسبابه، كالمرض المشرف على الهلاك، وحضور أسباب المهالك.\n(إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) وهو المال الكثير عرفًا، فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه بالمعروف، على قدر حاله من غير سرف، ولا اقتصار على الأبعد دون الأقرب.\n• قال القرطبي: قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) هذه آية الوصية، وليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية، وفي \" النساء\" (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ) وفي \" المائدة\" (حِينَ الوصية) والتي في البقرة أتمها وأكملها ونزلت قبل نزول الفرائض والمواريث.\n• قوله تعالى (إن ترك خيرًا) قال الرازي: فلا خلاف أنه المال ههنا، والخير يراد به المال في كثير من القرآن كقوله (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ) (وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير)، والمراد بالمال هنا الكثير: ويدل لهذا وجوه:\nأولًا: أن من ترك درهمًا لا يقال: إنه ترك خيرًا، كما يقال: فلان ذو مال، فإنما يراد تعظيم ماله ومجاوزته حد أهل الحاجة، وإن كان اسم المال قد يقع في الحقيقة على كل ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير، وكذلك إذا قيل: فلان في نعمة، وفي رفاهية من العيش، فإنما يراد به تكثير النعمة، وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله.\nثانيًا: لو كانت الوصية واجبة في كل ما ترك، سواء كان قليلًا، أو كثيرًا، لما كان التقييد بقوله (إِن تَرَكَ خَيْرًا) كلامًا مفيدًا، لأن كل أحد لا بد وأن يترك شيئًا ما، قليلًا كان أو كثيرًا، أما الذي يموت عريانًا ولا يبقى معه كسرة خبز، ولا قدر من الكرباس الذي يستر به عورته، فذاك في غاية الندرة.","vol":"2","page":117},{"text":"• قال الخازن (إن ترك خيرًا) يعني مالًا، قيل يطلق على القليل والكثير وهو قول الزهري، فتجب الوصية في الكل، وقيل: إن لفظة الخير لا تطلق إلاّ على المال الكثير وهو قول الأكثرين.\n• والمراد بالمعروف: أن يوصي لأقربيه وصيةً لا تجحف بورثته من غير إسراف ولا تقتير، كما ثبت في الصحيحين أن سعدًا قال (يا رسول الله! إن لي مالًا ولا يرثني إلا ابنةٌ لي، أفأوصي بثلثيْ مالي؟ قال: لا، قال: فبالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تذرَ ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) متفق عليه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-585> اختلف العلماء في هذه الآية التي تدل على وجوب الوصية، هل هي منسوخة أم لا؟</span>\nالقول الأول: أنها منسوخة.\nومن المفسرين الذين قالوا بالنسخ: الزمخشري، وابن عطية، والرازي، والألوسي، وابن عاشور.\nفذهب جمهور أهل التفسير والفقه: إلى أنها منسوخة بآية المواريث (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ …).\nوبعضهم يرى أنها منسوخة بحديث (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث). رواه الترمذي\nورجح هذا القول ابن كثير.\nوذهب بعضهم إلى عدم النسخ، وأنه يمكن الجمع، فقالوا: وهنا يمكن الجمع عن طريق التخصيص، بأن يخرج من الآية الوارث منهما فلا وصية له بمقتضى الحديث، فتكون الآية في حق غير الوارث، ويكون الحديث في حق الوارث.\nورجح عدم النسخ السعدي وقال بالجمع حيث قال: واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين، مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل، والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة، ردها الله تعالى إلى العرف الجاري.\nثم إن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث، بعد أن كان مجملًا وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما ممن حجب بشخص أو وصف، فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء وهم أحق الناس ببره، وهذا القول تتفق عليه الأمة، ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين، لأن كلًا من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظًا، واختلف المورد.","vol":"2","page":118},{"text":"فبهذا الجمع، يحصل الاتفاق، والجمع بين الآيات، لأنه مهما أمكن الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ، الذي لم يدل عليه دليل صحيح.\n• قوله تعالى (إن تَرَكَ خَيْرًا) لم يبين الله ﷿ في كتابه مقدار ما يوصى به من المال، لكن بينت السنة على أنه يجوز الوصية بالثلث، لحديث سعد أن رسول الله -ﷺ- قال له: (الثلث والثلث كثير) متفق عليه.\nوالأفضل أن يوصي بالخمس، اقتداء بأبي بكر فإنه أوصى بالخمس وقال (رضيت بما رضي الله به لنفسه) يعني قوله (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ).\n(حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) قال ابن عاشور: لم خص هذا الحق بالمتقين؟\nوخص هذا الحق بالمتقين ترغيبًا في الرضى به؛ لأن ما كان من شأن المتقي فهو أمر نفيس فليس في الآية دليل على أن هذا الوجوب على المتقين دون غيرهم من العصاة، بل معناه أن هذا الحكم هو من التقوى وأن غيره معصية، وقال ابن عطية: خص المتقون بالذكر تشريفًا للرتبة ليتبارى الناس إليها.","vol":"2","page":119},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-586> بعض أحكام الوصية:</span>\no &lt;  رمز&gt; تعريفها:\nالوصية: هي الأمر بالتبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت.\nمثال تبرع بالمال: أوصيت لفلان بعد موتي بـ (١٠٠) درهم.\nمثال تصرف: وَصِيٍّ على أولادي الصغار فلان من الناس.\no &lt;  رمز&gt; تجري الوصية في الأحكام التكليفية الخمسة:\n١. الاستحباب: تستحب الوصية لمن ترك خيرًا، وهو المال الكثير.\n٢. لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث لغير الوارث، لحديث سعد: (الثلث والثلث كثير).\nولا تجوز الوصية لوارث بشيء، وهذا بالإجماع.\n٣. تكره وصية فقير محتاج، لأن هذا يضر بالوارث.\n٤. تجوز بالمال كله لكن لا وارث له.\n٥. تجب الوصية على من عليه دين لا بينة به. مثال: إنسان في ذمته دين لشخص، وليس لصاحب الحق بينة، فهنا يجب أن يوصي حتى لا يضيع الحق.\no &lt;  رمز&gt;يجوز الرجوع في الوصية من الموصي وتغييرها، لأن الوصية لا تثبت إلا بعد الموت، أما قبل الموت فهو حر.\n(فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ) يقول تعالى: فمن بدل الوصية وحرفها، فغير حكمها وزاد فيها أو نقص، ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى.\nكمن أوصى لفلان من الناس، فجاء أحد الورثة وكتم هذه الوصية لئلا يذهب شيء من الميراث.\n• قال القرطبيُّ: لا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز؛ مثل: أن يوصي بخمرٍ، أو خنزير، أو شيءٍ من المعاصي، فإنه لا يجوز إمضاؤه، ويجوز تبديله.","vol":"2","page":120},{"text":"• قوله تعالى (فمن بدله) عائد إلى الوصية، مع أن الكناية المذكورة مذكرة والوصية مؤنثة، وذكروا فيه وجوهًا:\nأحدها: أن الوصية بمعنى الإيصاء ودالة عليه، كقوله تعالى (فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ) أي وعظ، والتقدير: فمن بدل ما قاله الميت، أو ما أوصى به أو سمعه عنه.\nوثانيها: قيل الهاء راجعة إلى الحكم والفرض، والتقدير: فمن بدل الأمر المقدم ذكره.\nوثالثها: أن الضمير عائد إلى ما أوصى به الميت فلذلك ذكره، وإن كانت الوصية مؤنثة.\nورابعها: أن الكناية تعود إلى معنى الوصية وهو قول أو فعل.\n(فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) قال ابن عباس وغير واحد: وقد وقع أجر الميت على الله، وتعلق الإثم بالذين بدّلوا ذلك.\n(إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم) تهديد ووعيد، أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وهو عليم بذلك وبما بدّله الموصَى إليهم.\nقال ابن عاشور: (إن الله سميع عليم) وعيد للمبدل، لأن الله لا يخفى عليه شيء وإن تحيل الناس لإبطال الحقوق بوجوه الحيل، وجارُوا بأنواع الجور فالله سميع وصية الموصي ويعلم فعل المبدل، وإذا كان سميعًا عليمًا وهو قادر فلا حائل بينه وبين مجازاة المبدل.\n• والسميع: اسم من أسماء الله متضمن لصفة السمع لله تعالى، فهو سبحانه يسمع جميع الأقوال والأصوات، السر والجهر عنده سواء.\nكما قال تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).\nوقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).\nوقال تعالى (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).\nوقال تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ).","vol":"2","page":121},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-587> وسمع الله ينقسم إلى قسمين:</span>\nأولًا: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظهر.\nقال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي …).\nهذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.\nوقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).\nوقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.\nثانيًا: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.\nومنه قول إبراهيم: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.\nومنه قول المصلي: (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.\n• وسمع الله ليس كسمع أحد من خلقه، فإن الخلق وإن وصفوا بالسمع والبصر كما في قوله تعالى (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)، لكن هيهات أن يكون سمعهم وبصرهم كسمع وبصر خالقهم جل شأنه، قد نفى الرب سبحانه المشابهة عن نفسه بقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) لأن سمع الله وبصره مستغرق لجميع المسموعات والمرئيات، لا يعزب عن سمعه مسموع وإن دق وخفي سرًا كان أو جهرًا.\n• والله هو السميع الذي يسمع المناجاة ويجيب الدعاء عند الاضطرار، ويكشف السوء ويقبل الطاعة، وقد دعا الأنبياء والصالحون ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم، فإبراهيم وإسماعيل قالا (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nوامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصًا لله لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nودعا زكريا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).\nودعا يوسف -﵇- ربه أن يصرف عنه كيد النسوة (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nوأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ\nعَلِيمٌ).","vol":"2","page":122},{"text":"(عَلِيمٌ) أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وهو عليم بذلك، وبما بدّله الموصي إليهم.\n• وفي الآية وعيد شديد.\n(فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا) الخطاب لجميع المسلمين، قيل لهم: إن خفتم من موص ميلًا في الوصية، وعدولًا عن الحق.\n• الجنف، الميل، وذلك بأن يقع منه بغير قصد لجهله.\n• قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما توعد من يبدل الوصية، بين أن المراد بذلك التبديل أن يبدله عن الحق إلى الباطل، أما إذا غيره عن باطل إلى حق على طريق الإصلاح فقد أحسن، وهو المراد من قوله (فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ) لأن الإصلاح يقتضي ضربًا من التبديل والتغيير فذكر تعالى الفرق بين هذا التبديل وبين ذلك التبديل الأول، بأن أوجب الإثم في الأول وأزاله عن الثاني بعد اشتراكهما في كونهما تبديلين وتغييرين، لئلا يقدر أن حكمهما واحد في هذا الباب.\n• قوله تعالى (فمن خاف) بعض العلماء فسره بالعلم فقال (فمن خاف) أي: من علِم، وبعضهم فسرها على بابها.\n(أَوْ إِثْمًا) أي: ووقوعًا في إثم - عن عمد - ولم يخرجها بالمعروف، وذلك بأن يوصي بالمال إلى زوج ابنته، أو لولد ابنته، لينصرف المال إلى ابنته، أو إلى ابن ابنه، والغرض أن ينصرف المال إلى ابنه، أو أوصى لبعيد وترك القريب.\n(فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي: أصلح الوصية وبدل فيها وغيرها إلى الوجه الصحيح الشرعي، وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل بشيء.\nوقيل: أصلح بينهم: بين الموصِي والموصَىَ له وبين الورثة، وهذا اختيار ابن جرير.\nقال ابن جرير: وأولى الأقوال في تأويل الآية أن يكون تأويلها: فمن خاف من موصٍ جنفًا أو إثمًا، وهو أن يميل إلى غير الحق خطأ منه، أو يتعمد إثمًا في وصيته بأن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه بأكثر مما يجوز له أن يوصي لهم به من ماله، وغيّر ما أذن الله له به مما جاوز الثلث، أو بالثلث كله، وفي المال قلة، وفي الورثة كثرة، فلا بأس على من حضره أن يصلح بين الذين يوصَى لهم وبين ورثة الميت وبين الميت، بأن يأمر الميت في ذلك بالمعروف، ويعرّفه ما أباح الله له في ذلك، وأذن له فيه من الوصية في ماله، وينهاه أن يجاوز في وصيته المعروف الذي قال الله تعالى ذكره في كتابه (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) وذلك هو الإصلاح الذي قال الله تعالى (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) وكذلك إذا كان في المال فضل وكثرة، وفي الورثة قلة، فأراد أن يقصّر في وصيته لوالديه وأقربيه عن ثلثه، فأصلح من حضره بينه وبين ورثته وبين والديه وأقربيه الذين يريد أن يوصي لهم بأن يأمر المريض أن يزيد في وصيته لهم، ويبلغ بها ما رخص الله فيه من الثلث، فلذلك أيضًا هو من الإصلاح بينهم بالمعروف.","vol":"2","page":123},{"text":"• والإصلاح فرض على الكفاية، فإذا قام أحدهم به، سقط عن الباقين، وإن لم يفعلوا أثم الكل.\n(إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ) الغفور اسم من أسماء الله متضمن للمغفرة الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).\nوالمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله -ﷺ- قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه - ﷿ - حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم.\nومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام.\n• فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك وسع المغفرة).\nوقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى).\nبل من فضله وجوده وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).","vol":"2","page":124},{"text":"(رَحِيمٌ) اسم من أسماء الله، متضمن لصفة الرحمة لله الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-588>الفوائد:</span>\n١ - مشروعية الوصية.\n٢ - أن الوصية تكون مستحبة لمن ترك مالًا كثيرًا.\n٣ - تأكيد الوصية على من ترك مالًا كثيرًا.\n٤ - أن المتقين هم الذين يراعون فرائض الله.\n٥ - أن من فعل الخير ثم غُيّر بعده كتِبَ له ما أراد.\n٦ - أن من بدل الوصية جهلًا فلا إثم عليه.\n٧ - تحريم تغيير الوصية.\n٨ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع - العليم.\n٩ - أن من خاف جورًا أو معصية من موص فإنه يصلح.\n١٠ - رفع الإثم عن الوصي إذا أصلح لخوفه جنفًا أو إثمًا.\n١١ - فضيلة الإصلاح.","vol":"2","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-589>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤».</span> [سورة البقرة: ١٨٣ - ١٨٤].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) يقول تعالى مخاطبًا للمؤمنين من هذه الأمة، وآمرًا لهم بالصيام، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنية خالصة لله ﷿ لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة، وذكر كما أنه أوجبه عليهم فقد أوجبهم على من كان قبلهم فلهم فيهم أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ\nأُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) ولهذا قال هاهنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ).\n• قال الرازي: قوله تعالى (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) في هذا التشبيه قولان:\nأحدهما: أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم.\nوالقول الثاني: أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (كما كتب على الذين من قبلكم) تشبيه في أصل فرض ماهية الصوم لا في الكيفيات، والتشبيهُ يكتفَى فيه ببعض وجوه المشابهة وهو وجه الشبه المراد في القصد، وليس المقصود من هذا التشبيه الحوالةَ في صفة الصوم على ما كان عليه عند الأمم السابقة، ولكن فيهم أغراضًا ثلاثة تضمنها التشبيه:\nأحدها: الاهتمام بهذه العبادة، والتنويه بها لأنها شرعَها الله قبلَ الإسلام لمن كانوا قبل المسلمين، وشرعها للمسلمين، وذلك يقتضي اطِّراد صلاحها ووفرة ثوابها، وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة كي لا يتميز بها من كان قبلهم.","vol":"2","page":126},{"text":"والغرض الثاني: أن في التشبيه بالسابقين تهوينًا على المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم؛ فإن في الاقتداء بالغير أسوة في المصاعب، فهذه فائدة لمن قد يستعظم الصوم من المشركين فيمنعه وجوده في الإسلام من الإيمان ولمن يستثقله من قريبي العهد بالإسلام، وقد أكَّد هذا المعنى الضّمني قوله بعده (أيامًا معدودات).\nوالغرض الثالث: إثارة العزائم للقيام بهذه الفريضة حتى لا يكونوا مقصرين في قبول هذا الفرض بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة.\n• قال القفال ﵀: انظروا إلى عجيب ما نبّه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، فقد نبّه إلى ما يلي:\nأولًا: أنّ لهذه الأمة في شريعة الصيام أسوة بالأمم المتقدمة.\nثانيًا: أن الصوم سبب لحصول التقوى، فلو لم يُفرض لفات هذا المقصود الشريف.\nثالثًا: أنه مختص بأيام معدودات، فإنه لو جعله أبدًا لحصلت المشقة العظيمة.\nرابعًا: أنه خصّه من بين الشهور بالشهر الذي أُنزل فيه القرآن، لكونه أشرف الشهور.\nخامسًا: إزالة المشقة في إلزامه - فقد أباح تأخيره لمن يشق عليه من المسافرين والمرضى - فهو سبحانه قد راعى في فريضة الصيام هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمد على نعمه التي لا تحصى.\n(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع.\nفالصيام فيه تقوى لله، لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت في الصحيحين (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).\n• قال القاسمي (لعلكم تتقون) تأكيد للحكم، وترغيب فيه، وتطييب لأنفس المخاطبين به، فإن الشاق إذا عمّ سهل عمله. والمماثلة إنما هي في أصل الوجوب لا في الوقت والمقدار، وفيه دليل على أن الصوم عبادة قديمة.\n• فالصوم شرع من أجل حصول التقوى.\n• قال ابن رجب الحنبلى: الصيام يقي صاحبه من المعاصي في الدنيا كما قال ﷿ (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) فإذا كان له جنة من المعاصي كان له في الآخرة جنة من النار ومن لم يكن له جنة في الدنيا من المعاصي لم يكن له جنة في الآخرة من النار.","vol":"2","page":127},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-590> الصيام من أسباب تقوى الله ﷿، لماذا؟</span>\nأ- لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه.\nب- أن الصائم يترك ما أحل الله له من الأكل والشرب والجماع ونحوها مما تميل إليه نفسه متقربًا بذلك إلى الله.\nج- أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله، فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه.\nد- أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم.\nهـ- أن الصائم في الغالب تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى.\nو- أن الغني إذا ذاق ألم الجوع، أوجب له ذلك مواساة الفقراء المعدمين، وهذا من خصال التقوى.\nولهذا قال ابن رجب: في التقرب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد:\nمنها: كسر النفس، فإن الشبع والري ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشَر والبطر والغفلة.\nومنها: تخلي القلب للفكر والذكر، فإن تناول هذه الشهوات قد تقسي القلب وتُعميه.\nومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرًا من الفقراء.\nومنها: أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان.\n• قوله تعالى (كتب عليكم الصيام) الصيام لغة: الإمساك، يقال: صامت الخيل، إذا أمسكت عن العلف والسير، ومنه قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي صمتًا، والصمت إمساك عن الكلام.\nوأما في الشرع: إمساك بنية عن جميع المفطرات، كالأكل والشرب وغيرهما مما يفطر الصوم، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.\n• (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) أي فرض، كان فرض صوم رمضان في السنة الثانية للهجرة، وقد صام النبي -ﷺ- تسع رمضانات إجماعًا.\n• (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) اختلفوا في هذا التشبيه: قال سعيد بن جبير: كان الصوم في ابتداء الإسلام واجبًا من العتمة إلى الليلة القابلة، وكذا كان واجبًا على من قبلنا.","vol":"2","page":128},{"text":"وقيل: أراد صوم رمضان كتب على المسلمين كما كتب على الذين من قبلهم، يعني: النصارى.\n(أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) أي: والصيام أيامه معدودات، وهي أيام قلائل، فلم يفرض عليكم الدهر كله تخفيفًا ورحمة بكم.\n• اختلف في المراد بها: فقال بعض العلماء: ثلاثة أيام من كل شهر، وقال بعضهم: هي رمضان، وهذا هو الراجح، ورجحه الطبري.\n• قال الطبري: وأولى الأقوال بالصواب عندي قول من قال: عنى جل ثناؤه بقوله (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) أيام شهر رمضان، وذلك أنه لم يأت خبر تقوم به حجة بأن صومًا فرض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان ثم نسخ بصوم رمضان، لأن الله تعالى قد بيّن في سياق الآية أن الصوم الذي أوجبه علينا هو صوم شهر رمضان دون غيره من الأوقات، بإبانته عن الأيام التي كتب علينا صومها بقوله (شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن) فتأويل الآية كتب عليكم أيها المؤمنون الصيام، كما كتب على من قبلكم لعلكم تتقون، أيامًا معدودات هي شهر رمضان.\nقال ابن عاشور: المراد بالأيام من قوله (أيامًا معدودات) شهر رمضان عند جمهور المفسرين، وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة ووصف بمعدودات وهي جمع قلة أيضًا؛ تهوينا لأمره على المكلفين، والمعدودات كناية عن القلة؛ لأن الشيء القليل يعد عدًا؛ ولذلك يقولون: الكثير لا يعد، ولأجل هذا اختير في وصف الجمع مجيئه في التأنيث على طريقة الجمع بألف وتاء وإن كان مجيئه على طريقة الجمع المكسر الذي فيه هاء تأنيث أكثر.\n(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا) أي: كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو تزيُّده فإنه يفطر.\n(أَوْ عَلَى سَفَرٍ) أي: كان صحيحًا لبس مرض لكنه على سفر.\n(فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي: فعليه عدة الأيام التي أفطرها مرضه أو في سفره.\nقال ابن كثير: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر لما في ذلك من المشقة عليهما بل يفطران ويقضيان بعد ذلك من أيام أخر.\n(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) كان ذلك في ابتداء الإسلام: من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فقد روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، وبالنسخ قال أكثر المفسرين.\n• فالمراد بقوله (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) المقيم الصحيح فخيره الله تعالى أولًا بين هذين، ثم نسخ ذلك وأوجب الصوم عليه مضيقًا معينًا، وهذا قول أكثر المفسرين.","vol":"2","page":129},{"text":"وقيل: وعلى الذين يطيقونه في حال الشباب، وعجزوا عنه في الكبر، الفدية إذا أفطروا، وهو مروي عن علي، فعلى هذا لا تكون الآية منسوخة.\n(فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) قال ابن عباس: أراد به من أطعم مسكينين وعليه طعام مسكين واحد، أو أطعم صاعًا وعليه مد، فهو خير له.\nقال الرازي: أما قوله تعالى (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ) ففيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يطعم مسكينًا أو أكثر.\nوالثاني: أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب.\nوالثالث: قال الزهري: من صام مع الفدية فهو خير له.\n(وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي ما كتب عليكم من شهر رمضان، فهو خير لكم من أن تفطروا أو تفتدوا. (وسبق أن الآية منسوخة).\n\n<span data-type='title' id=toc-591>الفوائد:</span>\n١ - أهمية الصيام، حيث فرضه الله ﷿ على الأمم من قبلنا، وهذا يدل على محبة الله ﷿ له وأنه لازم لكل أمة.\n٢ - التخفيف على هذه الأمة، حيث أنها لم تكلف وحدها بالصيام الذي قد يكون فيه مشقة على النفوس والأبدان.\n٣ - الإشارة إلى أن الله تعالى أكمل لهذه الأمة دينها، حيث أكمل لها الفضائل التي سبقت لغيرها.\n٤ - أن الصيام من أسباب تقوى الله ﷿.\n٥ - كان فرض رمضان على التدرج، على ثلاث مراحل:\nأ-فرض صيام عاشوراء، فقد أمر النبي -ﷺ- بصيامه.\nب-فرض صوم رمضان على التخيير بين الصيام وبين الفدية، قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ …).\nج-التأكد على فرض الصوم بدون تخيير، قال تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).","vol":"2","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-592>(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥».</span> [سورة البقرة: ١٨٥]\n<hr><s0>\n\n(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه.\nسمي الشهر بذلك لشهرته، وأما رمضان فقيل: سمي بذلك لأنهم كانوا يصومون في الحر الشديد، ومنه الرمضاء للرمل الذي حمي بالشمس.\n• أن إنزال القرآن كان في رمضان.\nفإن قال قائل: إنما أنزل القرآن في ثلاث وعشرين سنة، فكيف أنزل فيه القرآن؟\nفالجواب: قال ابن عباس: أنزل الله تعالى القرآن جملة في رمضان إلى بيت في السماء يسمى (بيت العز) ثم منه أنزله إلى الأرض أرسالًا.\n(هُدىً لِلنَّاسِ) أي: هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه.\n• في هذه الآية أن القرآن هدى لجميع الناس، وجاء في آية أخرى أنه هدى للمتقين؟\nوالجمع: أن الهدى يستعمل في القرآن استعمالين: أحدهما عام، والثاني خاص.\nأما الهدى العام فمعناه: إبانة طريق الحق وإيضاح المحجة، سواء سلكها المبيَّن له أم لا.\nومنه بهذا المعنى قوله تعالى (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) أي: بينا لهم طريق الحق على لسان نبينا صالح ﵇ مع أنهم لم يسلكوها، ومنه قوله تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) أي: بينا له طريق الخير والشر.\nوأما الهدى الخاص: فهو تفضل الله بالتوفيق على العبد حتى يهتدي إلى ما يرضي ربه، ويكون سبب دخوله الجنة.\nومنه بهذا المعنى قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) وقوله (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ)\nفإذا علمت ذلك فاعلم أن الهدى الخاص بالمتقين هو الهدى الخاص، وهو التفضل بالتوفيق عليهم.\n(وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) أي: دلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها، دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد، المخالف للغي، ومفرقًا بين الحق والباطل والحلال والحرام.\n• قال ابن عاشور: المراد بالهدى الأول: ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة والخاصة التي لا تنافي العامة، وبالبينات من الهدى: ما في القرآن من الاستدلال على الهدى الخفي الذي ينكره كثير مِن الناس مثل أدلة التوحيد وصدق الرسول وغير ذلك من الحجج القرآنية.","vol":"2","page":131},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-593> وقد وصف الله القرآن بأوصاف منها:</span>\nأ-أنه (نور)، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا).\nب- (هدىً) و(شفاء) و(رحمة) و(موعظة)، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).\nج- (مبارك)، قال تعالى (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ).\nد- (مبين)، قال تعالى (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ).\nهـ- (بشرى)، قال تعالى (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ).\nو- (عزيز)، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ).\nز- (مجيد)، قال تعالى (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ).\n(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ …) هذا إيجاب حكم على من شهد استهلال الشهر، أي كان مقيمًا في البلد حين دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة، ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحًا مقيمًا أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم، ولما ختم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر في الإفطار بشرط القضاء، فقال:\n(وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه، أو يؤذيه، أو كان على سفر، أي في حالة سفر، فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام، ولهذا قال:\n(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) أي إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض والسفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيرًا عليكم ورحمة بكم.\n• وفي هذا دليل على أن الدين يسر.","vol":"2","page":132},{"text":"عن أبي قتادة عن الأعرابي الذي سمع النبي -ﷺ- يقول (إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره). رواه أحمد\nوعن أنس بن مالك قال: إن رسول الله -ﷺ- قال (يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تفرقوا). متفق عليه\n(وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وهو ضد اليسر.\n(وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) أي عدة ما أفطرتم من أيام أخر.\n(وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) أي ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم.\nكما قال تعالى (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا).\nوقال (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ).\nوقال تعالى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).\nوقال (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجود).\nولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح، والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات.\n(وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي لتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق وتيسير ما لو شاء عسر عليكم. (وقد تقدمت مباحث الشكر).\n\n<span data-type='title' id=toc-594>الفوائد:</span>\n١ - فضيلة هذا الشهر.\n٢ - أن الله أنزل القرآن في هذا الشهر.\n٣ - أن القرآن منزل.\n٤ - القرآن هداية لجميع الناس.\n٥ - وجوب الصوم إذا ثبت الشهر.\n٦ - يسر الشريعة الإسلامية.\n٧ - انتفاء الحرج والمشقة.\n٨ - مشروعية التكبير عند اكتمال العدة.\n٩ - أن الله يشرع الشرائع لحكم عظيمة.\n١٠ - فضل شكر الله.\n١١ - الإشارة إلى أن القيام بطاعة الله من شكر الله.\n١٢ - أن من عصى الله فإنه لم يقم بالشكر.","vol":"2","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-595>(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦»</span> [سورة البقرة: ١٨٦]\n<hr><s0>\n\n(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) روي أن سبب نزول هذه الآية: أن أعرابيًا قال: يا رسول الله؛ أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي -ﷺ-، فأنزل الله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ …)، لأنه تعالى، الرقيب الشهيد، المطلع على السر وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهو قريب أيضًا من داعيه، بالإجابة، ولهذا قال:\n(فَإِنِّي قَرِيبٌ) والقرب نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق.\nفمن دعا ربه بقلب حاضر، ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء، كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصًا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية، والإيمان به، الموجب للاستجابة، فلهذا قال: (فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-596> وقُرب الله تعالى هل هو مختص بالمؤمنين أو يعم غيرهم؟</span>\nبعض أهل السنة - وهو جمهورهم - من يجعل القُرب نوعان:\nالقرب الأول: قرب عام.\nوهو قرب الله من جميع الخلائق جميعًا.\nكما قال تعالى (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ).\nوالثاني: القرب الخاص.\nوهو قربه تعالى من المؤمنين بالإجابة والرعاية.\nكما قال تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).\nوحديث (… اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنما تدعون سميعًا بصيرًا وإن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته).\nقال السعدي في تفسير (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) أي: قريب ممن دعاه دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤاله، وقبول عبادته، وإثابته عليها، أجل الثواب.","vol":"2","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-597>واعلم أن قربه تعالى نوعان:</span>\nعام، وخاص. فالقرب العام، قربه بعلمه، من جميع الخلق، وهو المذكور في قوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد).\nوالقرب الخاص، قربه من عابديه، وسائليه، ومحبيه، وهو المذكور في قوله تعالى (واسجد واقترب).\nوفي هذه الآية، وفي قوله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، وهذا النوع، قرب يقتضي\nإلطافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، ولهذا يقرن باسمه (القريب).\nوذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن القرب خاص بالمؤمنين وهذا القول أصح.\nلأن الآيات التي استدل بها من عمم القرب وأن له قربًا عامًا إنما المذكور فيها قرب الملائكة.\nفقوله تعالى (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) قال ابن القيم: … أنه قربه من العبد بملائكته الذين يصلون إلى قلبه، فيكون أقرب إليه من ذلك العرق، اختاره شيخنا.\nوقال أيضًا ابن القيم: المراد بقوله (نحن) أي: ملائكتنا كما قال (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) أي: إذا قرأه عليك رسولنا جبريل، قال: ويدل عليه قوله (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ) فقيد القرب المذكور بتلقي الملكين، فلا حجة في الآية لحلولي ولا معطل.\n(أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ) أي: أقبل عبادة من عبدني؛ فالدعاء بمعنى العبادة، والإجابة بمعنى القبول، دليله ما رواه أبو داود عن النُّعمان بن بَشير عن النبيّ -ﷺ- قال (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) فسُمِّيَ الدعاء عبادة؛ ومنه قوله تعالى (إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) أي دعائي. فأمر تعالى بالدعاء وحض عليه وسمّاه عبادة، ووعد بأن يستجيب لهم.\n(فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) فليدعو لي، وقيل: فليطلبوا أن أجيبهم.","vol":"2","page":135},{"text":"(وَلْيُؤْمِنُوا بِي) الإيمان الحق، وليثقوا بوعدي.\n(لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة. ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره، سبب لحصول العلم كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا). (تفسير السعدي).\n• قوله تعالى (عبادي) تأمل في هذا اللفظ من الرأفة بالعباد، حيث أضافهم إلى نفسه العليّة سبحانه وبحمده، فأين الداعون؟ وأين الطارقون لأبواب فضله.\n\n<span data-type='title' id=toc-598>الفوائد:</span>\n١ - الحث على الدعاء، وأنه لا يضيع تعالى لديه شيء، ولا يشغله عنه شيء.\nعن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله -ﷺ- (إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين). رواه أبو داود\nوعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: (ما من مسلم يدعو الله تعالى بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذًا نكثر، قال: الله أكثر). رواه أحمد\n٢ - أن الدعاء عبادة (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ولولا ذلك ما صح أن يقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي).\nوإذا ثبت أنه عبادة فصرفه لغير الله شرك أكبر.\n٣ - إن قيل: فما للداعي قد يدعو فلا يجاب؟\nقال بعض العلماء: إن قوله (أجيب) إن شئت، كما قال: (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ) فيكون هذا من باب المطلق المقيد.\nوقال بعضهم: إنما مقصود هذا الإخبار تعريف جميع المؤمنين أن هذا وصف ربهم سبحانه أن يجيب دعوة الداعين في الجملة، وأنه قريب من العبد يسمع دعاءه ويعلم اضطراره.\nوقال بعضهم: إن الله يجيب كل الدعاء، فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه، لما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له، وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها).","vol":"2","page":136},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-599> آداب الدعاء:</span>\n<span data-type='title' id=toc-600>أولًا: أن لا يستعجل الإجابة.</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي). متفق عليه\n\n<span data-type='title' id=toc-601>ثانيًا: أن يرفع يديه.</span>\nلحديث سلمان قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين). رواه أحمد وأبو داود\n\n<span data-type='title' id=toc-602>ثالثًا: الإلحاح بالدعاء موقنًا بالإجابة.</span>\nقال -ﷺ-: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ). رواه الترمذي وحسنه\n\n<span data-type='title' id=toc-603>رابعًا: أن يتحرى الأوقات الفاضلة:</span>\n(الثلث الأخير) عن جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (في الليلة ساعة لا يسأل فيها عبد سؤالًا إلا أعطاه الله وذلك كل ليلة). رواه مسلم\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (ينزل الله ﷿ كل ليلة إلى السماء الدنيا الثلث الآخر يقول: من ذا الذي يدعوني فأستجب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه …). متفق عليه\n(بين الأذان والإقامة) قال -ﷺ-: (الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة). رواه الترمذي\n(وفي يوم الجمعة ويوم عرفة) عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، قال: (إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله ﷿ فيها خيرًا إلا أعطاه).","vol":"2","page":137},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-604> موانع إجابة الدعاء.</span>\n<span data-type='title' id=toc-605>أولًا: أن يكون في كسب الرجل حرام.</span>\nلحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (أيها الناس؛ إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين … ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك). رواه مسلم\nوعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: يا رسول الله؛ ادعو الله أن يجعلني مستجاب الدعوة؟ فقال النبي -ﷺ-: (يا سعد؛ أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عملًا أربعين يومًا، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به). رواه الطبراني\n\n<span data-type='title' id=toc-606>ثانيًا: أن يكون الدعاء في إثم أو ظلم.</span>\nلحديث عبادة بن الصامت أن رسول الله -ﷺ- قال: (ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) فقال رجل من القوم: إذن نكثر؟ قال: الله أكثر) رواه الترمذي وحسنه\n\n<span data-type='title' id=toc-607>ثالثًا: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.</span>\nعن حذيفة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: (والذي نفسي بيده؛ لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم). رواه أحمد والترمذي\n\n<span data-type='title' id=toc-608>رابعًا: أن يعتدي في دعائه، كأن يرفع صوته، أو يحدث فيه بدعة.</span>\nقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).\nوقال -ﷺ-: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء). رواه أحمد\n٤ - أن الله قريب من عباده.\n٥ - الحذر من الله، لأنه سميع وقريب وبصير.","vol":"2","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-609>(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧».</span> [البقرة: ١٨٧].\n<hr><s0>\n\n(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) هذه رخصة من الله للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا في ذلك مشقة عظيمة.\nوكأن السبب في نزول هذه الآية حديث البراء قال (كان أصحاب محمد -ﷺ- إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن بفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن انطلق فاطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فقالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي -ﷺ- فنزلت هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ، ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) والرفث هنا: الجماع.\n• قال الرازي: ذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة محمد -ﷺ-، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية.\n(أُحِلَّ لَكُمْ) أي أبيح لكم.\n(لَيْلَةَ الصِّيَامِ) في ليلة الصيام.\n(الرَّفَثُ) الرفث هنا: الجماع.\n(هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) يعني تعالى بذلك نساؤكم لباس لكم وأنتم لباس لهن.\n• قال أبو السعود (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) استئنافٌ مبينٌ لسبب الإحلالِ وهو صعوبةُ الصبر عنهنّ مع شِدة المخالطة وكَثرةِ الملابَسة بهن.\n• قال ابن كثير: يعني هن سكن لكم وأنتم سكن لهن.\n• قال بعض العلماء: سكون لكم، كما قال تعالى: (جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا) يعني بذلك تسكنون فيه، وكذلك زوجة\nالرجل سكنه يسكن إليها، فيكون كل واحد منهما (لباسًا) لصاحبه، بمعنى سكون إليه.\nوقيل: أن يكون كل واحد منهما جعل لصاحبه لباسًا، لتجردهما عند النوم، واجتماعهما في ثوب واحد، وانضمام جسد كل واحد منهما لصاحبه، بمنزلة ما يلبسه على جسده من ثيابه، فقيل لكل واحد منهما هو لباس.","vol":"2","page":139},{"text":"• سؤال: لم قدَّم قوله (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ) على (وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)؟\nالجواب: قدَّم قوله (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ) على (وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) تنبيهًا على ظهور احتياج الرجل للمرأة وعدم صبره عنها؛ ولأنَّه هو البادئُ بطلب ذلك، وكنى باللباس عن شِدَّةِ المخالطة.\n(عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) إن قال قائل: ما هذه الخيانة التي كان القوم يختانون أنفسهم التي تاب الله فيها عليهم فعفا عنهم؟\nقيل: كانت خيانتهم أنفسهم التي ذكرها الله في شيئين: الجماع، والمطعم والمشرب في الوقت الذي كان حرامًا ذلك عليهم.\n• قال بعضهم: (تختانون) من الخيانة، أي تخونون أنفسكم بمخالفة الأمر وترك الوقاية.\n(فَتَابَ عَلَيْكُمْ …) أي: تاب عليكم مما وقع منكم من الخيانة لأنفسكم، وتاب عليكم أيضًا بالتوسعة لكم، والتخفيف عنكم بنسخ المنع من الجماع والأكل والشرب بعد النوم، أو بعد صلاة العشاء ليالي الصيام بإباحة ذلك.\nوالنسخ إلى أخف توبة من الله على عباده، كما قال تعالى في نسخ وجوب الصدقة بين يدي مناجاة الرسول (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ).\nوكما قال تعالى في نسخ وجوب قيام الليل إلى استحبابه كما قال تعالى (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ).\n(وَعَفَا عَنْكُمْ) أي: تجاوز عن عقوبتكم.\n(فَالْآنَ) فالآن بعد هذه الرخصة والسعة من الله\n(بَاشِرُوهُنَّ) وطئًا وقبلة ولمسًا وغير ذلك.\n• وسمي الجماع مباشرة لالتقاء البشرتين فيه، بشرة المرأة وبشرة الرجل.\n(وَابْتَغُوا) أي: اطلبوا.\n(مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) أي: واطلبوا ما كتب الله لكم.\nاختلف العلماء في المراد من ذلك:\nقال بعضهم: الولد.\nقاله أبو هريرة وابن عباس وأنس وشريح والقاضي ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والربيع بن أنس والسدي وزيد بن أسلم والحكم بن عتبة ومقاتل بن حيان والحسن البصري والضحاك وقتادة وغيرهم.\nوقال بعضهم: ليلة القدر.\nوقال بعضهم: الجماع.","vol":"2","page":140},{"text":"ورجح ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله، حيث قال: ..... غير أن أشبه المعاني بظاهر الآية قول من قال: معناه: وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد، لأنه عقيب قوله (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) بمعنى جامعوهن، فلأن يكون قوله (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) بمعنى: وابتغوا ما كتب الله في مباشرتكم إياهن من الولد والنسل، أشبه بالآية من غيره من التأويلات التي ليس على صحتها دلالة من ظاهر التنزيل، ولا خبر عن الرسول -ﷺ-.\n• قد أبحنا لكم الإفضاء إلى نسائكم في ليالي رمضان بعد أن كان محرما عليكم فضلا منا ورحمة بكم فالآن باشروهن واطلبوا من وراء هذه المباشرة ما كتبه لكم اللّه من الذرية الصالحة ومن التعفف عن إتيان الحرام.\nوفي هذا إشعار بأن النكاح شرع ليبتغى به النسل حتى يتحقق ما يريده اللّه تعالى من بقاء النوع الإنساني، ومن صيانة المرء نفسه عن الوقوع في فاحشة الزنا.\n(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ …) أباح الله تعالى الأكل والشرب مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصبح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله (مِنَ الْفَجْرِ).\nوالمقصود من الخيط الأبيض: أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره.\nوالمقصود من الخيط الأسود: ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة الليل.\nكما جاء في الحديث عند البخاري عن سهل بن سعد قال (أنزلت: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، ولم ينزل (مِنَ الْفَجْرِ) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل بعد (مِنَ الْفَجْرِ) فعلموا أنه يعني الليل والنهار). رواه البخاري\nوعن عدي بن حاتم قال (لما نزلت هذه الآية: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود والآخر أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله -ﷺ- فأخبرته بالذي صنعت، فقال: إن وسادتك إذًا لعريض، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل). متفق عليه","vol":"2","page":141},{"text":"وعليه فمعنى الآية: وكلوا بالليل في شهر صومكم واشربوا وباشروا نساءكم مبتغين ما كتب الله لكم من الولد، من أول الليل إلى أن يقع لكم ضوء النهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده.\n(مِنَ الْفَجْرِ) أي: حتى طلوع الفجر.\n(ثُمَّ) أي: إذا طلع الفجر\n(أَتِمُّوا الصِّيَامَ) أي: أكملوا الصيام، وهو الإمساك عن المفطرات.\n(إِلَى اللَّيْلِ) وهو غروب الشمس.\nعن عمر بن الخطاب قال: قال -ﷺ- (إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم). متفق عليه\n(وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) أي ولا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره.\nفلا يجوز للمعتكف في المسجد في رمضان ولا في غيره جماع زوجته، ولا فعل مقدمات الجماع، لا ليلًا ولا نهارًا، ولو خرج لحاجة فليس له فعل شيء من ذلك.\nوأما المباشرة بمعنى لمس البشرة لمعاطاة شيء ونحو ذلك فلا حرج فيها، لما روته عائشة قالت (كان النبي -ﷺ- يدني إليّ رأسه وهو معتكف، فأرجله وأنا حائض) متفق عليه.\n• الاعتكاف لغة: لزوم الشيء والمداومة عليه، كما قال تعالى (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ).\nوشرعًا: لزوم مسجد لطاعة الله والتعبد له والانقطاع إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-610>وفي الآية مشروعية الاعتكاف، ومن أدلة مشروعيته:</span>\nأ- قوله تعالى (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).\nب- حديث الباب.\nج- قوله -ﷺ- (… فمن أحب أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر) رواه مسلم.\n• والحكمة منه: التفرغ للعبادة، والانقطاع عن العوائق والشواغل.\nقال ابن تيمية: ولما كان المرء لا يلزم ويواظب إلا من يحبُّه ويعظِّمه، كما كان المشركون يعكفون على أصنامهم وتماثيلهم، ويعكف أهل الشهوات على شهواتهم شرع الله لأهل الإيمان أن يعكفوا على ربهم ﷾.\n• ويجب بالنذر.\nقال الحافظ: وليس واجبًا إجماعًا إلا على من نذره.\nلحديث عمر أنه قال (يا رسول الله إني نذرت أني أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك). متفق عليه\nولحديث عائشة (من نذر أن يطيع الله فليطعه). رواه البخاري\n• وآكد الاعتكاف في رمضان، وأفضله العشر الأواخر، لأن النبي -ﷺ- اعتكفها حتى توفاه الله ﷿.\nففي حديث الباب (كَانَ يَعْتَكِفُ اَلْعَشْرَ اَلْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اَللَّهُ).","vol":"2","page":142},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-611> مبطلات الاعتكاف؟</span>\n<span data-type='title' id=toc-612>أولًا: الجماع.</span>\nقال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه من جامع امرأته وهو معتكف عامدًا لذلك في فرجها أنه يفسد اعتكافه.\nوقال ابن حجر: واتفقوا على فساده بالجماع.\nقال تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).\nوقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع.\n\n<span data-type='title' id=toc-613>ثانيًا: الخروج بجميع بدنه بلا عذر.</span>\nفهذا يبطل اعتكافه باتفاق الأئمة.\nلحديث عائشة ﵂ قالت: (السنة للمعتكف أن لا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له). رواه أبو داود\n• هل يشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في مسجد؟\nنعم، يشترط أن يكون في مسجد.\nلقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).\nقال القرطبي: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد.\nوقال في المغني: لا نعلم فيه خلافًا.\n• اذكر الخلاف في ضابط المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف:\n\n<span data-type='title' id=toc-614>اختلف العلماء في ذلك على أقوال:</span>\n<span data-type='title' id=toc-615>القول الأول: أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة.</span>\nلحديث حذيفة مرفوعًا (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) رواه سعيد بن منصور\n\n<span data-type='title' id=toc-616>القول الثاني: لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجماعة.</span>\nوهذا مذهب الحنفية والحنابلة.\nلقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).","vol":"2","page":143},{"text":"وجه الدلالة: أن الآية تعم كل مسجد، وخص منها ما تقام فيه الجماعة لأدلة وجوب الجماعة.\nقال ابن قدامة في المغني: وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ، وَاعْتِكَافُ الرَّجُلِ فِي مَسْجِدٍ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ يُفْضِي إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ، وَإِمَّا خُرُوجُهُ إلَيْهَا، فَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ كَثِيرًا مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ، إذْ هُوَ لُزُومُ الْمُعْتَكَفِ وَالْإِقَامَةُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-617>القول الثالث: أنه في كل مسجد سواء تقام فيه الجماعة أم لا.</span>\nوهذا مذهب الشافعية.\nلقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). قالوا: وهذا عام يشمل كل المساجد ولا يقبل تخصيصها ببعض المساجد إلا بدليل.\n\n<span data-type='title' id=toc-618>القول الرابع: أنه لا بد في مسجد جامع.</span>\nوهذا اختيار الصنعاني.\nلقول عائشة (لا اعتكاف إلا في مسجد جامع) أخرجه ابن أبي شيبة.\nوالراجح القول الأول وأنه يصح في كل مسجد جماعة.\n(تِلْكَ) الإشارة إلى ما سبق في الآية من إحلال الجماع والأكل والشرب ليالي الصيام حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود بطلوع الفجر الثاني، ومن ثم إتمام الصيام إلى الليل بغروب الشمس، والنهي عن المباشرة حال الاعتكاف في المساجد.\n(حُدُودُ اللَّهِ) حدود الله تنقسم إلى قسمين: حدود أوامر وواجبات يجب فعلها، وعدم تركها وتعديها كما قال تعالى (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا).\nوالقسم الثاني: حدود نواه ومحرمات وممنوعات يجب تركها والبعد عنها وعدم قربها كما قال تعالى (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا).\n(فَلا تَقْرَبُوهَا) أي: فلا تقربوا حدود الله ومحرماته، بل ابتعدوا عنها واجتنبوها كما قال تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا).\nوذلك لأن الوسائل لها أحكام الغايات والمقاصد، فالوسيلة المؤدية إلى المحرّم محرمة.","vol":"2","page":144},{"text":"• قال السعدي: قوله تعالى (فَلا تَقْرَبُوهَا) أبلغ من قوله (فلا تفعلوها) لأن القربان، يشمل النهي عن فعل المحرم بنفسه، والنهي عن وسائله الموصلة إليه، والعبد مأمور بترك المحرمات، والبعد عنها، غاية ما يمكنه، وترك كل سبب يدعو إليه.\n(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ) أي كما بين الصيام وأحكامه، وبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد -ﷺ-.\n(لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي أبيّن لهم ذلك ليتقوا محارمي ومعاصيّ، ويتجنبوا سخطي وغضبي.\n• قال السعدي: قوله تعالى (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) فإنهم إذا بان لهم الحق اتبعوه، وإذا تبين لهم الباطل اجتنبوه، فإن الإنسان قد يفعل المحرم على وجه الجهل بأنه محرم، ولو علم تحريمه لم يفعله، فإذا بين الله للناس آياته، لم يبق لهم عذر ولا حجة، فكان ذلك سببًا للتقوى.\nقال ابن عاشور: (لعلهم يتقون) أي إرادةً لاتقائهم الوقوع في المخالفة، لأنه لو لم يبين لهم الأحكام لما اهتدوا لطريق الامتثال، أو لعلهم يلتبسون بغاية الامتثال والإتيان بالمأمورات على وجهها فتحصل لهم صفة التقوى الشرعية، إذ لو لم يبين الله لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها؛ وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان وغير مؤاخذين بإثم التقصير إلاّ أنهم لا يبلغون صفة التقوى، أي كمال مصادفة مراد الله تعالى، فلعل يتقون على هذا منزل منزلة اللازم لا يقدَّر له مفعول مثل (هل يستوي الذين يعلمون)، وهو على الوجه الأول محذوف المفعول للقرينة.","vol":"2","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-619>الفوائد:</span>\n١ - رحمة الله بعباده لنسخ الحكم الأول.\n٢ - جواز الجماع ليالي رمضان.\n٣ - أن الزوجة ستر للزوج، وهو ستر لها.\n٤ - علم الله بما في النفوس.\n٥ - إثبات العفو لله.\n٦ - أن النسخ إلى الأخف نوع من النوبة.\n٧ - جواز مباشرة الزوجة على الإطلاق بدون تقييد، ويستثنى من ذلك الوطء في الدبر وحال الحيض أو النفاس.\n٨ - جواز الأكل والشرب والجماع ليالي رمضان.\n٩ - جواز أن يصبح الصائم جنبًا.\n١٠ - أن الأفضل المبادرة بالفطر.\n١١ - أن الصيام الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.\n١٢ - مشروعية الاعتكاف.\n١٣ - أن الجماع مبطل للاعتكاف.\n١٤ - أن الله يبين للناس الآيات الكونية والشرعية.\n١٥ - أن العلم سبب للتقوى.\n١٦ - علو مرتبة التقوى.","vol":"2","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-620>(وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨».</span> [سورة البقرة: ١٨٨]\n<hr><s0>\n\n(وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) يعني ﵎ بذلك: ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، فجعل سبحانه بذلك أكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل.\nونظير ذلك قوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) وقوله (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) بمعنى: لا يلمز بعضكم بعضًا ولا يقتل بعضكم بعضًا، لأن الله جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامزه كلامز نفسه.\nفتأويل الكلام: ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل.\n• قال السعدي: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) أي: ولا تأخذوا أموالكم أي: أموال غيركم، أضافها إليهم، لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحترم ماله كما يحترم ماله؛ ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة.\n• قوله تعالى (ولا تأكلوا ..) المراد الأكل وسائر الانتفاعات، وإنما خص الأكل، لأنه الأهم في جمع المال، وأقوى وجوه الانتفاع.\n• قال البقاعي: (ولا تأكلوا) أي: يتناول بعضكم مال بعض، ولكنه عبر بالأكل لأنه المقصد الأعظم من المال.\n• قوله (بِالْبَاطِلِ) الباطل في اللغة: الذاهب الزائل، وآكل المال بالباطل: آكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه.\nقال السعدي: ويدخل بذلك أكلها على وجه الغصب، والسرقة، والخيانة في وديعة أو عارية أو نحو ذلك، ويدخل في ذلك\nأيضًا أخذها على وجه المعاوضة بمعاوضة محرمة؛ كعقود الربا، والقمار كلها فإنها من أكل المال بالباطل، لأنه ليس في مقابلة عوض مباح، ويدخل بذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة ونحوها، ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل أجرتهم، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه، ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات والأوقاف والوصايا لمن ليس له حق منها أو فوق حقه، فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه.\n(وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) قال الطبري: فإنه يعني: وتخاصموا بها، يعني بأموالكم إلى الحكام.\nفالضمير في (بها) يعود على الأموال، أي: تتوصلوا وتتقدموا بها إلى الحكام والقضاة احتيالًا منكم، لتجعلوها وسيلة لأكلها، وذلك بالتلبيس عليهم، والأيْمان الفاجرة، وقد قال -ﷺ- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا) متفق عليه.","vol":"2","page":147},{"text":"قال ابن كثير: فدلت هذه الآية، وهذا الحديث، على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حرامًا وهو حرام، ولا يحرم حلالًا وهو حلال، وإنما هو ملزم في الظاهر، فإن طابقه في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره.\n• قال ابن عاشور: (وتدلوا بها إلى الحكام) عطف على (تأكلوا) أي لا تدلوا بها إلى الحكام لتتوسلوا بذلك إلى أكل المال بالباطل، وخص هذه الصورة بالنهي بعد ذكر ما يشملها وهو أَكل الأموال بالباطل؛ لأن هذه شديدة الشناعة جامعة لمحرمات كثيرة، وللدلالة على أن معطي الرشوة آثم مع أنه لم يأكل مالًا بل آكلَ غيره.\nقوله تعالى (تدلوا) من إرسال الدلو، والرشوة من الرشاء، كأنه يمد بها ليقضي الحاجة.\n(لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا) طائفة، واللام للعاقبة: أي: لتكون العاقبة والنهاية أن تأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم، ويحتمل أن تكون اللام للتعليل، أي: لأجل أن تأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم.\n(مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ) وهي أموال المدلى بأموالهم إلى الحكام أو بعضها.\n(بِالْإِثْمِ) أي: بالذنب، لأنه أكل بغير حق.\n(وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الواو حالية، أي: والحال أنكم تعلمون أن أكلكم لها باطل وإثم، وأنها حرام عليكم.\n• قال القرطبي: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي بطلان ذلك وإثمه، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية.\nوقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله -ﷺ- قال (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا) متفق عليه.","vol":"2","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-621>الفوائد:</span>\n١ - تحريم أكل أموال الناس بالباطل، من أي طريق كان.\nوقد قال -ﷺ- (إن دماءكم وأموالكم وأعرضاكم حرام عليكم …).\n٢ - وجوب حفظ المال، لأن به قوام الحياة والمعاش، وهو أحد الضروريات التي جاء الدين بحفظها.\n٣ - تحريم الرشوة، وهي محرمة لما يلي:\nأولًا: للحديث الصحيح: أن النبي -ﷺ- (لعن الراشي والمرتشي) واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وهذا يقتضي أن تكون الرشوة من كبائر الذنوب.\nثانيًا: أن فيها فساد الخلق؛ فإن الناس إذا كانوا يُحكم لهم بحسب الرشوة فسد الناس، وصاروا يتباهون فيها أيهم أكثر رشوة، فإذا\nكان الخصم إذا أعطى ألفًا حكم له، وإذا أعطى ثمانمائة لم يحكم له، فسيعطي ألفًا، وإذا ظن أن خصمه سيعطي ألفًا أعطى ألفين، وهكذا فيفسد الناس.\nثالثًا: أنها سبب لتغيير حكم الله ﷿؛ لأنه بطبيعة الحال النفس حيّافة ميّالة، تميل إلى من أحسن إليها، فإذا أعطي القاضي رشوة حكم بغير ما أنزل الله، فكان في هذا تغيير لحكم الله ﷿.\nرابعًا: أن فيها ظلمًا وجَورًا، لأنه إذا حكم للراشي على خصمه بغير حق فقد ظلم الخصم، ولا شك أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن الجور من أسباب البلايا العامة، كالقحط وغيره.\nخامسًا: أن فيها أكلًا للمال بالباطل، أو تسليطًا على أكل.\nسادسًا: أن فيها ضياع الأمانات، وأن الإنسان لا يؤتمن، والإنسان لا يدري أيحكم له بما معه من الحق، أو يحكم عليه؟ وهذا فساد عظيم، ولذلك استحق الراشي والمرتشي لعنة الله - والعياذ بالله ـ.\n٤ - الوعيد والتهديد لمن يُقدمون على أكل أموال الناس بالباطل.\n٥ - وجوب الحذر من فتنة الدنيا والمال.","vol":"2","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-622>(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩».</span> [سورة البقرة: ١٨٩].\n<hr><s0>\n\n(يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) قيل في سبب نزولها: أن الناس سألوا رسول الله -ﷺ- عن كون الهلال يبدو ضعيفًا ثم يأخذ في الزيادة حتى يتم، ثم يأخذ في النقص، فأجيبوا عن الحكمة في ذلك، لأنها الأهم، وهي التي يحتاجون لبيانها.\n(الْأَهِلَّةِ) جمع هلال، وهو اسم للقمر أول ما يبدو دقيقًا، وإنما سمي الهلال هلالًا، لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته، يقال: استهل الصبي إذا صاح بالبكاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-623>سؤال: لم جمع الأهلة؟</span>\nالجواب: جمع الأهلة إما لتعددها بتعدد الأشهر أو لاختلاف أحواله وإن كان واحدًا فهو كالمتعدد.\n(قُلْ) الأمر للنبي -ﷺ-.\n(هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) أي جعلها الله بلطفه ورحمته على هذا التدبير - يبدو الهلال ضعيفًا، ثم يشرع في النقص إلى كماله، وهكذا - ليعرف الناس بذلك مواقيت عباداتهم من الصيام وأوقات الزكاة والكفارات وأوقات الحج، وكذلك تعرف أوقات الديون المؤجلات، ومدة الإجارات، ومدة التعدد والحمل، وغير ذلك مما هو من حاجات الخلق.\nوخص الحج بالذكر لكثرة أشهره، ولأن هذه الآيات توطئة وتمهيد لذكر أشهر الحج وأحكامه.\nوقال ابن عاشور: وعطف الحج على الناس مع اعتبار المضاف المحذوف من عطف الخاص على العام للاهتمام به واحتياج الحج للتوقيت ضروري؛ إذ لو لم يوقّت لجاء الناس للحج متخالفين فلم يحصل المقصود من اجتماعهم، ولم يجدوا ما يحتاجون إليه في أسفارهم وحلولهم بمكة وأسواقها.\n(وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) روى البخاري عن البراء قال (كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيوت من ظهورها، فأنزل الله: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا).\nفالأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا البيوت من أبوابها تعبدًا بذلك وظنًا أنه بر، فأخبر تعالى أنه ليس من البر، لأن الله تعالى لم\nيشرعه لهم، وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها لما فيه من السهولة عليهم، ثم بين تعالى أن البر من اتقى الله فخافه وتجنب محارمه، وأطاعه بأداء فرائضه التي أمره بها، فأما إتيان البيوت من ظهورها فلا بر لله فيه.","vol":"2","page":150},{"text":"• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) لم يصرح بالمراد بمن اتقى، ولكنه بينه بقوله (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ …).\nوالبر يفسر بالتقوى، كما تفسر التقوى بالبر في حال انفراد كل منهما عن الآخر، لكن في حال اجتماعهما يفسر كل منهما بمعنى كما في قوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) فالبر هنا يراد به فعل المأمورات، والتقوى ترك المنهيات.\n(وَاتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، إذ إن هذا هو حقيقة البر.\n(لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: لأجل أن تفلحوا، وتفوزوا وتحصلوا على المطلوب، وهي الجنة غاية المطالب، وتنجو من المرهوب وهي النار.\n\n<span data-type='title' id=toc-624>الفوائد:</span>\n١ - حرص الصحابة على العلم ومعرفة أمور دينهم ودنياهم.\n٢ - أن معرفة الحكمة من جعل الأهلة أهم من معرفة ماهيتها.\n٣ - تولي الله الإجابة عن رسوله -ﷺ-.\n٤ - رحمة الله تعالى بعباده، حيث جعل لهم ما يعرفون به عباداتهم ومعاملاتهم.\n٥ - أن ما لا يشرعه الله قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة يتقرب به متقرب.\n٦ - أن حقيقة البر: تقوى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\n٧ - وجوب تقوى الله.\n٨ - أن تقوى الله سبب للفلاح والسعادة في الدنيا.","vol":"2","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-625>(وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠».</span> [البقرة: ١٩٠].\n<hr><s0>\n\n(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) هذا أمر من الله بقتال الكفار الذين يقاتلوننا.\nوهذا الأمر قد يكون واجبًا عينيًا وقد يكون واجبًا كفائيًا.\n• قال الشنقيطي: هذه الآية تدل بظاهرها على أنهم لم يؤمروا بقتال الكفار إلا إذا قاتلوهم، وقد جاءت آيات أخر تدل على وجوب قتال الكفار مطلقا؛ قاتلوا أم لا، كقوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)، وقوله (فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد) والجواب عن هذه بأمور:\nالأول: وهو من أحسنها وأقربها - أنّ المراد بقوله (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) تهييج المسلمين، وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم: هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم وأعداؤكم الذين يقاتلونكم، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) وخير ما يفسر به القرآن القرآن.\nالوجه الثاني: أنها منسوخة، بقوله تعالى (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) وهذا من جهة النظر ظاهر حسن جدا، وإيضاح ذلك أنّ من حكمة الله البالغة في التشريع أنه إذا أراد تشريع أمر عظيم على النفوس ربما يشرعه تدريجيا لتخف صعوبته\nبالتدريج.\nالوجه الثالث: وهو اختيار بن جرير، ويظهر لي أنه الصواب: أن الآية محكمة، وأن معناها: قاتلوا الذين يقاتلونكم أي من شأنهم أن يقاتلوكم، أما الكافر الذي ليس من شأنه القتال كالنساء، والذراري، والشيوخ الفانية، والرهبان، وأصحاب الصوامع، ومن ألقى إليكم السلم، فلا تعتدوا بقتالهم؛ لأنهم لا يقاتلونكم، ويدل لهذا الأحاديث المصرحة بالنهي عن قتال الصبي، وأصحاب الصوامع، والمرأة، والشيخ الهرم إذا لم يستعن برأيه، أما صاحب الرأي فيقتل كدريد بن الصمة، وقد فسر هذه الآية بهذا المعنى عمر بن العزيز -﵁- وابن عباس والحسن البصري.","vol":"2","page":152},{"text":"• قوله تعالى (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حث على الإخلاص، أي: لأجل دين الله ورفعته.\nعن عبد الله بن قيس قال (سئل رسول الله -ﷺ- عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله -ﷺ-: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). متفق عليه\nلا يذكر في القرآن الكريم لفظ (القتال) أو (الجهاد) إلا وهو مقرون بعبارة (سبيل الله) وذلك يدل على أن الغاية من القتال غاية مقدسة نبيلة، هي (إعلاء كلمة الله) لا السيطرة أو المغنم، أو إظهار الشجاعة، أو الاستغلال في الأرض، وقد وضح هذه الغاية النبيلة قوله -ﷺ- (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).\n(الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) ليصدوكم عن دين الله.\nوفي هذا أن الذين يقاتَل هو من يقاتل المسلمين حقيقة أو حكمًا، ممن يساعدون على ذلك بالمال والرأي ونحو ذلك، وأما من لا يقاتل فإنهم لا يقتلون كالنساء والصبيان والشيوخ والرهبان.\nعن بريدة. أن رسول الله -ﷺ- كان يقول (اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوليد). رواه مسلم\nوعن ابن عمر (أن رسول الله -ﷺ- رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه، فأنكر قتل النساء والصبيان). متفق عليه\n(وَلا تَعْتَدُوا) الاعتداء: مجاوزة الحد المباح، أي قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك.\nويدخل في ذلك ارتكاب المناهي من المثلة والغلول كما سبق في الحديث (… ولا تغدروا، ولا تغُلّوا، ولا تُمثّلوا …).\nومن الاعتداء أيضًا: ابتداء القتال في الأشهر الحرام، وفي الحرم.\nلقوله تعالى (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ).\nوقال تعالى (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ).\n(إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) تعليل للنهي عن الاعتداء.","vol":"2","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-626>الفوائد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-627>١ - وجوب القتال في سبيل الله.</span>\n<span data-type='title' id=toc-628>٢ - فضيلة الجهاد في سبيل الله.</span>\nعن عبد الرحمن بن جبر قال: قال رسول الله -ﷺ-: (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار). رواه البخاري\n\n<span data-type='title' id=toc-629>٣ - الحكمة من الجهاد في سبيل الله:</span>\n<span data-type='title' id=toc-630>أولًا: إعلاء كلمة الله.</span>\nقال تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-631>ثانيًا: تمحيص المؤمنين، ومحق الكافرين.</span>\nقال تعالى (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-632>٤ - أن ترك الجهاد له عواقب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-633>أولًا: ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة.</span>\nفأما في الدنيا، فإن الجبان يكون ذليلًا مستعبدًا تابعًا غير متبوع.\nوأما في الآخرة، فهو يهلك إن لم يتغمده الله برحمته بترك فريضة محكمة أنزلها الله في كتابه، بها عز الإسلام والمسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-634>ثانيًا: ترك الجهاد سبب للذل والهوان.</span>\nعن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ- (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم). رواه البخاري\nثالثًا: وترك الجهاد سبب للبلاء.\nقال رسول الله -ﷺ- (إذا ظن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم). رواه أبو داود\nوقال -ﷺ-: (من لم يغز أو يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة). رواه أبو داود","vol":"2","page":154},{"text":"رابعًا: ترك الجهاد سبب لعذاب الله وبطشه.\nقال تعالى (إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا).\nخامسًا: وترك الجهاد سبب لإفساد أهل الأرض بالقضاء على دينهم.\nقال تعالى (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).\nسادسًا: وترك الجهاد يفوت مصالح عظيمة للمسلمين، منها: الأجر والثواب والشهادة والمغنم والتربية الإيمانية التي لا تحصل بدون الجهاد، ودفع شر الكفار وإذلالهم.\n٥ - تحريم الاعتداء.\n٦ - إثبات محبة الله.","vol":"2","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-635>(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣».</span> [البقرة: ١٩٠ - ١٩٣].\n<hr><s0>\n\n(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) أمر الله بقتال الكفار أينما وجدوا في كل وقت وفي كل زمان، قتال مدافعة، وقتال مهاجمة.\n(وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) قال الطبري: يعني بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ومنازلهم بمكة، فقال لهم تعالى ذكره: أخرجوا هؤلاء الذين يقاتلونكم - وقد أخرجوكم من دياركم - من مساكنهم وديارهم كما أخرجوكم منها.\n• قال ابن عاشور: قوله (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) أي يحل لكم حينئذٍ أن تخرجوهم من مكة التي أخرجوكم منها، وفي هذا تهديد للمشركين ووعد بفتح مكة، فيكون هذا اللقاء لهذه البشرى في نفوس المؤمنين ليسْعوا إليه حتى يدركوه وقد أدركوه بعد سنتين، وفيه وعد من الله تعالى لهم بالنصر كما قال تعالى (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ).\nولما كان الجهاد فيها إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكفر بالله، والشرك بالله، والصد عن سبيله، أبلغ وأشد وأعظم من القتل، فقال:\n(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) قال مجاهد: أي من أن يقتل المؤمن، فالقتل أخف عليه من الفتنة.\n• قال الطبري: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير مشركًا بالله بعد إسلامه، أشد عليه وأضر من أن يقتل مقيمًا على دينه، متمسكًا عليه محقًا فيه.\n(وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) أي لا تبدءوا - أيها المؤمنون - المشركين بالقتال عند المسجد الحرام، حتى يبدأوكم به هناك عند المسجد الحرام في الحرم، فاقتلوهم، فإن الله جعل ثواب الكافرين على كفرهم وأعمالهم السيئة القتل في الدنيا والخزي الطويل في الآخرة.","vol":"2","page":156},{"text":"وقد جاء في الصحيحين قال -ﷺ-: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحل إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه، حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة).\nوقد ذهب بعض العلماء إلى أنها منسوخة، ورجحه الطبري.\nنسخها قوله تعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ).\nوحكى ابن عطية في المحرر على أن الجمهور على القول بالنسخ.\n• قال القرطبي: ومما احتجوا به أن (براءة) نزلت بعد سورة البقرة بسنتين، وأن النبي -ﷺ- دخل مكة وعليه المغفر، فقيل: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: (اقتلوه).\nوقال مكي في الإيضاح: والبين الظاهر في الآية أنها منسوخة، وهو قول أكثر العلماء، لأن قتال المشركين فرض لازم في كل موضع كانوا فيه.\nوالراجح الأول وأنها غير منسوخة.\n• قال مجاهد: الآية محكمة، ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل، وبه قال طاووس.\n• قال القرطبي: وهو الذي يقتضيه نص الآية، وهو الصحيح من القولين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه.\nواستدلوا بقوله -ﷺ- (إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شوكًا، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله -ﷺ- فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها كحرمتها بالأمس). متفق عليه\nفبين -ﷺ- أنه خص في تلك الساعة بالإباحة على سبيل التخصيص، لا على وجه النسخ.\nوكذلك آية السيف عامة وهذه الآية خاصة، والعام لا ينسخ الخاص، بل يعمل العام فيما عدا الخاص.\n• قال القرطبي: وأما ما استدلوا به من قتل ابن خطل فلا حجة فيه، فإن ذلك كان في الوقت الذي أحلت له مكة وهي دار حرب وكفر، وكان له أن يريق دماء من شاء من أهلها في الساعة التي أحل له فيها القتال.\n(فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) أي: فإن قاتلوكم في الحرم، ولم يراعوا حرمة الحرم فاقتلوهم فيه معاملة لهم بالمثل، ودفاعًا عن دينكم ودمائكم وأعراضكم وأوطانكم وأموالكم وحرمات المسلمين.","vol":"2","page":157},{"text":"(كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) أي: ذلك عقوبة الكافرين بالله، المكذبين لرسله وشرعه، وهي قتلهم في الدنيا، مع ما أعد لهم في الآخرة من العذاب الأليم كما قال تعالى (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).\n(فَإِنِ انْتَهَوْا) أي: فإن انتهى الكافرون الذين يقاتلونكم عن قتالكم وكفرهم بالله، فتركوا ذلك وتابوا.\n(فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) لذنوب من آمن منهم وتاب من شركه.\nومثل هذه الآية: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)\n(رَحِيمٌ) بعباده.\n(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أمر الله بقتال المشركين حتى لا تكون فتنة، يعني: لا يكون شرك بالله حتى لا يعبد دونه أحد.\nقال أكثر العلماء: المراد بالفتنة هنا: الشرك، أي: حتى لا يَبْقَى شِرْكٌ على وَجْهِ الأرض، ويدل لهذا المعنى قوله بعده -يليه- (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) لأن الدين لا يكون كله لله إلا إذا لم يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ شِرْكٌ، فعندئذٍ يكون الدين كله لله. ويؤيد هذا المعنى وهذا التفسير الذي دلت عليه القرينة القرآنية قوله -ﷺ- (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا منعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ).\n• قال ابن تيمية: والدين هو الطاعة، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله تعالى.\n• قال السعدي: يستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة وهي: أنه يرتكب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما.\n(وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) أي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيحين أنه -ﷺ- قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى).","vol":"2","page":158},{"text":"فالحكمة من قتال الكفار: حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله تعالى.\nقال تعالى في سورة الأنفال (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).\n• وسمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك.\n(فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) أي فإن انتهى الذين يقاتلونكم من الكفار عن قتالكم، ودخلوا في ملتكم، وأقروا بما ألزمكم الله من فرائضه، وتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان، فدعوا الاعتداء عليهم وقتالهم وجهادهم، فإنه لا ينبغي أن يعتدي إلا على الظالمين، وهم المشركون بالله.\nوسمي ما يصنع بالظالمين عدوانًا من حيث هو جزاء عدوان، إذ الظلم يتضمن العدوان، فسمي جزاء العدوان عدوانًا، كقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).\nقال الرازي: فإن قيل: لم سمي ذلك القتل عدوانًا مع أنه حق وصواب؟\nقلنا: لأن ذلك القتل جزاء العدوان، فصح إطلاق اسم العدوان عليه، كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).\nقال الزجاج: والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته، أي جازيته بظلمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-636>الفوائد:</span>\n١ - وجوب القتال في سبيل الله.\n٢ - فضيلة الجهاد في سبيل الله.\nعن عبد الرحمن بن جبر قال: قال رسول الله -ﷺ-: (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار). رواه البخاري\n٣ - الحكمة من الجهاد في سبيل الله:\nأولًا: إعلاء كلمة الله.\nقال تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ).\nثانيًا: تمحيص المؤمنين، ومحق الكافرين.\nقال تعالى (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ).\n٤ - أن ترك الجهاد له عواقب:\nأولًا: ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة.\nفأما في الدنيا، فإن الجبان يكون ذليلًا مستعبدًا تابعًا غير متبوع.\nوأما في الآخرة، فهو يهلك إن لم يتغمده الله برحمته بترك فريضة محكمة أنزلها الله في كتابه، بها عز الإسلام والمسلمين.","vol":"2","page":159},{"text":"ثانيًا: ترك الجهاد سبب للذل والهوان.\nعن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ- (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم). رواه البخاري\nثالثًا: وترك الجهاد سبب للبلاء.\nقال رسول الله -ﷺ- (إذا ظن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم). رواه أبو داود\nوقال -ﷺ-: (من لم يغز أو يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة). رواه أبو داود\nرابعًا: ترك الجهاد سبب لعذاب الله وبطشه.\nقال تعالى (إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا).\nخامسًا: وترك الجهاد سبب لإفساد أهل الأرض بالقضاء على دينهم.\nقال تعالى (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).\nسادسًا: وترك الجهاد يفوت مصالح عظيمة للمسلمين، منها: الأجر والثواب والشهادة والمغنم والتربية الإيمانية التي لا تحصل بدون الجهاد، ودفع شر الكفار وإذلالهم.\n٥ - تحريم الاعتداء.\n٦ - إثبات محبة الله.\n٧ - الإشارة إلى أن المسلمين أحق الناس بأرض الله.\n٨ - أن الفتنة بالكفر والصد عن سبيل الله أعظم من القتل.\n٩ - تعظيم حرمة المسجد الحرام.\n١٠ - جواز القتال عند المسجد الحرام إذا بدأنا بذلك أهله.","vol":"2","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-637>(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤».</span> [البقرة: ١٩٤].\n<hr><s0>\n\n(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ) (ال) في الشهر للجنس، لأن الشهر الحرام ليس شهرًا واحدًا وإنما هي أربعة أشهر، كما قال تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.\nوكما في حديث أبي بكرة. أن رسول الله -ﷺ- قال (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ) متفق عليه.\nوسميت هذه الأشهر بالأشهر الحرم، لأن الله حرم فيها القتال، والاعتداء والظلم، كما قال تعالى (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ).\nومعنى الآية: لما منعكم المشركون من دخول مكة في الشهر الحرام (ذي القعدة) سنة ست من الهجرة، قاضاكم الله بالدخول من قابل، سنة سبع في (ذي القعدة) أي: هذا بهذا.\n• قال الرازي: روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك أن رسول الله -ﷺ- خرج عام الحديبية للعمرة وكان ذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، فصده أهل مكة عن ذلك ثم صالحوه عن أن ينصرف ويعود في العام القابل، حتى يتركوا له مكة ثلاثة أيام، فرجع رسول الله -ﷺ- في العام القابل وهو في ذي القعدة سنة سبع ودخل مكة واعتمر، فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني إنك دخلت الحرم في الشهر الحرام، والقوم كانوا صدوك في السنة الماضية في هذا الشهر فهذا الشهر بذاك الشهر وفي هذا تطييب لقلوب الصحابة بتمام نسكهم.","vol":"2","page":161},{"text":"وقيل: فإن بدأوكم في القتال في الشهر الحرام، فانتهكوا حرمته، فقاتلوهم فيه ولا تبالوا بحرمته، فإنه قصاص بما فعلوا.\nوالراجح القول الأول ولذلك قال القرطبي في تفسيره: والقول الأول أشهر وعليه الأكثر.\n(وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) الحرمات: جمع حرمة، كالظلمات جمع ظلمة، والحجرات جمع حجرة.\nقال الشوكاني: وإنما جمعت الحرمات؛ لأنه أراد حرمة الشهر الحرام، وحرمة البلد الحرام، وحرمة الإحرام.\nوالحرمة: ما منعْت من انتهاكه (يعني كل ما حرّم الشارع انتهاكه)، والقصاص: المساواة.\nوالمعنى: أن هذه الحرمات إذا انتهك شيء منها أو اعتدي عليه يقتص من المعتدي بمثله، فمن قاتل في الشهر الحرام قوتل في الشهر الحرام، ومن اعتدى في الحرم اقتص منه في الحرم.\n• قال ابن عاشور: ومعنى كونها قصاصًا أي مماثلة في المجازاة والانتصاف، فمن انتهكها بجناية يعاقب فيها جزاء جنايته، وذلك أن الله جعل الحرمة للأشهر الحرم لقصد الأمن، فإذا أراد أحد أن يتخذ ذلك ذريعة إلى غدر الأمن أو الإضرار به، فعلى الآخر الدفاع عن نفسه، لأن حرمة الناس مقدمة على حرمة الأزمنة، ويشمل ذلك حرمة المكان كما تقدم في قوله تعالى (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه)، والإخبار عن الحرمات بلفظ (قصاص) إخبار بالمصدر للمبالغة.\n(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) أي: فمن اعتدى عليكم من الكفار بقتال أو قتل أو انتهاك عرض أو سلب مال، فخذوا حقكم منه بمثل اعتدائه عليكم، في هيئته، وفي كيفيته، وفي زمانه، وفي مكانه.\n• قال القرطبي: (فَمَنِ اعتدى) الاعتداء هو التجاوز؛ قال الله تعالى (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله) أي يتجاوزها؛ فمن ظلمك فخذ حقّك منه بقدر مظلمتك، ومن شتمك فردّ عليه مثلَ قوله، ومن أخذ عِرْضَك فخذ عِرضه؛ لا تتعدّى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه، وليس لك أن تَكذِب عليه وإن كذب عليك، فإن المعصية لا تُقابل بالمعصية.\n• روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أن قوله (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ …) نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد، ثم نسخ بآية القتال بالمدينة.","vol":"2","page":162},{"text":"وقد رد هذا القول ابن جرير وقال: بل الآية مدنية بعد عمر القضية.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (بمثل ما اعتدى عليكم) يشمل المماثلة في المقدار وفي الأحوال ككونه في الشهر الحرام أو البلد الحرام.\n• قوله (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ …) سمى أخذهم بحقهم اعتداء، لأن سببه الاعتداء عليهم.\nوأيضًا من باب المجانسة والمشاكلة، كما قال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).\n• أمر الله بالعدل حتى في المشركين.\nكما قال تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ).\nوقال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).\n• والأمر في قوله تعالى (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ …) للإباحة بدليل قوله تعالى في آخر سورة النحل (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ).\nوقوله تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).\nوقوله تعالى (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) الآية.\nهذه الآية تدل على طلب الانتقام، وقد أذن الله في الانتقام في آيات كثيرة:\nكقوله تعالى (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) الآية.\nوكقوله (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ).\nوكقوله (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ) الآية.\nوقوله (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ).\nوقوله (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).","vol":"2","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-638>وقد جاءت آيات أخر تدل على العفو وترك الانتقام:</span>\nكقوله (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) وقوله (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) وقوله (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)، وقوله (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، وكقوله: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) والجواب عن هذا بأمرين:\nأحدهما: أن الله بيّن مشروعية الانتقام ثم أرشد إلى أفضلية العفو.\nويدل لهذا قوله تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِين).\nوقوله (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ)، أذن في الانتقام بقوله (إِلا مَنْ ظُلِمَ)، ثم أرشد إلى العفو بقوله (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا).\nالوجه الثاني: أنّ الانتقام له موضع يحسن فيه، والعفو له موضع كذلك.\nوإيضاحه أن من المظالم ما يكون في الصبر عليه انتهاك حرمة الله، ألا ترى أنّ من غصبت منه جاريته مثلًا إذا كان الغاصب يزني بها فسكوته وعفوه عن هذه المظلمة قبيح وضعف وخور، تنتهك به حرمات الله، فالانتقام في مثل هذه الحالة واجب، وعليه يحمل الأمر (فَاعْتَدُوا) الآية، أي كما بدأ الكفار بالقتال فقتالهم واجب، بخلاف من أساء إليه بعض إخوانه من المسلمين بكلام قبيح، ونحو ذلك فعفوه أحسن وأفضل.\n(وَاتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه، أي: اتقوا الله إذا انتصرتم ممن ظلمكم فلا تظلموهم بأخذ أكثر من حقكم ولا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم.\n• قال ابن عاشور: أمر بالاتقاء في الاعتداء أي بألا يتجاوز الحد، لأن شأن المنتقم أن يكون عن غضب فهو مظنة الإفراط.\n• قال السعدي: ولما كانت النفوس - في الغالب - لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي، أمر تعالى بلزوم تقواه، التي هي الوقوف عند حدوده، وعدم تجاوزها.","vol":"2","page":164},{"text":"(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) معية خاصة بنصره وعونه وتوفيقه.\n• قال السعدي: ومن كان الله معه، حصل له السعادة الأبدية، ومن لم يلزم التقوى تخلى عنه وليه، وخذله، فوكله إلى نفسه فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد.\n• وفي هذا فضل عظيم للمتقين، (وقد تقدمت فضائل التقوى في أول السورة).\n\n<span data-type='title' id=toc-639>الفوائد:</span>\n١ - أن الحرمات قصاص.\n٢ - أن المعتدي لا يجازى بأكثر من عدوانه.\n٣ - وجوب تقوى الله في معاملة الآخرين.\n٤ - فضل التقوى.\n٥ - إثبات معية الله تعالى.","vol":"2","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-640>(وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥».</span> [البقرة: ١٩٥].\n<hr><s0>\n\n(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال حذيفة وابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس: المعنى؛ لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة.\n• قال ابن عاشور: هذه الجملة معطوفة على جملة (وقاتلوا في سبيل الله) الخ فإنهم لما أمروا بقتال عدوهم، وكان العدو أوفر منهم عدة حرب أيقظهم إلى الاستعداد بإنفاق الأموال في سبيل الله، فالمخاطبون بالأمر بالإنفاق جميع المسلمين لا خصوص المقاتلين.\nووجه الحاجة إلى هذا الأمر مع أن الاستعداد للحرب مركوز في الطباع: تنبيه المسلمين فإنهم قد يقصرون في الإتيان على منتهى الاستعداد لعدو قوي، لأنهم قد ملئت قلوبهم إيمانًا بالله وثقة به، وملئت أسماعهم بوعد الله إياهم النصر وأخيرًا بقوله (واعلموا أن الله مع المتقين) نبهوا على أن تعهد الله لهم بالتأييد والنصر لا يسقط عنهم أخذ العدة المعروفة فلا يحسبوا أنهم غير مأمورين ببذل الوسع لوسائل النصر التي هي أسباب أناط الله تعالى بها مسبباتها على حسب الحكمة التي اقتضاها النظام الذي سنه الله في الأسباب ومسبباتها، فطلب المسببات دون أسبابها غلط وسوء أدب مع خالق الأسباب ومسبباتها كي لا يكونوا كالذين قالوا لموسى (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون).\nروى البخاري عن حذيفة قال: نزلت الآية في النفقة.\nوأخرج أبو داود والترمذي وصححه، وابن حبان عن أبي أيوب الأنصار قال (نزلت الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سرًا: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منا، فأنزل الله يرد علينا …).\nفكانت التهلكة الإقامة على أموالنا وصلاحها وتركنا الغزو.\nوقال بعضهم: أن يذنب الرجل الذنب، فيقول: لا يغفر لي، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي يستكثر من الذنوب فيهلك.\nفالتهلكة والهلاك نوعان: حسي بالموت، وهلاك معنوي: بالكفر والمعاصي، وترك الجهاد والإنفاق في سبيل الله والعمل للآخرة، والتعرض لعذاب الله، والحرمان من ثوابه، وهذا أشد وأعظم، وهذا هو المراد بالتهلكة في الآية، كما قال أبو أيوب في سبب\nنزول الآية (فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد).","vol":"2","page":166},{"text":"وقد قال -ﷺ- (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) رواه أبو داود.\nولا يمتنع أن يشمل النهي في الآية أيضًا المعنى الأول وهو التسبب لإهلاك النفس بالموت، بقتل الإنسان نفسه بأي سبب من الأسباب.\nعن أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سمًا فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ..) متفق عليه.\nومع ذلك، فإن العلماء - من المتقدمين والمتأخرين - يستدلون بهذه الآية أيضًا على النهي عن قتل النفس وإيذائها وإلقائها إلى التهلكة بأي طريقة من طرق التهلكة، آخذين بعموم لفظ الآية، وبالقياس\nالجلي، مقررين بذلك القاعدة الأصولية القائلة (العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب).\n• قال الحافظ ابن حجر ﵀: وأما قصرها عليه -يعني قصر الآية على موضوع ترك النفقة في سبيل الله- ففيه نظر، لأن العبرة بعموم اللفظ.\n• وقال الشوكاني: أي: لا تأخذوا فيما يهلككم، وللسلف في معنى الآية أقوال. والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبري.\nويدل على ذلك أيضًا تنوع تفسيرات السلف لهذه الآية، فقد ورد عن البراء بن عازب -﵁- أنه اعتبر من يذنب الذنب ثم ييأس من رحمة الله: أنه ألقى بيده إلى التهلكة، قال ابن حجر: أخرجه ابن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح.\n(وَأَحْسِنُوا) يأمر الله تعالى بالإحسان، وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال، ويدخل فيه الإحسان بالجاه، وبالشفاعة ونحو ذلك، وتعليم العلم النافع، وقضاء حوائج الناس من تفريج كرباتهم، وإزالة شدائدهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم.","vol":"2","page":167},{"text":"ويدخل في ذلك الإحسان في عبادة الله، إخلاصًا لله تعالى، ومتابعة للرسول -ﷺ-، كما قال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) وقال تعالى (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ).\nفالإحسان في عبادة الله: أن تقوم بالعمل متقنًا فيه إخلاصًا ومتابعة.\nوالإحسان إلى المخلوق: بأداء حقوقهم الواجبة والمستحبة، وأن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك.\nوأعظم دافع للإحسان مراقبة الله تعالى، ولذلك قال النبي -ﷺ- في تعريفه (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تره فإنه يراك).\nوسؤال جبريل هذا ليعلم أصحاب النبي -ﷺ- معنى الإحسان، وأن إحسان العمل إنما يكون لمن راقب الله وعلم يقينيًا أن الله مطلع عليه.\nلأن الإحسان هو الغاية التي من أجلها خلق الخلق، وأنه سبحانه يختبر عباده في إحسانهم للعمل.\nكما قال تعالى في أول سورة هود (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا). ولم يقل أيكم أكثر عملًا.\nوقال تعالى في أول سورة الكهف (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا) ثم بيّن الحكمة بقوله (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).\nوقال تعالى في أول سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).\nفالإحسان: أن يأتي بالعمل حسنًا متقنًا لا نقص فيه ولا وصم، وإحسان العمل لا يمكن إلا بمراقبة خالق هذا الكون","vol":"2","page":168},{"text":"• قال ابن رجب: قوله تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، وقد ثبت في \"صحيح مسلم\" عنِ النَّبيِّ -ﷺ- تفسيرُ الزِّيادةِ بالنّظرِ إلى وجهِ الله ﷿ في الجنة، وهذا مناسبٌ لجعلِه جزاءً لأهلِ الإحسّانِ؛ لأنَّ الإحسانَ هو أنْ يَعبُدَ المؤمنُ ربّه في الدُّنيا على وجهِ الحُضورِ والمُراقبةِ، كأنّه يراهُ بقلبِهِ وينظرُ إليه في حال عبادتِهِ، فكانَ جزاءُ ذلك النَّظرَ إلى الله عيانًا في الآخرة، وعكس هذا ما أخبرَ الله تعالى به عَنْ جَزاءِ الكُفَّار في الآخرةِ (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)، وجعلَ ذلك جزاءً لحالهم في الدُّنيا، وهو تراكُم الرَّانِ على قُلوبِهم، حتّى حُجِبَتْ عن معرفتِهِ ومُراقبته في الدُّنيا، فكان جزاؤُهم على ذلك أنْ حُجِبوا عن رُؤيته في الآخرة.\n(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) هذا تعليل للأمر بالإحسان، أي: إن الله يحب المحسنين بنوعي الإحسان، الإحسان في عبادته، والإحسان إلى عباده. (وقد تقدمت فضائل الإحسان).\n• وفي هذا إثبات المحبة لله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-641>الفوائد:</span>\n١ - وجوب الإنفاق في سبيل الله.\n٢ - الإشارة إلى الإخلاص في الإنفاق.\n٣ - تحريم إلقاء النفس بالتهلكة، ومن ذلك ترك الجهاد في سبيل الله.\n٤ - الأمر بالإحسان.\n٥ - فضل الإحسان والحث عليه.\n٦ - إثبات المحبة لله.","vol":"2","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-642>(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦».</span> [سورة البقرة: ١٩٦]\n<hr><s0>\n\n(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) لمَا ذكر تعالى أحكام الصيام، وعطف بذكر الجهاد، شرع في بيان المناسك، فأمر بإتمام الحج والعمرة.\nوالمعنى: أي وأكملوا الحج والعمرة لله بأركانهما وواجباتهما وسننهما بعد الإحرام بهما، على الصفة التي شرع الله.\nفمن أحرم بنسك حج أو عمرة وجب عليه إتمام ذلك النسك حتى ولو كان نفلًا.\n• قوله (لله) أي: مخلصين لله ﷿، وهكذا في جميع الطاعات والعبادات تنبغي أن تكون لله تعالى وحده.\nقال تعالى (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ).\nوقال تعالى (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ).\nوقال تعالى (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ).\nوقال تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).\nوقال -ﷺ- (من بنى مسجدًا لله بنى الله …) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا …) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (صَلَاةُ الرَّجُلِ في جماعةٍ تزيدُ عَلَى صَلَاتِهِ في سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بضْعًا وعِشْرينَ دَرَجَةً، وذلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِد لا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ، لا يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ، لَمْ يَخطُ خُطوَةً إِلاَّ رُفِعَ لَهُ بِها دَرجةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطيئَةٌ حتَّى يَدْخلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دخل الْمَسْجِدَ كانَ في الصَّلَاةِ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِيَ التي تحبِسُهُ، وَالْمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدكُمْ ما دام في مَجْلِسهِ الَّذي صَلَّى فِيهِ، يقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، ما لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ» متفقٌ عليه، وهَذَا لَفْظُ مُسْلمٍ. وَقَوْلُهُ -ﷺ-: «ينْهَزُهُ» هُوَ بِفتحِ الْياءِ وَالْهاءِ وَبالزَّاي: أَي يُخْرِجُهُ ويُنْهِضُهُ.","vol":"2","page":170},{"text":"وقال -ﷺ- (إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ أَحَدُكُمْ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ) متفقٌ عليه.\nوقال -ﷺ- (من تواضع لله رفعه الله) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ) متفق عليه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-643> قال السعدي: يستدل بقوله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) على أمور:</span>\nأحدها: وجوب الحج والعمرة، وفرضيتهما ..\nالثاني: وجوب إتمامهما بأركانهما، وواجباتهما، التي قد دل عليها فعل النبي -ﷺ- وقوله: (خذوا عني مناسككم).\nالثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة ..\nالرابع: أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما، ولو كانا نفلًا ..\nالخامس: الأمر بإتقانهما وإحسانهما، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما ..\nالسادس: وفيه الأمر بإخلاصهما لله تعالى.\nالسابع: أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما، إلا بما استثناه الله، وهو الحصر ..\n(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الإحصار في اللغة: المنع والحبس، يقال: حصره عن السفر وأحصره عنه إذا حبسه ومنعه.\nوالمعنى: أي: منعتم من إتمام الحج أو العمرة أو أحدهما.","vol":"2","page":171},{"text":"واختلف العلماء هل المراد بالإحصار فقط بالعدو أو هو عام بالعدو وغيره كمرض أو ضياع نفقة أو غير ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن المراد به حصر العدو دون المرض ونحوه.\nوهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس وابن الزبير، وهو قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير.\nوهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب مالك والشافعي.\nوعلى هذا القول أن المراد بالإحصار ما كان من العدو خاصة، فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل حتى يبرأ من مرضه، ويطوف بالبيت ويسعى.\n\n<span data-type='title' id=toc-644>وحجة هذا القول متركبة من أمرين:</span>\nالأمر الأول: أن الآية الكريمة التي هي (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) نزلت في صد المشركين النبي -ﷺ- وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ست بإطباق العلماء، قاله الشنقيطي.\nالأمر الثاني: ما ورد من الآثار من أن المحصر بمرض ونحوه لا يتحلل إلا بالطواف والسعي.\nعن ابن عباس أنه قال (لا حصر إلا حصر العدو) رواه البيهقي.\nقال النووي في شرح المهذب: إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، وصححه أيضًا ابن حجر.\nالقول الثاني: أن الإحصار أنه يشمل ما كان من عدو ونحوه، وما كان من مرض ونحوه من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم.","vol":"2","page":172},{"text":"وممن قال بهذا القول: ابن مسعود، ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وعلقمة والثوري والحسن وأبو ثور وداود، وهو مذهب أبي حنيفة، ورجحه الطبري.\nوحجة هذا القول من جهة شموله لإحصار العدو قد تقدم في حجة الذي قبله.\nومن جهة شموله للإحصار بمرض فهي ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة والحاكم والبيهقي عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول (من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى) فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق.\nقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث عكرمة هذا: رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة.\nوهذا القول هو الصحيح.\n(فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) أي: فاذبحوا ما تيسر من الهدي، أي: فعليكم للخروج من النسك والتحلل من الإحرام ذبح أو نحر الذي تيسر من الهدي.\n\n•<span data-type='title' id=toc-645> فالذي يجب على المحصر:</span>\n<span data-type='title' id=toc-646>أولًا: أن يذبح هدي.</span>\nلظاهر القرآن (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) والجمهور على أن مكان ذبح الهدي هو مكان الإحصار، سواء كان حلًا أو حرمًا، حيث أن الرسول -ﷺ- أحصر بالحديبية ونحر بها، وهي ليست من الحرم.\n\n<span data-type='title' id=toc-647>ثانيًا: الحلق أو التقصير.</span>\nقال بعض العلماء: إنه يلزمه أيضًا الحلق أو التقصير، وهو مذهب مالك وأصحابه.\nلما ثبت في الأحاديث الصحيحة عنه -ﷺ- أنه حلق لما صده المشركون عام الحديبية وهو محرم، وأمر أصحابه أن يحلقوا.\nوهذا أمر والأمر للوجوب.","vol":"2","page":173},{"text":"وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يلزمه حلق، وهذا قول مذهب الحنفية، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي.\nواحتج أهل هذا القول بأن الله تعالى قال (فما استيسر من الهدي) ولم يذكر الحلق، ولو كان لازمًا لبينه.\nوالراجح القول الأول، ورجحه الشنقيطي.\n• الصحيح أن المحصر إذا لم يستطع على الهدي فلا شيء عليه لا صيام ولا غيره، خلافًا للمذهب.\n(وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) قوله (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) معطوف على قوله (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) وليس معطوفًا على قوله (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) لأن النبي -ﷺ- وأصحابه عام الحديبية لما أحصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنًا، أو من فعل أحدهما إن كان مفردًا أو متمتعًا.\nومعنى الآية: لا تزيلوا شعر رؤوسكم، لأن ذلك من محظورات الإحرام، إلى غاية وصول الهدي محله، ومحله: أي زمان حلوله وهو يوم العيد، ومكان حلوله وهو الحرم، والمعنى: حتى يذبح الهدي يوم العيد.","vol":"2","page":174},{"text":"• في هذا أن حلق الرأس من محظورات الإحرام، وقاس جمهور العلماء بقية شعور البدن، كالشارب والإبط والعانة وغير ذلك.\n(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا) أي: به مرض يحتاج بسببه إلى حلق رأسه.\n(أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ) بسبب القمل ونحو ذلك، واحتاج إلى حلقه.\n(فَفِدْيَةٌ) أي: فليحلق رأسه وعليه فدية.\n(مِنْ صِيَامٍ) أي: تكون هذه الفدية من صيام، وهو ثلاثة أيام.\n(أَوْ صَدَقَةٍ) وهي إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع.\n(أَوْ نُسُكٍ) وهو ذبح شاة.\nوقد جاء ذلك مبينًا في حديث كعب بن عجرة:\nعن كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَقَفَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ يَتَهَافَتُ قَمْلًا فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ. قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، قَالَ: فَفِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوِ انْسُكْ مَا تَيَسَّر) متفق عليه.\n• ومثل حلق الرأس حلق الشارب والإبط والعانة ونحو ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-648> وفي الآية أنه يجوز فعل المحظور للضرورة وفيه الفدية، ففاعل المحظور له ثلاث حالات:</span>\nأولًا: أن يفعل المحظور عالمًا متعمدًا ذاكرًا غير معذور.\nفهذا آثم وعليه الفدية.\nثانيًا: أن يفعله عالمًا مختارًا ذاكرًا معذورًا.\nفهذا عليه الفدية ولا إثم عليه.\nفلو احتاج الإنسان إلى تغطية رأسه من أجل برد أو حر يخاف منه، جاز له تغطيته وعليه الفدية.\nثالثًا: أن يفعله معذور بجهل أو نسيان.\nفهذا لا شيء عليه لأنه جاهل أو ناسي.","vol":"2","page":175},{"text":"• وفي التخيير في الفدية بين الصيام والصدقة والنسك تيسير على من احتاج إلى حلق الرأس ونحوه من المحظورات.\n(فَإِذَا أَمِنْتُمْ) أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره.\n(فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) أي: من اعتمر في أشهر الحج، واستمتع بما يستمتع به غير المحرم، من الطيب والنساء وغيرها.\n(فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) أي: فعليه ما تيسر من الهدي وهو شاة يذبحها شكرًا لله تعالى على نعمة التحلل والتمتع بين النسكين.\n• ففيه أن المتمتع يجب عليه هدي، وأما القارن، فذهب جمهور العلماء على وجوب الهدي عليه، وخالف داود الظاهري ولم يوجب على القارن دم، قال: لأن الله قال (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) فلا بد من تمتع فاصل بين العمرة والحج، وهذا قول قوي.\nلكن قول الجمهور أحوط، وأما المفرد فليس عليه هدي، قال النووي: بالإجماع.\n(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي الهدي، بأن عدمه، وله صورتان:\nالأولى: ألا يوجد هدي، بحيث لا يجد في الأسواق شيئًا من بهيمة الأنعام.\nالثانية: أن لا يوجد معه ثمن.","vol":"2","page":176},{"text":"(فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) أي: فعليه صيام ثلاثة أيام.\n(فِي الْحَجِّ) أي: في أثناء الحج.\n• وأول وقتها منذ إحرامه إلى آخر أيام التشريق، عدا يوم العيد فيحرم صومه لنهي النبي -ﷺ- عن صوم يومي العيد.\nوقد ذكر بعض العلماء أن الأفضل أن تكون اليوم السابع والثامن والتاسع، لكون آخرها يوم عرفة، قالوا: وفي هذه الحال ينبغي أن يحرم بالحج في اليوم السابع.\nوفي هذا نظر من جهتين:\nمن جهة تقديم الإحرام بالحج، ومن جهة كون آخرها يوم عرفة.\nأما الأول: فإن تقديم إحرام الحج على اليوم الثامن خلاف هدي النبي -ﷺ-.\nوأما الثاني: وهو كون آخرها يوم عرفة، ففيه نظر أيضًا، لأن النبي -ﷺ- (نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة). رواه أبو داود، وأتي بقدح فشربه أمام الناس ضحى يوم عرفة. متفق عليه\nوالذي يظهر أن الصحابة كانوا يصومونها في أيام التشريق، لقول عائشة وابن عمر (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي). رواه البخاري\nفظاهر هذا النص: أن الصحابة كانوا يصومونها أيام التشريق، وصومها في أيام التشريق صوم لها في أيام الحج، لأن أيام التشريق أيام للحج، ففيها: الرمي.\nويجوز أن يبدأ بصيامها من حين أن يحرم بالعمرة.\n• هل يشترط أن تكون متتابعة؟\nإن ابتدأها في أول يوم من أيام التشريق؛ لزم أن تكون متتابعة ضرورة، لأنه لم يبق من أيام التشريق إلا ثلاثة، ولا يجوز أن تؤخر عن أيام التشريق، وأما إذا صامها قبل أيام التشريق؛ فيجوز أن يصومها متفرقة ومتتابعة.\n(وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) قيل: إلى رحالكم، وقيل: إلى أوطانكم، روي هذا عن سعيد بن جبير، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والزهري، والربيع بن أنس، وحكى على ذلك ابن جرير الإجماع.\n• وإذا صامها في الطريق أجزأه ذلك، لأن المقصود من كونها رجع إلى أهله أن لا تكون في الحج.\n(تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) تأكيد لقوله تعالى (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) كما في قوله تعالى (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) وقوله تعالى (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ).","vol":"2","page":177},{"text":"(ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي: ذلك الهدي خاص بغير أهل الحرم.\n• قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عني بقوله: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) بعد إجماعه في أن أهل الحرم معنيون به وأنه لا هدي لهم.\nفقال بعضهم: هم من كان من دون المواقيت.\nوقيل: هم أهل مكة فقط.\nوقيل: هم أهل الحرم من أهل مكة وغيرهم.\nوقيل: أهل الحرم ممن بينهم وبينه مسافة قصر، لأن من دون المسافة يعتبر من أهل البلد.\n• قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: وأحسن ما يقال: إن حاضري المسجد الحرام هم: أهل مكة، أو أهل الحرم، أي من كان من أهل مكة ولو كان في الحل، أو من كان في الحرم ولو كان خارج مكة.\n(وَاتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\n(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) أي: واعلموا أن الله شديد العقوبة والمؤاخذة لمن خالف أمره وارتكب نهيه، لأن العلم بذلك مع توفيق الله، يحمل الإنسان على تقوى الله.","vol":"2","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-649>الفوائد:</span>\n١ - وجوب إتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيهما.\n٢ - أن الحج والعمرة يخالفان غيرهما في وجوب إتمام نفلهما.\n٣ - وجوب الهدي على من أحصر.\n٤ - استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن وجوب الحج على التراخي ليس على الفورية.\nقالوا: لأن فرض الحج كان بقوله (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ …) فهذه الآية نزلت في السنة السادسة، ولم يحج الرسول -ﷺ- إلا في العام العاشر من الهجرة.\nوهذا قول ضعيف، والصحيح: أن وجوب الحج على الفور.\nوهذا قول المالكية وبعض الشافعية، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة.\nقالوا: لأن فرض كان في السنة التاسعة في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) وأما الآية السابقة فإنما فيها وجوب إتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيهما.\nثم إن الرسول -ﷺ- في قصة الحديبية أنه قال لأصحابه (قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل … فغضب النبي -ﷺ- … دخل على أم سلمة مغضبًا) ولو لم يكن الأمر للفور ما دخل رسول الله -ﷺ- على أم سلمة مغضبًا.\n٥ - استدل بعض العلماء في هذه الآية على وجوب العمرة، وهذا مذهب الحنابلة.\nقال ابن قدامة: روي ذلك عن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي.\nواستدلوا أيضًا بما رواه أحمد وابن ماجه عن عائشة قالت (قلت: يا رسول الله؛ على النساء جهاد؟ قال: نعم، عليهم جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة).\nقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: فقوله (عليهن) ظاهرة في الوجوب، لأن (على) من صيغ الوجوب.\nوبما رواه الخمسة وصححه الترمذي أن النبي -ﷺ- قال للسائل (حج عن أبيك واعتمر).\nوذهب بعض العلماء إلى أنها غير واجبة، وهذا مذهب المالكية وأهل الرأي.\nلحديث جابر قال (أتى النبي -ﷺ- أعرابي فقال: يا رسول الله؛ أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟ قال: (لا، وأن تعتمر خير لك) رواه أحمد والترمذي وهو ضعيف.","vol":"2","page":179},{"text":"وعن طلحة قال: قال رسول الله -ﷺ-: (الحج جهاد والعمرة تطوع). رواه ابن ماجه وهو ضعيف.\nورجح هذا القول الشوكاني والصنعاني، حيث قال في سبل السلام: الأدلة لا تنهض عند التحقيق على الإيجاب الذي الأصل فيه عدمه.\n٥ - تحريم حلق شعر الرأس، وأن حلقه من محظورات الإحرام.\nقال العلماء: إن العلة هي الترفه، لأن حلق شعر الرأس تحصل به النظافة.\nوأكثر العلماء أن ذلك يشمل شعر الرجل والساق والصدر والشارب قياسًا على شعر الرأس لاتحاد العلة.\nوقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر، تقليم الأظافر بجامع الترفه.\n٦ - أن من حلق رأسه لمرض أو قمل أو غيره؛ فعليه الفدية، لقوله (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).\nوالفدية: ما يعطى فداء لشيء.\nوالفدية: هي إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام متتابعة أو متفرقة، أو ذبح شاة.\nالدليل قوله تعالى: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).\n(صيام) مجمل لم يبينه الله ﷿، لكن بينها رسول الله -ﷺ-.\n(أو صدقة) مجملة أيضًا، لكن بينها الرسول -ﷺ-.\n(أو نسك) مبين، لأن النسك هو الذبيحة، كما مر في حديث كعب بن عجرة.\nوقد اختلف العلماء في القدر الذي تجب فيه الفدية.\nقال بعضهم: إذا حلق ثلاث شعرات، قال القاضي: هذا المذهب، وهو قول الحسن وعطاء والشافعي.\nوقال بعضهم: إذا حلق أربع شعرات.\nوقال بعضهم: إذا حلق ما به إماطة الأذى فعليه الفدية، وهذا مذهب مالك.\nوهذا القول هو الراجح، لأن النبي -ﷺ- حجم وهو محرم في رأسه، ولم ينقل عن النبي -ﷺ- أنه افتدى.\n٧ - أن هذه الفدية على التخيير.\n٨ - التيسير على العباد، وذلك بوقوع هذه الفدية على التخيير.\n٩ - جواز التمتع.\n١٠ - أن من لم يجد الهدي فإنه يصوم ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع.\n١١ - وجوب تقوى الله وتهديد من خالف ذلك.","vol":"2","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-650>(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (١٩٧».</span> [البقرة: ١٩٧].\n<hr><s0>\n\n(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) أي: الحج وقته أشهر معلومات.\n• قوله (مَعْلُومَاتٌ) أي: معروفات مشهورات، وهي ثلاثة أشهر: شول وذو القعدة وذو الحجة.\nوقيل: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وهذا المذهب والصحيح الأول، وأن أشهر الحج ثلاثة: شوال وذو القعدة وشهر ذي الحجة كاملًا لأن الله يقول (الحج أشهر معلومات) وأشهر جمع، وأقل الجمع ثلاثة في اللغة، وما يضعف القول الأول أن من أيام الحج (١١، ١٢، ١٣) من ذي الحجة يفعل فيها الحج الرمي والمبيت، فكيف نخرجها من أشهر الحج؟\n• فلا يصح الإحرام بالحج قبل أشهره كرمضان.\n(فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) أي: فمن أحرم فيهن بالإحرام، لأن الإحرام والشروع به يصيره فرضًا حتى ولو كان حج نفل.\n• قال ابن كثير: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) أي: أوجب بإحرامه حجًا، وفيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج والمضي فيه.\n• قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرْض هاهنا الإيجاب والإلزام.\n• قوله (فِيهِنَّ) أي: في أشهر الحج، والمراد بعضها، أي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، لأن ما بعد طلوع الفجر يوم النحر ليس محلًا للإحرام لانتهاء وقت الوقوف بعرفة، وقد قال -ﷺ- (الحج عرفة، فمن جاء ليلة جمع قبل الفجر فقد أدرك) رواه أبو داود.\n(فَلا رَفَثَ) الرفث: الجماع ومقدماته القولية والفعلية.","vol":"2","page":181},{"text":"• قال ابن كثير: أي: من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث، وهو الجماع كما قال تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك.\n(وَلا فُسُوقَ) الفسوق المعاصي جميعها، بترك المأمورات وارتكاب المحظورات.\nفالواجب على الحاج اجتناب جميع المعاصي لقوله -ﷺ- (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) رواه البخاري، وقيل المراد بالفسوق هاهنا السباب، والأول أرجح ورجحه ابن كثير.\n\n•<span data-type='title' id=toc-651> قال ابن الجوزي: وفي الفسوق ثلاثة أقوال:</span>\nأحدها: أنه السباب، قاله ابن عمر، وابن عباس، وإبراهيم في آخرين.\nوالثاني: أنه التنابز بالألقاب، مثل أن تقول لأخيك: يا فاسق، يا ظالم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أنه المعاصي، قاله الحسن، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وقتادة في آخرين، وهو الذي نختاره، لأن المعاصي تشمل الكل، ولأن الفاسق: الخارج من الطاعة إلى المعصية.\n(وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) الجدال والخصام والمنازعة والمغاضبة، أي: ولا جدال ولا خصام في الحج، لا في أحكامه ومسائله، ولا في غير ذلك من المخاصمات والمنازعات في أمور الدين والدنيا وقت الحج.\n• قال ابن عاشور: واتفقوا على أن المجادلة في إنكار المنكر وإقامة حدود الدين ليست من المنهي عنه، فالمنهي عنه هو ما يجر إلى المغاضبة والمشاتمة وينافي حرمة الحج، ولأجل ما في أحوال الجدال من التفصيل كانت الآية مجملة فيما يفسد الحج من أنواع الجدال فيرجع في بيان ذلك إلى أدلة أخرى.\n• وقال السعدي: والمقصود من الحج، الذل والانكسار لله، والتقرب إليه بما أمكن من القربات، والتنزه عن مقارفة السيئات، فإنه بذلك يكون مبرورًا، والمبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان، فإنه يتغلظ المنع عنها في الحج.\n(وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) قليلًا كان أو كثيرًا، صغيرًا كان أو كبيرًا.\n(يَعْلَمْهُ اللَّهُ) أي: يحيط به علمًا ويحصيه عددًا ويجازيكم عليه.","vol":"2","page":182},{"text":"• وفي هذا ترغيب وحث على الإكثار من أفعال الخير من أنواع القربات، وأنه لن يضيع عند الله.\nكما قال تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ).\nوقال تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ).\nوقال تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين).\nوقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا).\n(وَتَزَوَّدُوا) أي: تزودكم في سفركم إلى الحج بما تحتاجونه من مال ومأكل ومشرب وأثاث وغير ذلك، لأن الواجب على الإنسان أن يستغني بما آتاه الله عما في أيدي الناس ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.\nعن عكرمة عن ابن عباس قال (كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) رواه البخاري.\n• قال في التسهيل: (وَتَزَوَّدُواْ) قيل: احملوا زادًا في السفر، وقيل: تزوّدوا للآخرة بالتقوى، وهو الأرجح لما بعده.\n• وقال الشوكاني: قوله (وَتَزَوَّدُواْ) فيه الأمر باتخاذ الزاد؛ لأن بعض العرب كانوا يقولون كيف نحجّ بيت ربنا، ولا يطعمنا؟ فكانوا يحجون بلا زاد، ويقولون: نحن متوكلون على الله سبحانه، وقيل: المعنى تزوّدوا لمعادكم من الأعمال الصالحة (فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى) والأوّل أرجح كما يدل على ذلك سبب نزول الآية.","vol":"2","page":183},{"text":"(فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) أي: فإن خير الزاد وأنفعه للعباد في الحال والمآل والمعاد وأبلغه وأوصله إلى المقصود: تقوى الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فهي خير الزادين في الدنيا والآخرة، وهي الزاد الذي لا ينقطع نفعه، للدار التي لا تزول ولا تحول، في جنات الخلود.\n• قال ابن كثير: لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى.\nقال الشاعر:\nإذا أنت لم ترحل بزاد من التقى … وشاهدتَ بعد الموت من قد تزودا\nندمتَ على ألا تكون كمثلهِ … وأنك لم ترصد لما كان أرصدا.\nوقال النبي -ﷺ- لابن عمر (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح.\nقال ابن رجب: وهذا الحديث أصلٌ في قِصَر الأمل في الدنيا، وأنَّ المؤمنَ لا ينبغي له أن يتَّخذ الدُّنيا وطنًا ومسكنًا، فيطمئنّ فيها، ولكن ينبغي أنْ يكونَ فيها كأنَّه على جناح سفر: يُهَيِّئُ جهازَه للرحيل.\nوقد اتَّفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى حاكيًا عن مؤمن آل فرعون أنّه قال (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ).\nوكان النَّبيُّ -ﷺ- يقول (مالي ولِلدُّنيا إنَّما مَثَلي ومَثَلُ الدُّنيا كمثل راكبٍ قالَ في ظلِّ شجرةٍ ثم راحَ وتركها).\nومن وصايا المسيح -﵇- لأصحابه أنَّه قال لهم: اعبُروها ولا تَعمُرُوها، ورُوي عنه أنَّه قال: من ذا الذي يبني على موجِ البحر دارًا، تلكُمُ الدُّنيا، فلا تتَّخذوها قرارًا.\nودخلوا على بعض الصالحين، فقلبوا بصرهم في بيته، فقالوا له: إنَّا نرى بيتَك بيتَ رجلٍ مرتحلٍ، فقال: أمرتحلٌ؟ لا، ولكن أُطْرَدُ طردًا.\nوكان عليُّ بنُ أبي طالب -﵁- يقول: إنَّ الدُّنيا قدِ ارتحلت مدبرةً، وإنَّ الآخرة قدِ ارتحلت مقبلةً، ولكُلٍّ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنَّ اليومَ عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل.","vol":"2","page":184},{"text":"قال بعضُ الحكماء: عجبتُ ممَّنِ الدُّنيا موليةٌ عنه، والآخرة مقبلةٌ إليه، يشتغلُ بالمدبرة، ويُعرِض عن المقبلة.\nوقال عُمرُ بنُ عبد العزيز في خطبته: إنَّ الدُّنيا ليست بدارِ قرارِكُم، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظَّعَن، فكم من عامرٍ موثَّق عن قليلٍ يَخْرَبُ، وكم من مقيمٍ مُغتَبطٍ عما قليل يَظعَنُ، فأحسنوا - رحمكم الله - منها الرِّحلة بأحسن ما بحضرتكم مِن النقلة، وتزوَّدوا فإنَّ خيرَ الزَّاد التقوى.\nوإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة، ولا وطنًا، فينبغي للمؤمن أنْ يكون حالُه فيها على أحد حالين: إما أنْ يكونَ كأنَّه غريب مقيمٌ في بلد غُربةٍ، هَمُّه التزوُّد للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنَّه مسافرٌ غير مقيم البتَّة، بل هو ليله ونهارَه، يسيرُ إلى بلدِ الإقامة، فلهذا وصّى النَّبيُّ -ﷺ- ابنَ عمر أنْ يكونَ في الدُّنيا على أحد هذين الحالين.\n(وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب) بعد الترعيب بالتقوى، أمر بها (يَا أُولِي الْأَلْبَاب) أي: يا أصحاب العقول والأفهام النيرة، التي تهدي أصحابها وترشدهم إلى ما ينفعهم، وتمنعهم عما يضرهم.\n• قال ابن كثير: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب) يقول: واتقوا عقابي، ونكالي، وعذابي لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام.\n• قال الشوكاني: وقوله (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب) فيه التخصيص لأولي الألباب بالخطاب بعد حثّ جميع العباد على التقوى؛ لأن أرباب الألباب هم القابلون لأوامر الله الناهضون بها، ولبّ كل شيء خالصه.\n• والألباب: جمع لُبٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-652>الفوائد:</span>\n١ - أن للحج أشهر معلومات.\n٢ - أن الإحرام بالحج لا يصح إلا في أشهره.\n٣ - أن الإحرام بالحج أو العمرة ينعقد بمجرد نية الدخول في النسك.\n٤ - أن من أحرم بالحج وجب عليه إتمامه ولو كان نفلًا.\n٥ - تحريم الجماع ومقدماته والفسوق والجدال والخصام والنزاع على المحرم.\n٦ - الترغيب في فعل الخير.\n٧ - علم الله بجميع الأشياء.\n٨ - وجوب الاستعداد بالزاد لسفر الحج والعمرة والاستغناء عن الناس.\n٩ - الحث على التزود بتقوى الله.","vol":"2","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-653>(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٩٩».</span> [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩].\n<hr><s0>\n\n(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) عن ابن عباس، قال (كانت عكاظ ومَجَنَّة، وذو المجاز أسواق الجاهلية، فتأثَّموا أن يتجروا في المواسم فنزلت (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ) في مواسم الحج.\nوروى أبو داود عن ابن عباس، قال: كانوا يَتَّقون البيوع والتجارة في الموسم، والحج، يقولون: أيام ذكر، فأنزل الله (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ).\n• والمعنى: ليس عليكم حرج ولا إثم أن تطلبوا زيادة الرزق من ربكم بالتجارة في موسم الحج، بالبيع والشراء وغير ذلك.\n• لكن إن كان هو المقصود بالسفر للحج، فليس لصاحبه سواه، لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.\n(فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ) الإفاضة من عرفات: الدفع والانصراف منها إلى مزدلفة.\nوعرفات: علم على مكان وقوف الحجاج يوم التاسع من ذي لحجة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-654> سميت بذلك:</span>\nقيل: لارتفاعها عما حولها.\nوقيل: لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم.\nوقيل: لأن آدم لما أهبط هو وزوجته حواء تعارفا في هذا المكان، وقيل غير ذلك.\n• قال الشوكاني: وسميت عرفات؛ لأن الناس يتعارفون فيه. وقيل: إن آدم التقى هو وحواء فيها، فتعارف. وقيل: غير ذلك، قال ابن عطية: والظاهر: أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع.","vol":"2","page":186},{"text":"• والوقوف بعرفة هو أهم وأعظم أعمال الحج وأركانه قال -ﷺ- (الحج عرفة).\n(فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) المشعر الحرام مكان أداء الشعيرة من شعائر الله، والمراد هنا المزدلفة كلها، أي: فاذكروا الله بألسنتكم وقلوبكم وجوارحكم بصلاة المغرب والعشاء والفجر ودعائه وتكبيره وتهليله وتوحيد.\nوقيل: المشعر الحرام جبل هناك، لحديث جابر في صفة حج النبي -ﷺ- وفيه (… حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين وصلى الفجر حين تبين له الصبح … ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا فدفع قبل أن تطلع الشمس …) رواه مسلم.\nففي قوله: حتى أتى المزدلفة … ثم قال: حتى أتى المشعر الحرام ما يدل على التغاير، ويفيد أن المشعر الحرام جزء من مزدلفة.\n• وقوله (الحرام) أي: ذو الحرمة، لأنه داخل الحرم، فمزدلفة داخل الحرم.\n(وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) أمر الله ﷿ بذكره عند المشعر الحرام، ثم أكد الأمر بذلك مقرونًا بتنبيههم بما أنعم به عليهم من هدايتهم وتوفيقهم للطريق المستقيم، ولمعرفة مشاعر الحج ومناسكه وأحكامه خاصة.\n• الكاف في قوله (كما هداكم) يحتمل أن تكون للتشبيه، أي: واذكروه على الصفة التي هداكم وأرشدكم إليها، أي: وفق شرعه.\nويحتمل أن تكون للتعليل، أي: واذكروه لهدايته لكم.\nقال السعدي: قوله تعالى (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) أي: اذكروا الله تعالى، كما منّ عليكم بالهداية بعد الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون، فهذه من أكبر النعم التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعِم بالقلب واللسان.\n(وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ) أي: قبل هداه لكم بما أنزل عليكم من القرآن وبعثة محمد -ﷺ-.\n(لَمِنَ الضَّالِّينَ) أي: التائهين البعيدين عن طريق الحق، وعن معرفة مشاعر الحج ومناسكه وأحكامه.\n(ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) يحتمل: أن يكون المراد بالإفاضة هنا الدفع من المشعر الحرام، أي: من مزدلفة إلى منى لرمي جمرة العقبة وذبح الهدي.\nويحتمل أن يكون تأكيد لقوله تعالى قبل هذا (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ) أي: ثم ادعوا (مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ) من المكان الذي وقف فيه الناس ودفعوا منه وهو عرفات.","vol":"2","page":187},{"text":"• قال الشوكاني: قيل: الخطاب في قوله (ثُمَّ أَفِيضُواْ) للحمس من قريش، لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل\nكانوا يقفون بالمزدلفة، وهي من الحرم، فأمروا بذلك، وعلى هذا تكون «ثم» لعطف جملة على جملة لا للترتيب.\nوقيل: الخطاب لجميع الأمة، والمراد بالناس إبراهيم، أي: ثم أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم، فيحتمل أن يكون أمرًا لهم بالإفاضة من عرفة، ويحتمل أن يكون إفاضة أخرى، وهي التي من المزدلفة، وعلى هذا تكون، «ثم» على بابها أي: للترتيب، وقد رجح هذا الاحتمال الأخير ابن جرير.\n(وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) أي: اطلبوا من الله مغفرة الذنوب.\n• وكثيرًا ما يأتي الأمر بالاستغفار بعد الانتهاء من الأعمال:\nففي هذه الآية أمر الله وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات وهو أجل المواقف وأفضلها، فقال (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).\nوقال تعالى (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ).\nوفي الصحيح (أن النبي -ﷺ- كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثًا …).\nوأمره بالاستغفار بعد أداء الرسالة، واقتراب أجله، فقال في آخر سورة أنزلت عليه (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا).","vol":"2","page":188},{"text":"• والحكمة من ذلك: قال ابن القيم: لشهودهم تقصيرهم فيها، وترْك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه.\nولعل من الحِكم: دفع العجب ورؤية النفس.\n• قال السعدي: ينبغي للعبد، كلما فرغ من عبادة، أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومنّ بها على ربه، وجعلت له محلًا ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت، ورد الفعل، كما أن الأول، حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر.\n(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) أي: ذو مغفرة واسعة كما قال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) وقال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ).\n• قال السعدي: الغفور: الذي لم يزل يغفر الذنوب ويتوب على كل من يتوب.\n• قال ابن القيم:\nوهو الغفور فلو أتى بقرابها … من غير شرك بل من العصيان\nلأتاه بالغفران ملء قرابها … سبحانه هو واسع الغفران\nوالمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله -ﷺ- قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه - ﷿ - حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم.\nومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام.\n\n•<span data-type='title' id=toc-655> الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:</span>\nأولًا: محبة الله وحمده وشكره على رحمته لعباده وغفرانه لذنوبهم.\nثانيًا: فتح باب الرجاء والمغفرة للشاردين عن الله تعالى والمسرفين على أنفسهم، فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك واسع المغفرة)، وقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى)، بل من فضله وجود وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ\nوَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).","vol":"2","page":189},{"text":"ثالثًا: الإكثار من الأعمال الصالحة والحسنات لأنها من أسباب الحصول على مغفرة الله للسيئات السالفة، قال سبحانه (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى).\nرابعًا: أن كونه سبحانه غفورًا وغفارًا للذنوب لا يعني أن يسرف المسلم في الخطايا والذنوب ويتجرأ على معصية الله تعالى بحجة أن الله غفور رحيم، لأن المغفرة لا تكون إلا بشروطها وانتفاء موانعها قال سبحانه (إنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا).\nخامسًا: سؤال الله ﷿ بهذا الاسم الكريم مغفرة الذنوب ووقاية شرها، لأنه سبحانه وحده الذي يملك غفران الذنوب، ولا يملك ذلك أحد سواه.\nسادسًا: مجاهدة النفس على التخلق بخلق الصفح عن الناس وستر أخطائهم وعوراتهم والاهتداء بهدي القرآن الكريم الذي يأمر بالعفو عن الناس ومقابلة السيئة بالحسنة، قال سبحانه في وصف المتقين (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ).\n(رَحِيمٌ). اسم من أسماء الله، متضمن لصفة الرحمة لله الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ).\n• من آثار رحمته:\nمن رحمته ﷾ إرسال الرسل وإنزال الكتب هداية للناس وإخراجًا لهم من الظلمات إلى النور، فالرسل رحمة من عند الله لعباده قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).\nومن رحمته ﷾ مغفرته لذنوب عباده والصفح عنهم، وتكفير سيئاتهم، وفتح باب التوبة لهم.\nإلى غير ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-656>الفوائد:</span>\n١ - جواز الاتجار في الحج وطلب الرزق في البيع والشراء.\n٢ - امتنان الله على عباده والتوسعة عليهم ودفع الحرج عنهم.\n٣ - مشروعية الوقوف بعرفات.\n٤ - وجوب المبيت بمزدلفة.\n٥ - مشروعية ذكر الله عند المشعر الحرام.\n٦ - وجوب ذكر الله وشكره على نعمه العظيمة ومنها هدايته لعباده.\n٧ - فضل ذكر الله، وأن العبادات إنما شرعت لذكر الله.\n٨ - تأكيد الوقوف بعرفة والإفاضة منها.\n٩ - مشروعية الاستغفار بعد الاستفاضة من عرفات والانتهاء من أعمال الحج.\n١٠ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم.","vol":"2","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-657>(فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢».</span> [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢].\n<hr><s0>\n\n(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها.\n(كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ) عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحَمَالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمد -ﷺ- (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا).\nوقيل: استغيثوا بالله والجئوا إليه كما يستغيث الصغير بأبيه إذا مسه سوء.\n• قال ابن عاشور: والمراد تشبيه ذكر الله بذكر آبائهم في الكثرة والتكرير وتعمير أوقات الفراغ به.\n(أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) ليست (أو) هاهنا للشك قطعًا، وإنما هي لتحقيق الخبر عنه بأنه كذلك أو أزيد منه.\n(فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) هذا ذم لمن يسأل الله تعالى الدنيا وملذاتها دون الآخرة.\n• قال الشوكاني: والخَلاق: النصيب، أي: وما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب؛ لأن همه مقصور على الدنيا لا يريد غيرها، ولا يطلب سواها، وفي هذا الخبر معنى النهي عن الاقتصار على طلب الدنيا، والذمّ لمن جعلها غاية رغبته، ومعظم مقصوده.\n(وَمِنْهُمْ) أي: ومن الناس قسم موفقون يدعون ربهم ويسألونهم من خيري الدارين، في أمور دينهم ودنياهم فيقولون:\n(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) المراد بالحسنة في الدنيا، تشمل كل خير الدنيا من التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح، ومن المتاع الحسن في هذه الحياة، من صحة في البدن، وفسحة في السكن، وسعة في الرزق.\n(وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) الحسنة في الآخرة الجنة وما فيها من ألوان وأنواع النعيم، وأعلاها النظر إلى وجه الله الكريم.\n(وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أي: اجعل لنا وقاية من عذاب النار، ولك بحفظنا من الذنوب الموجبة لها، وحفظنا أيضًا من دخولها.\nومن صفات عباد الله الخوف منها، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا).\n• فإن قيل: لم زاد في الدعاء (وقنا عذاب النار)؟\nالجواب: إنما زاد في الدعاء (وقنا عذاب النار) لأن حصول الحسنة في الآخرة قد يكون بعد عذاب منها فأريد التصريح في الدعاء بطلب الوقاية من النار. (تفسير ابن عاشور).\n• وهذا الدعاء من أعظم الأدعية وأجمعها وأكملها.\nعن أنس. قال (كان أكثر دعاء النبي -ﷺ- (اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة …).","vol":"2","page":191},{"text":"• قال ابن كثير: جمعت هذه الدعوةُ كلَّ خير في الدنيا، وصرَفت كلّ شر، فإن الحسنة في الدنيا تشملُ كلّ مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عباراتُ المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العَرَصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام.\n\n<span data-type='title' id=toc-658>(أُولَئِكَ) فيه قولان:</span>\nأحدهما: أنه إشارة إلى الفريق الثاني فقط الذين سألوا الدنيا والآخرة، والدليل عليه أنه تعالى ذكر حكم الفريق الأول حيث قال\n(وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خلاق).\nوالقول الثاني: أنه راجع إلى الفريقين أي لكل من هؤلاء نصيب من عمله على قدر ما نواه.\n(لَهُمْ نَصِيبٌ) أي: لهم حظ.\n(مِمَّا كَسَبُوا) أي: فكل من هؤلاء وهؤلاء نصيب من كسبهم وجزاء أعمالهم كما قال تعالى (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ).\n(وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) يحتمل معنيان: يحتمل أن يوم الأخر - الذي يقع فيه الحساب - أن مجيئه قريب وسريع، وكل ما هو آت قريب والله أخبر عن أمر الساعة أنه كلمح البصر أو هو أقرب.\nكما قال تعالى (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ).\nوقال تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).\nويحتمل - وهو المتبادر -: أن ذلك الحساب لا يطول لكثرة الخلق الذين يحاسبهم، بخلاف حال المخلوقين فإنهم إذا كثر ذلك عليهم فإن ذلك يقتضي طول الوقت الذي تستغرقه تلك المحاسبة.","vol":"2","page":192},{"text":"كما قال تعالى (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ).\n• ووصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-659>الفوائد:</span>\n١ - فضل ذكر الله.\n٢ - ينبغي أن يكون ذكر الله أكثر من كل شيء.\n٣ - انقسام الناس فيما يطلبون.\n٤ - إثبات الآخرة.\n٥ - فضل هذا الدعاء: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).\n٦ - عدل الله.\n٧ - إثبات الحساب.\n٨ - تمام قدرة الله تعالى.\n٩ - إثبات علم الله","vol":"2","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-660>(وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣».</span> [البقرة: ٢٠٣].\n<hr><s0>\n\n(وَاذْكُرُوا اللَّهَ) بألسنتكم وقلوبكم وجوارحكم، بتكبيره وتهليله وتحميده وغير ذلك من أنواع الذكر.\n(فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) وهي أيام التشريق، الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة.\n(فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) أي: خرج من منى ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني.\n(فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي: فلا حرج عليه.\n(وَمَنْ تَأَخَّرَ) بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد.\n(فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي: فلا حرج عليه أيضًا.\nفكل ذلك، التعجل في يومين والتأخر، وهذا من التخفيف والتيسير على الأمة، لكن لمن تأخر زيادة أجر عمله في اليوم الثالث.\n(لِمَنِ اتَّقَى) للذي اتقى الله في أعمال الحج ومناسكه وغيرها، فعلًا لما أمر الله به، وانتهاء عما نهى الله عنه.\nكما قال -ﷺ- (من حج فلم يرفث ولم يفسق …).\nوقال -ﷺ- (الحج المبرور ليس جزاء إلا الجنة).\n(وَاتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\n• قال ابن عاشور: (واتقوا الله) وصية جامعة للراجعين من الحج أن يراقبوا تقوى الله في سائر أحوالهم وأماكنهم، ولا يجعلوا تقواه خاصة بمدة الحج كما كانت تفعله الجاهلية فإذا انقضى الحج رجعوا يتقاتلون ويغيرون ويفسدون، وكما يفعله كثير من عصاة المسلمين عند انقضاء رمضان.\n(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أي: واعلموا أنكم إليه ترجعون، ولديه تجمعون، وعليه تعرضون يوم القيامة وتحاسبون.\nقال تعالى (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).","vol":"2","page":194},{"text":"وقال تعالى (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).\nوأمر الله بأن نعلم بأننا إليه راجعون، لأن العلم بذلك أعظم واعظ يحمل على تقوى الله.\n• قال السمرقندي: وإنما حذرهم الله تعالى، لأنهم إذا رجعوا من حجهم، يجترئون على الله تعالى بالمعاصي، فحذرهم عن ذلك فقال (واتقوا الله واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فيجازيكم بأعمالكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-661>الفوائد:</span>\n١ - ذكر الله في هذه الأيام المعدودات.\n٢ - جواز التعجل والتأخر في الحج.\n٣ - سعة فضل الله وتيسيره على عباده.\n٤ - وجوب تقوى الله.\n٥ - قرن المواعظ بالتخويف.","vol":"2","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-662>(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦».</span> [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٦].\n<hr><s0>\n\n(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: ومن الناس فريق يروقك كلامه يا محمد ويثير إعجابك بخلابة لسانه وقوة بيانه.\n• و(من) بمعنى بعض كما في قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ).\n• قال ابن عاشور: والخطاب إما للنبي -ﷺ- أي ومن الناس من يظهر لك ما يعجبك من القول وهو الإيمان وحب الخير\nوالإعراض عن الكفار.\nويجوز أن الخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب، تحذيرًا للمسلمين من أن تروج عليهم حيل المنافقين، وتنبيهه لهم إلى استطلاع أحوال الناس وذلك لا بد منه.\n• قال بعض العلماء: إنها نزلت في الأخنس بن شَرِيق الثقفي، جاء إلى رسول الله -ﷺ- وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك.\nوقال بعضهم: أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خُبَيب وأصحابه الذين قتلوا بالرّجيع وعابُوهم، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خُبَيب وأصحابه (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّه).\nقال ابن كثير: وقيل بل ذلك عام في المنافقين كلهم وهذا قول قتادة، ومجاهد، والرّبيع ابن أنس، وغير واحد، وهو الصحيح.\n• قال الرازي: اختيار أكثر المحققين من المفسرين، أن هذه الآية عامة في حق كل من كان موصوفًا بهذه الصفات المذكورة.\n• قال ابن عاشور: والمراد من القول هنا ما فيه من دلالته على حاله في الإيمان والنصح للمسلمين، لأن ذلك هو الذي يهم الرسول ويعجبه، وليس المراد صفة قوله في فصاحة وبلاغة؛ إذ لا غرض في ذلك هنا، لأن المقصود ما يضاد قوله: وهو ألد الخصام إلى آخره.","vol":"2","page":196},{"text":"• قوله تعالى (في الحياة الدنيا) قيل: أي في هذه الحيا الدنيا فقط، وأما في الآخرة فالحاكم فيها علام الغيوب الذي يطلع على القلوب والسرائر.\n(وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) قيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حَلَف وأشهد الله لهم: أن الذي في قلبه موافق للسانه. وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير.\n• قال ابن عاشور: ومعنى (يشهد الله على ما في قلبه) أنه يقرن حسن قوله وظاهر تودده بإشهاد الله تعالى على أن ما في قلبه مطابق لما في لفظه، ومعنى إشهاد الله حلفه بأن الله يعلم إنه لصادق.\nقال تعالى (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ).\nوقال تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ).\n(وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) الألد في اللغة هو الأعوج، وهكذا المنافق في حال خصومته يكذب، ويَزْوَرَّ عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما قال -ﷺ- (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان) متفق عليه.\nوفي البخاري عن عائشة. قالت. قال رسول الله -ﷺ- (أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم).\n(وَإِذَا تَوَلَّى) أي: أدبر، وذهب عنك يا محمد، وقيل: إنه بمعنى الولاية: أي: إذا كان واليًا فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض، قال الرازي: والقول الأول أقرب إلى نظم الآية، لأن المقصود بيان نفاقه، وهو أنه عند الحضور يقول الكلام الحسن ويظهر المحبة، وعند الغيبة يسعى في إيقاع الفتنة والفساد.\n(سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) السعي هنا القصد، كما قال تعالى إخبارًا عن فرعون (ثم أدبر يسعى …) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي منهي عنه بالسنة النبوية (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار).","vol":"2","page":197},{"text":"• قال الشوكاني: والسعي المذكور يحتمل أن يكون المراد به: السعي بالقدمين إلى ما هو فساد في الأرض، كقطع الطريق،\nوحرب المسلمين، ويحتمل أن يكون المراد به العمل في الفساد، وإن لم يكن فيه سعي بالقدمين، كالتدبير على المسلمين بما يضرّهم، وأعمال الحيل عليهم، وكل عمل يعمله الإنسان بجوارحه، أو حواسه يقال له سعي، وهذا هو الظاهر من هذه الآية.\n• قال ابن كثير: فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو مَحل نماء الزروع والثمار، والنسل، وهو نتاج الحيوانات الذين لا قوَام للناس إلا بهما.\n• والحرث هنا مراد منه الزرع، والنسل أطفال الحيوان.\n• وقال مجاهد: إذا سُعي في الأرض فسادًا، منع الله القَطْرَ، فهلك الحرث والنسل.\n• قال الشوكاني: قال الزجاج: وذلك، لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة، ووقوع القتال، وفيه هلاك الخلق، وقيل معناه: أن الظالم يفسد في الأرض، فيمسك الله المطر، فيهلك الحرث والنسل.\n• فالمعاصي سبب لنزول المصائب وزوال النعم.\nقال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).\nوقال تعالى (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ).\nوقال تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا).","vol":"2","page":198},{"text":"وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).\nوقال تعالى (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).\nوقال تعالى (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ).\nوقال تعالى (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).\n(وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) بيان أن عمله هذا مكروه إلى الله، لأن الله لا يحب الفساد، وإذا كان لا يحب هذا الفعل فإنه لا يحب من اتصف به، ولهذا جاء في آية أخرى (واللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).\n(وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) أي: إذا وُعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق امتنع وأبى، وأخذته الحميَّة والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام.\nوقيل المعنى: حملته العزة على الإثم، من قولك أخذته بكذا: إذا حملته عليه، وألزمته إياه.\nوقيل: الباء في قوله (بالإثم) بمعنى اللام، أي: أخذته العزّة، والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو: النفاق.\nوقيل: الباء بمعنى: مع، أي: أخذته العزّة مع الإثم.\n(فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ) أي: هي كافيته عقوبة في ذلك، فتكون له جهنم مهادًا وفرشًا.\n(وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) أي: ولبئس هذا الفراش والمهاد.\n• والمهاد جمع المهد، وهو الموضع المهيأ للنوم، ومنه مهد الصبي، وسميت جهنم مهادًا لأنها مستقرّ الكفار.","vol":"2","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-663>الفوائد:</span>\n١ - عدم الاغترار بظواهر الحال.\n٢ - وجود النفاق والمنافقين في كل زمان ومكان.\n٣ - من أعظم صفات المنافقين الكذب، فهم يحلفون على صدقهم وهم كاذبون.\n٤ - الإشارة إلى ذم الجدل والخصام.\n٥ - أن المعاصي سبب لهلاك الحرث والنسل.\n٦ - إثبات محبة الله للصلاح.\n٧ - الحرص على السعي للصلاح.\n٨ - التحذير من الفساد في الأرض.\n٩ - الحذر من رد النصيحة.\n١٠ - أن رد النصيحة من علامات المنافقين.\n١١ - أن الأنفة تحمل صاحبها على الإثم.\n١٢ - الحذر من الكبر.","vol":"2","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-664>(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧».</span> [البقرة: ٢٠٧].\n<hr><s0>\n\n(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ) لما أخبر تعالى عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ) أي: ومن الناس فريق من أهل الخير باع نفسه.\n• قال ابن كثير: قال ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النّهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صُهيب بن سنَان الرومي، وذلك أنَّه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإنْ أحب أن يتجرّد منه ويهاجر، فَعَل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرّة، فقالوا: رَبح البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أنّ الله أنزل فيه هذه الآية، ويروى أن رسول الله -ﷺ- قال له (ربِح البيع صهيب، ربح البيع صهيب).\nوأما الأكثرون فحمَلوا ذلك على أنها نزلت في كل مُجَاهد في سبيل الله، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين، أنكر عليه بعضُ الناس، فردّ عليهم عُمَر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد).\n(ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) أي: طلبًا لمرضات الله ورغبة في ثوابه لا يتحرى بعمله إلا وجه الله.\n• قال الرازي: أكثر المفسرين على أن المراد بهذا الشراء: البيع، قال تعالى (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ) أي باعوه، وتحقيقه أن المكلف باع نفسه بثواب الآخرة، وهذا البيع هو أنه بذلها في طاعة الله، من الصلاة والصيام والحج والجهاد، ثم توصل بذلك إلى وجدان ثواب الله، كان ما يبذله من نفسه كالسلعة، وصار الباذل كالبائع، والله كالمشتري، كما قال (إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة) وقد سمى الله تعالى ذلك تجارة، فقال (ياأيها الذين ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ).","vol":"2","page":201},{"text":"(وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) أي: ذو رأفة، وهي أشد الرحمة.\n• قال الرازي: فمن رأفته أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته جوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس، ومن رأفته أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ومن رأفته ورحمته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط\nكل ذلك العقاب وأعطاه الثواب الدائم، ومن رأفته أن النفس له والمال، ثم أنه يشتري ملكه بملكه فضلًا منه ورحمة وإحسانًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-665>الفوائد:</span>\n١ - فضل من باع نفسه لله.\n٢ - الإشارة إلى الإخلاص في سبيل الله.\n٣ - تقديم مرضات الله على النفس.\n٤ - رأفة الله بعباده.","vol":"2","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-666>(يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٢٠٨) فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩».</span> [البقرة: ٢٠٨ - ٢٠٩].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين المصدقين برسوله، أن يأخذوا بجميع عُرَى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك.\nوذهب بعض العلماء إلى أن المعنى: ادخلوا في الإسلام كلكم.\nوقيل: إنها نزلت في قوم من اليهود أسلموا وأرادوا أن يعظموا السبت كما كانوا فالمعنى على هذا: ادخلوا في الإسلام، واتركوا سواه.\nوقيل: (السلم) بفتح السين المسالمة، والمراد بها هنا عقد الذمة بالجزية، والأمر على هذا لأهل الكتاب، وخوطبوا بالذين آمنوا لإيمانهم بأنبيائهم وكتبهم المتقدمة.\n• قال ابن كثير: والصحيح الأول، وأنهم أمروا أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام.\n• قال ابن تيمية: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) أي: الإسلام كافة، أي في جميع شرائع الإسلام.\nورجحه الشيخ ابن عثيمين، فقال: هل المراد ادخلوا في السلم جميعه، فتكون (كافة) حالًا من (السلم) أو ادخلوا أنتم جميعًا في السلم وتكون (كافة) حالًا من الواو في قوله (ادخلوا)؟ الأقرب المعنى الأول، لأننا لو قلنا بالمعنى الثاني: ادخلوا جميعًا في السلم صار معنى ذلك أن بعض المؤمنين لم يدخل في الإسلام وحينئذ فلا يصح أن يوجه إليه النداء بوصف الإيمان، فالمعنى الأول هو الصواب أن (كافة) حال من (السلم) يعني ادخلوا في الإسلام كله، ولا تدعوا شيئًا من شعائره.\n(وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) تقدم شرحها.\nومناسبتها هنا، لأن الشيطان يريد منكم عدم الدخول في الإسلام، ويريد أيضًا عدم العمل بجميع شرائع الإسلام.\n(إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) جملة تعليلية أي: لا تتبعوا خطوات ومسالك الشيطان، لأنه ظاهر العداوة لكم، وذلك لأن الشيطان التزم أمورًا سبعة في العداوة أربعة منها في قوله تعالى (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ الأنعام وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله) وثلاثة منها في قوله تعالى (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين) فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدوًا متظاهرًا بالعداوة فلهذا وصفه الله تعالى بذلك. [مفاتيح الغيب: ٥/ ٤]","vol":"2","page":203},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-667> وقد حذرنا الله في آيات كثيرة عن اتباع خطواته:</span>\nكما قال تعالى (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).\nوقال تعالى (ومِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).\n(فَإِنْ زَلَلْتُمْ) أي: عدلتم عن الحق.\n(مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: بعد ما قامت عليكم الحُجَجُ.\n• قال الشوكاني: (مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ البينات) أي: الحجج الواضحة، والبراهين الصحيحة، أن الدخول في الإسلام هو الحق.\n(فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) فاعلموا أن الله عزيز في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يَغلبه غالب.\n(حَكِيمٌ) حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه.\nقال في التسهيل: (فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ) تهديد لمن زل بعد البيان.\n\n<span data-type='title' id=toc-668>الفوائد:</span>\n١ - فضل الإيمان.\n٢ - أن الإيمان مقتض لامتثال الأوامر.\n٣ - وجوب العمل بالشرع جملة وتفصيلًا.\n٤ - تحريم اتباع خطوات الشيطان.\n٥ - أن من أعظم خطوات الشيطان الصد عن الدخول في الإسلام.\n٦ - عداوة الشيطان.\n٧ - شدة عداوة الشيطان للإنسان كما قال تعالى عنه (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ).\n٨ - قرن الحكم بعلته.\n٩ - الوعيد لمن زل بعد قيام الحجة عليه.\n١٠ - أن الله تعالى أقام البينات على العباد.\n١١ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم.\n١٢ - إثبات الحكمة الكاملة لله تعالى.\n١٣ - إثبات العزة - بجميع أنواعها - لله تعالى.","vol":"2","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-669>(هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الامُورُ (٢١٠».</span> [البقرة: ٢١٠].\n<hr><s0>\n\n(هَلْ يَنْظُرُونَ) يقول تعالى مهددًا للكافرين بمحمد -ﷺ- (هَلْ يَنْظُرُونَ) أي: ما ينتظر هؤلاء المكذبون الذين زلوا بعدما جاءتهم البينات.\n(إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ) أي: لفصل القضاء.\n• وفيه إثبات إتيان الله تعالى إتيانًا يليق بجلاله.\n(فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) (في) بمعنى (مع) يعني يأتي مصاحبًا لهذه الظلل، وإنما أخرجناها عن الأصل الذي هو الظرفية، لأنا لو أخذناها على أنها للظرفية صارت هذه الظلل محيطة بالله ﷿، والله أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته.\n• والغمام قيل إنه السحاب الأبيض الرقيق، وهذا الغمام يأتي مقدمة بين يدي مجئ الله تعالى كما قال تعالى (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا).\n(وَالْمَلائِكَةُ) أي: وتأتيهم الملائكة أيضًا محيطة بهم.\nقال ابن كثير: يقول تعالى مُهَدّدًا للكافرين بمحمد -ﷺ- (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ) يعني: يوم القيامة، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كُلّ عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.\nكما قال (كَلا إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا* وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًا. وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى).\nوقال (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ).\n(وَقُضِيَ الْأَمْرُ) أي: فرغ منه، وصار أهل النار إلى النار وأهل الجنة إلى الجنة.","vol":"2","page":205},{"text":"(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي: إلى الله وحده لا إلى غيره ترجع الأمور، أمور الدنيا والآخرة كما قال تعالى (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) ومنها أن الناس يرجعون يوم القيامة إلى ربهم فيحاسبهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-670>الفوائد:</span>\n١ - وعيد هؤلاء بيوم القيامة.\n٢ - إثبات إتيان الله يوم القيامة للفصل بين عباده.\n٣ - إثبات الملائكة.\n٤ - إثبات عظمة الله تعالى.\n٥ - أن الملائكة أجسام.\n٦ - أن يوم القيامة به ينقضي كل شيء، فليس بعده شيء، إما إلى الجنة وإما إلى النار.\n٧ - عظمة الله وتمام سلطانه.\n٨ - إثبات البعث والجزاء. [الاثنين ١٨/ ١٢/ ١٤٣٢ هـ].","vol":"2","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-671>(سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢».</span> [البقرة: ٢١١ - ٢١٢].\n<hr><s0>\n\n(سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ) يقول الله تعالى لنبيه -ﷺ-، سل - أيها الرسول - بني إسرائيل المعاندين لك.\n• وفي المراد بالسؤال: التقرير والإذكار بالنعم، والتوبيخ على ترك الشكر.\n• قال الشوكاني: وهو سؤال تقريع وتوبيخ.\n(كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) أي: كم شاهدوا مع موسى (مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) أي: حجة قاطعة على صدقه فيما جاءهم به، كيده\nوعصاه وفَلقِهِ البحر وضربهِ الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المنّ والسلوى وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها، وبدلوا نعمة الله كفرًا، أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها.\nكما قال تعالى عن كفار قريش (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ).\n• قال السعدي: وسمى الله تعالى كفر النعمة تبديلًا لها، لأن من أنعم الله بنعمةٍ دينية أو دنيوية فلم يشكرها ولم يقم بواجبها اضمحلت عنه وذهبت، وتبدلت بالكفر والمعاصي، فصار الكفر بدل النعمة.\n(وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) أي: قوي الجزاء بالعقوبة.\n• وسمي الجزاء عقوبة وعقابًا، لأنه يقع عقب الذنب مؤاخذة به.\n(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) أي: زين وحسّن للذين كفروا بالله وبرسله الحياة الدنيا وشهواتها وما فيها من المتاع الزائل ونسوا الآخرة، فجمعوا الأموال من غير حلها، وصرفوها في غير مصرفها، وعظموا الدنيا وأهلها وعملوا من أجلها، فرضوا بها، واطمأنوا لها، وصارت أهواؤهم وإراداتهم وأعمالهم كلها لها، فأقبلوا عليها، وأكبوا على تحصيلها، وعظموها وعظموا من شاركهم في صنيعهم.\n• والتزيين جعل الشيء بهيًا في عين الإنسان أو في سمعه أو في مذاقه أو في فكره.","vol":"2","page":207},{"text":"• والمزَيِّن إما أن يكون الله، كما في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ) وإما أن يكون الشيطان، كما قال تعالى (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) ولا منافاة بين الأمرين، فإن الله زين لهم سوء أعمالهم، لأنهم أساءوا كما يفيده قوله تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)، والتزيين من الله باعتبار التقدير، أما الذي باشر التزيين ووسوس لهم بذلك فهو الشيطان. (ابن عثيمين).\n• فعلى المسلم أن يحذر من الحياة الدنيا وشهواتها، ولهذا نهانا الله عن الاغترار بالكفار وما عليهم من الشهوات والملذات.\nقال تعالى (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ).\nوقال تعالى (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى).\n(وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: ويستهزؤن بأهل الإيمان ويرمونهم بقلة العقل لتركهم الدنيا والتقلل منها.\n• فيسخرون من أهل الإيمان: لفقرهم، ولتصديقهم بالبعث، ولإيمانهم بمحمد -ﷺ-.\nوالسخرية والاستهزاء سنة ماضية من قِبل أعداء الإسلام لأهله، فقد سخر واستهزأ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nقال تعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).\nوقال تعالى (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).\nذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكُفَّارَ اسْتَهْزَءُوا بِرُسُلٍ قَبْلَ نَبِيِّنَا -ﷺ- وَأَنَّهُمْ حَاقَ بِهِمُ الْعَذَابُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُفَصِّلْ هُنَا كَيْفِيَّةَ اسْتِهْزَائِهِمْ، وَلَا كَيْفِيَّةَ الْعَذَابِ الَّذِي أُهْلِكُوا بِهِ، وَلَكِنَّهُ فَصَّلَ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، فِي ذِكْرِ نُوحٍ وَقَوْمِهِ، وَهُودٍ وَقَوْمِهِ، وَصَالِحٍ وَقَوْمِهِ، وَلُوطٍ وَقَوْمِهِ، وَشُعَيْبٍ وَقَوْمِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.\nفَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِنُوحٍ قَوْلُهُمْ لَهُ (بَعْدَ أَنْ كُنْتَ نَبِيًّا صِرْتَ نَجَّارًا).\nوَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ).\nوَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ (فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)، وَأَمْثَالَهَا مِنَ الْآيَاتِ.","vol":"2","page":208},{"text":"وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِهُودٍ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ).\nوَقَوْلِهِ عَنْهُمْ أَيْضًا (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ الْآيَةَ).\nوَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي قَوْلِهِ (أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ..)، وَأَمْثَالَهَا مِنَ الْآيَاتِ.\nوَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِصَالِحٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ (يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).\nوَقَوْلُهُمْ (يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا ..) وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ.\nوَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِلُوطٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ …) وَقَوْلُهُمْ لَهُ أَيْضًا (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ.\nوَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِشُعَيْبٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ.","vol":"2","page":209},{"text":"قال تعالى (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ).\n(وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيكون المتقون في أعلى الدرجات، متمتعين بأنواع النعيم والسرور والبهجة والحبور، والكفار تحتهم في أسفل الدركات، معذبين بأنواع العذاب والإهانة والشقاء السرمدي الذي لا منتهى له\n• قال الشوكاني: والمراد بالفوقية هنا: العلوّ في الدرجة؛ لأنهم في الجنة، والكفار في النار، ويحتمل أن يراد بالفوق: المكان؛ لأن الجنة في السماء، والنار في أسفل سافلين، أو أن المؤمنين هم الغالبون في الدنيا كما وقع ذلك من ظهور الإسلام، وسقوط الكفر، وقتل أهله، وأسرهم، وتشريدهم، وضرب الجزية عليهم، ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك لولا التقييد بكونه في يوم القيامة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-672> ويوم القيامة سمي بذلك لأمور ثلاثة:</span>\nأولًا: لقيام الناس من قبورهم.\nقال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).\nثانيًا: ولقيام الأشهاد.\nكما قال تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).\nثالثًا: ولقيام الملائكة.\nلقوله تعالى (يوم يقوم الروح والملائكة صفًا).\n• وفي الآية فضل التقوى.\n(وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: يرزق من يشاء من خلقه، ويعطيه عطاء كثيرًا جزيلًا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة.\nكما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).\nوقال -ﷺ- (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وينزل فيه ملكان: يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) متفق عليه.","vol":"2","page":210},{"text":"ومن أسماء الله: الرزاق، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) المتضمن لصفة الرَّزْق (بالتشديد وفتح الراء).\nوأما الرِّزق بالكسر فهو العين المرزوقة، فإذا أتاك طعام فهو رِزق، وإذا أتاك مال فهو رِزق.\n• قال السعدي: (الرزاق) لجميع عباده فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ورزقه لعباده نوعان:\nالأول: رزق عام شمل البر والفاجر والأولين والآخرين وهو رزق الأبدان.\nوالثاني: رزق خاص وهو رزق القلوب وتغذيتها بالعلم والإيمان والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم منه بحسب ما تقتضيه حكمته ورحمته.\n• وقد جاء في السنة اسم (الرازق):\nعن أنس، قال: قد غلا السعر على عهد رسول الله -ﷺ-، فقالوا: يا رسول الله، قد غلا السعر فسعر لنا، فقال: (إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال). رواه أبو داود","vol":"2","page":211},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-673> الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا:</span>\nأولًا: محبة الله، وإفراده سبحانه بالعبادة والانخلاع من الشرك بجميع أنواعه وأشكاله، لأن الخالق لعباده والرازق لهم هو وحده المستحق للعبادة وحده لا شريك له.\nوهذا ما احتج به سبحانه على المشركين حيث قال تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ).\nوقال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).\nثانيًا: إن اليقين بأنه سبحانه المتفرد برزق عباده، يثمر التوكل الصادق على الله، والتعلق به وحده مع فعل الأسباب الشرعية في طلب الرزق (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا).\nثالثًا: كما أن اليقين بذلك يثمر ترك الأسباب المحرمة في طلب الرزق، وعدم الخوف من المخلوق في قطع الرزق.\nرابعًا: قدرة الله، حيث إن المتكفل بأرزاق جميع خلقه لا يمكن أن يكون إلا قادرًا مقتدرًا على فعل كل ما يشاء.\nخامسًا: إن أعظم ما استجلب به رزق الله والبركة فيه تقوى الله وطاعته، كما قال تعالى (ومَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ).\nوقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).\nسادسًا: إيمان العبد باسمه سبحانه (الرزاق) يبعد عن القلب الشح والبخل.\nسابعًا: وجوب طلب الرزق من الله لا من غيره.\nقال تعالى عن الخليل (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ) ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله، لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر، كأنه قال: لا تبتغوا الرزق إلا عند الله. (قاله ابن تيمية).","vol":"2","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-674>الفوائد:</span>\n١ - بيان كثرة ما أعطاه الله بني إسرائيل من الآيات البينات.\n٢ - تقريع وتوبيخ بني إسرائيل.\n٣ - التحذير من تبديل نعمة الله.\n٤ - تهديد ووعيد من يبدل نعمة الله كفرًا.\n٥ - انخداع الكافرين بالحياة الدنيا.\n٦ - أن المؤمن الحق ليست الدنيا في عينه شيئًا.\n٧ - حقارة الدنيا.\n٨ - أن الاستهزاء بالمؤمنين سنة ماضية من أعداء الإسلام.\n٩ - أن العبرة بكمال النهاية.\n١٠ - البشرى للمؤمنين.\n١١ - كثرة رزق الله.\n[الثلاثاء ١٩/ ١٢/ ١٤٣٢ هـ].","vol":"2","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-675>(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٢١٣».</span> [البقرة: ٢١٣].\n<hr><s0>\n\n(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: كان الناس على الإيمان والفطرة، وهذا بين آدم ونوح.\n• فالمراد بالناس هنا: الذين هم بين آدم ونوح، فسار هؤلاء على التوحيد من عهد آدم إلى أن انتشر الشرك في عهد نوح، وهذا قول أكثر المحققين.\nقال ابن عباس: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.\n• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (كان الناس أمةً واحدةً) في المراد بـ (الناس) ها هنا ثلاثة أقوال:\nأحدها: جميع بني آدم، وهو قول الجمهور.\nوالثاني: آدم وحده، قاله مجاهد.\nوالثالث: آدم وأولاده كانوا على الحق، فاختلفوا حين قتل قابيلُ هابيلَ. ذكره ابن الأنباري. والأمَّة هاهنا: الصنف الواحد على مقصد واحد.\n• قال ابن عاشور: والأمة بضم الهمزة: اسم للجماعة الذين أمرهم واحد، مشتقة من الأم بفتح الهمزة وهو القصد أي يؤمون غاية واحدة، وإنما تكون الجماعة أمة إذا اتفقوا في الموطن أو الدين أو اللغة أو في جميعها.\n(فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) أي: فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.\n• قال ابن عاشور: ولأجل هذه القرينة يتعين تقدير فاختلفوا بعد قوله (أُمَّةً وَاحِدَةً) لأن البعثة ترتبت على الاختلاف لا على الكون أمة واحدة، وعلى هذا الفهم قرأ ابن مسعود (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله …)، ويؤيد هذا التقدير قوله في آية سورة يونس (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا) لأن الظاهر اتحاد غرض الآيتين، ولأنه لما أخبر هنا عن الناس بأنهم كانوا أمة واحدة ونحن نرى اختلافهم علمنا أنهم لم يدوموا على تلك الحالة.\nوالمقصود من الآية على هذا الوجه التنبيه على أن التوحيد والهدى والصلاح هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها حين خلقهم كما دلت عليه آية (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ).","vol":"2","page":214},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-676> فيه أن مهمة الرسل والنبيين التبشير والإنذار، وإرسال الرسل له حكم:</span>\n<span data-type='title' id=toc-677>أولًا: التبشير للمؤمن والإنذار للكافر.</span>\nقال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ).\nوقال تعالى (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).\nوقال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).\nوقال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-678>ثانيًا: رحمة للناس.</span>\nقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-679>ثالثًا: البلاغ المبين.</span>\nقال تعالى (وإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).\nوقال تعالى (مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ).\nوقال تعالى (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ).","vol":"2","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-680>رابعًا: الدعوة إلى الله.</span>\nقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ).\nوقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-681>خامسًا: إقامة الحجة.</span>\nوقال تعالى (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).\nوقال تعالى (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى).\nوعندما يصيحون بالنار بعد أن يحيط بهم العذاب من كل جانب وينادون ويصرخون تقول لهم خزنة جهنم: كما قال تعالى (قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ).\n• قوله (النَّبِيِّينَ) النبي مشتق من النبأ، وهو الخبر، قال تعالى (عم يتساءلون عن النبأ العظيم)، وإنما سمي النبي نبيًا لأنه مخبرٌ مخبَر، أي: أن الله أخبره وأوحى إليه.\nوقيل: مشتق من النبْوة، وهي ما ارتفع من الأرض.\n• قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والتحقيق أن هذا المعنى - أي العلو والارتفاع - داخل في الأول، فمن أنبأه الله فلا يكون إلا رفيع القدر عليًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-682> واختلف العلماء في الفرق بين الرسول والنبي:</span>\nفجماهير العلماء يرون أن الرسول: من أوحي إليه بشرع وأمِر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه.\nوالدليل على التفريق قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ).\nوشيخ الإسلام يرى: أن الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، أو من أوحي إليه بشرع من قبله ولكنه بعث إلى قوم مخالفين يدعوهم إلى هذا الشرع الذي معه، وأما النبي فهو المبعوث لتقرير شرع من قبله، فالنبي مأمور بالبلاغ، لكنه يبلغه لقوم مؤمنين كأكثر أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يعملون بالتوراة من بعد موسى.\n(وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ) أي: وأنزل مع كل نبي كتاب، فالكتاب هنا جنس يشمل جميع الكتب.\nوقد قال تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ).","vol":"2","page":216},{"text":"• قال ابن الجوزي: والكتاب: اسم جنس، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي الناس. وذكر بعضهم أنه في التوراة.\n(بِالْحَقِّ) الباء للملابسة وللتعدية: أي أن القرآن نفسه نزل حقًا من عند الله لا من عند غيره، وتكون للتعدية: بمعنى أن\nالكتاب نزل بالحق أي: أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حق، فعلى الوجه يكون المراد بقوله: بالحق تأكيد أنه نزل من عند الله، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى: أن كل ما اشتمل عليه القرآن من أوامر ونواهي وأخبار فهو حق.\nوكلا المعنيين صحيح، فهي حق من عند الله، وما جاءت به من الشرائع والأخبار فهو حق.\n\n<span data-type='title' id=toc-683>(لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) في الحاكم هاهنا ثلاثة أقوال:</span>\nأحدها: أنه الله تعالى.\nوالثاني: أنه النبي الذي أنزل عليه الكتاب.\nوالثالث: الكتاب، كقوله تعالى (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق).\nوالمعنى ليحكم النبي بالكتاب كما قال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا).\n(فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) فكل شيء اختلفوا فيه فالكتاب يحكم بينهم.\n(وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ) أي: في الكتاب المذكور، وقيل: يعود في الحق.\n(إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ) أي: أوتوا وأعطوا الكتاب.","vol":"2","page":217},{"text":"(مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: الآيات الواضحات، والحجج الساطعات.\n(بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أي: أن ذلك بسبب الحسد والتعدي والبغي من بعضهم على بعض.\nقال الشوكاني: أي لم يختلفوا إلا للبغي: أي الحسد والحرص على الدنيا، وفي هذا تنبيه على السفه في فعلهم، والقبح الذي وقعوا فيه، لأنهم جعلوا نزول الكتاب سببًا في شدّة الخلاف.\n• قال ابن عاشور: والمعنى أن داعي الاختلاف هو التحاسد، وقصد كل فريق تغليط الآخر، فيحمل الشريعة غير محاملها ليفسد ما حملها عليه الآخر فيفسد كل فريق صواب غيره وأما خطؤه فأمره أظهر.\nوقوله (بَيْنَهُمْ) متعلق بقوله (بَغْيًا) للتنصيص على أن البغي بمعنى الحسد، وأنه ظلم في نفس الأمة وليس ظلما على عدوها.\n(فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ) في جميع الأبواب، فهداهم للدين الحق وهو الإسلام، وهداهم إلى الحق فيما اختلفوا فيه في أنبيائهم كعيسى، وهداهم إلى الحق.\nعن أبي هريرة في قوله (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) قال: قال النبي -ﷺ- (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أوّلُ الناس دخولا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا له فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى) متفق عليه.\nقال ابن كثير: قال ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد. فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة.\nواختلفوا في القبلة؛ فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد للقبلة.\nواختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد -ﷺ- للحق من ذلك.","vol":"2","page":218},{"text":"واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك.\nواختلفوا في إبراهيم، ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أمة محمد -ﷺ- للحق من ذلك.\nواختلفوا في عيسى -﵇-، فكذّبت به اليهود، وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه، وكلمته،\nفهدى الله أمة محمد -ﷺ- للحق من ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-684> قال ابن الجوزي: وفي الذي اختلفوا فيه ستة أقوال:</span>\nأحدها: أنه الجمعة، جعلها اليهود السبت، والنصارى الأحد، وسبق الحديث في ذلك.\nوالثاني: أنه الصلاة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى المغرب.\nوالثالث: أنه إبراهيم. قالت اليهود: كان يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا.\nوالرابع: أنه عيسى، جعلته اليهود لِفرية، وجعلته النصارى إلهًا.\nوالخامس: أنه الكتب، آمنوا ببعضها، وكفروا ببعضها.\nوالسادس: أنه الدين، وهو الأصح، لأن جميع الأقوال داخلة في ذلك.\n• في الآية أنه كلما قوي إيمان العبد كان أقرب إلى إصابة الحق لقوله تعالى (فهدى الله الذين آمنوا) لأن الله علق الهداية على وصف الإيمان، وما علق على وصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه.\n(بِإِذْنِهِ) أي: بعلمه، بما هداهم له، وقيل: بأمره.\n(وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أي: من خلقه، أي ممن يستحق الهداية، لأن كل شيء علق بمشيئة الله فإنه تابع لحكمته، كما أنه سبحانه يجعل الرسالة في أهلها كما قال تعالى (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) فكذلك هو أعلم حيث يجعل هدايته.\n(إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الذي يجمع بين العلم والعمل، كما قال تعالى (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ).","vol":"2","page":219},{"text":"عن عَائِشَةَ. قَالَتْ كَانَ النبي -ﷺ- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ (اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) رواه مسلم.\nوفي الدعاء المأثور (اللهم، أرنا الحق حَقّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا ووفّقنا لاجتنابه، ولا تَجْعَلْه ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إمامًا).\nفالإنسان قد يعرف الحق ولا يعمل به ولا يوفق لاتباعه، وقد لا يعرف الحق.\n\n<span data-type='title' id=toc-685>الفوائد:</span>\n١ - أن دين الإسلام هو الفطرة.\n٢ - الحكمة في إرسال الرسل وهي التبشير والإنذار.\n٣ - أن الشرائع التي جاءت بها الرسل تنقسم إلى قسمين: أوامر ونواهي.\n٤ - الترغيب والترهيب في الدعوة.\n٥ - إثبات علو الله تعالى بأنواعه.\n٦ - أن الكتب منزلة من عند الله.\n٧ - أن الواجب الرجوع إلى الكتاب عند النزاع.\n٨ - أن الناس لو رجعوا إلى الكتاب المنزل لحصل بينهم الائتلاف.\n٩ - أن كل مخالف للحق بعدما تبين فهو باغ ضال.\n١٠ - رحمة الله بالمؤمنين.\n١١ - أن الإيمان سبب للهداية للحق.\n١٢ - ينبغي على العبد أن يسأل ربه الهداية.\n١٣ - أن كل ما سوى دين الله فهو معوج.","vol":"2","page":220},{"text":"<span data-type='title' id=toc-686>(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤».</span> [البقرة: ٢١٤].\n<hr><s0>\n\n(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ …) أي: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة.\n(وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: والحال أنه لم يصبكم مثلُ ما أصاب مَن قبلكم مِن أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار.\n• (مثل) أي: صفة ما وقع لهم، والمثل يكون بمعنى الصفة مثل قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي: صفتها كذا وكذا.\nويكون بمعنى الشبه، كقوله تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) أي: شبههم كشبه الذي استوقد نارًا.\n(مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ) أي: الفقر.\n(وَالضَّرَّاءُ) أي: الأمراض في أبدانهم.\n(وَزُلْزِلُوا) بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال وآل بهم الزلزال إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به.\nفتكون الإصابات هنا في ثلاثة مواضع: في المال، والبدن، والنفس.\n• قال ابن عاشور: إن القصد من ذكر الأمم السالفة حيثما وقع في القرآن هو العبرة والموعظة والتحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه بسوء عملهم والاقتداءُ في المحامد، فكان في قوله تعالى (كان الناس أمة واحدة) الآية إجمال لذلك وقد ختم بقوله (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه)، ولما كان هذا الختام منقبة للمسلمين أُوقِظوا أنْ لا يُزْهَوْا بهذا الثناء فيحسبوا أنهم قضَوْا حق شكر النعمة، فعقب بأن عليهم أن يصبروا لما عسى أن يعترضهم في طريق إيمانهم من البأساء والضراء اقتداء بصالحي الأمم السالفة، فكما حذرهم الله من الوقوع فيما وقع فيه الضالون من أولئك الأمم، حرضهم هنا على الاقتداء بهدي المهتدين منهم على عادة القرآن في تعقيب البشارة بالنذارة وعكس ذلك.\nكما جاء في الحديث الصحيح عن خَبَّاب بن الأرَتّ قال (قلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال: إنّ من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفْرَق رأسه فيخلص إلى قدميه، لا يَصْرفه ذلك عن دينه، ويُمْشَطُ بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون).","vol":"2","page":221},{"text":"وقال الله تعالى (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ).\nوقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة -﵁- في يوم الأحزاب، كما قال الله تعالى (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ\nوَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا).\nولما سأل هرقلُ أبا سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كان الحرب بينكم؟ قال: سِجَالًا يدال علينا ونُدَال عليه. قال: كذلك الرسل تُبْتَلى، ثم تكون لها العاقبة.\n• قال السعدي: من سنة الله التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه، لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله، ولم يبال بالمكاره الواقفة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها، ومن السيادة آلتها، ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله، بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني، ومجرد الدعاوى، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه.\n• وقال ابن تيمية في الحكمة من هذا الابتلاء: فإن النفس لا تزكو وتصلح حتى تمحص بالبلاء كالذهب الذي لا يخلص جيده من رديئه حتى يفتن في كير الامتحان، إذ كانت النفس جاهلة ظالمة وهي منشأ كل شر يحصل للعبد، فلا يحصل له شر إلا منها، قال تعالى (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ).","vol":"2","page":222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-687>قال ابن القيم مبينًا الحكمة مما أصاب النبي وأصحابه يوم أحد:</span>\nفمنها: تعريفُهم سوءَ عاقبة المعصية، والفَشَل، والتنازُعِ، وأن الذي أصابَهم إنما هو بِشُؤمِ ذلِكَ، كما قال تعالى (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ، حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ، مِنْكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ\nومنها: أن حِكمة الله وسُنَّته في رُسله، وأتباعِهم، جرت بأن يُدَالوا مَرَّةً، ويُدَالَ عليهم أُخرى، لكن تكونُ لهم العاقبةُ، فإنهم لو انتصرُوا دائمًا، دخلَ معهم المؤمنون وغيرُهم، ولم يتميَّز الصَّادِقُ مِن غيره، ولو انتُصِرَ عليهم دائمًا، لم يحصل المقصودُ من البعثة والرسالة، فاقتضت حِكمة الله أن جمع لهم بينَ الأمرين ليتميز مَن يتبعُهم ويُطيعهُم للحق، وما جاؤوا به ممن يتبعُهم على الظهور والغلبة خاصة.\nومنها: أن هذا مِن أعلام الرسل، كما قال هِرَقْلُ لأبى سفيان: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قال: نعم. قَالَ: كَيْفَ الحَرْبُ بَيْنَكُم وبَيْنَه؟ قالَ: سِجَال، يُدالُ علينا المرة، ونُدالُ عليه الأخرى. قال: كَذلِكَ الرُّسُل تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَة.\nومنها: أن يتميَّز المؤمنُ الصَّادِقُ مِن المنافقِ الكاذب.\nومنها: استخراجُ عبوديةِ أوليائه وحزبِه في السَّراء والضرَّاء، وفيما يُحبُّون وما يكرهون، وفى حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتُوا على الطاعة والعبودية فيما يُحبون وما يكرهون، فهم عبيدهُ حقًا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد مِن السَّراء والنعمة والعافية.\nومنها: أنه سبحانه لو نصرهم دائمًا، وأظفرهم بعدوِّهم في كُلِّ موطن، وجعل لهم التَّمْكِينَ والقهرَ لأعدائهم أبدًا، لطغتْ نفوسُهم، وشمخت وارتفعت.\nومنها: أن النفوسَ تكتسِبُ من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانًا ورُكونًا إلى العاجلة، وذلك مرض يَعُوقُها عن جِدِّها فى سيرها إلى الله والدارِ الآخرة، فإذا أراد بها ربُّهَا ومالِكُهَا وراحِمُهَا كرامته، قيَّض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليلَ الدواءَ الكريه، ويقطع منه العروقَ المؤلمةَ لاستخراج الأدواء منه، ولو تركه، لَغَلَبَتْهُ الأدواءُ حتى يكون فيها هلاكه.\n(حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) من شدة الكرب والبلاء، قالوا ذلك: استعجالًا للنصر وليس للشك.\n(أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) يحتمل أن يكون جوابًا من الله تعالى لهم، إذ قالوا (متى نَصْرُ الله) فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله (متى نَصْرُ الله) ثم قال الله عند ذلك (أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ).","vol":"2","page":223},{"text":"ويحتمل أن يكون ذلك قولًا لقوم منهم، كأنهم لما قالوا (متى نَصْرُ الله) رجعوا إلى أنفسهم فعلموا أن الله لا يعلي عدوهم عليهم، فقالوا (أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ) فنحن قد صبرنا يا ربنا ثقة بوعدك، وكلاهما صحيح.\n• في هذه الآية البشارة العظيمة بأن نصر الله وتفريج الكربات مقرون بالكرب.\nكما قال -ﷺ- (وَأَنْ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ويشهد لهذا:\nقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا). وقوله تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا). وقوله تعالى (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).\nقال ابن رجب ﵀: وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب، كإنجاء نوح ومن معه في الفلك، وإنجاء إبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أمر بذبحه، وإنجاء موسى وقومه من اليم، وإغراق عدوهم.\nقال ﵀: ومن لطائف اقتران الفرج بالكرب واليُسر بالعسر: أن الكربَ إذا اشتد وعظُمَ وتناهي، حصل للعبد الإياس من كشفه من جهة المخلوقين، وتعلق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تُطلبُ بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه، كما قال تعالى (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).\nقال الفضيل: لو يئست من الخلق حتى لا تريد منهم شيئًا، لأعطاك مولاك كل ما تريد.\n\n<span data-type='title' id=toc-688>الفوائد:</span>\n١ - إثبات الجنة.\n٢ - أن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي.\n٣ - حكمة الله في الابتلاء بهذه المصائب.\n٤ - حكمة الله حيث يمنع النصر لفترة معينة من الزمن.\n٥ - أن الصبر على البلاء من أسباب دخول الجنة.\n٦ - تبشير المؤمنين بالنصر ليتقووا على الاستمرار في الجهاد.\n٧ - أنه لا وصول إلى الكمال إلا بعد تجرع الصبر.","vol":"2","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-689>(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥».</span> [البقرة: ٢١٥].\n<hr><s0>\n\n(يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) أي: الصحابة يسألونك ماذا ينفقون، والسؤال هنا عن المنفَق، لا على المنفق عليه، أي: يسألونك ماذا ينفقون من أموالهم جنسًا وقدرًا وكيفًا.\nوالعلة من سؤال الصحابة: حرصهم على تعلم دينهم وتطبيقه.\nوقد تكرر سؤال الصحابة للنبي -ﷺ- في عدة مواطن.\nوالنفقة: هي بذل المال في وجوه الخير.\n(قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ) أي: مال قليل أو كثير.\n(فَلِلْوَالِدَيْنِ) فهما أعظم الناس به وأحقهم بالتقديم، وأعظمهم حقًا عليه.\n• قد يبدو للإنسان في أول وهلة أن الله إنما أجابهم عن محل الإنفاق؛ لا عن (ماذا ينفقون) لكن من تأمل الآية تبين له أن الله أجابهم عما ينفقون، وعما ينفقون فيه، لقوله (ما أنفقتم من خير) ففي هذا بيان ما ينفقون، وفي قوله (فللوالدين …) بيان ما ينفقون فيه.\nففي قوله (من خير) جواب سؤالهم، وهو أن الإنفاق يكون من أي أنواع الخير والمال، من غير تحديد جنس المال، ولا قدر المنفق منه وكيفيته.\nوأما الزيادة في الإجابة على سؤالهم فهي قوله (فللوالدين ....) وهو بيان محل ومصرف النفقة.\nوفي هذا التنبيه إلى أن معرفة محل النفقة ومصرفها أهم من معرفة المنفَق، وذلك لعظم حق من ذكروا وفضل النفقة عليهم من بين سائر وجوه النفقة التي لا تحصى.\n(وَالْأَقْرَبِينَ) على اختلاف طبقاتهم، الأقرب فالأقرب، على حسب القرب والحاجة، فالإنفاق عليه صدقة وصلة.\nعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ قَالَ: أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أَبُوكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ). رواه مسلم\nوأبا طلحة لما أراد أن يتصدق ببيرحاء قال له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (بَخْ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ». فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) متفق عليه.","vol":"2","page":225},{"text":"(وَالْيَتَامَى) واليتيم: هو من مات أبوه وهو لم يبلغ.\n• قال في التسهيل: جمع يتيم: وهو من فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من سائر الحيوان من فقد أمه.\n• وقد أوصت الشريعة بالعناية باليتيم وبماله وحذرت من أكل ماله.\n\n<span data-type='title' id=toc-690>فقد أوصى الله باليتيم في آيات كثيرة:</span>\nكقوله تعالى (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ).\nوقال تعالى (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ).\n\n<span data-type='title' id=toc-691>وحذر الله من أكل مال اليتامى:</span>\nفقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا).\nوأخبر النبي -ﷺ- أن كافل اليتيم في الجنة:\nفقال -ﷺ- (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (اللهم إني أحرّج حق الضعيفين اليتيم والمرأة) رواه النسائي، أي: ألحق الحرج وهو الإثم بمن ضيع حقهما، وأحذّر من ذلك تحذيرًا بليغًا.\n(وَالْمَسَاكِينِ) والمساكين جمع مسكين، وهو من لا يجد تمام كفايته، سموا بذلك، لأن الفقر أذله وأسكنه، وقد استعاذ النبي -ﷺ- من الفقر والجوع، فعن أبي هريرة. أن النبي -ﷺ- كان يقول (اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع). رواه أبو داود\nوفي حديث أبي بكرة أن النبي -ﷺ- كان يقول دبر كل صلاة (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر). رواه النسائي\n• ويدخل في المساكين هنا: الفقراء، لأن كلًا منهما يطلق على الآخر إذا انفرد كل واحد منهما، لكن إذا ذكرا معًا كما في قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) كان لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.\n• وسمي المعدم مسكينًا، لأن الفقر أسكنه وأذله، فلا يطمع أن يصل إلى مرتبة الأغنياء.\n(وَابْنِ السَّبِيلِ) وهو المسافر المنقطع به.","vol":"2","page":226},{"text":"• ولم يتعرض سبحانه هنا لبقية المحتاجين كالسائلين والغارمين إما اكتفاء بذكرهم في مواضع أخرى، وإما بناء على دخولهم تحت عموم قوله تعالى: في آخر الآية وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ فإنه شامل لكل خير واقع في أي مصرف كان.\n(وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) من صدقة على هؤلاء وعلى غيرهم، بل ومن جميع أنواع الطاعات والقربات.\n(فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) فيجازيكم به ويحفظه لكم، كل حسب نيته وإخلاصه، وكثرة نفقته وقلتها، وشدة الحاجة إليها، وعظم وقعها وموقعها، فإنه سبحانه لا يَظلم أحدًا مثقال ذرة.\nكما قال تعالى (أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى).\nوقال (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-692>الفوائد:</span>\n١ - حرص الصحابة على السؤال عن العلم.\n٢ - فضل الإنفاق على الوالدين والأقربين.\n٣ - اهتمام الشريعة باليتامى والمساكين.\n٤ - فضل الإنفاق والصدقة.\n٥ - الحث على فعل الخير ولو كان قليلًا.\n٦ - عموم علم الله تعالى.\n٧ - في الآية وعد من الله بالإثابة على العمل الصالح.","vol":"2","page":227},{"text":"<span data-type='title' id=toc-693>(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦».</span> [البقرة: ٢١٦].\n<hr><s0>\n\n(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين.\nوالجهاد في الأصل فرض كفاية. والدليل على ذلك:\nقول الله تعالى (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم.\nوقال الله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا).\nولأن رسول الله -ﷺ- كان يبعث السرايا ويقيم هو وسائر أصحابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-694>قال ابن قدامة: ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع:</span>\nأحدها: إذا التقا الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام.\nلقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).\nوقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).\nالثاني: إذا نزل الكفر ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم.\nالثالث: إذا استنفر الإمام قومًا لزمهم النفي معه.\nلقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ).\nوقال النبي -ﷺ- (وإذا استنفرتم فانفروا) متفق عليه.","vol":"2","page":228},{"text":"• والجهاد في سبيل الله فضله عظيم، وقد تقدمت فضائله.\n(وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) أي: شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك، فإنه إما أن يُقتلَ أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء.\n• قال الرازي: أن المراد من الكره، كونه شاقًا على النفس، والمكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلًا شاقًا على النفس، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة، فلذلك أشق الأشياء على النفس القتال.\n(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) لما فيه من الثواب العظيم، والتحرز من العقاب الأليم، والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم، والأمن والاطمئنان، ورد العدو عن التفكير في غزو المسلمين.\n• قال ابن تيمية: فَأَمَرَ بِالْجِهَادِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِلنُّفُوسِ لَكِنَّ مَصْلَحَتَهُ وَمَنْفَعَتَهُ رَاجِحَةٌ عَلَى مَا يَحْصُلُ لِلنُّفُوسِ مِنْ أَلَمِهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَشْرَبُ الدَّوَاءَ الْكَرِيهَ لِتَحْصُلَ لَهُ الْعَافِيَةُ، فَإِنَّ مَصْلَحَةَ حُصُولِ الْعَافِيَةِ لَهُ رَاجِحَةٌ عَلَى أَلَمِ شُرْبِ الدَّوَاءِ، وَكَذَلِكَ التَّاجِرُ الَّذِي يَتَغَرَّبُ عَنْ وَطَنِهِ وَيَسْهَرُ وَيَخَافُ وَيَتَحَمَّلُ هَذِهِ الْمَكْرُوهَاتِ، مَصْلَحَةُ الرِّبْحِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ رَاجِحَةٌ عَلَى هَذِهِ الْمَكَارِهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ (حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ).\n• وقال الرازي: معنى الآية أنه ربما كان الشيء شاقًا عليكم في الحال، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالضد، ولأجله حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى، وههنا كذلك وذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل، وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المضار:\nمنها: أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصد بلادكم وحاول قتلكم فإما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم، وإما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح، وهذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطرًا إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة، والحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت.\nومنها: وجدان الغنيمة.\nومنها: السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء.","vol":"2","page":229},{"text":"أما ما يتعلق بالدين فكثيرة: منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقربًا وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم، فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند الله، ومنها أن من أقدم على القتال طلبًا لمرضاة الله تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله، وما لم يصر الرجل متيقنًا بفضل الله وبرحمته وأنه لا يضيع أجر المحسنين، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا، وذلك من أعظم سعادات الإنسان.\n• وقال القرطبي: ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ضرس وفصدٍ وحِجامةٍ ابتغاء العافية\nودوام الصحة، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدقٍ.\n• وقال ابن القيم: … الإنسان كما وصفه به خالقه ظلوم جهول، فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يصره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه، بل المعيار علي ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه، فأنفع الأشياء له على الإطلاق طاعة ربه بظاهره وباطنه، وأضر الأشياء عليه على الإطلاق معصيته بظاهره وباطنه، فإذا قام بطاعته وعبوديته مخلصًا له، فكل ما يجرى عليه مما يكرهه يكون خيرًا له، وإذا تخلى عن طاعته وعبوديته فكل ما هو فيه من محبوب هو شر له، فمن صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته، علم يقينًا أن المكروهات التي تصيبه والمحن التي تنزل به فيها ضروب من المصالح والمنافع لتي لا يحصيها علمه ولا فكرته، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب، فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها، كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها.\n• وقال ﵀: في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد:\nفان العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والمحبوب قد يأتي بالمكروه، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة، لعدم علمه بالعواقب، فإن الله يعلم منها مالا يعلمه العبد وأوجب له ذلك أمورا:\nمنها: أنه لا أنفع له من امتثال الأمر وإن شق عليه في الابتداء، لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح، وإن كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع، وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب النهى وان هويته نفسه ومالت إليه وإن عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصائب.","vol":"2","page":230},{"text":"ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور والرضا بما يختاره له ويقضيه له لما يرجو فيه من حسن العاقبة.\nومنها: أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم فلا يختار على ربه شيئًا بل يسأله حسن الاختيار له وأن يرضيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك.\nومنها: أنه إذا فوض إلى ربه ورضى بما يختاره له، أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.\nومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منه في عقبة وينزل في أخرى، ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضى باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه.\n(وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة، فإنه شر، لأنه يعقب الخذلان، وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله، وحصول الذل والهوان، وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب.\nوهذه الآيات عامة مطردة، في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحب النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شر بلا شك.\n(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره، سواء سرتكم أو ساءتكم.","vol":"2","page":231},{"text":"• قال الرازي: (والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد، وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه، وكمال علم الله تعالى، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته ومصلحته، علم قطعًا أن الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله، سواء كان مكروهًا للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال: يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من علمك فكن مشتغلًا بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة (إِنّي أَعْلَمُ مَا لَا\nتَعْلَمُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-695>الفوائد:</span>\n١ - فرضية الجهاد.\n٢ - فضل الجهاد.\n٣ - الحث على الجهاد.\n٤ - أن النفس قد تكره الشيء لمشقته، لكن قد يكون فيه خيرًا عظيمًا كالجهاد.\n٥ - أن البشر لا يعلمون الغيب.\n٦ - ينبغي على المسلم أن يثق بأن أوامر الله كلها خير ومصالح ولو كانت بظاهرها مشقة.\n٧ - عموم علم الله تعالى.","vol":"2","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-696>(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧»</span> [البقرة: ٢١٧].\n<hr><s0>\n\n(يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ) أي: يسألك يا محمد الناس عن القتال في الشهر الحرام.\n• قال ابن الجوزي: وفي السائلين النبي -ﷺ- عن ذلك قولان:\nأحدهما: أنهم المسلمون سألوه: هل أخطؤوا أم أصابوا، قاله ابن عباس، وعكرمة ومقاتل.\nوالثاني: أنهم المشركون سألوه على وجه العيب على المسلمين، قاله الحسن وعروة، ومجاهد.\n• وقد روي عن جمع من المفسرين أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش، حين بعثه رسول الله -ﷺ- ومن معه لترصد قريش بنخلة بين مكة والطائف، فمرت بهم عير لقريش فيهم عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان، فأغاروا عليهم، فقتلوا عمرو بن الحضرمي، وأسروا عثمان والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل فهرب، وذلك في آخر يوم من رجب، فقالت قريش: استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فأنزل الله (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ …).\n• والمراد بالشهر الحرام، الجنس، أي: أن المراد الأشهر كلها وهي ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ورجب.\n\n<span data-type='title' id=toc-697>وقد اختلف العلماء هل القتال في الأشهر الحرم منسوخ أم لا على قولين:</span>\nالقول الأول: أنه منسوخ.\nوهذا مذهب جماهير العلماء.\nالقول الثاني: أنه محكم ليس بمنسوخ.\n(قِتَالٍ فِيهِ) أي: أيحل القتال فيه.\n(قُلْ) لهم مجيبًا.\n(قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) أي: القتال فيه عظيم عند الله، لكن هناك ما هو أعظم خطرًا.\n• وأما قتال الدفاع فهو جائز جماعًا.\n(وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي: ومنع الناس عن دين الله.\n(وَكُفْرٌ بِهِ) أي: والكفر بالله.","vol":"2","page":233},{"text":"(وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي: وصدهم عن المسجد الحرام كما قال تعالى (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ).\n• فقوله (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) قيل معطوف على الضمير في قوله (وكفر به) أي: وكفر بالمسجد الحرام، بانتهاك حرمته وعم احترامه وتعظيمه.\nويحتمل عطفه على (عن سبيل الله) وهو أظهر، أي: وص عن سبيل الله وعن المسجد الحرام.\n(وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ) أي: أهل المسجد الحرام، وهم النبي -ﷺ- وأصحابه، لأنهم أحق به من المشركين، وهم عماره على الحقيقة فأخرجوهم منه ولم يمكنوهم من الوصول إليه، مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد.\n(أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ) أي: أعظم إثمًا وجرمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام.\nأي: إن صدكم بأنفسكم وللناس عن دين الله وصراطه المستقيم وكفركم بالله والمسجد الحرام، وصد الناس عنه وإخراج أهله منه أكبر عن الله وأعظم إثمًا وجرمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام.\n(وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) أي: فتنة المسلم وصده عن دين الله أكبر عند الله من القتل.\nقال ابن القيم: والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبرئ أولياءَه من ارتكاب الإثم بالقتالِ في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبرُ وأعظمُ مِن مجردِ القتالِ في الشهر الحرام، فهم أحقُّ بالذمِّ والعيبِ والعُقوبَةِ، لا سيما وأولياؤه كانوا متأوِّلين في قتالهم ذلك، أو مقصِّرين نوعَ تقصير يغفِره الله لهم في جنب ما فعلوه مِن التوحيد والطاعات، والهِجرة مع رسوله، وإيثارِ ما عند الله، فهم كما قيل:\nوإذَا الحَبِيبُ أَتى بِذَنْبٍ وَاحِدٍ … جَاءَتْ مَحَاسِنُه بِأَلْفِ شَفِيع\nفكيف يُقاس ببغيضٍ عدوٍ جاء بكُلِّ قبيح، ولم يأت بشفيع واحد مِن المحاسن.","vol":"2","page":234},{"text":"• فالفتنة في الدين بالكفر والشرك والصد عن ين الله، أعظم وأشد من القتل، لأن غاية القتل أن يموت الإنسان فيخسر الحياة الدنيا، أما الشرك والصد عن ين الله ففيه خسارة الدارين، الدنيا والآخرة - ولهذا توعد الله الذين يفتنون الناس ويصدونهم عن دينهم بعذاب جهنم وعذاب الحريق.\n(وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ابتداء خبر من الله تعالى، وتحذير منه للمؤمنين من شرّ الكفرة، أي: ولا يزال هؤلاء الكفار جاهدين في قتالكم حتى يرجعوكم إلى الكفر والضلال.\n• قال أبو حيان: وهذا إخبار من الله للمؤمنين بفرط عداوة الكفار، ومباينتهم لهم، ودوام تلك العداوة، وأن قتالهم إياكم معلق بإمكان ذلك منهم لكم، وقدرتهم على ذلك.\nكما قال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً).\nوقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ).\nوقال تعالى (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ)\nوقال تعالى (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا).\nوقال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ …).\n• قال ابن عاشور: قوله (إن استطاعوا) تعريض بأنهم لا يستطيعون رد المسلمين عن دينهم.\n(وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) أي: ومن يرجع منكم عن دينه إلى الكفر.\n(فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) ثم يستمر حتى الموت.\n(فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي: بطلت واضمحلت أعمالهم الصالحة في الدنيا والآخرة.\n• قال ابن عاشور: وحَبَطُ الأعمال: زوال آثارها المجعولة مرتبة عليها شرعًا، فيشمل آثارها في الدنيا والثواب في الآخرة وهو سر قوله (في الدنيا والآخرة).","vol":"2","page":235},{"text":"فالآثار التي في الدنيا هي ما يترتب على الإسلام من خصائص المسلمين وأولها آثار كلمة الشهادة من حُرمة الأنفس والأموال والأعراض والصلاة عليه بعد الموت والدفن في مقابر المسلمين، وآثار العبادات وفضائل المسلمين بالهجرة والأخُوَّة التي بين المهاجرين والأنصار وولاء الإسلام وآثار الحقوق مثل حق المسلمين في بيت المال والعطاء وحقوق التوارث والتزويج فالولايات والعدالة وما ضمنه الله للمسلمين مثل قوله (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة).\nوأما الآثار في الآخرة فهي النجاة من النار بسبب الإسلام وما يترتب على الأعمال الصالحات من الثواب والنعيم.\n• اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُرْتَدِّ، هَلْ يُحْبِطُ عَمَلَهُ نَفْسُ الرِّدَّةِ أَمْ لَا يَحْبَطُ إلَّا عَلَى الْمُوَافَاةِ عَلَى الْكُفْرِ؟\nفَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْبَطُ لَهُ عَمَلٌ إلَّا بِالْمُوَافَاةِ كَافِرًا، وهذا هو الصحيح.\nوَقَالَ مَالِكٌ: يَحْبَطُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ.\nوَيَظْهَرُ الْخِلَافُ فِي الْمُسْلِمِ إذَا حَجَّ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ الْحَجُّ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ حَبَطَ بِالرِّدَّةِ.\nوَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ عَمَلَهُ بَاق.\nقال الإمام النووي: ومن حج ثم ارتد ثم أسلم لم يلزمه الحج بل يجزئه حجته السابقة عندنا، وقال أبو حنيفة وآخرون يلزمه الحج، ومبنى الخلاف على أن الردة متى تحبط العمل؟ فعندهم تحبطه في الحال سواء أسلم بعدها أم لا فيصير كمن لم يحج. وعندنا لا تحبطه إلا إذا اتصلت بالموت لقوله تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ).\nوقال أيضًا: … وهو أنه عندنا لا تبطل الأعمال بالردة إلا أن تتصل بالموت وعندهم يبطل بنفس الارتداد احتجوا بقول الله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) واحتج أصحابنا بقول الله تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) فعلق الحبوط بشرطين الردة والموت عليها والمعلق بشرطين لا يثبت بأحدهما والآية التي احتجوا بها مطلقة وهذه مقيدة فيحمل المطلق على المقيد.\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) هذه الآية الكريمة تدل على أن الرّدة لا تحبط العمل إلا بقيد الموت على الكفر بدليل قوله (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الردة تحبط العمل مطلقًا ولو رجع إلى الإسلام؛ فكل ما عمل قبل الردة أحبطته الردة كقوله تعالى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) الآية، وقوله (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وقوله (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\nوالجواب عن هذا: أن هذه من مسائل التعارض المطلق والمقيد، فيحمل المطلق على المقيد، فتقيد الآيات المطلقة بالموت على الكفر، وهذا مقتضى الأصول، وعليه الإمام الشافعي ومن وافقه، وخالف مالك في هذه المسألة، وقدم آيات الإطلاق، وقول الشافعي في هذه المسألة أجرى على الأصول، والعلم عند الله تعالى.","vol":"2","page":236},{"text":"(وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) الملازمون لها.\n(هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لا يخرجون منها أبدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-698>الفوائد:</span>\n١ - أن النبي -ﷺ- هو المرجع للصحابة في الفتوى.\n٢ - تحريم القتال في الأشهر الحرم.\n٣ - أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: كبائر وصغائر.\n٤ - أن الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم.\n٥ - عظم الصد عن الحق.\n٦ - عِظم الصد عن المسجد الحرام.\n٧ - تفاوت الذنوب.\n٨ - أن الفتنة - وهي صد الناس عن دينهم - أكبر من قتلهم.\n٩ - حرص الكفار على ارتداد المشركين.\n١٠ - الحذر من الكافرين.\n١١ - أن الردة مبطلة للإعمال إذا مات عليها.\n١٢ - أن المرتد مخلد في النار.","vol":"2","page":237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-699>(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢١٨».</span> [البقرة: ٢١٨].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: الذين صدقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه.\n(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا) أي: تركوا ديارهم وهاجروا إلى الله ورسوله.\n• قال ابن عاشور: هم الذين خرجوا من مكة إلى المدينة فرارًا بدينهم.\n(وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لإعلاء كلمة الله تعالى.\nوالجهاد: بذل الوسع في قتال الكفار.\n(أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) أي: أولئك يطمعون في فضل الله وثوابه.\n• قال ابن عاشور: الرجاء: ترقب الخير مع تغليب ظن حصوله، فإن وعد الله وإن كان لا يخلف فضلًا منه وصدقًا، ولكن الخواتم مجهولة ومصادفة العمل لمراد الله قد تفوت لموانع لا يدريها المكلف ولئلا يتكلوا في الاعتماد على العمل.\n• وقال ﵀: والذي يظهر لي أن تعقيب ما قبلها بها من باب تعقيب الإنذار بالبشارة وتنزيه للمؤمنين من احتمال ارتدادهم فإن المهاجرين لم يرتد منهم أحد، وهذه الجملة معترضة بين آيات التشريع.\n• قال السعدي: وفي قوله (أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ) إشارة إلى أن العبد ولو أتى من الأعمال بما أتى به لا ينبغي له أن يعتمد عليها، ويعول عليها، بل يرجو رحمة ربه، ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه، وستر عيوبه.\n• هذه الأعمال الثلاثة (الإيمان والهجرة والجهاد) من أفضل الأعمال.\n• قال السعدي: هذه الأعمال الثلاثة، هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية، وبها يعرف ما مع الإنسان، من الربح والخسران، فأما الإيمان، فلا تسأل عن فضيلته، وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة من أهل النار؟ وهو الذي إذا كان مع العبد، قبلت أعمال الخير منه، وإذا عدم منه لم يقبل له صرف ولا عدل، ولا فرض، ولا نفل.\nوأما الهجرة: فهي مفارقة المحبوب المألوف، لرضا الله تعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله، وأهله، وخلانه، تقربًا إلى الله ونصرة لدينه.","vol":"2","page":238},{"text":"وأما الجهاد: فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله، وقمع دين الشيطان، وهو ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه أفضل الجزاء، وهو السبب الأكبر، لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عباد الأصنام، وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم.\nفمن قام بهذه الأعمال الثلاثة على لأوائها ومشقتها كان لغيرها أشد قيامًا به وتكميلًا.\nفحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله، لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة، وفي هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة، وأما الرجاء المقارن للكسل، وعدم القيام بالأسباب، فهذا عجز وتمن وغرور، وهو دال على ضعف همة صاحبه، ونقص عقله، بمنزلة من يرجو وجود ولد بلا نكاح، ووجود الغلة بلا بذر وسقي، ونحو ذلك.\n• فضل الإيمان بالله:\nمِنْهَا: الْأَجْرُ الْعَظِيمُ (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا).\nوَمِنْهَا: الدَّفْعُ عَنْهُمْ شُرُورَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.\nقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا).\nوَمِنْهَا: اسْتِغْفَارُ حَمَلَةِ الْعَرْشِ لَهُمُ.\nقال تعالى (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا).\nوَمِنْهَا: مُوَالَاةُ اللَّهِ لَهُمْ، وَلَا يَذِلُّ مَنْ وَالَاهُ اللَّهُ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا).\nوَمِنْهَا: أَمْرُهُ مَلَائِكَتَهُ بِتَثْبِيتِهِمْ.\nقال تعالى (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا).\nوَمِنْهَا: الْعِزَّةُ.\nقال تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ).\nوَمِنْهَا: مَعِيَّةُ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ.\nقال تعالى (وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ).\nوَمِنْهَا: الرِّفْعَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.\nقال تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).\nوَمِنْهَا: أَمَانُهُمْ مِنَ الْخَوْفِ يَوْمَ يَشْتَدُّ الْخَوْفُ.\nقال تعالى (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).","vol":"2","page":239},{"text":"وَمِنْهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا هُوَ هُدًى لَهُمْ وَشِفَاء.\nقال تعالى: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ).\nوَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْإِيمَانَ سَبَبٌ جَالِبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَكُلُّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَسَبَبُهُ الْإِيمَانُ، وَكُلُّ شَرٍّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَسَبَبُهُ عَدَمُ الْإِيمَانِ.\n• في الآية فضل الهجرة لله تعالى.\nفمن فضائلها: أن الله يعوضه خيرًا مما ترك.\nكما قال تعالى (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا. وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا).\nومن فضائلها: يجد مراغمًا وسعة.\nكما قال تعالى (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً).\nففي هذه الآية وعد الله تعالى أن من هاجر في سبيله سيجد أمرين: أولهما: مراغمًا كثيرًا، وثانيهما: سعة\nوالمراد بالأمر الأول كما يقول الرازي: (مراغمًا) ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سببًا لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية.\nوالمراد بالأمر الثاني (سعة) السعة في الرزق.\nوفي الآية فضل الجهاد، وقد سبقت فضائله.\nوفي هذه الآية أن هؤلاء جمعوا بين فعل السبب بحسن العمل بالإيمان والهجرة والجهاد وبين حسن الظن بالله تعالى.\nقال ابن القيم: فتأمل كيف جعل رجاءهم بإتيانهم بهذه الطاعات، وقال المغترون: إن المفرطين المضيعين لحقوق الله المعطلين لأوامره الباغين على عباده المتجرئين على محارمه، أولئك يرجون رحمة الله.\nوسر المسألة: أن الرجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه وقدره وثوابه وكرامته، فيأتي العبد بها ثم يحسن ظنه بربه ويرجوه أن لا يكله إليها، وأن يجعلها موصلة إلى ما ينفعه، ويصرف ما يعرضها للحبوط ويبطل أثرها.","vol":"2","page":240},{"text":"(وَاللَّهُ غَفُورٌ) أي: لمن تاب توبة نصوحًا.\n(رَحِيمٌ) وسعت رحمته كل شيء، وعم جوده وإحسانه كل حي.\nقال السعدي: وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة، حصل له مغفرة الله، إذ الحسنات يذهبن السيئات وحصلت له رحمة الله.\nوإذا حصلت له المغفرة، اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة، التي هي آثار الذنوب، التي قد غفرت واضمحلت آثارها، وإذا حصلت له الرحمة، حصل على كل خير في الدنيا والآخرة؛ بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم، فلولا توفيقه إياهم لم يريدوها، ولولا إقدارهم عليها، لم يقدروا عليها، ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم، فله الفضل أولًا وآخرًا، وهو الذي منّ بالسبب والمسبب.\n\n<span data-type='title' id=toc-700>الفوائد:</span>\n١ - أن الإيمان أساس وشرط لصحة الأعمال.\n٢ - فضل الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله.\n٣ - أن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني.\n٤ - وجوب الإخلاص لله ﷿ في الهجرة والجهاد.\n٥ - تعظيم الله ﷿ للمؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيله، والتنويه بهم، وأنهم هم الراجون لرحمة الله.\n٦ - فضل الرجاء.\n٧ - إثبات صفة المغفرة لله تعالى.\n٨ - إثبات صفة الرحمة الواسعة لله تعالى.","vol":"2","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-701>(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠».</span> [البقرة: ٢١٩ - ٢٢٠].\n<hr><s0>\n\n(يَسْأَلونَكَ) الخطاب للنبي -ﷺ-، والسائلون هم الصحابة ﵃.\n• السائلون هم المؤمنون وسؤالهم إنما هو عن الحكم الشرعي من حيث الحل والتحريم. لا عن الحقيقة والذات فإنهم يعرفون حقيقة الخمر والميسر وذاتهما.\n(عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) أي: عن حكمهما.\nوالخمر: لغة مأخوذ من الستر والتغطية ومنه قوله -ﷺ- (خمروا آنيتكم ..) أي: غطوا آنيتكم.\nوفي الشرع: اسم لكل ما أسكر العقل، أي: خامره وستره وغطاه على سبيل اللذة والنشوة والطرب، قال -ﷺ- (كل مسكر خمر).\nوالميسر: مأخوذ من اليسر وهو القمار، وكسب المال على وجه المخاطرة والمراهنة والمغالبة التي يكون فيها عوض من الطرفين، ويكون الطرفان فيها بين غانم وغارم.\n• قال السعدي: وأما الميسر: فهو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين، من النرد، والشطرنج، وكل مغالبة قولية أو فعلية، بعوض سوى مسابقة الخيل، والإبل، والسهام، فإنها مباحة، لكونها معينة على الجهاد، فلهذا رخص فيها الشارع.\n• وقدم الخمر على الميسر، لأنه أكثر انتشارًا، وأعم ضررًا، ولأنه يذهب العقل مع المال.\n(قُلْ) أي: قل لهم محمد.\n(فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) أي: ذنب عظيم في الدين، وكبيرة من كبائر الذنوب يستوجب العقوبة الشديدة، لأنهما رجس من عمل الشيطان يسبب العداوة والبغضاء.\nفالخمر فيه إزالة العقل الذي هو من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان وميزه به.\nوأما الميسر فلما فيه من المقامرة والمخاطرة، وأكل أموال الناس بالباطل، وتعريض النفس للإضطرابات النفسية.\n(وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) أي: وفيهما منافع للناس دنيوية فقط.\nفالمنافع في الخمر ما فيها من اللذة والنشوة والطرب، وكذا ما فيها من منافع ثمنها والاتجار بها.\nوأما منافع الميسر فهي ما فيها من الترويح عن النفس، والكسب لمن حالفه الحظ في هذه المقامرة، وكون المال يجلب لبعضهم من غير تعب.","vol":"2","page":242},{"text":"• قال ابن كثير: أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، من حيث إن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراجَ الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذّة الشدّة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:\nونشربها فتتركنا ملوكًا … وأسْدًا لا يُنَهْنهها اللقاءُ\nوكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كان يُقَمِّشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرّته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال:\n(وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) فإثمهما كبير وكثير، لا تساويه تلك المنافع، وذلك لأن إثمهما وضررهما في الدين، ومنافعهما في\nالدنيا فقط، ومنافع الدنيا كلها لا تساوي شيئًا بالنسبة للدين.\n• أي أن المفاسد والاضرار التي تترتب على تعاطيهما، أعظم من المنافع التي تنشأ عن تعاطيهما، إذ تعاطيهما يؤدى إلى منفعة بعض الناس، أما مضارهما فكثيرة، من ذلك أن تعاطى الخمر يضعف الضمير، ويفسد الأخلاق، ويميت الحياء، ويفقد الرشد ويتلف المال، ويغرى بالتنازع بين الناس، ويتسبب - كما قال الأطباء الثقاة - في كثير من الأمراض كأمراض الكبد والرئتين والقلب .. إلخ.\n• أما تعاطى الميسر فمن مضاره -كما قال بعض العلماء- إفساد التربية بتعويد النفس الكسل، وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية، وإضعاف القوة العقلية، بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب الطبيعية، وإهمال المقامرين للزراعة والتجارة والصناعة التي هي أركان العمران، وتخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة، فكم من عشيرة كبيرة نشأت في العز والغنى وانحصرت ثروتها في رجل أضاعها عليها في ليلة واحدة فأصبحت غنية وأمست فقيرة.\nإذن فالمنافع الدنيوية التي تعود إلى بعض الناس من تعاطى الخمر والميسر لا تساوي شيئًا.","vol":"2","page":243},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-702> وهذه الآية نزلت تمهيدًا وتعريضًا بتحريم الخمر، فإن الخمر نزل على مراحل حتى حرم بتاتًا:</span>\nففي هذه الآية التعريض بتحريمها، فكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمه حيث إن العقل يقتضي أن لا يمارس شيئًا إثمه أكبر من نفعه.\nثم نزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات وهي أوقات الصلوات.\nثم نزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).\nعن عمر أنَّه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت هذه الآية التي في البقرة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) فدُعي عمر فقرئتْ عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) فكان منادي رسول الله -ﷺ- إذا أقام الصلاة نادى: ألا يقربنّ الصلاة سكرانُ. فدُعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في المائدة. فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)؟ قال عمر: انتهينا، انتهينا) رواه أحمد.\n• فيرى كثير من العلماء أن هذه الآية هي أول آية نزلت في الخمر. ثم نزلت الآية التي في سورة النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ثم نزلت الآية التي في سورة المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.\nويرى بعض العلماء أن أول آية نزلت في الخمر هي قوله تعالى في سورة النحل: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا.","vol":"2","page":244},{"text":"وعلى هذا الرأي سار صاحب الكشاف وتبعه بعض العلماء، فقد قال: نزلت في الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا فكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم. ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا: يا رسول اللّه، أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت: (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) فشربها قوم وتركها آخرون.\n\n•<span data-type='title' id=toc-703> وهذا من حكم نزول القرآن مفرقًا، فمن هذه الحكم:</span>\nأولًا: تثبيت قلب النبي -ﷺ-.\nلقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا).\nثانيًا: أن يسهل على الناس حفظه وفهمه والعمل به، حيث يقرأ عليهم شيئا فشيئًا.\nلقوله تعالى (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا).\nثالثًا: تنشيط الهمم لقبول ما نزل من القران وتنفيذه، حيث يتشوق الناس بلهف وشوق إلى نزول الآية، لا سيما عند اشتداد الحاجة إليها كما في آيات الإفك واللعان.","vol":"2","page":245},{"text":"رابعًا: التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال، كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه، ألفوه، وكان من الصعب عليهم أن يجابهوا بالمنع منه منعا باتًا. [الأربعاء: ٢٧/ ١٢/ ١٤٣٢ هـ]\n(وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) أي: ويسألك أصحابك يا محمد ما الذي ينفقون.\n(قُلِ الْعَفْوَ) أي: الفضل، وما لا يبلغ الجهد واستفراغ الوسع.\nوالمعنى: أنفقوا ما يفضل عن حاجتكم ولا يشق عليكم.\nعن أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول). متفق عليه\n(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ) أي: مثل ذلك البيان والإيضاح والتفصيل لحكم الخمر والميسر وبيان قدر المنفَق.\n(يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ) أي: يوضح لكم الآيات ويفصلها في سائر الأحكام كما قال تعالى (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وقال تعالى (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ).\n(لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (لعل) للتعليل، أي: لأجل أن تتفكروا، والتفكر: إعمال الفكر والعقل، والتأمل والنظر والتدبر.\n(فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي: لعلكم تتفكرون فيما هو أنفع لكم في الدنيا والآخرة من البعد عن الخمر والميسر، ومن إنفاق العفو، وتتفكرون في الدنيا وأنها دار ابتلاء وعمل، دار حقيرة، نهايتها الزوال والفناء، وتتفكرون في الآخرة وقربها، وعظم مكانتها، وأنها دار ثواب وجزاء، وخلود وبقاء (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).\nوقال تعالى (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ).\n(وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) أي: ويسألك أصحابك يا محمد عن اليتامى، كيف يعاملونهم، إشفاقًا منهم وخوفًا من التقصير في حقوقهم.\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ (لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وَ(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا)، الآيَةَ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)، فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِه) رواه أبو داود.","vol":"2","page":246},{"text":"(قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) أي: عمل الأصلح لهم، أو اعملوا الأصلح لهم في أنفسهم وأموالهم وغير ذلك، من تربيتهم وتعليمهم وتأديبهم وحفظ أموالهم وتنميتها.\n(وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) أي: وإن تخالطوهم في طعامهم وأموالهم، وتخلطوا أموالهم مع أموالكم فتتجروا فيها جميعًا فهم إخوانكم في الدين أو في النسب أو فيهما جميعًا.\n(وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) أي: والله تعالى أعلم وأدرى بمن يقصد بمخالطتهم الخيانة والإفساد لأموالهم، ويعلم كذلك من يقصد لهم الإصلاح فيجازي كلًا بعمله.\nقال ابن كثير: أي: يعلم من قَصدُه ونيته الإفساد أو الإصلاح.\n• قال ابن عاشور: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) وعد ووعيد، لأن المقصود من الإخبار بعلم الله الإخبار بترتب آثار العلم عليه.\nوفي هذا إشارة إلى أن ما فعله بعض المسلمين من تجنب التصرف في أموال اليتامى تنزه لا طائل تحته، لأن الله يعلم المتصرف بصلاح والمتصرف بغير صلاح.\nوفيه أيضًا ترضية لولاة الأيتام فيما ينالهم من كراهية بعض محاجيرهم وضربهم على أيديهم في التصرف المالي وما يلاقون في ذلك من الخصاصة، فإن المقصد الأعظم هو إرضاء الله تعالى لا إرضاء المخلوقات، وكان المسلمون يومئذٍ لا يهتمون إلاّ بمرضاة الله تعالى وكانوا يحاسبون أنفسهم على مقاصدهم.\nوفي هذه إشارة إلى أنه ليس من المصلحة أن يعرض الناس عن النظر في أموال اليتامى اتقاء لألسنة السوء، وتهمة الظن بالإثم فلو تمالأ الناس على ذلك وقاية لأعراضهم لضاعت اليتامى، وليس هذا من شأن المسلمين، فإن على الصلاح والفساد دلائل ووراء المتصرفين عدالة القضاة وولاة الأمور يجازون المصلح بالثناء والحمد العلن، ويجازون المفسد بالبعد بينه وبين اليتامى وبالتغريم بما أفاته بدون نظر.","vol":"2","page":247},{"text":"(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ) أي: ولو شاء الله لشدد عليكم وشق عليكم وأحرجكم، فيما شرعه لكم من أمر اليتامى وغيره، ومن ذلك أن يحظر عليكم مخالطتهم في طعامهم وشرابهم وأموالهم ولكنه تعالى خفف عنكم، فطلب منكم الإصلاح لليتامى ما استطعتم.\n(إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) له معان العزة كاملة.\n(حَكِيمٌ) في أقواله وأحكامه يضع الأمور مواضعها.\n• قال أبو حيان: في وصفه تعالى بالعزة، وهو الغلبة والاستيلاء، إشارة إلى أنه مختص بذلك لا يشارك فيه، فكأنه لما جعل لهم ولاية على اليتامى نبههم على أنهم لا يقهرونهم، ولا يغالبونهم، ولا يستولون عليهم استيلاء القاهر، فإن هذا الوصف لا يكون إلاَّ لله.\nوفي وصفه تعالى بالحكمة إشارة إلى أنه لا يتعدّى ما أذن هو تعالى فيهم وفي أموالهم، فليس لكم نظر إلاَّ بما أذنت فيه لكم الشريعة، واقتضته الحكمة الإلهية. إذ هو الحكيم المتقن لما صنع وشرع، فالإصلاح لهم ليس راجعًا إلى نظركم، إنما هو راجع لاتباع ما شرع في حقهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-704>الفوائد:</span>\n١ - حرص الصحابة على معرفة ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.\n٢ - عظم إثم الخمر والميسر.\n٣ - أن في الخمر بعض المنافع.\n٤ - أن دفع المضار والمفاسد مقدم على جلب المصالح.\n٥ - أن الخمر أشد ضررًا على الميسر، لهذا قدم في الذكر.\n٦ - أن الإنفاق إنما يكون مما فضل عن حاجة المنفق وأهله.\n٧ - فضل الإنفاق.\n٨ - أن الحكمة من إنزال الآيات وتبيينها وتفصيلها التفكر في آيات الله.\n٩ - عناية الإسلام في اليتامى.\n١٠ - الحث على الإصلاح لليتامى في أنفسهم وأموالهم.\n١١ - إثبات مبدأ الإخوة الدينية في الإسلام.\n١٢ - إثبات علم الله، وفي هذا وعيد للمفسد وتحذير من الإفساد، ووعد للمصلح وترغيب في الإصلاح.","vol":"2","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-705>(وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١».</span> [البقرة: ٢٢١].\n<hr><s0>\n\n(وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) هذا تحريم من الله ﷿ على المؤمنين أن يتزوّجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن كان عمومُها مرادًا، وأنَّه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خَص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ).\n(وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) أي: ولامرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة خير وأفضل من مشركة ولو أعجبتكم هذه المشركة بجمالها وحسبها ومالها، فكل هذا لا قيمة له ولا يساوي شيئًا مع الإشراك بالله تعالى وفقدان الدين، فالمؤمنة طيبة والمشركة خبيثة وقد قال تعالى (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ).\n• قال ابن الجوزي: وفي المراد بالأمة قولان:\nأحدهما: أنها المملوكة، وهو قول الأكثرين، فيكون المعنى: ولَنكاح أمَة مؤمنة خير من نكاح حرة مشركة.\nوالثاني: أنها المرأة، وإن لم تكن مملوكة، كما يقال: هذه أمة الله، وهذا قول الضحاك، والأول أصح.\n• قال الشوكاني مرجحًا أن المراد (الأمَة): لأنه الظاهر من اللفظ، ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرّة المشركة يستفاد منه تفضيل الحرّة المؤمنة على الحرّة المشركة بالأولى.\n• وقال ابن عاشور: ووقع في (الكشاف) حمل الأمة على مطلق المرأة، لأن الناس كلهم إماء الله وعبيده وأصله منقول عن القاضي أبي الحسن الجرجاني كما في القرطبي وهذا باطل من جهة المعنى ومن جهة اللفظ، أما المعنى فلأنه يصير تكرارًا مع قوله (ولا تنكحوا المشركات) إذ قد علم الناس أن المشركة دون المؤمنة، ويُفيت المقصود من التنبيه على شرفِ أقلِّ أَفرادِ أحد الصنفين على أشرَف أفراد الصنف الآخر، وأما من جهة اللفظ فلأنه لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة، ولا إطلاق العبد على الرجل إلاّ مقيَّدين بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم يا عبدَ الله ويا أمةَ الله، وكونُ الناس إماءَ الله وعبيدَه إنما هو نظر للحقائق لا للاستعمال، فكيف يخرَّج القرآن عليه.\n• قوله تعالى (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ …) الأمَة تطلق على المرأة كما في حديث ابن عمر. أن رسول الله -ﷺ- قال (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) متفق عليه، وتطلق الأمة على المملوكة كما في قوله -ﷺ- (ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها).","vol":"2","page":249},{"text":"ولهذا قال -ﷺ- (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك).\nوقال -ﷺ- (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة) رواه مسلم.\n(وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) أي: لا تُزَوّجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات، كما قال تعالى (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ\nيَحِلُّونَ لَهُنَّ)، والخطاب للمؤمنين، وبخاصة أولياء الأمور منهم.\nلأن للزوج ولاية على الزوجة كما قال تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فلا يجوز أن يكون لمشرك ولاية على مؤمنة، قال تعالى (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا).\n• قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام، وأجمع القراء على ضم التاء من تنكحوا.\n• وقال الرازي: فلا خلاف ههنا أن المراد به الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفرة.\n• وفي الآية دليل على اشتراط الولي في النكاح.\n(وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ) أي: ولعبد مؤمن حرًا كان أو مملوكًا خير وأفضل من مشرك خيرية مطلقة من جميع الوجوه.\n(وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) الواو: حالية، أي: ولو أعجبكم وسركم المشرك بمظهره أو بماله، أو بمنصبه ونحو ذلك كما قال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ).\n(أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) هذه الجملة كالتعليل لما قبلها، أي: معاشَرتهم ومخالطتهم تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة.","vol":"2","page":250},{"text":"• قال السعدي: ويستفاد من تعليل الآية، النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع، لأنه إذا لم يجز التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة فالخلطة المجردة من باب أولى، وخصوصًا الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم، كالخدمة ونحوها.\n(وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ) أي: والله يدعو بما أرسل به الرسل من الوحي والشرع، والأمر والنهي إلى الجنة، دار السلام كما قال تعالى (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).\n(وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) أي: ويدعو إلى مغفرة الذنوب، كما قال تعالى (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً).\n(وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي: ويوضح ويبين ويفصل آياته الشرعية والكونية (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي: لأجل أن يتذكروا ويتعظوا بما فيها من الوعد والوعيد ونحو ذلك، ويمتثلوا ما فيها من الأمر والنهي، فيثابوا بالجنة والمغفرة بإذنه ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-706>الفوائد:</span>\n١ - تحريم نكاح المؤمنين للمشركات، وسبق أنه خص من ذلك الكتابيات.\n٢ - إذا آمنت المشركة جاز نكاحها.\n٣ - أن المؤمنة حرة كانت أو كتابية خير من المشركة خيرية مطلقة من جميع الوجوه.\n٤ - تحريم تزويج المشركين بالمؤمنات.\n٥ - يشترط لصحة النكاح الولي.\n٦ - إذا آمن المشرك جاز تزويجه.\n٧ - عدم الاغترار بمظاهر المشركين والمشركات.\n٨ - أن الميزان المعتبر في تفاضل الناس هو الدين والإيمان.\n٩ - التحذير من المشركين ومخالطتهم، لأنهم دعاة إلى النار.\n١٠ - إقامة الله الحجة على الناس. [السبت/ ١/ ١/ ١٤٣٣ هـ]","vol":"2","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-707>(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣».</span> [البقرة: ٢٢٢ - ٢٢٣].\n<hr><s0>\n\n(وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) أي: ويسألونك يا محمد عن إتيان النساء في حالة الحيض أيحل أم يحرم؟\n• قال ابن عاشور: والباعث على السؤال أن أهل يثرب قد امتزجوا باليهود واستنوا بسنتهم في كثير من الأشياء، وكان اليهود يتباعدون عن الحائض أشد التباعد بحكم التوراة.\n(قُلْ هُوَ أَذىً) أي: قذر نتن نجس، قدره الله على النساء، ولهذا أوجب الشرع على الحائض الاغتسال بعد انقطاعه، ومنعت بسببه الحائض من الصلاة والصوم والطواف ومس المصحف.\n(فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) أي: فاجتنبوا جماع النساء الحائضات في مكان الحيض وهو الفرج، وقت الحيض.\n• قال الشوكاني: والمراد من هذا الاعتزال: ترك المجامعة لا ترك المجالسة، أو الملامسة، فإن ذلك جائز، بل يجوز الاستمتاع منها بما عدا الفرج.\nعَنْ أَنَسٍ (أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبيِّ -ﷺ- النَّبيَّ -ﷺ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ) رواه مسلم (النكاح: الجماع).\nوفي هذا إبطال لما عليه اليهود في معاملة الحائض، حيث إنهم لا يؤاكلونها ولا يجتمعون معها في البيوت، فلا يحرم من الحائض إلا جماعها في الفرج.\nعن عائشة. قالت (كان رسول الله -ﷺ- يتكئ في حجري، وأنا حائض فيقرأ القرآن) متفق عليه.\n(وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) أي: حتى يطهرن من الدم، وفي قراءة (حتى يَطّهّرنَ) أي: حتى يغتسلن، أي: لا تجامعونهن حتى ينقطع الدم عنهن ويغتسلن.\nوبسبب اختلاف القراء اختلف أهل العلم، فذهب الجمهور إلى أن الحائض لا يحل وطؤها لزوجها حتى تتطهر بالماء، وذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز بمجرد انقطاع الدم.\n• قال الشوكاني: … والأولى أن يقال: إن الله سبحانه جعل للحلّ غايتين كما تقتضيه القراءتان: إحداهما: انقطاع الدم، والأخرى: التطهر منه، والغاية الأخرى مشتملة على زيادة على الغاية الأولى، فيجب المصير إليها. وقد دلّ أن الغاية الأخرى هي المعتبرة. قوله تعالى بعد ذلك (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) فإن ذلك يفيد أن المعتبر التطهر، لا مجرد انقطاع الدم، وقد تقرر أن القراءتين بمنزلة الآيتين، فكما أنه يجب الجمع بين الآيتين المشتملة إحداهما على زيادة بالعمل بتلك الزيادة، كذلك يجب الجمع بين القراءتين.","vol":"2","page":252},{"text":"(فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) أي: اغتسلن بالماء.\n(فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) أي: فجامعوهن في المكان الذي أمركم الله بإتيانهن فيه وأحله لكم وهو الفرج كما قال تعالى (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)، وقيل: طاهرات غير حيّض.\n• قال ابن عاشور: وقوله (فأتوهن) الأمر هنا للإباحة لا محالة لوقوعه عقب النهي مثل (وإذا حللتم فاصطادوا).\n(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) تعليل لما سبق من الأمر باعتزال النساء في المحيض وعدم جماعهن حتى يطهرن.\nوالتوابين جمع تواب على وزن (فعال) صيغة مبالغة تفيد الكثرة.\nوالتوبة هي الإنابة والرجوع إلى الله، من معصيته إلى طاعته.\n• وفي الآية فضل عظيم للتوبة.\nعن أبي هريرةَ -﵁- قَالَ: سمعْتُ رسولَ الله -ﷺ-، يقول (والله إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله وأَتُوبُ إِلَيْه في اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة). رواه البخاري\nوعن الأَغَرِّ بنِ يسار المزنِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلى اللهِ واسْتَغْفِرُوهُ، فإنِّي أتُوبُ في اليَومِ مئةَ مَرَّة). رواه مسلم\nوعن أبي حمزةَ أنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ -﵁- خادِمِ رسولِ الله -ﷺ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: «للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرهِ وقد أضلَّهُ في أرضٍ فَلاة) مُتَّفَقٌ عليه.\nوعن أبي موسَى عبدِ اللهِ بنِ قَيسٍ الأشْعريِّ -﵁-، عن النَّبيّ -ﷺ-، قَال (إنَّ الله تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بالليلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها) رواه مسلم.","vol":"2","page":253},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-708> فضائل التوبة:</span>\nأولًا: أن التوبة سبب الفلاح، والفوز بسعادة الدارين.\nقال تعالى (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يتلذذ، ولا يسر، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه، والإنابة إليه.\nثانيًا: بالتوبة تكفر السيئات: فإذا تاب العبد توبة نصوحًا كفَّر الله بها جميع ذنوبه وخطاياه.\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ).\nثالثًا: بالتوبة تبدل السيئات حسنات: فإذا حسنت التوبة بدَّل الله سيئات صاحبها حسنات.\nقال تعالى (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).\nوهذا من أعظم البشارة للتائبين إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح.\nرابعًا: التوبة سبب للمتاع الحسن، ونزول الأمطار، وزيادة القوة، والإمداد بالأموال والبنين.\nقال تعالى (وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَه).\nوقال تعالى على لسان هود ﵇ (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ).\nوقال على لسان نوح -﵇- (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).\nخامسًا: أن الله يحب التوبة والتوابين، فعبودية التوبة من أحب العبوديات إلى الله وأكرمها؛ كما أن للتائبين عنده ﷿ محبة خاصة.","vol":"2","page":254},{"text":"قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).\nسادسًا: أن الله يفرح بتوبة التائبين.\nكما في حديث أنس السابق (لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم ....).\n(وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) أي: ويحب المتطهرين من الأذى والنجاسات الحسية.\nفجمعوا بين طهارة الباطن بالتطهر من النجاسات المعنوية ومن الشرك والمعاصي، وبين طهارة الظاهر بالتطهر من النجاسات الحسية باعتزال النساء في المحيض وفي أدبارهن.\n(نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) أي: زوجاتكم أيها المؤمنون (حرث لكم) أي: موضع حرث وزرع وبذر لكم تضعون فيه هذا الماء الدافق فيخرج الولد بإذن الله.\n(فَأْتُوا حَرْثَكُمْ) أي: موضع حرثكم وهو الفرج.\n(أَنَّى شِئْتُمْ) أي: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة ما دمت تأتي الحرث، والحرث موطن الزرع وهو الفرج.\nعن جَابر قال (كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِى قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ).","vol":"2","page":255},{"text":"• قال الشنقيطي: (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) لم يبين هنا هذا المكان المأمور بالإتيان منه المعبر عنه بلفظه \" حيث \" ولكنه بين أن المراد به الإتيان في القبل في آيتين.\nإحداهما: هي قوله هنا (فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ) لأن قوله (فَأْتُواْ) أمر بالإتيان بمعنى الجماع، وقوله (حَرْثَكُمْ) يبين أن الإتيان المأمور به إنما هو في محل الحرث، يعني بذر الولد بالنطفة، وذلك هو القبل دون الدبر كما لا يخفى؛ لأن الدبر ليس محل بذر للأولاد، كما هو ضروري.\nالثانية: قوله تعالى (فالآن بَاشِرُوهُنَّ وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ) لأن المراد بما كتب الله لكم الولد، على قول الجمهور، وهو اختيار ابن جرير، وقد نقله عن ابن عباس، ومجاهد، والحكم، وعكرمة والحسن البصري، والسدي، والربيع، والضحاك بن مزاحم، ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما هو بالجماع في القبل، فالقبل إذن هو المأمور بالمباشرة فيه، بمعنى الجماع، فيكون معنى الآية: فالآن باشروهن، ولتكن تلك المباشرة في محل ابتغاء الولد، الذي هو القبل دون غيره، بدليل قوله (وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ) يعني الولد.\n• وفي الآية تحريم إتيان الزوجة في دبرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-709>وقد جاءت أحاديث في ذلك يقوي بعضها بعضًا:</span>\nقال -ﷺ- (إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن) رواه الدارمي، والطحاوي، والخطابي وسنده صحيح\nوقال -ﷺ- (إن الله لا ينظر إلى رجلٍ يأتي امرأته في دبرها) رواه النسائي والترمذي وابن حبان وسنده حسن، وحسنه الترمذي، وصححه ابن راهويه.\nوقال -ﷺ- (ملعون من يأتي النساء في محاشّهن. يعني: أدبارهن) رواه ابن عدي بسند حسن.\nوقال -ﷺ- (من أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنًا فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أُنزل على محمد) رواه الترمذي.\n(وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) أي: من التقرب إلى الله بفعل الخيرات، ومن ذلك أن يباشر الرجل امرأته ويجامعها على وجه القربة والاحتساب، وعلى رجاء تحصيل الذرية الذين ينفع الله بهم.\n(وَاتَّقُوا اللَّهَ) وذلك باجتناب نواهيه عمومًا، وفي أمر النساء خصوصًا.\n(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ) أي: واعلموا أنكم ملاقوه يوم القيامة، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم عليها.\nكما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ).","vol":"2","page":256},{"text":"وقال تعالى (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).\n(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: وبشر يا محمد المؤمنين بشارة مطلقة في الدنيا والآخرة بما يسرهم.\nكما قال تعالى (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ).\nوقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\n• قال السعدي: قوله تعالى (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) لم يذكر المبشر به ليدل على العموم، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير رتب على الإيمان فهو داخل في هذه البشارة، وفيها محبة الله للمؤمنين، ومحبة ما يسرهم، واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.\n\n<span data-type='title' id=toc-710>الفوائد:</span>\n١ - حرص الصحابة على العلم.\n٢ - أن الحيض قذر وأذى.\n٣ - تعليل الأحكام الشرعية.\n٤ - تحريم جماع المرأة حال الحيض.\n٥ - تحريم الوطء بعد الطهر قبل الغسل.\n٦ - جواز وطء المرأة في فرجها من ورائها.\n٧ - تحريم الوطء في الدبر.\n٨ - إثبات المحبة لله تعالى.\n٩ - محبة الله للمتطهرين.\n١٠ - فضل التوبة.\n١١ - وجوب تقوى الله.\n١٢ - تهديد الإنسان من المخالفة.\n١٣ - البشارة للمؤمنين.\n١٤ - فضيلة الإيمان حيث علق البشارة عليه.","vol":"2","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-711>(وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤».</span> [البقرة: ٢٢٤].\n<hr><s0>\n\n(وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، كقوله تعالى (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، فالاستمرار على اليمين آثَمُ لصاحبها من الخروج منها بالتكفير.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ) قال: لا تجعلن عرضة ليمينك ألا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير.\nوهكذا قال مسروق، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعكرمة، ومكحول، والزهري، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي. ويؤيد ما قاله هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- (إني والله -إن شاء الله -لا أحلف على يمين فأرى\nغيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها).\nوثبت فيهما أيضًا أن رسول الله -ﷺ- قال لعبد الرحمن بن سمرة (يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك).\n• قوله تعالى (أَنْ تَبَرُّوا) أي: أن تعملوا الخير (وَتَتَّقُوا) المراد بها هنا اجتناب النواهي لذكر البر قبلها وهو فعل الأمر (وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) أي: التوفيق بين المتنازعين والمتخاصمين.\n• والإصلاح بين الناس من أعمال البر، وخص بالذكر لفضله وعظيم أثره، لأنه من النفع المتعدي، ولأن فساد ذات البين من أعظم وأخطر ما يقع بين الناس، ولهذا قال تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ).","vol":"2","page":258},{"text":"(وَاللَّهُ سَمِيعٌ) أي: لجميع الأصوات.\n(عَلِيمٌ) بالمقاصد والنيات، ومنه سماعه لأقوال الحالفين، وعلمه بمقاصدهم هل هي خير أم شر.\n\n<span data-type='title' id=toc-712>الفوائد:</span>\n١ - نهي الإنسان أن يجعل اليمين مانعة له من فعل البر والتقوى والإصلاح.\n٢ - الحث على البر والتقوى والإصلاح بين الناس.\n٣ - فضيلة الإصلاح بين الناس، لأنه نص عليها بعد التعميم، والتنصيص على الشيء بعد التعميم يدل على العناية به والاهتمام به.\n٤ - يستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة، أنه \" إذا تزاحمت المصالح، قدم أهمها \" فهنا تتميم اليمين مصلحة، وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء، مصلحة أكبر من ذلك، فقدمت لذلك.\n٥ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم.","vol":"2","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-713>(لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥».</span> [البقرة: ٢٢٥].\n<hr><s0>\n\n(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) أي: لا يعاقبكم الله بما صدر منكم من لغو الأيمان، أي: لا يلزمكم بها ولا بكفارتها.\nولغو اليمين: ما يجري على اللسان من غير قصد اليمين ولا توكيدها، كقول الرجل: لا والله، وبلى والله.\nقالت عائشة في قوله تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) هي في قول الرجل: لا والله، وبلى والله) رواه البخاري.\n(وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) أي: ولكن يؤاخذكم بما قصدتم إليه وعقدتم القلب عليه من الأيمان إذا حنثم، كما قال تعالى في المائدة (ولَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ).\nكأن يحلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب، وهي اليمين الغموس، وهذا متوعد عليه بالنار.\nوكأن يحلف على شيء أن يفعله أو لا يفعله ثم يحنث في يمينه فعليه الكفارة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-714> واليمين الغموس من الكبائر:</span>\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبيِّ -ﷺ- قَالَ (الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ). رواه البخاري\nعَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ (مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ). فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ) رواه مسلم.\nوعن ابْن مَسْعُودٍ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ [وفي رواية هو فيها فاجر] لَقِىَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) إِلَى آخِرِ الآيَةِ) متفق عليه.\nوعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (ثَلَاثٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ) متفق عليه.\nوهذا لا كفارة لها عند جماهير العلماء، قال ابن قدامة: وهو قول أكثر أهل العلم.\n• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الأكثرون فقالوا: هذه أعظم من أن تكفر، وهذا قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، قالوا: والكبائر لا كفارة فيها كما لا كفارة في السرقة والزنا وشرب الخمر.","vol":"2","page":260},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-715> اليمن المنعقدة، وهي التي تجب فيها الكفارة:</span>\nكأن يحلف على شيء أن يفعله أو لا يفعله، ثم يحنث في يمينه، فعليه الكفارة (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-716> تجب الكفارة بشروط:</span>\n<span data-type='title' id=toc-717>الشرط الأول: الحنث.</span>\nوهو: أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله مختارًا.\nمثال: لو أن رجلًا قال: والله لأصومن غدًا، فلما جاء الغد صام، فإنه لا كفارة عليه لأنه لم يحنث.\n\n<span data-type='title' id=toc-718>الشرط الثاني: أن يحلف مختارًا.</span>\nفإن كان مكرهًا فلا تنعقد يمينه وهذا مذهب الجمهور.\nلقوله -ﷺ- (إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-719>الشرط الثالث: القصد.</span>\nلأنه لا مؤاخذة إلا بقصد ونية، ولذلك أسقط الله ﵎ الكفارة في لغو اليمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-720>الشرط الرابع: أن تكون على مستقبل.</span>\nفلا كفارة على أمر ماض، لأنه إن كان صادقًا فالأمر ظاهر [قد برت يمينه] وإن كان كاذبًا فهو آثم [وهي اليمين الغموس كما سبق].\n\n<span data-type='title' id=toc-721>الشرط الخامس: العقل.</span>\nفإن كان مجنونًا فلا يعتد بيمينه، لأنه لا قصد له، ولحديث (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق).\n\n<span data-type='title' id=toc-722>الشرط السادس: البلوغ</span>\nالصبي لا يخلو من حالين:\nأن كان غير مميز فلا عبرة بيمينه.\nأن يكون مميزًا لكنه لم يبلغ، فالراجح لا تجب عليه الكفارة إذا حنث.","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-723>الشرط السابع: ذاكرًا.</span>\nفلو حنث ناسيًا فلا شيء عليه، كأن يقول: والله لا أسافر إلى مكة، ثم نسي فسافر إلى مكة، فإنه لا يحنث، لكن لا تنحل يمينه بل لا تزال باقية.\nوالكفارة: قال تعالى (فكفارتهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ).\n• فالثلاثة الأولى على التخيير (إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة).\nفإن لم يجد فإنه ينتقل لصيام ثلاثة أيام، فلا يجوز أن يصوم وهو قادر على الإطعام أو الكسوة أو العتق.\n(وَاللَّهُ غَفُورٌ) أي: ذو مغفرة واسعة لذنوب عباده.\n(حَلِيمٌ) لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يمهله لعله يتوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-724>الفوائد:</span>\n١ - عدم مؤاخذة العبد بما لم يقصده في لفظه.\n٢ - أن اليمين تنقسم إلى قسمين منعقدة وغير منعقدة.\n٣ - أن المدار على ما في القلوب.\n٤ - إثبات هذين الاسمين: الغفور والحليم.","vol":"2","page":262},{"text":"<span data-type='title' id=toc-725>(لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧».</span> [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧].\n<hr><s0>\n\n(لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) أي: يحلفون على ترك الجماع من نسائهم.\n• الإيلاء: هو الحلف على ترك جماع زوجته أكثر من أربعة أشهر.\n• فيه دلالة على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء كما هو مذهب الجمهور.\n(تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أي: ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق.\n• اختلف العلماء إن حلف أربعة أشهر فأقل هل يسمى إيلاء أم لا؟\nرجح بعض العلماء أنه يسمى إيلاء، لأن الله يقول (تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فأثبت الله الإيلاء لكن جعل المدة التي ينظرون فيها أربعة أشهر، فإذا حلف أن لا يطأ زوجته ثلاثة أشهر فهو إيلاء، فإذا انتهت المدة انحلت اليمين.\n• واختلف العلماء متى تبدأ مدة الإيلاء، والصحيح أنها تبدأ من الإيلاء لا من المطالبة، لقوله تعالى (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فجعل الله التربص مقرونًا بالوصف وهو الإيلاء، ويثبت هذا الوصف من اليمين، لأنه من حين أن يحلف يصدق عليه بأنه مولٍ.\n• قال القرطبي: وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدّم، فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدّة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر؛ لقوله تعالى (واهجروهن فِي المضاجع) وقد آلى النبي -ﷺ- من أزواجه شهرًا تأديبًا لهنّ. وقد قيل: الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها؛ وقد روي أن عمر بن الخطاب -﵁- كان\nيطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشِد:\nألا طال هذا اللّيْلُ واسود جانبُه … وأرّقَنِي أن لا حَبِيبَ ألَاعِبُهْ\nفواللّهِ لولا اللَّهُ لا شيءَ غيره … لزُعْزِعَ من هذا السّريرِ جوانِبُهْ\nمخافةَ ربّي والحَيَاءُ يكفّني … وإكرامَ بَعْلِي أن تُنال مراكِبُهْ","vol":"2","page":263},{"text":"فلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها: أين زوجك؟ فقالت: بعثتَ به إلى العراق! فاستدعى نساء فسألهنّ عن المرأة كم مقدار ما تصبِر عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويَقلّ صبرها في ثلاثة أشهر، وينفَدُ صبرُها في أربعة أشهر، فجعل عمر مدّة غزوِ الرجل أربعة أشهر؛ فإذا مضت أربعةُ أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين؛ وهذا والله أعلم يقوِّي اختصاص مدّة الإيلاء بأربعة أشهر.\n(فَإِنْ فَاءُوا) أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه، وهو كناية عن الجماع، قاله ابن عباس، ومسروق والشعبي، وسعيد بن جبير، وغير واحد، ومنهم ابن جرير ﵀.\n(فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) أي: لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين.\nوفي ختم الآية بقوله (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ترغيب بالفيء والعود إلى جماع الزوجة والإحسان إليها، لأنه أحب إلى الله.\n(رَحِيمٌ) حيث جعل لأيمانهم كفارة وتحلة، ولم يجعلها لازمة لهم، غير قابلة للانفكاك.\n(وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ) أي: قصدوا الطلاق، أي: طلاق زوجاتهم اللاتي مضى على إيلائهم منهن أربعة أشهر.\n• وفي هذا دلالة على أنه لا يقع الطلاق بمجرد مضي أربعة أشهر على الإيلاء، وهذا مذهب جماهير العلماء، فإذا انقضت المدة يخيّر الحالف إما أن يفيء (يرجع) وإما أن يطلق، فإن أبى أن يطلق أمره الحاكم بالطلاق إذا طلبت المرأة، لأن الحق لها.\n(فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) ذو سمع تام يسمع جميع الأصوات.\n(عَلِيمٌ) ذو علم واسع يعلم كل شيء، كما قال تعالى (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا).\n• وفي ختم الآية بذلك ما يشبه التخويف والتحذير، وذلك لعظم أمر الطلاق وبغضه عند الله، ولوجوب مراعاة أحكامه، والإشارة إلى أنه خلاف الأولى.","vol":"2","page":264},{"text":"• قال السعدي: قوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) فيه وعيد وتهديد، لمن يحلف هذا الحلف، ويقصد بذلك المضارة والمشاقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-726>الفوائد:</span>\n١ - ثبوت حكم الإيلاء.\n٢ - وجوب معاشرة الزوجة بالمعروف.\n٣ - أن للزوجة حقًا في الجماع.\n٤ - أن الإيلاء خاص بالزوجة لقوله (من نسائهم).\n٥ - أن المولي يضرب له مدة أربعة أشهر من إيلائه.\n٦ - أن رجوع الإنسان عما هو عليه من المعصية سبب للمغفرة.\n٧ - أن الله لا يحب الطلاق.\n٨ - إثبات هذه الأسماء لله تعالى: وهي الغفور، والرحيم، والسميع، والعليم.","vol":"2","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-727>(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ (٢٢٨».</span> [البقرة: ٢٢٨].\n<hr><s0>\n\n(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) هذا الأمر من الله ﷾ للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي: بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت.\n• قال ابن عاشور: وجملة (والمطلقات يتربصن) خبرية مراد بها الأمر.\n• الطلاق حل قيد النكاح كله أو بعضه.\n\n<span data-type='title' id=toc-728>قوله تعالى (والمطلقات. . . ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) ظاهره يشمل عموم المطلقات، لكن هذا العموم مخصوص:</span>\nأولًا: الحامل فعدتها الوضع.\nقال تعالى (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).\nثانيًا: المطلقة قبل الدخول فليس لها عدة.\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا).\nثالثًا: الأمَة تعتد بقرءين (أي حيضتين).\nوهذا مذهب الأئمة الأربعة.\nوأما اللواتي لا يحضن لكبر أو صغر فقد بيّن أن عدتهن ثلاثة أشهر في قوله (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ).","vol":"2","page":266},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-729> الحكمة من العدة:</span>\nأولًا: تعظيم حق الزوج، وإتاحة الفرصة له لمراجعتها إذا كان الطلاق رجعيًا.\nثانيًا: التأكد من براءة الرحم وخلوه من الحمل.\nثالثًا: تعظيم أمر عقد النكاح.\nكما قال تعالى (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا).\nوقال -ﷺ- (اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فرجهن بكلمة الله).\n\n•<span data-type='title' id=toc-730> قوله تعالى (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) اختلف العلماء في المراد بالقروء هنا على قولين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-731>القول الأول: هو الحيض.</span>\nوهو مروي عن الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة والصحيح عند الإمام أحمد وهو مذهب الحنفية.\nوتفسير القروء بالحيض مستقر معلوم مستفيض وأدلتهم في ذلك.\nأ-أن الأصل الاعتداد بالحيض، فإن لم يكن فبالأشهر قال تعالى (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا).\nوالمبدل - الحيض - هو الذي يشترط عدمه لجواز إقامة البدل - الأشهر - مقامه، والمبدل هو الحيض فكان هو المراد من القرء.\nب-ظاهر النص في قوله تعالى (والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ …).\nأن العدة ثلاثة، فمن جعل معنى القروء الطهر لم يوجب ثلاثة لأنه يحسب لها الطهر الذي طلقت فيه ولو بقي منه جزء يسير،\nوهذا يخالف ظاهر النص، ومن جعل معناه الحيض فاشترط له ثلاثة كاملة وهذا الموافق للنص.\nج-قوله -ﷺ- (دعي الصلاة أيام أقرائك).\nوالصلاة لا تترك إلا في الحيض، لذلك استعمل لفظ القروء هنا بمعنى الحيض وهو أصل ما تنقضي به العدة، ولفظ القرء لم يستعمل في الشرع إلا للحيض، وحمله في الآية على ذلك متعين.\nد-قوله -ﷺ- (طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان) وفيه تصريح بأن القرؤ هو الحيض، وقد أمرت عائشة ﵂ بريرة أن تعتد ثلاث حيض.\nهـ-ما يدل على الاستبراء هو الحيض، والاستبراء من حكم العدة. والطهر بعد الطلاق لا يدل على براءة الرحم فلا يجوز إدخاله في العدة الدالة على البراءة.","vol":"2","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-732>القول الثاني: هو الطهر.</span>\nوذلك عند الشافعية والمالكية ورواية للحنابلة وهو مروي عن عدد من الصحابة ﵃.\nأ-قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ …).\nأي لوقت عدتهن كقوله تعالى (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) أي: في يوم القيامة، فدل على أنه وقت العدة.\nب-أمره -ﷺ- في حديث ابن عمر لعمر بن الخطاب -﵁- أن يراجع ابن عمر زوجته والحديث الوارد في ذلك عن ابن عمر ﵄ (أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله -ﷺ- فسأل عمر بن الخطاب رسول الله -ﷺ- فقال: مره فليراجعها. ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله ﷿ أن يطلق لها النساء).\nوهنا قد فسر النبي -ﷺ- القرء بالطهر بأن جعله زمان العدة والطلاق؛ لأن الطلاق المأمور به في الطهر فوجب أن يكون الطهر هو العدة دون الحيض.\nوفي رواية أخرى (طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي -ﷺ- قال: مره فليراجعها، قلت: تحتسب؟ قال: أرأيته إن عجز واستحمق؟).\nوعن ابن عمر ﵄ قال (حسبت على تطليقة).\nالراجح: القول الأول القائل بأن معنى القروء الحيض لا الطهر لذهاب أكابر الصحابة رضوان الله عليهم إليه ومنهم الخلفاء الراشدون، وقد رجحه وصوبه جمع من العلماء.\n(وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) أي: حبَل أو حيض.\n• قال الرازي: وذلك لأن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما، أما كتمان الحبل فإن غرضها فيه أن انقضاء عدتها بالقروء أقل زمانًا من انقضاء عدتها بوضع الحمل، فإذا كتمت الحبل قصرت مدة عدتها فتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول، وربما أحبت التزوج بزوج آخر.\nأو أحبت أن يلتحق ولدها بالزوج الثاني، فلهذه الأغراض تكتم الحبل، وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لتبطيل رجعته ولا يتم لها ذلك إلا بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات.","vol":"2","page":268},{"text":"• وقال السعدي: وأما كتمان الحيض، فإن استعجلت فأخبرت به وهي كاذبة، ففيه من انقطاع حق الزوج عنها وإباحتها لغيره، وما يتفرع عن ذلك من الشر، وإن كذبت وأخبرت بعدم وجود الحيض لتطول العدة، فتأخذ منه نفقة غير واجبة عليه،\nبل هي سحت عليها محرمة من وجهين:\nمن كونها لا تستحقه، ومن كونها نسبته إلى حكم الشرع وهي كاذبة، وربما راجعها بعد انقضاء العدة، فيكون ذلك سفاحًا لكونها أجنبية عنه.\n(إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي: إن كن يصدقن بالله واليوم الآخر، وفي هذا تخويف وتحذير لهن من الكتمان.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) شرط أريد به التهديد دون التقييد.\nوالإيمان بالله: هو الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وشرعه.\nوالإيمان باليوم الآخر: هو التصديق بالبعث والحساب والجزاء على الأعمال، وسمي يوم القيامة باليوم الآخر لأنه آخر الأيام.\n• وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الإيمان به واليوم الآخر، لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم ما يحمل الناس على مراقبة الله، ولهذا قال عمر: لولا الإيمان باليوم الآخر لرأيت من الناس غير ما ترى.\n• قال ابن كثير: ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن، لأنه لا يعلم إلا من جهتهن، وتتعذر إقامة البينة غالبًا على ذلك، فرد الأمر إليهن، وتوعدن فيه، لئلا تخبر بغير الحق، إما استعجالًا منها لانقضاء العدة، أو رغبة منها في تطويلها، لما لها في ذلك من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك، من غير زيادة ولا نقصان.\nوَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) أي: وأزواجهن أحق وأولى برجعتهن منهن ومن أوليائهن وغيرهم، فكما أن الطلاق بأيدي الأزواج، فكذلك الرجعة بأيديهم.\n• قال ابن كثير: أي وزوجها الذي طلقها أحق بردتها ما دامت في عدتها.\n• قوله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ) جمع بعل، وهو الزوج كما قال تعالى (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) أي: زوجي.\n• قوله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ) يقتضي أنهن أزواج بعد الطلاق الرجعي.\n• قوله تعالى (فِي ذَلِكَ) الإشارة إلى التربص المفهوم من قوله تعالى (يتربصن).\nوالمعنى: وأزواجهن أحق بإرجاعهن إذا رغبوا في ذلك مادمن في العدة.","vol":"2","page":269},{"text":"• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أرادوا إِصْلَاحًا).\nظاهر هذه الآية الكريمة أن أزواج كل المطلقات أحق بردهن، لا فرق في ذلك بين رجعية وغيرها.\nولكنه أشار في موضع آخر إلى أن البائن لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا).\nوذلك لأن الطلاق قبل الدخول بائن.\nكما أنه أشار هنا إلى أنها إذا بانت بانقضاء العدة لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) لأن الإشارة بقوله (ذَلِكَ) راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه في الآية بثلاثة قروء.\n(إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا) في هذا الإرجاع، ويفهم من هذا أنهم إن لم يريدوا الإصلاح، بل أرادوا المضارة وتطويل العدة عليهن ونحو ذلك، فليسوا أحق بردهن ولا تجوز لهم مراجعتهن.\n• قال الشنقيطي: واشترط هنا في كون بعولة الرجعيات أحق بردهن إرادتهم الإصلاح بتلك الرجعة، في قوله (إِنْ أرادوا إِصْلَاحًا) ولم يتعرض لمفهوم هذا الشرط هنا، ولكنه صرح في مواضع أخر: أن زوج الرجعية إذا ارتجعها لا بنية الإصلاح بل بقصد الإضرار بها لتخالعه أو نحو ذلك، أن رجعتها حرام عليه، كما هو مدلول النهي في قوله تعالى (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا\nلِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تتخذوا آيَاتِ الله هُزُوًا).\nفالرجعة بقصد الإضرار حرام إجماعًا، كما دل عليه مفهوم الشرط المصرح به في قوله (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا).\n(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف.\n• قال ابن عاشور: وكان الاعتناء بذكر ما للنساء من الحقوق على الرجال، وتشبيهه بما للرجال على النساء؛ لأن حقوق الرجال على النساء مشهورة، مسلمة من أقدم عصور البشر، فأما حقوق النساء فلم تكن مما يلتفت إليه أو كانت متهاونًا بها، وموكولة إلى مقدار حظوة المرأة عند زوجها، حتى جاء الإسلام فأقامها.","vol":"2","page":270},{"text":"• قال ابن القيم: فأخبر أن للمرأة من الحق مثل الذي عليها، فإذا كان الجماع حقًا للزوج عليها، فهو حق لها على الزوج، بنص القرآن، وأيضًا فإنه سبحانه أمر الأزواج أن يعاشروا الزوجات بالمعروف، ومن ضد المعروف أن يكون عنده شابة شهوتها تعدل شهوة الرجل أو تزيد عليها بأضعاف مضاعفة، ولا يذيقها لذة الوطء مرة واحدة.\nكما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر، أن رسول الله -ﷺ- قال في خطبته، في حجة الوداع (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهُنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف).\nوفي حديث بهز بن حكيم، عن معاوية بن حَيْدَة القُشَيري، عن أبيه، عن جده، أنه قال: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا؟ قال: \"أن تطعمها إذا طعمْتَ، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تُقَبِّح، ولا تهجر إلا في البيت) رواه أبو داود وقال معنى (لا تقبح) أي: لا تقل قبحكِ الله.\nوقال -ﷺ- (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم) رواه الترمذي.\nكما أن للزوج حقوقًا على زوجته:\nقال -ﷺ- (إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح).\nوقال -ﷺ- (لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لامرأة المرأة أن تسجد لزوجها) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- (لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه) متفق عليه.\nوهذه الحقوق على الزوجين لكل منهما على الآخر تشمل جميع حقوق المعاشرة بالمعروف قولًا وفعلًا وبذلًا وخلقًا وغير\nذلك.\nقال ابن عباس: إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة لأن الله يقول (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ).\n• وقدم - في الذكر - حق النساء فقال (ولهن) - والله أعلم - تأكيدًا لذلك، ولئلا يعتقد الرجال أن جعل القوامة فيهم يبرر لهم التساهل في حقوقهن عليهم، وقدم حقهن أيضًا، لأن المرأة أسيرة عند الرجل، فلا يجوز التهاون في حقها كما قال -ﷺ- (فاتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم).\n(وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) أي: في الفضيلة في العقل والدين الخلُق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والآخرة.","vol":"2","page":271},{"text":"• وذكر تعالى ذلك عقب قوله (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) احترازًا من أن يظن مساواة النساء للرجال مطلقًا.\nقال تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ).\nقال -ﷺ- (… وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أذهب لِذِى لُبٍّ مِنْكُنَّ». قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ قَالَ\n«أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّى وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ).\nولهم فضل في خَلقهم وخلقهم، فهم أشد خَلقًا وأقوى أجسامًا منهن، وهم أقدر منهن على الصبر والتحمل.\nقال تعالى (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ).\nوأيضًا لهم فضل في كون النبوة فيهم والقضاء والإمامة الصغرى والكبرى، ولهذا قال -ﷺ- (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة). رواه البخاري\nوقال القرطبي: ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء؛ ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها، وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه؛ فلا تصوم إلا بإذنه ولا تحج إلا معه.\n(وَاللَّهُ عَزِيزٌ) له العزة التامة بأنواعها الثلاثة: عزة القوة، وعزة القهر، وعزة الغلبة.\n(حَكِيمٌ) له الحكمة البالغة الكاملة، فهو سبحانه حكيم في شرعه وخلقه وأمره، يضع الأمور مواضعها.","vol":"2","page":272},{"text":"• وكثيرًا ما يقرن الله بين هذين الوصفين، لأن باجتماعهما في حقه - تعالى - زيادة كماله إلى كمال، فعزته مقرونة بالحكمة، وحكمته مقرون بالعزة.\n\n<span data-type='title' id=toc-733>الفوائد:</span>\n١ - إباحة الطلاق.\n٢ - وجوب العدة على المطلقة.\n٣ - تحريم كتمان المطلقات ما خلق الله في أرحامهن من الحمل والحيض.\n٤ - وجوب الإيمان بالله واليوم الآخر.\n٥ - أن الإيمان باليوم الآخر من أعظم ما يحمل على مراقبة الله.\n٦ - أن للزوج الحق أن يرجع زوجته الرجعية ما دامت في زمن العدة.\n٧ - يجب أن يكون قصد من يراجع مطلقته الإصلاح لا المضارة.\n٨ - وجوب العناية بأداء حقوق الزوجات وعدم التهاون بها.\n٩ - اهتمام الإسلام بحقوق النساء.\n١٠ - فضل الرجال وزيادة حقهم على النساء من حيث العموم.\n١١ - إثبات صفة العزة التامة لله تعالى.\n١٢ - إثبات صفة الحكمة الكاملة البالغة لله تعالى.\n[٨/ ١/ ١٤٣٢ هـ].","vol":"2","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-734>(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠».</span> [البقرة: ٢٢٩ - ٢٣٠].\n<hr><s0>\n\n(الطَّلاقُ مَرَّتَانِ) أي: الطلاق الذي تمكن فيه الرجعة ما دامت المطلقة في العدة (مَرَّتَانِ) أي: طلقتان، بأن يطلق مرة ثم يراجع، ثم يطلق مرة ثم يراجع، وهو طلاق السنة.\n• وقد كانوا في الجاهلية، بل وفي أول الإسلام يطلق الرجل امرأته ما شاء، وهو أحق برجعتها ما دامت في العدة، ولو طلقها مائة طلقة، فأبطل الله ذلك، لما فيه من الضرر على الزوجات، وبيّن أن الطلاق الذي تمكن فيه الرجعة الطلقة والطلقتان فقط.\n(فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) أي: إذا طلقها واحدة أو اثنتين، فأنت مخير مادامت العدة باقية، بين أن تردها إليك ناويًا الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتَبين منك، وتطلق سراحها محسنًا إليها، لا تظلمها من حقها شيئًا، ولا تضارّ بها.\nإمساك بمعروف: بما عرف عند الله وعند الناس من حسن المعاشرة قولًا وفعلًا وبذلًا.\n• قال الرازي: ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة، بل على قصد الإصلاح والإنفاع.\n• وقدم الإمساك بمعروف لأنه أحب إلى الله، لما فيه من استمرار الحياة الزوجية، وذلك خير من الفراق.\n• قال ابن عاشور: وقدم الإمساك على التسريح إيماء إلى أنه الأهم، المرغب فيه في نظر الشرع.\n• (أو تسريح بإحسان) أي إطلاق لهن بإحسان، بتركهن حتى تنقضي عدتهن، وتخلية سبيلهن، وإعطائهن مالهن من حقوق، وتمتيعهن جبرًا لخواطرهن، وتطييبًا لقلوبهن، وتخفيفًا لمرارة الفراق عليهن كما قال تعالى (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).","vol":"2","page":274},{"text":"• قال الرازي: واعلم أن المراد من الإحسان، هو أنه إذا تركها أدى إليها حقوقها المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها.\n(وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) هذا من التسريح بإحسان، بأن لا يأخذوا مما أعطوهن شيئًا.\nأي: لا يحل لكم أيها الأزواج أن تأخذوا من الذي أعطيتموهن من المهور والنفقات والهدايا وسائر الأعطيات (شيئًا) مهما كان صغيرًا أو كبيرًا، قليلًا أو كثيرًا.\nكما قال تعالى (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).\n• لكن لو أعطت المرأة زوجها شيئًا مما دفعه إليها عن طيب نفس منها حل له أخذه لقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا).\n(إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) أي: إلا أن يخافا الزوجان أن لا يقيما حدود الله فيما بينهما.\nوقرئت بضم الياء (يُخافا) والمعنى: إلا أن يَخاف الحاكم أو القاضي أو أهل الزوجين أو من علم حالهما من المسلمين (أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ).\n(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) الخطاب لحكام المسلمين وقضاتهم وأهل الزوجين، ومن علم حالهما من المسلمين ممن يمكنه الإصلاح بينهما.\n• قال الشوكاني: (فَإِنْ خِفْتُمْ ألاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله) أي: إذا خاف الأئمة، والحكام، أو المتوسطون بين الزوجين، وإن لم يكونوا أئمة، وحكامًا عدم إقامة حدود الله من الزوجين، وهي: ما أوجبه عليهما كما سلف.\n(فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي: فلا حرج ولا إثم عليهما.\n• فإن قيل: لماذا جاءت الآية بنفي الجناح عليهما؟ فالجواب: أن طلب الفداء والطلاق حرام على الزوجة بدون سبب، وحرام على الزوج أيضًا أن يأخذ شيًا مما آتاها بدون سبب.\n(فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) أي: في الذي افتدت به نفسها منه، برد بعض ما أعطاها إليه، أو كله أو أكثر منه، أي: فلا حرج عليها في طلب الطلاق والخلع وبذل الفداء في هذه الحالة.","vol":"2","page":275},{"text":"• وأما من غير سبب فطلبها للطلاق حرام قال -ﷺ- (أيما امرأة سألت الطلاق من غير ما بأس فالجنة عليها حرام). رواه الترمذي\n• هذه الآية فيها جواز الخلع.\nتعريف الخلع: وهو فراق الزوج زوجته بعوض منها أو من غيرها.\nقوله (بعوض) يخرج ما إذا كان الفراق بغير عوض، كالفسخ لوجود عيب أو غيره.\n• والحكمة منه: تخليص الزوجة من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها وعقد جديد، وسماه الله افتداء، لأن المرأة تفتدي نفسها من أسْر زوجها، كما يفتدي الأسير نفسه بما يبذله.\nوالأصل فيه قوله تعالى (وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ).\nوحديث ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبيَّ -ﷺ- فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّى أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً).\n[أكره الكفر في الإسلام] هذه الجملة فيها قولان للعلماء: القول الأول: الأخذ بظاهرها، والمعنى أنها خشيت من شدة بغضها أن يحملها ذلك الكفر لأجل أن ينفسخ النكاح، القول الثاني: أن المراد بالكفر كفران العشير والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له، وهذا أصح، وأما الذي قبله فما أبعده احتمالًا، في صحابيّة فاضلة، تكلم النبي -ﷺ- بمثله ويسكت عنها، إن هذا لشيء بعيد، قال الطيبي: المعنى أخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي حكمه، من نشوز وفرك وغيره، مما يقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها إذا كان بالضد منها، فأطلقت على ما ينافي مقتضى الإسلام الكفر\nفالحديث دليل على مشروعية الخلع إذا وجدت أسبابه ودواعيه.\nوقد أجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر المزني فانه قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئًا.","vol":"2","page":276},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-735> متى يشرع طلب الخلع؟</span>\nإذا كرهت المرأةُ خلُق زوجها أو خَلقَه، وخافت ألا تقيم حقوقه الواجبة بإقامتها معه، فلا بأس أن تبذل له عوضًا ليفارقها.\nالخُلُق بالضم هو الصورة الباطنة، فإذا كرهت الزوجة أخلاقه كأن أخلاقه سيئة، أو خَلْقَه والخلقة هي الصورة الظاهرة، فإذا كرهت الزوجة خلقَه بأن تكون صورته دميمة، فإنه في هذه الحالة يباح لها أن تخالع.\nلحديث ابن عباس السابق، فإن امرأة ثابت بن قيس قالت (يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّى أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ) وجاء في رواية (ولكني لا أطيقه).\n(وخافت ألا تقيم حقوقه الواجبة بإقامتها معه، فلا بأس أن تبذل له عوضًا ليفارقها) أي: وإذا خافت المرأة ألا تقوم بالحقوق الواجبة عليها وهي (حدود الله) أي: شرائعه التي أوجبها الله عليها لزوجها، بسبب بغضها له فله فداء نفسها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أن تكون المرأة كارهة للزوج تريد فراقه، فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها، كما يفتدي الأسير، وأما إذا كل منهما مريدًا لصاحبه فهذا الخلع محرم في الإسلام.\n\n•<span data-type='title' id=toc-736> اختلف العلماء في حكم الخلع إذا كانت الحالة مستقيمة؟ وإذا قيل بالخلع هل يقع أم لا؟</span>\n<span data-type='title' id=toc-737>القول الأول: أن الخلع مكروه أو محرم ولكنه يقع.</span>\nوهذا قول الأكثر.\nاستدلوا على كراهته أو تحريمه:\nمفهوم قوله تعالى (فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما) فان نفي الجناح وهو الإثم يدل على أنه يقع الإثم إذا\nكانت الحالة مستقيمة.\nولحديث ثوبان. قال: قال رسول الله -ﷺ- (أيما امرأة سالت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة). رواه الترمذي\nأن الخلع في حال الاستقامة إضرار بالزوجين وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة وهدم لبيت الزوجية وتشتيت الأسرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-738>القول الثاني: أن الخلع في حال استقامة الحال محرم ولا يقع.</span>\nهذا القول اختاره بعض الحنابلة ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀.\nلقوله تعالى (فإن خفتم ..).\nولحديث ثوبان السابق.\nوالله أعلم.","vol":"2","page":277},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-739> ويحرم بالنسبة للرجل إذا عضلها ظلمًا لتفتدي.</span>\nلقوله تعالى (ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ).\nمثال: رجل عنده زوجة وملّ منها أو رغب عنها، فقال: لو طلقتها ذهب مالي، فبدأ يعضلها، وأصبح يقصر في حقوقها ويسيء في عشرتها، حتى تفتدي ويأخذ المال، فهذا حرام.\n• ويصح في كل قليل وكثير.\nلقوله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) قالوا: إن (ما) من صيغ العموم، لأنها اسم موصول تصدق على القليل والكثير.\nواختلف العلماء في أخذ الزيادة على الصداق على أقوال:\nالقول الأول: يجوز للزوج أخذ الزيادة.\nمثال: الصداق (١٠) آلاف، فخالعها على (٢٠) ألفًا، فعلى هذا القول يجوز.\nوهذا قول الجمهور.\nواستدلوا بالآية (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) قالوا: إن (ما) من صيغ العموم، لأنها اسم موصول تصدق على القليل والكثير.\nوعللوا: قالوا إن عوض الخلع كسائر الأعواض الأخرى بالمعاملات، فعلى أي شيء وقع الاتفاق جاز.\nالقول الثاني: أنه لا يجوز الخلع بأكثر مما أعطاها.\nوهذا القول قال به عطاء والزهري، وعلى هذا القول يرد ما أخذ من غير زيادة.\nواستدلوا برواية عند ابن ماجه (أن النبي -ﷺ- أمر ثابتًا أن يأخذ حديقته ولا يزداد).\nالقول الثالث: أن أخذ الزيادة مكروه ويصح الخلع.\nوهذا مذهب الحنابلة.\nواستدلوا بنفس أدلة القول الأول، لكنهم يرون أن أخذ الزيادة ليس من المروءة.","vol":"2","page":278},{"text":"ولهذا قال ميمون بن مهران: مَن أخذ أكثر مما أعطى لم يسرّح بإحسان.\nوالراجح أن الزوجة إن بذلت له الزيادة ابتداءً جاز له أخذها، مع أن هذا ليس من مكارم الأخلاق، وأما إذا طلب هو الزيادة فإنه يمنع لأمرين:\nالأمر الأول: أن الزيادة ليس لها حد، والنفوس مجبولة على حب الطمع.\nالأمر الثاني: أن إباحة الزيادة قد تغري الأزواج بالعضل.\n(تِلْكَ) الإشارة إلى ما سبق من الأحكام الشرعية في الطلاق والخلع وغيرهما.\n(حُدُودُ اللَّهِ) أي: أحكامه وشرائعه، وسميت حدودًا لأنه يجب القيام بها ولا يجوز تجاوزها ولا تعديها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-740> وحدود الله تنقسم إلى قسمين:</span>\nحدود أوامر وواجبات، فلا يجوز تعديها.\nقال تعالى هنا (فَلا تَعْتَدُوهَا) وقال سبحانه (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ).\nوالقسم الثاني: حدود نواهٍ ومحرمات، فهذه يجب تركها وعدم قربها.\nقال تعالى (تلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا)؟\n(فَلا تَعْتَدُوهَا) أي: أقيموها ولا تتجاوزوها.\n(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ) أي: ومن يتجاوز أوامر الله ويرتكب نواهيه.\n(فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الذين ظلموا أنفسهم وزوجاتهم، واقتحموا الحرام ولم يسعهم الحلال.\n• والظلم وضع الشيء في غير موضعه.\nوأظلم الظلم الشرك، قال تعالى حاكيًا عن لقمان أنه قال لابنه (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).\n• وقال السعدي: قوله تعالى (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وأي ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال، وتعدى منه إلى الحرام، فلم يسعه ما أحل الله.","vol":"2","page":279},{"text":"(فَإنْ طَلّقَهَا) أي: الطلقة الثالثة.\n(فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) أي: فإن زوجته تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره، أي: حتى يطأها زوج آخر بنكاح صحيح.\n• في هذا أن المطلقة ثلاثًا لا تعود لزوجها الأول إلا بشروط:\nالشرط الأول: أن تنكح زوجًا غيره.\nلقوله تعالى (فَإِنْ طَلَّقَهَا [يعني الثالثة] فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَه).\nولحديث عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبيِّ -ﷺ- فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ». قَالَتْ وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ وَخَالِدٌ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَنَادَى: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَسْمَعُ هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- متفق عليه.\n[فبت طلاقي] البت بمعنى القطع، يحتمل أنه قال لها: أنت طالق البتة، ويحتمل أنه طلقها الطلقة الأخيرة، وهذا الراجح، فقد جاء عند البخاري: (طلقني آخر ثلاث تطليقات) فيكون طلقها ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها.\n[عبد الرحمن بن الزَّبير] الزَبِير: بفتح الزاي، بعدها باء مكسورة. [مثل هدبة الثوب] هدبة بضم الهاء وسكون الدال هو طرف الثوب، وأرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار. [عسيلته] العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، قال الجمهور: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة.\nالشرط الثاني: أن يجامعها في الفرج.\nلقوله -ﷺ- (حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته) فعلق النبي -ﷺ- الحل على ذواق العسيلة منها، ولا يحصل هذا إلا بالوطء في الفرج.\nولقوله (حتى تنكح زوجًا غيره) فالمراد بالنكاح هنا الوطء لدلالة حديث عائشة السابق.\nوهذا مذهب جمهور العلماء أنه لا بد من الجماع، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، إلا سعيد بن المسيب. يعني أنه قال: يكفي العقد.\n• يكفي لحلها لمطلقها ثلاثًا، تغييب حشفة الرجل في الفرج، ولا بد من انتشار الذكر.\n• لا يشترط الإنزال، وهذا مذهب الجمهور خلافًا للحسن البصري.\nالشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحًا.\nفإن كان فاسدًا كنكاح التحليل أو الشغار، فإنه لا يحلها وطئها.","vol":"2","page":280},{"text":"ونكاح التحليل هو: أن يعمد الرجل إلى المرأة المطلقة ثلاثًا فيتزوجها ليحلها لزوجها الأول.\nوهو حرام ولا تحل به المرأة لزوجها الأول.\nلحديث ابن مسعود قال: (لعن رسول الله المحلل والمحلل له). رواه أحمد والترمذي\nوسماه النبي -ﷺ- تيسًا مستعارًا.\nفمتى نوى الزوج الثاني أنه متى حللها طلقها، فإنه لا تحل للأول، والنكاح باطل.\nفالملعون على لسان الرسول -ﷺ- هو:\nالمحلل: هو الزوج الثاني إذا قصد التحليل ونواه، وكان عالمًا.\nوالمحلل له: هو الزوج الأول، فيلحقه اللعن إذا كان عالمًا.\n• الحكمة من كون الزوج الأول لا يحل له نكاح مطلقته ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره:\nأولًا: تعظيم أمر الطلاق، حتى لا يكثر وقوعه، فإنه إذا علم أنه لا ترجع إليه بعد الثلاث حتى يتزوجها غيره، لم يستعجل بإيقاعه.\nثانيًا: الرفق بالمرأة، فإن المرأة إذا طلقت ثلاثًا فإنها تتزوج غيره، وقد يكون خيرًا من زوجها الأول فتسعد به.\n(فَإِنْ طَلَّقَهَا) أي: الزوج الثاني بعد الدخول بها.\n(فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا) أي: المرأة والزوج الأول.\n(إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) أي: يتعاشرا بالمعروف. (بأن يقوم كل شخص بحق صاحبه).\n• قال الشوكاني: قوله تعالى (إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله) أي: حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر، وأما إذا لم يحصل ظن ذلك بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو ترددًا، أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظنّ، فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرّمه على الزوجين.\n• قال السعدي: ومفهوم الآية الكريمة، أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله، بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية، والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحًا، لأن جميع الأمور، إن لم يقم فيها أمر الله، ويسلك بها طاعته، لم يحل الإقدام عليها.\nوفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان، إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور، خصوصًا الولايات، الصغار، والكبار، نظر في نفسه، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك، ووثق بها، أقدم، وإلا أحجم.","vol":"2","page":281},{"text":"(وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: شرائعه وأحكامه.\n• قال ابن عاشور: هي أحكامه وشرائعه، شبهت بالحدود لأن المكلف لا يتجاوزها فكأنه يقف عندها.\n(يُبَيِّنُهَا) أي: يوضحها.\n(لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) لأنهم هم المنتفعون بها، النافعون لغيرهم.\nوفي هذا من فضيلة أهل العلم، ما لا يخفى، لأن الله تعالى جعل تبيينه لحدوده، خاصًا بهم، وأنهم المقصودون بذلك، وفيه أن الله تعالى يحب من عباده؛ معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقه بها. (تفسير السعدي).\n\n<span data-type='title' id=toc-741>الفوائد:</span>\n١ - حكمة الله في حصر الطلاق بثلاث.\n٢ - أن الواجب على المرء الذي طلق زوجته أحد أمرين: إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.\n٣ - جواز افتداء المرأة نفسها من زوجها بعوض.\n٤ - أن ذلك يكون إذا خافا ألا يقيما حدود الله.\n٥ - أن طلب الخلع من غير سبب حرام.\n٦ - تحريم المطلقة ثلاثًا على زوجها حتى تنكح زوجًا غيره.\n٧ - عناية الله بعباده في بيان ما يجب عليهم.\n٨ - فضل أهل العلم.","vol":"2","page":282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-742>(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١».</span> [البقرة: ٢٣١].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) هذا أمر من الله ﷿ للرجال إذا طلق أحدهم المرأة طلاقًا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها، أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شقاق ولا مخاصمة ولا تقابح.\nوالمعنى: إما أن تراجعوهن ونيتكم القيام بحقوقهن وهذا أولى، ولهذا قدّم، وإما أن تتركوهن وتخلوا سبيلهن بلا مضارة.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) بلوغ الأجل: الوصول إليه، والمراد به هنا مشارفة الوصول إليه بإجماع العلماء؛ لأن الأجل إذا انقضى زال التخيير بين الإمساك والتسريح، وقد يطلق البلوغ على مشارفة الوصول ومقاربته، توسعًا\nأي مجازًا بالأوْل.\n• وقال أبو حيان: ولا يحمل: بلغن أجلهنّ على الحقيقة، لأن الإمساك إذ ذاك ليس له، لأنها ليست بزوجة، إذ قد تقضت عدتها فلا سبيل له عليها.\n• وقال ابن العربي (بَلَغْنَ) مَعْنَاهُ قَارَبْنَ الْبُلُوغَ؛ لِأَنَّ مَنْ بَلَغَ أَجَلَهُ بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَانْقَطَعَتْ رَجْعَتُهُ؛ فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ جُعِلَ لَفْظُ بَلَغَ بِمَعْنَى قَارَبَ، كَمَا يُقَالُ: إذَا بَلَغْت مَكَّةَ فَاغْتَسِلْ.\n• قال ابن الجوزي: والمعروف في الإمساك: القيام بما يجب لها من حق. والمعروف في التسريح: أن لا يقصد إضرارها، بأن يطيل عدتها بالمراجعة.\n(وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) قال ابن عباس، ومجاهد، ومسروق، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، ومقاتل بن حيان وغير واحد: كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضرارًا، لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعدهم عليه.","vol":"2","page":283},{"text":"• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ) صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بالنهي عن إمساك المرأة مضارة لها لأجل الاعتداء عليها بأخذه ما أعطاها، لأنها إذا طال عليها الإضرار افتدت منه ابتغاء السلامة من ضرره، وصرح في موضع آخر بأنها إذا أتت بفاحشة مبينة جاز له عضلها، حتى تفتدى منه وذلك في قوله تعالى (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) واختلف العلماء في المراد بالفاحشة المبينة.\nفقال جماعة منهم هي: الزنا، وقال قوم هي: النشوز والعصيان وبذاء اللسان، والظاهر شمول الآية للكل كما اختاره ابن جرير.\n• وقال ابن كثير: إنه جيد، فإذا زنت أو أساءت بلسانها، أو نشزت جازت مضاجرتها. لتفتدي منه بما أعطاها على ما ذكرنا من عموم الآية.\n(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) بمخالفته أمر الله تعالى.\n• قال ابن عاشور: جعل ظلمهم نساءهم ظلمًا لأنفسهم، لأنه يؤدي إلى اختلال المعاشرة واضطراب حال البيت وفوات المصالح بشغب الأذهان في المخاصمات، وظلم نفسه أيضًا بتعريضها لعقاب الله في الآخرة.\n• وقال الشيخ ابن عثيمين: وأضاف الظلم إلى نفسه - وإن كان ظلمًا واقعًا على غيره - لأنه جلب على نفسه الإثم والعقوبة.\n(وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) أي: لا تجعلوها موضع استهزاء.\n• قال ابن عاشور: عطف هذا النهي على النهي في قوله (ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا) لزيادة التحذير من صنيعهم في تطويل العدة، لقصد المضارة، بأن في ذلك استهزاء بأحكام الله التي شرع فيها حق المراجعة، مريدًا رحمة الناس، فيجب الحذر من أن يجعلوها هزوًا.\nوآيات الله هي ما في القرآن من شرائع المراجعة نحو قوله (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) إلى قوله (وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون).\n• وقال ﵀: ولما كان المخاطب بهذا المؤمنين، وقد علم أنهم لم يكونوا بالذين يستهزئون بالآيات، تعين أن الهزء مراد به مجازه وهو الاستخفاف وعدم الرعاية، لأن المستخف بالشيء المهم يعد لاستخفافه به، مع العلم بأهميته، كالساخر واللاعب، وهو تحذير للناس من التوصل بأحكام الشريعة إلى ما يخالف مراد الله، ومقاصد شرعه، ومن هذا التوصل المنهي عنه، ما يسمى بالحيل الشرعية.","vol":"2","page":284},{"text":"(وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) عموما باللسان ثناء وحمدًا، وبالقلب اعترافًا وإقرارًا، وبالأركان بصرفها في طاعة الله.\nأي: اذكروا باللسان وبالقلب والجوارح، نعمة الله عليكم حتى تقوموا بشكرها، فإن الغفلة عن ذكر النعم سبب لعدم الشكر.\n• قوله (نعمة الله) مفرد مضاف، والمفرد المضاف يدل على العموم. وهذا يتناول كل نعم الله على العبد في الدنيا وفي الدين، ثم إنه تعالى ذكر بعد هذا نعم الدين، وإنما خصها بالذكر لأنها أجل من نعم الدنيا، فقال:\n(وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ) أي: القرآن.\n(وَالْحِكْمَةِ) أي: السنة.\n(يَعِظُكُمْ بِهِ) أي: يخوفكم به ترغيبًا وترهيبًا.\nقال تعالى (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ).\nوقال تعالى (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ).\n• قال ابن عاشور: والموعظة والوعظ: النصح والتذكير بما يلين القلوب، ويحذر الموعوظ.\n(وَاتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\n(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي: فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية، وسيجازيكم على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-743>الفوائد:</span>\n١ - جواز الطلاق.\n٢ - وجوب العدة على المطلقات، وأن لها أجلًا.\n٣ - يجب على الرجل إذا طلق زوجته طلاقًا رجعيًا، وقاربت انتهاء عدتها، إما مراجعتها ومعاشرتها بالمعروف، أو تخلية سبيلها بمعروف من غير تضييق عليها أو مضارة.\n٤ - وجوب التعامل بين الزوجين بالمعروف.\n٥ - تحريم المضارة.\n٦ - أن من عمد إلى مراجعة مطلقته لأجل المضارة لها والاعتداء عليها وظلمها، فهو في الحقيقة إنما يظلم نفسه.\n٧ - عناية الإسلام بحقوق المرأة.\n٨ - التحذير من جعل آيات الله وأحكامه هزوًا.\n٩ - وجوب ذكر نعم الله.\n١٠ - أن أعظم النعم إنزال القرآن والسنة.\n١١ - وجوب تقوى الله.\n١٢ - إثبات عموم علم الله تعالى. [١٦/ ١/ ١٤٣٣ هـ].","vol":"2","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-744>(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢».</span> [البقرة: ٢٣٢].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) الخطاب لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث إذا خرجت من العدة.\n(فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: فانقضت عدتهن.\n(فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) الخطاب للأولياء، أي: فلا تضيقوا عليهن وتمنعوهن أن ينكحن أزواجهن، ويرجعن إليهم بنكاح جديد، عقوبة لهم بسبب طلاقهم لهن.\n• قال السعدي: الخطاب لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث إذا خرجت من العدة، وأراد زوجها أن ينكحها، ورضيت بذلك، فلا يجوز لوليها من أبٍ أو غيره، أن يعضلها، أي: يمنعها من التزويج به حنقًا عليه وغضبًا، واشمئزازًا لما فعل من الطلاق الأول.\n• فالأكثر على أن الخطاب في قوله (فَلا تَعْضُلُوهُنَّ) للأولياء.\nعن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها، وكذا روى العوفي، عنه، وكذا قال مسروق، وإبراهيم النخعي، والزهري والضحاك إنها أنزلت في ذلك، وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية. (تفسير ابن كثير).\nعَنِ الْحَسَنِ (أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ). رواه البخاري\nوعنِ الْحَسَنِ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ (زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فَقُلْتُ الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ). رواه البخاري\nوعند الترمذي: عن معقل بن يسار (أنه زوج أخته رجلًا من المسلمين على عهد رسول الله -ﷺ- فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع أكرمتك بها وزوجتكها، فطلقتها! والله لا ترجع إليك أبدًا، آخر ما عليك قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) إلى قوله (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) فلما سمعها معقل قال: سَمْعٌ لربي وطاعة ثم دعاه، فقال: أزوجك وأكرمك) زاد ابن مردويه: (وكفرت عن يميني).\n• وفي الآية دليل على اشتراط الولي.\n(إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) أي: إذا تراضى الزوج وزوجته، وحصل الرضا من كل منهم.","vol":"2","page":286},{"text":"(ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ) أي: هذا الذي نهيناكم عنه من منع الولايا أن يتزوجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف، يأتمر به ويتعظ به وينفعل له.\n(مَنْ كَانَ مِنْكُمْ) أيها الناس.\n(يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي: يؤمن بالله وبشرع الله، ويؤمن باليوم الآخر ويخاف وعيد الله وعذابه في الدار الآخرة وما فيها من الجزاء.\n(ذَلِكُمْ) أي: اتباعكم شرع الله في رد الموليات إلى أزواجهن، وترك الحمية في ذلك.\n(أَزْكَى لَكُمْ) أي: أعظم وأكثر إيمانًا.\n(وَأَطْهَرُ) لقلوبكم، فهو أقطع لأسباب العداوات والأحقاد بخلاف العضل الذي قصدتم منه قطع العود إلى الخصومة.\n(وَاللَّهُ يَعْلَمُ) أي: المصالح فيما يأمر به وينهى عنه.\n(وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الخيرة فيما تأتون ولا فيما تذرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-745>الفوائد:</span>\n١ - تحريم عقد النكاح قبل انقضاء العدة.\n٢ - تحريم منع الولي موليته أن ينكح من رضيته.\n٣ - أن من شروط النكاح الولي، وهذا مذهب جماهير العلماء، وأن المرأة لا تزوج نفسها.\n٤ - اشتراط الرضا في النكاح.\n٥ - إثبات اليوم الآخر.\n٦ - أن الاتعاظ بأحكام الله تزكية للنفس.\n٧ - أن تطبيق الأحكام أطهر للإنسان.\n٨ - عموم علم الله. [١٧/ ١/ ١٤٣٣ هـ].","vol":"2","page":287},{"text":"<span data-type='title' id=toc-746>(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣».</span> [البقرة: ٢٣٣].\n<hr><s0>\n\n(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) هذا انتقال من أحكام الطلاق والبينونة؛ فإنه لما نهى عن العضل، وكانت بعض المطلقات لهن أولاد في الرضاعة ويتعذر عليهن التزوج وهن مرضعات؛ لأن ذلك قد يضر بالأولاد، ويقلل رغبة الأزواج فيهن، كانت تلك الحالة مثار خلاف بين الآباء والأمهات، فلذلك ناسب التعرض لوجه الفصل بينهم في ذلك، فإن أمر الإرضاع مهم، لأن به حياة النسل، ولأن تنظيم أمره من أهم شؤون أحكام العائلة. (تفسير ابن عاشور)\n• قال ابن كثير في تفسير الآية: هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات: أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك؛ ولهذا قال (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم.\n• قوله تعالى (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ ..) اختلف في المراد:\nفقيل: أن المراد منه ما أشعر ظاهر اللفظ وهو جميع الوالدات، سواء كن مزوجات أو مطلقات، والدليل عليه أن اللفظ عام.\nوقيل: المراد منه: الوالدات المطلقات، قالوا: والذي يدل على أن المراد ذلك، أن الله تعالى ذكر هذه الآية عقيب آية الطلاق، فكانت هذه الآية تتمة تلك الآيات.\n• قال ابن عاشور: (والوالدات ..) أي: المطلقات اللائي لهن أولاد في سن الرضاعة، ودليل التخصيص أن الخلاف في مدة الإرضاع لا يقع بين الأب والأم إلاّ بعد الفراق، ولا يقع في حالة العصمة؛ إذ من العادة المعروفة عند العرب ومعظم الأمم أن الأمهات يرضعن أولادهن في مدة العصمة، وأنهن لا تمتنع منه من تمتنع إلاّ لسبب طلب التزوج بزوج جديد بعد فراق والد الرضيع؛ فإن المرأة المرضع لا يرغب الأزواج منها؛ لأنها تشتغل برضيعها عن زوجها في أحوال كثيرة.\n(وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ) أي: وعلى أبي المولود، أي: والده.\n• قال ابن عاشور: عبر عن الوالد بالمولود له، إيماء إلى أنه الحقيق بهذا الحكم؛ لأن منافع الولد منجرة إليه، وهو لاحق به ومعتز به في القبيلة حسب مصطلح الأمم، فهو الأجدر بإعاشته، وتقويم وسائلها.\n• وقال أبو حيان: ولطيفة أخرى في قوله (وعلى المولود له) وهو أنه لما كلف بمؤن المرضعة لولده من الرزق والكسوة، ناسب أن يسلى بأن ذلك الولد هو وُلِد لك لا لأمه، وأنك الذي تنتفع به في التناصر وتكثير العشيرة، وأن لك عليه الطواعية كما كان عليك لأجله كلفة الرزق، والكسوة لمرضعته.","vol":"2","page":288},{"text":"(رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره كما قال تعالى (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا).\n• قال ابن الجوزي: في قوله (بالمعروف) دلالة على أن الواجب على قدر حال الرجل في إعساره ويساره، إذ ليس من المعروف إلزام المعسر مالا يطيقه، ولا الموسر النزر الطفيف.\n• قال الرازي: إنه تعالى كما وصى الأم برعاية جانب الطفل في قوله تعالى (والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) وصى الأب برعاية جانب الأم حتى تكون قادرة على رعاية مصلحة الطفل فأمره برزقها وكسوتها بالمعروف.\n• قال ابن العربي: قوله تعالى (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ..) في هذا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ لِعَجْزِهِ وَضَعْفِهِ؛ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَى يَدَيْ أَبِيهِ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِ؛ وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْأُمَّ لِأَنَّ الْغِذَاءَ يَصِلُ إلَيْهِ بِوَسَاطَتِهَا فِي الرَّضَاعَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ) لِأَنَّ الْغِذَاءَ لَا يَصِلُ إلَى الْحَمْلِ إلَّا بِوَسَاطَتِهِنَّ فِي الرَّضَاعَةِ؛ وَهَذَا بَابٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ مِثْلُهُ.\n(لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) أي: لا تكلف نفس في الشرع إلا طاقتها وقدرتها، فلا يكلف الله نفسًا إلا ما تقدر عليه.\nكما قال تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).\nوعلى هذا فلا يكلف المولود له فوق طاقته وما لا يقدر عليه، وإنما عليه الإنفاق والكسوة حسب حاله.\n(لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) أي: لا تضار والدة بسبب ولدها، فتمتنع مثلًا من إرضاعه لتضر أباه بتربيته، أو تطلب زيادة على الواجب لها، ونحو ذلك مضارة لوالده.\n(وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) فلا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها، أو لا يعطيها ما يجب لها من النفقة والكسوة.\n(وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) أي: وعلى وارث المولود مثل ما على أبيه من النفقة والكسوة للمرضعة إذا فقد الأب، وكان الطفل ليس له مال.\n• واختار ابن جرير أن المراد وارث الأب.","vol":"2","page":289},{"text":"(فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي: فإذا اتفق الوالدان على فطامه قبل الحولين ورأيا في ذلك مصلحة له بعد التشاور فلا إثم عليهما.\n• قال الشوكاني: قوله تعالى (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا) الضمير للوالدين. والفصال: الفطام عن الرضاع. أي: التفريق بين الصبيّ، والثدي، ومنه سمي الفصيل؛ لأنه مفصول عن أمه.\n• المراد بالفصال هنا الفطام، وهذا قول أكثر المفسرين.\n• قال الرازي: وإنما سمي الفطام بالفصال لأن الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات.\n• قال ابن كثير: يؤخذ منه: أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر.\n• وقال ﵀: وهذا فيه احتياط للطفل، والزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده، حيث حجر على الوالدين في\nتربية طفلهما وأرشدهما إلى ما يصلحه ويصلحهما.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: التشاور تبادل الرأي بين المتشاورين لاستخلاص الأنفع والأصوب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-747> سؤال: لم عطف التشاور على التراضي؟</span>\nالجواب: عطف التشاور على التراضي تعليمًا للزوجين شؤون تدبير العائلة، فإن التشاور يظهر الصواب ويحصل به التراضي.\n(التحرير والتنوير).\n(وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ) أي: إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يتسلم منها الولد إما لعذر منها، أو عذر له، فلا جناح عليهما في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف. قاله غير واحد.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ....) انتقال إلى حالة إرضاع الطفل غيرَ والدته إذا تعذر على الوالدة إرضاعه، لمرضها، أو تزوجها أو إن أبت ذلك حيث يجوز لها الإباء، كما تقدم في الآية السابقة، أي إن أردتم أن تطلبوا الإرضاع لأولادكم فلا إثم في ذلك.","vol":"2","page":290},{"text":"(وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: في جميع أحوالكم.\n(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أي: فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأقوالكم.\n• وفي الأمر بالعلم بذلك تنبيه وترغيب بتقوى الله، ووعد لمن اتقاه، وتحذير ووعيد لمن خالف أمره وعصاه.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (واعلموا أن الله …) تذكير لهم بذلك، وإلاّ فقد علموه.\n\n<span data-type='title' id=toc-748>الفوائد:</span>\n١ - وجوب الإرضاع على الأم.\n٢ - أن الله أرحم بخلقه من الوالدة بولدها.\n٣ - أن الرضاع التام يكون في الحولين.\nجمهور العلماء على أن الرضاع المحرّم ما كان في الحولين\nلقوله تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة).\nولحديث عَائِشَةُ قالت (دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَتْ فَقَالَ (انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ). متفق عليه\nفهذا دليل على أن الرضاعة المعتبرة التي يثبت بها الحرمة، وتحل بها الخلوة، هي حيث يكون الرضيع طفلًا يسد اللبن جوعته.\nومثله حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: (لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام) رواه الترمذي وصححه. قوله (الثدي) أي وقت الحاجة إلى الثدي، أي في الحولين.\nوعن ابن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا رضاع إلا ما شد العظم، وأنبت اللحم). رواه أبو داود\n٤ - أنه يجوز النقص عن الحولين، لكن ذلك بالتشاور والتراضي.\n٥ - أن الولد ينسب لأبيه.\n٦ - اعتبار العرف بين الناس.\n٧ - أن الله لا يكلف نفسًا ما لا تطيق.\n٨ - تحريم المضارة.\n٩ - وجوب نفقة الابن على أبيه.\n١٠ - جواز استرضاع الإنسان لولده المرضع.\n١١ - فضل التشاور.\n١٢ - وجوب تقوى الله.\n١٣ - إثبات بصر الله.","vol":"2","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-749>(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤».</span> [البقرة: ٢٣٤].\n<hr><s0>\n\n(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) أي: والذين يتوفاهم الله منكم أيها المؤمنون، أي: يموتون.\n(وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) أي: ويتركون أزواجًا بعدهم.\n(يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) أي: ينتظرن ويحبسن أنفسهن عن الزواج بعدهم.\n(أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أي: أربعة أشهر هلالية وعشر ليال.\n• قال ابن كثير: هذا أمر من الله للنساء اللاتي يُتَوّفى عنهن أزواجهن: أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عُمُوم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي: أن ابن مسعود سُئِل عن رجل تزوّج امرأة فمات ولم يدخل بها، ولم يفرض لها؟ فترددوا إليه مرارًا في ذلك فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكُن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: لها الصداق كاملًا، وفي لفظ: لها صداق مثلها، لا وكس، ولا شَطَط، وعليها العدّة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- قَضى به في بَرْوَع بنت واشق، ففرح عبد الله بذلك فرحًا شديدًا.\n• قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن عدة المرأة المسلمة غير ذات الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرًا، مدخولًا بها أو غير مدخول بها.\n• ففي الآية وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر.\nوقد قال -ﷺ- (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا). متفق عليه\n• يستثنى من ذلك الحامل فعدتها بالوضع عند الجمهور (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).\n• ويجب عليها في هذه العدة الإحداد، وهو أن تجتنب ما يدعو إلى نكاحها.","vol":"2","page":292},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-750> الحكمة من الإحداد:</span>\nأولًا: تعظيم خطر هذا العقد ورفع قدره.\nثانيًا: تعظيم حق الزوج وحفظ عشرته.\nثالثًا: تطييب نفس أقارب الزوج ومراعاة شعورهم.\nرابعًا: سد ذريعة تطلع المرأة للنكاح أو تطلع الرجال إليها.\nخامسًا: موافقة الطباعة البشرية.\n• اختلف العلماء في المرأة يموت عنها زوجها وهو غائب، أو طلقها وهو غائب، من متى تعتد؟\nفقيل: تعتد من يوم مات زوجها.\nوهذا مذهب الجمهور.\nلعموم الأدلة.\nفلو فرض أنه طلقها، ولم تعلم، وحاضت حيضتين ثم علمت، فإنه يبقى عليها حيضة واحدة، وكذلك إذا مات عنها زوجها، ولم تعلم إلا بعد مضي شهرين، فإنه يبقى عليها شهران وعشرة أيام.\nوقيل: تعتد من يوم يأتيها الخبر.\nوبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز.\nلأن العدة اجتناب أشياء وما اجتنبتها.\nوالراجح الأول.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله ﷿ (والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعًا إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ) فقد كانت العدة حولًا كاملًا، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، وهذه الآية وإن كانت متقدمة في (التلاوة) على آية الاعتداد بالحول، إلاّ أنها متأخرة في (النزول).\n(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: فإذا انقضت عدتهن، وهي أربعة أشهر وعشرًا.\n(فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ) أي: فلا إثم ولا حرج - والخطاب للأولياء - في فعلهن من التزين والتحلي والتعرض للخطاب.","vol":"2","page":293},{"text":"• قال السعدي: وفي هذا دليل على أن الولي ينظر على المرأة، ويمنعها مما لا يجوز فعله، ويجبرها على ما يحب، وأنه مخاطب بذلك، واجب عليه.\n(بِالْمَعْرُوفِ) أي: بما هو معروف في الشرع وبين الناس مما لا يخالف الشرع.\n• قال القرطبي: في هذه الآية دليل على أن للأولياء منعهن من التبرُّج والتشوّف للزوج في زمان العِدّة.\n• قال القاسمي: (بِالْمَعْرُوفِ) أي: بوجه لا ينكره الشرع، وفيه إشارة إلى أنهن لو فعلن ما ينكره الشرع، فعليهم أن يكفوهن عن ذلك، وإلا فعليهم الجناح.\n(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) مطلع على بواطن الأمور.\n\n<span data-type='title' id=toc-751>الفوائد:</span>\n١ - وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها.\n٢ - هذا الحكم يشمل الصغيرة والكبيرة لقوله (أزواجًا) وأطلق.\n٣ - أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، ويستثنى من ذلك الحامل فعدتها بوضع حملها.\n٤ - أن العدة إذا انتهت جاز للمرأة أن تفعل كل ما كان معروفًا من تجمل وغير ذلك.\n٥ - أن الولي مسؤول عن موليته.\n٦ - إثبات علم الله الكامل.","vol":"2","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-752>(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥».</span> [البقرة: ٢٣٥].\n<hr><s0>\n\n(وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) أي: لا إثم عليكم - أيها الرجال - فيما تُلمّحون به من طلب الزواج بالنساء المتوفَّى عنهن أزواجهن، أو المطلقات طلاقًا بائنًا في أثناء عدتهن.\n• قال الرازي: التعريض في اللغة ضد التصريح، ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة على غير مقصوده إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح.\n• في الآية أن التصريح حرام.\nقال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزويجها وتنبيه عليه لا يجوز.\n(أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ) أي: ولا ذنب عليكم أيضًا فيما أضمرتموه في أنفسكم من نية الزواج بهن بعد انتهاء عدتهن.\n(عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ) أي: علم الله أنكم ستذكرونهن في أنفسكم ولا تصبرون عنهن، فرفع عنكم الحرج.\n(وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا) اختلف العلماء في المراد بذلك:\nفقيل: معناه نكاحًا، أي لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوّجيني؛ بل يعرّض إن أراد، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره في استسرار وخفية.\nهذا قول ابن عباس وابن جبير ومالك وأصحابه والشعبيّ ومجاهد وعكرمة والسدّيّ وجمهور أهل العلم.\nوقيل: السر الزنا، أي لا يكونن منكم مواعدة على الزنا في العدّة ثم التزوّج بعدها.\nقال معناه جابر بن زيد وأبو مِجْلزَ لاحق بن حُميد، والحسن بن أبي الحسن وقتادة والنخعيّ والضحاك، وأن السر في هذه الآية الزنا، أي لا تواعدوهنّ زنا، واختاره الطبريّ. (تفسير القرطبي).\nوقيل: السرّ: الجماع، أي: لا تصفوا أنفسكم لهنّ بكثرة الجماع ترغيبًا لهنّ في النكاحّ، وإلى هذا ذهب الشافعي في معنى الآية. (فتح القدير).\n• قال أبو حيان: وأما تفسير (السر) هنا بالزنا فبعيد، لأنه حرام على المسلم مع معتدة وغيرها.","vol":"2","page":295},{"text":"(إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا) ما تقدم من إباحة التعريض كقوله: إني فيك لراغب ونحو ذلك.\n(وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) أي: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة.\n• قال ابن كثير: وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة.\nواختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم عليه أبدًا؟ على قولين:\nالجمهور على أنها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها، وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد.\n(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) إنه تعالى ختم الآية بالتهديد فقال (واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فاحذروه) وهو تنبيه على أنه تعالى لما كان عالمًا بالسر والعلانية، وجب الحذر في كل ما يفعله الإنسان في السر والعلانية ثم ذكر بعد الوعيد الوعد فقال:\n(واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) لمن صدرت من الذنوب فتاب منها ورجع إلى ربه.\n(حَلِيمٌ) حيث لم يعاجل العاصين على معاصيهم، مع قدرته عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-753>الفوائد:</span>\n١ - جواز التعريض في خطبة المتوفى عنها زوجها.\n٢ - تحريم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة.\n٣ - جواز إضمار الإنسان في نفسه خطبة امرأة لا يجوز له التصريح بخطبتها.\n٤ - لا يجوز للإنسان أن يواعد المعتدة من وفاة بالنكاح.\n٥ - تحريم النكاح في أثناء العدة.\n٦ - إثبات اسمين من أسماء الله: وهما الغفور والرحيم.","vol":"2","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-754>(لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦».</span> [البقرة: ٢٣٦].\n<hr><s0>\n\n(لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) أي: لا إثم عليكم أيها الرجال إن طلقتم النساء قبل المسيس (الجماع) وقبل أن تفرضوا لهن مهرًا.\nقوله تعالى (أو تفرضوا ..) (أو) حرف عطف بمعنى الواو، والجملة معطوفة على قوله (تمسوهن) أي: مالم تمسوهن وتفرضوا لهن فريضة.\n• قال القرطبي: (أو) في (أَوْ تَفْرِضُوا) قيل هو بمعنى الواو؛ أي ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن؛ كقوله تعالى (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ) أي: وهم قائلون.\nوقولِه (وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) أي: ويزيدون.\nوقوله (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) أي: وكفورًا.\nوقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط) معناه وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون.\n\n•<span data-type='title' id=toc-755> قال الرازي مبينًا أقسام المطلقات:</span>\nأحدها: المطلقة التي تكون مفروضًا لها ومدخولًا بها وقد ذكر الله تعالى فيما تقدم أحكام هذا القسم وهو أنه لا يؤخذ منهن على الفراق شيء على سبيل الظلم ثم أخبر أن لهن كمال المهر، وأن عدتهن ثلاثة قروء.\nوالقسم الثاني: من المطلقات ما لا يكون مفروضًا ولا مدخولًا بها وهو الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، وذكر أنه ليس لها مهر، وأن لها المتعة بالمعروف.\nوالقسم الثالث: من المطلقات: التي يكون مفروضًا لها، ولكن لا يكون مدخولًا بها.\nوهي المذكورة في الآية التي بعد هذه الآية، وهي قوله ﷾ (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ).\nواعلم أنه تعالى بين حكم عدة غير المدخول بها وذكر في سورة الأحزاب أنه لا عدة عليها البتة، فقال (إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتّعُوهُنَّ).","vol":"2","page":297},{"text":"(وَمَتِّعُوهُنَّ) أي: أعطوهن ما يتمتعن به من مال أو طعام أو لباس أو غير ذلك، جبرًا لخواطرهن، وتعويضًا لهن عما فاتهن من الزواج والمهر.\n• المتعة: بضم الميم هي ما يعطيه الزوج لمن طلقها لجبر خاطرها المنكسر بألم الفراق.\n• ففي هذه الآية دليل على وجوب المتعة على المطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها.\nوجه الدلالة من الآية: (.. ومتعوهن ..) فأمر بالمتعة لا بغيرها، والأمر للوجوب، والأصل براءة ذمته من غيرها، والله ﷿ قسم المطلقات إلى قسمين: فأوجب المتعة لمن لم يسمِّ لها إذا طلقت قبل الدخول، ونصف المسمى لمن سميَ لها، وذلك يدل على اختصاص كل قسمٍ بحكمه.\nوقد ذهب بعض العلماء إلى أن المتعة واجبة لكل مطلقة، سواء طلقت قبل الدخول أم بعده، وسواء فرض لها صداق أم لم يفرض.\nوهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجماعة من أهل العلم.\nلقوله تعالى (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) ولفظ المطلقات عام، وأكد ذلك بقوله (حقًا).\nوذهب بعض العلماء إلى أن المتعة مستحبة لكل مطلقة.\nلقوله تعالى (.... حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (… حقًا على المحسنين) قالوا: ولو كانت واجبة لما خُص بها المحسنون والمتقون، بل كانت حقًا على كل أحد.\nوالراجح - والله أعلم - ما تقدم أن المتعة واجبة لمن طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر، وأما غيرها من المطلقات فالمتعة في حقها مستحبة.\n(عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ) أي: على الغني الموسر في ماله قدر سعته وغناه ويسره، بحيث يزيد في المتعة.\n(وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) أي: وعلى المقتر الفقير المضيق عليه في ماله قدر استطاعته، فلا يكلف نفسه ما يضره أو ما لا يطيق.\n(مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ) أي: بما هو معروف في الشرع وعرف المسلمين، مما يُتمتع به أمثالهن من المطلقات، وأن يعطى لهن من غير مماطلة أو أذى.","vol":"2","page":298},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-756> يلحظ في هذا أمران:</span>\nالأول: حرص الشريعة على إزالة وتخفيف ما يؤثر على النفوس ويكسر القلوب، فإن في إيجاب المتعة للمطلقات قبل المسيس، وقبل فرض المهر جبرًا لقلوبهن وتعويضًا لهن عما فاتهن من الزواج والمهر.\nالثاني: مراعاة التشريع أحوال المكلفين، حيث جعل المتعة للمطلقات حسب حال الزوج يسرًا وعسرًا.\n(حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) أي: فاعلي الإحسان.\n\n•<span data-type='title' id=toc-757> سؤال: لم خص المحسنين بالذكر؟</span>\nالجواب: في سبب تخصيصه بالذكر وجوه:\nأحدها: أن المحسن هو الذي ينتفع بهذا البيان: كقوله (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها).\nوالثاني: قال أبو مسلم: المعنى أن من أراد أن يكون من المحسنين فهذا شأنه وطريقه، والمحسن هو المؤمن، فيكون المعنى أن العمل بما ذكرت هو طريق المؤمنين.\nالثالث: (حَقًّا عَلَى المحسنين) إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله تعالى.\n• قال السعدي: فكما تسببوا لتشوفهن واشتياقهن، وتعلق قلوبهن، ثم لم يعطوهن ما رغبن فيه، فعليهم في مقابلة ذلك المتعة.\nفلله ما أحسن هذا الحكم الإلهي، وأدله على حكمة شارعه ورحمته (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) فهذا حكم المطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر.\n\n<span data-type='title' id=toc-758>الفوائد:</span>\n١ - إباحة طلاق النساء بعد العقد عليهن وقبل الدخول وفرض المهر.\n٢ - جواز عقد النكاح بدون تسمية المهر وتقديره.\n٣ - وجوب المتعة للمطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر.\n٤ - أن المتعة تكون بقدر حال الزوج.\n٥ - حرص الشرع على تخفيف ما يؤثر في النفوس.","vol":"2","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-759>(وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧».</span> [البقرة: ٢٣٧].\n<hr><s0>\n\n(وإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) أي: وإن طلقتم النساء من قبل الدخول بهن وجماعهن.\n(وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) أي: والحال أنكم قد فرضتم لهن فريضة، أي: قدرتم وحددتم لهن مهرًا.\n(فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) أي: فنصف الذي فرضتم لهن، أي: فالواجب لهن نصف المهر الذي قدرتموه.\n• فمن طلقت قبل المسيس وقبل فرض المهر فلها المتعة كما سبق في الآية السابقة، ومن طلقت قبل المسيس وبعد فرض المهر فلها نصف المفروض من المهر.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) أي: فالواجب نصف ما فرضتم، أي من المهر فالنصف للزوج والنصف للمرأة بإجماع.\n• قوله تعالى (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) مفهومه أن بعد المسيس - وكذلك بعد الخلوة بها - وجب لها المهر كاملًا، لأن الصحابة أعطوا الخلوة حكم الدخول والجماع.\n(إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) أي: المطلقات، أي: إلا أن تعفو المطلقات قبل المسيس عما وجب لهن على أزواجهن من نصف المهر المفروض.\n• قال الرازي: المعنى إلا أن يعفون المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته، ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئًا.\n• قال ابن عاشور: وتسمية هذا الإسقاط عفوًا ظاهرة، لأن نصف المهر حق وجب على المطلق للمطلقة قبل البناء بما استخف بها، أو بما أوحشها، فهو حق وجب لغرم ضر، فإسقاطه عفو لا محالة، أو عند عفو الذي بيده عقدة النكاح.\n(أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) وهو الزوج على القول الصحيح، فهو الذي بيده عقدة النكاح، والمعنى: أو يعفو الذي بيده النكاح - وهو الزوج - فيترك للزوجة المهر كاملًا ولا يطالبها برد نصف المهر.\n• فالمراد بقوله (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) الزوج، وهو قول علي بن أبي طالب، وسعيد بن المسيب، وكثير من الصحابة والتابعين وهو قول أبي حنيفة.","vol":"2","page":300},{"text":"ورجحه ابن جرير وابن الجوزي وقال: لأن عقدة النكاح خرجت من يد الولي، فصارت بيد الزوج، والعفو إنما يُطلق على ملك\nالإِنسان، وعفو الولي عفو عما لا يملك، ولأنه قال (ولا تنسَوا الفضل بينكم) والفضل فيه هبة الإنسان مال نفسه، لا مال غيره.\n(وَأَنْ تَعْفُوا) أيها الأزواج، أو أيها الأزواج والزوجات.\nوقال بعض العلماء الخطاب للأزواج.\n• قال أبو حيان: وكون عفو الزوج أقرب للتقوى من حيث إنه كسر قلب مطلقته، فيجبرها بدفع جميع الصداق لها، إذ كان قد فاتها منه صحبته، فلا يفوتها منه نحلته، إذ لا شيء أصعب على النساء من الطلاق، فإذا بذل لها جميع المهر لم تيأس من ردّها إليه، واستشعرت من نفسها أنه مرغوب فيها، فانجبرت بذلك.\n(أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) أي: إلى تقوى الله.\nوفي هذا ترغيب بالعفو والتسامح، وبخاصة بين الزوجين، فمن عفا عن صاحبه فهو أقرب لتقوى الله ﷿.\n• قال الشوكاني: وفي هذا دليل على ما رجحناه من أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج؛ لأن عفو الوليّ عن شيء لا يملكه ليس هو أقرب إلى التقوى، بل أقرب إلى الظلم والجور.\n• قال ابن عاشور: ومعنى كون العفو أقرب للتقوى: أن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة الوازع، والوازع شرعي وطبيعي، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة، فتكون التقوى أقرب إليه، لكثرة أسبابها فيه.","vol":"2","page":301},{"text":"• قال الرازي: قوله تعالى (وأن تعفو أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وإنما كان لذلك لوجهين:\nالأول: أن من سمح بترك حقه فهو محسن، ومن كان محسنًا فقد استحق الثواب، ومن استحق الثواب نفى بذلك الثواب ما هو دونه من العقاب وأزاله.\nوالثاني: أن هذا الصنع يدعوه إلى ترك الظلم الذي هو التقوى في الحقيقة، لأن من سمح بحقه وهو له معرض تقربًا إلى ربه كان أبعد من أن يظلم غيره يأخذ ما ليس له بحق.\n• قال السعدي: رغب الله في العفو، وأن من عفا، كان أقرب لتقواه، لكونه إحسانًا موجبا لشرح الصدر، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف، وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة، لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب، وهو: أخذ الواجب، وإعطاء الواجب، وإما فضل وإحسان، وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق، والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة، ولو في بعض الأوقات، وخصوصًا لمن بينك وبينه معاملة، أو مخالطة، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-760> في الآية الترغيب في العفو:</span>\nقال تعالى (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ).\nوقال تعالى: (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).\nوقال النبي -ﷺ-: (وما ازداد عبد بعفو إلا عزًا). رواه مسلم\n(وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) أي: لا تتركوا الفضل والإحسان والتسامح بينكم وتهملوه وتغفلوا عنه.\n• قال ابن عاشور: ففي تعاهده عون كبير على الإلف والتحابب، وذلك سبيل واضحة إلى الاتحاد والمؤاخاة والانتفاع بهذا الوصف عند حلول التجربة.\nوالنسيان هنا مستعار للإهمال وقلة الاعتناء كما في قوله تعالى (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا) وهو كثير في القرآن، وفي كلمة (بينكم) إشارة إلى هذا العفو.","vol":"2","page":302},{"text":"• وقال الرازي: قوله تعالى (وَلَا تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ) وليس المراد منه النهى عن النسيان لأن ذلك ليس في الوسع بل المراد منه الترك، فقال تعالى: ولا تتركوا الفضل والإفضال فيما بينكم.\n• قال سفيان، عن أبي هارون قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس القرظي، فكان عون يحدثنا ولحيته تُرَش من البكاء ويقول: صحبت الأغنياء فكنت من أكثرهم هَمًّا، حين رأيتهم أحسن ثيابًا، وأطيب ريحًا، وأحسن مركبًا مني، وجالست الفقراء فاسترحت بهم، وقال (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فَلْيَدْعُ له. رواه ابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير).\n(إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أي: مطلع عليه كله، وعالم به، ولا يخفى عليه شيء منه، وسيحاسبكم ويجازيكم عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-761>الفوائد:</span>\n١ - أن الرجل إذا طلق زوجته قبل الدخول وقد سمى لها صداقًا وجب لها نصف المهر.\n٢ - أن الصحابة قضوا أنه إذا خلا بها فهو كالمسيس.\n٣ - جواز الطلاق قبل المسيس مع تعيين المهر.\n٤ - جواز إسقاط المرأة ما وجب لها من المهر عن الزوج أو بعضه، وكذلك جواز عفو الزوج.\n٥ - الترغيب في العفو.\n٦ - أن الأعمال تتفاضل.\n٧ - إحاطة علم الله تعالى وبصره بكل شيء.","vol":"2","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-762>(حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (٢٣٩».</span> [البقرة: ٢٣٨ - ٢٣٩].\n<hr><s0>\n\n(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) يأمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها.\n• قال أبو حيان: الألف واللام فيها للعهد، وهي: الصلوات الخمس. قالوا: وكل صلاة في القرآن مقرونة بالمحافظة، فالمراد بها الصلوات الخمس.\nوقد مدح الله المحافظين عليها بقوله (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ).\nوقال -ﷺ- (… من حافظ عليها، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة).\nوقال -ﷺ- (من حافظ عليهن كن له نورًا ونجاة وبرهانًا يوم القيامة).\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود قال (سألت رسول الله -ﷺ-، أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: حدثني بهن رسول الله -ﷺ-، ولو استزدتُه لزادني). متفق عليه\n(وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى) تخصيص بعد تعميم، فخص الصلاة الوسطى بمزيد التأكيد من بين الصلوات.\nوقد اختلف العلماء في بالمراد بالصلاة الوسطى، والصحيح أنها صلاة العصر.\nعن علي قال: قال رسول الله -ﷺ- يوم الأحزاب (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارًا). رواه مسلم\nوعن سمرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (صلاة الوسطى صلاة العصر) رواه الترمذي.\nفهي الوسطى بين الصلوات وقتًا وفضلًا:\nفهي من حيث الوقت وسط بين صلاة النهار وصلاة اليل.","vol":"2","page":304},{"text":"وهي من حيث الفضل الفضلى بين الصلوات، أي: أفضل الصلوات.\n\n•<span data-type='title' id=toc-763> قال الماوردي: وفي تسميتها بالوسطى ثلاثة أوجه:</span>\nأحدها: لأنها أوسط الصلوات الخمس محلًا، لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار.\nوالثاني: لأنها أوسط الصلاة عددًا، لأن أكثرهن أربع وأقلهن ركعتان.\nوالثالث: لأنها أفضل الصلوات ووسط الشيء ووسطاه أفضله، وتكون الوُسْطَى بمعنى الفُضْلَى.\n• فضل صلاة الفجر والعصر.\nأولًا: أن المحافظة عليهما من أسباب دخول الجنة.\nلقوله -ﷺ- (من صلى البردين دخل الجنة) متفق عليه.\nثانيًا: سبب للنجاة من النار.\nقال -ﷺ-: (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) يعني الفجر والعصر.\nثالثًا: الملائكة يجتمعون في هاتين الصلاتين.\nقال -ﷺ-: (يتعاقبون عليكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم الله وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون). متفق عليه\nرابعًا: سبب لرؤية الله في الآخرة.\nقال -ﷺ-: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا). متفق عليه\n• وقد جاء الترهيب في التهاون بصلاة العصر وتركها:\nقال -ﷺ- (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) رواه البخاري.\nوقال -ﷺ- (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله) متفق عليه.","vol":"2","page":305},{"text":"• قوله تعالى (حافظوا على الصلوات ..) هناك<span data-type='title' id=toc-764> أمور ينبغي المحافظة عليها:</span>\n<span data-type='title' id=toc-765>أولًا: الصلاة.</span>\nكما في هذه الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-766>ثانيًا: حفظ الله.</span>\nكما قال -ﷺ- (احفظ الله يحفظك).\n\n<span data-type='title' id=toc-767>ثالثًا: الطهارة.</span>\nقال -ﷺ- (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) رواه ابن ماجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-768>رابعًا: الأيْمان.</span>\nقال تعالى (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ).\n\n<span data-type='title' id=toc-769>خامسًا: اللسان والفرج</span>\nقال -ﷺ- (من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة) رواه الحاكم.\nوقال تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ).\nوقال تعالى (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ).\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ).","vol":"2","page":306},{"text":"(وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) أي: خاشعين ذليلين مستكنين بين يديه.\n• قوله تعالى (.. لِلَّهِ قَانِتِينَ) أي: مخلصين لله ذليلين له.\n(فَإِنْ خِفْتُمْ) أي: فإذا كنتم في خوف من عدو أو غيره.\n(فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) أي: فصلوا ماشين على الأقدام أو راكبين على الدواب.\n• قال ابن كثير: أي فصلوا على أي حال كان - رجالًا أو ركبانًا - يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.\n• قال القرطبي: لمّا أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قُنوت وهو الوَقار والسّكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطُّمَأنينة ذكر حالة الخوف الطارئة أحيانًا، وبيّن أن هذه العبادةَ لا تسقط عن العبد في حال، ورخّص لعبيده في الصلاة رجالًا على الأقدام ورُكبانًا على الخيل والإبل ونحوها، إيماءً وإشارة بالرأس حيثما توجّه؛ هذا قول العلماء، وهذه هي صلاة الفَذّ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المُسَايفة أو من سَبُع يطلبه أو من عدوّ يتبعه أو سَيْل يحمله، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمّنته هذه الآية.\n(فَإِذَا أَمِنْتُمْ) أي: فإذا زال الخوف وجاء الأمن.\n(فَاذْكُرُوا اللَّهَ) أي: أقيموا صلاتكم كما أمرتم، فأتموا ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وخشوعها، وهذه الآية كقوله تعالى (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ).\n(كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) أي: مثل ما أنعم عليكم وهداكم للإيمان وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقابلوه بالشكر والذكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-770>الفوائد:</span>\n١ - وجوب المحافظة على الصلاة.\n٢ - فضيلة عظيمة لصلاة العصر.\n٣ - وجوب القيام.\n٤ - وجوب الإخلاص لله.\n٥ - سعة رحمة الله.\n٦ - جواز الصلاة على الراحلة حال الخوف.\n٧ - يجب على المرء القيام بالعبادة على وجه التمام متى زال العذر.","vol":"2","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-771>(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢».</span> [البقرة: ٢٤٠ - ٢٤٢].\n<hr><s0>\n\n(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) أي: والذين يقبضون ويموتون منكم أيها المؤمنون.\n(وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) أي: ويتركون زوجات لهم.\n(وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ) من رفع (وصيةٌ) أي: عليهم وصية لأزواجهم.\nومن قرأ بالنصب (وصيةً) أي: يوصون وصية، أو نوصيهم وصية لأزواجهم.\n• قال الرازي: القائلون بأن هذه الوصية كانت واجبة أوردوا على أنفسهم سؤالًا فقالوا: الله تعالى ذكر الوفاة، ثم أمر بالوصية، فكيف يوصي المتوفى؟ وأجابوا عنه بأن المعنى: والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا، فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها، وجواب آخر وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله تعالى بمعنى أمره وتكليفه، كأنه قيل: وصية من الله لأزواجهم، كقوله (يُوصِيكُمُ الله في أولادكم) وإنما يحسن هذا المعنى على قراءة من قرأ بالرفع.\n(مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ) أي: بأن تمتّع أزواجهم بعدهم حولًا كاملًا، يُنفق عليهن من تركته.\n(غَيْرَ إِخْرَاجٍ) ولا يُخرجن من مساكنهم.\n(فَإِنْ خَرَجْنَ) أي: الزوجات باختيارهن قبل انقضاء السنة.\n(فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) أي: فلا إثم عليكم - أيها الورثة - في ذلك، ولا حرج على الزوجات فيما فعلن في أنفسهن من أمور مباحة.","vol":"2","page":308},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-772> وفي رفع الجناح وجهان:</span>\nأحدهما: لا جناح في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول.\nوالثاني: لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج، لأن مقامها حولًا في بيت زوجها ليس بواجب عليها.\n• هذه الآية منسوخة عند أكثر العلماء.\nقال ابن كثير: قال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها وهي قوله (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).\nروى البخاري عن ابن أبي مُلَيْكة، قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها -أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير شيئًا منه من مكانه.\nومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها فأثبتها حيث وجدتها.\n• قال القرطبي: ذهب جماعة من المفسرين في تأويل هذه الآية أنّ المتوفّى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفَّى عنها حولًا، ويُنفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل؛ فإن خرجت لم يكن على الورثة جُناح في قطع النفقة عنها؛ ثم نُسخ الحولُ بالأربعة الأشهر والعشر، ونُسخت النفقةُ بالرُّبُع والثُّمن في سورة \" النساء\" قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد والربيع. وفي السكنى خلاف للعلماء.\n(وَاللَّهُ عَزِيزٌ) له جميع أنواع العزة، عزة القوة، وعزة الامتناع، وعزة القهر.\nوهذه العزة مستلزمة للوحدانية، إذا الشركة تنقص العزة، ومستلزمة لصفات الكمال، لأن الشركة تنافي كمال العزة، ومستلزمة لنفي أضدادها، ومستلزمة لنفي مماثلة أضدادها له في شيء منها.\n(حَكِيمٌ) له الحكمة الكاملة البالغة.\n(وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) سبق في الآية (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ) أن فيها دليلًا على وجوب المتعة على المطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها.","vol":"2","page":309},{"text":"وذهب بعض العلماء إلى أن المتعة واجبة لكل مطلقة، سواء طلقت قبل الدخول أم بعده، وسواء فرض لها صداق أم لم يفرض.\nوهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجماعة من أهل العلم.\nلقوله تعالى (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) ولفظ المطلقات عام، وأكد ذلك بقوله (حقًا).\nوذهب بعض العلماء إلى أن المتعة مستحبة لكل مطلقة.\nلقوله تعالى (… حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (… حقًا على المحسنين) قالوا: ولو كانت واجبة لما خُص بها المحسنون والمتقون، بل كانت حقًا على كل أحد.\nوالراجح - والله أعلم - ما تقدم أن المتعة واجبة لمن طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر، وأما غيرها من المطلقات فالمتعة في حقها مستحبة.\n(حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) الذين يتقون الله، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ولهذا خصهم بالذكر.\n• قال الشنقيطي: واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن الله تعالى قال (حَقًّا عَلَى المحسنين) (حَقًّا عَلَى المتقين) قالوا: فلو كانت واجبة لكانت حقًا على كل أحد، وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب.\nقال مقيده - عفا الله عنه - هذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما يظهر، لأن قوله (عَلَى المحسنين) و(عَلَى المتقين) تأكيد للوجوب وليس لأحد أن يقول لست متقيًا مثلًا، لوجوب التقوى على جميع الناس، قال القرطبي في تفسير قوله تعالى ومتعوهن الآية ما نصه: وقوله على المتقين تأكيد لإيجابها. لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه وقد قال تعالى في القرآن (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، وقولهم لو كانت واجبة لعين القدر الواجب فيها، ظاهر السقوط. فنفقة الأزواج والأقارب واجبة ولم يعين فيها القدر اللازم، وذلك النوع من تحقيق المناط مجمع عليه في جميع الشرائع كما هو معلوم.","vol":"2","page":310},{"text":"(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) أي: مثل ذلك البيان السابق يوضح ويفصل لكم آياته الشرعية والكونية.\n(لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (لعل) للتعليل، أي: لأجل أن تنتفعوا بعقولكم وتتدبروا وتتفهموا عن الله آياته، وما فيها من الأحكام والحكم، والأوامر والنواهي، والحلال والحرام.\n\n<span data-type='title' id=toc-773>الفوائد:</span>\n١ - أنه يشرع للزوج أن يوصي لزوجته أن تبقى في بيته، وينفق عليها من تركته لمدة حول كامل، وقد تقدم أن هذا الحكم منسوخ عند أكثر العلماء.\n٢ - أن المسؤولين عن النساء هم الرجال.\n٣ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم.\n٤ - إثبات العزة والحكمة على سبيل الإطلاق.\n٥ - إباحة الطلاق.\n٦ - وجوب المتعة لكل مطلقة. (وقد تقدم الخلاف في ذلك).\n٧ - أنه ينبغي تأكيد الحقوق التي قد يتهاون الناس بها.\n٨ - اعتبار العرف.\n٩ - أن التقوى تحمل على طاعة الله.\n١٠ - منّة الله على عباده بتبيين الآيات.","vol":"2","page":311},{"text":"<span data-type='title' id=toc-774>(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣».</span> [البقرة: ٢٤٣].\n<hr><s0>\n\n(أَلَمْ تَرَ) أي: ألم يصل سمعك يا محمد، أو أيها المخاطب.\n(إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ) أي: حال أولئك القوم الذين خرجوا من وطنهم وهم ألوف مؤلفة.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وهم ألوف) قال الجمهور: هي جمع ألف، قال بعضهم: كانوا ستمائة ألف، وقيل: كانوا ثمانين ألفًا. ابن عباس: أربعين ألفًا. أبو مالك: ثلاثين ألفًا. السدّي: سبعة وثلاثين ألفًا. وقيل: سبعين ألفًا؛ قاله عطاء ابن أبي رباح. وعن ابن عباس أيضًا أربعين ألفًا، وثمانية آلاف؛ رواه عنه ابن جُريج. وعنه أيضًا ثمانية آلاف، وعنه أيضًا أربعة آلاف، وقيل: ثلاثة آلاف. والصحيح أنهم زادوا على عشرة آلاف لقوله تعالى (وَهُمْ أُلُوفٌ) وهو جمع الكثرة، ولا يقال في عشرة فما دونها أُلوف.\nوقيل (وهم ألوف) أي: مؤلفة قلوبهم، قال في التسهيل: وهو ضعيف.\n(حَذَرَ الْمَوْتِ) أي: خوفًا من الموت وفرارًا منه.\nقيل: فرارًا من الطاعون حين نزل بهم، وقيل: أمروا بالجهاد ففروا منه.\nوالغرض من الاستفهام التعجيب والتشويق إلى سماع قصتهم.\n(فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) أي: أماتهم الله ثم أحياهم، وهم قوم من بني إسرائيل.\n• قوله تعالى (فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ) ففي تفسير (قَالَ الله) وجهان:\nالأول: أنه جار مجرى قوله (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وقد تقدم أنه ليس المراد منه إثبات قول، بل المراد أنه تعالى متى أراد ذلك وقع من غير منع وتأخير، ومثل هذا عرف مشهور في اللغة، ويدل عليه قوله (ثُمَّ أحياهم) فإذا صح الإحياء بالقول، فكذا القول في الإماتة.\nوالقول الثاني: أنه تعالى أمر الرسول أن يقول لهم: موتوا، وأن يقول عند الإحياء ما رويناه عن السدي، ويحتمل أيضًا ما رويناه من أن الملك قال ذلك، والقول الأول أقرب إلى التحقيق.","vol":"2","page":312},{"text":"(إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) وجه إفضال الله على الناس في هذه القصة:\nأولًا: أنه يريهم الآيات الباهرات والحجج القاطعات ما يبصرهم بما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.\nثانيًا: إثبات البعث والمعاد، فإذا علموا ذلك عملوا له، فكان في عملهم نجاة لهم من النار بإذن الله.\nثالثًا: تشجيع الناس على القتال في سبيل الله، وبيان أنه لن يقدم أجلًا ولن يؤخره، فإذا جاهدوا في سبيل الله نالوا جنة الله ﷿.\n(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) كما قال تعالى (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).\n• قال ابن كثير: وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء فروا من الوباء طلبًا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعًا في آن واحد.\n• قال ابن عاشور: استئناف ابتدائي للتحريض على الجهاد والتذكير بأن الحذر لا يؤخر الأجل، وأن الجبان قد يلقى حتفه في مظنة النجاة.\n• قال الشنقيطي: المقصود من هذه الآية الكريمة، تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي،\nفإذا علم الإنسان أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه، هانت عليه مبارزة الأقران، والتقدم في الميدان، وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية حيث أتبعها بقوله (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله) الآية وصرح بما أشار إليه هنا في قوله (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا) وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال، لأنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه ولو فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب.\nويؤخذ من هذه الآية عدم جواز الفرار من الطاعون إذا وقع بأرض وأنت فيها، وقد ثبت عن النَّبي -ﷺ- النهي عن الفرار من الطاعون وعن القدوم على الأرض التي هو فيها إذا كنت خارجًا عنها.\n• قال أبو حيان: قوله (وهم ألوف) في هذا تنبيه على أن الكثرة والتعاضد، وإن كانا نافعين في دفع الأذيات الدنيوية، فليسا بمغنيين في الأمور الإلهية.\n• في الآية أن الحذر لا ينجي من القدر.","vol":"2","page":313},{"text":"كما قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).\nوكما قال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).\nوكما قال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ …).\nوقال تعالى (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا).\nوقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ).\nوقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ).\n• قال السعدي: وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله، تارة بالترغيب في فضله وثوابه، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودهم، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك وقصرها.\nوقوله تعالى (فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) المراد بها الحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، وهذا قول الأكثر. قاله القرطبي، وقيل: المراد بالبروج بروج مبنية في السماء، لكن هذا القول ضعيف، لأن الله قال (مشيّدة) وهذا الوصف لا يكون أبدًا للبروج السماوية، وإنما يكون للقصور العالية. قاله الشيخ ابن عثيمين.\nقال الحسن: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي عقل عقلًا.\nقال بعض العلماء لأحد إخوانه: احذر الموت في هذه الدنيا قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده.\nقال أبو الدرداء: إذا ذكرت الموتى فعد نفسك أحدهم.\nقالت عائشة لامرأة: أكثري ذكر الموت يرق قلبك.\nوقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله.\nوقال الحسن: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا.\nوقال الحسن: ما ألزم عبد ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عنده.\nوقال أبو الدرداء: من أكثر ذكر الموت قل فرحه وقل حسده.\nوقال سعيد بن جبير: لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد عليّ قلبي.\nوقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير.","vol":"2","page":314},{"text":"وقال الثوري: لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون ما أكلتم منها سمينًا.\nوقال الحسن بن عبد العزيز: من لم يردعه القرآن والموت، فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.\nوقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لم يُنتفع به أيامًا، وفي الحديث: (أكثروا ذكر هاذم اللذات).\nتزود من الدنيا فإنك لا تدري … إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر\nفكم من صحيح مات من غير علة … وكم من سقيم عاش حينا من الدهر\nوكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا … وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري\nوكم من صغار يرتجى طول عمرهم … وقد أدخلت أجسامهم ظلمة القبر\nوكم من عروس زينوها لزوجها … وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر\nفمن عاش ألفا وألفين … فلا بد من يوم يسير إلى القبر\n• فالقتال في سبيل الله لا يقرّب أجلًا ولا يباعده.\n\n<span data-type='title' id=toc-775>الفوائد:</span>\n١ - أنه لا فرار من قدر الله.\n٢ - قدرة الله تعالى بإماتة الحي، وإحياء الميت.\n٣ - إثبات البعث.\n٤ - إذا كان الموت لابد منه، فيجب الاستعداد له.\n٥ - أن الشاكر من الناس قليل.\n٦ - فضل شكر الله.","vol":"2","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-776>(وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤».</span> [البقرة: ٢٤٤].\n<hr><s0>\n\n(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: قاتلوا أيها المسلمون الكفار لنصرة دين الله.\nقيل: إن هذا خطاب للذين أحيوا، قال الضحاك: أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد لأنه تعالى إنما أماتهم بسبب أن كرهوا الجهاد.\nوقيل: - وهو اختيار جمهور المحققين - أن هذا استئناف خطاب للحاضرين، يتضمن الأمر بالجهاد إلا أنه سبحانه بلطفه ورحمته قدم على الأمر بالقتال ذكر الذين خرجوا من ديارهم لئلا ينكص عن أمر الله بحب الحياة بسبب خوف الموت، وليعلم كل أحد أنه يترك القتال لا يثق بالسلامة من الموت، كما قال في قوله (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا) فشجعهم على القتال الذي به وعد إحدى الحسنيين، إما في العاجل الظهور على العدو، أو في الآجل الفوز بالخلود في النعيم، والوصول إلى ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا خطاب لأُمة محمد -ﷺ- بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور. وهو الذي يُنْوَى به أن تكون كلمة الله هي العليا.\n(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) لأقوالكم.\n(عَلِيمٌ) بنياتكم وأعمالكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-777>الفوائد:</span>\n١ - وجوب الجهاد في سبيل الله.\n٢ - أن الحكمة من الجهاد هو إعلاء كلمة الله.\n٣ - التنبيه على الإخلاص في الجهاد.\n٤ - التحذير من إرادة غير الله في الجهاد.\n٥ - تهديد من أراد غير سبيل الله في جهاده، لأن الله ﷿ مطلع عليه.\n٦ - إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: السميع والعليم.","vol":"2","page":316},{"text":"<span data-type='title' id=toc-778>(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥».</span> [البقرة: ٢٤٥].\n<hr><s0>\n\n(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) أي: من ذا الذي يقرض الله بالإنفاق في سبيله في وجوه البر كلها، من الزكوات والصدقات، والإنفاق على الأهل والأولاد، وعلى المحتاجين من الأقارب واليتامى والمساكين وغيرهم.\n• قال ابن كثبر: فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة وعزيمة صادقة دخل في عموم هذه الآية.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ..) اعتراض بين جملة (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) إلى آخرها، وجملة (ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل) الآية، قصد به الاستطراد للحث على الإنفاق لوجه الله في طرق البر، لمناسبة الحث على القتال، فإن القتال يستدعي إنفاق المقاتل على نفسه في العُدَّة والمَؤُونة مع الحث على إنفاق الواجد فضلًا في سبيل الله بإعطاء العُدَّة لمن لا عُدَّة له، والإنفاق على المعسرين من الجيش، وفيها تبيين لمضمون جملة (واعلموا أن الله سميع عليم) فكانت ذات ثلاثة أغراض.\n• قال أبو حيان: ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما أمر بالقتال في سبيل الله، وكان ذلك مما يفضي إلى بذل النفوس والأموال في إعزاز دين الله، أثنى على من بذل شيئًا من ماله في طاعة الله، وكان هذا أقل حرجًا على المؤمنين، إذ ليس فيه إلاَّ بذل المال دون النفس، فأتى بهذه الجملة الاستفهامية المتضمنة معنى الطلب.\n• قال القرطبي: وسمّي قرضًا؛ لأن القرض أخْرج لاسترداد البدل، أي من ذا الذي ينفق في سبيل الله حتى يبدِله الله بالأضعافِ الكثيرة.\n• وقال بعض العلماء: وسمي الإنفاق قرضًا حسنًا لله تعالى، مع أن المال ماله، والملك ملكه، والخلق عبيده، حثًا وترغيبًا فيه.\n• قال ابن القيم: سمى ذلك الإنفاق قرضًا حسنًا، حثًا للنفوس وبعثًا لها على البذل، لأن الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولا بد طوّعت له نفسه بذله، وسهل عليه إخراجه، فإن علم أن المستقرض مليّ وفيّ محسن كان أبلغ في طيب قلبه وسماحة نفسه، فإن علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه وينميه له ويثمره حتى يصير أضعاف ما بذله كان بالقرض أسمح وأسمح، فإن علم أنه مع ذلك كله يزيده من فضله وعطائه أجرًا آخر من غير جنس القرض، وأن ذلك الأجر حظ عظيم وعطاء كريم فإنه لا يتخلف عن قرضه إلا لآفة في نفسه من البخل والشح أو عدم الثقة بالضمان، وذلك من ضعف إيمانه","vol":"2","page":317},{"text":"• قال ابن القيم: القرض الحسن يجمع أمورًا ثلاثة:\nأحدها: أن يكون من طيب ماله لا من رديئه وخبيثه.\nالثاني: أن يخرجه طيبة به نفسه ثابتة عند بذله ابتغاء مرضاة الله.\nالثالث: أن لا يمن به ولا يؤذي.\n(فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) أي: خلفًا في الدنيا كما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) ويضاعفه له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة كما قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).\nوقال تعالى (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).","vol":"2","page":318},{"text":"وفي الآخرة كما في قوله تعالى في سورة الحديد (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيم) أي: وله ثواب عظيم وهو الجنة وما فيها من ألوان النعيم، كما قال تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).\n(وَاللَّهُ يَقْبِضُ) أي: يقتّر على من يشاء.\n(وَيَبْسُطُ) أي: ويوسع على من يشاء ابتلاء وحكمة.\n(وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) بعد الموت، فيجازيكم على أعمالكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-779>الفوائد:</span>\n١ - الحث على الإنفاق في طاعة الله ﷿.\n٢ - أنه لا يضيع شيء عند الله ﷿، وأن الله يعوض المنفق.\n٣ - ينبغي الحرص على أن يكون الإنفاق والعطاء حسنًا، فلا يمن به ولا يقصد به رياء ولا سمعة.\n٤ - وعد من الله ﷿ أن من أنفق بطاعة الله ﷿ يريد ما عند الله أن الله يضاعف له ذلك ويخلفه وله الأجر الكبير يوم القيامة.","vol":"2","page":319},{"text":"<span data-type='title' id=toc-780>(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦».</span> [البقرة: ٢٤٦].\n<hr><s0>\n\n(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) أي: ألم يصل خبر القوم إليك؟ وهو تعجيب وتشويق للسامع، وكانوا من بني إسرائيل وبعد وفاة موسى ﵇.\n(إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: حين قالوا لنبيهم (شمعون) وهو من نسل هارون، أقم لنا أميرًا واجعله قائدًا لنا لنقاتل معه الأعداء في سبيل الله.\n(قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا) أي: قال لهم نبيهم: أخشى أن يُفرض عليكم القتال ثم لا تقاتلوا عدوكم وتجبنوا عن لقائه.\n(قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا) قالوا مستنكرين توقع نبيهم: وأي مانع يمنعنا عن القتال\nفي سبيل الله، وقد أخرجنا عدونا من ديارنا، وأبعدنا عن أولادنا بالقتل والأسر.\n(فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ) أي: فلما فرض عليهم القتال.\n(تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) نكل أكثرهم عن الجهاد إلا فئة قليلة منهم صبروا وثبتوا.\n• قال القرطبي: وهذا شأن الأُمم المتنعِّمَة المائلة إلى الدَّعَة تتمنّى الحرب أوقات الأنفة فإذا حَضرتِ الحرب كَعَّت وانقادت لِطبعها، وعن هذا المعنى نهى النبيّ -ﷺ- بقوله (لا تتمنوا لِقاء العدوّ وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا).\n(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) وعيد وتهديد لمن تقاعد عن القتال بعد أن فرض عليه بسؤاله ورغبته، وأن الإعراض عما أوجب الله على العبد ظلم، إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-781>الفوائد:</span>\n١ - الحث على النظر والاعتبار بما يحدث وما يذكر الله من القصص.\n٢ - تحذير هذه الأمة عن التولي عن القتال إذا كتب عليهم.\n٣ - أنه لا بد للجيوش من قائد يتولى قيادتها.\n٤ - الإشارة إلى الإخلاص.\n٥ - الإشارة إلى قول النبي -ﷺ- (لا تتمنوا لقاء العدو).\n٦ - أن الإنسان لا ينبغي له أن يسأل شيئًا قبل وقوعه.\n٧ - تحريم الظلم بأنواعه.\n(الأحد ٣٠/ ١/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"2","page":320},{"text":"<span data-type='title' id=toc-782>(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٤٨».</span> [البقرة: ٢٤٧ - ٢٤٨].\n<hr><s0>\n\n(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) أي: لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكًا منهم فعين لهم طالوت، وكان رجلًا من أجنادهم ولم يكن من بيت الملك فيهم؛ لأن الملك فيهم كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط فلهذا قالوا:\n(قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا) أي: كيف يكون ملكًا علينا.\n• قال القرطبي: جَروا على سنّتهم في تَعْنِيتهم الأنبياء وحَيْدهم عن أمر الله تعالى.\n• وقال ابن عاشور: وأَنَّى في قوله (أنى يكون له الملك علينا) بمعنى كيف، وهو استفهام مستعمل في التعجب، تعجبوا من جعل مِثله ملكًا، وكان رجلًا فلاحًا من بيت حقير، إلاّ أنه كان شجاعًا، وكان أطول القوم.\n(وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ) أي: لأنا فينا من هو من أولاد الملوك.\n(وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) أي: ثم هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك، وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء وقيل: دباغًا، وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف.\n• قال أبو حيان: هذا كلام من تعنتَ وحادَ عن أمر الله، وهي عادة بني إسرائيل، فكان ينبغي لهم إذ قال لهم النبي عن الله (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا) أن يسلموا لأمر الله، ولا تنكره قلوبهم، ولا يتعجبوا من ذلك، ففي المقادير أسرار لا تدرك، فقالوا: كيف يملك علينا من هو دوننا.","vol":"2","page":321},{"text":"(قَالَ) أي: نبيهم مجيبًا لهم:\n(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ) أي: اختاره لكم من بينكم والله أعلم به منكم. يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك.\n(وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) أي: وهو مع هذا أعلم منكم، وأنبل وأشكل منكم وأشد قوة وصبرًا في الحرب ومعرفة بها، أي: أتم علمًا وقامة منكم.\n• قال الشوكاني: قوله تعالى (اصطفاه عَلَيْكُمْ) أي: اختاره، واختيار الله هو الحجة القاطعة، ثم بين لهم مع ذلك وجه الاصطفاء: بأن الله زاده بسطة في العلم، الذي هو ملاك الإنسان، ورأس الفضائل، وأعظم وجوه الترجيح، وزاده بسطة في الجسم الذي يظهر به الأثر في الحروب، ونحوها، فكان قويًا في دينه، وبدنه، وذلك هو المعتبر، لا شرف النسب. فإن فضائل النفس مقدّمة عليه.\n• وقال الرازي: قال بعضهم: المراد بالبسطة في الجسم طول القامة، وكان يفوق الناس برأسه ومنكبه، وإنما سمي طالوت لطوله.\nوقيل: المراد من البسطة في الجسم الجمال، وكان أجمل بني إسرائيل.\nوقيل: المراد القوة، وهذا القول عندي أصح لأن المنتفع به في دفع الأعداء هو القوة والشدة، لا الطول والجمال.\n• قال الرازي: إنه تعالى قدم البسطة في العلم، على البسطة في الجسم، وهذا منه تعالى تنبيه على أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف وأكمل من الفضائل الجسمانية.\n• وقال ابن عاشور: قدم النبي في كلامه العلم على القوة لأن وقعه أعظم، قال أبو الطيب:\nالرأي قبلَ شجاعةِ الشجعان … هو أَوَّلٌ وهي المحل الثاني.\nفالعلم المراد هنا، هو علم تدبير الحرب وسياسة الأمة، وقيل: هو علم النبوة، ولا يصح ذلك لأن طالوت لم يكن معدودًا من أنبيائهم.\n• قال أبو السعود: لمّا استبعدوا تملُّكَه بسقوط نسَبِه وبفقره ردَّ عليهم ذلك:\nأولًا: بأن مَلاكَ الأمرِ هو اصطفاءُ الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم.\nوثانيًا: بأن العُمدة فيه وُفورُ العلم ليتمكَّنَ به من معرفة أمورِ السياسةِ، وجسامةُ البدن ليعظُم خطرُه في القلوب ويقدِرَ على مقاومة الأعداءِ ومكابدةِ الحروب وقد خصه الله تعالى منهما بحظٍّ وافرٍ.","vol":"2","page":322},{"text":"• قال الرازي: واعلم أن القوم لما كانوا مقرين بنبوة ذلك النبي، كان إخباره عن الله تعالى أنه جعل طالوت ملكًا عليهم حجة قاطعة في ثبوت الملك.\n• قال ابن كثير: ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه.\n(وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) أي هو الحاكم الذي ما شاء فعل ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون لعلمه وحكمته ورأفته بخلقه.\nكما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ).\n• هذا جواب عن شبهتم، وتقريره أن الملك لله، والعبيد لله، فهو سبحانه يؤتي ملكه من يشاء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله، لأن المالك إذا تصرف في ملكه فلا اعتراض لأحد عليه في فعله.\n• قال الشوكاني: قوله تعالى (والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء) فالملك ملكه، والعبيد عبيده، فما لكم والاعتراض على شيء ليس هو لكم، ولا أمره إليكم. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله (والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء) من قول نبينا محمد -ﷺ-، وقيل: هو من قول نبيهم، وهو الظاهر.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (والله يؤتي ملكه من يشاء) يحتمل أن يكون من كلام النبي، فيكون قد رجع بهم إلى التسليم إلى أمر الله، بعد أن بين لهم شيئًا من حكمة الله في ذلك.\nويحتمل أن يكون تذييلًا للقصة من كلام الله تعالى.","vol":"2","page":323},{"text":"• قوله تعالى (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة.\n(وَاللَّهُ وَاسِعٌ) قال ابن جرير: واسع يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير.\n• وقال الخطابي: الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه.\n• وقال السعدي: الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة، والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم.\n• فالله ﷿ واسع العطاء، كثير الإفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وفضله، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.\n• (والله واسع المغفرة) ومن سعة مغفرته: أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه.\nقال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). وقال حملة العرش عن ربهم ﵎ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).\n• والله واسع العلم: كما قال تعالى (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا).\n• والله واسع الرحمة: كما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، وقال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).\n(عَلِيمٌ) بكل شيء لا تخفى عليه خافية، عَلِيمٌ بمن يستحق الملك، ويصلح له.\n(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ) يقول نبيهم لهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم.\n• قال الشوكاني: أي: علامة ملكه إتيان التابوت الذي أخذ منهم، أي: رجوعه إليكم، وهو صندوق التوراة.\n• التابوت صندوق، لكن ما هي صفة التابوت الوارد في الآية، الله أعلم بذلك.","vol":"2","page":324},{"text":"(فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) اختلف في المراد بالسكينة، ورجح الطبري أنها ما تسكن إليه النفوس من الآيات التي يعرفونها.\n(وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ) اختلف في المراد بالبقية، قيل: عصا موسى، وقيل: رضاض الألواح، وقيل: هي\nبعض ما تركه آل موسى وآل هارون من ثياب.\n• قال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن التابوت الذي جعله آية لصدق قول نبيه -ﷺ- الذي قال لأمته: \" إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا\" أن فيه سكينة منه، وبقية مما تركه آل موسى وآل هارون. وجائز أن يكون تلك البقية: العصا، وكسر الألواح، والتوراة، أو بعضها، والنعلين، والثياب، والجهاد في سبيل الله وجائز أن يكون بعض ذلك، وذلك أمر لا يدرك علمه من جهة الاستخراج ولا اللغة، ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلم. ولا خبر عند أهل الإسلام في ذلك للصفة التي وصفنا، وإذ كان كذلك، فغير جائز فيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره، إذ كان جائزًا فيه ما قلنا من القول.\n• قال ابن عطية: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى، فالمعهود أن الله ينصر الحق والأمور الفاضلة عنده، والسكينة على هذا فعيلة مأخوذة من السكون، كما يقال عزم عزيمة وقطع قطيعة.\n(تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ) قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون.","vol":"2","page":325},{"text":"(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لكم) أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت.\n(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: بالله واليوم الآخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-783>الفوائد:</span>\n١ - تعظيم الأنبياء لله تعالى وحسن أدبهم.\n٢ - وجوب الإيمان بالقدر.\n٣ - فضل العلم.\n٤ - أن الملك يقوى بالعلم وقوة البدن.\n٥ - أنه كلما كان ولي الأمر ذا سلطة في العلم وتدبير الأمور والجسم والقوة كان أقوم لملكه.\n٦ - إثبات المشيئة لله.\n٧ - سعة رحمة الله وعلمه وملكه.\n٨ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الواسع والعليم.\n٩ - ما في التابوت من الآيات العظيمة.\n١٠ - أن للسكينة تأثيرًا على القلوب.\n١١ - إثبات الملائكة.\n١٢ - أن الآيات إنما ينتفع بها المؤمنون.\n١٣ - فضيلة الإيمان.\n١٤ - أن الملائكة أجسام.","vol":"2","page":326},{"text":"<span data-type='title' id=toc-784>(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩».</span>\n[البقرة: ٢٤٩].\n<hr><s0>\n\n(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ) أي: خرج بالجيش وانفصل عن بيت المقدس وجاوزه.\n(قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ) أي: مختبركم بنهر.\n• قال ابن الجوزي: ووجه الحكمة في ابتلائهم به أن يعلم طالوت من له نية في القتال منهم ومن ليس له نية.\n• وقال الرازي: في حكمة هذا الابتلاء وجهان:\nالأول: قال القاضي: كان مشهورًا من بني إسرائيل أنهم يخالفون الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة فأراد الله تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدو يتميز بها من يصبر على الحرب ممن لا يصبر، لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو، فلما كان هذا هو الصلاح قبل مقاتلة العدو لا جرم قال (فَإِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ).\nالثاني: أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر على الشدائد.\n• وقال القرطبي: ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء عُلِم أنه مطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهوته (في الماء) وعصى الأمر فهو في العصيان في الشدائد أحرى.\n(فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) أي: من شرب منه فلا يصحبني - وأراد بذلك أن يختبر إرادتهم وطاعتهم قبل أن يخوض غمار الحرب -.\n• قال ابن عاشور: ومعنى قول طالوت (ليس مني) يحتمل أنه أراد الغضب عليه والبعد المعنوي.\nويحتمل أنه أراد أنه يفصله عن الجيش، فلا يكمل الجهاد معه.\nوالظاهر الأول لقوله (ومن لم يطعَمْه فإنه مني) لأنه أراد به إظهار مكانة من ترك الشرب من النهر وولائه وقربه، ولو لم يكن هذا مراده لكان في قوله (فمن شرب منه فليس مني) غنية عن قوله: ومن لم يطعمه فإنه مني؛ لأنه إذا كان الشارب مبعدًا من الجيش فقد علم أن من لم يشرب هو باقي الجيش.","vol":"2","page":327},{"text":"(ومَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: ومن لم يشرب منه فإنه من جندي الذين يقاتلون معي.\n• قال القرطبي: ولم يقل ومن لم يشربه لأن من عادة العرب إذا كرروا شيئًا أن يكرروه بلفظ آخر، ولغة القرآن أفصح اللغات، فلا عِبرة بقدح من يقول: لا يقال طعمت الماء.\n(إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) أي: لكن من اغترف قليلًا من الماء ليبل عطشه وينقع غلته فلا بأس بذلك.\n(فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) أي: فلما وصلوا إلى النهر انكبوا على الماء وأفرطوا في الشرب منه إلا عددًا قليلًا منه صبروا على العطش والحر، واكتفوا بغُرفة اليد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-785> قال ابن الجوزي: وفي عدد القليل الذين لم يشربوا إلا غرفة قولان:</span>\nأحدهما: أنهم أربعة آلاف، قاله عكرمة والسدي.\nوالثاني: ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، وهو الصحيح، لما روي عن النبي -ﷺ-، أنه قال لأصحابه يوم بدر (أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقاء جالوت) وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا.\n• في هذا أن أكثر عباد الله لا ينفذ أمر الله.\nوقد روى أحمد والدارمي عن عبد الله بن سلام قال (قعدنا نفر من أصحاب رسول الله -ﷺ-، فتذاكرنا فقلنا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملناه، فأنزل الله تعالى (سبح لله …) حتى ختمها، قال عبد الله: فقرأها علينا رسول الله -ﷺ- حتى ختمها).\nوالآية إنكار لمن يقول قولًا ولا يفعله، أو يعد وعدًا لا يفي به.\nقال القرطبي: قوله تعالى (لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله، أما في الماضي فيكون كذبًا، وأما في المستقبل فيكون خلفًا وكلاهما مذموم.\n• وفي الآية تعريض بأن العافية لا يعدلها شيء، وأن السلامة غنيمة، وأن الأولى أن الإنسان لا يسأل أو يتمنى أمر قد لا يفي بفعله، أو يلزم نفسه بما لم يلزمه الله به.","vol":"2","page":328},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-786> وقد جاءت آيات في معنى هذه الآية:</span>\nكقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ).\nوقال تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ).\nوقال تعالى (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا).\nوقال تعالى (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ).\n(فلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) أي: فلما عبر طالوت النهر هو والقلة المؤمنة معه - وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا - لملاقاة العدو، ورأوا كثرة عدوهم وعدتهم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-787> فلم يعبر معه إلا المطيع ويدل لذلك أمور:</span>\nالحجة الأولى: أن الله تعالى قال (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه) فالمراد بقوله (الذين ءامَنُواْ مَعَهُ) الذين وافقوه في تلك الطاعة، فلما ذكر الله تعالى كل العسكر، ثم خص المطيعين بأنهم عبروا النهر، علمنا أنه ما عبر النهر أحد إلا المطيعين.\nالحجة الثانية: الآية المتقدمة وهي قوله تعالى حكاية عن طالوت (فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي) أي ليس من أصحابي في سفري، كالرجل الذي يقول لغيره: لست أنت منا في هذا الأمر، قال: ومعنى (فَشَرِبُواْ مِنْهُ) أي ليتسببوا به إلى الرجوع، وذلك لفساد دينهم وقلبهم.\nالحجة الثالثة: أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي والمتمرد، حتى يصرفهم عن نفسه ويردهم قبل أن يرتدوا عند حضور العدو، وإذا كان المقصود من هذا الابتلاء ليس إلا هذا المعنى كان الظاهر أنه صرفهم عن نفسه في ذلك الوقت وما أذن لهم في عبور النهر.\n(قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) أي: لا قدرة لنا اليوم بجالوت وجنوده الأشداء.","vol":"2","page":329},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-788> قال ابن الجوزي: واختلفوا في القائلين لهذا على ثلاثة أقوال:</span>\nأحدها: أنهم الذين شربوا أكثر من غرفة، فإنهم انصرفوا، ولم يشهدوا، وكانوا أهل شك ونفاق، قاله ابن عباس، والسدي.\nوالثاني: أنهم الذين قلت بصائرهم من المؤمنين، قاله الحسن، وقتادة، وابن زيد.\nوالثالث: أنه قول الذين جاوزوا معه، وإنما قال ذلك بعضهم لبعض، لما رأوا من قلتهم، وهذا اختيار الزجاج.\nوقد رجح هذا القول ابن جرير وابن عاشور؛ وقال ابن عاشور: وقد دل قوله (فشربوا منه) على قِلة صبرهم، وأنهم ليسوا بأهل لمزاولة الحروب، ولذلك لم يلبثوا أن صرحوا بعدَ مجاوزة النهر فقالوا (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) فيحتمل أن ذلك قالوه لما رأوا جنود الأعداء، ويحتمل أنهم كانوا يعلمون قوة العدو، وكانوا يسرون الخوف، فلما اقترب الجيشان، لم يستطيعوا كتمان ما بهم.\n(قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ) أي: قال الذين يوقنون بلقاء الله، مذكرين لإخوانهم بالله وقدرته.\n• معنى الظن هنا اليقين. والظن يطلق على اليقين.\nكما في قوله تعالى (وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) أي: فأيقنوا، وكقوله تعالى (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ).\n(كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) كم من جماعة قليلة مؤمنة صابرة، غلبت - بإذن الله - وأمره - جماعة كثيرة كافرة باغية.\n• قال الرازي: المراد منه تقوية قلوب الذين قالوا (لَا طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ) والمعنى أنه لا عبرة بكثرة العدد إنما العبرة بالتأييد الإلهي، والنصر السماوي، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة.\n• قال القرطبي: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل، لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدّام اليسير من العدوّ كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا! وفي البخاريّ: وقال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم.\nوفي المُسْند أن النبيّ -ﷺ- قال (هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم) فالأعمال فاسدة والضعفاء مُهْمَلون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة! قال الله تعالى (اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتقوا الله) وقال (وَعَلَى الله فتوكلوا) وقال (إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ) وقال (وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ) وقال (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ).","vol":"2","page":330},{"text":"فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحلَّ بنا! بل لم يبق من الإسلام إلى ذكره، ولا من الدِّين إلاّ رَسْمُه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدوّ شرقًا وغربًا برًا وبحرًا، وعَمّت الفتن وعظُمت المحَن ولا عاصم إلا من رحِم.\n(وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين) بنصره وتوفيقه وتأييده.\nقال الرازي: يحتمل أن يكون هذا قولًا للذين قالوا (كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ) ويحتمل أن يكون قولًا من الله تعالى، وإن كان الأول أظهر.\n\n<span data-type='title' id=toc-789>الفوائد:</span>\n١ - يجب على القائد أن يمنع من لا يصلح للحرب كالمخذل والمرجف.\n٢ - أن من الحكمة اختبار الجند، ليظهر من أهل للقتال، ومن ليس بأهل.\n٣ - أن أكثر عباد الله لا ينفذ أمر الله.\n٤ - أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللهِ تَعَالَى وَالتَّصْدِيقَ بِلِقَائِهِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ فِي مَوَاقِفِ الْجِلَادِ; فَإِنَّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِأَنَّ لَهُ إِلَهًا غَالِبًا عَلَى أَمْرِهِ يَمُدُّهُ بِمَعُونَتِهِ الْإِلَهِيَّةِ.\n٥ - أن القليل من الناس من يصبر عند البلوى.\n٦ - أهمية اليقين وأنه يحمل الإنسان على الصبر والتحمل.\n٧ - إثبات ملاقاة الله.\n٨ - أنه قد تغلب الفئة القليلة الفئة الكثيرة.\n٩ - فضيلة الصبر.\n١٠ - إثبات المعية لله تعالى.","vol":"2","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-790>(وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢».</span> [البقرة: ٢٥٠ - ٢٥٢].\n<hr><s0>\n\n(وَلَمَّا بَرَزُوا) أي: ولما واجه حزب الإيمان - وهم قليل - من أصحاب طالوت.\n• قال الشوكاني: أي لما صاروا في البراز وهو المتسع من الأرض.\n(لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) وشاهدوا ما هم عليه من العَدد والعُدد وأيقنوا أنهم غيرُ مطيقين لهم عادة.\n• جالوت أمير العمالقة.\n(قَالُوا) داعين ربهم.\nكما قال تعالى عن أولئك (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين) وهكذا كان يفعل رسول الله -ﷺ- في كل المواطن، وروي عنه في قصة بدر أنه ﵇ لم يزل يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدوًا قال (اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم \" وكان يقول (اللهم بك أصول وبك أجول).\n(أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا) أي: أنزل علينا صبرًا من عندك.\n(وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) أي: في لقاء الأعداء، وجنبنا الفرار والعجز.\n(وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) أي: وانصرنا بعونك وتأييدك على القوم الكافرين.\nوفي هذا تنبيه على أن قتالهم إياهم إنما هو لوصف كفرهم لا لغرض دنيوي.\n(فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم، بإذنه تعالى الكوني القدري.\nوَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ) أي: وقتل داود - ﵇ - جالوت قائد الجبابرة.\n(وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) مع النبوة.\nقال ابن الجوزي: يعني آتى داود ملك طالوت.\n(وَالْحِكْمَةَ) قيل النبوة، وقيل: الزبور.\n(وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به -ﷺ-.\nمن ذلك ما ذكره تعالى في قوله (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ).","vol":"2","page":332},{"text":"وقال (وَأَلَنَّا لَهُ الحديد. أَنِ اعمل سابغات وَقَدّرْ فِي السرد).\nقال تعالى حكاية عنه (عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير).\nوقال تعالى (وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُورًا) وذلك لأنه كان حاكمًا بين الناس، فلا بد وأن يعلمه الله تعالى كيفية الحكم.\n(وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) أي: لولا يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال تعالى (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).\n• قال أبو حيان: والذي يظهر أن المدفوع بهم هم المؤمنون، ولولا ذلك لفسدت الأرض، لأن الكفر كان يطبقها ويتمادى في\nجميع أقطارها، ولكنه تعالى لا يخلي زمانًا من قائم يقوم بالحق ويدعو إلى الله تعالى، إلى أن جعل ذلك في أمّة محمد -ﷺ-.\n• وقال الزمخشري: لولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض، ويكف بهم فسادهم، لغلب المفسدون، وفسدت الأرض، وبطلت منافعها، وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض. انتهى.\n(وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) أي: منّ عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضًا، وله الحكم والحكمة، والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله.\n(تِلْكَ) أي: المذكورات من إماتة الألوف وإحيائهم وتمليك طالوت وإتيان التابوت وانهزام جالوت وقتل داود إياه وتملكه.\n(آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ) أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم (نتلوها عليك) أي: ننزل عليك جبريل بها.\n(بِالْحَقِّ) أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق، الذي يعلمه علماء بني إسرائيل.\n(وَإِنَّكَ) يا محمد.","vol":"2","page":333},{"text":"(لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) خطاب للرسول -ﷺ- تنويهًا بشأنه وتثبيتًا لقلبه، وتعريضًا بالمنكرين رسالته، وتأكيد الجملة بأنَّ للاهتمام بهذا الخبر، وجيء بقوله (من المرسلين) دون أن يقول: وإنك لرسول الله، للرد على المنكرين بتذكيرهم أنه ما كان بدْعًا من الرسل، وأنه أرسله كما أرسل من قبله، وليس في حاله ما ينقص عن أحوالهم. … (تفسير ابن عاشور).\nوقال ﵀: تذكير بأنّ إعلامه بأخبار الأمم والرسل آية على صدق رسالته، إذ ما كان لمثله قِبَلٌ بعلم ذلك لولا وحي الله إليه، وفي هذا كلّه حجة على المشركين وعلى أهل الكتاب الذين جحدوا رسالة محمد -ﷺ-.\n• قال القاسمي: وفي هذه القصص معتبر لهذه الأمة في احتمال الشدائد في الجهاد كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة، كما أن فيها تسلية للرسول -ﷺ- من الكفار والمنافقين، فكأنه قيل: قد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء ﵈ في بني إسرائيل من الخلاف عليهم والرد لقولهم، فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك، وخلاف من خالف عليك لأنك مثلهم، وإنما بعث الكل لتأدية الرسالة ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والطوع، لا على سبيل الإكراه، فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم. والوبال في ذلك يرجع عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-791>الفوائد:</span>\n١ - أن من تمام العبودية أن يلجأ العبد إلى ربه عند الشدائد.\n٢ - أن التجاء الإنسان إلى الله عند الشدائد سبب لنجاته.\n٣ - اضطرار الإنسان إلى ربه في تثبيت قدمه.\n٤ - أن من صدق اللجوء إلى الله وأحسن الظن به أجاب الله دعاءه.\n٥ - شجاعة داود حيث قتل جالوت.\n٦ - أن الأنبياء ليس عندهم من العلم إلا ما علمهم الله.\n٧ - أن الله يدفع الناس بعضهم ببعض لتصلح الأرض.\n٨ - إثبات حكمة الله تعالى.\n٩ - إثبات فضل الله على جميع الخلق.\n١٠ - أن القرآن كله حق من الله.\n١١ - إثبات رسالة النبي -ﷺ-.\n١٢ - أن هناك رسلًا غير الرسول.","vol":"2","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-792>(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣».</span> [البقرة: ٢٥٣].\n<hr><s0>\n\n(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض كما قال (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا).\nوقد أجمع العلماء على أن الأنبياء بعضهم أفضل من بعض، وأجمعوا على تفضيل الرسل منهم على الأنبياء، لتميزهم بالرسالة التي هي أفضل من النبوة، وأجمعوا على تفضيل أولي العزم منهم على بقيتهم، وعلى تفضيل نبينا على الجميع.\n• فإن قيل: ما الجمع بين هذه الآية وبين الأحاديث الواردة في النهي عن التفضيل:\nكحديث أبي هريرة. قَالَ (اسْتَبَّ رَجُلَانِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، قَالَ الْمُسْلِمُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَدَعَا النَّبِيُ -ﷺ- الْمُسْلِمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِى أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ) متفق عليه.\nوفي رواية (لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ …).\n\n<span data-type='title' id=toc-793>الجمع من وجوه:</span>\nالأول: أن النهي في الحديث محمول على ما إذا كان التفضيل يؤدي إلى توهم النقص في المفضول أو الغض منه، أو كان على وجه الازدراء به.\nواختاره الخطابي، والبغوي، وابن تيمية، وابن أبي العز، وحافظ حكمي.\nالثاني: أن النهي محمول على ما إذا كان التفضيل يؤدي إلى المجادلة والمخاصمة والتشاجر والتنازع.\nويؤيد هذا القول سبب ورود الحديث كما تقدم في حديث أبي هريرة.\nالثالث: أن النهي محمول على ما إذا كان التفضيل بمجرد الرأي والهوى، لا بمقتضى الدليل.\nالرابع: أن نهيه -ﷺ- على سبيل التواضع منه -ﷺ-.\nالخامس: أن النهي الوارد في الأحاديث كان قبل نزول الآيات، وقبل أن يعلم النبي -ﷺ- أنه سيد ولد آدم.\n(مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ) يعني موسى ومحمدًا -ﷺ-، وكذلك آدم.\nقال تعالى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا).\nوقال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ).","vol":"3","page":1},{"text":"(وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) كما ثبت في حديث الإسراء، حين رأى النبي -ﷺ- الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله.\nيحتمل: أن المراد منه بيان أن مراتب الرسل متفاوتة، وذلك لأنه تعالى اتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يؤت أحدًا مثله هذه الفضيلة،\nوجمع لداود الملك والنبوة ولم يحصل هذا لغيره، وسخر لسليمان الإنس والجن والطير والريح، ولم يكن هذا حاصلًا لأبيه داود -﵇-، ومحمد -﵇- مخصوص بأنه مبعوث إلى الجن والإنس وبأن شرعه ناسخ لكل الشرائع.\nويحتمل: أن المراد بهذه الآية محمد -﵇-، لأنه هو المفضل على الكل، وإنما قال (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات) على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل فعلًا عظيمًا فيقال له: من فعل هذا فيقول أحدكم أو بعضكم ويريد به نفسه، ويكون ذلك أفخم من التصريح به.\n(وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ) أي: الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به، من أنه عبد الله ورسوله إليهم.\nكما قال تعالى (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).\nوقال تعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ).","vol":"3","page":2},{"text":"• قوله تعالى (عيسى ابن مريم) قال ابن تيمية: لما ذكر الله المسيح في القرآن قال (ابن مريم) بخلاف سائر الأنبياء وفي ذلك فائدتان: إحداهما: بيان أنه مولود، والله لم يولد، والثانية: نسبته إلى مريم، بأنه ابنها ليس هو ابن الله. …\n(وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) يعني: أن الله أيده بجبريل ﵇.\n• فإن قيل: لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ وهل يدل ذلك على أنهما أفضل من غيرهما؟\nوالجواب: سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما، وأيضًا فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان، وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين، فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما، كأنه قيل: هذان الرسولان مع علو درجتهما وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما، بل نازعوا وخالفوا، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا.\n(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: لو أراد الله ما اقتتل الأمم الذين جاءوا بعد الرسل من بعد الحجج الباهرة والبراهين الساطعة التي جاءتهم بها الرسل، فلو شاء الله ما تنازعوا ولا اختلفوا ولا تقاتلوا، ولجعلهم متفقين على اتباع الرسل.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: من بعد الرسل.\nقيل: الضمير لموسى وعيسى، والاثنان جمع، وقيل: من بعد جميع الرسل، وهو ظاهر اللفظ.\nوقيل: إن القتال إنما وقع من الذين جاءوا بعدهم وليس كذلك المعنى، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبيّ، وهذا كما تقول: اشتريت خيلًا ثم بعتها، فجاز لك هذه العبارة وأنت إنما اشتريت فرسًا وبعته ثم آخر وبعته، ثم آخر وبعته، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبيّ فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيًا وحسدًا وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بِسرّ الحكمة في ذلك الفعل لما يريد.\n(وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا) أي: ولكن الله لم يشأ هدايتهم بسبب اختلافهم في الدين وتشعب مذاهبهم وأهوائهم.","vol":"3","page":3},{"text":"(فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ) أي: فمنهم من ثبت على الإيمان.\n(وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) أي: ومنهم من حاد وكفر.\n(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) أي: لو شاء الله لجعل البشر على طبيعة الملائكة لا يتنازعون ولا يقتتلون.\n(وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) كل ذلك عن قضاء الله وقدره.\n\n<span data-type='title' id=toc-794>الفوائد:</span>\n١ - أن الرسل ﵈ يتفاضلون.\n٢ - أن فضل الله يؤتيه من يشاء.\n٣ - إثبات الكلام لله تعالى.\n٤ - أن كلام الله للإنسان يعتبر رفعة.\n٥ - إثبات نبوة عيسى.\n٦ - أن عيسى مولود.\n٧ - الرد على النصارى في زعمهم أن عيسى إله.\n٨ - إثبات المشيئة لله تعالى.\n٩ - بيان حكمة الله في انقسام الناس إلى مؤمن وكافر.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-795>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤».</span> [البقرة: ٢٥٤].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد:\nالأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه.\nالثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد.\nالثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصًا في الإيمان.\n(أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ) أي: أنفقوا في سبيل الله من مال الله الذي منحكم إياه، ادفعوا الزكاة وأنفقوا في وجوه الخير والبر والصالحات.\nقيل: هذا الأمر مختص بالزكاة، لأن قوله (مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ) كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب.\nوقال الأكثرون: هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب، وليس في الآية وعيد، فكأنه قيل: حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة.\nوالقول الثالث: أن المراد منه الإنفاق في الجهاد؛ والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد، وهذا قول الأصم.\n(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) يعني يوم القيامة.\n(لا بَيْعٌ فِيهِ) أي: لا تستطيعون أن تفتدوا نفوسكم بمال تقدمونه، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا، فلا تنفعه صداقة أحد بل ولا نسابته.\nكما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).\nوقال تعالى (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ).\nفالبيع ههنا بمعنى الفدية، كما قال تعالى (فاليوم لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ).\nوقال تعالى (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ).","vol":"3","page":5},{"text":"وقال تعالى (وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا). فكأنه قال: من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب.\nوالثاني: أن يكون المعنى: قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال.\n• وإنما قال ﷾ (ولا بيع) لأن عادة الإنسان أن ينتفع بالشيء عن طريق البيع والشراء، فيشتري ما ينفعه، ويبيع ما يضره، لكن يوم القيامة ليس فيه بيع.\n(وَلا خُلَّةٌ) أي: ولا صديق يدفع عنكم العذاب.\nكما قال تعالى (الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين) وقال (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب) وقال: (وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا).\n(وَلا شَفَاعَةٌ) أي: ولا شفيعًا يشفع لكم ليحط عنكم من سيئاتكم إلا أن يأذن الله تعالى.\n• قال الرازي: المقصود من الآية أن الإنسان يجيء وحده، ولا يكون معه شيء مما حصله في الدنيا، قال تعالى (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) وقال (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا).\n• وينبغي على الإنسان أن ينفق قبل هجوم الموت عليه، قال تعالى (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ).\nوقال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).\nوقال تعالى (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ).\n\n• واعلم أن<span data-type='title' id=toc-796> السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور:</span>\nأحدها: أن كل أحد يكون مشغولًا بنفسه، على ما قال تعالى (لِكُلّ امرئٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْن).\nوالثاني: أن الخوف الشديد غالب على كل أحد، على ما قال (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى).","vol":"3","page":6},{"text":"• قال السعدي: وهذا من لطف الله بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم الله، من صدقة واجبة ومستحبة، ليكون لهم ذخرًا وأجرًا موفرًا في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير، فلا بيع فيه ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبًا ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق لا بوجاهة ولا بشفاعة، وهو اليوم الذي فيه يخسر المبطلون ويحصل الخزي على الظالمين.\n(وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وهم الذين وضعوا الشيء في غير موضعه، فتركوا الواجب من حق الله وحق عباده وتعدوا الحلال\nإلى الحرام، وأعظم أنواع الظلم الكفر بالله الذي هو وضع العبادة التي يتعين أن تكون لله فيصرفها الكافر إلى مخلوق مثله، فلهذا قال تعالى (والكافرون هم الظالمون) وهذا من باب الحصر، أي: الذين ثبت لهم الظلم التام، كما قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) (تفسير السعدي).\n\n<span data-type='title' id=toc-797>الفوائد:</span>\n١ - الأمر بالإنفاق في سبيل الله ومرضاته.\n٢ - فضيلة الإنفاق مما أعطانا الله.\n٣ - بيان منّة الله علينا في الرزق.\n٤ - أن الإنسان إذا مات انقطع عمله.\n٥ - ينبغي على الإنسان الإنفاق في حياته قبل موته.\n٦ - أن القيامة دار جزاء لا دار عمل.\n٧ - أن الدنيا هي دار العمل، فاليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل.\n٨ - أن يوم القيامة لا ينفع إلا العمل الصالح من إنفاق وغيره.\n٩ - أن الكفر أعظم الظلم.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-798>(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥».</span> [البقرة: ٢٥٥].\n<hr><s0>\n\nهذه الآية أعظم آية في القرآن الكريم كما جاء في صحيح مسلم عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِى أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِى أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟. قَالَ قُلْتُ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ «وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِر) رواه مسلم.\n(وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِر) أي: ليكن العلم هنيئًا لك.\n• هنأه النبي -ﷺ- بهذا البصر والفقه والفهم في كتاب الله ﵎ الذي أهّله ليتعرف على هذا المعنى من بين آلاف الآيات القرآنية، فحكم بأن هذه الآية هي أعظم آية في كتاب الله ﷿.\n\n•<span data-type='title' id=toc-799> لماذا هي أعظم آية؟</span>\nلأن شرف العلم بشرف المعلوم … وشرف الذكر بشرف المذكور.\nفهذه الآية تتعلق بأسماء الله ﷿ وصفاته بل تتعلق بأعظم الأسماء والصفات، بل تتعلق بأسماء ترجع إليها سائر الأسماء الحسنى التي تدل على أوصاف الكمال، ولذلك كانت هذه الآية أعظم من غيرها.\n• قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وليس في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسي، وإنما ذكر الله في أول سورة الحديد وآخر سورة الحشر عدة آيات لا آية واحدة.\n• عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ (َكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ وَاللَّهِ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. قَالَ إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَىَّ عِيَالٌ، وَلِى حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ. قَالَ فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- «يَا أَبَا\nهُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ» قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِنَّهُ سَيَعُودُ. فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. قَالَ دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَىَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ. قَالَ دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا. قُلْتُ مَا هُوَ قَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ، يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ «مَا هِيَ» قُلْتُ قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وَقَالَ لِي لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ. فَقَالَ النَّبيُّ -ﷺ- «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» قَالَ لَا. قَالَ «ذَاكَ شَيْطَانٌ) رواه البخاري.","vol":"3","page":8},{"text":"(اللهُ) اسم من أسماء الله، متضمن للألوهية لله تعالى.\nومعناه: المألوه المعبود الذي تعبده الخلائق، وتتأله له محبة وتعظيمًا وخضوعًا له، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب، لما له من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال.\n• لا يعرف أحد تسمى به لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو مختص بالله لفظًا ومعنى.\nلفظًا: أي أن هذا اللفظ لا يصح أن يسمى به أحد.\nومعنى: أي أن الصفة التي تضمنها هذا الاسم وهي الإلهية لا يصلح شيء منها للمخلوق.\n• جميع الأسماء ترجع إليه لفظًا ومعنى: أي أن أسماء الله تأتي بعده ولا يأتي بعد شيء منها.\nومعنى ترجع إليه معنى: أي أن هذا الاسم يتضمن صفة الإلهية وهي أوسع الصفات، وهذه الصفة ترجع إليها جميع الصفات.\n• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا:\nأولًا: محبة الله محبة عظيمة تتقدم على محبة النفس والأهل والولد والدنيا جميعًا، لأنه المألوه المعبود وحده وهو المنعم المتفضل وحده.\nثانيًا: تعظيمه سبحانه وإجلاله وإخلاص العبودية له وحده من توكل وخوف ورجاء ورغبة ورهبة وغير ذلك من أنواع العبادات.\nثالثًا: الشعور بالعزة به سبحانه والتعلق به وحده، وسقوط الخوف والهيبة من الخلق والتعلق بهم.\nرابعًا: طمأنينة القلب وسعادته وأنسه بالله.\nخامسًا: إرادة الله تعالى بالمحبة والولاء، وإفراده تعالى بالحكم والتحاكم.\n(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: لا معبود بحق سواه.\nفهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدًا لربه، ممتثلًا أوامره مجتنبًا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقًا ناقصًا مدبرًا فقيرًا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئًا من أنواع العبادة.\n• في هذه الآية يخبر الله بأنه منفرد بالألوهية، وذلك من قوله (لا إله إلا هو) هذه جملة تفيد الحصر وطريقة النفي والإثبات هذه من أقوى صيغ الحصر.\nففيها نفي استحقاق غير الله العبادة، وإثبات استحقاق الألوهية والعبودية لله تعالى.","vol":"3","page":9},{"text":"• قال ابن كثير: إخبار بأنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق.\n• وقال السعدي: فأخبر أنه الله، الذي له جميع معاني الألوهية، وأنه لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو، وعبودية غيره باطلة.\n• قال ابن رجب: قَوْل: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، تَقْتَضِي أَلَّا يُحِبَّ سِوَاهُ، فَإِنَّ اَلْإِلَهَ هُوَ اَلَّذِي يُطَاعُ، مَحَبَّةً وَخَوْفًا وَرَجَاءً. وَمِنْ تَمَامِ مَحَبَّتِهِ مَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ، وَكَرَاهَةُ مَا يَكْرَهُهُ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا مِمَّا يَكْرَهُ اَللَّهُ، أَوْ كَرِهَ شَيْئًا مِمَّا يُحِبُّهُ اَللَّهُ لَمْ يَكْمُلْ تَوْحِيدُهُ وَلَا صِدْقُهُ فِي قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَكَانَ فِيهِ مِنْ اَلشِّرْكِ اَلْخَفِيِّ بِحَسْبِ مَا كَرِهَهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اَللَّهُ، وَمَا أَحَبَّهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ. قَالَ تَعَالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم).\n\n•<span data-type='title' id=toc-800> فضائل كلمة التوحيد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-801>أولًا: وَهِيَ كَلِمَةُ اَلْإِخْلَاصِ،</span> وَشَهَادَةُ اَلْحَقِّ وَدَعْوَةُ اَلْحَقِّ، وَبَرَاءةٌ مِنْ اَلشِّرْكِ، وَلِأَجْلِهَا خُلِقَ اَلْخَلْقُ.\nكَمَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون).\n\n<span data-type='title' id=toc-802>ثانيًا: وَلِأَجْلِهَا أُرْسِلَتْ اَلرُّسُلُ وَأُنْزِلَتْ اَلْكُتُبُ.</span>\nقَالَ تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون).\nوقال تعالى (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ).\nوَهَذِهِ اَلْآيَةُ أَوَّلُ مَا عَدَّدَ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ اَلنَّعَمِ فِي سُورَةِ اَلنِّعَمِ اَلَّتِي تُسَمَّى سُورَة اَلنَّحْلِ، وَلِهَذَا قَالَ اِبْنُ عُيَيْنَةَ: مَا أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَى اَلْعِبَادِ نِعْمَةً أَعْظَمَ مِنْ أَنْ عَرَّفَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَإِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ لِأَهْلِ اَلْجَنَّةِ كَالْمَاءِ اَلْبَارِدِ لِأَهْلِ اَلدُّنْيَا; وَلِأَجْلِهَا أُعِدَّتْ دَارُ اَلثَّوَابِ وَدَارُ اَلْعِقَابِ، فِي اَلْآخِرَةِ، فَمَنْ قَالَهَا وَمَاتَ عَلَيْهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِ اَلثَّوَابِ، وَمَنْ رَدَّهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ اَلْعِقَاب، وَمِنْ أَجْلِهَا أُمِرَتْ اَلرُّسُلُ بِالْجِهَادِ، فَمَنْ قَالَهَا عُصِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-803>ثالثًا: هي ثَمَنُ اَلْجَنَّةِ.</span>\nقال -ﷺ- (مَنْ كَانَتْ آخِرَ كَلَامِهِ دَخَلَ اَلْجَنَّة) رواه أبو داود.\n\n<span data-type='title' id=toc-804>رابعًا: وهي نَجَاةٌ مِنْ اَلنَّارِ.</span>\nوَسَمِعَ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- مُؤَذِّنًا يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، فَقَالَ خَرَجَ مِنْ اَلنَّارِ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-805>خامسًا: وهي أَحْسَنُ اَلْحَسَنَاتِ.</span>\nقَالَ أَبُو ذَرٍّ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! عَلِّمْنِي عَمَلًا يُقَرِّبُنِي مِنَ اَلْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ اَلنَّارِ، قَالَ: إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ حَسَنَةً، فَإِنَّهَا عَشْرُ أَمْثَالِهَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ مِنَ اَلْحَسَنَاتِ؟ قَالَ هِيَ أَحْسَنُ اَلْحَسَنَات).\n\n<span data-type='title' id=toc-806>سادسًا: وَهِيَ: تُجَدِّدُ مَا دُرِسَ مِنَ اَلْإِيمَانِ فِي اَلْقَلْبِ.</span>\nكما في اَلْمُسْنَدِ أَنَّ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِأَصْحَابِهِ (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).\n\n<span data-type='title' id=toc-807>سابعًا: وَهِيَ اَلَّتِي لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ فِي اَلْوَزْنِ،</span> فَلَوْ وُزِنَتْ اَلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ رَجَحَتْ بِهِنَّ.\nكَمَا فِي اَلْمُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ اَلنَّبِي -ﷺ- (أَنَّ نُوحًا قَالَ لِابْنِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهِ إِلَّا اَللَّهُ، فَإِنَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ اَلسَّبْعَ كُنَّ فِي حَلْقَةٍ مُبْهَمَةٍ قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).\nوَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. عَنْ اَلنَّبِي -ﷺ- (أَنَّ مُوسَى -﵇- قَالَ: يَا رَبُّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى! قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، قَالَ: يَا رَبِّ! كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا. قَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ. فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ\nشَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ. قَالَ: يَا مُوسَى! لَوْ أَنَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ اَلسَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).\n\n<span data-type='title' id=toc-808>ثامنًا: وَهِيَ أَفْضَلُ اَلذِّكْرِ.</span>\nكَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ اَلْمَرْفُوع (أَفْضَلُ اَلذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه) رواه الترمذي.\n\n<span data-type='title' id=toc-809>تاسعًا: ومن أعظم فضائلها:</span>\nما جاء فِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنْ اَلنَّبِي -ﷺ- مَنْ قَالَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ اَلْمُلْكُ وَلَهُ اَلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ اَلشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك).\nوَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ اَلنَّبِي -ﷺ- قال (مَنْ قَالَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيل).\n\n<span data-type='title' id=toc-810>عاشرًا: وَمِنْ فَضَائِلِهَا أَنَّهَا تَفْتَحُ لِقَائِلِهَا أَبْوَابَ اَلْجَنَّةِ اَلثَّمَانِيَةِ.</span> يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ.\nكَمَا فِي حَدِيثِ عُمَر. قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ اَلْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ اَلْجَنَّةِ\") أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ\nوَفِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ عَنْ اَلنَّبِيِّ -ﷺ- قَال (مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اَللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ اَلْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ اَلنَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ اَللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاء).","vol":"3","page":11},{"text":"(الْحَيُّ) الذي له الحياة الكاملة.\nومعناه: أي: ذو الحياة الكاملة المتضمنة لجميع صفات الكمال لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا يعتريها نقص بوجه من الوجوه.\n• قال ابن كثير: أي الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا.\n• وقال البغوي: الباقي الدائم على الأبد.\n• وقال الطبري: الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أول له بحد، ولا آخره له أمد، إذ كل ما سواه فإنه وإن كان حيًا فلحياته أول محدود، وآخر ممدود ينقطع بانقطاع أمدها، وينقضي بقضاء غايتها.\n• وقد ورد اسم الحي لله تعالى في عدة آيات:\nقال تعالى (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ).\nوقال تعالى (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ).\nوقال تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ).\nوقال تعالى (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).\n• واسم الحي من أعظم الأسماء، لأنه يستلزم جميع صفات الكمال لله تعالى.\n• كل ما سوى الله ميت.\nقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).\nوقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).\nوقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).\nوقد جاء في الحديث (أن جبريل قال للنبي -ﷺ-: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنه مفارقه،\nواعمل …).\n• وفي ذكر صفة (الحي) بعد قوله ﷿ (الله لا إله إلا هو) استدلال على إثبات تفرّده بالألوهية وإبطال عبودية كل من سواه، وذلك لأنه لا يستحق العبادة إلا من كان حيًا بالحياة الذاتية الدائمة الأبدية، وحيث لا حيّ بهذه الحياة إلا الله الأحد فلا يستحق العبادة إلا هو، ولهذا قال ابن عاشور: والمقصود إثبات الحياة وإبطال استحقاق آلهة المشركين وصف الإلهية لانتفاء الحياة عنهم كما قال إبراهيم ﵇ (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا).","vol":"3","page":12},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-811> الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:</span>\n<span data-type='title' id=toc-812>أولًا: محبة الله تعالى وإجلاله.</span>\n<span data-type='title' id=toc-813>ثانيًا: التوكل الصادق على الله،</span> كما قال تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ).\nومن أعظم ما يتوكل على الله فيه طلب الهداية والثبات على الإيمان وعدم الزيغ عنه، ولذلك كان النبي -ﷺ- يقول في دعائه (اللهم لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تُضلني أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-814>ثالثًا: الزهد في الدنيا الفانية وعدم الاغترار بها،</span> لأنه مهما أعطي العبد من العمر فلابد من الموت\n(الْقَيُّومُ) أي: القائم بنفسه القائم على غيره، المتضمن لصفة القيومية.\n• قال ابن كثير: هو القيّم لغيره، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره.\n• وقال ابن القيم: هو الذي قام بنفسه فلم يحتج إلى أحد، وقام كل شيء به فكل ما سواه محتاج إليه بالذات.\n• وقال السعدي: القيوم: القائم بنفسه، القيوم لأهل السماوات والأرض، القائم بتدبيرهم وأرزاقهم وجميع أحوالهم.\nوهذا الاسم له شأن عظيم، قال ابن أبي العز: وأما القيوم، فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته.\n• وقد وردت عدة نصوص في القرآن الكريم تدل على أن قيام الموجودات وبقاءها وحفظها بأمر الله ولا قوام لها بدونه.\nقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ).\nوقال تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ. وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ. إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ).","vol":"3","page":13},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-815> آثار الإيمان المترتب على الإيمان بهذا:</span>\n<span data-type='title' id=toc-816>أولًا: محبته سبحانه وحمده وإجلاله وتعظيمه.</span>\n<span data-type='title' id=toc-817>ثانيًا: التبرؤ من الحول والقوة والافتقار التام لله،</span> وإنزال جميع الحوائج بالله.\n<span data-type='title' id=toc-818>ثالثًا: إخلاص الاستعانة والاستغاثة والاعتصام لله ﷿،</span> وقطع التعلق بالمخلوق الضعيف المربوب لله تعالى المفتقر إلى ربه.\n<span data-type='title' id=toc-819>رابعًا: قال ابن القيم: وهو سبحانه (القيوم) المقيم لكل شيء من المخلوقات </span>- طائعها وعاصيها - فكيف تكون قيوميته بمن أحبَّه وتولاه، وآثره على ما سواه، ورضي به دون الناس حبيبًا، وربًا ووكيلًا، وناصرًا ومعينًا وهاديًا.\n<span data-type='title' id=toc-820>خامسًا: الخوف منه سبحانه ومراقبته،</span> لأنه القائم على كل نفس، المتولي أمرها، الحافظ لأعمالها الذي لا يخفى عليه شيء من أمرها.\n(لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) السنة: النعاس، والنوم هو النوم، وهذه الجملة تأكيد للقيومية.\n• قال ابن كثير: ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم.\n• فالله ﷿ لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، فلا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته وقيوميته.\n• قال ابن عاشور: ونفي استيلاء السنة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير، وإثبات لكمال العلم؛ فإنّ السنة والنوم يشبهان الموت، فحياة النائم في حالهما حياة ضعيفة، وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل في وقت استيلائهما على الإحساس.\n• فالله لا ينام لكمال حياته وقيوميته، وهذه قاعدة: كل صفة نفي يستلزم نفيها وإثبات كمال ضدها.","vol":"3","page":14},{"text":"فكل صفة نفاها الله عن نفسه فإننا ننفيها عن الله مع إثبات كمال ضدها، وذلك: لأن النفي لا يدل على الكمال حتى يكون متضمنًا لصفة ثبوتية يحمد عليها، فإن مجرد النفي قد يكون سببه العجز فيكون نقصًا، وقد يكون سببه عدم القابلية فلا يقتضي مدحًا، كما لو قلت: الجدار لا يظلم.\nفقوله تعالى (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) لكمال عدله.\nوقوله تعالى (وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) لكمال قدرته.\nوقوله تعالى (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) لكمال علمه.\nوقوله تعالى (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) لكمال حياته وقيوميته.\nوقوله تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا).\nفالله لا يعجزه شيء لكمال علمه وقدرته.\nقال الشيخ ابن عثيمين: فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته، ولهذا قال بعده (إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) لأن العجز سببه: إما الجهل بأسباب الإيجاد، وإما قصور القدرة عنه، فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض.\n• فالنوم من صفات النقص التي يُنزه الله عنها لكمال حياته، قال -ﷺ- (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام). رواه مسلم\nفالنوم يحتاجه المخلوق لنقصه وعجزه، فهو يحتاج للنوم للاستراحة، ولذلك لما كان أهل الجنة كاملي الحياة، كانوا لا ينامون.\n• ما الحكمة من ذكر النوم بعد نفي السنة، لأنه إذا قال (لا تأخذه سنة) فقد دل ذلك على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى.\nقيل: لا تأخذه سنة فضلًا عن أن يأخذه النوم.\nوقيل: إنما جمع بين نفييهما لأنه لا يلزم من نفي أحدهما نفي الآخر، إذ يتصور مجيء النوم دفعة من غير مبادئ الوسن، ومجيء الوسن دون النوم فلذلك نفي كل واحد منهما على حدته بدليل تكرير (لا).\nولذلك قال ابن عاشور: ونفي السنة عن الله تعالى لا يغني عن نفي النوم عنه، لأنّ من الأحياء من لا تعتريه السنة فإذا نام نام عميقًا، ومن الناس من تأخذه السنة في غير وقت النوم غلبة، وقد تمادحت العرب بالقدرة على السهر.","vol":"3","page":15},{"text":"• موعظة بليغة: تعلق قلب رجل بامرأة بدوية وقد ذهبت ذات ليلة إلى حاجة لها فتبعها الرجل فلما خلا بها في البادية والناس نيام راودها عن نفسها، فقالت له: انظر أنام الناس جميعًا ففرح الرجل وظن أنها قد أجابته إلى ما ابتغاه فقام وطاف حول مضارب الحي فإذا الناس نيام فرجع مسرورًا وأخبرها بخلو المكان إلا من النيام، فقالت: ما تقول في الله ﵎؟ أنائم هو في هذه الساعة؟ قال الرجل: إن الله لا ينام ولا تأخذه سنة، فقالت المرأة: إن الذي لم ينم ولا ينام ويرانا وإن كان الخلق لا يرون\nفذلك أولى أن نخشاه، فاتعظ الرجل وتركها وتاب خوفًا من الله تعالى، ولما مات رئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي لخوفي منه وتوبتي إليه.\nوصدق من قال:\nوإذا خلوت بريبة في ظلمة … والنفس داعية إلا العصيانِ\nفاستحي من نظر الإله وقل لها … إن الذي خلق الظلام يراني\n(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: كل ما في السماوات والأرض له ﷾ خلقًا وملكًا وتدبيرًا.\n• قال ابن جرير: أي أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون آلهة ومعبود.\n• وقال ابن كثير: إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.\n• وقال أبو بكر الجزائري: خلقًا وملكًا وتصرفًا.","vol":"3","page":16},{"text":"• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (له ما في السماوات وما في الأرض) تقرير لانفراده بالإلهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته، وتعليل لاتّصافه بالقيّوميّة، لأنّ من كانت جميع الموجودات مِلكًا له فهو حقيق بأن يكون قيّومها وألاّ يهملها ولذلك فُصلت الجملة عن التي قبلها.\nوقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على هذا العموم:\nقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).\nوقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا).\nوقال تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).\n• وهذه الجملة تؤيد تفرده سبحانه بالألوهية، وذلك من جانبين:\nالأول: حيث إن الجميع عبيد له ﷻ، وليس للعبد أن يعبد غير مالكه، أو يُشرِك غيره معه في العبادة، وقد نهاه عن ذلك.\nالثاني: وحيث إن الجميع عبيد له، فكيف يُعبد مملوك - كائنًا من كان - ويُترك المالك، أو يُشرَك مملوك في العبادة مع المالك، وقد نهى عن ذلك.\n• والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض:\nأولًا: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضًا فلا تعترض، ولو قضى عليك فقرًا فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء ..\nيدل لذلك ما أمرنا الله به أن نقول عند المصيبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).\nويدل لذلك أيضًا ما بينّه النبي -ﷺ- لابنته التي أشرف ابنها على الموت، حينما أرسلت إليه ليأتي، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب).\nثانيًا: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه.\nثالثًا: أن كل ما في الكون ملك لله الأحد ﷾ من غير شريك، فما لدينا من مال ومتاع وجاه ليس ملكًا لنا بل هو ملك لله، وإنما نحن مستخلفون فيه للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).","vol":"3","page":17},{"text":"وقال -ﷺ- (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون ..) رواه مسلم.\n(مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي: لا أحد يشفع عنده سبحانه إلا بإذنه، وذلك لكمال سلطانه.\n• قال الرازي: استفهام معناه الإنكار والنفي، أي: لا أحد يشفع عنده أحد إلا بأمره، وذلك لأن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم، وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يقولون (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وقولهم (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) ثم بين تعالى أنهم لا يجدون هذا المطلوب فقال (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد إلا من استثناه الله تعالى بقوله (إِلَّا بِإِذْنِهِ).\n• وهذا - كما تقدم - يدل على كمال ملك الله ﷿، لأن المخلوق إذا كان موصوفًا بالملك، فإن الناس قد يتقدمون بين يديه بالشفاعة من غير استئذان، وقد يشفع هو من غير رغبة في هذه الشفاعة التي قدمت بين يديه، لكنه قد يُحرج أو يستحي أو قد يقبل هذه الشفاعة خوفًا من غائلة الشافع، لأن ملكه لا يقوم إلا به، لأنه قد يكون من أعوانه الذين لا يقوم ملكه إلا بهم فيقبل الشفاعة خوفًا من غائلة هذا الشافع، وقد يقبلها حياء منه وخجلًا وإحراجًا، وقد يقبلها ردًا لجميله السابق عليه وإفضاله (الشيخ خالد السبت).","vol":"3","page":18},{"text":"وأما الله ﷿ فهو لا يخاف من أحد، ولا يقبل الشفاعة إحراجًا من أحد، وليس لأحد فضل على الله ﷿ حتى يكون ذلك القبول على سبيل المقايضة.\nكما قال تعالى (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ).\nوقال تعالى (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا).\nوقال تعالى (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى).\nبل بيّن ﷾ أن الملائكة ومنهم الروح الأمين عليهم لن يتجرأ أحد منهم الكلام إلا من بعدما أن يأذن له الرحمن كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا).\nوأخبر النبي -ﷺ- أنه لن يتقدم يوم القيامة أحد من الأنبياء والمرسلين للشفاعة لدى الرب إلا هو -ﷺ-، وحتى هو لن يبدأ في الشفاعة إلا بعدما يأذن الله له، وفي الحديث (… بعد أن يتأخر عنها آدم وموسى وإبراهيم ونوح وعيسى، يشفع النبي -ﷺ- فيقال له: ارفع رأسك، وسل تعْطَه، وقل يُسمع، واشفع تشفّع).\n• والشفاعة في اللغة: جعل الشيء شفيعًا، وهي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.\n(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) اختلف في معناها:\nفقيل: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) يعني الآخرة لأنهم يُقدِمون عليها (وَمَا خَلْفَهُمْ) من الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم.\nوقيل: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) بعد انقضاء آجالهم (وَمَا خَلْفَهُمْ) أي: ما كان من قبل أن يخلقهم، وقيل: ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد ذلك.\nوالمراد من الآية: أن الله يعلم كل شيء من ماض ومستقبل، وأن علمه شامل لكل شيء ﷾.\n• قال ابن كثير: دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها.\n• وقال أبو حيان: والذي يظهر أن هذا كناية عن إحاطة علمه تعالى بسائر المخلوقات من جميع الجهات.","vol":"3","page":19},{"text":"• وقال الشيخ صديق حسن خان: والمقصود أنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه شيء من أحوال جميع خلقه، حتى يعلم دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء تحت الأرض الغبراء، وحركة الذرة في جو السماء، والطير في الهواء، والسمك في الماء.\n• وقال السعدي: (يعلم ما بين أيديهم) أي: ما مضى من جميع الأمور (وما خلفهم) أي: ما يستقبل منها، فعلمه تعالى\nمحيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى.\n\n•<span data-type='title' id=toc-821> مباحث علم الله تعالى:</span>\nأولًا: فالله تعالى يعلم كل شيء، يشمل الجزئيات والكليات.\nقال تعالى (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا).\nوقال تعالى (عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).\nثانيًا: يعلم سبحانه الماضي والمستقبل.\nقال تعالى (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ).\nما بين أيديهم] الحاضر والمستقبل [وما خلفهم] الماضي.\nثالثًا: الله يعلم الخفايا وما في الصدور.\nكما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).\nوقال تعالى (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).\nوقال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). وقال تعالى (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ).\nرابعًا: وليس شيء يصل إلى الأرض أو يصعد من الأرض إلى السماء إلا قد أحاط الله به علمًا.","vol":"3","page":20},{"text":"قال تعالى (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ).\nخامسًا: ويعلم الأمور التي لن تكون كيف تكون لو كانت.\nكما قال تعالى عن الكفار حين يكونون في النار (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).\nوقال تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).\nوالمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أبدًا، لأن الله هو الذي ثبطهم عنها بحكمته بقوله (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) وهذا الخروج الذي لا يكون قد علم جل وعلا أن لو كان كيف يكون، كما صرح به في قوله (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ).\nسادسًا: ويستوي في علم الله السر والعلانية، والصغير والكبير والغيب والشهادة.\nقال تعالى (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).\nوقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).\nوقال تعالى (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).\nوقال تعالى (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).\nسابعًا: وعلم الله لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان.\nقال تعالى (… قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى).\nوقال تعالى (… وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا).\nأما علم ابن آدم فمسبوق بجهل ويلحقه نسيان كما قال تعالى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا).\nثامنًا: علمنا قليل بالنسبة لعلم الله.","vol":"3","page":21},{"text":"قال تعالى (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا).\n\n•<span data-type='title' id=toc-822> الآثار المترتبة من علمنا بهذه الصفة:</span>\nأ- الخوف من الله وخشيته، ومراقبته في السر والعلن، لأن العبد إذا أيقن أن الله تعالى عالم بحاله مطلع على باطنه وظاهره، فإن ذلك يدفعه إلى الاستقامة على أمر الله ظاهرًا وباطنًا.\nب-اليقين بشمول علم الله تعالى لكل شيء في السماوات والأرض، وللبواطن والظواهر، يثمر في قلب العبد تعظيم الله تعالى وإجلاله والحياء منه، كما يعين على التخلص من الآفات القلبية التي تخفى على الناس ولكنها لا تخفى على الله كآفة الرياء والحسد والغل والعجب والكبر.\nقال ابن القيم: فإن قلت: فما السبيل إلى حفظ الخواطر، قلت: أسباب عدة، أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب سبحانه ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك، والثاني: حياؤك منه، الثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته ومحبته.\nج- إن يقين العبد بعلم الله تعالى الشامل لكل شيء، ومن ذلك علمه سبحانه بحال عبده المصاب وما يقاسيه من الآلام، إن ذلك يثمر في القلب الرجاء والأنس بالله ويدفع اليأس والقنوط من القلب.\nد-ونستفيد من معرفتنا أن الله عليم بكل شيء: وجوب مراقبة الله، لأن العاقل إذا علم أن الله ﷾ يعلم كل شيء، فسوف يراقب ربه، بلسانه وجنانه وأركانه، فبلسانه: لا ينطق بما حرم الله، وبجنانه: لا يعتقد بقلبه خلاف الحق، وبجوارحه: لا يستعملها في المحرمات، فيستعمل العين في النظر إلى الحرام، ويستعمل اليد في البطش الحرام، ويستعمل الآذان في السماع الحرام.\nوأيضًا نستفيد من معرفتنا أن الله عليم بكل شيء: الرغبة والنشاط والرجاء، لأن الإنسان يعلم أن الله يعلم بكل أعماله الصالحة، وأنه لن يضيع منها شيء.","vol":"3","page":22},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-823> صلة هذه الجملة بما قبلها:</span>\nفي هذه الجملة - والله أعلم - بيان لسبب حرمان الخلق من الشفاعة إلا بإذنه تعالى، لأنه وحده تعالى عالم بأحوال الشافع والمشفوع له، وهو ﷾ وحده يعلم من له أن يشفع ومن يستحق أن يُشفع له.\n\n<span data-type='title' id=toc-824>(وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) قوله (من علمه) ذكر المفسرون قولان:</span>\nالأول: العلم هنا بمعنى المعلوم.\nوالثاني: العلم هنا علم ذاته وصفاته.\nفعلى القول الأول: قال الطبري: لا يعلم أحد سواه شيئًا إلا بما شاء هو أن يُعلمه، فأراد فعلّمه.\nوقال ابن عطية: لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يُعلمه.\nوعلى القول الثاني: لا يحيط أحد علمًا بذاته ﷻ وصفاته إلا ما أطلعه تعالى عليه كقوله (ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا).\n• قال الشيخ ابن عثيمين: وقد علمنا الله تعالى أشياء كثيرة عن أسمائه وصفاته، وعن أحكامه الكونية وأحكامه الشرعية، ولكن هذا الكثير هو بالنسبة لمعلومه قليل كما قال تعالى (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا).\n(وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) وسع بمعنى شمل وأحاط كرسيه السماوات والأرض، والكرسي:\nقيل: هو العرش، وقيل: وسع كرسيه علمه، والصحيح أن الكرسي غير العرش، وأن الكرسي هو موضع قدميّ الله تعالى.","vol":"3","page":23},{"text":"• قول: وسع كرسيه: أي وسع علمه هذا ضعيف ولا يصح ولا يثبت عن ابن عباس.\n• وهذا يدل على عظمة الكرسي، وقد جاء في الحديث (والذي نفسي بيده، ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحَلْقَةٍ ملقاةٍ في فلاةٍ من الأرض، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلْقة).\nوهذا على عظم هذه المخلوقات، وعظم المخلوق يدل على عظم الخالق.\nوقد جاء في الحديث (أُذِن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة …).\n(وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا) أي: لا يثقله ولا يشق عليه حفظ السماوات والأرض لكمال علمه وقدرته وإحاطته.\n• قال ابن كثير: أي لا يثقله ولا يكرثه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء.\n• وهذه من الصفات المنفية، فالله لا يثقله حفظ السماوات والأرض لكمال قدرته وعلمه وقوته.\n(وَهُوَ الْعَلِيُّ) فالله له العلو المطلق، علو الذات، وعلو الصفات.\n\nأولًا: علو الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: قدر.\nالقسم الثاني: علو شرف.\nوهذان القسمان لم يخالف فيهما أحد ممن ينتسب إلى الإسلام.\nوهو سبحانه عالي الصفات والقدر، منزه عن النقائص والعيوب.\nالقسم الثالث: علو ذات: وهذا وقع فيه خلاف بين أهل السنة وأهل البدع.\nفمذهب أهل السنة والسلف: أن الله تعالى عال بذاته فوق جميع خلقه، بائن من خلقه مستو على عرشه.\nولهم أدلة كثيرة من الكتاب والسنة والعقل والفطرة.","vol":"3","page":24},{"text":"أما<span data-type='title' id=toc-825> أدلة الكتاب والسنة </span>فقد تنوعت دلالتهما بطرق كثيرة:\nأحدها: التصريح بالفوقية.\nكقوله تعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ).\nوكقوله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).\nالثاني: التصريح بالعروج إليه.\nكقوله تعالى (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ).\nوقوله -ﷺ- (يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم.).\nالثالث: التصريح بالصعود إليه.\nكقوله تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ).\nالرابع: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه.\nكقوله تعالى (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ).\nوقوله تعالى (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ).\nالخامس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو.\nكقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).\nوقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).\nوقوله تعالى (إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ).\nالسادس: التصريح بتنزيل الكتاب منه.\nكقوله تعالى (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم).\nوقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).\nوقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).\nوقوله تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ).\nوقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ).","vol":"3","page":25},{"text":"السابع: التصريح بأن الله تعالى في السماء.\nكقوله تعالى (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ).\nوقال الرسول -ﷺ- (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.\nالثامن: التصريح بالاستواء على العرش.\nكقوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).\nالتاسع: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى.\nكقوله -ﷺ-: (إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا).\nوالقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع.\nالعاشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم، إنما يكون من علو إلى أسفل.\nالحادي عشر: الإشارة إليه حسًا إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وبما يجب له، لما كان بالجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: (أنتم مسؤولون عني، فما ذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فرفع إصبعه الكريمة إلى السماء، رافعًا لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء، قائلًا: اللهم اشهد).\nالثاني عشر: التصريح بلفظ (الأين) كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم بيانًا عن المعنى الصحيح، بلفظ لا يوهم باطلًا بوجه: (أين الله).\nالثالث عشر: شهادته -ﷺ- لمن قال: إن ربه بالسماء بالإيمان.\nالرابع عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى، فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السموات، فقال: (يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا) فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني، ومن أثبتها فهو موسوي محمدي.\nالخامس عشر: إخباره -ﷺ- أنه تردد بين موسى -﵇- وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة.","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-826>من العقل:</span>\nأن العلو صفة كمال والسفل صفة نقص، فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده.\n\n<span data-type='title' id=toc-827>وأما الفطرة:</span>\nقال شارح الطحاوية: وأما ثبوته بالفطرة فإن الخلق جميعًا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-828>وأما الإجماع:</span>\nفقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله فوق سمواته مستو على عرشه.\n• قوله (أأمنتم من في السماء).\nقد يتوهم واهم أن الله تعالى داخل السماء، وأن السماء تحيط به، كما لو قلنا: فلان في الحجرة، فإن الحجرة تحيط به.\nومنشأ الوهم: ظنه أن (في) التي للظرفية تكون بمعنى واحد في جميع مواردها، وهذا ظن فاسد، فإن (في) يختلف معناها بحسب متعلقها.\nفقوله (أأمنتم من في السماء) هذا عند أهل التفسير من أهل السنة على أحد وجهين:\nالوجه الأول: أن تكون السماء بمعنى العلو، فإن السماء يراد بها العلو، كما في قوله تعالى (وأنزل لكم من السماء ماء) والمطر ينزل من السحاب المسخر بين السماء والأرض لا من السماء نفسها.\nالوجه الثاني: أن تكون (في) بمعنى (على)، كما جاءت بمعناها في مثل قوله تعالى (فسيروا في الأرض) أي على الأرض وقوله عن فرعون (ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي على جذوع النخل.\n• فإن قيل ما الجواب عن قوله تعالى (وهو في السماء إله وفي الأرض إله)؟\nوكذلك قوله تعالى (وهو الله في السموات وفي الأرض)؟","vol":"3","page":27},{"text":"قال ابن تيمية: ليس معناهما أن الله في الأرض كما أنه في السماء، ومن توهم هذا، أو نقله عن أحد من السلف فهو مخطئ في وهمه، وكاذب في نقله.\nوإنما معنى الآية الأولى: أن الله مألوه في السماوات وفي الأرض، كل من فيهما فإنه يتأله ويعبده.\nوأما الآية الثانية فمعناها: أن الله إله في السماء، وإله في الأرض، فألوهيته ثابتة فيهما.\n(الْعَظِيمُ) قال الطبري: ذو العظمة الذي كل شيء دونه، فلا شيء أعظم منه.\nوقال الجزائري: العظيم: الذي كل شيء أمام عظمته صغير وحقير.\nفالله عظيم في ذاته، عظيم في أسمائه كلها، عظيم في صفاته كلها.\nقال السعدي: العظيم الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء والمجد والبهاء الذي تحبه القلوب، وتعظمه الأرواح، ويعرف العارفون أن عظمة كل شيء وإن جلت في الصفة، فإنها مضمحلة في جانب عظمة العلي العظيم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-829> واعلم أن معاني التعظيم الثابتة لله وحده نوعان:</span>\nأحدهما: أنه موصوف بكل صفة كمال، وله من ذلك الكمال أكمله، وأعظمه وأوسعه.\nوالثاني: أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يعظم كما يعظم الله، فيستحق من عباده أن يعظموه بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-830> الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا:</span>\nأولًا: الخشوع والخضوع لله تعالى والاستكانة والتذلل لعظمته وجبروته ومحبته.\nثانيًا: ومن تعظيمه سبحانه نفي الشركاء والأنداد عنه، قال تعالى (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا).\nثالثًا: ومن تعظيمه سبحانه: تعظيم أمره ونهيه، وتعظيم نصوص الكتاب والسنة والاستسلام لها.\nرابعًا: ومن تعظيمه سبحانه: تعظيم شعائره، قال تعالى (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ).\nخامسًا: الاستعانة بالله وحده وصدق التوكل عليه، وتفويض الأمور إليه.\nسادسًا: الخوف منه سبحانه وحده، وعدم الخوف من المخلوق الضعيف.","vol":"3","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-831>الفوائد:</span>\n١ - أنه لا إله بحق إلا الله تعالى.\n٢ - أن هذه الآية أعظم آية في كتاب الله تعالى.\nوقد اختلف العلماء هل كلام الله يتفاضل أم لا على قولين:\nالقول الأول: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَتَفَاضَلُ فِي نَفْسِهِ.\nلِأَنَّهُ كُلَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ صِفَةٌ لَهُ قَالُوا: وَصِفَةُ اللَّهِ لَا تَتَفَاضَلُ.\nكَذَلِكَ قَالَ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) قَالُوا فَخَيْرٍ إنَّمَا يَعُودُ إلَى غَيْرِ الْآيَةِ مِثْلَ نَفْعِ الْعِبَادِ وَثَوَابِهِمْ.\nوَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ.\nوَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ.\nأ-قوله -ﷺ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الْفَاتِحَةِ (أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا الزَّبُورِ وَلَا الْقُرْآنِ مِثْلُهَا) فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لَهَا مِثْلٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مُتَمَاثِلٌ؟\nب- وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ (أَنَّهُ قَالَ لأبي بْنِ كَعْبٍ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؛ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ؟ قَالَ (اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ لَهُ ليهنك الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ) فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَعْظَمُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَهَذَا بَيَّنَ أَنَّ بَعْضَ الْآيَاتِ أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ.\nج-وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَالْكَلَامُ يَشْرُفُ بِالْمُتَكَلِّمِ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ خَبَرًا أَوْ أَمْرًا، فَالْخَبَرُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْمُخْبِرِ وَبِشَرَفِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَالْأَمْرُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْآمِرُ وَبِشَرَفِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَالْقُرْآنُ وَإِنْ كَانَ كُلُّهُ مُشْتَرِكًا فَإِنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ لَكِنَّ مِنْهُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَمِنْهُ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ خَلْقِهِ وَمِنْهُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، فَمِنْهُ مَا أَمَرَهُمْ فِيهِ بِالْإِيمَانِ وَنَهَاهُمْ فِيهِ عَنْ الشِّرْكِ، وَمِنْهُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ بِكِتَابَةِ الدَّيْنِ وَنَهَاهُمْ فِيهِ عَنْ الرِّبَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أَعْظَمُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ خَلْقِهِ: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) وَمَا أَمَرَ فِيهِ بِالْإِيمَانِ وَمَا نَهَى فِيهِ عَنْ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِمَّا أَمَرَ فِيهِ بِكِتَابَةِ الدَّيْنِ وَنَهَى فِيهِ عَنْ الرِّبَا. مجموع الفتاوى (١٧/ ٢١١)","vol":"3","page":29},{"text":"٣ - إثبات اسم الله المتضمن للألوهية الحق.\n٤ - إثبات اسم الحي لله تعالى المتضمن الحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال.\n٥ - أن كل مخلوق يموت حتى الملائكة.\n٦ - أنه يجب الاعتماد على الله، لأنه هو الحي الذي لا يموت، فأما من يموت ويمرض فلا يعتمد عليه.\n٧ - إثبات اسم القيوم لله تعالى المتضمن لصفة القيومة.\n٨ - غنى الله عن كل أحد، وكل أحد محتاج لله تعالى كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)\n٩ - امتناع السنة والنوم عن الله تعالى لكمال حياته وقيوميته.\n١٠ - أن الله منزه عن كل نقص وعيب.\n١١ - عموم ملك الله تعالى.\n١٢ - أن نطلب الملك ممن يملكه وهو الله سبحانه.\n١٣ - رضا الإنسان بقضاء الله، لأنه ملك له.\n١٤ - كمال سلطان الله تعالى.\n١٥ - إثبات الشفاعة بإذن الله.\n١٦ - إثبات علم الله الكامل.\n١٧ - وجوب الحذر من معصية الله الظاهرة والباطنة، لأن الله لا يخفى عليه شيء.\n١٨ - أننا لا نعلم شيئًا إلا ما علمنا الله.\n١٩ - من أراد العلم فليطلبه من العليم سبحانه.\n٢٠ - إثبات الكرسي.\n٢١ - عظمة خلق الكرسي.\n٢٢ - عظمة خالق الكرسي، لأن عظم المخلوق يدل على عظمة الخالق.\n٢٣ - إثبات قوة الله.\n٢٤ - أن الله لا يعجزه شيء لكمال علمه وقدرته.\n٢٥ - أن الله لا يثقل عليه حفظ السماوات والأرض.\n٢٦ - أن السماوات والأرض تحتاج إلى حفظ، ولولا حفظ الله لفسدتا، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا).\n٢٧ - إثبات علو الله تعالى بأنواعه كلها.\n٢٨ - إثبات العظمة لله تعالى.","vol":"3","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-832>(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦».</span> [البقرة: ٢٥٦].\n<hr><s0>\n\n(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ظاهر الآية على أنه لا يكره أحد على الدخول في دين الإسلام، لكن جاء في آيات أخر ظاهرها يدل على إكراه الكفار على الدخول في الإسلام كقوله تعالى (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) وقوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ).\nوقد اختلف العلماء في معنى (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)؟\nفقيل: أن هذا الدين لكماله، وظهور براهينه، واتضاح آياته، وقبول الفطرة له لا يحتاج إلى الإكراه عليه، لأن الإكراه إنما يقع على ما تنفر عنه القلوب، ويتنافى مع الحقيقة والحق.\nواختار هذا السعدي.\nوقيل: إن المعنى: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب إنه دخل مكرهًا، لأنه إذا رضي بعد الحرب وصح إسلامه فليس بمكره، فمعناه: لا تنسبوهم إلى الإكراه.\nوقيل: إن هذه الآية خبر في معنى النهي، أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في الدين.\nقال بهذا طائفة كثيرة من العلماء: كالطبري، وابن القيم، والشوكاني، والشنقيطي، وهو ظاهر اختيار ابن كثير.\nوعلى هذا القول فكيف الجمع بين هذه الآية وبين الآيات الآمرة بالقتال والجهاد؟\nذهب بعض العلماء: إلى عمومها وأنه لا أحد يكره على اعتناق دين الإسلام، وأما الآيات الأخرى الموجبة للجهاد فلا تتنافى\nمع هذه الآية، لأنها لم تأمر بإجبار أحد على اعتناق دين الإسلام، وإنما جاء فيها الأمر بالجهاد لإقامة النظام الإسلامي وتقريره وحمايته، ولدفع الأذى والفتنة عن المؤمنين.\nورجح هذا المسلك ابن القيم ﵀.\nوذهب بعض العلماء: إلى أن الآية (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) في أهل الكتاب خاصة، فهم لا يكرهون على الإسلام إذا بذلوا الجزية لقوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) وأما الذين يكرهون فهم أهل الأوثان، فلا يقبل منهم إلا الإسلام، وهم الذين نزل فيهم قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ).\nوهذا احتيار ابن جرير ورجحه الشوكاني والشنقيطي.\nوالحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمِي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمدًا بالحق، قالت: أنا عجوز كبيرة والموت إليّ قريب! فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا (لَا إكْرَاهَ في الدِّينِ).\nوعن ابن عباس قال: نزلت هذه في الأنصار، كانت تكون المرأة مِقلاتًا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده؛ فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي).\nقال أبو داود: والمِقلاتُ التي لا يعيش لها ولدٌ.","vol":"3","page":31},{"text":"وقيل: إن آية (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) منسوخة بآيات القتال، لكنه قول ضعيف.\nقال القرطبي: وروي هذا عن ابن مسعود وكثير من المفسرين.\n• قال ابن كثير: فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أنس: أن رسول الله -ﷺ- قال لرجل: أسلم، قال: إني أجدني كارها، قال: وإن كنت كارهًا، فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل فإنه لم يكرهه النبي -ﷺ- على الإسلام بل دعاه إليه فأخبر أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له: أسلم وإن كنت كارهًا، فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص.\n(قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) أي: تميز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدى من الضلالة بكثرة الحجج والآيات الدالة قال البيضاوي: قوله تعالى (قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي) تميز الإِيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلت الدلائل على أن الإِيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية والكفر غي يؤدي إلى الشقاوة السرمدية، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإِيمان طلبًا للفوز بالسعادة والنجاة، ولم يحتج إلى الإِكراه والإِلجاء.\n(فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) أي: من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله.\n\n•<span data-type='title' id=toc-833> قال الماوردي: قوله تعالى (فَمَن يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ) فيه سبعة أقوال:</span>\nأحدها: أنه الشيطان وهو قول عمر بن الخطاب.\nوالثاني: أنه الساحر، وهو قول أبي العالية.\nوالثالث: الكاهن، وهو قول سعيد بن جبير.\nوالرابع: الأصنام.\nوالخامس: مَرَدَة الإنس والجن.\nوالسادس: أنه كل ذي طغيان طغى على الله، فيعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، أو بطاعة له، سواء كان المعبود\nإنسانًا أو صنمًا، وهذا قول أبي جعفر الطبري.","vol":"3","page":32},{"text":"(وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ) أي: وحد الله فعبده وحده، وشهد أن لا إله إلا الله.\n• وفي هذا أن التوحيد لابد فيه من الكفر بالطاغوت وهذا معنى: لا إله إلا الله.\nكما قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ).\nففي هذه الآية معنى: لا إله إلا الله (إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) لأن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) تنطوي على نفي وإثبات، فعبر عن المنفي فيها بقوله (إنني براء مما تعبدون) وعبّر عن المثبت فيها بقوله (إلا الذي فطرني) ففيه تفسير التوحيد بإثبات العبادة لله وحده ونفيها عما سواه.\nوقال تعالى (اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) هذه الآية هي معنى (لا إله إلا الله) لأن التوحيد نفي وإثبات، النفي في قوله (واجتنبوا الطاغوت) والإثبات في قوله (اعبدوا الله)، ففيه إثبات العبادة لله وحده وبنفي عبادة ما سواه.\nوقال -ﷺ- (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ﷿).\nفلم يكتفِ باللفظ المجرد عن المعنى في قول: لا إله إلا الله، بل لابد من قولها مع اعتقاد معناها والعمل بمقتضاها وفي ضمن ذلك: الكفر بما سوى الله من المعبودات، وهذه هي حقيقة التوحيد.\n• هذا الحديث من أعظم ما يبين لا إله إلا الله، وأنه الكفر بكل ما يعبد من دون الله.\n• أن مجرد التلفظ بلا إله إلا الله مع عدم الكفر بما يعبد من دون الله لا يحرم الدم والمال ولو عرف معناها وعمل بها ما لم يضف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله.\n• أن البراءة من الكفر تكون بثلاثة أشياء: بالقلب، واللسان، والجوارح.\no  براءة القلب: وهو كراهة الكفر وأهله، وبغضهم وتمني زوالهم واعتقاد بطلان الكفر وتركه.\nوحكمه: فرض لازم، ولا يسقط بحال من الأحوال، لأنه لا يتصور فيه الإكراه، لأن عمل القلب خفي.\no  براءة اللسان: وهو التصريح باللسان على أن عبادة غير الله باطلة.\nوحكمه: واجب.\nلقوله تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ).\nولقوله تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ …).","vol":"3","page":33},{"text":"ولقوله تعالى عن إبراهيم (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا).\no  براءة الجوارح: وتكون بالجهاد وإزالة الكفر والكافرين وقتالهم، وهي مرتبطة بالقدرة والمصلحة.\nويسقط مع الإكراه وعدم الاستطاعة، لقوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).\n(فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) أي: فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم.\nوقيل: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم، فهي في نفسها محكمة مبرمة قوية، وربطها قوي شديد.\nوقيل: يعني الإيمان، وقيل: الإسلام، وقيل: لا إله إلا الله.\n• قال ابن كثير: وكل هذه الأقوال صحيح ولا تنافي بينها.\n• قال أبو حيان: قال ابن عطية وقدّم ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت.\n(لا انْفِصَامَ لَهَا) أي: لا انقطاع لها ولا زوال.\n• عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ (كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فِي نَاسٍ فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا ثُمَّ خَرَجَ فَاتَّبَعْتُهُ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَدَخَلْتُ فَتَحَدَّثْنَا فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ قُلْتُ لَهُ إِنَّكَ لَمَّا دَخَلْتَ قَبْلُ قَالَ رَجُلٌ كَذَا وَكَذَا قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ رَأَيْتُنِي فِي رَوْضَةٍ - ذَكَرَ سَعَتَهَا وَعُشْبَهَا وَخُضْرَتَهَا - وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ. فَقِيلَ لِي ارْقَهْ. فَقُلْتُ لَهُ لَا أَسْتَطِيعُ. فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ - قَالَ ابْنُ عَوْنٍ وَالْمِنْصَفُ الْخَادِمُ - فَقَالَ بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي - وَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِيَدِهِ - فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُودِ فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقِيلَ لِيَ اسْتَمْسِكْ. فَلَقَدِ اسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ «تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلَامِ وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى وَأَنْتَ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ) قَالَ وَالرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، متفق عليه.","vol":"3","page":34},{"text":"(وَاللَّهُ سَمِيعٌ) لأقوال العباد، يسمع جميع الأصوات ويسمع السر والنجوى.\n\n•<span data-type='title' id=toc-834> وسمع الله ينقسم إلى قسمين:</span>\nأولًا: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظاهر.\nقال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي …).\nهذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.\nوقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).\nوقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.\nثانيًا: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.\nومنه قول إبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.\nومنه قول المصلي (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.\n(عَلِيمٌ) بأفعالهم، يعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-835>الفوائد:</span>\n١ - أنه لا أحد يكره على الدين.\n٢ - أنه ليس هناك إلا رشد أو غي.\n٣ - أنه لا يتم الإخلاص لله إلا بنفي جميع الشرك.\n٤ - أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت.\n٥ - أنه لا نجاة إلا بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله.\n٦ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم.","vol":"3","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-836>(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧».</span> [البقرة: ٢٥٧].\n<hr><s0>\n\n(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: حافظ المؤمنين ومتولي أمورهم وناصرهم، والمراد بالولاية هنا الولاية الخاصة.\nلأن الولاية تنقسم إلى قسمين:\nولاية عامة: مقتضاها أن يرزقهم ويعطيهم وأيضًا القهر والسلطان والملك، وهذه للمؤمنين والكفار.\nودليلها هذه الآية (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ).\nوقوله تعالى (ورُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).\nولاية خاصة، وهذه خاصة بالمؤمنين مقتضاها النصر والتأييد والتسديد والتوفيق والإخراج من الظلمات إلى النور.\nكما قال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).\nوقال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ).\nوقال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).\nفالله ولي المؤمنين: لأنه يواليهم بالنصر والثواب الجزيل، كما قال -ﷺ- في الحديث القدسي (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) رواه البخاري.\nوالمؤمنون أولياء الله كقوله تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) لأنهم يوالونه بالطاعة.\n• قال ابن القيم: فالولاية عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه، وليست بكثرة صوم ولا صلاة.\n(يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) أي: يخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الهداية والإيمان.\n• قال الرازي: أجمع المفسرون على أن المراد هاهنا من الظلمات والنور: الكفر والإيمان.\n• قال الشنقيطي: هذه ثمرة ولايته تعالى للمؤمنين، وهي إخراجه لهم من الظلمات إلى النور بقوله تعالى (الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور).","vol":"3","page":36},{"text":"وبين في موضع آخر أن من ثمرة ولايته إذهاب الخوف والحزن عن أوليائه، وبين أن ولايتهم له تعالى بإيمانهم وتقواهم وذلك في قوله تعالى (ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ).\nوصرح في موضع آخر أنه تعالى ولي نبيه -ﷺ- وأنه أيضًا يتولى الصالحين وهو قوله تعالى (إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين).\n(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) أي: وأما الكافرون فأولياؤهم الشياطين.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: وإذا تأملت هذه الجملة، والتي قبلها تجد فرقًا بين التعبيرين في الترتيب، ففي الجملة الأولى قال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) لأمور ثلاثة:\nأحدها: أن هذا الاسم الكريم إذا ورد على القلب أولًا استبشر به.\nثانيًا: التبرك بتقديم ذكر اسم الله ﷿.\nثالثًا: إظهار المنة على هؤلاء بأن الله هو الذي امتن عليهم أولًا، فأخرجهم من الظلمات إلى النور.\nوأما الجملة الثانية (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) ولو كانت على سياق الأولى لقال: والطاغوت أولياء الذين كفروا، ومن الحكمة في ذلك:\nأولًا: ألا يكون الطاغوت في مقابلة اسم الله.\nثانيًا: أن الطاغوت أهون وأحقر من أن يُبدأ به ويقدّم.\nثالثًا: إن البداءة بقوله (والذين كفروا) أسرع إلى ذمهم مما لو تأخر ذكره.\n• قال الشنقيطي: قال بعض العلماء: الطاغوت الشيطان ويدل لهذا:\nقوله تعالى (إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) أي يخوفكم من أوليائه.\nوقوله تعالى (الذين آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله والذين كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطاغوت فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفًا).\nوقوله (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) الآية.\nوقوله (إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَآءَ) الآية.\nوالتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت والحظ الأكبر من ذلك للشيطان كما قال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان) الآية.\nوقال (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا).\nوقال عن خليله إبراهيم (يا أبت لَا تَعْبُدِ الشيطان) الآية.\nوقال (وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) إلى غير ذلك من الآيات.\n(يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) أي: يخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمات الشك والضلالة.\n• قال الخازن: إنما سمي الكفر ظلمة لالتباس طريقه، ولأن الظلمة تحجب الأبصار عن إدراك الحقائق فكذلك الكفر يحجب القلوب عن إدراك حقائق الإيمان وسمي الإسلام نورًا لوضوح طريقه وبيان أدلته.","vol":"3","page":37},{"text":"• فإن قيل: فكيف يخرجونهم من النور، وهم لم يدخلوا فيه؟\nقيل: إن الآية مخصوصة بأهل الكتاب الذين كانوا مقرين بنبوة موسى وكذلك المقرين بنبوة عيسى، وكانوا متبعين لملتهم، فهؤلاء كانوا على نور، فلما جاءهم محمد -ﷺ- كفروا به فدخلوا في ظلمات الكفر بعد أن خرجوا من نور الإيمان.\nوقيل: إن المراد بإخراجهم من الظلمات إلى النور الحيلولة بينهم وبين الإيمان حتى يضلونهم عن طريق الإيمان، فيكون التضليل إخراج من النور إلى الظلمات.\nوقيل: إنه لما ظهرت معجزات رسول الله -ﷺ- كان المخالف له خارجًا من نور قد علمه، والموافق له خارجًا من ظلمات الجهل إلى نور العلم.\n• قال الشنقيطي: المراد بالظلمات الضلالة، وبالنور الهدى، وهذه الآية يفهم منها أن طرق الضلال متعددة لجمعه الظلمات وأن طريق الحق واحدة لإفراده النور، وهذا المعنى المشار إليه هنا بينه تعالى في مواضع أخر كقوله (وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلَا تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِه).\nقال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: ولهذا وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات، لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال (وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلَا تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وقال تعالى (وَجَعَلَ الظلمات والنور).\n• وقال ابن القيم: والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق وطرق الباطل متشعبة متعددة فإنها لا ترجع إلى شيء موجود ولا غاية لها يوصل إليها بل هي بمنزلة بنيات الطريق وطريق الحق بمنزلة الطريق الموصل إلى المقصود فهي وإن تنوعت فأصلها طريق واحد، ولما كانت الظلمة بمنزلة طرق الباطل والنور بمنزلة طريق الحق فقد أفرد النور وجمعت الظلمات وعلى هذا جاء قوله (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات).\nفوحد ولي الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد، وجمع الذين كفروا لتعددهم وكثرتهم وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دينه الحق وطريقه المستقيم الذي لا طريق إليه سواه.\n(أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) الملازمون لها ملازمة الصاحب لصاحبه، والغريم لغريمه، لأن الأصل في الصحبة طول الملازمة.\n• والنار هي الدار التي أعدها الله للكافرين.","vol":"3","page":38},{"text":"قوله تعالى (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) وهذا الأسلوب يطلق على الذين يخلدون فيها، فالمؤمن العاصي - وإن كان يستحق العذاب بالنار - فإنه لا يسمى من أصحاب النار، لأن الأصل في الصحبة طول الملازمة.\n(هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون.\nوقد ذكر الله تأبيده في ثلاث آيات من القرآن الكريم.\nفي سورة النساء: قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا).\nوفي سورة الأحزاب: قال تعالى (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا).\nوفي سورة الجن: قال تعالى (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-837>الفوائد:</span>\n١ - فضيلة الإيمان.\n٢ - إثبات الولاية لله تعالى.\n٣ - أن من ثمرات الإيمان هداية الله للمؤمن.\n٤ - الحذر من دعاة الضلال الذين يخرجون الناس من النور إلى الظلمات.\n٥ - إثبات النار.\n٦ - أن الكافرين مخلدون في النار.","vol":"3","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-838>(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨».</span> [البقرة: ٢٥٨].\n<hr><s0>\n\n(أَلَمْ تَرَ) أي: بقلبك يا محمد.\n(إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ) هذا الذي حاج إبراهيم في ربه وهو ملك بابل: نمروذ بن كنعان.\nقال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران فالمؤمنان: سليمان بن داود وذو القرنين. والكافران: نمروذ بن كنعان وبختنصر. فالله أعلم (تفسير ابن كثير).\n• قال القرطبي: هو النُّمْروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح مِلك زمانه وصاحبُ النار والبَعُوضَة! هذا قول ابن عباس ومجاهد وقَتادة والرّبيع والسُّدِّي وابن إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم.\nوكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله تعالى بأن فتح الله تعالى عليه بابًا من البَعُوض فستروا عين الشمس وأكلوا عسكره ولم يتركوا إلا العظام، ودخلت واحدة منها في دماغه فأكلته حتى صارت مثل الفأرة؛ فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرقة عَتيدَة لذلك، فبقي في البلاء أربعين يومًا.\n• وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى: لما أخبر أنه ولي الذين آمنوا، وأخبر: أن الكفار أولياؤهم الطاغوت، ذكر هذه القصة التي جرت بين إبراهيم والذي حاجه، وأنه ناظر ذلك الكافر فغلبه وقطعه، إذ كان الله وليه، وانقطع ذلك الكافر وبهت إذ كان وليه هو الطاغوت (ألا إن حزب الله هم الغالبون) (ألا إن حزب الله هم المفلحون) فصارت هذه القصة مثلًا للمؤمن والكافر اللذين تقدّم ذكرهما.\n(فِي رَبِّهِ) أي: في وجود ربه. وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره كما قال بعده فرعون لملئه (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبره، وطول مدته في الملك؛ وذلك أنه يقال: إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه.\n• قال أبو حيان: قوله تعالى (في ربه) يحتمل أن يعود الضمير على إبراهيم، وأن يعود على النمروذ، والظاهر الأول.\n(أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) أي: لأن آتاه الله تعالى ذلك، (فتكون [أن] هنا تعليلية، وعلى هذا المعنى: أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج لذلك.\nكما قال تعالى (وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ).\nوقال تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى).\nوقال تعالى (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ).","vol":"3","page":40},{"text":"وقال تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ)، فهذا دأب الإنسان، يبدأ في الطغيان إذا رأى نفسه مستغنيًا عن الناس.\nوقال تعالى (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ).\nوقال تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).\nوقال تعالى (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).\nوقال تعالى (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ).\nوفرعون لما أغناه الله وملّكه مصر قال (يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ).\nوقارون لما أنعم الله عليه قال (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي).\nوقال -ﷺ- (لكل أمة فتنة وفتنة أمتي بالمال) رواه الترمذي.\nوالأبرص والأقرع لما آتاهما الله مالًا جحدا نعم الله عليهما.\nوعن عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فَقَدِمَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ وَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِى عُبَيْدَةَ فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- انْصَرَفَ فَتَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ رَآهُمْ ثُمَّ قَالَ «أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ». قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّى أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه).\nقال ابن رجب: هذا مثل عظيم ضربه النبي -ﷺ- لفساد دين المسلم بالحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين جائعين ضاريين باتا في الغنم، قد غاب عنها رعاؤها ليلًا، فهما يأكلان في الغنم ويفترسان\nفيها.","vol":"3","page":41},{"text":"فأخبر النبي -ﷺ- أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم.\nفهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا.\nإذا أكرمت الكريم ملكته وإذا أكرمت اللئيم تمردًا.\n(إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) وكأنه طلب من إبراهيم دليلًا على وجود الرب الذي يدعو إليه فقال إبراهيم (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة، لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج -وهو النمروذ:\n(قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل فآمر بقتل أحدهما فيقتل، وبالعفو عن الآخر فلا يقتل، فذلك معنى الإحياء والإماتة.\n• قال ابن كثير: والظاهر -والله أعلم-أنه ما أراد هذا، لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يَدّعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي).\n(قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) أي: إذا كنت كما تدعي من أنك أنت الذي تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب.\n• وقد قال كثير من العلماء أن هذا من إبراهيم انتقال من دليل إلى دليل أو ضح وأكبر لا يستطيع المكابرة معه.\nوقال بعض العلماء: إن هذا ليس من باب الانتقال من دليل إلى دليل آخر أوضح، وإنما هو من باب طرد الدليل، فكأنه قال له: ما دام أنك أنت تحيي وتميت، وأنت تملك هذه القدرة الهائلة، فأنت الذي تتصرف في هذا الكون فأت بالشمس من المشرق.\nواختار هذا الحافظ ابن القيم حيث قال: … فإن إبراهيم لما أجاب المحاج له في الله بأنه الذي يحيي ويميت، أخذ عدو الله معارضته بضرب من المغالطة، وهو أنه يقتل من يريد ويستبقي من يريد فقد أحيا هذا وأمات هذا، فألزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها إذا كان بزعمه قد ساوى الله في الإحياء والإماتة، فإن كان صادقًا فليتصرف في الشمس تصرفًا تصح به دعواه، وليس هذا انتقالًا من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار، وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة.","vol":"3","page":42},{"text":"واختاره ابن كثير حيث قال: وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين: أن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة ردية، وليس كما قالوه بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني ويُبَيّن بطلان ما ادعاه نمروذ في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة.\n(فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) أي: فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت أي: أخرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة.\n(وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي: لا يهديهم في الحجة عند الخصومة لما هم عليه من الضلالة.\n• قال ابن عاشور: وإنّما انتفى هدي الله للقوم الظالمين، لأنّ الظلم حائل بين صاحبه وبين التنازل إلى التأمّل من الحجج\nوإعمال النظر فيما فيه النفع؛ إذ الذهن في شاغل عن ذلك بزهوه وغروره.\n\n<span data-type='title' id=toc-839>الفوائد:</span>\n١ - أن المجادلة لإبطال الباطل، وإحقاق الحق من مقام الرسل.\n٢ - فضل إبراهيم الخليل -﵇- حيث قام بالدعوة إلى التوحيد.\nقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\nوقال تعالى (شَاكِرًا لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).\nوقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ).\nوقال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).\n٣ - الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق المناظرة والمحاجة، لأنها وسيلة لإحقاق الحق، وإبطال الباطل.\n٤ - أن النعمة والترف قد تكون سببًا للطغيان.\n٥ - أن الإحياء والإماتة بيد الله.\n٦ - إثبات أن من جحد الله فهو كافر.\n٧ - التحذير من الظلم بجميع أنواعه.\n٨ - فضل العدل.","vol":"3","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-840>(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩».</span> [البقرة: ٢٥٩].\n<hr><s0>\n\n(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) هذه هي القصة الثانية.\n• اختلف في المار:\nفقيل: عزير، وهذا هو المشهور.\nوقيل: هو رجل من بني إسرائيل.\nوأما القرية: فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها.\n(وَهِيَ خَاوِيَةٌ) أي: ليس فيها أحد، من قولهم: خوت الدار تخوي خواءً وخُويًا.\n(عَلَى عُرُوشِهَا) أي: ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها، فوقف متفكرًا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة، ولهذا قال:\n(قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها.\n• قال ابن الجوزي (قال أنى يحيي هذه الله) أي: كيف يحييها. فإن قلنا: إن هذا الرجل نبي، فهو كلام من يؤثر أن يرى كيفية الإعادة، أو يستهولها، فيعظم قدرة الله، وإن قلنا: إنه كان رجلًا كافرًا، فهو كلام شاك، والأول أصح.\n• قال في التسهيل: (أنى يُحْيِي هذه الله) ظاهر هذا اللفظ إحياء هذه القرية بالعمارة بعد الخراب، ولكن المعنى إحياء أهلها بعد موتهم، لأنّ هذا الذي يمكن فيه الشك والإنكار، ولذلك أراه الله الحياة بعد موته، والقرية كانت بيت المقدس لما أخربها بختنصر، وقيل: قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف.\n(فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) أي: أمات الله ذلك السائل واستمر ميتًا مائة سنة ثم بعثه.\n• قال ابن كثير: قالوا: وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، وتراجعت بنو إسرائيل إليها.\n(قَالَ كَمْ لَبِثْتَ) أي: قال له ربه بواسطة الملك كم لبثت في هذه الحالة.\n• قال القرطبي: اختُلف في القائل له (كم لبثت) فقيل: الله جل وعز، وقيل: سمع هاتفًا من السماء يقول له ذلك، وقيل: خاطبه جبريل، وقيل: نبيّ، وقيل: رجل مؤمن ممن شاهده من قومه عند موته وعمر إلى حين إحيائه فقال له: كم لبثت.\nويقال: كان هذا السؤال بواسطة الملك على جهة التقرير.","vol":"3","page":44},{"text":"ثم قال ﵀: قلت: والأظهر أن القائل هو الله تعالى؛ لقوله (وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا).\n(قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) قالوا: وذلك أنه أماته أول النهار، ثم بعثه الله في آخر النهار، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ).\n• قال في التسهيل: (قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) استقل مدّة موته، قيل: أماته الله غدوة يوم ثم بعثه قبل الغروب من يوم آخر بعد مائة عام؛ فظنّ أنه يوم واحد، ثم رأى بقية من الشمس فخاف أن يكذب في قوله: يومًا فقال: أو بعض يوم.\n• قال القرطبي: (قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) إنما قال هذا على ما عنده وفي ظنه، وعلى هذا لا يكون كاذبًا فيما أخبر به؛ ومثله قول أصحاب الكهف (قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وإنما لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين على ما يأتي ولم يكونوا كاذبين لأنهم أخبروا عما عندهم، كأنهم قالوا: الذي عندنا وفي ظنوننا أننا لبثنا يومًا أو بعض يوم.\nونظيره قول النبيّ -ﷺ- في قصة ذي اليَدَين: \" لم أقصر ولم أَنْس\" \" ومن الناس من يقول: إنه كذبٌ على معنى وجود حقيقة الكذب فيه ولكنه لا مؤاخذة به، وإلا فالكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه وذلك لا يختلف بالعلم والجهل.\n(قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ) أي: بل مكثت ميتًا مائة سنة كاملة.\n(فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) أي: فإن شككت فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتغير بمرور الزمان، وكان معه عنب وتين وعصير فوجدها على حالها لم تفسد.\n(وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ) أي: كيف يحييه الله ﷿ وأنت تنظر.\n(وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) أي: دليلًا على المعاد.\n(وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا) أي: نرفعها فتركب بعضها على بعض.\n• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (كيف ننشزها) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو (ننشرها) بضم النون الأولى، وكسر الشين وراء مضمومة. ومعناه: نحييها، يقال: أنشر الله الميت، فنشرهم. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ننشزها، بضم النون مع الزاي، وهو من النشز الذي هو الارتفاع. والمعنى: نرفع بعضها إلى بعض للأحياء.\n• قال الرازي: قوله تعالى (وانظر إِلَى العظام) فأكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، فإن اللام فيه بدل الكناية، وقال آخرون أرادوا به عظام هذا الرجل نفسه.","vol":"3","page":45},{"text":"(ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) أي: ثم نكسوها لحمًا وأنت تنظر.\n(فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ) بأن له إحياء الموتى.\n(قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (قَالَ أَعْلَمُ) بهمزة قطع وضم الميم أي: قال الرجل ذلك اعترافًا، وقرئ بألف وصل، والجزم على الأمر أي قال له الملك ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-841>الفوائد:</span>\n١ - بلاغة القرآن حيث ينوع الأدلة والبراهين على الأمور العظيمة.\n٢ - أن العبرة بالمعاني والمقاصد دون الأشخاص.\n٣ - أن الإنسان إذا استبعد وقوع الشيء ولكنه لم يشك في قدرة الله لا يكفر بهذا.\n٤ - إثبات البعث.\n٥ - أنه ينبغي التفكر فيما خلقه الله وأحدثه في الكون.\n٦ - بيان عموم قدرة الله تعالى.\n٧ - ثبوت كرامات الله.","vol":"3","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-842>(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠».</span> [البقرة: ٢٦٠].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) أي: واذكر حين طلب ابراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى.\n• سأل الخليل -﵇- عن الكيفية مع إيمانه الجازم بقدرة الله تعالى، فالسؤال هنا عن الكيفية لا عن الإمكان.\n(قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) هذا الاستفهام للتقرير، وليس للإنكار ولا للنفي، فهو كقوله تعالى (ألم نشرح لك صدرك) أي: قد شرحنا لك صدرك.\n• قال الرازي: قوله تعالى (أَوَلَمْ تُؤْمِن) ففيه وجهان أحدهما: أنه استفهام بمعنى التقرير، قال الشاعر: ألستم خير من ركب المطايا .. وأندى العالمين بطون راح\nوالثاني: المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه -﵇- كان مؤمنًا بذلك عارفًا به وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر.\n(قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أي: ليزداد طمأنينة.\n• فإبراهيم -﵇- أراد أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين.\nفالدرجات ثلاث:\nعلم اليقين: كما قال تعالى (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ)، وهو العلم الثابت الراسخ الذي لا يداخله شك.\nعين اليقين: قال تعالى (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ)، وهذا لا يُتوصل إليه إلا بالمشاهدة.\nحق اليقين: قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ)، وهذا لا يتحقق إلا بملابسة شيء.\nوقد قال -ﷺ- (ليس الخبر كالمعاينة) ولهذا لما اخبر الله موسى: أنه قد فتن قومه، وأن السامري أضلهم، لم يحصل له من الغضب والكيفية والقاء الألواح، ما حصل له عند مشاهدة ذلك.\nمثال يوضح ذلك: قلت إن معي تفاحة - وأنا عندك ثقة - فهذا علم اليقين.\nفإن أخرجتها من جيبي، فهذا عين اليقين.\nفإن أعطيتك لتأكلها فهذا حق اليقين.\nقال القرطبي: اختلف الناس في هذا السؤال هل صدر من إبراهيم عن شكّ أم لا؟ فقال الجمهور: لم يكن إبراهيم -﵇- شاكًّا في إحياء الله الموتى قطُّ وإنما طلب المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به؛ ولهذا قال -﵇- (ليس الخبر كالمعانية).\nقال الأخفش: لم يُرد رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين.\nوقال الحسن وقَتادة وسعيد ابن جُبير والربيع: سأل ليزداد يقينًا إلى يقينه.","vol":"3","page":47},{"text":"• فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله -ﷺ- (نحن أحق بالشك من إبراهيم)؟\nالجواب: قيل: معنى الحديث أن الشك يستحيل في حق إبراهيم، فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقًا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به من إبراهيم وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أن إبراهيم لم يشك، وإنما خص إبراهيم لكون الآية قد يسبق منها إلى بعض الأذهان الفاسدة احتمال الشك، وإنما رجح إبراهيم على نفسه تواضعًا وأدبًا، أو قبل أن يعلم أنه خير ولد آدم.\nبهذا التأويل قال الخطابي، والطحاوي، وابن حزم، والقاضي عياض، وابن عطية، وابن الجوزي، والنووي، وابن حجر، وابن عثيمين.\nوقيل: إن الحديث كان ردًا على قوم أثبتوا الشك لإبراهيم.\nوقيل: أن المراد بقوله -ﷺ-: (نحن) أمته الذين يجوز عليهم الشك. والأول أصح. نقل\n(قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) أي: فخذ أربعة طيور.\n• قال ابن كثير: اختلف المفسرون في هذه الأربعة ما هي؟ وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك مُتَّهم لنص عليه القرآن، فروي عن ابن عباس أنه قال: هي الغرنوق، والطاوس، والديك، والحمامة. وعنه أيضًا: أنه أخذ وزًّا، ورألًا -وهو فرخ النعام -وديكًا، وطاووسًا. وقال مجاهد وعكرمة: كانت حمامة، وديكا، وطاووسًا، وغرابًا.\n(فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) بضم الصاد أي: أمِلْهُنّ إليك، وقيل: ضُمّهُنّ إليك.\nوفي قراءة (فصِرهن) تكون بمعنى قَطّعْهُنّ.\nأي: ضُمّهُنّ إليك ثم اقطعهن ثم اخلط بعضهن ببعض حتى يصبحن كتلة واحدة.\n(ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا) أي: فرّق أجزاءهن على رؤوس الجبال.\n(ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) أي: بسرعة.\n• قال ابن كثير: فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن، ثم قطعهن ونتف ريشهن، ومزقهن وخلط بعضهن في ببعض، ثم جزأهن أجزاءً، وجعل على كل جبل منهن جزءًا، قيل: أربعة أجبل. وقيل: سبعة. قال ابن عباس: وأخذ رؤوسهن بيده، ثم أمره الله ﷿، أن يدعوهن، فدعاهن كما أمره الله ﷿، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم، والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين سعيًا، ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم -﵇-، فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جثته بحول الله وقوته.\nوقال أبو حيان: أمره بدعائهنّ وهنّ أموات، ليكون أعظم له في الآية، ولتكون حياتها متسببة عن دعائه، ولذلك رتب على دعائه إياهنّ إتيانهنّ إليه.","vol":"3","page":48},{"text":"• وقال السعدي: فعل ذلك، وفرق أجزاءهن على الجبال، التي حوله، ودعاهن بأسمائهن، فأقبلن إليه، أي: سريعات، لأن\nالسعي: السرعة، وليس المراد أنهن جئن على قوائمهن، وإنما جئن طائرات، على أكمل ما يكون من الحياة، وخص الطيور بذلك، لأن إحياءهن أكمل وأوضح من غيرهن.\nوأيضًا أزال في هذا كل وهم، ربما يعرض للنفوس المبطلة، فجعلهن متعددات أربعة، ومزقهن جميعًا، وجعلهن على رؤوس الجبال، ليكون ذلك ظاهرًا علنًا، يشاهد من قرب ومن بعد، وأنه نحاهن عنه كثيرًا، لئلا يظن أن يكون عاملًا حيلة من الحيل، وأيضًا أمره أن يدعوهن فجئن مسرعات.\nفصارت هذه الآية أكبر برهان على كمال عزة الله وحكمته.\nوفيه تنبيه على أن البعث فيه يظهر للعباد كمال عزة الله وحكمته وعظمته وسعة سلطانه، وتمام عدله وفضله.\n(وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) اسم من أسماء الله متضمن لصفة العزة وهي ثلاثة أنواع: عزة القدْر: بمعنى أن الله ذو قدْر شريف عظيم، وعزة القهر: بمعنى أن الله القاهر لكل شيء، لا يُغلب، وعزة الامتناع: بمعنى أنه يمتنع أن يناله أحد بسوء أو نقص.\n(حَكِيمٌ) اسم من أسماء الله متضمن لصفة الحكمة البالغة، فأوامره وأحكامه وأفعاله كلها لحكمة.\nفهو سبحانه حكيم في صنعه، وحكيم في شرعه، فجميع مصنوعاته كلها محكمة، قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) وأما في الشرع فيقول سبحانه (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) فلا يمكن أن يوجد تناقض في القرآن أبدًا.\nقال بعض العلماء: الحكمة تكون في صورة الشيء: أي أن خلق الإنسان على هذه الصورة لحكمة، وكذلك خلق الحيوان على هذه الصورة لحكمة.","vol":"3","page":49},{"text":"وتكون في غايته: أي: أن الغاية من خلق الإنسان لحكمة، وكذلك الحيوانات، وكذلك جميع المخلوقات، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-843>الفوائد:</span>\n١ - أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب ما يزداد به يقينه.\n٢ - أن عين اليقين أقوى من خبر اليقين.\n٣ - تمام قدرة الله بإحياء الموتى.\n٤ - إثبات زيادة الإيمان.\nقال تعالى (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا).\nوقال تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ).\nوقال تعالى (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا).\nوقال تعالى (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).\nوقال تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ).\nوقال -ﷺ- (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن …) متفق عليه.\nوجه الدلالة: أنه إذا ثبت النقص ثبتت الزيادة.\nوقال -ﷺ- (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا) رواه أبو داود.\nوعن ابن مسعود أنه قال (اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا). رواه ابن بطة بإسناد صحيح.\nوعن أبي الدرداء أنه كان يقول (الإيمان يزداد وينقص) رواه ابن ماجه.\nوكان معاذ يقول لرجل: اجلس بما نؤمن ساعة.\nوقال عمار: ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان: إنصاف من نفسه، والإنفاق من إقتار، وبذل السلام للعالم.\nفأهل الإيمان يتفاضلون كما قال سبحانه (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات).","vol":"3","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-844>(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١».</span> [البقرة: ٢٦١].\n<hr><s0>\n\n(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ).\n• قوله تعالى (في سبيل الله) يعني في دينه، قيل: أراد النفقة في الجهاد خاصة، وقيل: جميع أبواب البر، ويدخل فيه الواجب والنفل من الإنفاق في الهجرة مع رسول الله -ﷺ-، ومن الإنفاق في الجهاد على نفسه وعلى الغير، ومن صرف المال إلى الصدقات، ومن إنفاقها في المصالح، لأن كل ذلك معدود في السبيل الذي هو دين الله وطريقته لأن كل ذلك إنفاق في سبيل الله.\n\n•<span data-type='title' id=toc-845> قوله (في سبيل الله) أضيف إلى الله لسببين:</span>\nالأول: أنه هو الذي وضعه لعباده وشرعه لهم.\nوالثاني: أنه موصل إليه.\n(كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) كحبة بذرها إنسان، فأنبتت سبع سنابل (فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) فتكون الجميع سبعمائة، فالحسنة إذًا في الإنفاق في سبيل الله تكون بسبعمائة.\n• قال أبو حيان: وشبه الإنفاق بالزرع، لأن الزرع لا ينقطع.\n• وقال ابن كثير: وهذا المثل أبلغ في النفوس، من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله ﷿، لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة، وقد وردت السنة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف.\n\n• في هذه الآية فضل الإنفاق في وجوه الخير والطاعة،<span data-type='title' id=toc-846> وللإنفاق فضائل عظيمة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-847>أولًا: أن الإنفاق استجابة لأمر ربنا تعالى.</span>\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ).\nوقال تعالى (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ. وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-848>ثانيًا: مضاعفة الحسنات.</span>\nقال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-849>ثالثًا: أن درجة البر تنال بالإنفاق.</span>\nقال تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-850>رابعًا: أنها من صفات المتقين.</span>","vol":"3","page":51},{"text":"كما قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فقوله تعالى (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) دليل على أن الإنفاق ملازم لهم في جميع أحوالهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-851>خامسًا: الأمان من الخوف يوم الفزع الأكبر.</span>\nقال تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-852>سادسًا: أن صاحب الإنفاق موعود بالخير الجزيل.</span>\nقال تعالى (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ).\nوقال تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-853>سابعًا: أن الله يخلف الصدقة.</span>\nقال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-854>ثامنًا: أن الإنفاق دليل على صحة الإيمان.</span>\nقال -ﷺ- (والصدقة برهان) رواه مسلم، فالصدقة برهان على صحة الإيمان.\n\n<span data-type='title' id=toc-855>تاسعًا: ينال دعاء الملائكة.</span>\nكما قال -ﷺ- (ما من صباح إلا وينزل ملكان: يقول أحدهما اللهم أعط منفقًا خلفًا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-856>عاشرًا: فضل من سبق بالإنفاق والجهاد.</span>\nقال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى).\n\n<span data-type='title' id=toc-857>الحادي عشر: أنها إرغام للشيطان وحسن ظن بالله.</span>\nقال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-858>الثاني عشر: لا حسد إلا لمن أنفق في وجوه الخير.</span>\nقال -ﷺ- (لَا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا).","vol":"3","page":52},{"text":"(وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) أي: بحسب إخلاصه في عمله.\nوقال -ﷺ- قال (والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف …) رواه البخاري.\nقال ابن رجب: ومضاعفة الأجر بحسب كمال الإسلام، وبكمال وقوة الإخلاص في ذلك العمل.\nوقال -ﷺ- (الرجل تطوعاَ حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس بخمس وعشرين درجه) رواه ابن ماجة وصححه الألباني\n• وقال السعدي: وذلك بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان، والإخلاص التام، وفي ثمرات نفقته ونفعها، فإن بعض طرق الخيرات يترتب على الإنفاق فيها منافع متسلسلة، ومصالح متنوعة، فكان الجزاء من جنس العمل.\nقال القرطبي: اختلف العلماء في معنى قوله (والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ) فقالت طائفة: هي مبيِّنة مؤكدة لما تقدّم من ذكر السبعمائة، وليس ثمَّ تضعيف فوق السبعمائة.\nوقالت طائفة من العلماء: بل هو إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف.\nقلت: وهذا القول أصحُّ لحديث ابن عمر المذكور أوّل الآية.\n• وقال ابن عاشور: ومعنى قوله (والله يضاعف لمن يشاء) أنّ المضاعفة درجات كثيرة لا يعلمها إلاّ الله تعالى؛ لأنّها تترتّب على أحوال المتصدّق وأحوال المتصدّق عليه وأوقات ذلك وأماكنه.\nوللإخلاص وقصد الامتثال ومحبة الخير للناس والإيثار على النفس وغير ذلك مما يحفّ بالصدقة والإنفاق، تأثير في تضعيف الأجر، والله واسع عليم.\n(وَاللَّهُ وَاسِعٌ) الفضل، واسع العطاء، لا ينقصه نائل ولا يحفيه سائل، فلا يتوهم المنفق أن تلك المضاعفة فيها نوع مبالغة، لأن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا ينقصه العطاء على كثرته.\n• قال ابن القيم (واسع) فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة، فإن المضاعِف واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل.\n(عليم) بمن يستحق هذه المضاعفة ومن لا يستحقها، فيضع المضاعفة في موضعها لكمال علمه وحكمته.\n\n<span data-type='title' id=toc-859>الفوائد:</span>\n١ - ضرب الأمثال، وهو تشبيه المعقول بالمحسوس، لأنه أقرب إلى الفهم.\n٢ - فضيلة الإنفاق في سبيل الله.\n٣ - الإشارة إلى الإخلاص لله في العمل.\n٤ - أن ثواب الله وفضله أكثر من عمل العامل.\n٥ - حرص الشريعة على نفع الآخرين.\n٦ - فضل الكرم والجود.\n٧ - ذم البخل.\n٨ - إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: الواسع، العليم.","vol":"3","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-860>(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣».</span> [البقرة: ٢٦٢ - ٢٦٣].\n<hr><s0>\n\n(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً) يمدح تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منًا على من أعطوه، فلا يمنون على أحد، ولا يمنون به لا بقول ولا فعل (وَلا أَذىً) أي: لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروهًا يحبطون به ما سلف من الإحسان.\n• في هذه الآية أن من محبطات الصدقة والإنفاق المن والأذى.\n• قال القرطبي: المَنُّ: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها؛ مثل أن يقول: قد أحسنت إليك ونَعْشْتُك وشبهه.\nوقال بعضهم: المنّ: التحدّث بما أَعطى حتى يبلغ ذلك المعطَى فيؤذيه.\n• والمنّ من الكبائر، ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره، وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ وروى النسائيّ عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ- (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاقّ لوالديه والمرأة المترجِّلة تتشبّه بالرجال والديُّوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة العاقّ لوالديه والمدمِن الخمر والمنّان بما أعطى) وفي بعض طرق مسلم (المنان هو الذي لا يعطي شيئًا إلا مِنّة) والأذى: السب والتشكّي، وهو أعمّ من المنّ؛ لأن المنّ جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة\nوُقُوعِه.\n• قال ابن الجوزي: ولقد حدثنا عن حسان بن أبي سنان أنه كان يشتري أهل بيت الرجل وعياله، ثم يعتقهم جميعًا، ولا يتعرف إليهم ولا يخبرهم من هو.\n• قال القرطبي: لما تقدّم في الآية التي قبلُ ذِكرُ الإنفاق في سبيل الله على العموم بَيَّن في هذه الآية أن ذلك الحكم والثواب إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه مَنّا ولا أذًى؛ لأن المنّ والأذى مبطلان لثواب الصدّقة كما أخبر تعالى في الآية بعد هذا، وإنما على المرء أن يريد وجه الله تعالى وثوابَه بإنفاقه على المنَفق عليه، ولا يرجو منه شيئًا ولا ينظر من أحواله في حالٍ سوى أن يراعي استحقاقه؛ قال الله تعالى (لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا)، ومتى أنفق ليريد من المنفَق عليه جزاء بوجهٍ من الوجوه فهذا لم يُرد وجهَ الله.\n• قال أبو السعود: وإنما قُدم المن لكثرة وقوعِه، وتوسيطُ كلمة (لا) للدَلالة على شمول النفي لإتباع كل واحدٍ منهما و(ثُمَّ) لإظهار علوِّ رتبة المعطوف.\n(لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: ثوابهم عند ربهم.\n(وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) أي فيما يستقبلونه من أمر الآخرة.\n(وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) على ما فاتهم من أمور الدنيا.\n(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ) المراد به الإحسان القولي بجميع وجوهه، الذي فيه سرور المسلم، والاعتذار من السائل إذا لم يوافق عنده شيئًا، وغير ذلك من أقوال المعروف.\n(وَمَغْفِرَةٌ) لمن أساء إليك، بقول أو فعل.","vol":"3","page":54},{"text":"• قال ابن الجوزي: (قول معروف) أي: قول جميل للفقير، مثل أن يقول له: يوسع الله عليك (ومغفرة) أي: يستر على المسلم خلته وفاقته.\nوقيل: أراد بالمغفرة التجاوز عن السائل إن استطال على المسؤول وقت رده.\n(خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً) للمعطِي، لأنه كدر إحسانه وفعل خيرًا وشرًا.\n(وَاللَّهُ غَنِيٌّ) عن صدقاتهم، وعن جميع عباده، فالله غني عن كل ما سواه، غني في نفسه لكثرة ما عنده، غني عن خلقه، كما قال تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) له ملك السموات والأرض، وخزائن السموات والأرض كلها بيده، كما قال تعالى (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وقال تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) فخزائنه ﷿ ملأ، لا يغيضها كثرة الإنفاق، وليس بحاجة إلى خلقه، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، وكل شيء فقير إليه.\nقال ابن القيم: هو الغني بذاته الذي كل ما سواه محتاج إليه، وليس به حاجة إلى أحد.\nوقال السعدي: هو الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق، من جميع الوجوه، والاعتبارات لكماله، وكمال صفاته، فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنيًا، لأن غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا خالقًا قادرًا رازقًا محسنًا فلا يحتاج إلى أحد بوجه من الوجوه، فهو الغني الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة، المغني جميع خلقه غنى عامًا.\nقال: ومن كمال غناه: أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ولا شريكًا في الملك، ولا وليًا من الذل.\nوقال الخطابي: الغني: هو الذي استغنى عن الخلق وعن نصرتهم وتأييدهم لمُلكه، فليست به حاجة إليهم، وهم إليه فقراء محتاجون.\n• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:\nأولًا: إفراد الله تعالى بالعبادة، لأنه سبحانه هو الغني الغنى المطلق المطلق، والغنى وصف له سبحانه ذاتي وما سواه من الخلائق مفتقر إليه، فالأمر كله له والملك كله له، وجميع الخلق مربوبون مملوكون، فكيف يتخذ منهم معبودًا مع الله تعالى؟\nثانيًا: الافتقار التام إلى الله ﷿، لأن الفقر صفة ذاتية ملازمة للعبد في جميع أحيانه ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، ولا يستغني عن ربه سبحانه طرفة عين، لأنه سبحانه الغني ذو الغنى المطلق الذي لا يحتاج إلى أحد، وكل أحد محتاج إليه.\nثالثًا: أن هذا الاسم يثمر في قلب المؤمن الغنى القلبي كما في الحديث (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى القلب) وهذا يثمر الاستغناء بالله تعالى وحده عن الناس وعزة النفس، والتعفف والزهد بما في أيدي الناس، وعدم التذلل لهم وعدم التعلق بأعطياتهم وإعانتهم، بل يجرد العبد تعلقه وقضاء حوائجه وطلب رزقه بالله الغني الحميد الكريم الوهاب الذي لا تفنى خزائنه.","vol":"3","page":55},{"text":"رابعًا: أن الله غني عن عباده، ومع ذلك فهو محسن إليهم، رحيم بهم، وهذا من كمال غناه وكرمه ورحمته.\nأما العباد فإنهم يحسنون إلى بعضهم البعض لتعلق مصالحهم بذلك إما عاجلًا وإما آجلًا.\n• فغنى الله يتضمن شيئين: الأول: الغنى الذاتي، لكثرة ما يملكه، إذ كل شيء ملكه، والثاني: الغنى عن الغير، فلا يحتاج إلى أحد وغيره محتاج إليه.\n(حَلِيمٌ) مع كمال غناه، وسعة عطاياه، يحلم عن العاصين، ولا يعاجلهم بالعقوبة، بل يعافيهم ويرزقهم، ويدر عليهم خيره، وهم مبارزون له بالمعاصي.\n\n<span data-type='title' id=toc-861>الفوائد:</span>\n١ - الحث على الإنفاق في سبيل الله.\n٢ - خطر من أتبع نفقته بالمنّ والأذى.\n٣ - أن المن والأذى يبطل الصدقة.\n٤ - على المسلم أن يعرف مبطلات الأعمال.\n٥ - فضيلة القول المعروف.\n٦ - الحث على المغفرة لمن أساء إليك.\n٧ - أن الأعمال الصالحة تتفاضل.\n٨ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغني والحليم.","vol":"3","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-862>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤».</span> [البقرة: ٢٦٤].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) أخبر تعالى أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى.\n• قال أبو حيان: ولتعظيم قبح المن أعاد الله ذلك في معارض الكلام، فأثنى على تاركه أولًا وفضل المنع على عطية يتبعها\nالمن ثانيًا، وصرح بالنهي عنها ثالثًا، وخص الصدقة بالنهي إذ كان المن فيها أعظم وأشنع.\n(كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ) أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله وإنما قصده مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه.\n(وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي: لا يصدق بلقاء الله ليرجو ثوابًا أو يخشى عقابًا.\n(فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ) وهو الحجر الأملس.\n(عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ) وهو المطر الشديد.\n(فَتَرَكَهُ صَلْدًا) أي: فترك الوابل ذلك الصفوان صلدًا، أي: أملس يابسًا، أي: لاشيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي: وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب.\n(لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا) أي: لا يجدون له ثوابًا في الآخرة فلا ينتفع بشيء منها أصلًا.\n• قال ابن الجوزي: وهذا مثل ضربه الله تعالى للمرائي بنفقته، لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء مما أنفق.","vol":"3","page":57},{"text":"• قال ابن القيم: وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها، فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن إيمان بالله واليوم الآخر بالحجر لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به، وتضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذي علق بذلك الحجر والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها كما يذهب الوابل التراب الذي على الحجر فيتركه صلدًا فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله، وفيه معنى آخر وهو: أن المنفق لغير الله هو في الظاهر عامل عملا يرتب عليه الأجر ويزكو له كما تزكو الحبة التي إذا بذرت في التراب الطيب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، ولكن وراء هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه كما أن تحت التراب حجرًا يمنع من نبات ما يبذر من الحب فيه فلا ينبت ولا يخرج شيئًا.\n(وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) أي: لا يهديهم إلى طريق الخير والرشاد في نفقاتهم وفي غيرها.\nفلا يوفقهم الله ويتخلى عنهم، وهكذا اذا خذل الله العبد، يتركه فتكون أعماله وبالًا عليه، فيعمل ما فيه عطبه وخسارته وهلاكه.\n• في هذه الآية خطر الرياء وأنه محبط للعمل.\nوقال ابن حجر: الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد وهو مشتق من الرؤية والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشتقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع\n• والتحذير من الرياء وصية ربانية: إن الله حذرنا من الرياء في الأقوال والأفعال وذلك في كثير من آيات القرآن الكريم، وبين لنا سبحانه أن الرياء يحبط الأعمال الصالحة.\nقال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ\nالْآخِرِ …).","vol":"3","page":58},{"text":"وقال سبحانه (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا).\nقال ابن كثير: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيرًا عن الصلاة\nالتي لا يُرون فيها غالبًا كصلاة العشاء في وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس.\nوهو من صفات المنافقين.\nقال تعالى في المنافقين (يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا).\nوقال ﷾ (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا).\nقال ابن كثير في قوله تعالى (فليعمل عملًا صالحًا) أي: ما كان موافقًا لشرع الله، وقوله (ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) وهو الذي يُراد به وجه الله تعالى وحده لا شريك له.\nوقال جل شأنه (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ).\nقال مجاهد في معنى هذه الآية: عملوا أعمالًا توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات.\nوقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، هذه آيتهم وقصتهم.","vol":"3","page":59},{"text":"وقال سبحانه موضحًا عقوبة المرائين يوم القيامة (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).\nعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِي النَّارِ) رواه مسلم.\nعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله -ﷺ-: (بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب). رواه احمد وابن حبان\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: (من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة). رواه أبو داود\nوعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك). رواه الترمذي وابن ماجه\nوعن أبي سعيد مرفوعًا: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل). رواه أحمد.","vol":"3","page":60},{"text":"• قال ابن قدامة:<span data-type='title' id=toc-863> اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فُصل رجع إلى ثلاثة أصول:</span>\nأولًا: حب لذة الحمد.\nثانيًا: الفرار من ألم الذم.\nثالثًا: الطمع فيما في أيدي الناس.\n\n•<span data-type='title' id=toc-864> من أقوال السلف:</span>\nعن شداد بن أوس قال عند موته: إن أخوف ما أخاف عليكم: الرياء، الشهوة الخفية.\nقال سهل: لا يعرف الرياء إلا مخلص.\nوقال ابن القيم: وكل مالم يكن لله فبركته منزوعة.\nوكان عكرمة يقول: أكثروا من النية الصالحة فإن الرياء لا يدخل النية.\nوكان الثوري يقول: كل شيء أظهرته من عملي فلا أعده شيئًا.\nوعن عبدة قال: إن أقرب الناس من الرياء آمنهم منه.\nوقال الربيع بن خثيم: كل ما لا يراد به وجه يضمحل.\nوقال بشر بن الحارث: قد يكون الرجل مرائيًا بعد موته، يحب أن يكثر الخلق بعد موته.\nقال ابن رجب: ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق .. المرائي يزور التواقيع على اسم الملك ليأخذ البراطيل لنفسه ويوهم أنه من خاصة الملك وهو ما يعرفه بالكليه … نقش المرائي على الدرهم الزائد اسم الملك ليروج والبهرج ما يجوز إلا على غير الناقد.\nقال ابن القيم: أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص.\nوقال ابن القيم: كل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله، فهو حسرة على العبد في معاده، ووقفة له في طريق سيره، أو نكسة إن استمر، أو حجاب إن انقطع به.","vol":"3","page":61},{"text":"• قال ابن القيم: قال يحيى بن معاذ عجبت من ثلاث:\nرجل يرائي بعمله مخلوقًا مثله ويترك أن يعمله لله.\nورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه فلا يقرضه منه شيئًا.\nورجل يرغب في صحبة المخلوقين ومودتهم والله يدعوه إلى صحبته ومودته.\nقال ابن الجوزي في صيد الخاطر: ثم تأملت العلماء والمتعلمين، فرأيت القليل من المتعلمين عليه أمارة النجابة؛ لأن أمارة النجابة طلب العلم للعمل به، وجمهورهم يطلب منه ما يصيره شبكة للكسب إما ليأخذ قضاء مكان، أو ليصير قاضي بلد، أو قدر ما يتميز به عن أبناء جنسه، ثم يكتفي.\nوكان من دعاء عمر: اللهم اجعل عملي كله صالحًا واجعله لوجهك خالصًا ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.\nوقال ابن القيم: العمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم: لا يكون من عارف بهم البتة، بل جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله.\nوقال: إن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده، وقع في باطل مُقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده، حتى في الأعمال، من رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فرغب عن العمل لمن ضَره ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده، فابتليَ بالعمل لمن لا يملك له شيئًا من ذلك.\nوكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتُليَ بإنفاقه لغير الله وهو راغم.","vol":"3","page":62},{"text":"وقال: الوقوف عند مدح الناس وذمهم: علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-865>الفوائد:</span>\n١ - أن المن والأذى يبطل الصدقة.\n٢ - تحريم المن والأذى في الصدقة.\n٣ - تحريم الرياء.\n٤ - أن الرياء مبطل للعمل.\n٥ - أن من يرائي بعمله فذلك لضعف إيمانه بالله واليوم الآخر. [السبت: ١٩/ ٣/ ١٤٣٣ هـ].","vol":"3","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-866>(وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥».</span> [البقرة: ٢٦٥].\n<hr><s0>\n\n(وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ) هذا مثل المؤمنين المنفقين.\n(ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) أي: طلبًا لمرضات الله لا لغرض من أغراض الدنيا.\nفهذا فيه الإخلاص في الإنفاق لا لأي غرض من أغراض الدنيا.\nكما قال تعالى (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا. فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا. وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا).\n• فقوله (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) أي: رجاء ثواب الله ورضاه لا رياء ولا سمعة (لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا) أي: لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها ولا أن تشكرونا عند الناس.\n• قال القرطبي (لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً) أي مكافأة (وَلَا شُكُورًا) أي: ولا أن تثنوا علينا بذلك؛ قال ابن عباس: كذلك كانت نياتهم في الدنيا حين أطعموا.\n• فالجزاء: المكافأة والعوض المجازاة بالمال وغيره، والشكور: الثناء بالقول.\nقال سعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليه به ليرغب في ذلك راغب.\nقال ابن عاشور: والمعنى: إنهم يقولون ذلك لهم تأنيسًا لهم ودفعًا لانكسار النفس الحاصل عند الإِطعام، أي ما نطعمكم إلاّ استجابة لما أمر الله، فالمطعم لهم هو الله، فالقول قول باللسان، وهم ما يقولونه إلاّ وهو مضمر في نفوسهم.\n• وفي كونهم يخصون بالإطعام هذه الأصناف الثلاثة المحتاجة دليل على أنهم لا يريدون بذلك مكافأة كما يفعل بعض من يعاوضون بإطعامهم وإنفاقهم، بل ويعاوضون بإنصافهم وقولهم كلمة الحق أو سكوتهم عن الباطل.\nقال ابن تيمية: من طلب من العباد العوض ثناء أو دعاء أو غير ذلك لم يكن محسنًا إليهم لله.\nوهكذا في جميع الطاعات والعبادات تنبغي أن تكون لله تعالى وحده.\nقال تعالى (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) وقال تعالى (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ).","vol":"3","page":64},{"text":"وقال تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).\nوقال -ﷺ- (من بنى مسجدًا لله بنى الله …) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا …) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (صَلَاةُ الرَّجُلِ في جماعةٍ تزيدُ عَلَى صَلَاتِهِ في سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بضْعًا وعِشْرينَ دَرَجَةً، وذلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِد لا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ، لا يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ، لَمْ يَخطُ خُطوَةً إِلاَّ رُفِعَ لَهُ بِها دَرجةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطيئَةٌ\nحتَّى يَدْخلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دخل الْمَسْجِدَ كانَ في الصَّلَاةِ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِيَ التي تحبِسُهُ، وَالْمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدكُمْ ما دام في مَجْلِسهِ الَّذي صَلَّى فِيهِ، يقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، ما لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ» متفقٌ عليه، وهَذَا لَفْظُ مُسْلمٍ. وَقَوْلُهُ -ﷺ-: «ينْهَزُهُ» هُوَ بِفتحِ الْياءِ وَالْهاءِ وَبالزَّاي: أَي يُخْرِجُهُ ويُنْهِضُهُ.\nوقال -ﷺ- (إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ أَحَدُكُمْ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ) متفقٌ عليه.\nوقال -ﷺ- (الحج المبرور ليس جزاء إلا الجنة) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (من تواضع لله رفعه الله) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ) متفق عليه.","vol":"3","page":65},{"text":"(وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: وهم متحققون مُثبَتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء.\nوقيل: تصديقًا ويقينًا.\nوقيل: التثبيت لارتياد محل الإنفاق، فهم ينظرون أين يضعونها.\nوقيل: أي لأجل التثبيت.\nوقيل: إنهم بهذا الإنفاق يروضون النفس ويثبتونها ويدربونها ويخطمونها بتقويتها على البذل والإنفاق لئلا تضعف، وهذا اختيار ابن القيم.\nوقيل: أن أنفسهم كانت موقنة مصدّقة بوعد الله إياها فيما أنفقت في طاعته بغير منّ ولا أذى، فثبتهم في إنفاق أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وصحح عزمهم وآراءهم يقينًا منها بذلك، وتصديقًا بوعد الله إياها ما وعدها.\nقال ابن القيم: هذا مثل الذي مصدر نفقته عن الإخلاص والصدق فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو الإخلاص والتثبيت من النفس هو الصدق في البذل فإن المنفق يعترضه عند إنفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكره في هذه الآية:\nإحداهما: طلبه بنفقته محمدة أو ثناء أو غرضًا من أغراضه الدنيوية وهذا حال أكثر المنفقين.\nوالآفة الثانية: ضعف نفسه وتقاعسها وترددها هل يفعل أم لا.\nفالآفة الأولى تزول بابتغاء مرضاة الله، والآفة الثانية تزول بالتثبيت فإن تثبيت النفس تشجيعها وتقويتها والإقدام بها على البذل وهذا هو صدقها وطلب مرضاة الله إرادة وجهه وحده وهذا إخلاصها فإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك … ألخ.\n(كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ) أي: كمثل بستان بربوة.\nوالربوة عند الجمهور: المكان المرتفع المستوى من الأرض.\n(أَصَابَهَا وَابِلٌ) وهم المطر الشديد.\n(فآتَتْ أُكُلَهَا) أي: ثمرتها.\n(ضِعْفَيْنِ) أي: بالنسبة إلى غيرها من الجنان.","vol":"3","page":66},{"text":"(فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ) أي: فإن لم ينزل عليها المطر الغزير فيكفيها المطر الخفيف، فهي تنتج على كل حال.\n• قال ابن كثير: أي: هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدًا، لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأيا ما كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدًا، بل يتقبله الله ويكثره وينميه، كل عامل بحسبه.\n• وقال ابن الجوزي: ومعنى هذا المثل: أن صاحب هذه الجنة لا يخيب، فإنها إن أصابها الطل حسنت، وإن أصابها الوابل أضعفت، فكذلك نفقة المؤمن المخلص.\n(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أي: لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء.\nقال أبو حيان: والمعنى: أنه تعالى لا يخفى عليه شيء من الأعمال والمقاصد من رياء وإخلاص، وفيه وعد ووعيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-867>الفوائد:</span>\n١ - فضل الإنفاق من المال ابتغاء مرضات الله.\n٢ - تحريم الإنفاق لغير الله من أغراض الدنيا.\n٣ - اشتراط الإخلاص لقبول الأعمال.\n٤ - بيان أن تثبت الإنسان لعمله واطمئنانه به من أسباب قبوله.\n٥ - ضرب الأمثال.\n٦ - إثبات علم الله وعمومه.\n٧ - التحذير من مخالفة الله، لكونه عالمًا بما نعمل. [الأحد: ٢٠/ ٣/ ١٤٣٣ هـ].","vol":"3","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-868>(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦».</span> [البقرة: ٢٦٦].\n<hr><s0>\n\n(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) روى البخاري عند تفسير هذه الآية: عن عبد الله بن أبي مُلَيكة، يحدث عن ابن عباس، وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عُمَير قال: قال عمر بن الخطاب يومًا لأصحاب النبي -ﷺ- (فيمن ترون هذه الآية نزلت: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ)؟ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي، قل ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس: ضربت مثلًا لعمل. قال عمر: أيُّ عملٍ؟ قال ابن عباس: لعمل. قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله. ثم بعث الله له الشيطان فعمِل بالمعاص حتى أغرق أعماله.\nوفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولًا ثم بعد ذلك انعكس سيره، فبدل الحسنات بالسيئات، عياذًا بالله من ذلك، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل له منه شيء، وخانه أحوجَ ما كان إليه.\n(وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ) وهو الريح الشديد.\n• قال الحسن: هذا مثل قل والله من يعقله: شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.\nواختار الطبري أن هذا مثل آخر في المنفق المرائي، واختار ما قال السدي.\nقال السدي: (أيود أحدكم أن تكون له جنةٌ من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله\nذرية ضعفاء، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت) هذا مثل آخر لنفقة الرياء. إنه ينفق ماله يرائي الناس به، فيذهب ماله منه وهو يرائي، فلا يأجره الله فيه، فإذا كان يوم القيامة واحتاجَ إلى نفقته، وجدها قد أحرقها الرياء، فذهبت كما أنفق هذا الرجل على جنته، حتى إذا بلغت وكثر عياله واحتاج إلى جنته جاءت ريح فيها سَموم فأحرقت جنته، فلم يجد منها شيئًا. فكذلك المنفق رياء.\n(فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ) أي: أحرق ثمارها وأباد أشجارها، فأي حال يكون حاله.\n• قال ابن الجوزي: وإنما ذكر النخيل والأعناب، لأنهما من أنفس ما يكون في البساتين، وخصّ ذلك بالكبير، لأنه قد يئس من سعي الشباب في إكسابهم.\n• قال ابن القيم: قال الحسن هذا مثل قل والله من يعقله من الناس، شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.","vol":"3","page":68},{"text":"(أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) خص هذين النوعين من الثمار بالذكر لأنهما أشرف أنواع الثمار وأكثرها نفعًا، فإن منهما القوت والغذاء والدواء والشراب والفاكهة والحلو والحامض ويؤكلان رطبًا يابسًا منافعهما كثيرة جدًا.\n(وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ) هذا إشارة إلى شدة حاجته إلى جنته وتعلق قلبه بها من وجوه:\nأحدها: أنه قد كبر سنه عن الكسب والتجارة ونحوها.\nالثاني: أن ابن آدم عند كبر سنه يشتد حرصه.\nالثالث: أن له ذرية فهو حريص على بقاء جنته لحاجته وحاجة ذريته.\nالرابع: أنهم ضعفاء فهم كل عليه لا ينفعونه بقوتهم وتصرفهم.\nالخامس: أن نفقتهم عليه لضعفهم وعجزهم. [انتهى كلام ابن القيم]\nوهذا نهاية ما يكون من تعلق القلب بهذه الجنة لخطرها في نفسها وشدة حاجته وذريته إليها، فإذا تصورت هذه الحال وهذه الحاجة، فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب جنته إعصار وهي الريح التي تستدير في الأرض ثم ترتفع في طبقات الجو كالعمود، وفيه نار مرت بتلك الجنة فأحرقتها وصيرتها رمادًا، فصدق - والله الحسن - هذا مثل قلّ من يعقله من الناس.\n• قال الماوردي: (وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ) لأن الكِبَر قد يُنسِي من سعي الشباب في كسبه، فكان أضعف أملًا وأعظم حسرة\n(وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ) لأنه على الضعفاء أحَنّ، وإشفاقه عليهم أكثر.\nوقد قيل: إن هذا المثل للمنفق المانّ بنفقته.\n• قال ابن الجوزي: وهذه الآية مثلٌ ضربه الله تعالى في الحَسْرةِ بسلب النعمة عند شدّة الحاجة. وفيمن قَصَدَ به ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه مثل الذي يختم له بالفساد في آخر عُمره، قاله ابن عباس.\nوالثاني: أنه مثل للمفرط في طاعة الله تعالى حتى يموت، قاله مجاهد.\nوالثالث: أنه مثل للمرائي في النفقة، ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه، قاله السدي.\n(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) أي: تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني، وتنزلونها على المراد منها، كما قال تعالى (وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ).","vol":"3","page":69},{"text":"والتفكر: إعمال الفكر فيما يراد.\nقال ابن القيم: ولهذا نبه ﷾ على عظم هذا المثل وحدا القلوب إلى التفكر فيه لشدة حاجتها إليه فقال تعالى كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون، فلو فكر العاقل في هذا المثل وجعله قبلة قلبه لكفاه وشفاه، فهكذا العبد إذا عمل بطاعة الله ثم أتبعها بما يبطلها ويفرقها من معاصي الله كانت كالإعصار ذي النار المحرق للجنة التي غرسها بطاعته وعمله الصالح، ولولا\nأن هذه المواضع أهم مما كلامنا بصدده من ذكر مجرد الطبقات لم نذكرها، ولكنها من أهم المهم والله المستعان الموفق لمرضاته، فلو تصور العامل بمعصية الله بعد طاعته هذا المعنى حق تصوره، وتأمله كما ينبغي، لما سولت له نفسه والله إحراق أعماله الصالحة وإضاعتها، ولكن لا بد أن يغيب عنه علمه عند المعصية ولهذا استحق اسم الجهل فكل من عصى الله فهو جاهل.\n\n<span data-type='title' id=toc-869>الفوائد:</span>\n١ - يجب على الإنسان أن يحرص على إخلاص نيته وأن يجاهد ويحاسب نفسه دائمًا وأبدًا.\n٢ - الحذر من كل سبب يكون سببًا في انتكاسة القلب ورجوعه عن الحق.\n٣ - على الإنسان أن يعرف أسباب الثبات على الدين وأن يحافظ عليها.","vol":"3","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-870>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧».</span> [البقرة: ٢٦٧].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) أي: أنفقوا من الحلال الطيب من المال الذي كسبتموه.\nقال القرطبي: قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ) هذا خطاب لجميع أُمة محمد -ﷺ-.\n• واختلف العلماء في المعنى المراد بالإنفاق هنا:\nفقيل: هي الزكاة المفروضة، نهى الناس عن إنفاق الرّديء فيها بدل الجيّد.\nقال ابن عطية: والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن وقتادة أن الآية في التطوّع، ندبوا إلى ألاّ يتطوّعوا إلاَّ بمختار جيّد.\nوالآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة تعلّق بأنها مأمور بها والأمر على الوجوب، وبأنه نهى عن الرديء وذلك مخصوص بالفرض، وأما التطوّع فكما للمرء أن يتطوّع بالقليل فكذلك له أن يتطوّع بنازل في القدر، ودرهمٌ خير من تمرة.\n• قال ابن الجوزي: وفي المراد بهذه النفقة قولان:\nأحدهما: أنها الصدقة المفروضة، قاله عبيدة السلماني في آخرين.\nوالثاني: أنها التطوع.\n• قال الرازي: اختلفوا في المراد بالطيب في هذه الآية على قولين:\nالقول الأول: أنه الجيد من المال دون الرديء، فأطلق لفظ الطيب على الجيد على سبيل الاستعارة، وعلى هذا التفسير فالمراد من الخبيث المذكور في هذه الآية الرديء.\nوالقول الثاني: وهو قول ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال، والخبيث هو الحرام.\n• حجة الأول وجوه:\nالحجة الأولى: إنا ذكرنا في سبب النزول أنهم يتصدقون برديء أموالهم فنزلت الآية وذلك يدل على أن المراد من الطيب الجيد.\nالحجة الثانية: أن المحرم لا يجوز أخذه لا بإغماض ولا بغير إغماض، والآية تدل على أن الخبيث يجوز أخذه بالإغماض.\nقال القفال ﵀: ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد من الإغماض المسامحة وترك الاستقصاء، فيكون المعنى: ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام، ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال، أمن حلاله أو من حرامه.","vol":"3","page":71},{"text":"• وقال ابن عاشور: المراد بالطيّبات خيار الأموال، فيطلق الطيِّب على الأحسن في صنفه. والكَسب ما يناله المرء بسعيه كالتجارة والإجارة والغنيمة والصيد.\nويطلق الطيّب على المال المكتسب بوجه حلال لا يخالطه ظلم ولا غشّ، وهو الطيّب عند الله كقول النبي -ﷺ- (من تصدق بصدقة من كسب طيّب ولا يقبل الله إلاّ طيّبًا تلقّاها الرحمن بيمينه) الحديث.\nوفي الحديث الآخر (إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّبًا).\n(وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) أي: ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمار.\n• ويشمل النبات والمعادن والركاز.\n(وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) أي: ولا تقصدوا الرديء الخسيس فتتصدقوا منه.\n• قال ابن الجوزي: وفي الخبيث قولان:\nأحدهما: أنه الرديء، قاله الأكثرون، وسبب الآية يدل عليه.\nوالثاني: أنه الحرام، قاله ابن زيد.\n(وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ) أي: لستم تقبلونه لو أعطيتموه.\n(إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) أي: إلا إذا تساهلتم وأغمضتم البصر.\n• الإغماض أخذ الشيء على كراهة.\n(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ) عن كل ما سواه، غني في نفسه لكثرة ما عنده، غني عن خلقه، كما قال تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) له ملك السموات والأرض، وخزائن السموات والأرض كلها بيده، كما قال تعالى (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وقال تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)، فخزائنه ﷿ ملأ، لا يغيضها كثرة الإنفاق، وليس بحاجة إلى خلقه، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، وكل شيء فقير إليه. (وقد تقدم مباحث الغنى).\n(حَمِيدٌ) اسم من أسماء الله، قال ابن جرير: أي محمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه، وبسط لهم من فضله.","vol":"3","page":72},{"text":"وقال الخطابي: الحميد: هو المحمود الذي استحق الحمد بأفعاله.\nوقال ابن كثير: أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وقدره لا إله إلا هو ولا رب سواه.\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الصحيح أنها بمعنى المحمود والحامد، فالله سبحانه حامدٌ من يستحق الحمد، وما أكثر الثناء على من يستحقون الثناء في كتاب الله، وهو كذلك محمود على كمال صفاته، وتمام إنعامه.\n• وغنى الله مقرون بحمده ولهذا قال (الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فهو غني يحمد على غناه، لأنه يجود به على غيره.\nفالله ذو الغنى الواسع. كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).\nوقال تعالى (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).\nوقال تعالى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-871>الفوائد:</span>\n١ - فضيلة الإيمان.\n٢ - الحث على الإنفاق من طيبات ما كسبنا.\n٣ - فضل الكرم والإنفاق.\n٤ - ذم البخل.\n٥ - وجوب الزكاة في عروض التجارة.\n٦ - الحذر من أكل الحرام.\n٧ - وجوب الزكاة من الخارج من الأرض.\n٨ - تحريم قصد الرديء في إخراج الزكاة.\n٩ - أنه غني عن عباده وعن صدقاتهم.\n١٠ - أن من أراد الغنى فليطلبه مما يملكه وهو الله.\n١١ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغني، الحميد.","vol":"3","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-872>(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨».</span> [البقرة: ٢٦٨].\n<hr><s0>\n\n(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) أي: يخوفكم الفقر، لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله.\nيقول: إنك إن أنفقت افتقرت، ووراءك ذرية، إلى غير ذلك ممن يفعله ويخوف به الإنسان.\n(وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) أي: مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق.\nوقد قيل إن المراد بالفحشاء هنا البخل، بل نقل بعضهم الإجماع على ذلك.\nوالفحشاء تطلق على ما فحش من المعاصي كالزنا واللواط ونكاح المحارم.\nقال تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) يراد بالفاحشة هنا الزنا.\nوقال تعالى (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) المراد بها هنا اللواط.\nوقال تعالى (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا).\n• قال ابن القيم: هذه الآية تتضمن الحض على الإنفاق والحث عليه بأبلغ الألفاظ وأحسن المعاني، فإنها اشتملت على بيان الداعي إلى البخل والداعي إلى البذل والإنفاق وبيان ما يدعوه إليه داعي البخل وما يدعو إليه داعي الإنفاق وبيان ما يدعو به داعي الأمرين فأخبر سبحانه أن الذي يدعوهم إلى البخل والشح هو الشيطان، وأخبر أن دعوته هي بما يعدهم به ويخوفهم من الفقر إن أنفقوا أموالهم، وهذا هو الداعي الغالب على الخلق، فإنه يهم بالصدقة والبذل فيجد في قلبه داعيًا يقول له متى أخرجت هذا دعتك الحاجة إليه وافتقرت إليه بعد إخراجه وإمساكه خير لك حتى لا تبقى مثل الفقير، فغناك خير لك من غناه، فإذا صور له هذه الصورة أمره بالفحشاء وهي البخل الذي هو من أقبح الفواحش وهذا إجماع من المفسرين أن الفحشاء هنا البخل، فهذا وعده وهذا أمره وهو الكاذب في وعده الغار الفاجر في أمره، فالمستجيب لدعوته مغرور مخدوع مغبون، فإنه يدلي من يدعوه بغروره ثم يورده شر.\nهذا وإن وعده له الفقر ليس شفقة عليه ولا نصيحة له كما ينصح الرجل أخاه ولا محبة في بقائه غنيًا بل لا شيء أحب إليه من فقره وحاجته، وإنما وعده له بالفقر وأمره إياه بالبخل ليسيء ظنه بربه، ويترك ما يحبه من الإنفاق لوجهه، فيستوجب منه الحرمان، وأما الله سبحانه فإنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه وفضلًا بأن يخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه، إما في الدنيا أو في الدنيا والآخرة، فهذا وعد الله وذاك وعد الشيطان فلينظر البخيل والمنفق أي الوعدين هو أوثق وإلى أيهما يطمئن قلبه وتسكن نفسه والله يوفق من يشاء ويخذل من يشاء وهو الواسع العليم.","vol":"3","page":74},{"text":"• روى الترمذِيّ عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ- (إن للشيطان لَمّةً بابن آدم وللمَلك لَمَّةً، فأما لمّة الشيطان فإيعادٌ بالشّر وتكذيبٌ بالحق، وأما لَمّة المَلَك؛ فإيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، ومَن وجد الأُخرى فليتعوّذ بالله من الشيطان، ثم قرأ: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاء) قال: هذا حديث حسن صحيح.\n\n•<span data-type='title' id=toc-873> الشيطان يخوف بالفقر لأمور:</span>\nأولًا: ليمنعه من التصدق حتى لا ينال الاجر في ذلك.\nثانيًا: ليسيء الظن بربه، فالله تعالى يقول (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِين).\nثالثًا: ليبخل، وهي من أقبح الصفات.\nرابعًا: ليصاب بالقلق والخوف (ليحزن الذين آمنوا …) فان من يخشى الفقر يعيش في هم وقلق وخوف وغم.\nخامسًا: أنه إذا خاف الفقر وقع في الحرام.\nسادسًا: ينشغل بجمع المال عن الطاعات والأعمال الصالحات.\nقال الثوري: ليس للشيطان سلاح على الإنسان مثل خوف الفقر، فإنه إذا وقع في قلبه الفقر منع الحق، وتكلم بالهوى، وظن بربه ظن السوء.\nقال بعض السلف: إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء:\nمؤمن قتل مؤمنًا، ورجل يموت على الكفر، وقلب فيه خوف الفقر.\n(وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ) إن تصدقتم وأنفقتم.\n(مَغْفِرَةً مِنْهُ) في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء.","vol":"3","page":75},{"text":"(وَفَضْلًا) أي: في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر، كما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) والنبي -ﷺ- قال (ما نقصت صدقة من مال).\nقال ابن عباس: في هذه الآية اثنتان من الله تعالى واثنتان من الشيطان.\n(وَاللَّهُ وَاسِعٌ) الفضل والعطاء.\n(عَلِيمٌ) بمن يستحق الثناء.\n\n<span data-type='title' id=toc-874>الفوائد:</span>\n١ - إثبات إغواء الشيطان لبني آدم.\n٢ - أن للشيطان تأثيرًا على بني آدم إقدامًا أو إحجامًا.\n٣ - عداوة الشيطان للإنسان.\n٤ - ذم البخل وأنه من الفواحش.\n٥ - أن من أمر شخصًا بالإمساك عن الإنفاق المشروع فهو شبيه بالشيطان.\n٦ - البشرى للمنفق.\n٧ - ينبغي على المنفق أن يتفاءل بما وعد الله.\n٨ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: واسع، وعليم.","vol":"3","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-875>(يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (٢٦٩».</span> [البقرة: ٢٦٩].\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-876>(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ) اختلف في معنى الحكمة:</span>\nفقيل: الحكمة: النبوة، وقيل: القرآن والفقه به: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه،\nوأمثاله.\nوقيل: الإصابة في القول والفعل.\nوقيل: معرفة الحق والعمل به.\nوقيل: العلم النافع والعمل الصالح.\nوقيل: الخشية للَّه.\nوقيل: السنة، وقيل: الورع في دين اللَّه.\nوقيل: العلم والعمل به، ولا يسمى الرجل حكيمًا إلا إذا جمع بينهما.\nوقيل: وضع كل شيء في موضعه. وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة.\nوهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب اللَّه حكمة، وسنة نبيه -ﷺ- حكمة، وكل ما ذكر من التفصيل فهو حكمة. وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه، فقيل للعلم حكمة؛ لأنه يمتنع به من السفه، وبه يعلم الامتناع من السفه الذي هو كلُّ فعلٍ قبيح\nوعند التأمل والنظر نجد أن التعريف الشامل الذي يجمع ويضم جميع هذا الأقوال في تعريف الحكمة هو: الإصابة في الأقوال والأفعال، ووضع كل شيء في موضعه.\n(وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) لأنه خرج من ظلمة الجهالات إلى نور الهدى، ومن حمق الانحراف في الأقوال والأفعال إلى إصابة الصواب فيها، وحصول السداد، ولأنه كمل نفسه بهذا الخير العظيم، واستعد لنفع الخلق أعظم نفع في دينهم ودنياهم.\nوجميع الأشياء لا تصلح إلا بالحكمة، التي هي وضع الأشياء في مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام. (تفسير السعدي).","vol":"3","page":77},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-877> في هذه الآية فضل الحكمة: ومن فضائلها:</span>\n<span data-type='title' id=toc-878>أولًا: حيث امتن الله على لقمان بالحكمة.</span>\nقال تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ).\nومن حكمه:\no  لا تضحك من غير عجب، ولا تسأل عما لا يعنيك.\no  زاحم العلماء بركبتيك، وأنصت لهم بأذنيك.\no  اثنتان لا تذكرهما أبدًا: إساءة الناس إليك، وإحسانك للناس.\no  من صبر على مون الناس سادهم.\no  لا تكن حلوًا فتبلع، ولا مرًا فتلفظ.\no  إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك.\n\n<span data-type='title' id=toc-879>ثانيًا: أن الله أمر بالحكمة.</span>\nقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-880>ثالثًا: أن الله أثنى على صاحب الحكمة.</span>\nقال تعالى (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا).\nوامتن على لقمان حيث آتاه الحكمة: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-881>رابعًا: أن الله نسب الحكمة إلى نفسه، وجعل إيتاءها من عنده.</span>\nفقال تعالى (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-882>رابعًا: أن اسم (الحكيم) اسم من أسماء الله تعالى.</span>\n<span data-type='title' id=toc-883>خامسًا: أن من أعطي الحكمة فإنه يغبط.</span>\nكما قال -ﷺ- (لا حسد إلا في اثنتين: … ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها).","vol":"3","page":78},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-884> وللحكمة أركان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-885>أولًا: العلم.</span>\nفالعلم من أعظم أركان الحكمة، ولهذا أمر الله به، وأوجبه قبل القول والعمل، فقال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-886>ثانيًا: وهو ضبط النفس عند هيجان الغضب.</span>\nوقد قال -ﷺ- للأشج: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة). رواه مسلم\n\n<span data-type='title' id=toc-887>ثالثًا: الأناة، وهي التثبت وعدم العجلة.</span>\nقال السعدي: وهذان الأمران، وهما بذل النفقات المالية، وبذل الحكمة العلمية، أفضل ما تقرب به المتقربون إلى الله، وأعلى ما وصلوا به إلى أجلّ الكرامات، وهما اللذان ذكرهما النبي -ﷺ- بقوله: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يعلمها الناس.\n(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) أي: وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لب وعقل يعي به الخطاب ومعنى الكلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-888>الفوائد:</span>\n١ - أن العلم والحكمة فضل من الله.\n٢ - إثبات المشيئة لله.\n٣ - أن مشيئة الله تابعة للحكمة، فالله أعلم حيث يضع العلم والحكمة.\n٤ - الفخر الكبير لمن آتاه الله الحكمة.\n٥ - وجوب الشكر على من آتاه الله الحكمة.\n٦ - منّة الله على من يشاء من عباده بإيتائه الحكمة.\n٧ - فضيلة العقل.\n٨ - أن عدم التذكر نقص في العقل.","vol":"3","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-889>(وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (٢٧٠) إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١».</span> [البقرة: ٢٧١].\n<hr><s0>\n\n(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعالمين لذلك ابتغاء وجهه ورجاء موعوده، وتوعد من لا يعمل بطاعته\n، بل خالف أمره وكذب خبره وعبد معه غيره.\n• قال الرازي: في قوله (فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ) على اختصاره، يفيد الوعد العظيم للمطيعين، والوعيد الشديد للمتمردين، وبيانه من وجوه:\nأحدها: أنه تعالى عالم بما في قلب المتصدق من نية الإخلاص والعبودية أو من نيّة الرياء والسمعة.\nوثانيها: أن علمه بكيفية نية المتصدق يوجب قبول تلك الطاعات، كما قال (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين) وقوله (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).\nوثالثها: أنه تعالى يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئًا منها، ولا يشتبه عليه شيء منها.\n• وقال ابن الجوزي: (فإن الله يعلمه) قال مجاهد: يُحصيه، وقال الزجاج: يجازى عليه.\n(وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) أي: يوم القيامة ينقذونهم من عذاب الله ونقمته.\nإِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) أي: إن أظهرتموها فنِعم شيء هي.\n• قال السعدي: (إن تبدوا الصدقات) فتظهروها وتكون علانية حيث كان القصد بها وجه الله (فنعما هي) أي: فنعم الشيء (هي) لحصول المقصود بها.\n• قال ابن القيم: قوله تعالى (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) أي فنعم شيء هي، وهذا مدح لها موصوفة بكونها ظاهرة بادية فلا يتوهم مبديها بطلان أثره وثوابه فيمنعه ذلك من إخراجها وينتظر بها الإخفاء فتفوت أو تعترضه الموانع ويحال بينه وبين قلبه أو بينه وبين إخراجها فلا يؤخر صدقة العلانية بعد حضور وقتها إلى وقت السر وهذه كانت حال الصحابة.\n(وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) أي: وإن تسروها وتدفعوها للفقراء فهو أفضل لكم لأنه أبعد عن الرياء.\n\n•<span data-type='title' id=toc-890> قال ابن الجوزي: وإنما فضلت صدقة السر لمعنيين:</span>\nأحدهما: يرجع إلى المعطي وهو بُعْدُه عن الرياء، وقربه من الإخلاص، والإعراض عما تؤثر النفس من العلانية.\nوالثاني: يرجع إلى المعطَى، وهو دفع الذل عنه بإخفاء الحال، لأن في العلانية ينكر.","vol":"3","page":80},{"text":"ثم قال: واتفق العلماء على إخفاء الصدقة النافلة أفضل من إظهارها.\nقال السعدي: وإن أخفاها وسلمها للفقير كان أفضل، لأن الإخفاء على الفقير إحسان آخر، وأيضًا فإنه يدل على قوة الإخلاص، وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله (من تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).\n• قال ابن كثير: فيه دلالة على إن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية.\nفالأصل أن الإسرار أفضل، لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).\nوجاء في الحديث (صدقة السر تطفئ غضب الرب).\n• قال القرطبي: قوله تعالى (فَنِعِمَّا هِيَ) ثناء على إبداء الصدقة، ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك.\nولذلك قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا اصطُنع إليك فانشره.\nوقال العباس بن عبد المطلب -﵁-: لا يتمّ المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيلُه وتصغيرُه وسترهُ؛ فإذا أعجلته هنيّته، وإذا صغّرته\nعظّمته، وإذا سترته أتْمَمْته.\nوقال بعض الشعراء فأحسن:\nزاد معروفُك عندي عِظَمًا … أنه عندك مستورٌ حقِيرْ\nتَتَناساه كأَنْ لَمْ تأتِه … وهو عند الناس مشهور خطِيرْ\n• وقال ﵀: ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوّع؛ لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار، وكذلك سائر العبادات الإخفاءُ أفضل في تطوّعها لانتفاء الرياء عنها.","vol":"3","page":81},{"text":"قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوّع تفضُل علانيتها يقال بسبعين ضِعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سِرِّها يقال بخمسة وعشرين ضِعفًا.\nقال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها.\nقلت: مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف؛ وفي صحيح مسلم عن النبيّ -ﷺ- أنه قال (أفضل صلاة المرء في بيته إِلا المكتوبة) وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عُرضة لذلك، وروى النَّسائيّ عن عُقبة بن عامر أن رسول الله -ﷺ- قال (إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يُسِرّ بالقرآن كالذي يُسِرّ بالصدقة وفي الحديث: صدقة السرّ تُطْفِئ غضب الرب).\n• قال ابن القيم: وتأمل تقييده تعالى الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصة ولم يقل: وإن تخفوها فهو خير لكم، فإن من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه كتجهيز جيش، وبناء قنطرة، وإجراء نهر أو غير ذلك، وأما إيتاؤها الفقراء ففي إخفائها من الفوائد: الستر عليه، وعدم تخجيله بين الناس وإقامته مقام الفضيحة وأن يرى الناس أن يده هي اليد السفلى وأنه لا شيء له فيزهدون في معاملته ومعاوضته، وهذا قدر زائد من الإحسان إليه بمجرد الصدقة مع تضمنه الإخلاص وعدم المراءاة وطلبهم المحمدة من الناس، وكان إخفاؤها للفقير خيرًا من إظهارها بين الناس، ومن هذا مدح النبي -ﷺ- صدقة السر وأثنى على فاعلها وأخبر أنه أحد السبعة الذين هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة ولهذا جعله سبحانه خيرا للمنفق وأخبر أنه يكفر عنه بذلك الإنفاق من سيئاته ولا يخفى عليه سبحانه أعمالكم ولا نياتكم فإنه بما تعملون خبير.\n(وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ) أي: ويستر عنكم سيئاتكم وذنوبكم ويمحوها ويتجاوز عنها.\n• قوله تعالى (وَيُكَفِّرُ) يستر، مأخوذة من (الكَفْر) بفتح الكاف وسكون الفاء، وهو الستر، ومنه سميت الكفارة، لأنها تستر الذنب، وسمي الزارع كافرًا لأنه يستر الحب في الأرض، وسمي الليل كافرًا لأنه يستر الكون بظلامه، وسمي الشخص الكافر لأنه ستر نعمة الله عليه.","vol":"3","page":82},{"text":"• قوله تعالى (سَيِّئاتِكُمْ) جمع سيئة، سميت بذلك لأنها سيئة بنفسها وقبيحة.\nولأنها أيضًا تسوء مرتكبها حالًا ومآلًا، وربما تسوء غيره بأن يتعدى ضررها إلى الغير مباشرة، أو بأن يكون لها أثرها السيء على البلاد والعباد عامة بمحق البركات وقلة الخيرات، كما قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) وقال -ﷺ- (ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء). رواه ابن ماجه\n• والسيئات في الأصل تطلق على الكبائر والصغائر كما هنا، قد يراد بها الصغائر إذا قرنت مع الكبائر كما في قوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا).\n(واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) لا يخفى عليه من ذلك شيء، وسيجزيكم عليه ﷾.\nقال الرازي: إشارة إلى تفضيل صدقة السر على العلانية، والمعنى أن الله عالم بالسر والعلانية وأنتم إنما تريدون بالصدقة طلب\nمرضاته، فقد حصل مقصودكم في السر، فما معنى الإبداء، فكأنهم ندبوا بهذا الكلام إلى الإخفاء ليكون أبعد من الرياء.\n\n<span data-type='title' id=toc-891>الفوائد:</span>\n١ - أن الإنفاق قليله وكثيره يثاب عليه المرء.\n٢ - أنه ينبغي للإنسان إذا أنفق نفقة أن يحتسب الأجر على الله.\n٣ - استدل بالآية من قال بجواز النذر.\n٤ - عموم علم الله بكل ما ينفقه الإنسان.\n٥ - تحريم الظلم.\n٦ - أن الله لا ينصر الظالم.\n٧ - أن إخفاء الصدقة أفضل من إعلانها.\n٨ - تفاضل الأعمال.\n٩ - أن الصدقة سبب لتكفير السيئات.\n١٠ - بيان آثار الذنوب، وأنها تسوء العبد.","vol":"3","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-892>(ليْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢».</span> [البقرة: ٢٧٢].\n<hr><s0>\n\n(لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) أي: ليس عليك يا محمد أن تهدي الناس، فإنك لست بمؤاخذ بجريرة من لم يهتد، وإنما أنت ملزم بتبليغهم فحسب، والمراد بالهدى المنفي هنا هو هدى التوفيق، وأما هدى البيان فهو على الرسول -ﷺ-.\nعن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فسألوا فرخص لهم، فنزلت هذه الآية (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) رواه النسائي.\nوالمعنى: أنهم كانوا لا يتصدقون على قراباتهم من المشركين طمعًا في إسلامهم، فبين الله ﷿ أن إعطاءهم أو عدم إعطائهم لا يؤثر في هدايتهم، إنما الذي يهدي هو الله سبحانه تعالى.\n• قال القرطبي: قال علماؤنا: هذه الصدقة التي أُبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة التطوّع، وأما المفروضة فلا يُجزئ دفعها لكافر، لقوله -﵇- (أُمرتُ أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم).\n• قال ابن المُنْذِر: أجمع كل من أحفظُ عنه من أهل العلم أن الذّميّ لا يُعْطَى من زكاة الأموال شيئًا؛ ثم ذكر جماعةً ممن نصّ على ذلك ولم يذكر خلافًا.\n(وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) فضلًا منه ونعمة حسب ما تقتضيه حكمة الله تعالى.\n(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) قليل أو كثير فهو:\n(فَلِأَنْفُسِكُمْ) لا ينتفع به غيركم، فإن كان طيبًا فلأنفسكم، وإن كان خبيثًا فأجره لكم، وإن مننتم به أو آذيتم فقد ظلمتم أنفسكم، وإن أخلصتم فيه فلأنفسكم.","vol":"3","page":84},{"text":"قال أبو السعود: أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيرُكم، فلا تمنوا على من أعطيتموه ولا تؤذوه ولا تنفقوا من الخبيث، أو فنفعُه\nالدينيَّ لكم لا لغيركم من الفقراء حتى تمنعوه ممن لا ينتفع به من حيث الدينُ من فقراء المشركين.\nقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِه).\nوقال تعالى (ومَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).\n• قال القرطبي: وحُكي أن بعض العلماء كان يصنع كثيرًا من المعروف ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيرًا، فقيل له في ذلك فيقول: إنما فعلت مع نفسي؛ ويتلو (وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ).\n(وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) قيل في معناها أقوال:\nالأول: أن يكون المعنى: ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله، فقد علم الله هذا من قلوبكم، فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله في صلة رحم وسد خلة مضطر؛ وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم.\nقال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن -إذا أنفق -إلا ابتغاء وجه الله.","vol":"3","page":85},{"text":"وقال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه الله، فلا عليك ما كان عملُه، وهذا معنى حسن، وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجرُه على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب: أبَر أو فاجر أو مستحق أو غيرهُ، هو مثاب على قصده.\nوالحديث المخرج في الصحيحين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- (قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدقَ على زانية! فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدق الليلة على غَني! فقال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصدق الليلة على سارق! فقال: اللهم لك الحمد على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت؛ وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته).\nالثاني: أن هذا وإن كان ظاهره خبرًا إلا أن معناه نهي، أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، وورد الخبر بمعنى الأمر والنهي كثيرًا قال تعالى (والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن) (والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ).\nالثالث: أن قوله (وَمَا تُنفِقُونَ) أي ولا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله. … (ذكر هذه الأقوال الرازي ﵀).\nوقيل: إنه شهادة من الله تعالى للصحابة ﵃ أنهم إنما ينفقون ابتغاءَ وجهه؛ فهذا خرج مخرج التفضيل والثناء عليهم. (ذكره القرطبي).\n(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) أي: وما تنفقون من الخيرات والصدقات فإن أجره وثوابه أضعافًا مضاعفة تنالونه أنتم ولا تنقصون شيئًا من حسناتكم.","vol":"3","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-893>الفوائد:</span>\n١ - أن هداية الخلق لا تلزم الرسل.\n٢ - أن الهداية بيد الله.\n٣ - أن مهمة الرسل وأتباعهم البيان والتبليغ.\n٤ - إثبات أن جميع الأمور دقيقها وجليلها بيد الله.\n٥ - أن هداية الخلق بمشيئة الله، ولكنها لحكمة.\n٦ - أن المستفيد من العمل الإنسان نفسه.\n٧ - ينبغي على الإنسان الاجتهاد بالعمل الصالح لأنه هو المستفيد.\n٨ - أن الإنفاق المتقبل ما ابتغي به وجه الله.\n٩ - أن الإنسان لا يظلم شيئًا.\n١٠ - نفي الظلم عن الله لكمال عدله.","vol":"3","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-894>(لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣».</span> [البقرة: ٢٧٣].\n<hr><s0>\n\n(لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يعني: المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله، وسكنوا المدينة وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم.\n• قال القرطبي: وإنما خصّ فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم وهم أهل الصُّفّة وكانوا نحوًا من أربعمائة رجل، وذلك أنهم كانوا يَقْدَمون فقراء على رسول الله -ﷺ-، وما لهم أهل ولا مال فبُنيت لهم صُفَّة في مسجد رسول الله -ﷺ-، فقيل لهم: أهل الصُّفَّة.\nقال أبو ذَرّ: كنت من أهل الصّفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله -ﷺ- فيأمر كلَّ رجل فينصرف برجل ويبقى مَن بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤتَى النبيّ -ﷺ- بعشائه ونتعشَّى معه.\n• قال الرازي: قوله تعالى (… في سبيل الله) فبيّن تعالى في هؤلاء الفقراء أنهم بهذه الصفة، ومن هذا حاله يكون وضع الصدقة فيهم يفيد وجوهًا:\nأحدها: إزالة عيلتهم\nوالثاني: تقوية قلبهم لما انتصبوا إليه.\nوثالثها: تقوية الإسلام بتقوية المجاهدين.\nورابعها: أنهم كانوا محتاجين جدًا مع أنهم كانوا لا يظهرون حاجتهم، على ما قال تعالى (لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأرض يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف).\n(لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرْض) يعني: سفرًا للتسبب في طلب المعاش.\n• والضرب في الأرض: هو السفر؛ قال الله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ).","vol":"3","page":88},{"text":"وقال تعالى (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه).\n(يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) أي: الجاهلُ بأمْرهم وحالهم يحسبهم أغنياء، من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم.\n• قال الرازي: الحسبان هو الظن، وقوله (الجاهل) لم يرد به الجهل الذي هو ضد العقل، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الاختبار، يقول: يحسبهم من لم يختبر أمرهم أغنياء من التعفف، وهو تفعل من العفة ومعنى العفة في اللغة ترك الشيء والكف عنه وأراد من التعفف عن السؤال فتركه للعلم، وإنما يحسبهم أغنياء لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة.\nوقال القرطبي: قوله تعالى (يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف) أي أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث\nيظنهم الجاهل بهم أغنياء.\nوفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- (ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفْطَنُ له فَيُتَصَدقَ عليه، ولا يسأل الناس شيئًا).\n(تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ) أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم كما قال تعالى (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ)، وقال (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْل) وفي الحديث الذي في السنن (اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ).\n(لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) أي: لا يُلحْون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن السؤال، فقد ألحف في المسألة.\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- (ليس المسكينُ الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفَّفُ؛ اقرؤوا إن شئتم -يعني قوله- (لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا).\n• وقد يفهم من مفهوم (لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) أنهم يسألون من غير إلحاف، لكن ليس هذا مراد لقوله في أول الآية (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ) ولأن الشيء قد يرد نفيه مقيدًا والمراد نفيه أصلًا وذلك أبلغ في النفي، أي: لا يسألون الناس أصلًا لا بإلحاف ولا بغير إلحاف، (فمفهوم المخالفة هنا غير مراد).","vol":"3","page":89},{"text":"• فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ ﷿ (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا) فَنَفَى عَنْهُمْ الْإِلْحَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَنْفِ عَنْهُمْ الْمَسْأَلَةَ رَأْسًا؟ قِيلَ لَهُ: فِي فَحَوَى الْآيَةِ وَمَضْمُونِ الْمُخَاطَبَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْمَسْأَلَةِ رَأْسًا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى (يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ) فَلَوْ كَانُوا أَظْهَرُوا الْمَسْأَلَةَ ثُمَّ إنْ لَمْ تَكُنْ إلْحَافًا لَمَا حَسِبَهُمْ أَحَدٌ أَغْنِيَاءَ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى (مِنْ التَّعَفُّفِ) لِأَنَّ التَّعَفُّفَ هُوَ الْقَنَاعَةُ وَتَرْكُ الْمَسْأَلَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وَصْفِهِمْ بِتَرْكِ الْمَسْأَلَةِ أَصْلًا.\nوَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَفُّفَ هُوَ تَرْكُ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ النَّبِيِّ -ﷺ- (مَنْ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ وَمَنْ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ).\nقال بعض العلماء: المعنى أنهم سألوا بتلطف ولم يلحوا، وهو اختيار صاحب \" الكشاف\" وهو ضعيف، لأن الله تعالى وصفهم بالتعفف عن السؤال قبل ذلك فقال (يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف) وذلك ينافي صدور السؤال عنهم.\n• قال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا) يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: إلْحَاحًا وَإِدَامَةً لِلْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْإِلْحَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ هُوَ الِاسْتِقْصَاءُ فِيهَا وَإِدَامَتُهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الْإِلْحَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ.\n(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) أي: لا يخفى عليه شيء منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة، أحوج ما يكونون إليه.\nقال الثعالبي: ينبغي للفقيرِ أنْ يتعفّف في فَقْره، ويكتفي بعلْمِ ربِّه، قال الشيخُ ابن أبي جَمْرة: وقد قال أهْلُ التوفيق: مَنْ لَمْ يَرْضَ باليسيرِ، فهو أسير.\n\n<span data-type='title' id=toc-895>الفوائد:</span>\n١ - أنه لا يجوز إعطاء من يستطيع على التكسب.\n٢ - فضيلة التعفف.\n٣ - ذم الإلحاح في المسألة.\n٤ - الإشارة إلى الفراسة.\n٥ - الثناء على من لا يسأل الناس.\n٦ - عموم علم الله تعالى.","vol":"3","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-896>(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤»</span> [البقرة: ٢٧٤].\n<hr><s0>\n\n(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل أو نهار، والأحوال من سر وجهار، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا.\nكما ثبت في الصحيحين أن رسول الله -ﷺ- قال لسعد بن أبي وقاص -حين عاده مريضًا عام الفتح، وفي رواية عام حجة الوداع- (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى ما تجعل في في امرأتك).\nوعن أبي مسعود، -﵁-، عن النبي -ﷺ- أنه قال (إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة). متفق عليه\n(فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم) أي: يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات.\n(وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فيما يستقبل.\n(وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي: فيما مضى.\n\n<span data-type='title' id=toc-897>الفوائد:</span>\n١ - الثناء على الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله سواء كان ليلًا أو نهارًا، سرًا أو جهرًا.\n٢ - أن الإنفاق يكون سببًا لشرح الصدور.\n٣ - كمال الأمن لمن أنفق في سبيل الله.","vol":"3","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-898>(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦».</span> [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٦].\n<hr><s0>\n\n(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا) أي: يأخذونه وينتفعون به بأي وجه من أوجه الانتفاع من أكل أو شرب أو لباس أو سكن أو مركب أو غير ذلك.\n• وخص الأكل لأنه معظم الأمر، كما قال (الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْمًا) وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه، ولكنه نبّه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله (وَلَا تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل).\n• قال ابن الجوزي: وهذا الوعيد يشمل الآكل والعامل به، وإنما خص الآكل بالذكر، لأنه معظم المقصود.\n(لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا.\nقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يُخْنَق. رواه ابن أبي حاتم.\nروى الإمام الطبري -﵀- عن سعيد بن جبير -﵀- في تفسير هذه الآية قوله: بعث آكل الربا يوم القيامة مجنونًا يخنق.\nونقل عن قتادة قوله: وتلك علامة أهل الربا يوم القيامة، بعثوا وبهم خبل من الشيطان.\n• وذكره سبحانه لحالهم هذا وأنهم كما كانوا في الدنيا في طلب المكاسب الخبيثة كالمجانين، عوقبوا في البرزخ والقيامة، بأنهم لا يقومون من قبورهم، أو يوم بعثهم ونشورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من الجنون والصرع يدل على الترهيب من هذا العمل الذي يكون مصير فاعله في الآخرة هذا الحال.\n• قال الرازي: التخبط معناه الضرب على غير استواء، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: إنه يخبط خبط عشواء.\n• هذه الآية من أقوى الأدلة على تحريم الربا.\nقال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ).","vol":"3","page":92},{"text":"وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلوا الِّربَا أَضْعَافًَا مَضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفلِحُون).\nوقال النبي -ﷺ- (اجتنبوا السبع الموبقآت وذكر منها: … أكل الربا ..) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (لعن الله آكل الربآ وموكله) رواه مسلم والترمذي وزاد (وشآهديه وكاتبه) وإسناده صحيح.\nوقال -ﷺ- (آكل الربا وموكله وكاتبه إذا علموا ذلك ملعونونَ على لسان محمد -ﷺ- يوم القيامة).\nوقال -ﷺ- (ما أكثر أحد من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة) رواه أحمد.\nقال ابن كثير: وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود.\nوعن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِى فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالَ الَّذِى رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا).\nوعن أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ (نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنِ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا، وَمُوكِلِهِ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّر) رواه البخاري.\n• قال الشنقيطي: واعلم أن الله صرح بتحريم الربا بقوله (وَحَرَّمَ الربا) وصرح بأن المتعامل بالربا محارب الله بقوله (يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) وصرح بأن آكل الربا لا يقوم أي: من قبره يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس بقوله (الذين يَأْكُلُونَ الربا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا) والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا.\n(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) أي: إنما جُوزُوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياسًا منهم للربا على البيع؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) أي: هو نظيره، فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا!","vol":"3","page":93},{"text":"• قال القرطبي: قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا) معناه عند جميع المتأوّلين في الكفار، ولهم قيل (فَلَهُ مَا سَلَفَ) ولا يقال ذلك لمؤمن عاص بل ينقض بيعه ويرد فعله وإن كان جاهلًا؛ فلذلك قال -ﷺ-: مَن عمل عَملًا ليس عليه\nأمرُنا فهو رَدٌّ \" لكن قد يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية.\n(وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) أي: وأحل الله البيع لما فيه من تبادل المنافع، وحرم الربا لما فيه من الضرر الفادح بالفرد والمجتمع.\n• قال الرازي: يحتمل أن يكون هذا الكلام من تمام كلام الكفار، والمعنى أنهم قالوا: البيع مثل الربا، ثم إنكم تقولون (وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا) فكيف يعقل هذا؟ يعني أنهما لما كانا متماثلين فلو حل أحدهما وحرم الآخر لكان ذلك إيقاعًا للتفرقة بين المثلين، وذلك غير لائق بحكمة الحكيم فقوله (أَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا) ذكره الكفار على سبيل الاستبعاد.\nوأما أكثر المفسرين فقد اتفقوا على أن كلام الكفار انقطع عند قوله (إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا) وأما قوله (وأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا) فهو كلام الله تعالى ونصه على هذا الفرق ذكره إبطالًا لقول الكفار إنما البيع مثل الربا.\n(فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ) أي: من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه، فله ما سلف من المعاملة، لقوله (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) وكما قال النبي -ﷺ- وكل ربًا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية، بل عفا عما سلف.","vol":"3","page":94},{"text":"• قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ) معنى هذه الآية الكريمة أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى أي: ترك المعاملة بالربا. خوفًا من الله تعالى وامتثالًا لأمره (فَلَهُ مَا سَلَفَ) أي: ما مضى قبل نزول التحريم من أموال الربا ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم (لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا) الآية.\nقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم (وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه ونظيره قوله تعالى (وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) وقال في الصيد قبل التحريم (عَفَا الله عَمَّا سَلَف) الآية\nوقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله (وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ.\nومن أصرح الأدلة في هذا المعنى أن النَّبي -ﷺ- والمسلمين لما استغفروا لقربائهم الموتى من المشركين وأنزل الله تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجحيم).\nوندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حتى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ).\nفصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه.\n(وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) أي: أمره موكول إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه.\n(وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي: ومن عاد إلى التعامل بالربا بعد تحريم الله له فهو من المخلدين في نار جهنم.","vol":"3","page":95},{"text":"• قال أبو حيان: فإن كانت في الكفار فالخلود خلود تأبيد، أو في مسلم عاص فخلوده دوام مكثه لا التأييد.\n• وقال ابن عاشور: وجُعل العائد خالدًا في النار إما لأنّ المراد العود إلى قوله (إنما البيع مثل الربا)، أي عاد إلى استحلال الربا وذلك نِفاق؛ فإنّ كثيرًا منهم قد شقّ عليهم ترك التعامل بالربا، فعلم الله منهم ذلك وجعَل عدم إقلاعهم عنه أمارة على كذب إيمانهم، فالخلود على حقيقته.\nوإما لأنّ المراد العود إلى المعاملة بالربا، وهو الظاهر من مقابلته بقوله (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى) والخلود طول المكث كقول لبيد:\nفوقفْتُ أسألُها وكيفَ سؤالُنا … صُمًّا خَوَالِدَ ما يَبِين كلامُها.\nومنه: خلَّد الله مُلك فلان.\nولما كان المرغب في الربا ما فيه من الربح الناجز المشاهد، والمفتر عن الصدقة كونها نقصًا محققًا بالحس بيّن أن الربا وإن كان بصورة الزيادة فهو نقص وأن الصدقة وإن كانت بصورة النقص فهي زيادة لأن ذلك إنما هو بيده ﷾ فما شاء محقه وإن كان كثيرًا أو ما أراد نماه وإن كان يسيرًا فقال كالتعليل للأمر بالصدقة والنهي عن الربا ولكون فاعله من أهل النار:\n(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا) أي: يذهبه، إما بأن يذهب بالكلية من يد صاحبه، أو يُحْرمَ بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة. (المحق نقصان الشيء حالًا بعد حال).\nكما قال تعالى (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ).\nوقال تعالى (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ).\n• قال السمرقندي: يقال: إن مال آكل الربا لا يخلو من أحد أوجه ثلاثة، إما أن يذهب عنه أو عن ولده، أو ينفقه فيما لا يصلح.\n(وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) أي: ويكثرها وينميها.\n• قال القرطبي: (وَيُرْبِي الصدقات) أي يُنَمِّيها في الدنيا بالبركة ويُكثر ثوابَها بالتضعيف في الآخرة.\n• قال ابن عطية: وقد جعل الله هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص الجشع من بني آدم، يظن الربا يغنيه وهو في الحقيقة ممحق، ويظن الصدقة تفقره وهي نماء في الدنيا والآخرة.\nعن أَبَي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ - إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ) متفق عليه.\n(وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) أي: لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل.","vol":"3","page":96},{"text":"• قال ابن كثير: ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل.\n\n<span data-type='title' id=toc-899>الفوائد:</span>\n١ - تحريم الربا.\n٢ - عظم جرم آكل الربا.\n٣ - إثبات مس الجن وصرعهم للإنس.\n٤ - جرأة أكلة الربا على الاعتراض على حكم الله الشرعي.\n٥ - إثبات الفرق الشاسع بين البيع والربا.\n٦ - أن من انتهى من الربا وتاب منه بعد أن بلغه النهي عنه فله ما أخذ قبل ذلك.\n٧ - الوعيد الشديد لمن عاد إلى أكل الربا بعد أن بلغته الموعظة.\n١ - محق الربا إما حسًا وإما معنى.\n٢ - التحذير من الربا.\n٣ - أن الله يربي الصدقات ويزيدها.\n٤ - إثبات المحبة لله.","vol":"3","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-900>(إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧».</span> [البقرة: ٢٧٧].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بقلوبهم.\n(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وعملوا الأعمال الصالحات، من الأفعال والأقوال، الواجبات والمستحبات، فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة.\n• والعمل الصالح لا يكون صالحًا إلا بشرطين: الشرط الأول: الإخلاص، لقوله -ﷺ- (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرى ما نوى)، الشرط الثاني: المتابعة للنبي -ﷺ- لقوله -ﷺ- (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم.\nودائمًا يقرن الله العمل بالصالح، لأنه ليس كل عمل يقبل إلا إذا كان صالحًا.\nقال تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ …).\nوقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً …).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا).\nوقال تعالى (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى).\n• والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به.\n• قال السعدي: ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين، الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.","vol":"3","page":98},{"text":"(وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) أي: وأقاموا الصلاة إقامة تامة بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها.\n• قال الشيخ السعدي: عند قوله تعالى (ويقيمون الصلاة) لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون الصلاة، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقام الصلاة، إقامتها ظاهرًا بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها، وإقامتها باطنًا بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها.\n• لم يأمر الله بالصلاة إلا بلفظ الإقامة، كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) وقوله تعالى (والمقيمين الصلاة).\n• إقامة الصلاة ليس مجرد أداؤها، وإنما المراد إقامتها بإدائها بتدبر وحضور قلب وخشوع، وهذه هي الصلاة التي قال الله عنها (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).\nفإن الله في هذه الآية علق حكم نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر بشرط إقامتها وليس فقط أداؤها، (والحكم المعلق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصه) فعلى قدر إقامة العبد لصلاته على قدر ما تؤثر فيه فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وبهذا يزول الإشكال الذي يورده البعض: وهو أن كثير من المصلين لا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر.\n(وَآتَوُا الزَّكَاةَ) أي: وأعطوا الزكاة الواجبة عليكم لمستحقيها.\n• الإيتاء: هو الإعطاء قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ).\n• الزكاة: هي: قدر واجب في مال مخصوص، لطائفة أو جهة مخصوصة.\nوسميت بذلك: لأنها تزكي المال، وتزكي صاحب المال، كما قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ)، بل وتزكي المجتمع كله، فتنتشر المحبة والوئام والإخاء.\n• قوله تعالى (وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكاة) تخصيصهما بالذكر مع اندراجهما في الأعمال للتنبيه على عظم فضلهما، فإن الأولى: أعظم الأعمال البدنية والثانية: أفضل الأعمال المالية.\n(لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: لهم ثواب إيمانهم وأعمالهم الصالحات وصلاتهم وزكاتهم ..\n• وفي تسمية ثوابهم أجرًا تأكيد لتكفله - ﷿ - لهم بذلك، وفي كونه عند ربهم تعظيم له، لأنه الكريم الجواد.\n• كثيرًا ما يقرن الله ﵎ بين الصلاة والزكاة؟\nقيل: إن الصلاة حق الله وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده، والإنفاق هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وسعادة العبد دائرة بين الأمرين: إخلاصه لمعبوده، وسعيه في نفع الخلق.\nوقيل: الصلاة رأس العبادات البدنية، والزكاة رأس العبادات المالية.","vol":"3","page":99},{"text":"وقيل: الصلاة طهارة للنفس والبدن، والزكاة طهارة للمال.\n(وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فيما يستقبل، ومما أمامهم من أهوال يوم القيامة.\n(وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي: فيما مضى، وعلى ما فاتهم من الدنيا، وعلى ما خلفوا بعد موتهم من أهل وولد ومال وغير ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-901>الفوائد:</span>\n١ - أن الإيمان والعمل الصالح سبب لدخول الجنة، وقد ورد هذا في آيات كثيرة:\nقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).\nوقال تعالى (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ).\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\n٢ - أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا.\n٣ - الحذر من الرياء.\n٤ - فضل إقامة الصلاة.\n٥ - فضل إيتاء الزكاة.","vol":"3","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-902>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩».</span> [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) أي بجوارحكم، بفعل ما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه.\n(وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا) أي: اتركوا ما بقي من الربا، مما لم يقبض وإن كان معقودًا عليه.\nوهذا في مقابل قوله تعالى (فله ما سلف) أي: فله ما سلف قبضه قبل نزول التحريم، دون ما لم يقبض قبل ذلك فيجب تركه.\n• قال ابن عاشور: ومعنى (وذروا ما بقي من الربا) الآية اتركوا ما بقي في ذمم الذين عاملتموهم بالربا، فهذا مقابل قوله (فله ما سلف) فكان الذي سلفَ قبضُه قبل نزول الآية معفوًا عنه وما لم يقبض مأمورًا بتركه.\n• وقال ﵀: وأمروا بتقوى الله قبل الأمر بترك الربا لأنّ تقْوَى الله هي أصل الامتثال والاجتناب؛ ولأن ترك الربا من جملتها، فهو كالأمرِ بطريق برهاني.\n(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: صادقين في إيمانكم فاتقوا الله وذروا ما بقي من الربا.\n(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي: فإن لم تذروا ما بقي من الربا.\n(فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي: فاعلموا بحرب من الله ورسوله.\nوهذه الآية من أشد التهديد وأعظم الوعيد في تحريم الربا.\nعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال (يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ).","vol":"3","page":101},{"text":"• قال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) لَا يُوجِبُ إكْفَارَهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا دُونَ الْكُفْرِ مِنْ الْمَعَاصِي؛ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ (إنَّ عُمَرَ رَأَى مُعَاذًا يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيَك؟ فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ (الْيَسِيرُ مِنْ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَمَنْ عَادَى أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ) فَأَطْلَقَ اسْمَ الْمُحَارَبَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ.\n• قال ابن عاشور: وتَنكير حرب لقصد تعظيم أمرها؛ ولأجل هذا المقصد عدل عن إضافة الحرب إلى الله وجيء عوضًا عنها بمن ونسبت إلى الله؛ لأنّها بإذنه على سبيل مجاز الإسناد، وإلى رسوله لأنّه المبلغ والمباشر، وهذا هو الظاهر.\n• قال ابن القيم: ففي ضمن هذا الوعيد: أن المرابي محارب لله ورسوله، قد آذنه الله بحربه، ولم يجيء هذا الوعيد في كبيرة سوى: الربا، وقطع الطريق والسعي في الأرض بالفساد؛ لأن كل واحد منهما مفسد في الأرض، قاطع الطريق على الناس، هذا بقهره لهم وتسلطه عليهم، وهذا بامتناعه من تفريج كرباتهم إلا بتحميلهم كربات أشد منها، فأخبر عن قطاع الطريق بأنهم يحاربون الله ورسوله، وآذن هؤلاء إن لم يتركوا الربا: بحربه وحرب رسوله.\n(وَإِنْ تُبْتُمْ) أي: رجعتم إلى الله بترك الربا.\n(فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ) أي: فلكم أصول أموالكم كاملة دون الربا.\n(لا تَظْلِمُونَ) أي: لا تظلمون غيركم بأخذ الزيادة منهم.\n(وَلا تُظْلَمُونَ) أنتم بنقص شيء من رؤوس أموالكم.\n• قال ابن القيم: يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه، وقد عاقدتم عليه فإنما لكم رؤوس أموالكم، لا تزادون عليها فتظلمون الآخذ، ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها.","vol":"3","page":102},{"text":"• قال السعدي: فكل من تاب من الربا، فإن كانت معاملات سالفة، فله ما سلف، وأمره منظور فيه، وإن كانت معاملات موجودة، وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة، فقد تجرأ على الربا.\n\n<span data-type='title' id=toc-903>الفوائد:</span>\n١ - وجوب تقوى الله.\n٢ - وجوب ترك الربا، وإن كان تم عقده.\n٣ - أن ممارسة الربا تنافي الإيمان.\n٤ - أن المصر على الربا معلن الحرب على الله.\n٥ - عظم الربا لعظم عقوبته.\n٦ - أنه يجب على من تاب إلى الله من الربا ألا يأخذ شيئًا مما استفاده من الربا.","vol":"3","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-904>(وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠».</span> [البقرة: ٢٨٠].\n<hr><s0>\n\n(وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ) أي: صاحب إعسار لا يملك وفاء (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة) أي: فعليكم نظرة إلى ميسرة.\n• قال ابن كثير: أي: لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي.\n• قال السعدي: أي وإن كان الذي عليه الدين معسرًا، لا يقدر على الوفاء، وجب على غريمه أن ينظره إلى ميسرة، وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح، أن يوفي ما عليه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-905> فالمدين له حالات:</span>\n<span data-type='title' id=toc-906>الحالة الأولى: إذا كان المدين معسرًا لا يستطيع ولا يملك السداد.</span>\nفإنه يجب على صاحب الحق أن ينظره ويحرم مطالبته.\nلقوله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ). أي وإن وُجِدَ ذو عسرة (فنظرة) أي فعليكم نظرة إلى ميسرة.\nالمعسر: هو الذي لا شيء عنده يسدد الدين. فهذا يجب انظاره ويحرم حبسه.\n\n<span data-type='title' id=toc-907>الحالة الثانية: أن يكون عنده ما يسدد به.</span>\nفهنا يجب عليه أن يسدده.\nلقوله -ﷺ- (مطل الغني ظلم) متفق عليه.\n(المطل) المنع، يعني منع ما يجب على الإنسان دفعه من دين. (الغني) القادر على الوفاء.\nفالحديث دليل على تحريم المماطلة بالحق، لقوله (ظلم)، فإذا كان ظلم وجب أن يزال، فإن أبى حبس بطلب صاحب الدين لأن الحق له.\n(وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: وأن تصدقوا على المدين، فتضعوا عنه دينه أو بعضه خير لكم في دنياكم وأخراكم.\nففي الدنيا: سبب للبركة والزيادة في المال والألفة والأخوة.\nوفي الآخرة: سبب لمضاعفة الأجر والثواب الجزيل من الله.\nوقد جاءت الأدلة على استحباب التيسير على الموسر.\nعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) رواه مسلم.","vol":"3","page":104},{"text":"وعَنْ أبي قَتَادَةَ -﵁- قَالَ: سمِعْتُ رسُول اللَّهِ -ﷺ- يقُولُ (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنَجِّيَهُ اللَّه مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أوْ يَضَعْ عَنْهُ) رواهُ مسلمٌ.\nوعنْ أبي هُريرةَ -﵁- أنَّ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قَالَ (كَانَ رجلٌ يُدايِنُ النَّاسَ، وَكَان يَقُولُ لِفَتَاهُ: إذا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجاوزْ عَنْهُ، لَعلَّ اللَّه أنْ يَتجاوزَ عنَّا فَلقِي اللَّه فَتَجاوَزَ عنْهُ) متفقٌ عَليهِ.\nوعنْ أبي هُريرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- (من أَنْظَر مُعْسِرًا أوْ وَضَعَ لَهُ، أظلَّهُ اللَّه يَوْمَ القِيامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ) رواهُ الترمذيُّ وقَال حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-908>الفوائد:</span>\n١ - وجوب إنظار المعسر.\n٢ - أن القادر على الوفاء يجب أن يسدد ما عليه.\n٣ - حكمة الله بانقسام الناس إلى معسر وموسر.\n٤ - فضل الإبراء أو الوضع من الدين وأنه صدقة.\n٥ - تفاضل الأعمال.\n٦ - فضيلة العلم.","vol":"3","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-909>(وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١».</span> [البقرة: ٢٨١].\n<hr><s0>\n\n(وَاتَّقُوا يَوْمًا) أي: يوم القيامة، ونكّر للتعظيم، أي: احذروا عذاب وأهوال يوم القيامة بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه.\nوقد أمر الله باتقاء ذلك اليوم في آيات كثيرة:\nفقال تعالى (واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ).\nوقال تعالى (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ).\n(تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) أي: تردون إلى الله للحساب والجزاء.\n• فينبغي على المسلم أن يتذكر ذلك اليوم وأن يعمل الأسباب التي تنجيه من كربه وأهواله.\nوأسباب النجاة من كرب يوم القيامة كثيرة:\nمنها: التنفيس عن المسلمين.\nلحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) رواه مسلم.\nومنها: إنظار المعسر أو الوضع عنه.\nقال -ﷺ- (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينظر معسر أو يضع عنه) رواه مسلم\nومنها: الوفاء بالنذر، وإطعام الطعام لوجه الله.\nقال تعالى (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا. وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا. فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا).","vol":"3","page":106},{"text":"(ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) أي: تعطى كل نفس جزاء الذي كسبت تامًا وافيًا غير منقوص، خيرًا كان أو شرًا.\nكما قال تعالى (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).\nوقال تعالى (إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السموات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله).\nوقال تعالى (وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا\nحاسبين).\n(وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) فلا ينقص من ثوابهم شيئًا، ولا يزاد في عذابهم، ولا يعاقبون بجريرة غيرهم.\nقال تعالى (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ).\nوقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ).\n• وقال القرطبي: قيل: إن هذه الآية نزلت قبل موت النبيّ -ﷺ- بتسع ليال ثم لم ينزل بعدها شيء؛ قاله ابن جُريج.\n\n<span data-type='title' id=toc-910>الفوائد:</span>\n١ - وجوب اتقاء يوم القيامة، واتقاؤه يكون بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه.\n٢ - أن التقوى قد تضاف لغير الله، وهذا في القرآن والسنة كثير، قال تعالى (واتقوا النار …) لكن فرق بين التقويين، التقوى الأولى تقوى عبادة، وتذلل، والثانية تقوى وقاية فقط.\n٣ - إثبات البعث.\n٤ - أن مرجع الخلائق كلها إلى الله.\n٥ - أن الإنسان لا يحاسب إلا على عمله.\n٦ - ينبغي على الإنسان الحرص والجد بالأعمال الصالحة. [السبت: ٣/ ٤/ ١٤٣٣ هـ].","vol":"3","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-911>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلَا تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢».</span> [البقرة: ٢٨٢].\n<hr><s0>\n\n•  هذه الآية الكريمة أطول آية في القرآن العظيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-912>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم أن تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد:</span>\nالأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه.\nالثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد.\nالثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصًا في الإيمان.\n(إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ) هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها،\nليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال (ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا).\n• قوله تعالى (فَاكْتُبُوهُ) أمر منه تعالى بالكتابة [والحالة هذه] للتوثقة والحفظ، وهل هذا الأمر للوجوب أم للاستحباب؟ اختار ابن جرير الوجوب، والجمهور على الاستحباب.\n• وعلى هذا جمهور الفقهاء المجتهدين، والدليل عليه أنا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد، وذلك إجماع على عدم وجوبهما، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين، والنبي -ﷺ- يقول بعثت بالحنيفية السهلة السمحة.\n(وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) أي: بينكم أيها المتداينون، أي: بحضور الدائن والمدين، فلا تصح الكتابة بحضور أحد الطرفين دون الآخر، بالقسط والحق، ولا يَجُرْ في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان.\n(وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ) أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سُئِل أن يكتبَ للناس، ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم، فَلْيتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة وليكتب، كما جاء في الحديث (إن من الصدقة أن تعين صانعًا أو تصنع لأخْرَق)، وفي الحديث الآخر (من كتم علمًا يَعْلَمه ألْجِمَ يوم القيامة بلجام من نار).\nوقال مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب.\n(وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ) أي: وليملل المدين (من عليه الحق) على الكاتب ما في ذمته من الدين، (نوعه، صفته، أجله وغير ذلك).","vol":"3","page":108},{"text":"(وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) الخطاب في هذه الجملة والتي بعدها للمملي، أي: وليتخذ وقاية من عذاب الله ربه، بأن لا يملي إلا حقًا، ولا يقول إلا صدقًا.\n• الإملاء ويقال الإملال.\n(وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا) أي: لا ينقص من الحق الذي عليه شيئًا أيًّا كان، ومهما قل، لا في كميته، ولا في كيفيته، ولا في نوعه.\n(فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا) أي: لا يحسن التصرف في ماله.\n(أَوْ ضَعِيفًا) أي: صغيرًا أو مجنونًا أو معتوهاَ.\n(أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ) أو لا يقدر أن يملي هو، لخرس في لسانه، أو لجهل، لا يعرف معه وجه الصواب ونحو ذلك.\n(فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) أي: فيملل قيّمه أو وكيله - من قريب كأب أو أخ أو جد أو ابن أو غيرهم - بالعدل من غير نقص أو زيادة.\n• قوله تعالى (وليه) أي: ولي هذا الإنسان الذي عليه الحق، وهذا ظاهر الآية.\n• قال هنا (بالعدل) لأن المملي هنا وهو الولي يتصور منه الزيادة والنقص، محاباة لهذا أو لهذا، بخلاف ما إذا كان المملي هو المدين، فإن المتصور منه النقص فقط ولهذا قال في حقه (ولا يبخس منه شيئًا).\n(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) أي: اطلبوا مع الكتابة أن يشهد لكم شاهدان من المسلمين زيادة في التوثقة.\n• لابد أن يكون الشاهد من المسلمين.\n(فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) المعنى إن لم يأت الطالب برجلين فليأت برجل وامرأتين؛ هذا قول الجمهور. (قاله القرطبي).\nوقال قوم: بل المعنى فإن لم يكن رجلان، أي لم يوجدا فلا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال.\n• قال ابن عطية: وهذا ضعيف، فلفظ الآية لا يعطيه، بل الظاهر منه قول الجمهور، أي إن لم يكن المستشهد رجلين، أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذرٍ مّا فليستشهد رجلًا وامرأتين.\nفجعل تعالى شهادة المرأتين مع الرجل جائزة مع وجود الرجلين في هذه الآية، ولم يذكرها في غيرها، فأجيزت في الأموال خاصة في قول الجمهور، بشرط أن يكون معهما رجل.","vol":"3","page":109},{"text":"وإنما كان ذلك في الأموال دون غيرها؛ لأن الأموال كثر الله أسباب تَوْثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلْوَى بها وتكررها؛ فجعل فيها التَوثُّق تارة بالكتْبَة وتارة بالإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال.\n• قال ابن كثير: وهذا إنما يكون في الأموال وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما جاء عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- أنه قال (يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكُن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جَزْلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: تُكْثرْنَ اللعن، وتكفُرْنَ العشير، ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لُب منكن\". قالت: يا رسول الله، ما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تَعْدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين).\n\n•<span data-type='title' id=toc-913> وهذا أحد المواضع الخمسة التي تكون فيها الأنثى على النصف من الذكر وهي:</span>\nالأول: العقيقة، فإنه عن الأنثى شاة، وعن الذكر شاتان عند الجمهور، وفيه عدة أحاديث صحاح وحسان. والثاني: الشهادة، فإن شهادة امرأتين بشهادة رجل.\nوالثالث: الميراث، والرابع: الدية، والخامس: العتق.\n(مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود.\n(أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا) يعني: المرأتين إذا نسيت الشهادة، أي: لئلا تضل إحداهما فتذكر الأخرى.\n(فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) أي: يحصل لها ذكرى بما وقع به الإشهاد، ولهذا قرأ آخرون: \"فَتُذكر\" بالتشديد من التذكار.\n• في هذا الحكمة في جعل شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وهو كون المرأة عرضة للنسيان أكثر بسبب نقصان عقلها، وضعف حفظها وضبطها.\n• قال الرازي: المعنى أن النسيان غالب طباع النساء لكثرة البرد والرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدور النسيان على المرأة الواحدة فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى أن إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى فهذا هو المقصود من الآية.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) وهذه حيطة أخرى من تحريف الشهادة وهي خشية الاشتباه والنسيانِ، لأنّ المرأة أضعف من الرجل بأصل الجبلّة بحسب الغالب، والضلال هنا بمعنى النسيان.\n(وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) قيل: معناه: إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع بن أنس. وهذا كقوله (وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ) ومن هاهنا استفيد أن تَحَمّل الشهادة فرض كفاية.\nوقيل -وهو مذهب الجمهور -: المراد بقوله (وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) للأداء، لحقيقة.\nوهذا واجب وقد قال تعالى (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه).","vol":"3","page":110},{"text":"• قوله (الشُّهَدَاء) والشاهد حقيقة فيمن تحمَّل، فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية.\n(وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ) هذا من تمام الإرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال\n(وَلا تَسْأَمُوا) أي: لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة (إلى أجله) أي: إلى وقت حلوله، لأن في الكتابة ضبط الدين، والقضاء على أسباب الاختلاف.\n(ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلًا هو:\nأولًا: (أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) أي: أعدل، وإنما كان هذا أعدل عند الله، لأنه إذا كان مكتوبًا كان إلى اليقين والصدق أقرب، وعن الجهل والكذب أبعد، فكان أعدل عند الله وهو كقوله تعالى (ادعوهم لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله) أي أعدل عند الله، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم.\nثانيًا: (وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ) أي: أقرب وأعدل لإقامة الشهادة، وأكمل وأصوب وأضبط لها، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا.\nثالثًا: (وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) وأقرب إلى عدم الريبة، بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه، فيفصل بينكم بلا ريبة.\n(إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها.","vol":"3","page":111},{"text":"(وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) وتقدم أن هذا الأمر للاستحباب.\n• قال ابن كثير: وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب، لا على الوجوب، والدليل على ذلك حديث خُزَيمة بن ثابت الأنصاري، وقد رواه الإمام أحمد عن عمَارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه حدثه -وهو من أصحاب النبي -ﷺ- (أن النبي -ﷺ- ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي -ﷺ- ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي -ﷺ- وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي -ﷺ- ابتاعه، حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي -ﷺ-، فنادى الأعرابي النبي -ﷺ- فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتَعْه، وإلا بعتُه، فقام النبي -ﷺ- حين سمع نداء الأعرابي، قال: أو ليس قد ابتعته منك؟ \" قال الأعرابي: لا والله ما بعتك. فقال النبي -ﷺ-: بل قد ابتعته منك، فطفق الناس يلوذون بالنبي -ﷺ- والأعرابي وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هَلُم شهيدًا يشهد أني بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك! إن النبي -ﷺ- لم يكن يقول إلا حقًا، حتى جاء خزَيْمة، فاستمع لمراجعة النبي -ﷺ- ومراجعة الأعرابي يقول هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك. قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي -ﷺ- على خزيمة فقال: بم تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل رسولُ الله -ﷺ- شهادة خُزَيمة بشهادة رجلين).\n(وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) أي: لا يضارر كاتب في كتابته، فيكتب غير ما يُملي، أو يمتنع من الكتابة مضارة للمملي أو لغيره.\nولا يضار شهيد في شهادته، فيشهد بخلاف ما رأى وسمع، وبخلاف الحق، أو يمتنع من تحمل الشهادة، أو أدائها أو يكتمها مضارة للمشهود له.\n• قال الرازي: قوله تعالى (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) اعلم أنه يحتمل أن يكون هذا نهيًا للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق، أما الكاتب فبأن يزيد أو ينقص أو يترك الاحتياط، وأما الشهيد فبأن لا يشهد أو يشهد بحيث لا يحصل معه نفع، ويحتمل: أن يكون نهيًا لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد، بأن يضرهما أو يمنعهما عن مهماتهما.\nوالأول: قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة، والثاني: قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد.\n(وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) أي: إن خالفتم ما أمرتم به، وفعلتم ما نَهِيتم عنه، فإنه فسق كائن بكم، أي: لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه.","vol":"3","page":112},{"text":"(وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: خافوه وراقبوه، واتبعوا أمره واتركوا زجره.\n• قال ابن عاشور: أمر بالتّقوى لأنّها مِلاك الخير، وبها يكون ترك الفسوق.\n(وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) أي: ويبين لكم الواجب لكم وعليكم.\nكقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا)، وكقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ).\n• وقال القرطبي: وعدٌ من الله تعالى بأن من اتقاه علّمه، أي يجعل في قلبه نورًا يفهم به ما يلقى إليه؛ وقد يجعل الله في قلبه ابتداء فرقانًا، أي فيْصَلا يفصل به بين الحق والباطل؛ ومنه قوله تعالى (يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا).\n(وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي: هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات.\n\n<span data-type='title' id=toc-914>الفوائد:</span>\n١ - تصدير الخطاب للمؤمنين بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام بما تضمنته هذه الآية.\n٢ - جواز التعامل بالدين كما في هذه الآية، وكقوله تعالى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) وأجمعت الأمة على جوازه، والحكمة تقتضي ذلك في جانب المدين والدائن:\nففي جانب المدين: لأن الإنسان قد يحتاج شيئًا فلا يملك المال ليشتريه، فيستدين من أجل ذلك، ففيه سد حاجة المحتاج بطريق مشروع، بدلًا من طرق محرمة.\nوأما في جانب الدائن: فقد يكون الديْن سببًا لتصريف كثير من التجار لبضائعهم وسلعهم، وأيضًا لما فيه من الثواب والأجر والقرض الحسن، وأيضًا فيه مظهر عظيم من مظاهر التعاون.\n٣ - أن الأجل في الدين لابد أن يكون معلومًا محددًا، فأما إذا كان مجهولًا فلا يجوز.\nلقوله تعالى (.. إلى أجل مسمى ..).\nولقوله -ﷺ- (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، … إلى أجل معلوم) متفق عليه.\nولحديث أبي هريرة (أن رسول الله -ﷺ- نهى عن بيع الغرر) رواه مسلم.\nولأن جهالة الأجل تؤدي إلى الغرر وإلى النزاع بين البائع والمشتري.\n٤ - مشروعية كتابة الدين لقوله (فاكتبوه) وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوبه، لأن هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وذهب جمهور العلماء إلى أن كتابة الدين مستحبة وليست بواجبة، وحملوا الأمر في الآية على الاستحباب بدليل قوله تعالى (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) وقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه ابتاع بلا كتابة ولا إشهاد كما في حديث خزيمة بن ثابت وسيأتي إن شاء الله.\n٥ - حضور كل من الدائن والمدين عند كتابة الدين لقوله تعالى (وليكتب بينكم).\n٦ - يجب أن يكون الكاتب بين المتداينين عدلًا، بحيث يكتب بالعدل المطابق للواقع، الموافق للشرع من غير ميل لأحدهما.\n٧ - ظاهر الآية أن الكاتب لا يكون أحد المتعاقدين، لكن لو تراضيا أن يكتب أحدهما وبخاصة الذي عليه الحق صح ذلك، لأن ذلك بمثابة الاعتراف منه والاقرار على نفسه.","vol":"3","page":113},{"text":"٨ - ينبغي لمن منّ الله عليه، فعلمه الكتابة وصنعتها، والعلم الشرعي فيها أن لا يمتنع عن الكتابة لمن يحتاج إليها.\n٩ - نعمة الله على عباده بتعليمهم الكتابة.\n١٠ - يجب على الكاتب أن يكتب وفق ما علمه الله من الشرع.\n١١ - أن الذي ينبغي أن يملي على الكاتب هو المدين الذي عليه الحق لا الدائن.\n١٢ - أن الإقرار من أعظم الطرق التي تثبت بها الحقوق، لأن ما يمليه المدين إقرار منه واعتراف.\n١٣ - يجب على المدين الذي عليه الحق أن يتقي الله ربه، فلا يملي إلا حقًا ولا يقول إلا صدقًا.\n١٤ - وجوب تقوى الله.\n١٥ - أن تقوى الله مانعة من الحرام.\n١٦ - ينبغي تذكير الناس بتقوى الله عند كل معاملة يتعاملون بها.\n١٧ - ثبوت الولاية على من لا يحسن التصرف.\n١٨ - حرص الشريعة على حقوق الضعفاء كالسفهاء والصغار والمجانين.\n١٩ - حرص الشريعة على حفظ الحقوق.\n٢٠ - مشروعية كتابة الإشهاد على الدين مع الكتابة لزيادة التوثقة لقوله (واستشهدوا).\n٢١ - لابد في الشهادة على الديْن ونحوه من شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين.\n٢٢ - أن شهادة الرجلين أولى من شهادة رجل وامرأتين، لتقديم شهادة الرجلين في الآية.\n٢٣ - تفضيل الرجال على النساء في الشهادة من حيث العموم، وذلك لما ميز الله به الرجال من كمال العقل والدين قوة الحفظ والضبط.\n٢٤ - يشترط في الشاهد أن يكون عدلًا.\nلقوله تعالى (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ).\nولأن غير العدل لا يؤمن أن يشهد على غيره بالزور.\nوالعدل عرفه السعدي بقوله (من رضيه الناس) لهذه الآية، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فكل مرضيٍّ عند الناس يطمئنون لقوله وشهادته فهو مقبول، وقال السعدي في كتاب (بهجة قلوب الأبرار) وهذا أحسن الحدود، ولا يسع الناس العمل بغيره.\nوقيل: العدالة: هي الصلاح في الدين: بفعل الأوامر واجتناب النواهي. واستعمال المروءة بفعل ما يزينه وترك ما يشينه.","vol":"3","page":114},{"text":"٢٥ - يشترط في الشاهد أن يكون بالغًا.\nلقوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) والصبي لا يسمى رجلًا.\nولأن الصبي لا يقبل قوله على نفسه، فلأن لا يقبل قوله على غيره بطريق الأولى.\nوالمراد أنه لا يقبل أداؤه للشهادة، أما لو تحملها وهو صغير وعَقَل ما تحمله، وشهد به بعد بلوغه صحت شهادته.\n٢٦ - يشترط في الشاهد أن يكون أيضًا مسلمًا.\nلقوله تعالى (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) والكافر ليس نرضاه.\nولقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وإذا كان الفاسق يجب علينا اليقين في خبره، فما بالك بالكافر (فالكافر محل الخيانة).\nولقوله تعالى (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) والكافر ليس منا.\n٢٧ - بيان الحكمة في جعل شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وهو نقصان عقلها، وضعف حفظها وضبطها، وكمال\nعقل الرجل، وقوة حفظه وضبطه، فالمرأة عرضة للنسيان أكثر من الرجل من حيث العموم.\n٢٨ - لابد أن تكون الشهادة عن علم ويقين.\n٢٩ - تحريم الامتناع من الشهادة تحملًا وأداء ممن دعي إليها. (وستأتي مباحثها إن شاء الله).\n٣٠ - التأكيد على مشروعية كتابة الدين إلى أجله.\n٣١ - حرص الشريعة الإسلامية بإبعاد المسلمين عن كل ما يؤدي إلى النزاع والشك والخصومات.\n٣٢ - إباحة التجارة.\n٣٣ - لا حرج في عدم كتابة التجارة الحاضرة.\n٣٤ - لا يجوز أن يضار كاتب فيكتب خلاف ما يُملى عليه وخلاف الحق، ولا يجوز أن يضار شهيد فيشهد بخلاف ما رأى أو سمع.\n٣٥ - تحريم الضرر بين المسلمين.\n٣٦ - وجوب تقوى الله.\n٣٧ - أن تقوى الله سبب للعمل بأوامر الله وترك نواهيه.\n٣٨ - أن الأصل في الإنسان الجهل وعدم العلم إلا بتعليم الله له كما قال تعالى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).\n٣٩ - إثبات علم الله الواسع المحيط بكل شيء.\n٤٠ - أن من أسباب تحصيل العلم تقوى الله.","vol":"3","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-915>(وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣».</span> [البقرة: ٢٨٣].\n<hr><s0>\n\n(وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ) أي: وإن كنتم مسافرين، وتداينتم حال السفر بدين إلى أجل مسمى (وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا) يكتب الدين بينكم، ومثل هذا إذا لم تجدوا أدوات الكتابة كالقرطاس والقلم ونحو ذلك.\n(فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) أي: فعليكم برهان مقبوضة يقبضها الدائن وهو (المرتهن) يأخذها من الراهن وهو المدين.\n• والرهن: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها.\n• قال ابن عاشور: هذا معطوف على قوله (إذا تداينتم بدَين وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان مَّقْبُوضَةٌ) الآية، فجميع ما تقدّم حكم في الحضر والمُكنة، فإن كانوا على سفر ولم يتمكّنوا من الكتابة لعدم وجود من يكتب ويشهد فقد شُرع لهم حكم آخر وهو الرهن، وهذا آخر الأقسام المتوقّعة في صور المعاملة، وهي حالة السفر غالبًا، ويلحق بها ما يماثل السفر في هذه الحالة.\n• وقال القرطبي: لمّا ذكر الله تعالى النَّدْب إلى الإشهاد والكتْب لمصلحة حفظ الأموال والأدّيَان، عقّب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتْب، وجعل لها الرهن، ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الأعذار، لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك بالمعنى كلُّ عذر.\n• والسفر: هو الضرب في الأرض والسير فيها، سمي السفر سفرًا لأنه خروج من البلد ومحل الإقامة إلى حيث السفر والنور.\nومثل هذا إذا كان الدين في الحضر ولم يجدوا كاتبًا، وإنما خص السفر، لأنه مظنة عدم وجود الكاتب، أما الحضر فيندر فيه عدم وجود الكاتب.\n• قال ابن الجوزي: إنما خص السفر، لأن الأغلب عدم الكاتب، والشاهد فيه ومقصود الكلام: إذا عدمتم التوثق بالكتاب، والإشهاد، فخذوا الرهن.\n(فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) أي: فإن أمِن بعضكم بعضًا ولم تكتبوا الديْن ولم تشهدوا عليه.\n(فلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) أي: فليؤد المدين الذي ائتمنه الدائن (أَمَانَتَهُ) أي: الذي ائتمن عليه من الدين وغيره.","vol":"3","page":116},{"text":"(وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) تذكير بتقوى الله، فلا ينكر ما ائتمن عليه من دين وغيره، ولا يبخس منه شيئًا أو يماطل في أدائه.\n• قال ابن عاشور: وقد أطلق هنا اسم الأمانة على الدَّين في الذمّة وعلى الرهن لتعظيم ذلك الحق لأنّ اسم الأمانات له مهابَة في النفوس، فذلك تحذير من عدم الوفاء به؛ لأنّه لما سمّي أمانة فعدم أدائه ينعكس خِيانة؛ لأنّها ضدّها، وفي الحديث: أدِّ الأمَانَة إلى من ائتَمنك ولا تَخن من خانك.\n• قال الرازي: (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) أي: هذا المديون يجب أن يتقي الله ولا يجحد، لأن الدائن لما عامله المعاملة الحسنة حيث عول على أمانته ولم يطالبه بالوثائق من الكتابة والإشهاد والرهن فينبغي لهذا المديون أن يتقي الله ويعامله بالمعاملة الحسنة في أن لا ينكر ذلك الحق، وفي أن يؤديه إليه عند حلول الأجل، وفي الآية قول آخر، وهو أنه خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنه أمانة في يده، والوجه هو الأول.\n• استدل بالآية من قال بجواز الرهن حال السفر فقط، وذهب جماهير العلماء إلى جوازه في الحضر والسفر.\nقال جمهور من العلماء: الرّهْنُ في السفر بنص التنزيل، وفي الحضر ثابت بسنة الرسول -ﷺ-، وهذا صحيح.\nوفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة أنّ النبيّ -ﷺ- اشترى من يهودي طعامًا إلى أجلٍ ورهنه دِرعًا له من حديد.\nوأخرجه النسائي من حديث ابن عباس قال (توفى رسول الله -ﷺ- ودِرْعُه مرهونةٌ عند يهوديّ بِثلاثين صاعًا من شعير لأهله).\n(وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ) أي: لا تخفوها وتجحدوا ما شهدتم به، بإنكار الشهادة أصلًا، أو بالتغيير فيها أو التبديل، بزيادة أو نقصان أو غير ذلك.\n(وَمَنْ يَكْتُمْهَا) بإخفاء أو بتغيير أو تبديل.\n(فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) أي: آثم بفعل ذلك.\nوهذه كقوله تعالى (وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ).","vol":"3","page":117},{"text":"وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).\n• وأضاف الإثم إلى القلب، لأن الشهادة أمر خفي راجع إلى القلب.\n(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) تحذير من الإقدام على هذا الكتمان، لأن المكلف إذا علم أنه لا يعزب عن علم الله ضمير قلبه كان خائفًا حذرًا من مخالفة أمر الله تعالى، فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك الأفعال، ويجازيه عليها إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًا.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (والله بما تعملون عليم) تهديد، كناية عن المجازاة بمثل الصنيع؛ لأنّ القادر لا يحُول بينه وبين المؤاخذة إلاّ الجهل فإذا كان عليمًا أقام قسطاس الجزاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-916>الفوائد:</span>\n١ - أنه إذا لم يجد كاتبًا في السفر فإنه يوثق الحق بالرهن المقبوض.\n٢ - جواز الرهن، وجمهور العلماء على جوازه حضرًا وسفرًا.\n٣ - أنه إذا حصل الائتمان من بعضهما لم يجب رهن ولا إشهاد ولا كتابة.\n٤ - وجوب أداء الأمانة.\n٥ - تحريم كتمان الشهادة.\n٦ - أن كتمان الشهادة من الكبائر.\n٧ - وجوب الاهتمام بصلاح القلب.\n٨ - عموم علم الله تعالى بكل شيء نعمله.\n٩ - التهديد لمن يكتم الشهادة، فإن الله عالم به.","vol":"3","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-917>(لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤».</span> [البقرة: ٢٨٤].\n<hr><s0>\n\nعن أَبي هريرة -﵁-، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُول الله -ﷺ- (للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله …) اشْتَدَّ ذلِكَ عَلَى أصْحَابِ رَسُول الله -ﷺ-، فَأتَوا رَسُول الله -ﷺ- ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أيْ رسولَ الله، كُلِّفْنَا مِنَ الأَعمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاةَ والجِهَادَ\nوالصِّيامَ والصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هذِهِ الآيَةُ وَلا نُطيقُها. قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: (أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الكتَابَينِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا سَمِعنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ) فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا القومُ، وَذَلَّتْ بِهَا ألْسنَتُهُمْ أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى في إثرِهَا: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير) فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأنزَلَ الله (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَ) قَالَ: نَعَمْ (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) قَالَ: نَعَمْ (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه) قَالَ: نَعَمْ (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين) قال: نَعَمْ) رواه مسلم.\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) قَالَ دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- «قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا». قَالَ فَأَلْقَى اللَّهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قَالَ قَدْ فَعَلْتُ (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) قَالَ قَدْ فَعَلْتُ (وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا) قَالَ قَدْ فَعَلْتُ). رواه مسلم\n(لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: كل ما في السماوات والأرض له ﷾ خلقًا وملكًا وتدبيرًا.\n• قال أبو بكر الجزائري: خلقًا وملكًا وتصرفًا.\nوقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على هذا العموم:\nقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).\nوقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا).","vol":"3","page":119},{"text":"وقال تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-918> وهذه الجملة تؤيد تفرده سبحانه بالألوهية، وذلك من جانبين:</span>\nالأول: حيث إن الجميع عبيد له ﷻ، وليس للعبد أن يعبد غير مالكه، أو يُشرِك غيره معه في العبادة، وقد نهاه عن ذلك.\nالثاني: وحيث إن الجميع عبيد له، فكيف يُعبد مملوك - كائنًا من كان - ويُترك المالك، أو يُشرَك مملوك في العبادة مع المالك، وقد نهى عن ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-919> والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد:</span>\nأولًا: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضًا فلا تعترض، ولو قضى عليك فقرًا فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء ..\nيدل لذلك ما أمرنا الله به أن نقول عند المصيبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).\nويدل لذلك أيضًا ما بينّه النبي -ﷺ- لابنته التي أشرف ابنها على الموت، حينما أرسلت إليه ليأتي، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب).\nثانيًا: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه.\nثالثًا: أن كل ما في الكون ملك لله الأحد ﷾ من غير شريك، فما لدينا من مال ومتاع وجاه ليس ملكًا لنا بل هو ملك لله، وإنما نحن مستخلفون فيه للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).\nوقال -ﷺ- (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون ..) رواه مسلم.\n(وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ) أي: وإن تظهروا الذي في صدوركم وقلوبكم من المعتقدات والمضمرات والسرائر.\n(أَو تُخْفُوهُ) أي: أو تسروه وتضمروه.","vol":"3","page":120},{"text":"(يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) أي: يُطلعكم عليه، ويخبركم به ويظهره لكم، لأنه ﷿ لا تخفى عليه خافية، فالسر والعلانية عنده سواء.\nقال تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).\nوقال تعالى (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\nوقال تعالى (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ)\nوقال تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ).\nوقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).\nوقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).\n• ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة.\nكما تقدم في حديثي أبي هريرة وابن عباس، وهذا جاء عن ابن عمر وابن عباس، فقد روى البخاري عن ابن عمر أنه قال فيها: نسختها الآية التي بعدها.\n• قال ابن الجوزي: وهذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس في رواية، والحسن، والشعبي، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء الخراساني، والسدي، وابن زيد.\nورجحه في التسهيل، وقال: والصحيح التأويل الأوّل لوروده في الصحيح، وقد ورد أيضًا عن ابن عباس وغيره، فإن قيل: إنّ الآية\nخبر والأخبار لا يدخلها النسخ، فالجواب: أنّ النسخ إنما وقع في المؤاخذة والمحاسبة وذلك حكم يصح دخول النسخ فيه، فلفظ الآية خبر.\nوذهب بعضهم إلى أنها غير منسوخة، وإنما هي في حق كاتم الشهادة.\nومن العلماء من قال: إن المنسوخ منها ما يتعلق بحديث النفس والوساوس والشكوك لقوله -ﷺ- (إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها مالم تعمل أو تكلم).\nومن العلماء من قال: لم تنسخ، ولكن لا يلزم من المحاسبة المؤاخذة.\nوقال الضّحاك: يعلمه الله يوم القيامة بما كان يسره ليعلم أنه لم يخف عليه.\nوفي الخبر: إن الله تعالى يقول يوم القيامة هذا يومٌ تبلى فيه السرائر وتخرج الضمائر وأن كُتَّابي لم يكتبوا إلاَّ ما ظهر من أعمالكم وأنا المطّلع على ما لم يطلعوا عليه ولم يُخْبُروه ولا كتبوه فأنا أخبركم بذلك وأُحاسبكم عليه فأغفر لمن أشاء وأعذب من أشاء فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين، وهذا أصح ما في الباب، يدل عليه حديث النجوى:\nعن ابن عمر. قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول (يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ ﷿ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ. قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ) متفق عليه.\nوقال الثعالبي: ورجَّح الطبريُّ أنَّ الآية محكَمَةٌ غير منْسُوخة.","vol":"3","page":121},{"text":"وهذا هو الصوابُ، وإِنَّما هي مخصَّصة، وذلك أنَّ قوله تعالى (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) معناه: بما هو في وُسْعكم، وتحْتَ كَسْبِكُم، وذلك استصحابُ المعتقد، والفِكْر فيه، فلما كان اللفظ ممَّا يمكنُ أنْ تدخل فيه الخواطرُ، أشفَقَ الصحابةُ، والنبيُّ -ﷺ- فبيَّن اللَّه تعالى لهم ما أراد بالآيةِ الأولى، وخصَّصَها، ونصَّ على حُكْمِهِ؛ أنه لا يكلِّف نفْسًا إِلا وسْعَهَا، والخواطرُ ليْسَتْ هي، ولا دفعُهَا في الوُسْع، بل هي أمر غالبٌ، وليست مما يُكْسَبُ، ولا يُكْتَسَبُ، وكان في هذا البيان فَرَحُهُمْ، وكَشْفُ كربهم، وتأتي الآية محكمةً لا نَسْخَ فيها.\n(فَيَغْفِرُ) برحمته.\n(لِمَنْ يَشَاءُ) من العصاة.\n(وَيُعَذِّبُ) بعدله.\n(مَنْ يَشَاءُ) من عباده.\n• يعني أنه ليس لأحد عليه حق يوجب عليه أن يغفر له، وليس لأحد عليه حق يمنعه من أن يعذبه، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة.\n(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فلا يعجزه شيء سبحانه، كما قال تعالى (ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا).\nومن قدرته أنه سبحانه: يعز من يشاء ويذل من يشاء ويؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، وينسخ من الأحكام ما يشاء ويبقي ما يشاء، كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ\nتَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\n• وناسب ختم الآية بقوله تعالى (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لأن محاسبته للعباد على ما يبدون وما يخفون، ومغفرته لمن يشاء وتعذيبه لمن يشاء منهم، إنما يحصل ذلك يوم البعث والمعاد، الذي هو من أعظم الدلائل على كمال قدرته ﷿\n\n<span data-type='title' id=toc-920>الفوائد:</span>\n١ - عموم ملك الله تعالى.\n٢ - أن الله لا شريك له في ذلك الملك.\n٣ - إثبات صفات الكمال لله تعالى.\n٤ - الرضا بقضاء الله وقدره، لأننا ملك له تعالى.\n٥ - عموم علم الله تعالى وسعته.\n٦ - تحذير العبد من أن يخفي في قلبه مالا يرضي الله.\n٧ - إثبات الحساب.\n٨ - إثبات المشيئة لله تعالى.\n٩ - إثبات القدرة لله وعمومها.","vol":"3","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-921>(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦»</span> [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦].\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-922>جاءت الأحاديث بفضل هاتين الآيتين:</span>\nأ-عن أَبي مسعودٍ البَدْرِيِّ -﵁-، عن النبي -ﷺ- قَالَ (مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخر سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ) متفقٌ عَلَيْهِ.\nقيل: كَفَتَاهُ الْمَكْرُوهَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ مِنْ قِيامِ اللَّيْلِ.\nوقال ابن حجر: قيل: أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن.\nوقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقا سواء كان داخل الصلاة أم خارجها.\nوقيل: معناه أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالًا.\nوقيل معناه كفتاه كل سوء.\nوقيل: كفتاه شر الشيطان.\nوقيل دفعتا عنه شر الإنس والجن.\nوقال النووي: قيل معناه كفتاه من قيام الليل، وقيل من الشيطان وقيل من الآفات ويحتمل من الجميع.\nوقال ابن القيم: الصحيح: أن معناها كفتاه من شر ما يؤذيه، وقيل: كفتاه من قيام الليل، وليس بشيء.\nب-وعن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ (بَيْنَمَا جِبْريلُ -﵇- قَاعِدٌ عِنْدَ النبي -ﷺ- سَمِعَ نَقيضًا مِنْ فَوقِهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَوْمَ وَلَمْ يُفْتَحْ قَطٌّ إِلاَّ اليَوْمَ، فنَزلَ منهُ مَلكٌ، فقالَ: هذا مَلكٌ نَزلَ إلى الأرضِ لم ينْزلْ قطّ إلاّ اليومَ فَسَلَّمَ وقال:\nأبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤتَهُمَا نَبيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَخَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهَا إِلاَّ أُعْطِيتَه). رواه مسلم\nج-وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (لَمَّا أُسْرِىَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِىَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ إِلَيْهَا يَنْتَهِى مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا وَإِلَيْهَا يَنْتَهِى مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا قَالَ (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) قَالَ فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ) رواه مسلم.\n(الْمُقْحِمَاتُ) الكبائر من الذنوب التي تقحم صاحبها في النار أي تلقيه فيها.\nد-وعن أبي ذر قال: قال رسول الله -ﷺ- (أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش) رواه أحمد.\nهـ-وعن النعمان بن بشير عن النبي -ﷺ- قال (إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان) رواه الترمذي وابن حبان.","vol":"3","page":123},{"text":"(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) أي: بالذي أنزل إليه من ربه من الوحي وهو القرآن والسنة المطهرة.\nوالمراد بالرسول هنا: محمد -ﷺ-.\n• وفي هذه ثناء من الله على رسوله -ﷺ- والمؤمنين.\n(وَالْمُؤْمِنُونَ) عطف على الرسول، أي: وآمن المؤمنون الذين حققوا الإيمان بما أنزل إليه -ﷺ- من ربه من الوحي، وانقادوا لذلك ظاهرًا وباطنًا.\n(كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) أي: كل من الرسول -ﷺ- والمؤمنون آمن بالله.\n\n<span data-type='title' id=toc-923>والإيمان بالله يتضمن عدة أمور:</span>\n<span data-type='title' id=toc-924>الأمر الأول: الإيمان بوجود الله دون شك ولا ريب.</span>\nوقد دل على وجوده سبحانه الفطرة والعقل والشرع والحس.\nأما الفطرة: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، وقد قال -ﷺ- (ما من مولود يولد إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجسانه) متفق عليه.\nوأما العقل: فلأن هذه الموجودات والمخلوقات سابقها ولاحقها لابد لها من خالق أوجدها، إذ لا يمكن أن توجد بنفسها، لأن الشيء لا يخلق نفسه، ولا يمكن أن توجد صدفة، لأن كل حادث لابد له من محدِث، وكل موجود لابد له من موجِد. (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ).\nوأما الحس: فإننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين وغوث المكروبين ما يدل دلالة قاطعة على وجوده ﷾.\nقال تعالى (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ).\nوعن أنس (أن أعرابيًا دخل يوم الجمعة والنبي -ﷺ- يخطب فقال: يا رسول الله! هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع يديه ودعا فثار السحاب ونزل المطر …) متفق عليه.\nوأما دلالة الشرع: فلأن الكتب السماوية كلها ناطقة بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-925>الأمر الثاني: الإيمان بربوبية الله تعالى.</span>\nأي: بأنه الرب لا شريك له ولا معين، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، ولا مدبر إلا الله، فهو خالق كل شيء ومالكه ومدبره\nقال تعالى (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ).","vol":"3","page":124},{"text":"وقال تعالى (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ).\nوقال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-926>الأمر الثالث: الإيمان بألوهيته.</span>\nأي: بأنه الإله الحق لا شريك له، فكل من اتخذ إلهًا مع الله فألوهيته باطلة.\nقال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-927>الأمر الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته.</span>\nأي: إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو وصفه به رسوله -ﷺ- من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.\nقال تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). [وسيأتي مزيد بحث لهذا الأمر إن شاء الله].\n(وَمَلائِكَتِهِ) الملائكة: عالم غيبي خلقوا من نور، جعلهم الله طائعين له متذللين له.\n\n<span data-type='title' id=toc-928>والإيمان بهم يتضمن عدة أمور:</span>\nأولًا: الإيمان بوجودهم، فمن أنكر وجودهم فهو كافر لأنه مكذب لله ولرسوله.\nثانيًا: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم كجبريل وإسرافيل ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالًا.\nثالثًا: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة جبريل، فقد أخبر النبي -ﷺ- أنه رآه على صفته التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح وقد سد الأفق.\nرابعًا: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى كتسبيحه والتعبد له ليلًا ونهارًا بدون ملل ولا فتور.","vol":"3","page":125},{"text":"(وَكُتُبِهِ) الإيمان بالكتب: هو التصديق الجازم بأن لله كتبًا أنزلها على أنبيائه ورسله، وهي من كلامه حقيقة، وأنها نور وهدى، وأن ما تضمنته حق وصدق، ولا يعلم عددها إلا الله، وأنه يجب الإيمان بها مجملة إلا ما سمي منها وهي: التوراة أنزلت على موسى، والإنجيل أنزلت على عيسى، والزبور أنزلت على داود، والقرآن أنزل على محمد -ﷺ-.\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-929>(وَرُسُلِهِ) الإيمان بالرسل يتضمن عدة أمور:</span>\nأولًا: أن رسالتهم حق من عند الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر برسالة الجميع.\nكما قال تعالى (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) فجعلهم الله مكذبين لجميع الرسل، مع أنه لم يكن رسول غيره حين كذبوه.\nثانيًا: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، وقد ذكر الله في كتابه خمسة وعشرين نبيًا ورسولًا، وأما ما لم نعلم اسمه فنؤمن به إجمالًا، فالله أرسل رسلًا لم يقصصهم علينا ولا يعلم عددهم إلا الله قال تعالى (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا).\nثالثًا: الإيمان بأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به، وأنهم بينوا بيانًا لا يسع أحدًا ممن أرسلوا إليه جهله قال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ).\n(لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) فالمؤمنون يصدقون بجميع الأنبياء والرسل، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مَهْديون هادون إلى سُبُل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله، حتى نُسخ الجميع بشرع محمدّ -ﷺ- خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على\nالحق ظاهرين.\nوهذا بخلاف الذين قال الله عنهم (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا).","vol":"3","page":126},{"text":"(وَقَالُوا) أي: وقال الرسول والمؤمنون.\n(سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) أي: سمعنا ما أمرتنا به، وما نهيتنا عنه (وَأَطَعْنَا) أي: وانقدنا لذلك بجوارحنا فعلًا للمأمورات وتركًا للمحظورات.\n• فالفرق بين السمع والطاعة، أن السمع هو القبول، والطاعة هي الامتثال والانقياد.\nوهكذا صفات أهل الإيمان أن يقولوا سمعنا وأطعنا، كما قال تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).\nوقال عنهم (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا).\nبخلاف المكذبين من اليهود وغيرهم الذين قال الله عنهم (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا).\nوقال تعالى عنهم (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ).\n(غُفْرَانَكَ رَبَّنَا) أي: نسألك غفرانك، والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه.\n(وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) أي: إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب.\nكما قال تعالى (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ).\nوقال تعالى (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).\nوقال تعالى (أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ).\n(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم.\nكما قال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا).\nوقال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).\nوقال تعالى (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ).\nوقال تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).\nوهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة، في قوله (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه) أي: هو وإن حاسب وسأل لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يمكن دفعه من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان.\n(لَهَا مَا كَسَبَتْ) أي: من خير.\n(وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) أي: من شر.\n• قال في التسهيل: وجاءت العبارة بلها في الحسنات لأنها مما ينتفع العبد به، وجاءت بعليها في السيئات لأنها مما يضر العبد، وإنما قال في الحسنات كسبت وفي الشرّ اكتسبت، لأنّ في الاكتساب ضرب من الاعتمال والمعالجة، حسبما تقتضيه صيغة افتعل، فالسيئات فاعلها يتكلف مخافة أمر الله، ويتعدّاه بخلاف الحسنات، فإنه فيها على الجادّة من غير تكلف، أو لأنّ السيئات يجدّ في فعلها لميل النفس إليها، فجعلت لذلك مكتسبة، ولا لم يكن الإنسان في الحسنات كذلك: وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال.","vol":"3","page":127},{"text":"(رَبَّنَا) أي: ربنا.\n(لا تُؤَاخِذْنَا) أي: لا تعاقبنا.\n(إِنْ نَسِينَا) النسيان: ذهول القلب عن شيء معلوم.\n• قال ابن كثير: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا) أي: إن تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك.\n(أَوْ أَخْطَأْنَا) الخطأ: الوقوع في المخالفة من غير قصد، إما لجهل أو غير ذلك.\nوفي حديث أبي هريرة: قال الله تعالى: نعم، وفي حديث ابن عباس: قال الله: قد فعلت.\nوفي الحديث (إن الله تجاوز لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه.\n(رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) أي: لا تكلّفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثتَ نبيَك محمدًا -ﷺ- نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به، من الدين الحنيف السهل السمح.\nوقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ- قال: قال الله: نعم.\nوعن ابن عباس، عن رسول الله -ﷺ- قال: قال الله: قد فعلت.\n• قال ابن تيمية: أي: لا تكلفنا من الآصار التي يثقل حملها ما كلفته من قبلنا، فإنا أضعف أجسادًا، وأقل احتمالًا، وهذا في الأمر والنهي والتكليف.\n• الإصر: الشيء الثقيل الشاق الذي يعجز الإنسان عن تحمله من الأوامر والنواهي والتكاليف الشرعية.\nقوله تعالى (كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) (الكاف) للتشبيه، بمعنى (مثل) أي: مثل الذي حملته على الذين من قبلنا من اليهود والنصارى وغيرهم.\n• من ذلك أن الله جعل من شروط قبول توبة بني إسرائيل قتل أنفسهم، أي: قتل بعضهم بعضًا، حتى إن الرجل يقتل أخاه وأباه، قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).\n• والحكمة من قوله (كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) تذكير الأمة بعظيم فضل الله عليها، وما ميزها به من بين الأمم.\n(رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي: من التكليف والمصائب والبلاء، لا تبتلينا بما لا قبل لنا به.\n(وَاعْفُ عَنَّا) أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا.\n(وَاغْفِرْ لَنَا) أي: تجاوز عما ارتكبنا من المنهيات.","vol":"3","page":128},{"text":"(وَارْحَمْنَا) برحمتك الواسعة.\n• قال في التسهيل: قوله تعالى (واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنآ) ألفاظ متقاربة المعنى وبينها من الفرق أنّ العفو ترك المؤاخذة بالذنب، والمغفرة تقتضي مع ذلك الستر، والرحمة تجمع ذلك مع التفضيل بالإنعام.\n• قال ابن كثير: (وارحمنا) أي: فيما يُسْتَقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره.\n(أَنْتَ مَوْلانَا) أي: أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التّكلان، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك.\n• والمراد بالولاية هنا الولاية الخاصة، وهي ولاية الله ﷿ للمؤمنين كما قال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) وقال سبحانه (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ).\n(فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) أي: الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك في عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة، قال الله: نعم. وفي الحديث الذي رواه مسلم، عن ابن عباس: \"قال الله: قد فعلت\".\n• فنعم المولى ﵎ ونعم النصير لمن عبده وتوكل عليه واعتصم به.\nقال تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).\nوقال تعالى (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).\nوقال تعالى (بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ).\n• قال ابن عاشور: ووجه الاهتمام بهذه الدعوة أنّها جامعة لخيري الدنيا والآخرة؛ لأنّهم إذا نصروا على العدوّ، فقد طاب عيشهم وظهر دينهم، وسلموا من الفتنة، ودخل الناس فيه أفواجًا.","vol":"3","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-930>الفوائد:</span>\n١ - أن محمد مكلف بالإيمان بما أنزل إليه.\n٢ - أن القرآن كلام الله.\n٣ - أن القرآن منزل غير مخلوق.\n٤ - إثبات علو الله.\n٥ - إثبات رسالة النبي -ﷺ-.\n٦ - إثبات الملائكة.\n٧ - أن من صفات المؤمنين السمع والطاعة.\n٨ - أن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله.\n٩ - أن المرجع والمصير إلى الله.\n١٠ - إثبات البعث.\n١١ - بيان رحمة الله بعباده.\n١٢ - أنه لا واجب مع العجز.\n١٣ - يسر الدين الإسلامي.\n١٤ - أن للإنسان ما كسب دون نقصان.\n١٥ - رفع المؤاخذة بالنسيان.\n١٦ - أن النسيان وارد على البشر.\n١٧ - امتنان الله على هذه الأمة برفع الآصار.\n١٨ - سؤال الله العافية.\n١٩ - أن المؤمن لا ولي له إلا الله.\n٢٠ - أنه يجب اللجوء إلى الله.\n١١/ ٤/ ١٤٣٣ هـ","vol":"3","page":130},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-931>تفسير\nسورة آل عمران</span>\nجمع وإعداد\nسليمان بن محمد اللهيميد\nالسعودية - رفحاء","vol":"3","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-932>مقدمة</span>\nسورة آل عمران سورة مدنية.\nقال ابن عاشور: وهذه السورة نزلت بالمدينة بالاتفاق.\nوالفرق بين المدني والمكي: الاعتبار بالزمن، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني.\n\n<span data-type='title' id=toc-933>فضائلها:</span>\nعن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله -ﷺ- (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة) رواه مسلم.\n• سميت السورة بـ \" آل عمران \" لورود ذكر قصة تلك الأسرة الفاضلة \" آل عمران \"، وعمران هو والد مريم (أم عيسى)، وما تجلى فيها من مظاهر القدرة الإلهية، بولادة السيدة مريم البتول وابنها عيسى ﵉.\n\n•<span data-type='title' id=toc-934> أغراض السورة:</span>\nأولًا: بالتنويه بالقرآن، ومحمد -ﷺ-، وتقسيم آيات القرآن، ومراتب الأفهام في تلقيها.\nثانيًا: والتنويه بفضيلة الإسلام وأنه لا يعدله دين، وأنه لا يقبل دين عند الله، بعد ظهور الإسلام، غير الإسلام.\nثالثًا: والتنويه بالتوراة والإنجيل، والإيماء إلى أنهما أنزلا قبل القرآن، تمهيدا لهذا الدين فلا يحق للناس أن يكفروا به.\nرابعًا: وعلى التعريف بدلائل إلهية الله تعالى، وانفراده، وإبطال ضلالة الذين اتخذوا آلهة من دون الله: من جعلوا له شركاء، أو اتخذوا له أبناء.\nخامسًا: وتهديد المشركين بأن أمرهم إلى زوال، وألا يغرهم ما هم فيه من البذخ، وأن ما أعد للمؤمنين خير من ذلك، وتهديدهم بزوال سلطانهم.\nسادسًا: الثناء على عيسى ﵇ وآل بيته، وذكر معجزة ظهوره، وأنه مخلوق لله، وذكر الذين آمنوا به حقًا، وإبطال إلهية، ومن ثم أفضى إلى قضية وفد نجران ولجاجتهم.","vol":"3","page":132},{"text":"سابعًا: ثم محاجة أهل الكتابين في حقيقة الحنفية وأنهم بعداء عنها، وما أخذ الله من العهد على الرسل كلهم: أن يؤمنوا بالرسول الخاتم.\nثامنًا: وأن الله جعل الكعبة أول بيت وضع للناس، وقد أعاد إليه الدين الحنيف كما ابتدأه فيه، وأوجب حجه على المؤمنين.\nتاسعًا: إظهار ضلالات اليهود، وسوء مقالتهم، وافترائهم في دينهم وكتمانهم ما أنزل إليهم.\nعاشرًا: وذكر المسلمين بنعمته عليهم بدين الإسلام، وأمرهم بالاتحاد والوفاق، وذكرهم بسابق سوء حالهم في الجاهلية، وهون عليهم تظاهر معانديهم من أهل الكتاب والمشركين.\nالحادي عشر: وذكرهم بالحذر من كيدهم وكيد الذين أظهروا الإسلام ثم عادوا إلى الكفر فكانوا مثلًا لتمييز الخبيث من الطيب، وأمرهم بالاعتزاز بأنفسهم، والصبر على تلقي الشدائد، والبلاء، وأذى العدو، ووعدهم على ذلك بالنصر والتأييد وإلقاء الرعب منهم في نفوس عدوهم، ثم ذكرهم بيوم أحد، ويوم بدر، وضرب لهم الأمثال بما حصل فيهما.\nالثاني عشر: ونوه، بشأن الشهداء من المسلمين، وأمر المسلمين بفضائل الأعمال: من بذل المال في مواساة الأمة، والإحسان، وفضائل الأعمال، وترك البخل، ومذمة الربا وختمت السورة بآيات التفكير في ملكوت الله.","vol":"3","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-935>(ألم. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ).</span> [آل عمران: ١ - ٢].\n<hr><s0>\n\n(ألم) هذه تسمى الحروف المقطعة، اختلف العلماء في الحروف المقطعة التي وردت في أوائل بعض السور على أقوال كثيرة:\nفقيل: لها معنى، واختلف في معناها: فبعض العلماء: قال هي أسماء للسور، وبعضهم قال: هي أسماء لله، وبعضهم قال غير ذلك.\nوقيل: هي حروف هجائية ليس لها معنى، ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين وقال: وحجة هذا القول: أن القرآن نزل بلغة العرب، وهذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية.\nوأما الحكمة منها: فأرجح الأقوال أنها إشارة إلى إعجاز القرآن العظيم، ورجح هذا القول ابن كثير في تفسيره فقال: وقال آخرون إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وإليه ذهب الشيخ أبو العباس بن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.\nوقد رجح هذا الشيخ الشنقيطي في أضواء البينان حيث قال بعد أن ذكر الخلاف: أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله … ثم قال ﵀: ووجه استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائمًا عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وأنه حق، قال تعالى في البقرة (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه)، وقال في آل عمران (الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق)، وقال في الأعراف (المص كتاب أنزل إليك)، وقال في يونس (الر تلك آيات الكتاب الحكيم)، وقال في هود (الر كتاب أحكمت آياته ..)، وقال في يوسف (الر تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا).","vol":"3","page":134},{"text":"ثم ذكر ﵀ بقية السور.\nورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقال بعدما رجح هذا القول: … أن هذا القرآن لم يأت بكلمات، أو بحروف خارجة عن نطاق البشر، وإنما هي من الحروف التي لا تعدو ما يتكلم به البشر، ومع ذلك فقد أعجزهم.\n• وأما قول من قال إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور، فهذا ضعيف، لأن الفصل حاصل بدونها.\n• وقول من قال: بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذا تواصوا بالإعراض عن القرآن إذا تلي عليهم، وهذا ضعيف، لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها.\n• عدد هذه الحروف المقطعة (١٤) حرفًا يجمعها قولهم: نص حكيم قاطع له سر.\n• افتتح الله ﷿ (٢٩) سورة بالحروف المقطعة.\n(اللَّهُ) اسم من أسماء الله، متضمن للألوهية لله تعالى.\nومعناه: المألوه المعبود الذي تعبده الخلائق، وتتأله له محبة وتعظيمًا وخضوعًا له، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب، لما له من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال.\n• لا يعرف أحد تسمى به لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو مختص بالله لفظًا ومعنى.\nلفظًا: أي أن هذا اللفظ لا يصح أن يسمى به أحد.\nومعنى: أي أن الصفة التي تضمنها هذا الاسم وهي الإلهية لا يصلح شيء منها للمخلوق.\n• جميع الأسماء ترجع إليه لفظًا ومعنى: أي أن أسماء الله تأتي بعده ولا يأتي بعد شيء منها.\nومعنى ترجع إليه معنى: أي أن هذا الاسم يتضمن صفة الإلهية وهي أوسع الصفات، وهذه الصفة ترجع إليها جميع الصفات.","vol":"3","page":135},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-936> الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا:</span>\nأولًا: محبة الله محبة عظيمة تتقدم على محبة النفس والأهل والولد والدنيا جميعًا، لأنه المألوه المعبود وحده وهو المنعم المتفضل وحده.\nثانيًا: تعظيمه سبحانه وإجلاله وإخلاص العبودية له وحده من توكل وخوف ورجاء ورغبة ورهبة وغير ذلك من أنواع العبادات.\nثالثًا: الشعور بالعزة به سبحانه والتعلق به وحده، وسقوط الخوف والهيبة من الخلق والتعلق بهم.\nرابعًا: طمأنينة القلب وسعادته وأنسه بالله.\nخامسًا: إرادة تعالى بالمحبة والولاء، وإفراده تعالى بالحكم والتحاكم.\n(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: لا معبود بحق سواه.\nفهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدًا لربه، ممتثلا أوامره مجتنبًا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقًا ناقصًا مدبرًا فقيرًا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة.\n• في هذه الآية يخبر الله بأنه منفرد بالألوهية، وذلك من قوله (لا إله إلا هو) هذه جملة تفيد الحصر وطريقة النفي والإثبات هذه من أقوى صيغ الحصر.\nففيها نفي استحقاق غير الله العبادة، وإثبات استحقاق الألوهية والعبودية لله تعالى.\n• قال ابن كثير: إخبار بأنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق.\n• وقال السعدي: فأخبر أنه الله، الذي له جميع معاني الألوهية، وأنه لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو، وعبودية غيره باطلة.\n• قال ابن رجب: قَوْل: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، تَقْتَضِي أَلَّا يُحِبَّ سِوَاهُ، فَإِنَّ اَلْإِلَهَ هُوَ اَلَّذِي يُطَاعُ، مَحَبَّةً وَخَوْفًا وَرَجَاءً. وَمِنْ تَمَامِ مَحَبَّتِهِ مَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ، وَكَرَاهَةُ مَا يَكْرَهُهُ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا مِمَّا يَكْرَهُ اَللَّهُ، أَوْ كَرِهَ شَيْئًا مِمَّا يُحِبُّهُ اَللَّهُ لَمْ يَكْمُلْ تَوْحِيدُهُ وَلَا صِدْقُهُ فِي قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَكَانَ فِيهِ مِنْ اَلشِّرْكِ اَلْخَفِيِّ بِحَسْبِ مَا كَرِهَهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اَللَّهُ، وَمَا أَحَبَّهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ. قَالَ تَعَالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم).","vol":"3","page":136},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-937> فضائل كلمة التوحيد</span>\n<span data-type='title' id=toc-938>أولًا: وَهِيَ كَلِمَةُ اَلْإِخْلَاصِ، وَشَهَادَةُ اَلْحَقِّ وَدَعْوَةُ اَلْحَقِّ، وَبَرَاءةٌ مِنْ اَلشِّرْكِ، وَلِأَجْلِهَا خُلِقَ اَلْخَلْقُ.</span>\nكَمَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون).\n\n<span data-type='title' id=toc-939>ثانيًا: وَلِأَجْلِهَا أُرْسِلَتْ اَلرُّسُلُ وَأُنْزِلَتْ اَلْكُتُبُ</span>\nقَالَ تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون).\nوقال تعالى (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ).\nوَهَذِهِ اَلْآيَةُ أَوَّلُ مَا عَدَّدَ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ اَلنَّعَمِ فِي سُورَةِ اَلنِّعَمِ اَلَّتِي تُسَمَّى سُورَة اَلنَّحْلِ، وَلِهَذَا قَالَ اِبْنُ عُيَيْنَةَ: مَا أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَى اَلْعِبَادِ نِعْمَةً أَعْظَمَ مِنْ أَنْ عَرَّفَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَإِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ لِأَهْلِ اَلْجَنَّةِ كَالْمَاءِ اَلْبَارِدِ لِأَهْلِ اَلدُّنْيَا; وَلِأَجْلِهَا أُعِدَّتْ دَارُ اَلثَّوَابِ وَدَارُ اَلْعِقَابِ، فِي اَلْآخِرَةِ، فَمَنْ قَالَهَا وَمَاتَ عَلَيْهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِ اَلثَّوَابِ، وَمَنْ رَدَّهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ اَلْعِقَاب، وَمِنْ أَجْلِهَا أُمِرَتْ اَلرُّسُلُ بِالْجِهَادِ، فَمَنْ قَالَهَا عُصِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-940>ثالثًا: هي ثَمَنُ اَلْجَنَّةِ.</span>\nقال -ﷺ- (مَنْ كَانَتْ آخِرَ كَلَامِهِ دَخَلَ اَلْجَنَّة). رواه أبو داود.\n\n<span data-type='title' id=toc-941>رابعًا: وهي نَجَاةٌ مِنْ اَلنَّارِ.</span>\n(سَمِعَ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- مُؤَذِّنًا يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، فَقَالَ خَرَجَ مِنْ اَلنَّارِ). خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ\n\n<span data-type='title' id=toc-942>خامسًا: وهي أَحْسَنُ اَلْحَسَنَاتِ.</span>\nقَالَ أَبُو ذَرٍّ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! عَلِّمْنِي عَمَلًا يُقَرِّبُنِي مِنَ اَلْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ اَلنَّارِ، قَالَ: إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ حَسَنَةً، فَإِنَّهَا عَشْرُ أَمْثَالِهَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ مِنَ اَلْحَسَنَاتِ؟ قَالَ هِيَ أَحْسَنُ اَلْحَسَنَات).\n\n<span data-type='title' id=toc-943>سادسًا: وَهِيَ تُجَدِّدُ مَا دُرِسَ مِنَ اَلْإِيمَانِ فِي اَلْقَلْبِ.</span>\nكما في اَلْمُسْنَدِ أَنَّ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِأَصْحَابِهِ (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).","vol":"3","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-944>سابعًا: وَهِيَ اَلَّتِي لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ فِي اَلْوَزْنِ، فَلَوْ وُزِنَتْ اَلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ رَجَحَتْ بِهِنَّ.</span>\nكَمَا فِي اَلْمُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ اَلنَّبِي -ﷺ- (أَنَّ نُوحًا قَالَ لِابْنِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهِ إِلَّا اَللَّهُ، فَإِنَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ اَلسَّبْعَ كُنَّ فِي حَلْقَةٍ مُبْهَمَةٍ قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).\nوَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. عَنْ اَلنَّبِي -ﷺ- (أَنَّ مُوسَى -﵇- قَالَ: يَا رَبُّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى! قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، قَالَ: يَا رَبِّ! كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا. قَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ. فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ. قَالَ: يَا مُوسَى! لَوْ أَنَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ اَلسَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).\n\n<span data-type='title' id=toc-945>ثامنًا: وَهِيَ أَفْضَلُ اَلذِّكْرِ.</span>\nكَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ اَلْمَرْفُوع (أَفْضَلُ اَلذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه). رواه الترمذي.\n\n<span data-type='title' id=toc-946>تاسعًا: ومن أعظم فضائلها:</span>\nما جاء فِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنْ اَلنَّبِي -ﷺ- مَنْ قَالَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ اَلْمُلْكُ وَلَهُ اَلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ اَلشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك).\nوَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ اَلنَّبِي -ﷺ- قال (مَنْ قَالَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيل).\n\n<span data-type='title' id=toc-947>عاشرًا: وَمِنْ فَضَائِلِهَا أَنَّهَا تَفْتَحُ لِقَائِلِهَا أَبْوَابَ اَلْجَنَّةِ اَلثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ.</span>\nكَمَا فِي حَدِيثِ عُمَر. قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ اَلْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ اَلْجَنَّةِ\") أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ\nوَفِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ عَنْ اَلنَّبِيِّ -ﷺ- قَال (مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اَللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ اَلْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ اَلنَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ اَللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاء).","vol":"3","page":138},{"text":"(الْحَيُّ) الذي له الحياة الكاملة.\nومعناه: أي: ذو الحياة الكاملة المتضمنة لجميع صفات الكمال لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا يعتريها نقص بوجه من الوجوه.\n• قال ابن كثير: أي الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا.\n• وقال البغوي: الباقي الدائم على الأبد.\n• وقال الطبري: الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أول له بحد، ولا آخره له أمد، إذ كل ما سواه فإنه وإن كان حيًا فلحياته أول محدود، وآخر ممدود ينقطع بانقطاع أمدها، وينقضي بقضاء غايتها.\n• وقد ورد اسم الحي لله تعالى في عدة آيات:\nقال تعالى (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ).\nوقال تعالى (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ).\nوقال تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ).\nوقال تعالى (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).\n• واسم الحي من أعظم الأسماء، لأنه يستلزم جميع صفات الكمال لله تعالى.\n• كل ما سوى الله ميت.\nقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).\nوقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).\nوقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).\nوقد جاء في الحديث (أن جبريل قال للنبي -ﷺ-: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنه مفارقه، واعمل …).","vol":"3","page":139},{"text":"• وفي ذكر صفة (الحي) بعد قوله ﷿ (الله لا إله إلا هو) استدلال على إثبات تفرّده بالألوهية وإبطال عبودية كل من سواه، وذلك لأنه لا يستحق العبادة إلا من كان حيًا بالحياة الذاتية الدائمة الأبدية، وحيث لا حيّ بهذه الحياة إلا الله الأحد فلا يستحق العبادة إلا هو، ولهذا قال ابن عاشور: والمقصود إثبات الحياة وإبطال استحقاق آلهة المشركين وصف الإلهية لانتفاء الحياة عنهم كما قال إبراهيم -﵇- (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا).\n\n•<span data-type='title' id=toc-948> الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:</span>\n<span data-type='title' id=toc-949>أولًا: محبة الله تعالى وإجلاله.</span>\n<span data-type='title' id=toc-950>ثانيًا: التوكل الصادق على الله، كما قال تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ).</span>\nومن أعظم ما يتوكل على الله فيه طلب الهداية والثبات على الإيمان وعدم الزيغ عنه، ولذلك كان النبي -ﷺ- يقول في دعائه (اللهم لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تُضلني أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون). رواه مسلم\n\n<span data-type='title' id=toc-951>ثالثًا: الزهد في الدنيا الفانية وعدم الاغترار بها، لأنه مهما أعطي العبد من العمر فلابد من الموت.</span>\n• قال ابن عاشور: وأتبع بالوصفين (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) لنفي اللبس عن مسمى هذا الاسم، والإيماء إلى وجه انفراده بالإلهية، وأن غيره لا يستأهلها؛ لأنه غير حي أو غير قيوم، فالأصنام لا حياة لها، وعيسى في اعتقاد النصارى قد أميت، فما هو الآن بقيوم، ولا هو في حال حياته بقيوم على تدبير العالم، وكيف وقد أوذي في الله، وكذب، واختفى من أعدائه.","vol":"3","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-952>(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (٣) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (٤».</span> [آل عمران: ٣ - ٤].\n<hr><s0>\n\n(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) أي: نزل عليك القرآن يا محمد\n• قال أبو حيان: الكتاب هنا: القرآن، باتفاق المفسرين.\n(بِالْحَقِّ) أي: لا شك به ولا ريب، بل هو منزل من عند الله، أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدًا.\n• الباء للملابسة وللتعدية: أي أن القرآن نفسه نزل حقًا من عند الله لا من عند غيره، وتكون للتعدية: بمعنى أن الكتاب نزل بالحق أي: أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حق، فعلى الوجه يكون المراد بقوله: بالحق تأكيد أنه نزل من عند الله، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى: أن كل ما اشتمل عليه القرآن من أوامر ونواهي وأخبار فهو حق.\n• اختلف العلماء هل (نزّل) (وأنزل) بمعنى واحد أم لا؟\nفقيل: هما بمعنى واحد.\nوهذا قول أبي حيان وابن عاشور.\nويدل لهذا القول:\nأولًا: أنه جاء في وصف القرآن (نزّل) (وأنزل) كما قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) وقال تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ) وقال تعالى (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ).\nثانيًا: قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) فجمع بين التضعيف وبين قوله (جُمْلَةً وَاحِدَةً).\nوقيل: إن المغايرة بين اللفظين في الآية تدل على نزول القرآن منجمًا ونزول الكتابين جملة.\nوبهذا قال البغوي والزمخشري وابن الجوزي والقرطبي والبيضاوي والشوكاني.\nقال ابن الجوزي: وقيل: إنما قال في القرآن (نزّل) بالتشديد، وفي التوراة والإنجيل: أنزل، لأن كل واحد منهما أنزل في مرة واحدة، وأنزل القرآن في مرات كثيرة.\nوقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) قلت: لأن القرآن نزل منجمًا، ونزل الكتابان جملة.","vol":"3","page":141},{"text":"(مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) يعني به القرآن الذي أنزل على محمد -ﷺ- النبي الأمي العربي بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا مشتملًا على الحق من الله تعالى مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.\nالتصديق لما بين يديه له معنيان:\nأولًا: أنه شاهد لها بالصدق، أي شاهد لها بالصدق، وقد شهد القرآن أن التوراة والإنجيل كليهما من عند الله.\nثانيًا: أنه جاء مطابقًا لما أخبرت به.\n• قال ابن كثير: فهي تصدّقه بما أخبرت به وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها، لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد -ﷺ-، وإنزال القرآن العظيم عليه.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أنه مصدق للكتب السابقة له، وجعل السابق بين يديه: لأنه يجيء قبله. فكأنه يمشي أمامه.\n(وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ) على موسى -﵇-.\n(وَالْإِنْجِيلَ) على عيسى -﵇-.\n(مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل هذا القرآن.\n(هُدىً لِلنَّاسِ) أي: في زمانهما.\n• اختلف العلماء هل هذا الوصف (هدى للناس) عائد إلى التوراة والإنجيل فقط أم يشمل القرآن؟\nفقيل: إنه وصف عائد إلى التوراة والإنجيل فقط.\nورجحه أبو حيان.\nوقال: وخص الهدى بالتوراة والإنجيل هنا، وإن كان القرآن هدى، لأن المناظرة كانت مع النصارى وهم لا يهتدون بالقرآن، بل وصف بأنه حق في نفسه، قبلوه أو لم يقبلوه، وأما التوراة والإنجيل فهم يعتقدون صحتهما، فلذلك اختصا في الذكر بالهدى.\nوقيل: أنه تعالى وصف الكتب الثلاثة بأنها هدى، فهذا الوصف عائد إلى كل ما تقدم وغير مخصوص بالتوراة والإنجيل، والله أعلم بمراده. قاله الرازي.\nواختاره السعدي وقال: الظاهر أن هذا راجع لكل ما تقدم، أي: أنزل الله التوراة والإنجيل والقرآن هدى للناس من الضلال، فمن قبل هدى الله فهو المهتدي، ومن لم يقبل ذلك بقي على ضلالة.\n(وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره، ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك.","vol":"3","page":142},{"text":"قيل: المراد بالفرقان هنا القرآن.\n• قال ابن عاشور: وسمي به القرآن؛ قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) والمراد بالفرقان هنا القرآن؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، وفي وصفه بذلك تفضيل لهديه على هدي التوراة والإنجيل، لأن التفرقة بين الحق والباطل أعظم أحوال الهدي، لما فيها من البرهان، وإزالة الشبهة. وإعادة قوله (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) بعد قوله (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) للاهتمام، وليوصل الكلام به في قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّه) الآية أي بآياته في القرآن.\n• قال الرازي: وإنما أعاده تعظيمًا لشأنه ومدحًا بكونه فارقًا بين الحق والباطل أو يقال: إنه تعالى أعاد ذكره ليبين أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فرقًا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل، وعلى هذا التقدير فلا تكرار.\nوقيل: المراد بالفرقان المعجزات واختاره الرازي.\nقال ﵀: وهو أن المراد من هذا الفرقان المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه الكتب، وذلك لأنهم لما أتوا بهذه الكتب وادعوا أنها كتب نازلة عليهم من عند الله تعالى افتقروا في إثبات هذه الدعوى إلى دليل حتى يحصل الفرق بين دعواهم وبين دعوى الكذابين، فلما أظهر الله تعالى على وفق دعواهم تلك المعجزات حصلت المفارقة بين دعوى الصادق وبين دعوى الكاذب، فالمعجزة هي الفرقان، فلما ذكر الله تعالى أنه أنزل الكتاب بالحق، وأنه أنزل التوراة والإنجيل من قبل ذلك، بين أنه تعالى أنزل معها ما هو الفرقان الحق، وهو المعجز القاهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة، فهذا هو ما عندي في تفسير هذه الآية.\nوقال ابن عطية: وقال بعض المفسرين: (الفرقان) هنا كل أمر فرق بين الحق والباطل، فيما قدم وحدث، فيدخل في هذا التأويل طوفان نوح، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر، وسائر أفعال الله تعالى المفرقة بين الحق والباطل، فكأنه تعالى ذكر الكتاب العزيز، ثم التوراة والإنجيل، ثم كل أفعاله ومخلوقاته التي فرقت بين الحق والباطل، كما فعلت هذه الكتب.","vol":"3","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-953>(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ) آيات الله تنقسم إلى قسمين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-954>القسم الأول: آيات كونية: (وهي مما نشاهده مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها).</span>\nوهي ما نصبه الله - جل وعلا - ليدل به خلقه على أنه الواحد الأحد المستحق للعبادة، كالشمس والسماء والأرض ونحوها، وكل ما في الكون من مخلوقات الله شاهد بكمال الله وقدرته وعزته وأنه المستحق للعبادة.\nقال تعالى (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: لعلامات واضحة جازمة قاطعة بأن من خلقها هو رب هذا الكون، وهو المعبود وحده.\n• والكفر بالآيات الكونية يكون بأمور: أن يجحد أن الخالق سبحانه خلقها فيدعي أن الذي خلقها، أو أن يعتقد أن له شريكًا في خلقه، أو أن له معينًا في خلقه.\n\n<span data-type='title' id=toc-955>القسم الثاني: آيات شرعية (وهي الوحي المنزل).</span>\nومنه قوله تعالى (رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ).\nوالكفر بآيات الله الشرعية (وهي الوحي المنزل) يكون بعدة أمور:\nأولًا: بتكذيبها، ثانيًا: أو بجحودها، ثالثًا: أو بالاستكبار والعناد.\n(لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) أي: يوم القيامة.\nقال أبو حيان: لما قرر تعالى أمر الإلهية، وأمر النبوّة بذكر الكتب المنزلة، توعد من كفر بآيات الله من كتبه المنزلة، وغيرها، بالعذاب الشديد من عذاب الدنيا، كالقتل، والأسر، والغلبة، وعذاب الآخرة: كالنار.\n(وَاللَّهُ عَزِيزٌ) اسم من أسماء الله، وهو متضمن لصفة العزة الكاملة لله، وهي ثلاثة أنواع:\nعزة القدْر: بمعنى أن الله ذو قدْر شريف عظيم، كما قال النبي -ﷺ- (السيد الله).\nوعزة القهر: بمعنى أن الله القاهر لكل شيء، لا يُغلب، كما قال تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).\nوعزة الامتناع: بمعنى أنه يمتنع أن يناله أحد بسوء أو نقص.\nقال السعدي: (العزيز) الذي له العزة كلها: عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع الموجودات، ودانت له الخليقة وخضعت لعظمته.","vol":"3","page":144},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-956> الآثار المترتبة على معرفة هذا الاسم:</span>\nأولًا: إن اسمه سبحانه (العزيز) يستلزم توحيده وعبادته وحده لا شريك له، إذ الشركة تنافي كمال العزة.\nثانيًا: ومن كمال العزة تبرئته سبحانه من كل سوء وتنزيهه من كل شر ونقص، قال ابن القيم: ومن تمام عزته: براءته عن كل سوء وشر وعيب، فإن ذلك ينافي العزة التامة.\nثالثًا: من كمال عزته سبحانه نفاذ حكمه وأمره في عباده وتصريف قلوبهم على ما يشاء، وهذا ما لا يقدر عليه إلا الله، وهذا يجعل العبد خائفًا من ربه، لائذًا بجنابه معتصمًا به متبرئًا من الحول والقوة ذليلًا حقيرًا بين يدي ربه سبحانه.\nرابعًا: أن الإيمان بهذا الاسم الكريم يثمر العزة في قلب المؤمن، ومهما ابتغى العبد العزة عند غير الله وفي غير دينه فلن يجدها ولن يجد إلا الذل والضعف والهوان كما قال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا). والشعور بهذه العزة تثمر التعالي على الباطل وأهله وعدم الاستكانة لهم مهما تسلطوا على العبد.\nخامسًا: أن الإيمان بهذا الاسم يثمر عدم الركون إلى شيء من هذه الدنيا الفانية وجعلها مصر العزة والقوة، فكم رأينا وسمعنا من كثير من الناس اغتر بعضهم بماله أو جاهه أو ولده أو سلطانه ومنصبه فكانت كلها سببًا في إذلاله وشقائه.\nسادسًا: من أسباب العزة العفو والتواضع والذلة للمؤمنين، قال تعالى في وصف عباده الذين يحبهم ويحبونه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) وقال -ﷺ- (… وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) رواه مسلم.\n(ذُو انْتِقَامٍ) ممن كذب بآياته، وخالف رسله الكرام، وأنبياءه العظام.\n\n<span data-type='title' id=toc-957>الفوائد:</span>\n١ - إثبات ألوهية الله تعالى.\n٢ - انفراده بهذه الألوهية.\n٣ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الحي والقيوم.\n٤ - إثبات حياة الله الكاملة.\n٥ - أن كل شيء مفتقر إلى الله.\n٦ - إثبات علو الله تعالى.\n٧ - أن القرآن منزل.\n٨ - فضيلة هذا القرآن.\n٩ - رحمة الله بعباده حيث كان ينزل الكتب على رسله هدى للناس.\n١٠ - إثبات الحكمة لله تعالى.\n١١ - إثبات اسم من أسماء الله وهو العزيز.","vol":"3","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-958>(إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦».</span> [آل عمران: ٥ - ٦].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماوات والأرض، ولا يخفى عليه شيء من ذلك.\n• قال القرطبي: هذا خبر عن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل؛ ومثله في القرآن كثير، فهو العالم بما كان وما يكون وما لا يكون؛ فكيف يكون عيسى إلهًا أو ابن إله وهو تَخْفى عليه الأشياء.\n• وقال أبو حيان: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) شيء نكرة في سياق النفي، فتعم، وهي دالة على كمال العلم بالكليات والجزئيات، وعبر عن جميع العالم بالأرض والسماء، إذ هما أعظم ما نشاهده.\n• وقال السعدي: وهذا فيه تقرير إحاطة علمه بالمعلومات كلها، جليها وخفيها، ظاهرها وباطنها، ومن جملة ذلك الأجنة في البطون التي لا يدركها بصر المخلوقين، ولا ينالها علمهم، وهو تعالى يدبرها بألطف تدبير، ويقدرها بكل تقدير.\n• قوله تعالى: (لا يخفى عليه شيء) تحذير من مخالفته سرًا وجهرًا.\n(هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) أي: يخلقكم كما يشاء في الأرحام من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد.\n• قال الطبري: … فيجعل هذا ذكرًا وهذا أنثى، وهذا أسود وهذا أحمر، يُعرّف عباده بذلك أنّ جميع من اشتملت عليه أرحامُ النساء، ممنّ صوره وخلقه كيف شاء وأنّ عيسى ابن مريم ممن صوّره في رحم أمه وخلقه فيها كيف شاء وأحبّ، وأنه لو كان إلهًا لم يكن ممن اشتملت عليه رحم أمه، لأن خلاف ما في الأرحام لا تكون الأرحامُ عليه مشتملة، وإنما تشتمل على المخلوقين.\n• وقال القرطبي: وهذه الآية تعظيم لله تعالى، وفي ضمنها الرد على نصارى نَجْران، وأنّ عيسى من المَصوَّرين، وذلك مما لا ينكره عاقل.\n• وقال ابن كثير: وهذه الآية فيها تعريض بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر؛ لأن الله تعالى صوره في الرحم وخلقه، كما يشاء، فكيف يكون إلها كما زعمته النصارى - عليهم لعائن الله- وقد تقلب في الأحشاء، وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ).","vol":"3","page":146},{"text":"(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: لا إله بحق إلا هو سبحانه، فهو الخالق، فهو المستحق للإلهية لا شريك له.\n(الْعَزِيزُ) الذي قهر الخلائق بقوته، واعتز عن أن يوصف بنقص أو ينعت بذم.\n(الْحَكِيمُ) قال ابن جرير: هو الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.\nوقال ابن كثير: الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالها بحكمته وعدله.\nفالحكيم اسم من أسماء الله متضمن لصفة الحكمة البالغة، فأوامره وأحكامه وأفعاله كلها لحكمة.\nفهو سبحانه حكيم في صنعه، وحكيم في شرعه، فجميع مصنوعاته كلها محكمة، قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) وأما في الشرع فيقول سبحانه (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) فلا يمكن أن يوجد تناقض في القرآن أبدًا.\nقال بعض العلماء: الحكمة تكون في صورة الشيء: أي أن خلق الإنسان على هذه الصورة لحكمة، وكذلك خلق الحيوان على هذه الصورة لحكمة.\nوتكون في غايته: أي أن الغاية من خلق الإنسان لحكمة، وكذلك الحيوانات، وكذلك جميع المخلوقات، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا).\n• ونستفيد من معرفتنا أن الله حكيم في كل أفعاله: اقتناع الإنسان بما يجري عليه وما يوجبه الله عليه، لأن ما يجريه الله ﷿ من الأحكام مقرون بالحكمة، فإذا علمت هذا يقينيًا اقتنعت سواء كان هذا من الأحكام الكونية أو الأحكام الشرعية، حتى المصائب التي تنال العباد لاشك أن لها حكمة.","vol":"3","page":147},{"text":"قال الشيخ ابن عثيمين: العزيز الحكيم، فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرًا، فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه، وهو العزة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم. والجمع بينهما دال على كمال آخر، وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلما وجورًا وسوء فعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسئ التصرف. وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل، بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل.\n\n<span data-type='title' id=toc-959>الفوائد:</span>\n١ - التحذير من مخالفة الله، لأن الله يعلم بمخالفتك إياه.\n٢ - أن الله يعلم الكليان والجزئيات.\n٣ - بيان قدرة الله، حيث يصور المخلوقات في الأرحام.\n٤ - أن صور المخلوقات يكون تصويرها بأمر الله وإذنه.\n٥ - إثبات المشيئة لله تعالى.\n٦ - انفراد الله بالألوهية.","vol":"3","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-960>(هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (٧».</span> [آل عمران: ٧].\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) أي: أنزل عليك يا محمد القرآن العظيم.\n(مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس.\n(هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه.\n• قال الطبري: … ثم وصف جل ثناؤه: هؤلاء الآيات المحكمات، بأنهن (هُنّ أمّ الكتاب) يعني بذلك: أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم، وإنما سماهن (أمّ الكتاب) لأنهن معظم الكتاب، وموضع مَفزَع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الجامعَ معظم الشيء (أمًّا) له، فتسمى راية القوم التي تجمعهم في العساكر (أمّهم) والمدبر معظم أمر القرية والبلدة: \"أمها\".\n(وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) أي: فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم.\n• قال السعدي: قوله تعالى (منه آيات محكمات) أي: واضحات الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال (هن أم الكتاب) أي: أصله الذي يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره، (و) منه آيات (أخر متشابهات) أي: يلتبس معناها على كثير من الأذهان: لكون دلالتها مجملة، أو يتبادر إلى بعض الأفهام غير المراد منها، فالحاصل أن منها آيات بينة واضحة لكل أحد، وهي الأكثر التي يرجع إليها، ومنه آيات تشكل على بعض الناس، فالواجب في هذا أن يرد المتشابه إلى المحكم والخفي إلى الجلي، فبهذه الطريق يصدق بعضه بعضًا ولا يحصل فيه مناقضة ولا معارضة.\n• ثم ذكر تعالى أقسام الناس بالنسبة للمحكم والمتشابه فقال:\n(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل، وفسدت مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت\nقلوبهم عن طريق الهدى والرشاد.","vol":"3","page":149},{"text":"واختلف العلماء في المراد بهم هنا على أقوال: أصحها أنها تعم كل من زاغ عن الحق ومال عنه.\nورجحه الطبري، وابن عطية، والرازي، وأبو حيان، والشوكاني، والقاسمي، وابن عاشور، والسعدي.\n• قال الطبري: وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك، فإنه معنيّ بها كل مبتدع في دين الله بدعةً فمال قلبه إليها، تأويلًا منه لبعض مُتشابه آي القرآن، ثم حاجّ به وجادل به أهل الحق، وعدل عن الواضح من أدلة آيه المحكمات، إرادةً منه بذلك اللبس على أهل الحق من المؤمنين، وطلبًا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك، كائنًا من كان، وأيّ أصناف المبتدعة كان من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية، أو كان سَبئيًا، أو حروريًّا، أو قدريًّا، أو جهميًّا، كالذي قال -ﷺ- (فإذا رأيتم الذين يجادلون به، فهم الذين عنى الله، فاحذروهم).\n• وقال ابن عطية: والإشارة بذلك أولًا إلى نصارى نجران وإلى اليهود الذين كانوا معاصرين لمحمد ﵇ فإنهم كانوا يعترضون معاني القرآن، ثم تعم بعد ذلك كل زائغ.\n• وقال الرازي: وقال المحققون إن هذا يعم جميع المبطلين وكل من احتج لباطله بالمتشابه لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة وما أوعد الكفار من النقمة ويقولون ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ\n• وقال الشوكاني: وهذه الآية تعمّ كل طائفة من الطوائف الخارجة عن الحق.\n(فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم.\n• قال الشوكاني: أي يتعلقون بالمتشابه من الكتاب، فيشككون به على المؤمنين، ويجعلونه دليلًا على ما هم فيه من البدعة المائلة عن الحق، كما تجده في كل طائفة من طوائف البدعة، فإنهم يتلاعبون بكتاب الله تلاعبًا شديدًا، ويوردون منه لتنفيق جهلهم ما ليس من الدلالة في شيء.","vol":"3","page":150},{"text":"• قال السعدي: (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) أي: يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون المحكم على المتشابه.\n(ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) أي: لإضلال أتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى (إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ) وبقوله (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد، ورسول من رسل الله.\n(وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) أي: تحريفه على ما يريدون.\n• نستفيد أن من علامة زيغ القلب اتباع المتشابه.\n• يستطيع متَّبع المتشابه أن يستدل على جواز الكفر بقول الله (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) فيزعم أن الله تعالى خيَّر الناس بين الإيمان والكفر، والتخيير بينهما يقتضي استواءهما، ويغضُّ الطرف عن الآيات الكثيرة التي تتوعد الكافر بالنار، ومنها آخر هذه الآية التي يُستدَل بها على فساد قوله؛ فهي في سياق التهديد والوعيد وليس فيها تخيير (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) وقد استدل بهذه الآية على الحرية الدينية كثير ممن فتنوا بالغرب وحريته.\nويستطيع متَّبع المتشابهات أن يحكم بالجنة لأصحاب الديانات الأخرى ممن كفروا بالإسلام مستدلًا بقول الله تعالى (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) متعاميًا عن\nمعنى الآية وهو (من آمن منهم برسوله قبل بعثة محمد -ﷺ- ومات على إيمانه)، ويترك هذا الملبِّس مئات الآيات والأحاديث التي تحكم بالنار لكل من لم يتبع دين محمد -ﷺ-، وكثير من الليبراليين يستدل بها على صحة دين الكفار!.","vol":"3","page":151},{"text":"• ويستطيع النصراني أن يستدل على عقيدة التثليث، وعلى بنوَّة المسيح لله بالقرآن الكريم؛ مع أنها شرك أكبر، وقَدْح في الله تعالى؛ وذلك حين يأتي النصراني إلى الآيات التي فيها أن عيسى -﵇- يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخبر ببعض الغيب فيستدل بها على ألوهية عيسى -﵇- باعتبار أن هذه الأفعال التي قام بها عيسى من خصائص الله تعالى ويعمى عن الآيات التي تثبت بشريته؛ وأنه مخلوق لله وأنه تعالى أجرى على يديه هذه الخصائص معجزة تثبت صدقه -﵇- كما قال تعالى (إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).\nثم يأتي إلى الآيات التي تثبت أن عيسى ولد بلا أب فيستدل بها على بنوَّته لله تعالى ويعمى عن الآيات الكثيرة التي تنفي الولد عن الله تعالى والآيات التي تذكر قصة ولادة عيسى ﵇.\nثم يأتي إلى الآيات القرآنية التي فيها كلام الله - ﷾ - عن نفسه بصيغ جمع العظمة نحو قوله تعالى (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) فيَدَّعي أن الله - ﷾ - متعدد وليس واحدًا، ويعمى عن الآيات التي فيها إثبات وحدانية الله تعالى وبطلان عقيدة التثليث والآلهة المتعددة نحو قول الله تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ).\nوقد روى أئمة التفسير وأهل السير أن نصارى نجران احتجوا على النبي -ﷺ- بهذه الحجج زاعمين ألوهية عيسى وبنوته لله ﷾ فأنزل سبحانه صدر سورة آل عمران في دحض حججهم.\nوإذا كان بإمكان متَّبع المتشابه أن يصحح العقائد الزائفة، ويساوي الكفر بالإيمان، ويحكم لأصناف الكفار بالجنة، ويستدل لما يقول بنصوص ينتقيها من القرآن، وُيعرِض عن غيرها على طريقة أهل الكتاب في إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعضه؛ فإنه يستطيع من باب أَوْلى أن يبيح ما دون الشرك والكفر من المحرمات: كالاختلاط، والخلوة بالأجنبية، وسفر المرأة بلا محرم، وغير ذلك من المحرمات، ويستدل لما يريد بنصوص مشتبهة ويترك المحكم الواضح.","vol":"3","page":152},{"text":"وإذا كان متَّبع المتشابه يستطيع أن يبطل التوحيد بنصوص ينتقيها من القرآن فلن يعجز عن إبطال ما هو دون التوحيد من الواجبات: كصلاة الجماعة، وحجاب المرأة، ووجوب المحرم لها، وغير ذلك، وسيجد من النصوص ما يؤيد باطله إذا كانت العملية عملية انتقاء واختيار.\n• وفي وصية عظيمة نافعة في هذا المجال ينقلها ابن القيم عن شيخه ابن تيمية - رحمهما الله تعالى - فيقول: (وقال لي شيخ الإسلام -﵁- وقد جعلتُ أُورِد عليه إيرادًا بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته؛ وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرًا للشبهات أو كما قال، فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك).\nوقد تضافر المنقول عن السلف الصالح في التحذير ممن فتنوا في دينهم باتباع المتشابه وترك المحكم.\nفقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص - ﵄: لا تجالسنَّ مفتونًا، فإنه لا تخطئك منه إحدى خلتين: إما أنَّ يفتنك فتتبعه، وأما أنَّ يؤذيك قبل أنَّ تفارقه.\nوقال أبو قلابة: لا تجالسوا أصحاب الأهواء؛ فإني لا آمن أنَّ يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم ما تعرفون.\nوقال رجل للحسن رحمه الله تعالى: تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني فإن كنت أضللت دينك فالتمسه.\nوقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: من جعل دينه عرضًا للخصومات أكثر التنقل.\n(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) ذهب أكثر السلف إلى الوقف على قوله (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ). وتكون الواو في (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ …) للاستئناف، ويكون المعنى: أن هذا المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، أما الراسخون في العلم\nالذين لم يعلموا تأويله يقولون (آمَنَّا بِهِ …) وليس في كلام ربنا تناقض ولا تضارب.","vol":"3","page":153},{"text":"وممن رجح هذا القول الشنقيطي، فقال ﵀: قوله تعالى (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله) يحتمل أن المراد بالتأويل في هذه الآية الكريمة التفسير وإدراك المعنى، ويحتمل أن المراد به حقيقة أمره التي يؤول إليها وقد قدمنا في مقدمة هذا الكتاب أن من أنواع البيان التي ذكرناها فيه أن كون أحد الاحتمالين هو الغالب في القرآن، يبين أن ذلك الاحتمال الغالب هو المراد، لأن الحمل على الأغلب أولى من الحمل على غيره.\nوإذا عرفت ذلك فاعلم أن الغالب في القرآن إطلاق التأويل على حقيقة الأمر التي يؤول إليها كقوله: (هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ) وقوله (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) الآية. وقوله (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) وقوله (ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) إلى غير ذلك من الآيات.\nثم قال ﵀: ومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة، دلالة الاستقراء في القرآن أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئًا وأثبته لنفسه، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك:\nكقوله (قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله).\nوقوله (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ).\nوقوله (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ).\nفالمطابق لذلك أن يكون قوله (ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ) معناه: أنه لا يعلمه إلا هو وحده كما قاله الخطابي وقال: لو كانت الواو في قوله (والراسخون) للنسق لم يكن لقوله (كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا) فائدة والقول بأن الوقف تام على قوله (إِلاَّ اللهُ) وأن قوله (والراسخون) ابتداء كلام هو قول جمهور العلماء للأدلة القرآنية التي ذكرنا.\nوذهب بعض العلماء إلى الوصل ولم يقف (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ).\n• قال الشنقيطي: وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ بِأَنَّ اللَّهَ -﷾- مَدَحَهُمْ بِالرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ فَكَيْفَ يَمْدَحُهُمْ بِذَلِكَ وَهُمْ جُهَّالٌ.","vol":"3","page":154},{"text":"• قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو: هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ تَسْمِيَتَهُمْ رَاسِخِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْمُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمِهِ جَمِيعُ مَنْ يَفْهَمُ كَلَامَ الْعَرَبِ، وَفِي أَيِّ شَيْءٍ هُوَ رُسُوخُهُمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الْجَمِيعُ. انْتَهَى مِنْهُ بِلَفْظِهِ.\nقَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: يُجَابُ عَنْ كَلَامِ شَيْخِ الْقُرْطُبِيِّ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ رُسُوخَهُمْ فِي الْعِلْمِ هُوَ السَّبَبُ الَّذِي جَعَلَهُمْ يَنْتَهُونَ حَيْثُ انْتَهَى عِلْمُهُمْ وَيَقُولُونَ فِيمَا لَمْ يَقِفُوا عَلَى عِلْمِ حَقِيقَتِهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا بِخِلَافِ غَيْرِ الرَّاسِخِينَ فَإِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ.\nوَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ «الْكَشَّافِ». وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَنِسْبَةُ الْعِلْمِ إِلَيْهِ أَسْلَمُ.\n• وقال بعض العلماء هذا يرجع إلى تفسير التأويل، فإن قلنا إن المراد به التفسير فالوصل أولى، لأن الراسخين في العلم يعلمون تفسير القرآن المتشابه، ولا يخفى عليهم لرسوخهم في العلم.\nوأما إذا جعلنا التأويل بمعنى العاقبة والغاية المجهولة، فالوقف أولى (إلا الله) لأن عاقبة هذا المتشابه وما يؤول إليه أمره مجهول لكل الخلق.\nوالتأويل يطلق بمعنى التفسير ويطلق بمعنى العاقبة المجهولة.\no  فمن إطلاقه بمعنى التفسير:\nقوله تعالى (وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) أي: بتفسير هذه الرؤية.\nومنه قوله -ﷺ- لابن عباس (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) أي: التفسير.\nوهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير وأمثاله - من المصنفين في التفسير - واختلف علماء التأويل ومجاهد\nإمام المفسرين.","vol":"3","page":155},{"text":"قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهما.\no  ومن إطلاقه بمعنى العاقبة المجهولة:\nقوله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ).\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) يعني: عاقبته وهو ما يؤول إليه (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أي: تأتي عاقبته التي وعدوا بها.\n• قال الشوكاني: ومن أهل العلم من توسط بين المقامين فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن شيئان:\nأحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يئول أمره إليه.\nومنه قوله (هذا تَأْوِيلُ رؤياي).\nوقوله (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد.\nفإن أريد بالتأويل هذا، فالوقف على الجلالة؛ لأن حقائق الأمور، وكنهها لا يعلمه إلا الله ﷿، ويكون قوله (والرسخون فِي العلم) مبتدأ، و(يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ) خبره.\nوأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو: التفسير، والبيان، والتعبير عن الشيء.\nكقوله (نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ) أي بتفسيره فالوقف على (والراسخون فِي العلم) لأنهم يعلمون، ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا، فيكون (يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ) حالًا منهم.\n(كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) أي: الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد لقوله (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا).\n• قال السعدي: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض، وفيه تنبيه على الأصل الكبير، وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه، علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم، وإن لم يفهموا وجه ذلك.","vol":"3","page":156},{"text":"(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة.\nالألباب جمع لب وهو العقل.\n\n<span data-type='title' id=toc-961>الفوائد:</span>\n١ - أن القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه.\nفإن قيل: ما الجواب عن قوله تعالى (الر تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم) وقوله (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياته) فذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم؟\nالجواب: المراد من المحكم بهذا المعنى كونه كلامًا حقًا فصيح الألفاظ صحيح المعاني وكل قول وكلام يوجد كان القرآن أفضل منه في فصاحة اللفظ وقوة المعنى ولا يتمكن أحد من إتيان كلام يساوي القرآن في هذين الوصفين، والعرب تقول في البناء الوثيق والعقد الوثيق الذي لا يمكن حله: محكم، فهذا معنى وصف جميعه بأنه محكم.\nوأما قوله تعالى (كتابا متشابها مَّثَانِيَ) فالمعنى أنه يشبه بعضه بعضًا في الحسن ويصدق بعضه بعضًا، وإليه الإشارة بقوله تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا) أي لكان بعضه واردًا على نقيض الآخر، ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة والركاكة.\n٢ - أن القرآن كلام الله.\n٣ - إثبات علو الله تعالى لقوله (أنزل) والإنزال لا يكون إلا من علو.\n٤ - أن هذا القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه.\n٥ - وجوب الرجوع إلى المحكم إزاء المتشابه لقوله (هن أم الكتاب) أي: مرجعه.\n٦ - حكمة الله في جعل القرآن ينقسم إلى قسمين، امتحانًا وابتلاء.\n٧ - أن من علامة زيغ القلب اتباع المتشابه.\n٨ - أن هؤلاء الذين يتبعون المتشابه تارة يبتغون الفتنة وهي صد الناس عن دينهم، وتارة يريدون بذلك أن يحرفوه إلى المعنى الذي يريدون.\n٩ - فضيلة الرسوخ في العلم.\n١٠ - أن الراسخين في العلم يعلمون أن الذي يكون من عند الله لا يكون فيه تناقض.\n١١ - أنه لا يتذكر بهذا القرآن إلا أصحاب العقول.","vol":"3","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-962>(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩».</span> [آل عمران: ٨ - ٩].\n<hr><s0>\n\n(رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) هذا من جملة كلام الراسخين في العلم، أنهم دعوا ربهم قائلين (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) أي: لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم.\nعن أنس قال (كان رسول الله -ﷺ- يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقلت يا رسول الله آمنا وبك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبهما كما يشاء) رواه الترمذي.\nوعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: إِنَّ قُلُوبَ بَنِى آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ). رواه مسلم\n• قال ابن القيم: حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء.\nأحدهما: رد الحق لمخالفته هواك.\nفإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأسًا ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك.\nقال تعالى (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك.\nوالثاني: التهاون بالأمر إذا حضر وقته.\nفإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك.\nقال تعالى (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ).\nفمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فليهنه السلامة.\nوفي الحديث (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب) متفق عليه.\nوكان قسم النبي -ﷺ-: لا، ومقلب القلوب.\n• وتتفاضل الأعمال عند الله بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة وتوابعها. …\n• وينبغي التحذير من التساهل في أمر القلب.\nقال -ﷺ-: (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) رواه مسلم.\n• ولا ينفع يوم القيامة إلا القلب السليم.","vol":"3","page":158},{"text":"قال تعالى (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).\nالقلب السليم: هو السالم من الشرك والبدعة والآفات والمكروهات، وليس فيه إلا محبة الله وخشيته.\n• وينبغي الدعاء بسلامة القلب.\nفقد كان -ﷺ- يقول (اللهم إني أسألك قلبًا سليمًا ..) رواه أحمد.\n• وأهم سبب لحياة القلب الاستجابة لله ولرسوله.\nقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه).\n(وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) أي: من عندك.\n(إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) أي: كثير العطاء.\n(رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) أي: يقولون في دعائهم: إنك - يا ربنا - ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلًا بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) استحضروا عند طلب الرحمة أحْوجَ ما يكونون إليها، وهو يومُ تكونُ الرحمة سببًا للفوز الأبدي، فأعقبوا بذكر هذا اليوم دعاءَهم على سبيل الإيجاز، كأنّهم قالوا: وهب لنا من لدنك رحمة، وخاصّة يوم تجمّع الناس كقول إبراهيم (ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) على ما في تذكّر يوم الجمع من المناسبة بعد ذكر أحوال الغواة والمهتدين، والعلماءِ الراسخين.","vol":"3","page":159},{"text":"• قال السعدي: وقد أثنى الله تعالى على الراسخين في العلم بسبع صفات هي عنوان سعادة العبد:\nإحداها: العلم الذي هو الطريق الموصل إلى الله، المبين لأحكامه وشرائعه.\nالثانية: الرسوخ في العلم، وهذا قدر زائد على مجرد العلم، فإن الراسخ في العلم يقتضي أن يكون عالمًا محققًا، وعارفا مدققًا، قد علمه الله ظاهر العلم وباطنه، فرسخ قدمه في أسرار الشريعة علمًا وحالًا وعملًا.\nالثالثة: أنه وصفهم بالإيمان بجميع كتابه ورد لمتشابهه إلى محكمه، بقوله (يقولون آمنا به كل من عند ربنا).\nالرابعة: أنهم سألوا الله العفو والعافية مما ابتلي به الزائغون المنحرفون.\nالخامسة: اعترافهم بمنة الله عليهم بالهداية وذلك قوله (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا).\nالسادسة: أنهم مع هذا سألوه رحمته المتضمنة حصول كل خير، واندفاع كل شر، وتوسلوا إليه باسمه الوهاب.\nالسابعة: أنه أخبر عن إيمانهم وإيقانهم بيوم القيامة وخوفهم منه، وهذا هو الموجب للعمل الرادع عن الزلل.\n(إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) فالله لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وكمال قدرته، لأن الذي يخلف الميعاد إما أن يكون لكذب الواعد، أو لعجزه.\n\n<span data-type='title' id=toc-963>الفوائد:</span>\n١ - مشروعية الدعاء بهذا الدعاء.\n٢ - مشروعية تصدير الدعاء باسم الرب.\n٣ - سؤال الإنسان ربه ألا يزيغ قلبه.\n٤ - أن في صلاح القلب صلاح لجميع الجسد.\n٥ - التوسل إلى الله بنعمه.\n٦ - التوسل بأسماء الله.\n٧ - أن يوم القيامة آت لا ريب فيه.\n٨ - تمام قدرة الله بجمع الناس كلهم في هذا اليوم.\n٩ - انتفاء صفة خلف الوعد عن الله تعالى.","vol":"3","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-964>(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١».</span> [آل عمران: ١٠ - ١١].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: بآيات الله وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه.\n• الكفر لغة الستر والتغطية، ويسمى الليل (كافرًا) لأنه يغطي كل شيء، وكل شيء غطى شيء فقد كفره، والكافر الزارع لأنه يغطي البذر بالتراب، وشرعًا: ضد الإيمان، فهو عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب.\n(لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي: وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، بل كما قال تعالى (وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) وقال تعالى (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ).\n• قال الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار يوم القيامة لا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئًا، وذكر أنهم وقود النار أي: حطبها الذي تتقد فيه، … تكذيبًا لدعواهم أن أموالهم وأولادهم تنفعهم، وأنه أنه ما أعطاهم الأموال والأولاد في الدنيا إلا لكرامتهم عليه واستحقاقهم لذلك، وأن الآخرة كالدنيا يستحقون فيها ذلك أيضًا فكذبهم في آيات كثيرة:\nفمن الآيات الدالة على أنهم ادعوا ذلك:\nقوله تعالى (وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ).\nوقوله (أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا). يعني في الآخرة كما أوتيته في الدنيا.\nوقوله (وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى) أي: بدليل ما أعطاني في الدنيا.\nوقوله (وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنْقَلَبًا) قياسًا منه للآخرة على الدنيا.\nورد الله عليهم هذه الدعوى في آيات كثيرة كقوله هنا (إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ …).\nوقوله (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات بَل لاَّ يَشْعُرُونَ).\nوقوله (وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى).","vol":"3","page":161},{"text":"وقوله (وَلَا يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمًَا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ).\nوقوله (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ).\nوصرح في موضع آخر، أن كونهم وقود النار المذكور هنا على سبيل الخلود وهو قوله (إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِّنَ الله شَيْئًا وأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُون).\n• قال الرازي: اعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعًا به، ثم يجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة.\nأما الأول: فهو المراد بقوله (لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلَا أولادهم) وذلك لأن المرء عند الخطوب والنوائب في الدنيا يفزع إلى المال والولد، فهما أقرب الأمور التي يفزع المرء إليها في دفع الخطوب، فبيّن الله تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا، لأن أقرب الطرق إلى دفع المضار إذا لم يتأت في ذلك اليوم، فما عداه بالتعذر أولى، ونظير هذه الآية قوله تعالى (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وقوله (المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا) وقوله (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا) وقوله (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاء ظُهُورِكُمْ).\nوأما القسم الثاني: من أسباب كمال العذاب، فهو أن يجتمع عليه الأسباب المؤلمة، وإليه الإشارة بقوله تعالى (وأولئك هُمْ وَقُودُ النار) وهذا هو النهاية في شر العذاب، فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس، والوقود بفتح الواو الحطب الذي توقد به النار، وبالضم هو مصدر وقدت النار وقودًا كقوله: وردت ورودًا.\n• وقال السمرقندي: إنما ذكر الأموال والأولاد، لأن أكثر الناس يدخلون النار، لأجل الأموال والأولاد، فأخبر الله تعالى أنه لا ينفعهم في الآخرة، لكيلا يفني الناس أعمارهم، لأجل المال والولد، وإنما ذكر الله تعالى الكفار، لكي يعتبر بذلك المؤمنون.\n• وقال ابن عاشور: وإنّما خصّ الأموال والأولاد من بين أعلاق الذين كفروا؛ لأنّ الغناءَ يكون بالفداء بالمال، كدفع الديات والغرامات، ويكون بالنصر والقتال، وأوْلى مَن يدافع عن الرجل، من عشيرته، أبناؤه، وعن القبيلة أبناؤُها.\n(وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ) أي: حطبها الذي تسجر به وتوقد به، كقوله (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ).","vol":"3","page":162},{"text":"(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) أي: كحال آل فرعون.\n(وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من المكذبين بالرسل.\nأي: دأب هؤلاء الكفرة وشأنهم وديدنهم مثل دأب آل فرعون في تكذيب الرسل، وكدأب الأمم الماضية كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.\n• قال ابن كثير: والمعنى في الآية: أن الكافرين لا تغني عنهم الأولاد ولا الأموال، بل يهلكون ويعذبون، كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاؤوا به من آيات الله وحججه.\n(كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) آيات الله: ما تتلوه عليهم الرسل من آياته الشرعية الدينية، وما يعاينونه من المعجزات من آياته الكونية القدرية.\n(فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) أي: أهلكهم وعاقبهم العقاب الشديد بسبب ذنوبهم.\nوالعرب تقول (أخذه الله) إذا عاقبه عقابًا شديدًا أليمًا.\nوقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى. أن النبي -ﷺ- قال (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم تلا قوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ).\n• قوله تعالى (بذنوبهم) الذنب: هو الجريمة التي يستحق صاحبها النكال.\n• فالمعاصي سبب لنزول المصائب وزوال النعم.\nقال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).\nوقال تعالى (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ).\nوقال تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا).\nوقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).\nوقال تعالى (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).\nوقال تعالى (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ).\nوقال تعالى (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).","vol":"3","page":163},{"text":"(وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) أي: شديد الأخذ أليم العذاب، لا يمتنع منه أحد، ولا يفوته شيء بل هو الفعال لما يريد، الذي قد غلب كل شيء وذل له كل شيء، لا إله غيره ولا رب سواه.\n• والعقاب: النكال الشديد لأجل الذنب، قال بعض العلماء: سمي عقابًا لأنه يأتي عقب الذنب من أجله.\n\n<span data-type='title' id=toc-965>الفوائد:</span>\n١ - أن الكفار لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا.\n٢ - أن المؤمنين ينتفعون بأموالهم وأولادهم.\n٣ - تمام قدرة الله تعالى.\n٤ - إثبات النار.\n٥ - أن الكفار في النار.\n٦ - أن الذنوب سبب للعقوبات.\n٧ - أن الله لا يظلم أحدًا.\n٨ - أن الله شديد العقاب.","vol":"3","page":164},{"text":"<span data-type='title' id=toc-966>(قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢».</span> [آل عمران: ١٢].\n<hr><s0>\n\n(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي: قل يا محمد لليهود.\n(سَتُغْلَبُونَ) أي: في الدنيا.\nقيل في سبب نزولها:\nأنه لما غزا رسول الله -ﷺ- قريشًا يوم بدر وقدم المدينة، جمع يهود في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا، فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك أن قتلت نفرًا من قريش لا يعرفون القتال، لو قاتلتنا لعرفت، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقيل: إن يهود أهل المدينة لما شاهدوا وقعة أهل بدر، قالوا: والله هو النبي الأمي الذي بشرنا به موسى في التوراة، ونعته وأنه لا ترد له راية، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا فلما كان يوم أُحد ونكب أصحابه قالوا: ليس هذا هو ذاك، وغلب الشقاء عليهم فلم يسلموا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقيل: إن هذه الآية واردة في جمع من الكفار بأعيانهم علم الله تعالى أنهم يموتون على كفرهم، وليس في الآية ما يدل على أنهم من هم.\nقال أبو حيان: والظاهر أن: الذين كفروا يعم الفريقين المشركين واليهود، وكل قد غلب بالسيف، والجزية، والذلة، وظهور الدلائل والحجج.\n(وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ) أي: وتجمعون وتساقون إلى جهنم.\nفيكون هؤلاء الكفار قد خسروا الدنيا بالغلبة والذل، وخسروا الآخرة بأنهم يحشرون إلى جهنم، وهذا كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ).\n(وَبِئْسَ الْمِهَادُ) أي: وبئس المهاد والفراش الذي تمتهدونه نار جهنم.\nكما قال تعالى (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ).","vol":"3","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-967>الفوائد:</span>\n١ - أن الرسول -ﷺ- عبد توجه إليه الأوامر.\n٢ - أهمية هذا الخبر الذي أمر الله نبيه أن يبلغه للكافرين.\n٣ - تقوية المؤمنين.\n٤ - إرعاب الكفار وتحذيرهم.\n٥ - أن الله ﷿ يجمع للكفار بين العقوبتين: عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة.\n٦ - إثبات عذاب النار.\n٧ - ذم النار.","vol":"3","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-968>(قدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ (١٣».</span> [آل عمران: ١٣].\n<hr><s0>\n\n(قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا) أي: قد كان لكم يا معشر يهود عظة وعبرة في فئتين التقتا وذلك يوم بدر.\nوهما: الفئة المسلمة: وهم رسول الله -ﷺ- وأصحابه -﵃-، والفئة الكافرة: وهم المشركون.\n• قال القرطبي: لا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بَدْر.\n• وقال الرازي: وأجمع المفسرون على أن المراد بالفئتين: رسول الله -ﷺ- وأصحابه يوم بدر ومشركوا مكة.\n• وقال القرطبي: واختلف من المخاطب بها؛ فقيل: يحتمل أن يخاطب بها المؤمنون، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة؛ وبكل احتمال منها قد قال قوم.\nوفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها حتى يقدِموا على مثليْهم وأمثالهم كما قد وقع.\n• قوله تعالى (… لكم آية) قال الرازي: واعلم أن العلماء ذكروا في تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وجوهًا:\nالأول: أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور، منها: قلة العدد، ومنها: أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا، ومنها: قلة السلاح والفرس، ومنها: أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها أول غزوات رسول الله -ﷺ-، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني منها: كثرة العدد، ومنها أنهم خرجوا متأهبين للحرب، ومنها: كثرة سلاحهم وخيلهم، ومنها: أن أولئك الأقوام كانوا ممارسين للمحاربة، والمقاتلة في الأزمنة الماضية، وإذا كان كذلك فلم تجر العادة أن مثل هؤلاء العدد في القلة والضعف وعدم السلاح وقلة المعرفة بأمر المحاربة يغلبون مثل ذلك الجمع الكثير مع كثرة سلاحهم وتأهبهم للمحاربة، ولما كان ذلك خارجًا عن العادة كان معجزًا.","vol":"3","page":167},{"text":"والوجه الثاني: في كون هذه الواقعة آية، أنه -﵇- كان قد أخبر قومه بأن الله ينصره على قريش بقوله (وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ) يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان، وكان قد أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فلما وجد مخبر خبره في المستقبل على وفق خبره كان ذلك إخبارًا عن الغيب، فكان معجزًا.\n• وقال الجصاص: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الدَّلَالَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ -ﷺ-:\nأَحَدُهُمَا: غَلَبَةُ الْفِئَةِ الْقَلِيلَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ لِلْكَثِيرَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَجْرَى الْعَادَةِ؛ لِمَا أَمَدَّهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ.\nوَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَانَ وَعَدَهُمْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ اللِّقَاءِ بِالظَّفَرِ وَالْغَلَبَةِ وَقَالَ (هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ) وَكَانَ كَمَا وَعَدَ اللَّهُ، وَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ -ﷺ-.\n• وقال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا) ذكر في هذه الآية الكريمة أن وقعة بدر آية أي: علامة على صحة دين الإسلام إذ لو كان غير حق لما غلبت الفئة القليلة الضعيفة المتمسكة به الفئة الكثيرة القوية التي لم تتمسك به.\nوصرح في موضع آخر أن وقعة بدر بينة أي لا لبس في الحق معها وذلك في قوله (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ).\nوصرح أيضًا بأن وقعة بدر فرقان فارق بين الحق والباطل وهو قوله (وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان).\n(فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وهم المسلمون.\n(وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) وهم مشركو قريش يوم بدر.\n(يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) اختلف العلماء في هذا على قولين:\nالقول الأول: أي يرى الكافرون المؤمنين أكثر منهم مرتين، جعل الله ذلك فيما رأوه سببًا لنصرة الإسلام عليهم.\nوهذا اختيار ابن جرير.\nالقول الثاني: أي ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم، أي: ضعفيهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم.\n• قال الرازي: قوله تعالى (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) يحتمل:\nالأول: أن يكون المراد أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريبًا من ألفين.\nوالاحتمال الثاني: أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفًا وعشرين، والحكمة في ذلك أنه تعالى كثر المسلمين في أعين المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم.\nفإن قيل: هذا متناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال (وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ).\nفالجواب: أنه كان التقليل والتكثير في حالين مختلفين، فقللوا أولًا في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما تلاقوا كثرهم الله في أعينهم حتى صاروا معلوبين، ثم إن تقليلهم في أول الأمر، وتكثيرهم في آخر الأمر، أبلغ في القدرة وإظهار الآية.","vol":"3","page":168},{"text":"والاحتمال الثالث: أن الرائين هم المسلمون، والمرئيين هم المشركون، فالمسلمون رأوا المشركين مثلى المسلمين ستمائة وأزيد، والسبب فيه أن الله تعالى أمر المسلم الواحد بمقاومة الكافرين قال الله تعالى (إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ).\nفإن قيل: كيف يرونهم مثليهم رأي العين، وكانوا ثلاثة أمثالهم؟.\nالجواب: أن الله تعالى إنما أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي علم المسلمون أنهم يغلبونهم، وذلك لأنه تعالى قال (إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ) فأظهر ذلك العدد من المشركين للمؤمنين تقوية لقلوبهم، وإزالة للخوف عن صدورهم.\nوالاحتمال الرابع: أن الرائين هم المسلمون، وأنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين فهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد، لأن هذا يوجب نصرة المشركين بإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين\n(وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ) أي: يقوي ويعز.\n(بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ) على حسب ما تقتضيه حكمته ﷾.\n• قال الرازي: والمقصود من الآية أن النصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره، لا بكثرة العدد والشوكة والسلاح.\n(إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي: التكثير والتقليل، وغلبة القليل، مع عدم العدة، على التكثير الشاكي السلاح.\n(لَعِبْرَةً) لآية وعظة.\n(لِأُولِي الْأَبْصَارِ) لذوي العقول والبصائر.\n• قال الماوردي: قوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصَارِ) فيه وجهان:\nأحدهما: أن في نصرة الله لرسوله يوم بدر مع قلة أصحابه عبرة لذوي البصائر والعقول.\nوالثاني: أن فيما أبصره المشركون من كثرة المسلمين مع قلتهم عبرة لذوي الأعين والبصائر.\n\n<span data-type='title' id=toc-969>الفوائد:</span>\n١ - أن النصر ليس بكثرة العدد ولا بقوة العُدد.\n٢ - أن القتال لا يكون سببًا للنصر إلا إذا كان في سبيل الله.\n٣ - أنه لا ألفة بين المؤمنين والكافرين.\n٤ - إثبات أفعال الله.\n٥ - إثبات المشيئة لله.\n٦ - أنه لا يعتبر بالأمور إلا أولو البصائر.\n٧ - أنك إذا وجدت من نفسك عدم اعتبار واتعاظ بما يجري، فاعلم أنك ضعيف البصيرة.\n٨ - الثناء على أهل البصيرة.","vol":"3","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-970>(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤»</span> [آل عمران: ١٤].\n<hr><s0>\n\n(زُيِّنَ لِلنَّاسِ …) كلام مستأنف لبيان حقارة ما تستلذه الأنفس في هذه الدار.\nاختلف العلماء من المزين، فقيل: هو الله تعالى.\nكما قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَهَا، ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا، فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَهَا) رواه أبو داود والترمذي.\nووجه تزيين الله لها، ابتلاء واختبارًا.\nوقيل: المزين هو الشيطان.\n• قال القرطبي: تزيين الله تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجِبِلّة على الميل إلى هذه الأشياء، وتزيين الشيطان إنما هو بالوَسْوَسة والخديعة وتحسين أخْذِها من غير وجوهها.","vol":"3","page":170},{"text":"والآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ لمعاصري محمد -ﷺ- من اليهود وغيرهِم.\n• وقال في التسهيل: ولا تعارض بينهما فتزيين الله بالإيجاد والتهيئة للانتفاع، وإنشاء الجبلة على الميل إلى الدنيا، وتزيين الشيطان بالوسوسة والخديعة.\n• قال ابن عاشور: والتزيين تصيير الشيء زينا أي حسنًا، فهو تحسين الشيء المحتاج إلى التحسين، وإزالة ما يعتريه من القبح أو التشويه، ولذلك سمي الحلاق مزينًا.\n• وقال امرؤ القيس: الحرب أول ما تكون فتية … تسعى بزينتها لكل جهول\n(حُبُّ الشَّهَوَاتِ) الشهوة: ما تدعو النفس إليه وتشتهيه.\n• قال الشوكاني: والمراد بالناس: الجنس. والشهوات جمع شهوة، وهي نزوع النفس إلى ما تريده. والمراد هنا: المشتهيات عبر عنها بالشهوات، مبالغة في كونها مرغوبًا فيها، أو تحقيرًا لها؛ لكونها مسترذلة عند العقلاء من صفات الطبائع البهيمية.\n• قال الثعالبي: وفي ضمن ذلك توبيخٌ، والشهواتُ ذميمةٌ، واتباعها مُرْدٍ، وطاعتها مَهْلَكَةٌ، وقد قال -ﷺ- (حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ) فَحَسْبُكَ أَنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِهَا، فمَنْ واقعها، خلص إِلى النَّار.\n• قال صاحب الكشاف: وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان:\nإحداهما: أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصًا على الاستمتاع بها.\nوالثانية: أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذمومة من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها.\n• قال القرطبي: واتباع الشهوات مردٍ وطاعتها مهلكة، وفي صحيح مسلم (حُفِّت الجنة بالمكاره وحُفّت النار بالشهوات).\nوفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها.\nوأن النار لا ينْجَى منها إلا بترك الشهوات وفِطام النفس عنها.","vol":"3","page":171},{"text":"(مِنَ النِّسَاءِ) فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد.\nوفتنة النساء من أعظم الفتن، وخاصة في هذه الأزمنة التي انتشرت فيها التبرج والاختلاط، وانفتح الإعلام، وأصبحت فتنة المرأة تعرض ليلًا نهارًا.\nكما ثبت في الصحيح أنه، ﵇ قال (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساء) متفق عليه\nوقال -ﷺ- (… فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن) متفق عليه.\nويكفي في فتنتها قوله -ﷺ- (إِنَّ المَرأَةَ تُقبِلُ فِي صُورَةِ شَيطَانٍ، وَتُدبِرُ فِي صُورَةِ شَيطَان).\nقَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعنَاهُ: الْإِشَارَةُ إِلَى الهَوَى وَالدُّعَاءِ إِلَى الفِتنَةِ بِهَا، لِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي نُفُوسِ الرِّجَالِ مِنَ المَيلِ إِلَى النِّسَاءِ وَالِالتِذَاذِ بِنَظَرِهِنَّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِن، فهِيَ شَبِيهَةٌ بِالشَّيطَانِ فِي دُعَائِهِ إِلَى الشَّرِّ بِوَسوَسَتِهِ وَتَزيِينهِ لَه.\nقال سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: مَا يَئِسَ الشَّيطَانُ مِنَ شَيءٍ إلا أتَاهُ مِن قِبَلِ النِّسَاءِ.\nوقال أبو صَالحٍ السَّمَّانُ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: بَلغَنِي أنَّ أكثرَ ذُنُوبِ أهِلِ النَّارِ فِي النِّساء.\n• قال الرازي: قوله تعالى (من النساء) وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ولذلك قال تعالى (خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) ومما يؤكد ذلك أن العشق الشديد المفلق المهلك لا يتفق إلا في هذا النوع من الشهوة.","vol":"3","page":172},{"text":"• وقال القرطبي: قوله تعالى (مِنَ النساء) بدأ بهِنّ لكثرة تشوّف النفوس إليهن؛ لأنهنّ حبائل الشيطان وفتنة الرجال.\nقال رسول الله -ﷺ- (ما تركت بعدي فِتنةً أشدَّ على الرجال من النساء) أخرجه البخاريّ ومسلم.\nففتنة النساء أشدّ من جميع الأشياء.\nويقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة.\nفأمّا اللتان في النساء فإحداهما: أن تؤدِّي إلى قطع الرِحم؛ لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأُمَّهَات والأخوات.\nوالثانية: يُبْتلى بجمع المال من الحلال والحرام.\nوأمّا البنون فإن الفتنة فيهم واحدة، وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم.\n• وقد حذر الإسلام من الفتنة بالنساء.\nفالشهوة أمرها خطير وشرها جسيم، فكم من عابد لله حولته الشهوة إلى فاسق، وكم من عالم حولته إلى جاهل، وكم أخرجت أناسًا من الدين كانوا في نظر من يعرفهم أبعد الناس عن الضلال والانحراف، ولذا قال أحد السلف: لم يكن كفر من مضى إلا من قِبَل النساء وهو كائن كفر من بقي من قبل النساء.\nوقد أورد القرطبي مجموعة من القصص والأمثلة التي تبين مدى خطورة هذا الداء، وأنه سبب قوي للانتكاس والردة.\nفقد ذكر أن رجلًا ملتزمًا مسجدًا للأذان والصلاة، وعليه بهاء العبادة وأنوار الطاعة، وكان مثالًا لأهل الخير والصلاح، وكان يرقى كل يوم المنارة للأذان، وفي أحد الأيام نظر إلى بيت نصراني ذمي تحت منارة المسجد فرأى بنت صاحب الدار فافتتن بها وترك الأذان ونزل إليها ودخل الدار، فقالت له: ماذا تريد؟ قال: أريدك أنتِ، قالت: لماذا؟ قال لها: قد سلبتني لبي وأخذت بمجامع قلبي، قالت: لا أجيبك إلى ريبة، قال: أتزوجك، قالت له: أنت مسلم وأنا نصرانية، وأبي لا يزوجني منك، قال لها: أتنصر، قالت: إن فعلت أفعل، فتنصر ليتزوجها، وأقام معها في الدار، وقبل الزواج رقى إلى سطح الدار فسقط منه فمات، فلا ظفر بها، ولا ظفر بدينه، فنعوذ بالله من سوء الخاتمة.\nوذلك مما يؤكد أن الفتنة بالنساء في الحرام موجب للانتكاسة عن الإيمان والاستقامة.\n• قصة ذكرها ابن كثير ﵀ في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين فقال: وفيها توفي عبده بن عبد الرحيم قبحه الله، ذكر ابن الجوزي أن هذا الشقي كان من المجاهدين كثيرًا في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون يحاصرون بلدة من بلاد الروم، إذ\nنظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن، فهويها، فراسلها: ما السبيل إلى الوصول إليك؟ فقالت: أن تتنصر وتصعد إليّ، فأجابها إلى ذلك، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غمًا شديدًا، وشق عليهم مشقة عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن، فقالوا: يا فلان ما فعل قرآنك؟ ما فعل علمك؟ ما فعل صيامك؟ ما فعل جهادك؟ ما فعلت صلاتك؟ فقال: اعلموا أني أُنسيت القرآنَ كله إلا قوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) وقد صار لي فيهم مال وولد \" [البداية والنهاية ١١/ ٦٤]","vol":"3","page":173},{"text":"• وقال ابن الجوزي: بلغني عن رجل كان ببغداد يُقال له: صالح المؤذن، أذّن أربعين سنة، وكان يُعرف بالصلاح، أنه صعد يومًا إلى المنارة ليؤذن، فرأى بنت رجل نصراني كان بيته إلى جانب المسجد، فافتتن بها، فجاء فطرق الباب، فقالت: من؟ فقال: أنا صالح المؤذن، ففتحت له، فلما دخل ضمها إليه، فقالت: أنتم أصحاب الأمانات فما هذه الخيانة؟ فقال: إن وافقتني على ما أريد وإلا قتلتك، فقالت: لا؛ إلا أن تترك دينك، فقال: أنا بريء من الإسلام ومما جاء به محمد، ثم دنا إليها، فقالت: إنما قلت هذا لتقضي غرضك ثم تعود إلى دينك، فكُلْ من لحم الخنزير، فأكل، قالت: فاشرب الخمر، فشرب، فلما دبّ الشراب فيه دنا إليها، فدخلت بيتًا وأغلقت الباب، وقالت: اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبي زوّجني منك، فصعد فسقط فمات، فخرجت فلفّته في ثوب، فجاء أبوها، فقصّت عليه القصة، فأخرجه في الليل فرماه في السكة، فظهر حديثه، فرُمي في مزبلة. [ذم الهوى ٤٠٩]\nقال طاوس: ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء.\nوروي عن ابن عباس أنه قرأ (وخلق الإنسان ضعيفًا) أي وخلق الله الإنسان ضعيفًا، أي: لا يصبر عن النساء.\nوكان يقال: لا تعقد قلبك مع المال لأنه فيء ذاهب، ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغدًا مع غيرك، ولا مع السلطان لأنه اليوم لك وغدًا لغيرك.\nويكفي في هذا قول الله تعالى (إنما أموالكم وأولادكم فتنة).\n• ومن أرخى لشهوته العنان؛ فإن سعار هذه الشهوة لا حد له ولا انقضاء، والمولع بشهوة الجنس بدون ضابط، أو رادع؛ لا يقف ولا يرعوي، يقول الشيخ علي الطنطاوي: لو أوتيتَ مال قارون، وجسد هرقل، وواصلتك عشر آلاف من أجمل النساء من كل لون وكل شكل، وكل نوع من أنواع الجمال، هل تظن أنك تكتفي؟ لا، أقولها بالصوت العالي: لا .. أكتبها بالقلم العريض .. ولكن واحدة بالحلال تكفيك. لا تطلبوا مني الدليل؛ فحيثما تلفّتم حولكم وجدتم في الحياة الدليل قائمًا ظاهرًا مرئيًا.\n• وفي الأدب الكبير، لابن المقفع: اعلم أن من أوقع الأمور في الدين، وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال، وأجلبها للعار، وأزراها للمروءة، وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار: الغرام بالنساء. ومن العجب أن الرجل لا بأس بلبّه ورأيه يرى المرأة من بعيد متلففة في ثيابها، فيصوّر لها في قلبه الحُسن والجمال حتى تعلق بها نفسه من غير رؤية ولا خبر مخبر، ثم لعله يهجم منها على أقبح القبح، وأدمّ الدمامة، فلا يعظه ذلك؛ ولا يقطعه عن أمثالها، ولا يزال مشغوفًا بما لم يذق، حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة، لظن أن لها شأنًا غير شأن ما ذاق، وهذا هو الحمق والشقاء والسفه.","vol":"3","page":174},{"text":"• وفي الختام: لا يأمن أحد على نفسه من الانتكاس بعد الهداية ولهذا نسأل الله دائما الثبات حينما نقول: يا مثبت القلوب ثبت قلبنا على دينك … اللهم آمين.\n• قال ابن القيم: لما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام حيًا فإن هواه لازم له كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع، ولكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهَلَكة، إلى مواطن الأمن والسلامة؛ مثاله: أن الله لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة؛ بل أمره بصرف ذلك إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة إلى أربع، ومن الإماء ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل، وكانت الريح دبورًا فاستحالت صبًا. [روضة المحبين ١١].\n(وَالْبَنِينَ) ليفتخر بهم، وللتكثر بهم، وأمل قيامهم مقامهم من بعدهم، والتفاخر والزينة.\nوفي الحديث (الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة مبخلة محزنة) أي: يجبن أبوه عن الجهاد خوف ضيعته، ويمتنع أبوه من الإنفاق في الطاعة\nخوف فقره، ويحزن أبوه لمرضه خوف موته، وقد قال تعالى (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)، وقيل لبعض النساك: ما بالك لا تبتغي ما كتب الله لك؟ قال: سمعًا لأمر الله، ولا مرحبًا بمن عاش فتنني، وإن مات أحزنني. يريد قوله تعالى (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).","vol":"3","page":175},{"text":"قال تعالى (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) يقول تعالى مخبرًا عن الأزواج والأولاد: أن منهم من هو عدو الزوج والوالد، بمعنى: أنه يلتهي به عن العمل الصالح كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).\n• قال مجاهد: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع مع حبه إلا أن يطيعه.\n• قال ابن القيم: وليس المراد من هذه العداوة ما يفهمه كثير من الناس أنها عداوة البغضاء والمحادة، بل هي عداوة المحبة الصادقة للآباء عن الهجرة والجهاد وتعلم العلم والصدقة وغير ذلك من أمور الدين وأعمال البر … وما أكثر ما فات العبد من الكمال والفلاح بسبب زوجته وولده.\n• بعض الأبناء وبعض الأزواج أعداء لوالديهم، فيحملونهم على معصية الله، ويثبطونهم عن طاعة الله، فقد يتساهل الأزواج والوالدان في ترك بعض الواجبات كترك الهجرة والجهاد وغير ذلك، أو في ارتكاب بعض المنهيات مجاراة لأزواجهم وأولادهم ونزولًا عند رغباتهم فتحملهم العاطفة أو طلب رضاهم على تقديم محبتهم ورضاهم على محبة الله ورضاه.\n• والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد.\nفوق ل الله تعالى (عَدُوًّا لَّكُمْ) العدو من يريد لك الشر أو يحملك عليه، أو يكون سببًا في منع الخير عنك عن قصد منه أو عن غير قصد (فَاحْذَرُوهُمْ) على دينكم، أن يضروكم في دينكم، أو توافقوهم على رغباتهم فيما لا يرضي الله، والحذر: الاحتراز والحيطة من الشيء المخيف\n• قال الشوكاني: وخص البنين دون البنات؛ لعدم الاطراد في محبتهن.\n(وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) أي: الأموال الكثيرة المكدّسة من الذهب والفضة، وإنما كان المال محبوبًا لأنه يحصل به غالبًا الشهوات، والمرء يرتكب الأخطار في تحصيله.\n• القناطير: جمع قنطار وهو العُقدة الكثيرة من المال، أو المال الكثير الذي لا يحصى، والمقنطرة: المضعّفة، وهو للتأكيد كقولك ألوف مؤلفة وأضعاف مضاعفة، قاله الطبري.\nورجح القول بأن (المقنطرة) المضعفة: الثعلبي، والواحدي، وابن عاشور.","vol":"3","page":176},{"text":"• وقد اختلف العلماء في مقدار القنطار:\nفقيل: القنطار ألف ومائتا أوقية، وقيل: القنطار ألف ومائتا دينار، وقيل: القنطار ثمانون ألفًا.\nوقال الطبري: فالصواب أن يقال: هو المال الكثير كما قال الربيع بن أنس.\n• قال ابن الجوزي: وقال الربيع بن أنس: القنطار: المال الكثير، بعضه على بعض، وروي عن أبي عبيدة أنه ذكر عن العرب أن القنطار وزن لا يحد، وهذا اختيار ابن جرير الطبري. قاله ابن الأنباري\n• والمال فتنة عظيمة، لأنه يحمل صاحبه على الإعراض عن طريق الله تعالى، ويحمله أيضًا على الطغيان والبغي.\nوالمال - أيضًا - فتنة لأنه يشغل القلب ويلهي عن الطاعة وينسي الآخرة.\nقال تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى).\nوقال تعالى (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ).\nوقال تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ).\nوقصة الثلاثة - الأقرع والأبرص والأعمى - الذين ابتلاهم الله، فجحد اثنان منهما.\nوقال تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).\nوقال تعالى (أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ. إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ).\nوقال تعالى (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ).\nوقال -ﷺ- (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي بالمال) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأحب أن يكون له ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (يهرم ابن آدم ويهرم معه اثنتان: الحرص على العمر، والحرص على المال) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (اثنتان يكرهما ابن آدم: يكره الموت والموت خير له من الفتن، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب) رواه أحمد","vol":"3","page":177},{"text":"وقال -ﷺ- (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء أخذ المال من حلال أو حرام) رواه البخاري.\nوقال -ﷺ- (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)\nقال ابن رجب: هذا مثل عظيم ضربه النبي -ﷺ- لفساد دين المسلم بالحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين جائعين ضاريين باتا في الغنم، قد غاب عنها رعاؤها ليلًا، فهما يأكلان في الغنم ويفترسان فيها.\nفأخبر النبي -ﷺ- أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم.\nفهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا.\n• الحرص على المال على نوعين:\nالأول: شدة محبة المال مع شدة طلبه من جوه المباحة المبالغة في طلبه والجد في تحصيله.\nولو لم يكن في الحرص على المال إلا تضييع العمر الشريف الذي لا قيمة له، وقد كان يمكن صاحبه فيه اكتساب الدرجات العلى والنعيم المقيم، فضيّعه بالحرص في طلب رزق مضمون مقسوم.\nفالحريص يضيع زمانه الشريف يخاطر بنفسه لتي لا قيمة لها في الأسفار وركوب الأخطار لجمع مال ينتفع به غيره.\nقيل لبعض الحكماء: إن فلانًا جمع مالًا، فقال: فهل جمع أيامًا ينفقه فيها؟ قيل: لا. قال: ما جمع شيئًا\nكان عبد الأحد بن زيد يحلف بالله، لحرص المرء على الدنيا أخوف عليه عندي من أعدى أعدائه.\nوفي بعض الآثار الإسرائيلية: الرزق مقسوم، والحريص محروم، ابنَ آدم، إذا أفنيتَ عمرَك في طلب الدنيا، فمتى تطلب الآخرة.\nإذا كنت في الدنيا عن الخيرِ عاجزًا فما أنت في يومِ القيامة صانعُ.\nقال بعض السلف: إذا كان القدر حقًا فالحرصُ باطلٌ، وإذا كان الغدر في الناس طباعًا فالثقة بكل أحدٍ عجزٌ، وإذا كان الموت لكلِ أحد راصدًا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.\nكتب بعض الحكماء إلى أخٍ له كان حريصًا على الدنيا: أما بعد، فإنك أصبحت حريصًا على الدنيا، تخدمها وهي تزجرُك عن نفسها بالأعراض والأمراض والآفات والعلل، كأنك لم تر حريصًا محرومًا، ولا زاهدًا مرزوقًا، ولا ميتًا عن كثير، ولا مبلغًا من الدنيا باليسير.","vol":"3","page":178},{"text":"قال بعض الحكماء: أطول الناس همًا الحسود، وأهنؤهم عيشًا القنوع، وأصبرهم على الأذى الحريص، وأخفضهم عيشًا أرفضهم للدنيا، وأعظمهم ندامة العالم المفرط.\nالثاني: أن يزيد على ما سبق ذكره في النوع الأول حتى يطلب المال من الوجوه المحرمة.\nقال تعالى (ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).\nوفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمر عن النبي -ﷺ- قال (اتقوا الشح، فإن الشح أهك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا).\nوفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي -ﷺ- قال (اتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا\nمحارمهم).\nقال طائفة من العلماء: الشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على أن يأخذ الأشياء من غير حلها ويمنع حوقها\nوالبخل: هو إمساك الإنسان ما في يده.\nقال تعالى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وذلك لإعانتهما فيها، ووجود الشرف بهما ثم أشار إلى أنهما ليسا من أسباب الشرف الأخروي، إذ لا يحتاج فيها إليهما، بقوله (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) أي: والأعمال التي تبقى ثمراتها الأخروية، من الاعتقادات والأخلاق والعبادات الكاملات، خير عند ربك من المال والبنين، في الجزاء والفائدة وخير مما يتعلق بهما من الأمل. فإن ما ينال بهما من الآمال الدنيوية، أمرها إلى الزوال. وما ينال بالباقيات الصالحات من منازل القرب الرباني والنعيم الأبدي، لا يزول ولا يحول. (تفسير القاسمي).\n(وَالْخَيْلِ) سميت بذلك لأن صاحبها يختال إذا ركبها.","vol":"3","page":179},{"text":"(الْمُسَوَّمَةِ) أي: المعلّمة، كما قال ابن عباس.\n• وفي المسومة ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها الراعية.\nواختاره السمرقندي، وابن جزي، وابن عاشور.\nقال ابن قتيبة: يقال: سامت الخيل، وهي سائمة: إذا رعت، وأسمتها وهي مسامة، وسومتها فهي مسوَّمة: إذا رعيتها.\nوالثاني: أنها المعلمة.\nوبه قال ابن عباس، وبه قال قتادة، واختاره الزجاج (وفي معنى المعلمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها معلمة بالشية، وهو اللون الذي يخالف سائر لونها، روي عن قتادة. والثاني: بالكي، روي عن المؤرج. والثالث: أنها البلق، قاله ابن كيسان).\nوالثالث: أنها الحسان.\nوإلى هذا القول ذهب عكرمة ومجاهد، ورجحه الطبري والسيوطي.\nوالرابع: أي المعدة للجهاد.\nوهو مروي عن ابن زيد.\nلكن هذا القول فيه نظر، لأن إعداد الخيل للجهاد في سبيل الله من أمور الدين، وليس من قبيل أمور الدنيا التي زينت للناس، فهذا القول فيه نظر بيّن.\n• ولهذا قال الطبري: وأما الذي قاله ابن زيد من أنها المعدة في سبيل الله، فتأويل من معنى المسومة بمعزل\nوالراجح أن الأقوال الثلاثة الأولى كلها محتملة، لأن اللفظ يحتملها، وهذا ما اختاره القرطبي فقال: قلت: كل ما ذكر يحتمله اللفظ، فتكون راعية معدة حسانًا معلمة لتعرف من غيرها.\n(وَالْأَنْعَامِ) وهي جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم.\n(وَالْحَرْثِ) أي: الأرض المتخذة للغراس والزراعة.\n• قال القرطبي: قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كل نوع من المال يتموّل به صنف من الناس؛ أمّا الذهب والفضة فيتموّل بها التجار، وأمّا الخيل المسوّمة فيتموّل بها الملوك، وأمّا الأنعام فيتموّل بها أهل البوادِي، وأمّا الحرث فيتموّل بها أهل الرساتيق.\nفتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتموّل، فأمّا النساء والبنون ففتنة للجميع.","vol":"3","page":180},{"text":"(ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) أي ما يُتَمتّع به فيها ثم يذهب ولا يبقى.\n(وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) أي: حسن المرجع والمصير.\n• قال الشوكاني: قوله تعالى (ذلك متاع الحياة الدنيا) أي: ذلك المذكور ما يتمتع به، ثم يذهب، ولا يبقى، وفيه تزهيد في الدنيا،\nوترغيب في الآخرة.\n• وقال في التسهيل: قوله تعالى (ذلك متاع الحياة الدنيا) تحقير لها ليزهد فيها الناس.\n• وقال القاسمي: قوله تعالى (وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) أي: المرجع وهو الجنة، فينبغي الرغبة فيه دون غيره. وفي إشعاره ذم من يستعظم تلك الشهوات ويتهالك عليها، ويرجح طلبها على طلب ما عند الله، وتزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة.\nوهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة.\n• وقال السعدي: وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها وتزهيد لأهل العقول النيرة بها، وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار ومصير المتقين الأبرار، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور، ألا وهي الجنات العاليات ذات المنازل الأنيقة والغرف العالية، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار، والأنهار الجارية على حسب مرادهم والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر وباطن، مع الخلود الدائم الذي به تمام النعيم، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض على قلبك المفاضلة بينهما.\n• سئل سهل بن عبد الله: بِم يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات؟ قال: بتشاغله بما أُمِر به.","vol":"3","page":181},{"text":"• قوله تعالى (الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) هي هذه الحيلة التي نعيشها التي قبل الآخرة، وسميت لدنيا لسببين:\nالسبب الأول: لأنها قبل الآخرة في الزمن.\nالسبب الثاني: لدناءتها وحقارتها بالنسبة للآخرة. كما قال تعالى (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) وقال -ﷺ- (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء) رواه الترمذي، وقال -ﷺ- (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري.\n• ففي هذه الآية حقارة الدنيا وخستها.\nكما قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).\nوقال تعالى (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا).\nوقال ﷾ عن مؤمن فرعون أنه قال لقومه (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ).\nوقال القرطبي: متاع: أي يتمتع بها قليل ثم تنقطع وتزول. ودار الآخرة هي دار الاستقرار والخلود.\nقال ابن رجب: وقال الله تعالى عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار) والمتاع: هو ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع ويفنى.\nفما عيبت الدنيا بأكثر من ذكر فنائها وتقلب أحوالها، وهو أدل دليل على انقضائها وزوالها، فتتبدل صحتها بالسقم، ووجودها بالعدم، وشبيبتها بالهرم، ونعيمها بالبؤس، وحياتها بالموت، فتفارق الأجسام النفوس وعمارتها بالخراب واجتماعها بفرقة الأحباب وكل ما فوق التراب تراب قال بعض السلف في يوم عيد وقد نظر إلى كثرة الناس وزينة لباسهم: هل ترون إلا خرقا تبلى أو لحما يأكله الدود غدا كان الإمام أحمد -﵁- يقول: يا دار تخربين ويموت سكانك.","vol":"3","page":182},{"text":"وقال -ﷺ- (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه …) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي.\nوقال النبي -ﷺ- (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) رواه مسلم\nقال النووي ﵀: ما للدنيا بالنسبة للآخرة في قصر مدتها وفناء لذاتها ودوام الآخرة ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر.\nوقال -ﷺ- لابن عمر (يا ابن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) رواه البخاري وفي رواية (وعد نفسك من أهل القبور).\nهذه وصية النبي -ﷺ- لابن عمر، وهي في الواقع وصية له وللأمة من بعده ﵁ وأرضاه، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور، قال الإمام النووي ﵀ في معنى الحديث (لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنا، ولا تحدّث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه).\nمن أقوال السلف:","vol":"3","page":183},{"text":"قال موسى ﵊: الدنيا قنطره فاعبروها ولا تعمروها.\nوقال عيسى ﵇ لأصحابه: من ذا الذي يبني على موج البحار دارًا تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا.\nوقال: مثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا حتى يقتله.\nوقد خرج أبو الدرداء على أهل الشام ورآهم في ترف فقال لهم: مالي أراكم تجمعون ما لا تأخذون، وتبنون ما لا تسكنون، وتؤمّلون ما لا تأخذون، لقد جمعت الأقوام التي قبلكم وأمّنتْ، فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بورًا، وأملهم غرورًا، وبيوتهم قبورًا، فجعل الناس يبكون حتى سمع نشيجهم من خارج المسجد.\nوقال أبو داود وهو من تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل: ما رأيت الإمام أحمد بن حنبل ذكر الدنيا.\nوقال ابن القيم: لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة.\nوقال: الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج، والسير في طلبها كالسير في أرض مسبعة - أي كثيرة السباع - السباحة فيها كالسباحة في غدير التمساح.\n\n<span data-type='title' id=toc-971>الفوائد:</span>\n١ - حكمة الله في ابتلاء الناس بتزيين حب الشهوات.\n٢ - أن عند الفتن يظهر الصادق من الكاذب.\n٣ - أن الدنيا دار ابتلاء.\n٤ - أنه لا يذم من أحب هذه الأمور على الوجه المشروع.\n٥ - تقديم الأشد فالأشد، ولهذا قدم فتنة النساء.\n٦ - عظم خطر فتنة البنين.\n٧ - وجوب الحذر من فتنة المال.\n٨ - أنه كلما كثر المال كلما ازدادت الفتنة.\n٩ - أن هذه الأشياء متاع في الدنيا زائل.\n١٠ - وجوب الاستعداد للآخرة لأنها هي الباقية.\n١١ - أن متاع قليل ناقص منغص بالآفات.\n١٢ - التزهيد في التعلق بهذه الأشياء.\n١٣ - أن ما عند الله خير من هذه الدنيا.","vol":"3","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-972>(قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).</span> [آل عمران: ١٥].\n<hr><s0>\n\n(قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ) أي: قل يا محمد للناس: أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها، الذي هو زائل لا محالة.\n• قال ابن عاشور: وافتتح الاستئناف بكلمة (قُلْ) للاهتمام بالمقول، والمخاطب بقل النبي -ﷺ- والاستفهام للعرض تشويقًا من نفوس المخاطبين إلى تلقي ما سيقص عليهم كقوله تعالى (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ).\n• قال الرازي: إنما قلنا: إن نعم الآخرة خير من نعم الدنيا، لأن نعم الدنيا مشوبة بالمضرة، ونعم الآخرة خالية عن شوب المضار بالكلية، وأيضًا فنعم الدنيا منقطعة لا محالة، ونعم الآخرة باقية لا محالة.\n(لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) أي: اتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\n(عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: عند خالقهم وسيدهم ومالكم.\n(جَنَّاتٌ) جمع جنة، الجنة في لغة العرب: البستان، لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه، وجاء إطلاق الجنة على البستان في القرآن في قوله (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) أي البستان، وفي قوله (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) وأما في الاصطلاح: فهي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\n(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي: تجري من تحت قصورها الأنهار، وليس المعنى أنها تجري من تحت أرضها، والجري هو سير الماء على الأرض، والأنهار جمع نهر وهو الماء الكثير، وهذه الأنهار تجري من غير أخدود كما قال بعض السلف.\n• وهذه الأنهار فصلها الله في هذه السورة كما سيأتي فقال (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً).\n• قال ابن القيم: وهذا يدل على أمور: أحدها: وجود الأنهار فيها. الثاني: أنها جارية لا واقفة. الثالثة: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا.","vol":"3","page":185},{"text":"• قوله تعالى (جنات) دليل على أن الجنات أنوع.\nكما قال تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) ثم قال تعالى (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ).\nوقال -ﷺ- (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما).\n• قال الشيخ ابن عثيمين: قوله تعالى (في جنات) أحيانًا تأتي مفردة كقوله تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ) وأحيانًا تأتي مجموعة، فإفرادها باعتبار الجنس، وجمعها باعتبار النوع، لأن الجنة، وقد ذكر الله في آخر سورة الرحمن أربعة أنواع (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) ثم قال (وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) والأوليان أشرف.\n(خَالِدِينَ فِيهَا) أي: مقيمين فيها إقامة أبدية لا تحول ولا تزول، فلا يموتون ولا يفنون ولا يخرجون منها\n• وذكر من نعيم الجنة الخلود، لأنه أعظم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غمًا.\nفالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي -ﷺ- يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك النعيم فتتكدر غبطتهم.\nوجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة.\nفقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).","vol":"3","page":186},{"text":"وقال -ﷺ- (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداُ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدًا) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت …) متفق عليه.\n(وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) أي: من الدَّنَس، والخَبَث، والأذى، والحيض، والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا.\n• قال السمرقندي: معناه في الخَلْق والخُلُق، فأما الخَلْقُ فإنهن لا يَحضنَ ولا يتمخَّطْن، ولا يأتين الخلاء، وأما الخُلُق، فإنهن لا يَغِرْن ولا يحسدن، ولا ينظرن إلى غير أزواجهن.\n(وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ) أي: يحل عليهم رضوانه، فلا يَسْخَط عليهم بعده أبدًا، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم.\n• قال تعالى في سورة براءة (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).\n• قال أبو حيان: بدأ أولًا بذكر المقر، وهو الجنات التي قال فيها (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ثم انتقل من ذكرها إلى ذكر ما يحصل به الأنس التامّ من الأزواج المطهرة، ثم انتقل من ذلك إلى ما هو أعظم الأشياء وهو رضا الله عنهم، فحصل بمجموع ذلك اللذة الجسمانية والفرح الروحاني، حيث علم برضا الله عنه، كما جاء في الحديث أنه تعالى (يسأل أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا).","vol":"3","page":187},{"text":"(وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: فهو بصير بهم بصر نظر، وبصر علم، أما بضر النظر فلا يغيب عن نظره شيء، وأما بصر العلم فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.\nوالبصير: اسم من أسماء الله متضمن لصفة البصر.\n• قال السعدي: الذي يُبصر كلَّ شيء وإن رقَّ وصغُر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السماوات السبع.\nقال ابن القيم:\nوهو البصيرُ يرى دبيبَ النملةِ الـ … سوداءِ تحت الصخرِ والصَّوَانِ\nويرى مجاري القوت في أعضائها … ويَرى عُروق بياضِها بعيانِ\nويرى خيانات العيون بِلْحظِها … ويرى كذلك تقلبَ الأجفانِ\n• وصفة البصر من صفات الكمال كصفة السمع، فالمتصف بها أكمل ممن لا يتصف بذلك، قال تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ).\nوقد أنكر إبراهيم على أبيه عندما عَبَد ما لا يبصر ولا يسمع (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا).\n• والله بصير بأحوال عباده خبير بها، بصير بمن يستحق الهداية منهم ممن لا يستحقها، بصير بمن يصلح حاله بالغنى والمال، وبمن يفسد حاله بذلك (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ).\n• وهو بصير بالعباد شهيد عليهم، الصالح منهم والطالح، المؤمن والكافر (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا).","vol":"3","page":188},{"text":"• ومن علم أن الله مطلع عليه استحى أن يراه على معصية أو فيما لا يحب، ومن علم أنه يراه أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها لربه وخشع، فقد جاء في حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي -ﷺ- عن الإحسان فقال -ﷺ- (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).\n\n<span data-type='title' id=toc-973>الفوائد:</span>\n١ - أن النبي -ﷺ- عبد يؤمر وينهى.\n٢ - فضل التقوى وما أعد الله للمتقين.\n٣ - أن من أسباب دخول الجنة تقوى الله كما قال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) ولما سئل النبي -ﷺ- عن أكثر ما يدخل الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق.\n٤ - من نعيم الجنة الأنهار التي تجري من تحت قصورها.\n٥ - فضيلة الأزواج في الجنة.\n٦ - أن من تمام نعيم هؤلاء رضوان الله عليهم.\n٧ - إثبات صفة الرضا لله تعالى إثباتًا يليق بجلاله.\n٨ - إحاطة الله بالعباد علمًا ورؤية.\n٩ - التحذير من مخالفة أوامر الله، لأن الله بصير لا يخفى عليه شيء.","vol":"3","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-974>(الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)</span> [آل عمران: ١٦ - ١٧].\n<hr><s0>\n\n(الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا) يصف تعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا) أي: بك وبكتابك وبرسولك.\nوالإيمان هنا يشمل النطق باللسان والاعتقاد بالجنان، لأن الله إذا أطلق القول بالإيمان ولم يتعقبه، كان المراد به القول باللسان، والعقد بالجنان.\n(فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك.\nوالمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله -ﷺ- قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه - ﷿ - حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم.\nومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام، ولهذا نقول مغفرة الذنوب: سترها عن الناس، والعفو عن عقوباتها.\n(وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أي: ادفع عنا عذاب النار، كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ\nإِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا).\n• قال الطبري: وإنما خصّوا المسألةَ بأن يقيهم عذاب النار، لأن من زُحزح يومئذ عن النار فقد فاز بالنجاة من عذاب الله وحسن مآبه.","vol":"3","page":190},{"text":"(الصَّابِرِينَ) أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات، وعلى أقدار الله المؤلمة.\nصبر على طاعة الله: فهو أن يجاهد نفسه على القيام بالطاعة وبالإخلاص بها وإحسانها.\nوالصبر عن المعصية: لا سيما مع قوة الداعي، فهذا يحتاج إلى صبر شديد، ولهذا قال -ﷺ- (سبعة يظلهم الله في ظله … ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله).\nومن ذلك صبر يوسف عندما دعته امرأة العزيز.\nومن ذلك الرجل الإسرائيلي الذي كان يراود ابنة عمه عن نفسها، .... فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته قالت له: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وهي أحب الناس إليه.\nواصبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا كثير، ومنه صبر أيوب، وصبر يوسف عندما ألقاه إخوته في الجب.\n• قال الرازي: الصفة الأولى: كونهم صابرين، والمراد كونهم صابرين في أداء الواجبات والمندوبات، وفي ترك المحظورات وكونهم صابرين في كل ما ينزل بهم من المحن والشدائد، وذلك بأن لا يجزعوا بل يكونوا راضين في قلوبهم عن الله تعالى، كما قال (الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون) قال سفيان بن عيينة في قوله (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ) إن هذه الآية تدل على أنهم إنما استحقوا تلك الدرجات العالية من الله تعالى بسبب الصبر.\nقال تعالى (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا).\nوقال تعالى (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا).\nوقال تعالى (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا).\nوقال تعالى (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ).\nوقال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ).\n(وَالصَّادِقِينَ) في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.","vol":"3","page":191},{"text":"• وقد قسم ابن القيم الصدق إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: صدق في الأقوال:\nومعناه: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها.\nوالثاني: صدق في الأعمال.\nومعناه: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد.\nوالثالث: صدق في الأحوال.\nومعناه: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص.\n• وقد أمر الله بالصدق:\nفقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) أي: كونوا مع الصادقين في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق وأعمالهم وأحوالهم لا تكون إلا صدقًا خالية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة.\n• وبين تعالى أنهم لو صدقوا لكان خيرا لهم:\nفقال تعالى (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ).\n• وعند الابتلاء يعرف الصادق من الكاذب:\nفقال تعالى (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ).\n• ولا ينفع يوم القيامة إلا الصدق:\nقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ).\n• والصديقة منزلة عالية.\nقال تعالى عن عيسى وأمه (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ).\nوقال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا).","vol":"3","page":192},{"text":"• وسبب للبركة.\nقال -ﷺ- (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما) متفق عليه.\nقال عمر بن الخطاب: عليك بالصدق وإن قتلك.\nوقال بشر بن الحارث: مَنْ عامل الله بالصدق استوحش من الناس.\nوقال جعفر بن محمد: الصدق هو المجاهدة، وأن لا تختار على الله غيره كما لم يختر عليك غيرك، فقال تعالى (هو اجتباكم).\nوقال أحمد بن حنبل: لو وضع الصدق على جرح لبرأ.\nوقال عمر بن عبد العزيز ﵀: ما كذبت مذ علمت أن الكذب يشين صاحبه.\nوقال الإمام الأوزاعي ﵀: والله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت.\nوقال ابن عباس صدق الله العظيم: أربع من كن فيه فقد ربح: الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر.\nوقال بعض العلماء: أجمع الفقهاء والعلماء على ثلاث خصال أنها إذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها إلا ببعض: الإسلام الخالص عن البدعة والهوى، والصدق لله في الأعمال، وطيب المطعم.\nوقال ابن القيم: الصادق مطلوبه رضى ربه، وتنفيذ أوامره وتتبع محابه فهو متقلب فيها يسير معها أينما توجهت ركائبها، ويستقل معها أينما استقلت مضاربها فبينا هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو ثم في حج ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع المنافع.\nقال ابن تيمية: الصديقية كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهرًا وباطنًا.\nقال ابن القيم: فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل وأنه لا شيء وأنه ممن لم يصح له الإسلام بعد، حتى يدعى الشرف فيه.\nوقال: فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال والصدق في الأعمال استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد، والصدق في الأحوال استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغ الوسع وبذل الطاقة، فبذلك يكون العبد من الذين جاؤوا بالصدق، وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامه بها تكون صد يقيته.\nوقال: كل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب.\nوقال: أصل أعمال القلوب كلها: الصدق.\nوقال: والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه، ويثيب الصادق بأن يوقفه للقيام بمصالح دنياه وآخرته، فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا مفاسدهما ومضارهما بمثل الكذب، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).","vol":"3","page":193},{"text":"وقال: حمل الصدق كحمل الجبال الرواسي لا يطيقه إلا أصحاب العزائم.\nوقال: فإن العبد الصادق لا يرى نفسه إلا مقصرًا والموجب له لهذه الرؤية: استعظام مطلوبه واستصغار نفسه ومعرفته بعيوبها، وقلة زاده في عينه، فمن عرف الله وعرف نفسه، لم يرَ نفسه إلا بعين النقصان.\nقال: ومن علامة الصادق: أنه لا يحب أن يعيش إلا ليشبع من رضا محبوبه ويستكثر من الأسباب التي تقربه إليه وتدنيه منه، لا لعلة من\nعلل الدنيا ولا لشهوة من شهواتها، كما قال عمر بن الخطاب: لولا ثلاث لما أحببت البقاء في الدنيا لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله، ومكابدة الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما يُنتقى أطايب الثمر.\nوقال: ومن علامات الصادقين: التحبب إلى الله بالنوافل والإخلاص في نصيحة الأمة، والأنس بالخلوة والصبر على مقاساة الأحكام، والإيثار لأمر الله، والحياء من نظره، والتعرض لكل سبب يوصل إليه والقناعة بالخمول، وأن يكون نومه غلبه، وأكله فاقه وكلامه ضرورة، وإذا سمع شيئًا من علوم القوم فعمل به: صار حكمة في قلبه إلى آخر عمره ينتفع به، وإذا تكلم انتفع به من سمعه.\nوقال: ولذلك كان لأبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه ذروة سنام الصديقية، سمي (الصديق) على الإطلاق والصديق أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق؛ فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل.","vol":"3","page":194},{"text":"<span data-type='title' id=toc-975>علامات الصادق:</span>\n<span data-type='title' id=toc-976>أولًا: طمأنينة القلب واستقراره:</span>\nإن الصدق في جميع الأحوال باطنها وظاهرها يورث الطمأنينة والسكينة في القلب، وينفي عنه التردد والريبة والاضطراب التي لا توجد إلا في حالات الشك وضعف الصدق أو عدمه، يقول -ﷺ- (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة).\n\n<span data-type='title' id=toc-977>ثانيًا: الزهد في الدنيا والتأهب للقاء الله ﷿.</span>\nفالصادق مع الله ﷿ لا تراه إلا متأهبًا للقاء ربه، مستعدًا لذلك بالأعمال الصالحة، والقيام بأوامر الله ﷿ والانتهاء عن نواهيه، يريد بذلك وجه الله ﷿ متبعًا في ذلك رسوله -ﷺ-.\n\n<span data-type='title' id=toc-978>ثالثًا: سلامة القلب.</span>\nإن من علامة الصدق سلامة القلب، وخلوه من الغش والحقد والحسد للمسلمين، فالعبد المؤمن الصادق في إيمانه لا يحمل في قلبه غلًا للمؤمنين ولا شرًا، بل إن حب الخير والنصح للمسلمين هو طبعه وعادته.\n\n<span data-type='title' id=toc-979>رابعًا: حفظ الوقت وتدارك العمر.</span>\nإن الصادق في إيمانه لا تجده إلا محافظًا على وقته شحيحًا به، لا ينفقه إلا فيما يرجو نفعه في الآخرة، ينظر إلى العمر كله كأنه ساعة من نهار وإلى الدنيا كأنها ظل شجرة نزل تحتها، ثم قام وتركها، فبادر بالأعمار الصالحة فراغه وصحته، وشبابه، وحياته، وابتعد عن كل آفة تقطع عليه طريقه، وتضيع عليه وقته، وتبدد عليه عمره القصير بما لا ينفع.","vol":"3","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-980>خامسًا: الزهد في ثناء الناس ومدحهم بل وكراهة ذلك:</span>\nويتبع ذلك الزهد فيما عند الناس، والقناعة بما كتب الله ﷿، وهذه الصفة إذا وجدت فهي علامة على الصدق والإخلاص، وهي تنبع أصلًا من صحة المعتقد، وكمال التوحيد لله ﷿، وحول هذه الصفة والوصول إليها يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار.\n\n<span data-type='title' id=toc-981>سادسًا: إخفاء الأعمال الصالحة وكراهة الظهور:</span>\nإن من علامة صدق العبد فيما يعمله لله ﷿ حرصه على إخفاء عمله وكراهة اطلاع الناس عليه، كما أن كراهة الشهرة والظهور علامة من علامات الصدق الذي يبعد صاحبه عن الرياء والسمعة والتصنع للخلق، فكلما كان العبد صادقًا مع ربه ﷿ كلما كان حريصًا على إخفاء أعماله حيث لا يطلع عليها إلا الله ﷿.\nقال الحسن: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور وما يشعرون به.\n\n<span data-type='title' id=toc-982>سابعًا: الشعور بالتقصير والانشغال بإصلاح النفس ونقدها أكثر من الآخرين.</span>\n<span data-type='title' id=toc-983>ثامنًا: الاهتمام بأمر هذا الدين والجهاد في سبيل الله ﷿.</span>\nإن الصدق في محبة الله ﷿ ومحبة دينه تقتضي أن يكون أمر هذا الدين هو شغل المؤمن الشاغل، حيث لا يقر له قرار، ولا يهدأ له\nبال وهو يرى دين الله ﷿ ينتهك ويقصى من الحياة، وبالتالي يرى الفساد المستطير يدب في أديان الناس ودمائهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم.\nإن المؤمن الصادق لا يقدّم على هذا الهم الأكبر أي اهتمام من أمور الدنيا الفانية.\n[كتاب وقفات مع آيات للشيخ الجليل حفظه الله].","vol":"3","page":196},{"text":"(وَالْقَانِتِينَ) المراد بالقنوت هنا: دوام الطاعة مع الخشوع والخضوع لله تعالى، بحيث يكون الإنسان مديمًا لطاعة الله مقبلًا على الله تعالى في طاعته.\n(وَالْمُنْفِقِينَ) أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخَلات، ومواساة ذوي الحاجات.\n(وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار.\nوالاستغفار مندوبٌ إليه، وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين في هذه الآية وغيرها فقال (وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).\n• قال القرطبي: وخص السّحَر بالذكر لأنه مظانّ القبول ووقت إجابة الدعاء.\nعن أبي هريرة عن النبيّ -ﷺ- قال (ينزِل الله ﷿ إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأوّل فيقول أنا المِلك أنا المِلك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفِر له فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-984>فهم يستغفرون في هذا الوقت:</span>\n<span data-type='title' id=toc-985>أولًا: لأنه وقت النزول الإلهي.</span>\n<span data-type='title' id=toc-986>ثانيًا: لأن المشروع للمسلم بعد العبادة أن يستغفر الله.</span>\nقال ابن القيم: أرباب البصائر أشد ما يكونون استغفارًا عقيب الطاعات؟ لشهودهم تقصيرهم فيها، وترْك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه.\nولهذا يشرع بعد العبادات الاستغفار.\nأمر الله وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات وهو أجل المواقف وأفضلها، فقال (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).\nوقال تعالى (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ).\nوفي الصحيح (أن النبي -ﷺ- كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثًا …).\nوأمره بالاستغفار بعد أداء الرسالة، واقتراب أجله، فقال في آخر سورة أنزلت عليه (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا).","vol":"3","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-987>ثالثًا: ولعل من الحِكم: دفع العجب ورؤية النفس.</span>\n• قال السعدي: ينبغي للعبد، كلما فرغ من عبادة، أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومن بها على ربه، وجعلت له محلا ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت، ورد الفعل، كما أن الأول، حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر.\n• قال أبو السعود: أي هم مع قلة نومهم وكثرة تهجدهم يداومون على الاستغفار بالأسحار كأنهم أسلفوا ليلهم باقتراف الجرائم.\n\n<span data-type='title' id=toc-988>الفوائد:</span>\n١ - من صفات المتقين إعلانهم الإيمان بالله تعالى.\n٢ - أن من صفات المتقين عدم الإعجاب بالنفس، وأنهم يرون أنهم مقصرون.\n٣ - أن التقوى لا تعصم العبد من الذنوب، لكن المتقي يبادر بالتوبة.\n٤ - جواز التوسل بالإيمان.\n٥ - سؤال الله الوقاية من النار.\n٦ - إثبات عذاب النار.\n٧ - فضيلة هذه الصفات: وهي الصبر والصدق والقنوت والإنفاق.\n٨ - أن الصبر أفضل الصفات. [١٦/ ٥/ ١٤٣٣ هـ].","vol":"3","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-989>(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨»</span> [آل عمران: ١٨].\n<hr><s0>\n\n(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) شهد تعالى -وكفى به شهيدًا - وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين (أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ) أي: المتفَرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا).\n• قال ابن القيم: شهد الله لنفسه بهذا التوحيد وشهد له به ملائكته وأنبياؤه ورسله قال (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام).\nفتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد، والرد على جميع هذه الطوائف، والشهادة يبطلان أقوالهم ومذاهبهم، وهذا إنما يتبين بعد فهم الآية ببيان ما تضمنته من المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية.\nفتضمنت هذه الآية أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به.\nوعبارات السلف في شهد تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار.\nقال مجاهد حكم وقضى.\nوقال الزجاج: بيّن.\nوقالت طائفة أعلم وأخبر.\nوهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه.\n• وقال ابن تيمية: وَشَهَادَةُ الرَّبِّ وَبَيَانُهُ وَإِعْلَامُهُ يَكُونُ بِقَوْلِهِ تَارَةً وَبِفِعْلِهِ تَارَةً. فَالْقَوْلُ هُوَ مَا أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَأَوْحَاهُ إلَى عِبَادِه، كَمَا قَالَ (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ.","vol":"3","page":199},{"text":"وَأَمَّا شَهَادَتُهُ بِفِعْلِهِ فَهُوَ مَا نَصَبَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ الَّتِي تُعْلَمُ دَلَالَتُهَا بِالْعَقْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خَبَرٌ عَنْ اللَّه.\n• وقال السعدي: هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له، وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم، أما شهادته تعالى فيما أقامه من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، فنوع الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه ما قام أحد بتوحيده إلا ونصره على المشرك الجاحد المنكر للتوحيد، وكذلك إنعامه العظيم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، والخلق كلهم عاجزون عن المنافع والمضار لأنفسهم ولغيرهم، ففي هذا برهان قاطع على وجوب التوحيد وبطلان الشرك.\n(وَالْمَلائِكَةُ) معطوفة على اسم الجلالة (الله) أي: وشهدت الملائكة أنه لا إله إلا هو.\n(وَأُولُو الْعِلْمِ) أي: أن أصحاب العلم - الذين رزقهم الله العلم - يشهدون أيضًا بأنه لا إله إلا هو.\nيشهدون بأقوالهم وبدعوتهم وبأعمالهم.\n• وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام.\n• قال ابن القيم: وقد فسرت شهادة أولي العلم بالإقرار وفسرت بالتبيين والإظهار.\nوالصحيح أنها تتضمن الأمرين فشهادتهم إقرار وإظهار وإعلام وهم شهداء الله على الناس يوم القيامة قال الله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً\nوَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).\nوقال تعالى (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) فأخبر أنه جعلهم عدولًا خيارًا ونوه بذكرهم قبل أن يوجدهم لما سبق في علمه من اتخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة فمن لم يقم بهذه الشهادة علمًا وعملًا ومعرفة وإقرارًا ودعوة وتعليمًا وإرشادًا فليس من شهداء الله والله المستعان.","vol":"3","page":200},{"text":"• وقال السعدي: وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم المرجع في جميع الأمور الدينية، خصوصًا في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه، فوجب على الخلق التزام هذا الأمر المشهود عليه والعمل به، وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد، لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم.\n• قال القرطبي: في هذه الآَية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم؛ فإنه لو كان أحدٌ أشرفَ من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء.\nوقال في شرف العلم لنبيه -ﷺ- (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه -ﷺ- أن يسأله المزيد منه كما أمر يستزيده من العلم.\nوقال -ﷺ- (إنّ العلماء ورثة الأنبياء) وقال (العلماء أُمَنَاء الله على خلقه) وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحلُّ لهم في الدّين خطير.\nوقال ابن القيم: استشهد سبحانه بأولى العلم على أجل مشهود عليه وهو توحيده فقال (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه:\nأحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر.\nوالثاني: اقتران شهادتهم بشهادته.\nوالثالث: اقترانها بشهادة ملائكته.\nوالرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول، ومنه الأثر المعروف عن النبي -ﷺ- (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين).\nالخامس: أنه وصفهم بكونهم أولى العلم، وهذا يدل على اختصاصهم به وأنهم أهله وأصحابه ليس بمستعار لهم.\nالسادس: أنه سبحانه استشهد بنفسه وهو أجل شاهد ثم بخيار خلقه وهم ملائكته والعلماء من عباده ويكفيهم بهذا فضلًا وشرفًا.\nالسابع: أنه استشهد بهم على أجل مشهود به وأعظمه وأكبره، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العظيم أكابر الخلق وساداتهم.\nالثامن: أنه سبحانه جعل شهادتهم حجة على المنكرين فهم بمنزلة أدلته وآياته وبراهنيه الدالة على توحيده.\nالتاسع: أنه سبحانه أفرد الفعل المتضمن لهذه الشهادة الصادرة منه ومن ملائكته ومنهم ولم يعطف شهادتهم بفعل آخر غير شهادته، وهذا يدل على شدة ارتباط شهادتهم بشهادته، فكأنه سبحانه شهد لنفسه بالتوحيد على ألسنتهم وأنطقهم بهذه الشهادة فكان هو الشاهد بها لنفسه إقامة وإنطاقًا وتعليمًا وهم الشاهدون بها له إقرارًا واعترافًا وتصديقًا وإيمانًا.","vol":"3","page":201},{"text":"العاشر: أنه سبحانه جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بهذه الشهادة، فإذا أدوها فقد أدوا الحق المشهود به فثبت الحق المشهود به فوجب على الخلق الإقرار به، وكان ذلك غاية سعادتهم في معاشهم ومعادهم وكل من ناله الهدى بشهادتهم وأقر بهذا الحق بسبب شهادتهم فلهم من الأجر مثل أجره، وهذا فضل عظيم لا يدري قدره إلا الله وكذلك كل من شهد بها عن شهادتهم فلهم من الأجر مثل أجره أيضًا فهذه عشرة أوجه في هذه الآية.\n(قَائِمًا بِالْقِسْطِ) (قائمًا) حال من لفظ الجلالة، أي: حال كونه قائمًا بالقسط، أي: بالعدل.\nفالله تعالى عدل في أحكامه وأفعاله.\nأي: شهد الشهادة حال قيامه بالقسط، ويحتمل أنه يتصل بما بعد إلا، أي: الشهادة واقعة على الشهادة وعلى قيامه بالقسط\n(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) قيل: تأكيد لما سبق، ولم يذكر ابن كثير إلا هذا القول.\nوقيل: إن الجملة الأولى وصف له ﵎ بالتوحيد، وهذه الجملة الثانية: تعليم منه تعالى لعباده أن يقولوا هذه الجملة.\n(والقاعدة أن التأسيس مقدم على التوكيد).\n(الْعَزِيزُ) الذي له العزة الكاملة. (وقد تقدم الكلام على هذا الاسم).\n(الْحَكِيمُ) اسم من أسماء الله، متضمن للحكمة الكاملة البالغة اسم من أسماء الله متضمن لصفة الحكمة البالغة.\nقال ابن جرير: هو الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.\nوقال ابن كثير: الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالها بحكمته وعدله.\nقال ابن القيم: وقد دلت العقول الصحيحة والفطر السليمة على ما دل عليه القرآن والسنة: أنه سبحانه (حكيم) لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة، لأجلها فعل كما فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل.","vol":"3","page":202},{"text":"وقال السعدي: فالله لا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يشرع سدى، الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام الثلاثة لا يشاركه فيها مشارك، فيحكم بين عباده في شرعه، وفي قدره، وجزائه.\nاسم من أسماء الله متضمن لصفة الحكمة البالغة، فأوامره وأحكامه وأفعاله كلها لحكمة.\nفهو سبحانه حكيم في صنعه، وحكيم في شرعه، فجميع مصنوعاته كلها محكمة، قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ). وأما في الشرع فيقول سبحانه (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) فلا يمكن أن يوجد تناقض في القرآن أبدًا.\nقال بعض العلماء: الحكمة تكون في صورة الشيء: أي أن خلق الإنسان على هذه الصورة لحكمة، وكذلك خلق الحيوان على هذه الصورة لحكمة.\nوتكون في غايته: أي: أن الغاية من خلق الإنسان لحكمة، وكذلك الحيوانات، وكذلك جميع المخلوقات، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا).\n\n•<span data-type='title' id=toc-990> الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:</span>\nأولًا: أن الله خلق الخلق لحكمة عظيمة، وغاية جليلة وهي عبادته سبحانه حيث قال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ولم يخلقهم عبثًا وباطلًا كما يظن الكفار والملاحدة، قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ). وقال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ).\nثانيًا: أن خلق اله محكم لا خلل فيه ولا قصور، قال تعالى (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ).","vol":"3","page":203},{"text":"ونستفيد من معرفتنا أن الله حكيم في كل أفعاله: اقتناع الإنسان بما يجري عليه وما يوجبه الله عليه، لأن ما يجريه الله -﷿- من الأحكام مقرون بالحكمة، فإذا علمت هذا يقينيًا اقتنعت سواء كان هذا من الأحكام الكونية أو الأحكام الشرعية، حتى المصائب التي تنال العباد لاشك أن لها حكمة.\n• قال ابن تيمية: وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ثَلَاثَةَ أُصُولٍ: شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ قَائِمٌ بِالْقِسْطِ وَأَنَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ؛ فَتَضَمَّنَتْ وَحْدَانِيَّتَهُ الْمُنَافِيَةَ لِلشِّرْكِ وَتَضَمَّنَتْ عَدْلَهُ الْمُنَافِيَ لِلظُّلْمِ وَتَضَمَّنَتْ عِزَّتَهُ وَحِكْمَتَهُ الْمُنَافِيَةَ لِلذُّلِّ وَالسَّفَهِ وَتَضَمَّنَتْ تَنْزِيهَهُ عَنْ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالسَّفَهِ فَفِيهَا إثْبَاتُ التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتُ الْعَدْلِ وَإِثْبَاتُ الْحِكْمَةِ وَإِثْبَاتُ الْقُدْرَة.\n\n<span data-type='title' id=toc-991>الفوائد:</span>\n١ - بيان فضل التوحيد.\n٢ - فضيلة الملائكة.\n٣ - فضيلة العلم وأهله.\n٤ - وصف الله بتمام العدل.\n٥ - انفراد الله بالألوهية.\n٦ - إثبات العزة والحكمة لله تعالى.","vol":"3","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-992>(إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠».</span> [آل عمران: ١٩ - ٢٠].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإسْلامُ) قال ابن عاشور: قرأ جمهور القراء (إِنَّ الدِّينَ) بكسر همزة إن فهو استئناف ابتدائي لبيان فضيلة هذا الدين بأجمع عبارة وأوجزها.\n• قال ابن كثير: هذا إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد -ﷺ-، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد -ﷺ-، فمن لقي الله بعد بعثته محمدًا -ﷺ- بدِين على غير شريعته، فليس بمتقبل.\nكما قال تعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).\nوقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-993> الإسلام دين جميع الرسل:</span>\nفنوح يقول لقومه (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ).\nوالإسلام هو الدين الذي أمر الله به أبا الأنبياء إبراهيم (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ويوصي كل من إبراهيم ويعقوب أبناءه قائلًا (فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).\nوأبناء يعقوب يجيبون أباهم (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).\nوموسى يقول لقومه (يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ).\nوالحواريون يقولون لعيسى (آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).\nويوسف قال (توفني مسلمًا …).","vol":"3","page":205},{"text":"وسليمان -﵇- قال (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِين).\nوملكة سبأ (قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-994> الإسلام في الكتاب والسنة له إطلاقان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-995>الإطلاق الأول: الإسلام العام.</span>\nقال تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا).\nوقال تعالى عن يوسف (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).\nفالمقصود بالإسلام هنا الإسلام العام الذي يفسر بأنه: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.\n\n<span data-type='title' id=toc-996>الإطلاق الثاني: الإسلام الخاص.</span>\nوهو الذي بعث به محمد -ﷺ-، وهو الذي إذا أطلق لم يقصد إلا هو على وجه الخصوص.\nومعناه: استسلام الظاهر والبطن لله، تعبدًا له بالشرع المنزل على محمد -ﷺ- على مقام المشاهدة أو المراقبة.\n• قال القرطبي: والأصل في مسمى الإيمان والإسلام التَّغَايُر؛ لحديث جبريل، وقد يكون بمعنى المَرادَفَة، فيسمى كل واحد منهما باسم الآخر؛ كما في حديث وفد عبد القيس وأنه أمرهم بالإيمان (بالله) وحده قال: \"هل تدرون ما الإيمان\" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسًا من المغنم\". الحديث.\nوكذلك قوله -ﷺ- (الإيمان بضع وسبعون بابا فأدناها إماطة الأذى وأرفعها قول لا إله إلا الله). أخرجه الترمذي وزاد مسلم (والحياء شعبة من الإيمان).","vol":"3","page":206},{"text":"(وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة، بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم.\n(بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بُغْض البَعْض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقًا.\n(وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ) تقدم شرحها في أول السورة.\n(فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) يحتمل معنيان:\nيحتمل أن يوم الأخر - الذي يقع فيه الحساب - قريب أن مجيئه قريب وسريع، وكل ما هو آت قريب والله أخبر عن أمر الساعة أنه كلمح البصر أو هو أقرب.\nويحتمل - وهو المتبادر -: أن ذلك الحساب لا يطول لكثرة الخلق الذين يحاسبهم، بخلاف حال المخلوقين فإنهم إذا كثر ذلك عليهم فإن ذلك يقتضي طول الوقت الذي تستغرقه تلك المحاسبة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-997> في الآية إثبات الحساب:</span>\no &lt;  رمز&gt;تعريف الحساب:\nلغة: العدد.\nوشرعًا: اطلاع الله عباده على أعمالهم، وتقريرهم عليها.\no  وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.\nقال تعالى (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).\nوقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا).\nوأما من السنة:\nفقد كان النبي -ﷺ- يقول في بعض صلاته: (… اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا) فقالت عائشة: (ما الحساب اليسير؟ قال: (أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه). رواه أحمد، وقال الألباني: إسناده جيد.","vol":"3","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-998>وأجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة.</span>\no &lt;  رمز&gt;يستثنى من الذين لا يحاسبون من يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.\nكما جاء في الصحيحين. أن النبي -ﷺ- قال (عرضت عليّ الأمم … الحديث وفيه: ورأيت أمتي ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون).\no &lt;  رمز&gt; يشمل الحساب حتى الجن.\nلأنهم مكلفون مأمورون كالإنس.\nولذلك الجني الكافر يدخل النار بالاتفاق.\nكما قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ …).\nوقال تعالى (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ).\nويدخل مؤمنهم الجنة كما هو مذهب أكثر العلماء:\nلعموم قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا).\nولقوله تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ).\nولقوله تعالى (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ).","vol":"3","page":208},{"text":"o &lt;  رمز&gt;صفة حساب المؤمن:\nيخلو به ربه ويقرره بذنوبه، ثم يسترها ويغفرها.\nعن ابن عمر -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول (يُدنَى المؤمن يوم القيامة من ربه ﷿، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب! أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم). متفق عليه\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: ومع ذلك، فإنه سبحانه يضع عليه ستره، بحيث لا يراه أحد، ولا يسمعه أحد، وهذا من فضل الله على المؤمن، فإن الإنسان إذا قررك بجنايتك أمام الناس وإن سمح عنك، ففيه شيء من الفضيحة، لكن إذا كان ذلك وحدك، فإن ذلك ستر منه عليك.\no &lt;  رمز&gt;وأما الكفار فيحاسبون حساب تقريع وتوبيخ، وليس محاسبة حسنات وسيئات.\nكما في حديث ابن عمر السابق وفيه (… وأما الكفار والمنافقون فيُنادَى بهم على رؤوس الخلائق، هؤلاء الذين كذبوا على الله).\no &lt;  رمز&gt;وهو عسير عليهم.\nكما قال تعالى (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا).\nوقال تعالى (مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ).\nوإنما كان الحساب شديدًا، لأنه لا يدع شاردة ولا واردة إلا أتى بها (أحصاه الله ونسوه).\no &lt;  رمز&gt; وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله: الصلاة.\nلحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله). رواه الترمذي\no &lt;  رمز&gt;وأول ما يقضى فيه بين الناس في الدماء.\nلقوله -ﷺ-: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء). متفق عليه من حديث ابن مسعود.","vol":"3","page":209},{"text":"o &lt;  رمز&gt;يُسأل العبد عن كل شيء، ومن أهم الأمور التي يُسأل عنها:\n\n<span data-type='title' id=toc-999>أولًا: الكفر والشرك.</span>\nكما قال تعالى (وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1000>ثانيًا: ما عمله في الدنيا.</span>\nكما قال تعالى (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\nوعن أبي برزة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه) رواه الترمذي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1001>ثالثًا: النعيم الذي يتمتع به.</span>\nقال تعالى (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (سورة التكاثر: ٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-1002>رابعًا: العهود والمواثيق.</span>\nكما قال تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1003>خامسًا: السمع والبصر والفؤاد.</span>\nكما قال تعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا).","vol":"3","page":210},{"text":"o<span data-type='title' id=toc-1004>  قواعد عامة في الحساب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1005>أولًا: العدل التام في الحساب.</span>\nقال تعالى (إن الله لا يظلم مثقال ذرة).\nوقال تعالى (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا).\nفتيلًا: هو الخيط الذي يكون في شق النواة. … نقيرًا: النقير النقرة الصغيرة التي تكون في ظهر النواة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1006>ثانيًا: لا يؤاخذ أحد بجريرة أحد.</span>\nقال تعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).\nوقال تعالى (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).\nأي لتؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقِبة بإثمها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1007>ثالثًا: الله سريع الحساب.</span>\no &lt;  رمز&gt;البهائم لا حساب عليها حساب حسنات وسيئات وإنما يجري بينها القصاص.\nعن أبي هريرة. أن رسول الله -ﷺ- قال (لتؤدن الحقوقَ إلى أهلها حتى يقادَ للشاةِ الجَلْحَاء من الشاة القرناء) متفق عليه. … الجلحاء: بفتح الجيم وسكون اللام وهي التي لا قرن لها.\nالحكمة: ليظهر عدل الله حتى في البهائم.\n(فَإِنْ حَاجُّوكَ) أي: جادلوك.\n(فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ) أي انقدت لله وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي، وإنما خص الوجه لأنه أكرم الجوارح من الإنسان وفيه بهاؤه، فإذا خضع وجهه للشيء خضع له جميع جوارحه، وقال الفراء: معناه أخلصت عملي لله.\n• قال الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن حاجَّك: يا محمد، النفرُ من نصارى أهل نجران في أمر عيسى صلوات الله عليه، فخاصموك فيه بالباطل، فقل: انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع جوارحي. وإنما خَصّ جل ذكره بأمره بأن يقول: \"أسلمت وجهي لله\"، لأن الوجه أكرمُ جوارح ابن آدم عليه، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه.\n• قال الماوردي: فإن قيل: في أمره تعالى عند حِجَاجِهمْ بأن يقول: (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ) عدول عن جوابهم وتسليم لحِجَاجِهم، فعنه جوابان:\nأحدهما: ليس يقتضي أمره بهذا القول النهي عن جوابهم والتسليم بحِجَاجِهم، وإنما أمره أن يخبرهم بما يقتضيه معتقده، ثم هو في الجواب لهم والاحْتِجَاج على ما يقتضيه السؤال.\nوالثاني: أنهم ما حاجُّوه طلبًا للحق فيلزمه جوابهم، وإنما حاجُّوه إظهارًا للعناد، فجاز له الإِعراض عنهم بما أمره أن يقول لهم.\n(وَمَنِ اتَّبَعَنِ) أي: ومن اتبعه كذلك، قد وافقوه على هذا الإذعان الخالص.\n(وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ) أمر من الله للنبي -ﷺ- أن يقول لهم.","vol":"3","page":211},{"text":"• قال الفخر: إنما وصف مشركي العرب بأنهم أميون لوجهين:\nالأول: أنهم لما لم يدعوا الكتاب الإلهي وصفوا بأنهم أُميون تشبيهًا بمن لا يقرأ ولا يكتب\nوالثاني: أن يكون المراد أنهم ليسوا من أهل القراءة والكتابة فهذه كانت صفة عامتهم وإن كان فيهم من يكتب فنادر من بينهم والله أعلم.\n(أَأَسْلَمْتُمْ) قال البغوي: (أَأَسْلَمْتُمْ) لفظه استفهام ومعناه أمر، أي أسلموا كما قال (فهل أنتم منتهون) أي انتهوا.\n• وقال القرطبي: (أَأَسْلَمْتُمْ) استفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر، أي أسلموا؛ كذا قال الطبري وغيره.\n• وقال الزجاج: (أَأَسلمتم) تهديد، وهذا حسن، لأن المعنى أَأَسلمتم أم لا.\n(فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا) وذلك لأن هذا الإسلام تمسك بما هدي إليه، والمتمسك بهداية الله تعالى يكون مهتديًا، ويحتمل أن يريد: فقد اهتدوا للفوز والنجاة في الآخرة إن ثبتوا عليه.\n(وَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الإسلام واتباع محمد -ﷺ-.\n(فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ) أي: والله عليه حسابهم، وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجة البالغة.\nقال الرازي: والغرض منه تسلية الرسول -ﷺ- وتعريفه أن الذي عليه ليس إلا إبلاغ الأدلة وإظهار الحجة فإذا بلغ ما جاء به فقد أدى ما عليه، وليس عليه قبولهم.","vol":"3","page":212},{"text":"• في الآية أن الرسول ليس عليه إلا البلاغ، وأما الهداية فهي بيد الله.\nقال تعالى (… فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ).\nوقال تعالى (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ).\nوقال تعالى (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).\nوقال تعالى (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ).\nوقال تعالى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ).\nوقال تعالى (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ).\nوقال تعالى (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ).\n(وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) وما ذاك إلا لحكمته ورحمته.\n• قال ابن كثير: وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته -ﷺ- إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث، فمن ذلك:\nقوله تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا).\nوقال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).\nوفي الصحيحين وغيرهما، مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة، أنه بعث كتبه -ﷺ- يدعو إلى الله ملوك الآفاق، وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم، كتابِيِّهم وأمِّيِّهم، امتثالا لأمر الله له بذلك.","vol":"3","page":213},{"text":"عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- أنه قال (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ يَهُوديّ وَلا نَصْرَانِي، ومَاتَ وَلمَ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أرْسلتُ بِهِ، إلا كان مِنْ أَهْلِ النَّارِ) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (بُعِثْتُ إلَى الأحْمَرِ والأسْودِ).\nوقال (كَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِه خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1008>الفوائد:</span>\n١ - أن الدين المقبول عند الله هو الإسلام.\n٢ - أن كل دين يخالف الإسلام في كل زمان فهو باطل.\n٣ - بطلان دين اليهودية والنصرانية.\n٤ - أن اختلاف اليهود والنصارى كان عن علم.\n٥ - أن البغي هو سبب الاختلاف عند هؤلاء.\n٦ - الإشارة إلى الحذر مما وقع فيه أهل الكتاب من البغي.\n٧ - التحذير من الكفر بآيات الله.\n٨ - إثبات الحساب.\n٩ - إثبات سرعة الحساب.\n١٠ - قدرة الله تعالى العظيمة.\n١١ - مجادلة أهل الباطل عن باطلهم.\n١٢ - وجوب إخلاص العبادة لله تعالى.\n١٣ - أن أتّباع الرسول يحذون حذوه في إسلامهم لله تعالى.\n١٤ - أن الوجه أشرف الأعضاء.\n١٥ - وجوب الاستسلام لأمر الله.\n١٦ - أن من لم يسلم فهو ضال.\n١٧ - التحذير من الإعراض.\n١٨ - عموم علم الله تعالى.","vol":"3","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1009>(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).</span> [آل عمران: ٢١ - ٢٢].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ) تقدم شرحها.\n(وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) أي: ويقتلون أنبياء الله بغير سبب ولا جريمة، وهم اليهود.\n• قوله تعالى (بغيرِ حق) هذه صفة كاشفة وليست مقيدة.\n• قال ابن عاشور: والمقصود من هذه الحال زيادة تشويه فعلهم.\n(وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) أي: ويقتلون الدعاة إلى الله الذين يأمرون بالخير والعدل.\n• قال ابن عطية: والآية توبيخ للمعاصرين لرسول الله -ﷺ- بمساوئ أسلافهم وببقائهم أنفسهم على فعل ما أمكنهم من تلك المساوئ لأنهم كانوا حريصين على قتل محمد -ﷺ-.\n• قال الرازي: سؤال إذا كان قوله (إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله) في حكم المستقبل، لأنه وعيد لمن كان في زمن الرسول -﵇- ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط فكيف يصح ذلك؟\nفالجواب من وجهين:\nالأول: أن هذه الطريقة لما كانت طريقة أسلافهم صحت هذه الإضافة إليهم، إذ كانوا مصوبين وبطريقتهم راضين، فإن صنع الأب قد يضاف إلى الابن إذا كان راضيًا به وجاريًا على طريقته.\nالثاني: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله -ﷺ- وقتل والمؤمنين إلا أنه تعالى عصمه منهم، فلما كانوا في غاية الرغبة في ذلك صح إطلاق هذا الاسم عليهم على سبيل المجاز، كما يقال: النار محرقة، والسم قاتل، أي ذلك من شأنهما إذا وجد القابل، فكذا ههنا لا يصح أن\nيكون إلا كذلك.","vol":"3","page":215},{"text":"(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أي: أخبرهم بعذاب أليم موجع.\n• قوله (فبشرهم) الأغلب في البشارة إطلاقها على الإِخبار بالخير، وقد تستعمل في الإِخبار بالشّر كما استعملت في هذا الموضع وفي تسميتها بذلك وجهان:\nأحدهما: لأنها تغير بَشْرَةَ الوجه بالسرور في الخير، وبالغم في الشر.\nوالثاني: تكون تهكمًا بهم كقوله تعالى (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ).\n• قال ابن عاشور: وحقيقة التبشير: الإخبار بما يظهر سرور المخبر بفتح الباء وهو هنا مستعمل في ضد حقيقته، إذ أريد به الإخبار بحصول العذاب، وهو موجب لحزن المخبرين، فهذا الاستعمال في الضد معدود عند علماء البيان من الاستعارة، ويسمونها تهكمية لأن تشبيه الضد بضده لا يروج في عقل أحد إلا على معنى التهكم، أو التمليح.\n(أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي: بطلت أعمالهم التي عملوها من البر والحسنات، ولم يبق لها أثر في الدين.\nقال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).\nوقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين).\nفالموت على الكفر محبط للعمل كما قال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).\n• قال الطبري: … فأما في الدنيا، فلم ينالوا بها محمدةً ولا ثناء من الناس، لأنهم كانوا على ضلال وباطل، ولم يرفع الله لهم بها ذكرًا، بل لعنهم وهتك أستارهم، وأبدى ما كانوا يخفون من قبائح أعمالهم على ألسن أنبيائه ورسله في كتبه التي أنزلها عليهم، فأبقى لهم ما بقيت الدنيا مذمَّةً، فذلك حبوطها في الدنيا. وأما في الآخرة، فإنه أعدّ لهم فيها من العقاب ما وصف في كتابه، وأعلم عباده أن أعمالهم تصير بُورًا لا ثوابَ لها، لأنها كانت كفرًا بالله، فجزاءُ أهلها الخلودُ في الجحيم.","vol":"3","page":216},{"text":"• وقال الرازي: … أما الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن، ويدخل فيه ما ينزل بهم من القتل والسبي، وأخذ الأموال منهم غنيمة والاسترقاق لهم إلى غير ذلك من الذل الظاهر فيهم، وأما حبوطها في الآخرة فبإزالة الثواب إلى العقاب.\n• وقال ابن عاشور: فلا ينتفعون بثوابها في الآخرة، ولا بآثارها الطيّبة في الدنيا.\n(وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) أي: وما لهؤلاء القوم من ناصر ينصرهم من الله، إذا هو انتقم منهم بما سلف من إجرامهم واجترائهم عليه، فيستنقذُهم منه. (الطبري).\n\n<span data-type='title' id=toc-1010>الفوائد:</span>\n١ - تبشير كل كافر بالعذاب.\n٢ - وجوب الإيمان بآيات الله الشرعية والكونية، لأن الله توعد هؤلاء بالعذاب الأليم.\n٣ - تحريم قتل النبيين.\n٤ - أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان موجودًا في الأمم الماضية.\n٥ - حبوط عمل هؤلاء الكفار.\n٦ - أن الكفر محبط للأعمال.","vol":"3","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1011>(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥».</span> [آل عمران: ٢٣ - ٢٥].\n<hr><s0>\n\n(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ) يقول تعالى منكرًا على اليهود والنصارى، المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللَّذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما، من اتباع محمد -ﷺ-، تولَّوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد.\n• قال السعدي: يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب الذين أنعم الله عليهم بكتابه، فكان يجب أن يكونوا أقوم الناس به وأسرعهم انقيادًا لأحكامه، فأخبر الله عنهم أنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب تولى فريق منهم وهم معرضون، تولوا بأبدانهم، وأعرضوا بقلوبهم، وهذا غاية الذم، وفي ضمنها التحذير لنا أن نفعل كفعلهم، فيصيبنا من الذم والعقاب ما أصابهم، بل الواجب على كل أحد إذا دعي إلى كتاب الله أن يسمع ويطيع وينقاد، كما قال تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).\n• قوله تعالى (ألم تر) هذه رؤية علمية لا بصرية، أي: ألم تعلم، والاستفهام استفهام تعجب.\n• قوله تعالى (الكتاب) المراد كتابهم التوراة، وهذا قول جمهور المفسرين (ذكره الرازي) ورجحه الطبري وقال: وإنما قلنا إن ذلك الكتاب هو التوراة، لأنهم كانوا بالقرآن مكذبين، وبالتوراة بزعمهم مصدّقين، فكانت الحجة عليهم بتكذيبهم بما هم به في زعمهم مقرُّون، أبلغَ، وللعذر أقطع.","vol":"3","page":218},{"text":"• جاءت عدة روايات في سبب نزول هذه الآية، لكن لا يصح منها شيء.\n• قال الرازي: ظاهر قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب) يتناول كلهم، ولا شك أن هذا مذكور في معرض الذم، إلا أنه قد دلّ دليل آخر، على أنه ليس كل أهل الكتاب كذلك لأنه تعالى يقول (مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ).\n• قال ابن عطية: قوله تعالى (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ) وخص الله تعالى بالتولي فريقًا دون الكل لأن منهم من لم يتول كابن سلام وغيره.\n• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ) فإن قيل: التولي هو الإعراض، فما فائدة تكريره؟\nفالجواب من أربعة أوجه:\nأحدها: التأكيد.\nوالثاني: أن يكون المعنى: يتولون عن الداعي، ويعرضون عما دعا إليه.\nوالثالث: يتولون بأبدانهم، ويعرضون عن الحق بقلوبهم.\nوالرابع: أن يكون الذين تولوا علماءهم، والذين أعرضوا أتباعهم، قاله ابن الأنباري.\n(ذَلِكَ) التولي والإعراض.\n(بِأَنَّهُمْ قَالُوا) كذبًا على الله.\n(لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) وهن الأيام التي عبدوا فيها العجل ثم يخرجنا منها ربنا.\n• قال ابن كثير: أي: إنما حملهم وجَرّأهم على مخالفة الحق، افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يومًا.","vol":"3","page":219},{"text":"• قال ابن عاشور: قوله (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ) الإشارة إلى توليهم وإعراضهم، والباء للسببية: أي إنهم فعلوا ما فعلوا بسبب زعمهم أنهم في أمان من العذاب إلا أياما قليلة، فانعدم اكتراثهم باتباع الحق؛ لأن اعتقادهم النجاة من عذاب الله على كل حال جرأهم على ارتكاب مثل هذا الإعراض. وهذا الاعتقاد مع بطلانه مؤذن أيضًا بسفالة همتهم الدينية، فكانوا لا ينافسون في تزكية الأنفس، وعبر عن الاعتقاد بالقول دلالة على أن هذا الاعتقاد لا دليل عليه وأنه مفترى مدلس، وهذه العقيدة عقيدة اليهود، كما تقدم في البقرة.\n(وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: ثَبَّتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطانًا.\n(فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله وكذبوا رسله وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله، ومحاسبهم عليه، ومجازيهم به؛ ولهذا قال (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) لا شك في وقوعه.\n(وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) أي: وأعطيت كل نفس من البشر والجن ما كسبت من خير أو شر.\n(وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ). فلا ينقصون من حسناتهم، ولا يزاد عليهم في السيئات، ولا يعاقبون بظلم غيرهم.\nفلا يظلمون مثقال ذرة.","vol":"3","page":220},{"text":"كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا).\nوقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا). ظلمًا: أي: زيادة في السيئات (ولا هضمًا) أي نقصًا في الحسنات.\nوقال تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)\nفالله ﷿ لا يظلم أحدًا، لكمال عدله لا لعجزه عن الظلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1012>الفوائد:</span>\n١ - أنه ليس كل من أوتي علمًا يوفق للعمل.\n٢ - التعجب من حال هؤلاء.\n٣ - أن الواجب التحاكم إلى كتاب الله.\n٤ - ذم من يتولى.\n٥ - تحذير الإنسان أن يتكل على الأماني.\n٦ - أن هؤلاء يؤمنون بالبعث.","vol":"3","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1013>(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦».</span> [آل عمران: ٢٦].\n<hr><s0>\n\n(قُلِ اللَّهُمَّ …) أي: قل: يا الله، والخطاب للنبي -ﷺ-.\n(مَالِكَ الْمُلْكِ) أي: مالك كل الموجودات.\n• قال السعدي: أي أنت الملك المالك لجميع الممالك، فصفة الملك المطلق لك، والمملكة كلها علويها وسفليها لك والتصريف والتدبير كله لك، ثم فصل بعض التصاريف التي انفرد الباري تعالى بها.\n(تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) أي: تعطي الملك من تشاء.\n• قال ابن القيم: فصدر الآية سبحانه بتفرده بالملك كله وأنه هو سبحانه هو الذي يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء لا غيره، فالأول\nتفرده بالملك والثاني تفرده بالتصرف.\n• قوله تعالى: (تؤتي) دل على أن خير الله ﷿ ما أسرع إتيانه للعبد، ولذلك يقول بعض الناس إذا رأى نعمة على شخص أتت فجأة، قال \" من أين له هذا \" ولذا يقول بعض الشعراء:\nملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب\n(وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) أي: وتخلع وتنزع الملك ممن تشاء.","vol":"3","page":222},{"text":"فقوله (وتنزع …) كما ينزع الجلد من البهيمة، لأن بعض الناس إذا ملك شيئًا فإن ذهاب هذا الشيء منه عسير، يتشبث به تشبثًا عظيمًا، ولذلك يقول القدماء من العرب (الملك عقيم) يمكن للملك الذي يملك وطنًا، يمكن أن يضحي بأبيه وأن يضحي بابنه من أجل هذا الملك، ولذلك كان الأسلوب مناسبا (وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء).\n• قال السعدي: وفيه الإشارة إلى أن الله تعالى سينزع الملك من الأكاسرة والقياصرة ومن تبعهم ويؤتيه أمة محمد، وقد فعل ولله الحمد، فحصول الملك ونزعه تبع لمشيئة الله تعالى، ولا ينافي ذلك ما أجرى الله به سنته من الأسباب الكونية والدينية التي هي سبب بقاء الملك وحصوله وسبب زواله، فإنها كلها بمشيئة الله لا يوجد سبب يستقل بشيء، بل الأسباب كلها تابعة للقضاء والقدر، ومن الأسباب التي جعلها الله سببًا لحصول الملك الإيمان والعمل الصالح، التي منها اجتماع المسلمين واتفاقهم، وإعدادهم الآلات التي يقدروا عليها والصبر وعدم التنازع.\n(وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ) أي: تجعله عزيزًا قويًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1014> أسباب العزة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1015>أولًا: الإيمان.</span>\nقال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ).\n• قال قتادة: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) أي: فلتعزز بطاعة الله ﷿.\n• وقال الزجاج معناه: من كان يريد بعبادة الله ﷿ العزة والعزة له سبحانه فان الله ﷿ يعزه في الآخرة والدنيا.\n• وقال ابن القيم: من كان يطلب العزة فليطلبها بطاعة الله بالكلم الطيب والعمل الصالح، ولذا كان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك.","vol":"3","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1016>ثانيًا: الجهاد.</span>\nعن ابن عمر -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم إذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم). رواد أبو داود\nثالثًا: التواضع.\nقال -ﷺ- (من تواضع لله رفعه الله) رواه مسلم.\nرابعًا: العفو عن الناس.\nقال -ﷺ- (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا …) رواه مسلم.\nوعن أبي كبشة الأنماري انه سمع رسول -ﷺ- يقول (ثلاثة اقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه؛ قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزًا، ولا فتح عبدٌ باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها) رواه الترمذي.\nخامسًا: العلم.\nقال تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).\n• قال ابن القيم: العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة ما لا يرفعه الملك ولا المال ولا غيرهما، فالعلم يزيد الشريف شرفًا، ويرفع العبد المملوك حتى جلسه مجالس الملوك.\nوقال إبراهيم الحربي: (كان عطاء بن أبي رباح عبدًا اسود لامرأة من أهل مكة، وكان انفه كأنه باقلاء، قال وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه، فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما صلى أنفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيه: قوما فقاما، فقال: يا بني لا تنيا في طلب العلم فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود).\n• وقال خيثمة بن سليمان: (سمعت ابن أبي الخناجر يقول: كنا في مجلس يزيد بن هارون والناس قد اجتمعوا إليه، فمر أمير المؤمنين فوقف علينا في المجلس، وفي المجلس ألوف إلى أصحابه، وقال: هذا الملك …).\n• وقال سفيان الثوري: (من أراد الدنيا والآخرة فعليه بطلب العلم).","vol":"3","page":224},{"text":"(وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) أي: تجعله ذليلًا.\n(بِيَدِكَ الْخَيْرُ) كله.\n• لماذا لم يذكر الشر مع أن الشر بيده تعالى؟\nقيل: ولم يذكر الشر تعليمًا لعباده الأدب في خطابه، وترغيبًا لهم في الإقبال عليه والإعراض عما سواه، لأن العادة جارية بأن الناس أسرع شيء إلى معطي النوال وباذل الأموال، وتنبيهًا على أن الشر أهل للإعراض عن كل شيء من أمره حتى عن مجرد ذكره وإخطاره بالبال، مع أن الاقتصار على الخير يملك الخير كله مستلزم لمثل ذلك في الشر، لأنهما ضدان، كل منهما مساوٍ لنقيض الآخر، فإثبات أحدهما نفي للآخر ونفيه إثبات للآخر، فلا يعطى الخير إلا وقد نفي الشر، ولا ينزع الخير إلا وقد وضع الشر - والله ﷾ أعلم.\n• قال ابن القيم: وأخطأ من قال المعنى بيدك الخير والشر لثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف بل ترك ذكره قصدا أو بيانا أنه ليس بمراد،\nالثاني: أن الذي بيد الله تعالى نوعان فضل وعدل كما في الحديث الصحيح عن النبي -ﷺ- (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع) فالفضل لإحدى اليدين والعدل للأخرى وكلاهما خير لا شر فيه بوجه.\nالثالث: أن قول النبي -ﷺ- لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك كالتفسير للآية ففرق بين الخير والشر وجعل أحدهما في يدي الرب سبحانه وقطع إضافة الآخر إليه مع إثبات عموم خلقه لكل شيء.\nوقد أجاب الشيخ حافظ بن أحمد حكمي عن سؤال مفاده: ما معنى قول النبي -ﷺ- (والخير كله في يديك والشر ليس إليك) مع أن الله سبحانه خالق كل شيء؟، فقال: \"معنى ذلك أن أفعال الله ﷿ - كلها خير محض، من حيث اتصافه بها، وصدورها عنه، ليس فيها شر بوجه؛ فإنه تعالى حكم عدل، وجميع أفعاله حكمة وعدل، يضع الأشياء مواضعها اللائقة بها، كما هي معلومة عنده - ﷾ - وما كان في نفس المقدور من شر فمن جهة إضافته إلى العبد؛ لما يلحقه من المهالك؛ وذلك بما كسبت يداه جزاء وفاقًا.","vol":"3","page":225},{"text":"كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ).\nوقال تعالى (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ).\nوقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).\n(إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لا يمتنع عليك أمر من الأمور بل الأشياء كلها طوع مشيئتك وقدرتك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1017>الفوائد:</span>\n١ - تعليم الله نبيه محمدًا -ﷺ- أن يفوض الأمر إليه.\n٢ - بيان تمام ملك الله.\n٣ - أن الله يؤتي الملك لمن يشاء.\n٤ - تمام ملك الله وسلطانه أيضًا.\n٥ - طلب العزة من الله.\n٦ - أن الخير بيد الله.\n٧ - عموم قدرة الله.","vol":"3","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1018>(تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧»</span> [آل عمران: ٢٧]\n<hr><s0>\n\n(تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة، ربيعًا وصيفًا وخريفًا وشتاء.\n(وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) أي: يخرج النبات الحي من الحب النوى، الذي هو كالجماد الميت ولهذا قال تعالى (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ …)، ويخرج الإنسان من النطفة وهي ميتة، ويخرج الدجاجة من البيضة وهي ميتة، والنبات يخرج من الحبة وهي ميتة. والشجرة تخرج من النواة وهي ميتة.\nويمكن نحمل الحياة على المجاز فنقول: يخرج الابن المؤمن من الأب الكافر، والمؤمن من الضال.\n(وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) يخرج النطفة وهي ميتة من الحي وهو الإنسان، والبيضة وهي ميتة تخرج من الحي وهي الدجاجة.\nوبالمجاز: نقول: يخرج الابن الكافر من الأب المؤمن، والضال من المهتدي.\nقيل: يخرج الدجاج من البيضة، وقيل: يخرج الولد الصالح من الكافر والكافر من الصالح.\n• قال الرازي: قوله تعالى (تخرج الحي …) ذكر المفسرون فيه وجوهًا:\nأحدها: يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح -﵇-.\nوالثاني: يخرج الطيب من الخبيث وبالعكس.\nوالثالث: يخرج الحيوان من النطفة، والطير من البيضة وبالعكس.\nوالرابع: يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس، والنخلة من النواة وبالعكس، قال القفّال ﵀: والكلمة محتملة للكل.","vol":"3","page":227},{"text":"أما الكفر والإيمان فقال تعالى (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه) يريد كان كافرًا فهديناه فجعل الموت كفرًا والحياة إيمانًا، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء، وجعل قبل ذلك ميتة فقال (يحيي الأرض بعد موتها) وقال (فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا) وقال: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ).\n• وهذه من أعظم الآيات كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).\n(وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: تعطي من شئت من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي بغير تضييق ولا تقتير؛ كما تقول: فلان يعطِي بغير حساب؛ كأنه لا يحسب ما يعطي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1019>الفوائد:</span>\n١ - تمام قدرة الله في كونه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.\n٢ - إثبات حكمة الله تعالى.\n٣ - تمام قدرة الله بإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي.\n٤ - أن الرزق بيد الله.\n٥ - أن عطاء الله بلا عوض.","vol":"3","page":228},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1020>(لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨».</span> [آل عمران: ٢٨].\n<hr><s0>\n\n(لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) نهى الله، ﵎، عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يُسِرُّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين.\nكما قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا).\nقال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ …).\nوقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).\nوقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ) قال ابن كثير: هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم، لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده.\nوقال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).","vol":"3","page":229},{"text":"وقال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) يقول تعالى لنبيه محمد -ﷺ- يا محمد بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني أولياء، يعني أنصارًا وأخلاء من دون المؤمنين، تاركين موالاة المؤمنين معرضين عنها، يطلبون عند هؤلاء الكفار المنعة والقوة والنفوذ، وما علم أولئك السفهاء البلهاء أن العزة لله جميعًا\nوقال تعالى (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).\nفبين ﷾ أن الإيمان الحقيقي بالله وبنبيه -ﷺ- محمد -ﷺ- مرتبط بعدم موالاة الكفار وتوليهم، فثبوت موالاة الكفار موجب لعدم الإيمان أو نقصه.\nففي هذه الآيات أشد التهديد والوعيد وأعظم الزجر عن موالاة الكافرين.\nروى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قلت لعمر -﵁-: لي كاتب نصراني. قال: مالك قاتلك الله، أما سمعت قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) ألا اتخذت حنيفًا قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه قال: (لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله).\nعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول -ﷺ- لأبي ذر (أي عرى الإيمان أوثق؟) قال: الله ورسوله أعلم، قال (الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله). رواه أحمد","vol":"3","page":230},{"text":"وعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول -ﷺ- (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) متفق عليه.\nوقد كان النبي -ﷺ- يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم.\nفعن جرير بن عبد الله البجلي -﵁- قال: أتيت النبي -ﷺ- وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك، واشترِط عليّ فأنت أعلم، قال: (أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحبّ ما أحبّه الله، ويبغض ما أبغضه الله.\n• قوله تعالى (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ليس معناه يجوز موالاة الكفار اشتراكًا مع المؤمنين، وإنما المعني:\nقيل: إن قوله (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ذُكر للإشارة إلى أن المؤمنين هم الأحق بالموالاة، وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفار.\nوقيل: أن هذا ورد على قوم والوا اليهود دون المؤمنين، فهو لبيان الصورة الواقعة من غير قصد التخصيص بها، فموالاة الكفار حرام مطلقًا.","vol":"3","page":231},{"text":"• قال الشنقيطي: قوله تعالى (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية، هذه الآية الكريمة توهم أن اتخاذ الكفار أولياء إذا لم يكن من دون المؤمنين لا بأس به بدليل قوله (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) وقد جاءت آيات أخر تدل على منع اتخاذهم أولياء مطلقا:\nكقوله تعالى (وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا).\nوكقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ …) الآية.\nوالجواب عن هذا: أن قوله (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) لا مفهوم له، وقد تقرر في علم الأصول أن دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة له موانع تمنع اعتباره، منها كون تخصيص المنطوق بالذكر لأجل موافقته للواقع كما في هذه الآية؛ لأنها نزلت في قوم والَوْا اليهود دون المؤمنين، فنزلت ناهية عن الصورة الواقعة من غير قصد التخصيص بها، بل موالاة الكفار حرام مطلقًا.\n(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) أي: من يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله.\n• قال ابن جرير (فليس من الله في شيء) يعني فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر.\n• وقال القرطبي: أي: ليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء، وهو إذًا من حزب الشيطان وأنصاره.\n(إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنَّا لَنَكْشرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ.\n• قال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) يَعْنِي أَنْ تَخَافُوا تَلَفَ النَّفْسِ وَبَعْضِ الْأَعْضَاءِ فَتَتَّقُوهُمْ بِإِظْهَارِ الْمُوَالَاةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ لَهَا، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.\n(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) أي: فلا تتعرضوا لسخطه بارتكاب معاصيه فيعاقبكم على ذلك.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) تحذير من المخالفة ومن التساهل في دعوى التقية واستمرارها أو طول زمانها.","vol":"3","page":232},{"text":"(وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) أي: مرجع العباد ليوم التناد، فيحصي أعمالهم ويحاسبهم عليها ويجازيهم، فإياكم أن تفعلوا من الأعمال القباح ما تستحقون به العقوبة، واعملوا ما به يحصل الأجر والمثوبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1021>الفوائد:</span>\n١ - تحريم موالاة الكفار.\n٢ - وجوب بغض الكفار.\n٣ - أن اتخاذ الكفار أولياء منافٍ للإيمان.\n٤ - وجوب اتخاذ المؤمنين أولياء.\n٥ - وجوب حب ما يحبه الله وبغض ما يبغضه.\n٦ - تحريم المداهنة لأعداء الله.\n٧ - تحذير الله للناس، وهذا لمصلحتهم لكي يخافوا ويرتدعوا عن العصيان.\n٨ - أن المصير والمرجع إلى الله.","vol":"3","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1022>(قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩»</span> [آل عمران: ٢٩].\n<hr><s0>\n\n(قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) يخبر ﵎ عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والآنات واللحظات وجميع الأوقات، وبجميع ما في السموات والأرض، لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال. (تفسير ابن كثير).\n• فالله تعالى يعلم ما في الصدور ويعلم السر وأخفى.\nقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).\nوقال تعالى (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).\nوقال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). وقال تعالى (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ).\nقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).\nوقال تعالى (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).\nوقال تعالى (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).\n• قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهرًا وباطنًا واستثنى عنه التقية في الظاهر، أتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقًا للظاهر في وقت التقية، وذلك لأن من أقدم عند التقية على إظهار الموالاة، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سببًا لحصول تلك الموالاة في الباطن، فلا جرم بيّن تعالى أنه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر، فيعلم العبد أنه لا بد أن يجازيه على كل ما عزم عليه في قلبه.","vol":"3","page":234},{"text":"• وقال ابن كثير: وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يَبْغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإنْ أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر؛ ولهذا قال بعد هذا (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا).\n• وقال أبو حيان: المفهوم أن الباري تعالى مطلع على ما في الضمائر، لا يتفاوت علمه تعالى بخفاياها، وهو مرتب على ما فيها الثواب والعقاب إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.\nوفي ذلك تأكيد لعدم الموالاة، وتحذير من ذلك.\n(وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) هذا دليل على سعة علمه، وذكر عموم بعد خصوص، فصار علمه بما في صدورهم مذكورًا مرتين على سبيل التوكيد، أحدهما: بالخصوص، والآخر: بالعموم، إذ هم ممن في الأرض.\n(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إعلام بأنه مع العلم ذو قدرة على كل شيء، وهذا من التهديد؛ إذ المهدد لا يحول بينه وبين تحقيق وعيده إلا أحد أمرين: الجهل بجريمة المجرم، أو العجز عنه، فلما أعلمهم بعموم علمه، وعموم قدرته، علموا أن الله لا يفلتهم من عقابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1023>الفوائد:</span>\n١ - عموم علم الله تعالى.\n٢ - أن الله محيط بكل شيء علمًا.\n٣ - التحذير من كتم شيء في القلب مما يسخط الله من رياء أو نفاق أو حقد أو نحو ذلك.\n٤ - وجوب الاهتمام بالقلب.\n٥ - إثبات قدرة الله.\n٦ - تهديد للعصاة.\n٧ - وجوب الخوف من الله. [الثلاثاء ٢٥/ ٥/ ١٤٣٣ هـ].","vol":"3","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1024>(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (٣٠».</span> [آل عمران: ٣٠].\n<hr><s0>\n\n(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر.\nكما قال تعالى (يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) فما رأى من أعماله حسنًا سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه.\nوقال تعالى (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).\n• قال الرازي: اعلم أن العمل لا يبقى، ولا يمكن وجدانه يوم القيامة، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجهين:\nالأول: أنه يجد صحائف الأعمال، وهو قوله تعالى (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).\nوقال (فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أحصاه الله وَنَسُوهُ).\nالثاني: أنه يجد جزاء الأعمال وقوله تعالى (مُّحْضَرًا) يحتمل أن يكون المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة، ويحتمل أن يكون المعنى: أن جزاء العمل يكون محضرًا، كقوله (وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا).\nوعلى كلا الوجهين، فالترغيب والترهيب حاصلان.\n(تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) وود لو أنه تبرأ منه، وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترنًا به في الدنيا، وهو الذي جرَّأه على فعل السوء (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ).\n(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) أي: يخوفكم عقابه.\nثم قال مرجيًا لعباده لئلا ييأسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه.","vol":"3","page":236},{"text":"(وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) أي: إن الله بجميع عباده ذو رأفة، والرأفة أعلى معاني الرحمة.\nوقال الخطابي: الرؤوف هو الرحيم العاطف برأفته على عباده.\nوقال بعضهم: الرأفة أبلغ الرحمة وأرقها.\nقال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه.\n• فمن رأفته ﷾ بنا، أنه خوفنا من عقوبته وعذابه، ونهانا عن معصيته، قبل أن يلقاه العبد يوم القيامة ليستعد للقائه، ويتجنب سخطه وغضبه (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ).\nومن رأفته أنه أرسل رسله وأنزل كتبه التي تبين شرعه، لينقذ الناس من ظلمات الشرك والجاهلية إلى نور التوحيد والهداية (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ).\nومن رأفته أنه يقبل توبة التائبين، ولا يُرد عن بابه العاصين المنيبين، مهما كثرت سيئاتهم، وتعاظمت خطيئاتهم (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).\nومن رأفته: تسخيره لما في السماوات وما في الأرض لمصلحة الإنسان ومنفعته، وخلقه الأنعام ليركب على ظهرها فتحمله المسافات الشاسعة، هو ومتاعه وزاده (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ).","vol":"3","page":237},{"text":"• قال الرازي: قوله تعالى (وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) فيه وجوه:\nالأول: أنه رؤوف بهم حيث حذرهم من نفسه، وعرفهم كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من استحقاق غضبه، قال الحسن: ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه.\nالثاني: أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة والتدارك والتلافي.\n• وقال ابن عطية: قوله تعالى (والله رؤوف بالعباد) يحتمل أن يكون إشارة إلى التحذير لأن تحذيره وتنبيهه على النجاة رأفة منه بعباده، ويحتمل أن يكون ابتداء إعلام بهذه الصفة فمقتضى ذلك التأنيس لئلا يفرط الوعيد على نفس مؤمن، وتجيء الآية على نحو قوله تعالى (إن ربك لشديد العقاب، وإنه لغفور رحيم) لأن قوله (ويحذركم الله نفسه) والله محذور العقاب.\n• قال السمرقندي: ذكر في أول هذه الآية عدله ﷿ في قوله (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا)، وفي وسطها تخويف وتهديد وهو قوله (وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ) وفي آخرها ذكر رأفته ورحمته وهو قوله (والله رَءوفٌ بالعباد).\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (بالعباد) والتعريف في العباد للاستغراق: لأن رأفة الله شاملة لكل الناس مسلمهم وكافرهم (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ) وما وعيدهم إلا لجلب صلاحهم، وما تنفيذه بعد فوات المقصود منه إلا لصدق كلماته، وانتظام حكمته سبحانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1025>الفوائد:</span>\n١ - التحذير والتذكير لهذا اليوم العظيم الذي يجد فيه الإنسان ما عمل من خير أو شر.\n٢ - تذكر يوم القيامة والاستعداد له.\n٣ - كمال قدرة الله.\n٤ - إثبات اليوم الآخر.\n٥ - أن الشر يسوء صاحبه.\n٦ - رحمة الله بعباده، حيث حذرهم نفسه.\n٧ - إثبات الرأفة لله.","vol":"3","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1026>(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣١».</span> [آل عمران: ٣١].\n<hr><s0>\n\n(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله -ﷺ- أنه قال (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عليه أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ).\n• قال ابن القيم: قال بعض السلف ادعى قوم محبة الله، فأنزل الله آية المحنة (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي)\nفمتابعة الرسول قولًا وفعلًا دليل على محبة الله تعالى.\n(يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) هذه الثمرة الأولى، وما أعظمها من ثمرة.\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله) الآية.\nصرح تعالى: في هذه الآية الكريمة أن اتباع نبيه موجب لمحبته جلا وعلا ذلك المتبع، وذلك يدل على أن طاعة رسول الله -ﷺ- هي عين طاعته تعالى، وصرح بهذا المدلول في قوله تعالى (مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله) وقال تعالى (وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا).\n• قال ابن القيم: قوله تعالى (يحببكم الله) إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها، وفائدتها، فدليلها وعلامتها: اتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها: محبة المرسِل لكم، فما لم تحصل المتابعة، فليست محبتكم له حاصلة، ومحبته لكم منتفية.","vol":"3","page":239},{"text":"وقال ﵀: فجعل سبحانه متابعة رسوله سببًا لمحبتهم له وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله فالطاعة للمحبوب عنوان محبته كما قيل.\nتعصي الإله وأنت تزعم حبه … هذا محال في القياس بديع\nلو كان حبك صادقا لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع.\n• وقال السعدي: هذه الآية فيها وجوب محبة الله، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها، فقال (قل إن كنتم تحبون الله) أي: ادعيتم هذه المرتبة العالية، والرتبة التي ليس فوقها رتبة فلا يكفي فيها مجرد الدعوى، بل لا بد من الصدق فيها، وعلامة الصدق اتباع رسوله -ﷺ- في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن، فمن اتبع الرسول دل على صدق دعواه محبة الله تعالى، وأحبه الله وغفر له ذنبه، ورحمه وسدده في جميع حركاته وسكناته، ومن لم يتبع الرسول فليس محبا لله تعالى، لأن محبته لله توجب له اتباع رسوله، فما لم يوجد ذلك دل على عدمها وأنه كاذب إن ادعاها، مع أنها على تقدير وجودها غير نافعة بدون شرطها، وبهذه الآية يوزن جميع الخلق، فعلى حسب حظهم من اتباع الرسول يكون إيمانهم وحبهم لله، وما نقص من ذلك نقص.\n• قال الحسن: اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته، وسئل ذو النون متى أحب ربي؟ قال إذا كان ما يبغضه عندك أمر من الصبر.\nوقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك.\nوقال يحيى بن معاذ: ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده.","vol":"3","page":240},{"text":"(وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) هذه الثمرة الثانية، والمغفرة: التجاوز عن الذنب مع الستر، والمعنى: يمحو الله عنكم الذنوب والآثام ويسترها.\n(وَاللَّهُ غَفُورٌ) الغفور اسم من أسماء الله تعالى، فيجب إثبات ذلك، وهو أيضًا هو دال على صفة المغفرة الواسعة لله تعالى كما سبحانه (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ)، والمغفرة - كما سبق - ستر الذنب عن الخلق والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة، أن رسول الله -ﷺ- (يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه، حتى يضع عليه كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال الله ﷿: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) متفق عليه.\nومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام.\n(رَحِيمٌ) الرحيم اسم من أسماء الله، فيجب إثبات ذلك، وهو متضمن لصفة الرحمة الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).\nورحمته ﷾ تنقسم إلى قسمين:\nرحمة ذاتية ثابتة لله تعالى.\nورحمة فعليه يوصلها من شاء من عباده كما قال تعالى (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ)، والرحمة الفعلية تنقسم أيضًا إلى قسمين:\nرحمة عامة لجميع الخلق في الدنيا والآخرة.\nورحمة خاصة بالمؤمنين في الدنيا والآخرة كما قال تعالى (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) ومن رحمته بهم عدم المؤاخذة على الخطأ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1027>الفوائد:</span>\n١ - وجوب محبة الرسول.\n٢ - أن اتباع النبي -ﷺ- سبب لمحبة الله للعبد.\n٣ - فضل اتباع الرسول: أولًا: محبة الله، ثانيًا: مغفرة الذنوب.\n٤ - أن محبة الله ليس بالكلام والدعاوى.\n٥ - إثبات المحبة لله تعالى.\n٦ - أن اتباع الرسول سبب لمغفرة الذنوب.","vol":"3","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1028>(قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢».</span> [آل عمران: ٣٢].\n<hr><s0>\n\n(قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) الطاعة: موافقة الأمر، وذلك بفعل الأمر، وترك المحظور، ولهذا أخذتْ من المطاوعة وهي الانقياد.\n• قوله تعالى (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) الرسول هنا محمد -ﷺ- و(أل) للعهد الذهني أي: الرسول المعهود محمدًا، والرسول تعريفه: هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه.\n• وقد جاءت آيات كثيرة تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله -ﷺ-.\nقال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ).\nوقال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا).\nقال تعالى (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ).\nوقال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).\n(فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: خالفوا عن أمره.\n(فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) فيجب أن نبغضهم ونحاربهم.","vol":"3","page":242},{"text":"• قوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) هذا إظهار في مقام الإضمار، لأن الأصل أن يقول: فإن تولوا فإن الله لا يحبهم، وذلك لفائدة:\nالنص على علة السبب، فلما قال (… لا يحب الكافرين) علم أن سبب عدم محبتهم هو كفرهم، وأن توليهم وعدم الطاعة سببه الكفر.\nوفائدة أخرى: أن الله لا يحب كل كافر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1029>الفوائد:</span>\n١ - وجوب طاعة الله ورسوله.\n٢ - أن طاعة الرسول من طاعة الله.\n٣ - الرد على من قال: إن السنة لا يعمل بها إلا ما وافق القرآن.\n٤ - إثبات رسالة النبي -ﷺ-.\n٥ - وجوب بغض الكافرين.\n٦ - وجوب محبة المؤمنين.\n٧ - ذم التولي والإعراض عن دين الله.","vol":"3","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1030>(إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤»</span> [آل عمران: ٣٣ - ٣٤].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ) يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم -﵇- خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه،\nوأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها، لما له في ذلك من الحكمة.\n• وهو نبي ليس برسول.\nلقوله تعالى (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ). فجعل النبيين من بعد نوح.\nوفي حديث الشفاعة الطويل (أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض).\n(وَنُوحًا) واصطفى نوحًا -﵇- وجعله أول رسول [بعثه] إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانًا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظَهْرَاني قومه، يدعوهم إلى الله ليلا ونهارًا، سرا وجهارًا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم يَنْجُ منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به.\n(وَآلَ إِبْرَاهِيمَ) واصطفى آل إبراهيم، ومنهم: سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد -ﷺ-.\n(وَآلَ عِمْرَانَ) والمراد بعمران هذا: هو والد مريم بنت عمران، أم عيسى ابن مريم، ﵈.","vol":"3","page":244},{"text":"• قال الرازي: قوله تعالى (إن الله اصطفى ..) في الآية قولان:\nالأول: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعًا إلى دينهم وشرعهم وملتهم، ويكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف.\nوالثاني: أن يكون المعنى: إن الله اصطفاهم، أي صفاهم من الصفات الذميمة، وزينهم بالخصال الحميدة، وهذا القول أولى لوجهين:\nأحدهما: أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار.\nوالثاني: أنه موافق لقوله تعالى (الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته).\n(عَلَى الْعَالَمِينَ) جمع عالم، وهم كل من سوى الله.\n• قال ابن الجوزي: وإنما خصّ هؤلاء بالذكر، لأن الأنبياء كلهم من نسلهم.\n(ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) وفي معنى هذه البعضية قولان.\nأحدهما: أن بعضهم من بعض في التناصُر والدين، لا في التناسل، وهو معنى قول ابن عباس، وقتادة.\nوالثاني: أنه في التسلسل، لأن جميعهم ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم، ذكره بعض أهل التفسير.\n• قال الرازي: قوله تعالى (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) في تأويل الآية وجوه:\nلأول: ذرية بعضها من بعض في التوحيد والإخلاص والطاعة، ونظيره قوله تعالى (المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ) وذلك بسبب اشتراكهم في النفاق.\nوالثاني: ذرية بعضها من بعض بمعنى أن غير آدم ﵇ كانوا متولدين من آدم ﵇، ويكون المراد بالذرية من سوى آدم.","vol":"3","page":245},{"text":"(وَاللَّهُ سَمِيعٌ) لأقوال العباد.\n(عَلِيمٌ) عليم بضمائرهم وأفعالهم، عليم بمن يصلح للاصطفاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1031>الفوائد:</span>\n١ - فضل هؤلاء الأنبياء.\n٢ - أن الله يختار من خلقه ما شاء الله كما قال تعالى (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).\n٣ - أن التفاضل كما يكون في الأعمال يكون في الأعيان.\n٤ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم.","vol":"3","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1032>(إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧».</span> [آل عمران: ٣٥ - ٣٧].\n<hr><s0>\n\n(إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ) امرأة عمران هذه أم مريم بنت عمران\n(رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي) أي: نذرت لعبادتك وطاعتك ما أحمله في بطني.\n(مُحَرَّرًا) أي: خالصًا مفرغًا للعبادة، ولخدمة بيت المقدس.\n(فَتَقَبَّلْ مِنِّي) أي: تقبل مني هذا التقرب إليك.\n(إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ) لدعائي.\n(الْعَلِيمُ) بنيتي.\n• أهل الخير والصلاح يعملون أعمالًا صالحة ولا يغترون بها، بل يسألون الله القبول.\nفهذا هو الخليل وولده إسماعيل يرفعان القواعد من البيت ويقولان (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)\nوهؤلاء عباد الرحمن يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا ومع ذلك يقولون (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا).\nوقال تعالى (إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).","vol":"3","page":247},{"text":"وقال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ).\nوقد روى الترمذي في جامعه عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله -ﷺ- عن هذه الآية، فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ قال: لا، يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات).\nوالله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن.\nوقال تعالى (إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).\nقال ابن القيم: والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن.\nقال تعالى (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ).\nثم قال: ومن تأمل أحوال الصحابة وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير - بل التفريط - والأمن، فهذا الصديق يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن.\nوذكر عنه أنه كان يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.\nوكان يبكي كثيرًا ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا.\nوكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله ﷿.\nوهذا عمر قرأ سورة الطور حنى بلغ (إن عذاب ربك لواقع) بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه.\nوكان في وجهه خطان أسودان من البكاء.\nوهذا عثمان كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبتل لحيته.\nوهذا علي اشتد بكاؤه وخوفه من اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى.\nوكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشّراك البالي من الدموع.\nوكان أبو ذر يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد وددت أني لم أخلق.","vol":"3","page":248},{"text":"وقال ابن أبي مليْكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -ﷺ- كلهم خاف على نفسه النفاق ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.\nوقال الحسن: ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق.\nوقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا.\n(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا) أي: وضعت أنثى.\n(قَالَتْ) على وجه الاعتذار.\n(رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) لأنه ليس من العادة أن الأنثى تخدم المسجد.\nقال ابن عباس: إنما قالت هذا لأنه لم يكن يقبل في النذر إلا الذكور فقبل الله مريم.\n• قال الرازي: اعلم أن الفائدة في هذا الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها، وكان الغالب على ظنها أنه ذكر فلم تشترط ذلك في كلامها، وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون الأنثى فقالت (رَبّ إِنّي وَضَعْتُهَا أنثى) خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتمد به ومعتذرة من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك لا على سبيل الإعلام لله تعالى، تعالى الله عن أن يحتاج إلى إعلامها، بل ذكرت ذلك على سبيل الاعتذار.\n(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) قرئ برفع التاء على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقُرئ بتسكين التاء على أنه من قول الله ﷿.\n• قال الآلوسي: قوله تعالى (والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) ليس المراد الرد عليها في إخبارها بما هو سبحانه أعلم به كما يتراءى من السياق بل الجملة اعتراضية سيقت لتعظيم المولود الذي وضعته وتفخيم شأنه والتجهيل لها بقدره أي والله أعلم بالشيء الذي وضعته وما علق به من عظائم الأمور ودقائق الأسرار وواضح الآيات، وهي غافلة عن ذلك كله.","vol":"3","page":249},{"text":"• قال ابن عادل: قوله تعالى (والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) قرأ ابن عامر وأبو بكر \" وَضَعْتُ \" بتاء المتكلم - وهو من كلام أمِّ مَرْيَمَ خاطبت بذلك نفسَها؛ تَسَلِّيًا لها واعتذارًا للهِ تعالى؛ حيث أتت بمولود لا يصلح لما نذرته من سدانة بيت المقدس.\n• وقرأ الباقون (وَضَعَتْ) بتاء التأنيث الساكنةِ - على إسناد الفعل لضمير أم مريم، وهو من كلام الباري تعالى.\nقال الزمخشريُّ: ولتكلُّمها بذلك على وجه التحسُّر والتحزُّن قال الله تعالى (والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) تعظيمًا لموضوعها، وتجهيلًا لها بقدر ما وُهِبَ لها منه، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت، وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آيةً للعالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئًا فلذلك تحسرت.\n(وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) أي: في القوة والجَلَد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى.\nفالذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة، ولا يصح ذلك في الأنثى لمكان الحيض وسائر عوارض النسوان.\nوالذكر يصلح لقوته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى على الخدمة.\nوالذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى.\nوالذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المعنى.\n(وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) أي: أسميت هذه الأنثى مريم.\n• قال الرازي: أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد مات في حال حمل حنة بمريم، فلذلك تولت الأم تسميتها، لأن العادة أن ذلك يتولاه الآباء.\nثم قال: أن مريم في لغتهم: العابدة، فأرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا.\n• قال ابن كثير: فيه دلالة على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق؛ لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقررًا، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله -ﷺ- حيث قال (وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ وَلَد سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبِي إبْرَاهِيمَ\". أخرجاه.","vol":"3","page":250},{"text":"وكذلك ثبت فيهما (أن أنس بن مالك ذهب بأخيه، حين ولدته أمه، إلى رسول الله -ﷺ- فَحَنَّكه وسماه عبد الله).\nوفي صحيح البخاري (أن رجلا قال: يا رسول الله، وُلِدَ لي وَلَد، فما أُسمِّيه؟ قال: \"اسْم وَلدِك عَبْد الرَّحْمَنِ).\n(وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) أي: عَوَّذتها بالله، ﷿، من شر الشيطان، وعوذت ذريتها، وهو ولدها عيسى، ﵇. فاستجاب الله لها ذلك.\nعن أبي هريرة، -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- (مَا مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا مَسَّه الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلّ صَارخًا مِنْ مَسِّهِ إيَّاهُ، إلا مَرْيَمَ وابْنَهَا\". ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) متفق عليه.\n• وذريتها: لم يكن لها ذرية إلا عيسى.\n(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ) يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه:\n(وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) أي: جعلها شكلًا مليحًا ومنظرًا بهيجًا، ويَسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين.\n(وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علمًا جمًا نافعًا وعملا صالحًا؛ ولأنه كان زَوْجَ خالتها، على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما، وقيل: زوج أختها، كما ورد في الصحيح (فإذا بِيحيى وعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ).\n• قال ابن عاشور: عد هذا في فضائل مريم، لأنه من جملة ما يزيد فضلها، لأن أبا التربة يكسب خلقه وصلاحه مرباه.\n(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ) وهو مكان العبادة، وليس هو المحراب الموجود في المساجد الآن.\n• قال ابن عاشور: والمحراب بناء يتخذه أحد ليخلو فيه بتعبده وصلاته، وأكثر ما يتخذ في علو يرتقي إليه بسلم أو درج، وهو غير المسجد.","vol":"3","page":251},{"text":"(وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) أي: من غير كسب ولا تعب، بل رزق ساقه الله إليها، وكرامة أكرمها الله بها.\nوهي منقطعة للعبادة دائمًا.\n• قال ابن كثير: قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، وإبراهيم النخَعيّ، والضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وعطية العَوْفي، والسُّدِّي يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف.\nوعن مجاهد (وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) أي: علمًا، أو قال: صحفًا فيها علم. رواه ابن أبي حاتم، والأول أصح، وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة لهذا نظائر كثيرة.\n• قال أبو حيان: والذي يدل عليه ظاهر الآية أن الذي كفلها بالتربية هو زكريا لا غيره، فإن الله تعالى كفاه لما كفلها مؤونة رزقها، ووضع عنه بحسن التكفل مشقة التكلف، و(كلما) تقتضي التكرار، فيدل على كثرة تعهده وتفقده لأحوالها.\nودلت الآية على وجود الرزق عندها كل وقت يدخل عليها، والمعنى: أنه غذاء يتغذى به لم يعهده عندها، ولم يوجهه هو.\nوأَبْعَدَ من فسر الرزق هنا بأنه فيض كان يأتيها من الله من العلم والحكمة من غير تعليم آدمي، فسماه رزقًا.\nقال الراغب: واللفظ محتمل، انتهى، وهذا شبيه بتفسير الباطنية.\n(قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا) يقول: من أين لك هذا؟\n• قال أبو حيان: قوله تعالى (قال يا مريم أنَّى لك هذا قالت هو من عند الله) استغرب زكريا وجود الرزق عندها وهو لم يكن أتى به، وتكرر وجوده عندها كلما دخل عليها، فسأل على سبيل التعجب من وصول الرزق إليها، وكيف أتى هذا الرزق؟ و: أنَّى، سؤال عن الكيفية وعن المكان وعن الزمان، والأظهر أنه سؤال عن الجهة، فكأنه قال: من أي جهة لك هذا الرزق؟ ولذلك قال أبو عبيدة: معناه من أين؟ ولا يبعد أن يكون سؤالًا عن الكيفية، أي كيف تهيأ وصول هذا الرزق إليك.\n(قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ظاهره أنه لم: يأت به آدمي ألبتة، بل هو رزق يتعهدني به الله تعالى.\n• قال الماوردي: قوله تعالى (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) فيه قولان:\nأحدهما: أن الله تعالى كان يأتيها بالرزق.\nوالثاني: أن بعض الصالحين من عباده سخره الله تعالى لها لطفًا منه بها حتى يأتيها رزقها. والأول أشبه.\n• وقال أبو حيان: وهذا الخارق العظيم قيل: هو بدعوة زكريا لها بالرزق، فيكون من خصائص زكريا وقيل: كان تأسيسًا لنبوّة ولدها عيسى.","vol":"3","page":252},{"text":"وهذان القولان شبيهان بأقوال المعتزلة حيث ينفون وجود الخارق على غير النبي، إلا إن كان ذلك في زمان نبي، فيكون ذلك معجزة لذلك النبي.\nوالظاهر أنها كرامة خص الله بها مريم، ولو كان خارقًا لأجل زكريا لم يسأل عنه زكريا، وأما كون ذلك لأجل نبوة عيسى، فهو كان لم يخلق بعد.\nقال الزجاج: وهذا الخارق من الآية التي قال تعالى (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ).\n(إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: بغير مكافأة ومن غير تعب ولا جد.\n• وهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم، وأن يكون من كلام الله ﷾، وقوله (بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي بغير تقدير لكثرته، أو من غير مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها، وهذا كقوله (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).\nورجح الطبري أنه من كلام الله تعالى لنبيه -ﷺ- فقال: (إنّ الله يَرْزُقُ مَن يشاء بغير حساب) فخبرٌ من الله أنه يسوق إلى من يشاء من خلقه رزقَه، بغير إحصاء ولا عدد يحاسب عليه عبدَه. لأنه جل ثناؤه لا ينقصُ سَوْقُه ذلك إليه كذلك خزائنَه، ولا يزيدُ إعطاؤه إياه، ومحاسَبته عليه في مُلكه، وفيما لديه شيئًا، ولا يعزب عنه علمُ ما يرزقه، وإنما يُحاسب مَنْ يعطي مَا يعطيه، مَنْ يخشى النقصانَ من ملكه، ودخولَ النفاد عليه بخروج ما خرج من عنده بغير حساب معروف، ومن كان جاهلا بما يعطى على غير حساب.","vol":"3","page":253},{"text":"• قوله تعالى (من يشاء) ليعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، هي مشيئة مقرونه بالحكمة، والدليل على ذلك، قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله، بيّن أن ذلك مبني عن علم وحكمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1033>الفوائد:</span>\n١ - تعظيم هذه القصة، لأن الله أمر رسوله -ﷺ- أن يبينها للناس.\n٢ - عبادة هذه الأسرة لله تعالى.\n٣ - النية الصالحة في تربية الأبناء.\n٤ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم.\n٥ - اعتذار الإنسان عن ربه إذا وقع الأمر خلاف ذلك.\n٦ - التوسل إلى الله بربوبيته.\n٧ - أنه لا يستوي الذكور والإناث.\n٨ - جواز تسمية المولود حين يولد.\n٩ - مشروعية إعاذة الإنسان أبناءه من الشيطان.\n١٠ - إثبات عداوة الشيطان للإنسان.\n١١ - أن الله منّ على هذه الطفلة بشيئين: بالقبول الحسن، والنبات الحسن.\n١٢ - أن الله قد ييسر للإنسان من يكفله من أهل الخير.\n١٣ - أن الأنبياء لا يعلمون الغيب.\n١٤ - إثبات أن الله يرزق من يشاء بغير حساب.","vol":"3","page":254},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1034>(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ (٤١».</span> [آل عمران: ٣٨ - ٤١].\n<hr><s0>\n\n(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ) لما رأى زكريا، ﵇، أن الله تعالى يرزق مريم، ﵍، فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، وإن كان شيخًا كبيرًا قد ضعف ووَهَن منه العظم، واشتعل رأسه شيبا، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خَفيًا.\n• قال في التسهيل (هُنَالِكَ) إشارة إلى مكان، وقد يستعمل في الزمان، وهو الأظهر هنا أي: لما رأى زكريا كرامة الله تعالى لمريم سأل مِنَ اللِه.\n(قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ) أي: من عندك.\n(ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) أي: ولدًا صالحًا، والمراد هنا ولدًا صالحًا كما قال تعالى (… فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ).\n• قال السعدي: قوله تعالى (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) أي: طاهرة الأخلاق، طيبة الآداب، لتكمل النعمة الدينية والدنيوية بهم. فاستجاب له دعاءه.","vol":"3","page":255},{"text":"• قال ابن عاشور: قوله تعالى (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ) أي: في ذلك المكان، قبل أن يخرج، وقد نبهه إلى الدعاء مشاهدة خوارق العادة مع قول مريم (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) والحكمة ضالة المؤمن، وأهل النفوس الزكية يعتبرون بما يرون ويسمعون، فلذلك عمد إلى الدعاء بطلب الولد في غير إبانه، وقد كان في حسرة من عدم الولد كما حكى الله عند في سورة مريم، وأيضًا فقد كان حينئذ في مكان شهد فيه فيضًا إلهيًا، ولم يزل أهل الخير يتوخون الأمكنة بما حدث فيها من خير، والأزمنة الصالحة كذلك، وما هي إلا كالذوات الصالحة في أنها محال تجليات رضا الله.\nوسأل الذرية الطيبة لأنها التي يرجى منها خير الدنيا والآخرة بحصول الآثار الصالحة النافعة.، ومشاهدة خوارق العادات خولت لزكريا الدعاء بما هو من الخوارق، أو من المستبعدات، لأنه رأى نفسه غير بعيد عن عناية الله تعالى، لا سيما في زمن الفيض أو مكانه، فلا يعد دعاؤه بذلك تجاوزا لحدود الأدب مع الله.\n• قال القرطبي: دلّت هذه الآية على طلب الولد، وهي سُنّة المرسلين والصدّيقين.\nقال الله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً).\nوفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وَقّاص قال: أراد عثمان أن يتبتّل فنهاه رسول الله -ﷺ-، ولو أجاز له ذلك لاختصينا.\nوقد ترجم البخاري على هذا (باب طلب الولد) وقال -ﷺ- لأبى طَلْحة حين مات ابنه (أعْرَسْتم الليلة؟ قال نعم قال: بارك الله لكما في غابر ليلتكما، قال فحملت.\nوفي البخاري: قال سفيان فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن.\nوترجم أيضًا (باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة) وساق حديث أنس بن مالك قال قالت \" أم سُليم: يا رسول الله، خادمك أنس أدع الله له، فقال: اللّهُمّ أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته.\nوقال -ﷺ- (الّلهُمّ اغفر لأبي سَلَمة وارفع درجته في المهديَّين فيما واخلفه في عَقِبه في الغابرين).\nوقال -ﷺ- (تزوجوا الوَلود الوَدود فإني مكاثر بكم الأمم) أخرجه أبو داود.\nوالأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه؛ لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته.\nقال -ﷺ- (إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث\" فذكر: أو ولد صالح يدعو له) ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية. (تفسير القرطبي).","vol":"3","page":256},{"text":"(إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) ليس المراد منه أن يسمع صوت الدعاء فذلك معلوم، بل المراد منه أن يجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه، وهو كقول المصلين: سمع الله لمن حمده، يريدون قبل حمد من حمد من المؤمنين، وهذا متأكد بما قال تعالى حكاية عن زكريا ﵇ في سورة مريم (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيًّا).\nكما قال تعالى عنه في سورة مريم (كهيعص. ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا. يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا. قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا).\n• ففي قوله تعالى (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) اختلف المفسرون لماذا دعاء ربه خفيًا (أي سرًا)؟\nالقول الأول: أخفاه من قومه لئلا يلام على مسألة الولد عند الكبر.\nالقول الثاني: لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره.\nالقول الثالث: إنه أخفاه لأنه طلب أمر دنيوي.\nالقول الرابع: لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء.\nورجح هذا القول: الطبري، وابن الجوزي، والرازي، والآلوسي، وابن عاشور، والقاسمي، والشنقيطي، والسعدي.\nقال الطبري: قوله تعالى (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) يقول حين دعا ربه، وسأله بنداء خفي، يعنى: وهو مستسرّ بدعائه ومسألته إياه ما سأل، كراهة منه للرياء.\nوقال ابن الجوزي: وهذه القصة تدل على أن المستحب إِسرار الدعاء، ومنه الحديث: إِنكم لا تدعون أصم.\nوقال السعدي: … وناداه نداء خفيًا، ليكون أكمل وأفضل وأتم إخلاصًا.\nوقال الشنقيطي: والأظهر: أن السر في إخفائه هو ما ذكرنا من كون الإخفاء أفضل من الإعلان في الدعاء.\n• وقد ذكر ابن القيم فوائد إخفاء الدعاء فقال:\nأحدها: أنه أعظم إيمانا لأن صاحبه يعلم أن الله تعالى يسمع دعاءه الخفي وليس كالذي قال أن الله يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا.\nثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تسأل برفع الأصوات وإنما تخفض عندهم الأصوات ويخف عندهم الكلام بمقدار ما يسمعونه.\nثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده فإن الخاشع الذليل الضارع إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه وذلت جوارحه وخشع صوته حتى إنه ليكاد تبلغ به ذلته ومسكنته وكسره وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوله بالنطق.\nرابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.","vol":"3","page":257},{"text":"خامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الله تعالى في الدعاء فإن رفع الصوت يفرقه ويشتته فكلما خفض صوته كان أبلغ في صمده وتجريد همته وقصده للمدعو ﷾.\nسادسها: وهو من النكت السرية البديعة جدا أنه دال على قرب صاحبه من الله وأنه لاقترابه منه وشدة حضوره يسأله مسألة أقرب شيء إليه فيسأله مسألة مناجاة للقريب لا مسألة نداء البعيد للبعيد.\nسابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يكل لسانه وتضعف بعض قواه.\nثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات والمضعفات فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل هناك تشويش ولا غيره.\nتاسعها: إن أعظم النعم الإقبال على الله والتعبد له والانقطاع إليه والتبتل إليه ولكل نعمة حاسد على قدرها دقت أو جلت ولا نعمة أعظم من هذه النعمة فأنفس الحاسدين المنقطعين متعلقة بها وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد وأن لا يقصد إظهارها له.\n• وقوله تعالى (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) المراد بالإرث هنا إرث النبوة والعلم لا المال، وذلك لأمور:\nأولًا: أن النبي أعظم وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده.\nثانيًا: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجارًا يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالًا ولا سيما الأنبياء ﵈، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.\nثالثًا: أنه ثبت في الصحيحين أن رسول الله -ﷺ- قال (لا نُورث، ما تركنا فهو صدقة) وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح (نحن معاشر الأنبياء لا نورث).\nرابعًا: قوله تعالى (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ) أي: في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها. … (تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٣).","vol":"3","page":258},{"text":"وقوله تعالى (بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) اختلف في معنى (لم نجعل له سميًا).\nقيل: لم يسم أحد قبله بهذا الاسم، واختاره ابن جرير والشوكاني والشنقيطي.\nوقيل: لم نجعل له شبيهًا.، وهذا مرجوح لأن يحيي سبقه كثير من الأنبياء، وفيهم من هو أفضل منه.\n• قال ابن جرير: وهذا القول أعني قول من قال: لم يكن ليحيى قبل يحيى أحد سمي باسمه أشبه بتأويل ذلك، وإنما معنى الكلام: لم نجعل للغلام الذي نهب لك الذي اسمه يحيى من قبله أحدا مسمى باسمه.\n• قال الشوكاني: قال أكثر المفسرين: معناه: لم نسمّ أحدًا قبله يحيى.\nوقال مجاهد وجماعة: معنى (لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا) أنه لم يجعل له مثلًا ولا نظيرًا، فيكون على هذا مأخوذ من المساماة أو السموّ، وردّ هذا بأنه يقتضي تفضيله على إبراهيم وموسى.\nوقيل: معناه لم تلد عاقر مثله، والأوّل أولى.\nثم قال ﵀: وفي إخباره سبحانه بأنه لم يسمّ بهذا الاسم قبله أحد فضيلة له من جهتين:\nالأولى: أن الله سبحانه هو الذي تولى تسميته به، ولم يكلها إلى الأبوين.\nوالجهة الثانية: أن تسميته باسم لم يوضع لغيره يفيد تشريفه وتعظيمه.\nقال الشنقيطي: وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: اسْمُهُ يَحْيَى، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ، وَلَمْ يَكِلْ تَسْمِيَتَهُ إِلَى أَبِيهِ، وَفِي هَذَا مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِيَحْيَى.\n(فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ) أي: خاطبته الملائكة شفاها خطابًا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خَلْوَته، ومجلس مناجاته، وصلاته، ثم أخبر عما بشّرته به الملائكة.\nوقال بعض العلماء: أطلق الملائكة وأراد جبريل، ومثل به بعض علماء الأصول للعام المراد به الخصوص قائلًا: إنه أراد بعموم الملائكة خصوص جبريل.\n• قال ابن الجوزي: وفي الملائكة قولان:\nأحدهما: جبريل وحده، قال السدي، ومقاتل، ووجهه أن العرب تخبر عن الواحد بلفظ الجمع، تقول: ركبت في السفن، وسمعت هذا من الناس.\nوالثاني: أنهم جماعة من الملائكة، وهو مذهب قوم، منهم ابن جرير الطبري.\n(أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سُمِّي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان، وأن الذي تولى اسمه هو الله تعالى.","vol":"3","page":259},{"text":"(مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) أي: مصدقًا بعيسى.\nقال الرازي: وهو اختيار الجمهور.\nقال الشنقيطي: وإنما قيل لعيسى: كلمة، لأن الله أوجده بكلمة وهي قوله (كن) فكان كما قال تعالى (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ).\nقال الشنقيطي: وهذا قول جمهور العلماء في معنى (مصدقًا بكلمة الله)، وقيل: المراد بـ (كلمة) الكتاب، أي: مصدقًا بكتاب الله.\n(وَسَيِّدًا) السيد، الذي يسود قومه؛ أي يفوقهم في الشرف والفضل.\n(وَحَصُورًا) الصحيح في معنى (وحصورًا) أنه الذي حصر نفسه عن النساء مع القدرة على إتيانهن تبتلًا منه، وانقطاعًا لعبادة الله، وكان ذلك جائزًا في شرعه، وأما سنة النبي -ﷺ- فهي التزوج وعدم التبتل.\n• قال الرازي: والقول الثاني: وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها.\n• وقال البغوي: واختار قوم هذا القول لوجهين:\nأحدهما: لأن الكلام خرج مخرج الثناء، وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء.\nوالثاني: أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء.\n• وقول من قال إنه كان عاجز عن إتيان النساء لعجزه، أو لأنه عنين، فهذا ليس بصحيح.\n• قال الرازي: من العلماء قال كان ذلك لصغر الآلة، ومنهم من قال: كان ذلك لتعذر الإنزال، ومنهم من قال: كان ذلك لعدم القدرة، فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول، كأنه قال محصور عنهن، أي محبوس، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب، وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز، ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثوابًا ولا تعظيمًا.\n• وقال الشنقيطي: أما قول من قال: إن الحصور فعول بمعنى مفعول، وأنه محصور عن النساء لأنه عنين لا يقدر على إتيانهن، فليس بصحيح، لأن العنّة عيب ونقص في الرجال، وليست من فعله حتى يثنى عليه بها.\n(وَنَبِيًّا) هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى.\n(مِنَ الصَّالِحِينَ) الذين صلحت عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم ونياتهم، والصلاح ضد الفساد، وقد وصف الله يحيي بالصلاح مع من وصف بذلك من الأنبياء في سورة الأنعام في قوله (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ).\n(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) لم يبين هنا القدر الذي بلغ من الكبر، ولكنه بينه في سورة مريم أنه بلغ من الكبَر عتيًا وذلك في قوله تعالى (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) والعتي: اليبس والقحول في المفاصل والعظام من شدة الكِبَر.","vol":"3","page":260},{"text":"(وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) وبيّن تعالى أنها كانت كذلك قبل كِبرها بقوله (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا).\n• فإن قيل: ما وجه استفهام زكريا في قوله (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) مع علمه بقدرة الله تعالى على كل شيء فَالْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:\nالْأَوَّلُ: أَنَّ اسْتِفْهَامَ زَكَرِيَّا اسْتِفْهَامُ اسْتِخْبَارٍ وَاسْتِعْلَامٍ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ هَلِ اللَّهُ يَأْتِيهِ بِالْوَلَدِ مِنْ زَوْجَةِ الْعَجُوزِ عَلَى كِبَرِ سِنِّهِمَا عَلَى سَبِيلِ خَرْقِ الْعَادَةِ، أَوْ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ شَابَّةً، أَوْ يَرُدُّهُمَا شَابَّيْنِ؟ فَاسْتَفْهَمَ عَنِ الْحَقِيقَةِ لِيَعْلَمَهَا، وَلَا إِشْكَالَ فِي هَذَا، وَهُوَ أَظْهَرُهَا.\nالثَّانِي: أَنَّ اسْتِفْهَامَهُ اسْتِفْهَامُ تَعَجُّبٍ مِنْ كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.\nالثَّالِثُ: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهِ بُعْدًا هُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ: مِنْ أَنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى، قَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ: لَيْسَ هَذَا نِدَاءُ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ نِدَاءُ الشَّيْطَانِ، فَدَاخَلَ زَكَرِيَّا الشَّكُّ فِي أَنَّ النِّدَاءَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ الشَّكِّ النَّاشِئِ عَنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ قَبْلَ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ، وَلِذَا طَلَبَ الْآيَةَ مِنَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً الْآيَةَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ فِيهِ بُعْدٌ; لِأَنَّهُ لَا يَلْتَبِسُ عَلَى زَكَرِيَّا نِدَاءُ الْمَلَائِكَةِ بِنِدَاءِ الشَّيْطَانِ.\n• وقال ابن عطية: وذهب الطبري وغيره إلى أن زكرياء لما رأى حال نفسه وحال امرأته وأنها ليست بحال نسل سأل عن الوجه الذي به يكون الغلام، أتبدل المرأة خلقتها أم كيف يكون؟\nثم قال ابن عطية: وهذا تأويل حسن يليق بزكريا -﵇-، وقال مكي: وقيل إنما سأل لأنه نسي دعاءه لطول المدة بين الدعاء والبشارة وذلك أربعون سنة، وهذا قول ضعيف المعنى.","vol":"3","page":261},{"text":"(قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) أي: هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر.\n(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني.\n• قال الآلوسي: (قَالَ رَبّ اجعل لِّي ءايَةً) أي علامة تدلني على العلوق وإنما سألها استعجالًا للسرور قاله الحسن، وقيل ليتلقى تلك النعمة بالشكر حين حصولها ولا يؤخر حتى تظهر ظهورًا معتادًا، ولعل هذا هو الأنسب بحال أمثاله ﵇، وقول السدي: إنه سأل الآية ليتحقق أن تلك البشارة منه تعالى لا من الشيطان ليس بشيء كما أشرنا إليه آنفًا.\n• وقال ابن عاشور: وعن السدي والربيع: آية تحقق كون الخطاب الوارد عليه واردًا من قبل الله تعالى، وهو ما في إنجيل لوقا، وعندي في هذا نظر، لأن الأنبياء لا يلتبس عليهم الخطاب الوارد عليهم من الله ويعلمونه بعلم ضروري.\n(قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) أي: إشارة لا تستطيع النطق، مع أنك سوي صحيح، كما في قوله (ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا).\n• قال الشنقيطي: لَمْ يُبَيِّنْ هَلِ الْمَانِعُ لَهُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ بُكْمٌ طَرَأَ لَهُ، أَوْ آفَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَا مَانِعَ لَهُ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا عِلَّةَ لَهُ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي سُورَةِ «مَرْيَمَ» أَنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَيْهِ وَأَنَّ انْتِفَاءَ التَّكَلُّمِ عَنْهُ لَا لِبُكْمٍ، وَلَا مَرَضٍ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) لِأَنَّ قَوْلَهُ سَوِيًّا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ تُكَلِّمَ مُفِيدٌ لِكَوْنِ انْتِفَاءِ التَّكَلُّمِ بِطَرِيقِ الْإِعْجَازِ وَخَرْقِ الْعَادَةِ، لَا لِاعْتِقَالِ اللِّسَانِ بِمَرَضٍ، أَيْ: يَتَعَذَّرُ عَلَيْكَ تَكْلِيمُهُمْ وَلَا تُطِيقُهُ، فِي حَالِ كَوْنِكَ سَوِيَّ الْخَلْقِ سَلِيمَ الْجَوَارِحِ، مَا بِكَ شَائِبَةٌ بُكْمٌ وَلَا خَرَسٌ، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ).\n• وقال الشنقيطي: أي تمنع الكلام فلا تطيقه ثلاث ليال بأيامهن في حال كونك سويًا، أي سوي الخلق، سليم الجوارح، ما بك خرس ولا بكم ولكنك ممنوع من الكلام على سبيل خرق العبادة، وأما ذكر الله فليس ممنوعًا منه بدليل قوله تعالى في آل عمران (َاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ).\n• قال في التسهيل: قوله تعالى (واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا) وإنما حبس لسانه عن الكلام تلك المدة ليخلص فيها لذكر الله شكرًا على استجابة دعائه ولا يشغل لسانه بغير الشكر والذكر.\n• قال الرازي: ثم اعلم أن تلك الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه:\nأحدها: أن قدرته على التكلم بالتسبيح والذكر، وعجزه عن التكلم بأمور الدنيا من أعظم المعجزات.\nوثانيها: أن حصول ذلك المعجز في تلك الأيام المقدورة مع سلامة البنية واعتدال المزاج من جملة المعجزات.\nوثالثها: أن إخباره بأنه متى حصلت هذه الحالة فقد حصل الولد، ثم إن الأمر خرج على وفق هذا الخبر يكون أيضًا من المعجزات.\n• قال السعدي: وفيه مناسبة عجيبة، وهي أنه كما يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، فإنه يوجدها بدون أسبابها ليدل ذلك أن الأسباب كلها مندرجة في قضائه وقدره.","vol":"3","page":262},{"text":"(وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا) قلبك ولسانك في جميع أوقاتك، أمره بذكره، لأن بالذكر تطمئن القلوب، وترتاح النفوس، ويستنير القلب، وشكرًا لله تعالى.\nوقد أمر الله بذكره كثيرًا:\nقال تعالى (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا).\nوقال تعالى (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).\nوقال تعالى (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).\n(وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) العشي: آخر النهار، والإبكار أول النهار.\nوهذا الوقتان قد أمر الله بذكره فيهما:\nفقال تعالى (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا).\nوقال تعالى (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ).\nوقال تعالى (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ).\nوتسبيح الله يكون عن أمور ثلاثة:\nعن صفة العيب، وعن نقص في كمال، وعن مماثلة المخلوقين.\nفالنقص كقوله تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ).\nوعن نقص في كمال مثل قوله تعالى (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا).\nومماثلة المخلوقين مثل قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1035>الفوائد:</span>\n١ - أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله حتى الأنبياء.\n٢ - أن زكريا بلغ سنًا بعيدًا دون أن يأتيه ولد.\n٣ - أنه ينبغي للإنسان إذا سأل ذرية أن يسأل ذرية طيبة.\n٤ - التوسل إلى الله بأسمائه المناسبة للحاجة.\n٥ - أن الله يسمع الدعاء ويجيب.\n٦ - إثبات الملائكة.\n٧ - مشروعية تبشير الإنسان بما يسره.","vol":"3","page":263},{"text":"قال تعالى (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ).\nوقال تعالى (وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ).\nوقال معاذ للرسول (أفلا أبشر الناس؟) متفق عليه.\nقال كعب (… فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحالِ الَّتي ذَكَرَ الله تَعَالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلَى صَوتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِدا، وَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ. فآذَنَ رسولُ الله -ﷺ- النَّاسَ بِتَوْبَةِ الله -﷿- عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجْر فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا وَسَعَى\nسَاعٍ مِنْ أسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءني الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُني نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إيَّاهُ بِبشارته، وَاللهِ مَا أمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبسْتُهُما، وَانْطَلَقْتُ أتَأمَّمُ رسولَ الله -ﷺ- يَتَلَقَّاني النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهنِّئونَني بالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ\n٨ - الثناء على من صدق المرسلين.\n٩ - الصفات العظيمة في النبي يحيي.\n١٠ - أن الأنبياء من الصالحين، بل هم في أعلى مراتب الصلاح.\n١١ - أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب ما تطمئن به نفسه.\n١٢ - إثبات المشيئة لله.\n١٣ - جواز البحث عما يزيد الإيمان.\n١٤ - تمام قدرة الله.\n١٥ - فضل ذكر الله.\n١٦ - فضل ذكر الله في هذين الوقتين.\n(الأحد ٨/ ٦/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"3","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1036>(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤».</span> [آل عمران: ٤٢ - ٤٤].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ) قالوا المراد بالملائكة ههنا جبريل وحده.\nوهذا كقوله (يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ) يعني جبريل، وهذا وإن كان عدولًا عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه، لأن سورة مريم دلت على أن المتكلم مع مريم ﵍ هو جبريل -﵇-، وهو قوله (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا).\nوالمعنى: واذكر يا محمد للناس وقت أن قالت الملائكة لمريم - التي تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا - يا مريم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ، أي: اختارك واجتباك لطاعته، وقبلك لخدمة بيته وَطَهَّرَكِ من الأدناس والأقذار، ومن كل ما يتنافى مع الخلق الحميد، والطبع السليم وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ بأن وهب لك عيسى من غير أب دون أن يمسسك بشر.\nوجعلك أنت وهو آية للعالمين.\nفأنت ترى أن اللّه تعالى قد مدح مريم مدحًا عظيمًا بأن شهد لها بالاصطفاء والطهر والمحبة، وأكد هذا الخبر للاعتناء بشأنه، والتنويه بقدره.\n• وقول الملائكة لمريم (إن اللّه اصطفاك وطهرك ..) الراجح أنهم قالوه لها مشافهة، لأن هذا ما يدل عليه ظاهر الآية، وإليه ذهب صاحب الكشاف فقد قال: روى أنهم كلموها شفاها معجزة لزكريا، أو إرهاصا لنبوة عيسى.\nوقيل: كان خطابهم لها بالإلهام أو بالرؤيا الصادقة في النوم.\nوالأول أولى لأنه هو الظاهر من الآية، ولأنه الموافق لأقوال جمهور المفسرين، ولأنه جاء صريحا في آيات أخرى أن الملك قد تمثل لها بشرا سويا وكلمها، وذلك في قوله تعالى في سورة مريم: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا. قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا. قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا.","vol":"3","page":265},{"text":"(يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ) اصطفاؤه إياها سبحانه من وجوه:\nأحدها: أنه تعالى قبل تحريرها مع أنها كانت أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث.\nثانيها: أنه تعالى فرغها لعبادته، وخصها في هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة.\nثالثها: أنه كفاها أمر معيشتها، فكان يأتيها رزقها من عند الله تعالى على ما قال الله تعالى (أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله).\nرابعها: أنه أنبتها نباتًا حسنًا.\n(وَطَهَّرَكِ) من كل عيب في خلق وخُلق ودين.\n(وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) وفي هذا الاصطفاء الثاني أقوال.\nقيل: إنه تأكيد للأول.\nوقيل: الاصطفاء الأول اصطفاء عام، وهذا الاصطفاء اصطفاء خاص بالنساء، حيث جعلها من النساء الكمّل.\nوقيل: الأول للعبادة، والثاني: لولادة عيسى ﵇.\nوذهب بعض العلماء إلى أن الاصطفاء الأول أنه تقبلها، والثاني لولادة عيسى.\n• قال الرازي: وأما الاصطفاء الثاني: فالمراد أنه تعالى وهب لها عيسى ﵇ من غير أب، وأنطق عيسى حال انفصاله منها حتى شهد بما يدل على براءتها عن التهمة، وجعلها وابنها آية للعالمين، فهذا هو المراد من هذه الألفاظ الثلاثة\n• قوله تعالى (عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) قيل: جميع النساء في سائر الأعصار، واستدل به على أفضليتها على فاطمة، وخديجة، وعائشة رضي الله تعالى عنهن.\nوقيل: المراد نساء عالمها فلا يلزم منه أفضليتها على فاطمة رضي الله تعالى عنها، واختاره ابن جرير.","vol":"3","page":266},{"text":"(يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ) القنوت دوام الطاعة في خضوع وخشوع.\n• قال ابن كثير: ثم أخبر تعالى عن الملائكة: أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والخضوع والسجود والركوع والدؤوب في العمل لها، لما يريد الله تعالى بها من الأمر الذي قدره وقضاه، مما فيه محنة لها ورفعة في الدارين، بما أظهر الله تعالى فيها من قدرته العظيمة، حيث خلق منها ولدًا من غير أب، فقال تعالى (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) أما القنوت فهو الطاعة في خشوع كما قال تعالى (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ).\n• جاء في التفسير الوسيط: القنوت. لزوم الطاعة والاستمرار عليها، مع استشعار الخشوع والخضوع اللّه رب العالمين.\nأي: قالت الملائكة أيضًا لمريم: يا مريم أخلصي العبادة للّه وحده وداومي عليها، وأكثري من السجود اللّه ومن الركوع مع الراكعين، فإن ملازمة الطاعات والصلوات من شأنها أن تحفظ النعم وأن تزيد الإنسان قربًا وحبًا من خالقه ﷿.\nفالآية الكريمة دعوة قوية من اللّه تعالى لمريم ولعباده جميعًا بالمحافظة على العبادات ولا سيما الصلاة في جماعة.\n• قوله تعالى (اقْنُتِي لِرَبِّكِ) اللام في قوله (لربك) للاختصاص، أي: قنوتًا خالصًا لله، أي: طاعة خالصة له، لأن من شرط الطاعة أن تكون خالصة لله.\n(وَاسْجُدِي) أي: السجود المعروف.\nوعطف السجود على القنوت من باب عطف الخاص على العام. وذكر الخاص بعد العام يدل على فضله ومزيته، ولذلك يعتبر السجود من أفضل الطاعات وفي الحديث (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد).\n(وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) الركوع معروف، والمعنى: (مع الراكعين) في جملتهم، وليس المراد أن تصلي مع الجماعة، لأن المرأة لا تخاطب بالصلاة مع الجماعة، لكن كوني في جملة الراكعين الذين يركعون لله.\n• قدم السجود على الركوع، لأنه أفضل وأشرف.\nوقيل: إن السجود كان في دينهم قبل الركوع، قال ابن القيم: وهذا قائل ما لا علم له به.","vol":"3","page":267},{"text":"• قال ابن القيم: والذي يظهر في الآية والله أعلم بمراده من كلامه أنها اشتملت على مطلق العبادة وتفصيلها فذكر الأعم ثم ما هو أخص منه ثم ما هو أخص من الأخص\nفذكر القنوت أولا وهو الطاعة الدائمة فيدخل فيه القيام والذكر والدعاء وأنواع الطاعة ثم ذكر ما هو أخص منه وهو السجود الذي يشرع وحده كسجود الشكر والتلاوة ويشرع في الصلاة فهو أخص من مطلق القنوت ثم ذكر الركوع الذي لا يشرع إلا في الصلاة فلا يسن الإتيان به منفردا فهو أخص مما قبله ففائدة الترتيب النزول من الأعم إلى الأخص إلى أخص منه وهما طريقتان معروفتان في الكلام النزول من الأعم إلى الأخص.\n(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) أي: هذا الذي قصصناه عليك من قصة امرأة عمران وابنتها مريم البتول ومن قصة زكريا ويحيي إنما هو من الأنباء المغيبة والأخبار الهامة التي أوحينا بها إليك يا محمد ما كنت تعلمها من قبل.\n• فاسم الإشارة ذلِكَ يعود إلى ما تقدم الحديث عنه من قصة امرأة عمران وقصة زكريا وغير ذلك من الأخبار البديعة.\nوالأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر العظيم الشأن.\nوالوحي: لغة الإعلام بسرعة.\nوشرعًا: إخبار الله تعالى لنبي من أنبيائه بما يشاءه من شرعه.","vol":"3","page":268},{"text":"• قال القرطبي: قوله تعالى (نُوحِيهِ إِلَيكَ) فيه دلالة على نبوّة محمد -ﷺ- حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ولم يكن قرأ الكتب؛ وأخبر عن ذلك وصدّقه أهل الكتاب بذلك؛ فذلك قوله تعالى (نُوحِيهِ إِلَيكَ) فردّ الكناية إلى \"ذلك\" فلذلك ذُكِّر.\n(وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) أي: وما كنت عندهم إذ يختصمون ويتنافسون على كفالة مريم حين ألقوا أقلامهم للقرعة كل يريدها في كنفه ورعايته.\n• والأقلام جمع قلم وهي التي كانوا يكتبون بها التوراة، وقيل المراد بها السهام.\nأي: وما كنت - يا محمد - لديهم أي: عندهم معاينًا لفعلهم وما جرى من أمرهم في شأن مريم، إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ التي جعلوا عليها علامات يعرف بها من يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون فيما بينهم بسببها تنافسا في كفالتها\n(وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) أي: يتنازعون فيمن يكفلها منهم.\nوالغرض: أن هذه الأخبار كانت وحيًا من عند الله العليم الخبير.\n• قال الرازي: ذكروا في تلك الأقلام وجوهًا:\nالأول: المراد بالأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة وسائر كتب الله تعالى، وكان القراع على أن كل من جرى قلمه على عكس جري الماء فالحق معه، فلما فعلوا ذلك صار قلم زكريا كذلك فسلموا الأمر له وهذا قول الأكثرين.\nوالثاني: أنهم لما ألقوا عصيهم في الماء الجاري جرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم، هذا قول الربيع\nوالثالث: قال أبو مسلم: معنى يلقون أقلامهم مما كانت الأمم تفعله من المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها أسماءهم فمن خرج له السهم سلم له الأمر، وقد قال الله تعالى (فساهم فَكَانَ مِنَ المدحضين) وهو شبيه بأمر القداح التي تتقاسم بها العرب لحم الجزور، وإنما سميت هذه السهام أقلامًا لأنها تقلم وتبرى، وكل ما قطعت منه شيئًا بعد شيء فقد قلمته، ولهذا السبب يسمى ما يكتب به قلمًا.\n• قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحًا نظرًا إلى أصل الاشتقاق، إلا أن العرف أوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به، فوجب حمل لفظ القلم عليه.","vol":"3","page":269},{"text":"• قال القرطبي: استدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القُرْعة، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة، وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم وترتفع الظِّنة عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعًا للكتاب والسنَّة.\nوردّ العملَ بالقُرْعة أبو حنيفة وأصحابه، وردّوا الأحاديث الواردة فيها، وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها.\nوحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوّزها وقال: القرعة في القياس لا تستقيم، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنّة.\nقال أبو عبيد: وقد عمِل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ونبينا محمد -ﷺ-.\nقال ابن المنذر: واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء، فلا معنى لقول من ردّها.\nوقد ترجم البخاريّ في آخر كتاب الشهادات (باب القُرْعةِ في المشكِلات وقولِ الله ﷿ (إذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ) وساق حديث النعمان بن بشير (مثل القائم على حدود الله والمُدْهِن فيها مثل قوم استهموا على سفينة …).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا).","vol":"3","page":270},{"text":"وفي الصحيحين أيضا عن عائشة أن النبي -ﷺ- (كان إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه).\n\n<span data-type='title' id=toc-1037>الفوائد:</span>\n١ - تعظيم شأن مريم.\n٢ - فضل مريم.\n٣ - أن الله يصطفي من الناس من يشاء.\n٤ - براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغيًا.\n٥ - أن مريم مفضلة على النساء.\n٦ - أن الله إذا أنعم على أحد بنعمة ينبغي أن يشكر الله ويتعبد له.\n٧ - فضيلة القنوت، وقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\n٨ - فضيلة السجود والركوع.\n٩ - إثبات رسالة النبي -ﷺ-.\n١٠ - جواز القرعة.","vol":"3","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1038>(إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٥١».</span> [آل عمران: ٤٦ - ٥١].\n<hr><s0>\n\n(إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ) هذه بشارة من الملائكة لمريم، ﵍، بأن سيوجد منها ولد عظيم، له شأن كبير.\n(إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: بقوله له (كن فيكون) وهذا تفسير قوله (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) كما ذكره الجمهور على ما سبق بيانه.\n• قال ابن عاشور: ووصف عيسى بكلمة مراد به كلمة خاصة مخالفة للمعتاد في تكوين الجنين أي بدون الأسباب المعتادة.","vol":"3","page":272},{"text":"• قوله تعالى (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) (من) ليست تبعيضية، بل ابتدائية، كقوله -ﷺ- (وروح منه) من: ابتدائية، وليست تبعيضية، كقوله تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) أي: روح صادرة من الله، وليست جزءًا من الله كما تزعم النصارى.\n(اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) اسمه عيسى، ولقبه المسيح، وينسب لأمه. سمي بالمسيح؟\nقيل: لكثرة سياحته.\nوقيل: لأنه كان مسيح القدمين، أي: لا أخْمَص لهما.\nوقيل: لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى.\n• قال النووي: حكي عن ابن عباس أنه قال: لم يمسح ذا عاهة إلا برئ.\nوقيل: لأنه ممسوح أسفل القدمين لا أخمص له.\nوقيل: لمسحه الأرض أي قطعها.\n• وينسب لأمه، حيث لا أب له.\n• قال ابن تيمية: ولهذا لما ذكر الله المسيح في القرآن قال (ابن مريم) بخلاف سائر الأنبياء وفي ذلك فائدتان:\nإحداهما: بيان أنه مولود، والله لم يولد.\nوالثانية: نسبته إلى مريم، بأنه ابنها ليس هو ابن الله. …","vol":"3","page":273},{"text":"(وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا، بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينزل عليه من الكتاب، وغير ذلك مما منحه به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه، أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله عليهم.\n• قال الشوكاني: وجاهته في الدنيا النبوة، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة.\n• وقال أبو حيان: وقيل: في الدنيا بالطاعة، وفي الآخرة بالشفاعة.\nوقيل: في الدنيا بإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص، وفي الآخرة بالشفاعة.\nوقيل: في الدنيا كريمًا لا يرد وجهه، وفي الآخرة في علية المرسلين.\nوقال الزمخشري: الوجاهة في الدنيا النبوة والتقدم على الناس، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة.\nوقال ابن عطية: وجاهة عيسى في الدنيا نبوته وذكره ورفعه، وفي الآخرة مكانته ونعميه وشفاعته.\n(وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) عند الله.\n(وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) أي: يكلمهم وهو في المهد، آية من آيات الله تعالى. (المهد فراش الرضيع).\nعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ (لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلاَّ ثَلَاثَةٌ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً فَكَانَ فِيهَا فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّى فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ. فَقَالَ يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي … وَبَيْنَا صَبِىٌّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ فَقَالَتْ أُمُّهُ اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا. فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ. قَالَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَحْكِى ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ فِي فَمِهِ فَجَعَلَ يَمُصُّهَا. قَالَ وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ زَنَيْتِ سَرَقْتِ. وَهِىَ تَقُولُ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَقَالَتْ أُمُّهُ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا. فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيثَ فَقَالَتْ حَلْقَى مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ. فَقُلْتَ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. وَمَرُّوا بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ زَنَيْتِ سَرَقْتِ. فَقُلْتُ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا. فَقُلْتَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا قَالَ إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارًا فَقُلْتُ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا زَنَيْتِ. وَلَمْ تَزْنِ وَسَرَقْتِ وَلَمْ تَسْرِقْ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا) رواه مسلم.","vol":"3","page":274},{"text":"(وَكَهْلًا) أي: يكلمهم في المهد كما يكلمهم في الكهولة.\n• قال الزمخشري: معناه يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة.\n• قال أبو مسلم: معناه أنه يكلم حال كونه في المهد، وحال كونه كهلًا على حد واحد وصفة واحدة وذلك لا شك أنه غاية في المعجزة.\n• وقال بعض العلماء: وفائدة الآية أنه أعلمهم أن عيسى -﵇- يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن يكلمهم كهلًا، إذ كانت العادة أن\nمن تكلم في المهد لم يعش.\n• قال الأصم: المراد منه أنه يبلغ حال الكهولة.\n(وَمِنَ الصَّالِحِينَ) الذين صلحت أعمالهم وعقائدهم وأقوالهم لله تعالى.\n• قال الطبري (ومن الصالحين) فإنه يعني: من عِدَادهم وأوليائهم، لأنّ أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ) أي: قالت ذلك متعجبة.\n(وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) أي: ولست بذات زوج، ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بغيًا؟ حاشا لله.\n• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (قالت رب أنّى يكون لي ولد) في علة قولها هذا قولان:\nأحدهما: أنها قالت هذا تعجبًا واستفهامًا، لا شكًا وإنكارًا، على ما أشرنا إليه في قصة زكريا، وعلى هذا الجمهور.\nوالثاني: أن الذي خاطبها كان جبريل، وكانت تظنه آدميًا يريد بهًا سوءًا، ولهذا قالت (أعوذ بالرحمن منك إِن كنت تقيًا).\n• قال تعالى في سورة مريم (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) أي دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع في خلقهم.\n• قال ابن القيم: خلق هذا النوع الإنساني على أربعة أضرب:\nلا من ذكر ولا من أنثى، كآدم.\nمن ذكر بلا أنثى، كحواء.\nمن أنثى بلا ذكر، كالمسيح.\nمن ذكر وأنثى، كسائر النوع.","vol":"3","page":275},{"text":"• قال بعض العلماء: أن الملك وهو جبريل -﵇- - لما استسلمت مريم لقضاء الله - نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج فحملت بالولد بإذن الله تعالى.\nقال تعالى في سورة مريم (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا. فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا. فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا).\n• قوله تعالى عنها (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا) أي قبل هذا الحال.\n• تمنت مريم الموت لسببين:\nالأول: خوفًا من أن يقع أناس ويفتنوا بسببها.\nالثاني: حتى لا تتهم بدينها.\n• وقولها (وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) أي لم أخلق ولم أك شيئًا.\nقال ابن كثير: فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية.\nوقوله تعالى (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) قولان للعلماء في المراد به:\nفقيل: هو جبريل، وهو قول ابن عباس.\nوقيل: عيسى، ورجحه ابن جرير والشنقيطي.\nقال الشنقيطي مرجحًا هذا القول: فأشارت إليه، وإشارتها إليه ليكلموه قرينة على أنها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة لندائه لها عندما وضعته.\n(أَلاَّ تَحْزَنِي) أي ناداها قائلًا لها: لا تحزني (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) أي جعل جدولًا صغيرًا يجري أمامك (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)\nأي حركي جذع النخلة اليابسة (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) أي طريًا لذيذًا نافعًا (فكلي) من التمر (واشربي) من النهر (وقري عينًا) بهذا المولود عيسى، ولا تحزني.","vol":"3","page":276},{"text":"(فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَدًا) أي مهما رأيت من أحد (فَقُولِي) المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي [فلن أكلم اليوم إنسيًا] (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي سكوتًا.\n(فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) أي فلن أكلم أحدًا من الناس.\n• قال السعدي: فأمرها أنها إذا رأت أحدًا من البشر أن تقول على وجه الإشارة إني نذرت للرحمن صومًا، لتستريح من قولهم وكلامهم، وإنما لم تؤمر بمخاطبتهم في نفْي ذلك عن نفسها، لأن الناس لا يصدقونها، ولا فائدة فيه، وليكون تبرئتها بكلام عيسى في المهد، أعظم شاهدًا على قراءتها.\nقوله تعالى (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ) يقول تعالى مخبرًا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك وأن لا تكلم أحدًا من البشر، فإنها ستكفى أمرها ويقام بحجتها، فسلمت الأمر لله واستسلمت لقضائه، فأخذت ولدها فأتت به قومها تحمله، فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جدًا وقالوا:\nقوله تعالى (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) أي أمرًا عظيمًا.\n(يَا أُخْتَ هَارُونَ) اختلف العلماء ما المراد بهارون هنا؟\nفقيل: نسبة إلى رجل صالح في قومها اسمه هارون، أي يا شبيهة هارون بالعبادة.\nوقيل: كانت من نسل هارون، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم.\n• وليس المراد به هارون أخا موسى بالاتفاق، لأن الله ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثًا، وليس بعده إلا محمد -ﷺ- ولهذا ثبت في الحديث الصحيح قال -ﷺ- (أنا أولى الناس بابن مريم، لأنه ليس بيني وبينه نبي).\n(مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) يا أخت الرجل الصالح هارون ما كان أبوك رجل سوء يأتي الفواحش، وما كانت أمك امرأة سوء تأتي البِغاء.","vol":"3","page":277},{"text":"(فأشارت إليه) أي أنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه.\n• ومعنى إشارتها إليه: أي أنهم يكلمونه فيخبرهم بحقيقة الأمر، بدليل أنهم قالوا (كيف نكلم من كان في المهد صبيًا).\nفقالوا متهكمين بها ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) أي من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه.\nكما قال تعالى (وقال عيسى يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم).\nوقال (إن الله ربي وربكم هذا صراط مستقيم).\nوقال تعالى عنه (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم).\n• قال العلماء: إنما قدم ذكر العبودية ليبطل قول من ادعى فيه الربوبية.\n(قَالَ) لها الملك في جواب هذا السؤال:\n(كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) أي: هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء. وصرح هاهنا بقوله (يَخْلُقُ) ولم يقل: (يفعل) كما في قصة زكريا، بل نص هاهنا على أنه يخلق؛ لئلا يبقى شبهة.\n(إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أي: فلا يتأخر شيئًا، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة، كقوله تعالى (وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) أي: إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعًا كلمح بالبصر.\n• قال الطبري: يقول تعالى: قالت مريم إذ قالت لها الملائكة أنّ الله يبشرك بكلمة منه: (ربِّ أنَّى يكون لي ولد) من أيِّ وجه يكون\nلي ولد؟ أمِن قبل زوج أتزوجه وبعل أنكحه، أمْ تبتدئ فيَّ خلقه من غير بعل ولا فحل، ومن غير أن يمسَّني بشر؟ فقال الله لها (كذلك الله يخلق ما يشاء) يعني: هكذا يخلق الله منك ولدًا لك من غير أن يمسَّك بشر، فيجعله آيةً للناس وعبرة، فإنه يخلق ما يشاء ويصنعُ ما يريد، فيعطي الولد من يشاء من غير فحل ومن فحلٍ، ويحرِمُ ذلك من يشاءُ من النساء وإن كانت ذات بعلٍ، لأنه لا يتعذر عليه خلق شيء أراد خلقه، إنما هو أن يأمر إذا أراد شيئًا ما أراد خلقه فيقول له (كن فيكون) ما شاء، مما يشاء، وكيف شاء.","vol":"3","page":278},{"text":"(وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ) الظاهر أن المراد بالكتاب هاهنا الكتابة، قاله ابن كثير، واختار هذا ابن جرير الطبري.\n• قال ابن عطية: (ويعلمه الكتاب) هو الخط باليد فهو مصدر كتب يكتب. هذا قول ابن جريج وجماعة المفسرين، وقال بعضهم: هي إشارة إلى كتاب منزل لم يعين وهذه دعوى لا حجة عليها.\n(وَالْحِكْمَةَ) قيل: المراد بالحكمة هنا تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق.\nوقيل: المراد بها هنا السنة، واختاره ابن جرير.\nوقيل: سنن الأنبياء ﵈.\nوقيل: الصواب في القول والعمل.\n• من حكم عيسى -﵇-:\nكما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك اتركوا لهم بالدنيا.\nلا يصيب أحد حقيقة الإيمان حتى لا يبالي من أكل الدنيا.\nيا معاشر الحواريين إن خشية الله وحب الفردوس يورثان الصبر على المشقة، ويباعدان من زهرة الدنيا.\nيا ابن آدم الضعيف اتّق الله حيثما كنت، وكل كسرتك من حلال، واتخذ المسجد بيتًا، وكن فيه الدنيا ضعيفًا، وعوّد نفسك البكاء، وقلبك التفكر، وجسدك الصبر، ولا تهتم برزقك غدًا فإنها خطيئة تكتب عليك.\nأصل كل خطيئة حب الدنيا. ورب شهوة أورثت أهلها حزنًا طويلًا.\nاعبروا الدنيا ولا تعمروها، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة.\nحب الدنيا أصل كل خطيئة، والمال فيه داء كبير. قالوا: وما داؤه؟ قال: لا يسلم من الفخر والخيلاء. قالوا: فإن سلم؟ قال: يشغله اصلاحه عن ذكر الله.\nوأخرج البيهقي عن مالك بن دينار قال: قالوا لعيسى -﵇- يا روح الله ألا نبني لك بيتا؟ قال: بلى. ابنوه على ساحل البحر قالوا: إذن يجيء الماء فيذهب به قال: أين تريدون؟ تبنون لي على القنطرة؟\nمرت امرأة على عيسى -﵇- فقالت: طوبى لثدي أرضعك، وحجر حملك، فقال عيسى -﵇-: طوبى لمن قرأ كتاب الله ثم عمل بما فيه.\nالخمر مفتاح كل شر، والنساء حبالة الشيطان.\nوقال لأحبار بني إسرائيل: لا تكونوا للناس كالذئب السارق، وكالثعلب الخدوع، وكالحدأ الخاطف.\nيا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارًا؟ قالوا: يا روح الله ومن يقدر على ذلك! قال: إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارًا.\nطوبى لمن خزن لسانه، ووسعه بيته، وبكى من ذكر خطيئته. استحي مني.\n(وَالتَّوْرَاةَ) وهو الكتاب الذي أنزله الله على موسى بن عمران.\n(وَالْإِنْجِيلَ) وهو الذي أنزله الله على عيسى -﵇-، وقد كان عيسى -﵇-، يحفظ هذا وهذا.\n(وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ) أي: ويجعله رسولًا إلى بني إسرائيل، قائلا لهم:\n(أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي: جئتكم بعلامة تدل على صدقي، وهي ما أيدني الله من المعجزات.\n• المراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه تعالى عدد ههنا أنواعًا من الآيات، وهي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار عن\nالمغيبات فكان المراد من قوله (قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ) الجنس لا الفرد.","vol":"3","page":279},{"text":"وفي هذا أن عيسى بعث إلى قومه خاصة لقوله (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ) ولقوله -ﷺ- (وكان النبي -ﷺ- يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) متفق عليه.\n(أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) وكذلك كان يفعل: يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخُ فيه، فيطير عيانًا بإذن الله، ﷿، الذي جعل هذا معجزة يَدُلّ على أن الله أرسله.\n• قال في التسهيل: ذكر (بِإِذْنِ الله) رفعًا لوهم من توهم في عيسى الربوبية.\n• وقال الشوكاني: وقوله (بِإِذُنِ الله) فيه دليل على أنه لولا الإذن من الله ﷿ لم يقدر على ذلك، وأن خلق ذلك كان بفعل الله سبحانه أجراه على يد عيسى ﵇.\n• قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) الآية، هذه الآية يوهم ظاهرها أن بعض المخلوقين ربما خلق بعضهم، ونظيرها قوله تعالى (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) الآية، وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الله خالق كل شيء كقوله تعالى (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)، وقوله (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) إلى غير ذلك من الآيات.\nوالجواب ظاهر وهو معنى خلق عيسى كهيئة الطير من الطين: هو أخذه شيئًا من الطين وجعله على هيئة أي صورة الطير، وليس المراد الخلق الحقيقي؛ لأن الله متفرد به - جل وعلا -وقوله (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) معناه: تكذبون، فلا منافاة بين الآيات كما هو ظاهر.\n(وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ) قيل: هو الذي يبصر نهارًا ولا يبصر ليلًا، وقيل بالعكس. وقيل: هو الأعشى. وقيل: الأعمش. وقيل: هو الذي يولد أعمى. وهو أشبه؛ لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي.\n(وَالْأَبْرَصَ) معروف.\n• قال ابن عادل: إنما خَصَّ هذين المرضَيْن لأنهما أعْيا الأطباء، وكان الغالب في زمن عيسى -﵇- الطبَّ، فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك.\n• وقال الشوكاني: وإنما خص الله سبحانه هذين المرضين بالذكر؛ لأنهما لا يبرآن في الغالب بالمداواة.","vol":"3","page":280},{"text":"(وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) الآية العظمى، وهذا من آيات الله، وفي الأخرى (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى)، في الآيتين إحياء الموتى وإن كانوا على ظهر الأرض، وإحياء الموتى وإن كانوا في القبور وإخراجهم منها أحياء، يعني إذا ضممت هذه إلى هذه استفدت فائدتين: أنه يحيي الموتى وهم على ظهر الأرض، ويحييهم وهم في بطن الأرض فيخرجون. (الشيخ ابن عثيمين).\n• قال ابن كثير: قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى -﵇- السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بَهَرَت الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من الأبرار. وأما عيسى -﵇- فبُعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه، والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد -ﷺ- بعثه الله في زمن الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله، ﷿، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدًا.\n(وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) أي: أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر له في بيته لغده.\n• قال الرازي: الإخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة، وذلك لأن المنجمين الذين يدعون استخراج الخير لا يمكنهم ذلك إلا عن سؤال يتقدم ثم يستعينون عند ذلك بآلة ويتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب، ثم يعترفون بأنهم يغلطون كثيرًا، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة، ولا تقدم مسألة لا يكون إلا بالوحي من الله تعالى.\n(إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي: في ذلك كله.\n• قال الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ في خلقي من الطين الطيرَ بإذن الله، وفي إبرائي الأكمهَ والأبرصَ، وإحيائي الموتى، وإنبائيَ إياكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، ابتداءً من غير حساب وتنجيم، ولا كهانة وعرافة.","vol":"3","page":281},{"text":"(لَآيَةً لَكُمْ) على صدقي فيما جئتكم به.\n• قال الطبري: أي: لعبرةً لكم ومتفكَّرًا، تتفكرون في ذلك فتعتبرون به أنيّ محق في قولي لكم (إني رسولٌ من ربكم إليكم) وتعلمون به أني فيما أدعوكم إليه من أمر الله ونهيه صادق.\n(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يعني: إن كنتم مصدّقين حجج الله وآياته، مقرّين بتوحيده، وبنبيه موسى والتوراة التي جاءكم بها.\n• فغير المؤمن لا ينتفع بالآيات قال تعالى (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ).\nوقال تعالى (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ).\n(وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) أي: مقرر لهم ومُثَبّت.\n(وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) أي: ولأحلَّ لكم بوحي من الله بعض ما حرَّمه الله عليكم تخفيفًا من الله ورحمة.\nوالمحرم عليهم ذكر الله تعالى في قوله (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ).\nوقال تعالى (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ).\n• قال ابن كثير: فيه دلالة على أن عيسى، ﵇، نسَخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئًا، وإنما أحَلّ لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطؤوا، فكشف لهم عن المغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى (وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) والله أعلم.\n(وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي: وجئتكم بحجة من ربكم على صدق ما أقول لكم.\n(فَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: فاتقوا الله يا معشرَ بني إسرائيل، فيما أمركم به ونهاكم عنه في كتابه الذي أنزله على موسى، فأوفوا بعهده الذي عاهدتموه فيه.\n(وَأَطِيعُونِ) فيما دعوتكم إليه من تصديقي فيما أرسلني به.","vol":"3","page":282},{"text":"(إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه.\n• معاني الرب في لسان العرب ترجع إلى ٣ أصول: الأول: السيد، والثاني: المالك، والثالث: المصلح للشيء للقائم عليه.\n• قال الرازي: ختم كلامه بقوله (إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ) ومقصوده إظهار الخضوع والاعتراف بالعبودية لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولون: إنه إله وابن إله لأن إقراره لله بالعبودية يمنع ما تدعيه جهال النصارى عليه، ثم قال (فاعبدوه) والمعنى: أنه تعالى لما كان رب الخلائق بأسرهم وجب على الكل أن يعبدوه، ثم أكد ذلك بقوله (هذا صراط مُّسْتَقِيم).\n• وقال في التسهيل: قوله تعالى (إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ) ردّ على من نسب الربوبية لعيسى.\n• عبادة الله: هذه دعوة جميع الرسل، الدعوة إلى عبادة الله وحده، وترك الشرك، وهذا معنى: لا إله إلا الله: أي: لا معبود حق إلا الله.\n• وأصل العبادة في لغة العرب: الذل والخضوع، وقيل للعبد (عبد) لذله وخضوعه لسيده، فالعبادة: الذل والخضوع على وجه المحبة خاصة، فلا تكفي المحبة دون الذل والخضوع، ولا يكفي الذل والخضوع دون المحبة، لأن الإنسان إذا كان ذله متجردًا عن محبة الله يُبغض الذي هو يذل له، ومن أبغض ربه هلك، وإذا كانت محبةً خالصة لا خوف معها، فإن المُحب الذي لا يُداخله خوف يحمله الدلال على أن يسيء الأدب، ويرتكب أمورًا لا تنبغي، والله ﷿ لا يليق به شيء من ذلك. (قاله الشنقيطي)\n• فالعبادة تطلق على معنيين: احدهما: التعبد: يعني التذلل لله، كما سبق، وتطلق على المتعبد به (بالنسبة لأفعال العباد) وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية.\n• دعوة جميع الرسل الدعوة إلى عبادة الله وحده.\nكما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).\nوقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).\nوكان كل نبي يقول لقومه: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره كما قال تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).","vol":"3","page":283},{"text":"وقال تعالى (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ)\nوقال تعالى (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)\nوقال تعالى (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)\n(هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) يعني هذا التوحيد الذي أدعوكم إليه طريق مستقيم، لا عوج فيه، وهو طريق الجنة.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (هذا صراط مستقيم) الإشارة إلى ما قاله كلِّه أي أنّه الحق الواضح فشبهه بصراط مستقيم لا يضلّ سالكه ولا يتحير.\n\n<span data-type='title' id=toc-1039>الفوائد:</span>\n١ - فضل مريم وابنها.\n٢ - مشروعية تبشير المسلم.\n٣ - الثناء على عيسى بهذه الصفات العظيمة.\n٤ - أن عيسى وجد من أم بلا أب.\n٥ - أن عيسى مخلوق كغيره من البشر.\n٦ - الرد على اليهود في اتهامهم لعيسى وأمه.\n٧ - عظمة قدر الله تعالى.\n٨ - أن الله لا يعجزه شيء.\n٩ - أن كل أحد بحاجة إلى تعليم الله حتى الأنبياء.\n١٠ - فضل العلم.\n١١ - إثبات رسالة عيسى.\n١٢ - أن عيسى مرسل إلى قومه خاصة.\n١٣ - الإشارة إلى وجوب قبول رسالته لقوله (من ربكم).\n١٤ - قدرة الله حيث جعل عيسى ابن مريم يخلق من الطين كهيئة الطير.\n١٥ - أن من آيات عيسى أنه يبرئ الأكمه والأبرص، لكن بإذن الله.\n١٦ - الآية العظيمة وهي إحياء الموتى.\n١٧ - أن الرسل لا يملكون شيئًا من الربوبية.\n١٨ - أن الله أطلع نبيه عيسى على ما يأكل قومه وما يدخرون.\n١٩ - إثبات الحكمة لله تعالى.\n٢٠ - أن الإيمان يحمل صاحبه على قبول الآيات.","vol":"3","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1040>(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤»</span> [آل عمران: ٥٢ - ٥٤].\n<hr><s0>\n\n(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال.\n(قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) قال مجاهد: أي من يَتبعني إلى الله؟ وقال سفيان الثوري وغيره: من أنصاري مع الله؟ وقول مجاهد أقربُ.\nوالظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي -ﷺ- يقول في مواسم الحج، قبل أن يهاجر: (مَنْ رَجُل يُؤْوِيني عَلى أن أبلغ كلامَ رَبِّي، فإنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي) حتى وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فآسوه ومنعوه من الأسود والأحمر. وهكذا عيسى ابن مريم، انْتدَبَ له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه.\n• قال الرازي: قال الأكثرون من أهل اللغة إلى ههنا بمعنى مع قال تعالى (وَلَا تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم) أي معها، وقال -ﷺ- (الذود إلى الذود إبل) أي مع الذود.\n• قال الماوردي: واختلفوا في سبب استنصار المسيح بالحواريين على ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أنه استنصر بهم طلبًا للحماية من الكفار الذين أرادوا قتله حين أظهر دعوته، وهذا قول الحسن، ومجاهد.\nوالثاني: أنه استنصر بهم ليتمكن من إقامة الحجة وإظهار الحق.\nوالثالث: لتمييز المؤمن الموافق من الكافر المخالف.\n(قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) أي: قال أصفياء عيسى: نحن أنصار دين الله والداعون إليه.\n• قال الرازي: ذكروا في لفظ (الحواري) وجوهًا:\nالأول: أن الحواري اسم موضوع لخاصة الرجل، وخالصته، ومنه يقال للدقيق حواري، لأنه هو الخالص منه، وقال -ﷺ- للزبير (إنه ابن عمتي، وحواري من أمتي) والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم.\nالقول الثاني: الحواري أصله من الحور، وهو شدة البياض، ومنه قيل للدقيق حواري، ومنه الأحور، والحور نقاء بياض العين، وحورت الثياب: بيضتها، وعلى هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم؟ فقال سعيد بن جبير: لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين، يبيضون الثياب، وقيل لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة فسموا بذلك مدحًا لهم، وإشارة إلى نقاء قلوبهم، كالثوب الأبيض، وهذا كما يقال فلان نقي الجيب، طاهر الذيل، إذا كان بعيدًا عن الأفعال الذميمة، وفلان دنس الثياب: إذا كان مقدمًا على ما لا ينبغي.","vol":"3","page":285},{"text":"• قال الطبري: وأشبه الأقوال التي ذكرنا في معنى \"الحواريين\"، قولُ من قال: سموا بذلك لبياض ثيابهم، ولأنهم كانوا غسّالين.\n• قال الشنقيطي: لم يبين هنا الحكمة في ذكر قصة الحواريين مع عيسى ولكنه بين في سورة الصف، أن حكمة ذكر قصتهم هي أن تتأسى بهم أمة محمد صلى -ﷺ- في نصرة الله ودينه، وذلك في قوله تعالى (يا أيها الذين آمَنُواْ كونوا أَنصَارَ الله كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أنصاري إِلَى الله).\n(آمَنَّا بِاللَّهِ) أي: آمنا بما يجب الإيمان بالله.\n(وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) فالإسلام دين جميع الرسل:\nفنوح يقول لقومه (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ).\nوالإسلام هو الدين الذي أمر الله به أبا الأنبياء إبراهيم (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ويوصي كل من إبراهيم ويعقوب أبناءه قائلًا (فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).\nوأبناء يعقوب يجيبون أباهم (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).\nوموسى يقول لقومه (يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ).\nوالحواريون يقولون لعيسى (آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).\nويوسف قال (توفني مسلمًا …).\nوسليمان -﵇- قال (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِين).\nوملكة سبأ (قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).\n(رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ) أي: صدّقنا (بما أنزلت) يعني: بما أنزلتَ على نبيك عيسى من كتابك.\n(وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ) أي: امتثلنا ما أتى به منك إلينا.","vol":"3","page":286},{"text":"(فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أي: اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق، والمقصود من هذا أنهم لما أشهدوا عيسى -﵇- على إسلام أنفسهم، حيث قالوا (واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) فقد أشهدوا الله تعالى على ذلك تأكيدًا للأمر، وتقوية له، وأيضًا طلبوا من الله مثل ثواب كل مؤمن شهد لله بالتوحيد ولأنبيائه بالنبوّة.\n• قال الطبري: يقول: فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقرُّوا لك بالتوحيد، وصدّقوا رسلك، واتبعوا أمرك ونهيك، فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به من كرامتك، وأحِلَّنا محلهم، ولا تجعلنا ممن كفر بك، وصدَّ عن سبيلك، وخالف أمرك ونهيك.\nوقيل: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أي: محمد -ﷺ- وأمته لأنهم يشهدون للرسل بالتبليغ ومحمد -ﷺ- يشهد لهم بالصدق.\n(وَمَكَرُوا) أي: مكروا بعيسى حيث هموا بقتله.\n(وَمَكَرَ اللَّهُ) حيث أنقذه منهم، ورفعه إلى السماء.\nقيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت فنافق رجل منهم، ودل اليهود عليه، فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى، فأخذوا ذلك المنافق الذي كان فيهم، وقتلوه وصلبوه على ظن أنه عيسى -﵇-، فكان ذلك هو مكر الله بهم.\n• قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا مكر اليهود بعيسى ولا مكر الله باليهود، ولكنه بين في موضع آخر أن مكرهم به محاولتهم قتله، وذلك في قوله (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله) وبين أن مكره بهم إلقاؤه الشبه على غير عيسى وإنجاؤه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك في قوله (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ)، وقوله (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ).\n(وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ﷾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1041>الفوائد:</span>\n١ - عتو بني إسرائيل.\n٢ - أن الرسل دعوتهم إلى الله لا إلى أنفسهم.\n٣ - فضيلة الحواريين.\n٤ - أن الرسل لا يعلمون الغيب.\n٥ - فضيلة الحواريين في لجوئهم إلى الله.\n٦ - إثبات علو الله.\n٧ - أن أعداء الرسل يمكرون لهم.\n٨ - أن الله لا يوصف بالمكر على سبيل الإطلاق، بل يقال: إن الله ماكر بمن يمكر به.","vol":"3","page":287},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1042>(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥».</span> [آل عمران: ٥٥].\n<hr><s0>\n\n(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) اختلف المفسرون في قوله (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ).\nلأن عيسى لم يمت بل رفع كما قال تعالى (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا).\nوقوله تعالى (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ).\nفقيل: المراد بالوفاة هنا النوم.\nوهذا قول الربيع بن أنس، والحسن وغيرهم، وعزاه ابن كثير والشوكاني للأكثرين.\n• قال ابن كثير: وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النوم. واستدلوا:\nبقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ).\nوقوله تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).\nوكان -ﷺ- إذا قام من النوم يقول (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) رواه البخاري.\nوقوله تعالى (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا).\nقال ابن كثير: والضمير في قوله (قبل موته) عائد على عيسى، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة.\nوقيل: إن الوفاة هنا بمعنى: القبض، أي: قابضك من الأرض، فرافعك إليّ.\nوهذا قول جمهور المفسرين. واستدلوا:\nبقوله تعالى (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).\nقال البغوي: أي قبضتني إلى السماء وأنا حي، لأن قومه إنما تنصروا بعد رفعه إلى السماء لا بعد موته.\nقال الشنقيطي: … الوجه الثالث: أنّ (مُتَوَفِّيكَ) اسم فاعل توفاه إذا قبضه وحازه إليه ومنه قولهم: (توفّى فلان دينه) إذا قبضه إليه .. فيكون معنى (مُتَوَفِّيكَ) على هذا قابضك منهم إلي حيا، وهذا القول هو اختيار بن جرير، … ثم قال ﵀: وأما الجمع بأنه توفّاه ساعات أو أياما ثم أحياه فالظاهر أنه من الإسرائيليات، وقد نهى -ﷺ- عن تصديقها وتكذيبها.","vol":"3","page":288},{"text":"وقيل: إن الوفاة في الآية بمعنى الموت، وهذا مروي عن ابن عباس. وهذا القول يحتمل وجهين:\nالوجه الأول: أن الله توفاه ثم رفعه بعد ذلك إلى السماء.\nالوجه الثاني: أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا فيكون المعنى: إني رافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا، وهذا من المقدم الذي معناه التأخير.\n• قال السمرقندي: قوله تعالى (إِذْ قَالَ الله يا عيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ) ففي الآية تقديم وتأخير، ومعناه إني رافعك من الدنيا إلى السماء، ومتوفّيك بعد أن تنزل من السماء على عهد الدجال.\nوقد ضعف ابن جرير الوجه الأول فقال: ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله، لم يكن بالذي يميته ميتة أخرى، فيجمع عليه ميتتين، لأن الله\nإنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يميتهم ثم يحييهم.\nوقال القرطبي - بعد أن أورد الوجه الأول -: وهذا فيه بعد، فإنه صح في الأخبار عن النبي -ﷺ- نزوله وقتله الدجال.\nوقيل: أن الوفاة هنا بمعنى: مستوفي أجلك، ومتم عمرك، وذلك بعصمتك من قتل أعدائك، ومؤخرك إلى أجلك المقدر، ومميتك بعد ذلك لا قتلًا بأيديهم.\nوهذا اختيار الزمخشري، وأبي السعود، والقاسمي.\nوقيل: أن الوفاة هنا بمعنى: متقبل عملك، وقد أورد هذا المعنى ابن عطية وضعفه فقال: وهذا ضعيف من جهة اللفظ.\n(وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: برفعي إياك إلى السماء.\n• قال الراز: المعنى مخرجك من بينهم ومفرق بينك وبينهم، وكما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه أخبر عن معنى التخليص بلفظ التطهير وكل ذلك يدل على المبالغة في إعلاء شأنه وتعظيم منصبه عند الله تعالى.\n(وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وهكذا وقع؛ فإن المسيح -﵇- لما رفعه الله إلى السماء تَفَرَّقت أصحابه شيَعًا بعده؛ فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورَد على كل فريق، فاستمروا كذلك قريبًا من ثلاثمائة سنة، ثم نَبَع لهم ملك من ملوك اليونان، يقال له: قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفًا، وقيل: جهلًا منه، إلا أنه بَدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبيرة -التي هي الخيانة الحقيرة-وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصَلّوا له إلى المشرق وصوروا له الكنائس، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه، فيما يزعمون. وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة المَلْكِيَّة منهم. وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيَّدهم الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفار، عليهم لعائن الله.","vol":"3","page":289},{"text":"قال الرازي: قوله تعالى (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فيه وجهان:\nالأول: أن المعنى: الذين اتبعوا دين عيسى يكونون فوق الذين كفروا به، وهم اليهود بالقهر والسلطان والاستعلاء إلى يوم القيامة، فيكون ذلك إخبارًا عن ذل اليهود وإنهم يكونون مقهورين إلى يوم القيامة، فأما الذين اتبعوا المسيح ﵇ فهم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله وأما بعد الإسلام فهم المسلمون، وأما النصارى فهم وإن أظهروا من أنفسهم موافقته فهم يخالفونه أشد المخالفة من حيث أن صريح العقل يشهد أنه ﵇ ما كان يرضى بشيء مما يقوله هؤلاء الجهال، ومع ذلك فإنا نرى أن دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود فلا نرى في طرف من أطراف الدنيا ملكًا يهوديًا ولا بلدة مملوءة من اليهود بل يكونون أين كانوا بالذلة والمسكنة وأما النصارى فأمرهم بخلاف ذلك.\nالثاني: المراد بالفوقية بالحجة والدليل.\n(ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) أي: يوم القيامة.\n• ويوم القيامة، سمي بذلك:\nأولًا: لأن الناس يقومون من قبورهم: قال تعالى (يوم يقوم الناس لرب العالمين).\nثانيًا: ولقيام الأشهاد. لقوله تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).\nثالثًا: ولقيام الملائكة لقوله تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا …).\n(فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) أي: فأفصِل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون من أمر عيسى ﵇.\n\n<span data-type='title' id=toc-1043>الفوائد:</span>\n١ - إثبات القول لله تعالى.\n٢ - أن الله رفع عيسى بجسمه.\n٣ - أن الله منع الأذى عن عيسى.\n٤ - طهارة عيسى من كل سوء.\n٥ - أن كل من اتهم عيسى بالسوء فهو كافر.\n٦ - أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة.\n٧ - إثبات يوم القيامة.\n٨ - أن مرجع الخلائق إلى الله.","vol":"3","page":290},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1044>(فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨». [٥٦ - ٥٨].</span>\n<hr><s0>\n\n(فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله ورسله.\n(فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) وكذلك فعل تعالى بمن كفر بالمسيح من اليهود، أو غلا فيه وأطراه من النصارى؛ عَذبهم في الدنيا بالقتل والسبي وأخْذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عَذابُهم أشد وأشق (وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ).\n• والدنيا هي هذه الحياة التي نعيشها التي قبل الآخرة، وسميت لدنيا لسببين:\nالسبب الأول: لأنها قبل الآخرة في الزمن.\nالسبب الثاني: لدناءتها وحقارتها بالنسبة للآخرة. كما قال تعالى (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) وقال -ﷺ- (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء) رواه الترمذي، وقال -ﷺ- (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري.\n(وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) ينصرهم ويدفع عنهم العذاب، قال تعالى (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ. وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ. وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ).\n(وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا) أي: آمنوا بقلوبهم وانقادوا.\n(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: وعملوا بجوارحهم، الأعمال الصالحات، من الأفعال والأقوال، الواجبات والمستحباب، فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة.\n• والعمل الصالح لا يكون صالحًا إلا بشرطين: الشرط الأول: الإخلاص، لقوله -ﷺ- (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرى ما نوى)، الشرط الثاني: المتابعة للنبي -ﷺ- لقوله -ﷺ- (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد). رواه مسلم\n• ودائمًا يقرن الله العمل بالصالح، لأنه ليس كل عمل يقبل إلا إذا كان صالحًا.\nقال تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ …).\nوقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً …).","vol":"3","page":291},{"text":"وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا).\n• والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به.\n• والإيمان شرعًا: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان.\n• قال السعدي: ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول\nبها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين، الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.\n(فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات.\nوقال تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ).\nوقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا).\n(وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) تحذير شديد للظالمين، وأعظم الظلم الشرك بالله تعالى كما تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).\n(ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) أي: هذا الذي قَصَصْنَاه عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، هو مما قاله الله تعالى، وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).","vol":"3","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1045>الفوائد:</span>\n١ - إثبات القول لله تعالى.\n٢ - أن الله رفع عيسى بجسمه.\n٣ - أن الله منع الأذى عن عيسى.\n٤ - طهارة عيسى من كل سوء.\n٥ - أن كل من اتهم عيسى بالسوء فهو كافر.\n٦ - أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة.\n٧ - إثبات يوم القيامة.\n٨ - أن مرجع الخلائق إلى الله.\n٩ - إثبات علو الله تعالى.\n١٠ - تهديد الكفار بيوم القيامة.\n١١ - أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا.\n١٢ - من شروط قبول العمل الإيمان.\n١٣ - إثبات المحبة لله تعالى.\n١٤ - تحريم الظلم بكل أنواعه.\n١٥ - فضل القرآن الكريم.","vol":"3","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1046>(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ (٦٠».</span> [آل عمران: ٥٩ - ٦٠].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ) في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب.\n(كَمَثَلِ آدَمَ) فإن الله خلقه من غير أب ولا أم بل:\n(خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ).\nوقال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ).\nوقال تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ).\n(ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقًا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانًا وأظهر فسادًا، ولكن\nالرب ﷿، أراد أن يظهر قدرته لخلقه، حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى؛ وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ).\n• قال الرازي: أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول -ﷺ-، وكان من جملة شبههم أن قالوا: يا محمد، لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى، فقال: إن آدم ما كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون ابنًا لله تعالى، فكذا القول في عيسى ﵇، هذا حاصل الكلام، وأيضًا إذا جاز أن يخلق الله تعالى آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم؟ بل هذا أقرب إلى العقل، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس.","vol":"3","page":294},{"text":"(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي: هذا القول هو الحق في عيسى، الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال.\n• وقال ابن عاشور: الخطاب في (فلا تكن من الممترين) للنبي -ﷺ- والمقصود التعريض بغيره، والمعرَّض بهم هنا هم النصارى الممترُون الذين امتروا في الإلاهية بسبب تحقق أن لَا أبَ لِعيسى.\n• وقال ابن عطية: ونهي النبي ﵇ في عبارة اقتضت ذم الممترين، وهذا يدل على أن المراد بالامتراء غيره، ولو قيل: فلا تكن ممتريًا لكانت هذه الدلالة أقل، ولو قيل فلا تمتر لكانت أقل ونهي النبي -﵇- عن الامتراء مع بعده عنه على جهة التثبيت والدوام على حاله.\n• وقال الزمخشري: ونهيه عن الامتراء وجل رسول الله -ﷺ- أن يكون ممتريًا من باب التهييج لزيادة الثبات والطمأنينة، وأن يكون لطفًا لغيره.\n• وقال الآلوسي: قوله تعالى (فَلَا تَكُنْ مّن الممترين) خطاب له -ﷺ-، ولا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه -﵇- كما في قوله تعالى (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المشركين) بل قد ذكروا في هذا الأسلوب فائدتين.\nإحداهما: أنه -ﷺ- إذا سمع مثل هذا الخطاب تحركت منه الأريحية فيزداد في الثبات على اليقين نورًا على نور.\nوثانيتهما: أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع وينزجر عما يورث الامتراء لأنه -ﷺ- مع جلالته التي لا تصل إليها الأماني إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره ففي ذلك زيادة ثبات له صلوات الله تعالى وسلامه عليه ولطفه بغيره، وجوز أن يكون خطابًا لكل من يقف عليه ويصلح للخطاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1047>الفوائد:</span>\n١ - أن آدم خلق من تراب.\n٢ - بيان قدرة الله حيث خلق آدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب.\n٣ - إثبات القول للرب تعالى.\n٤ - النهي عن الشك فيما أخبر به الله تعالى.\n٥ - أن الله تعالى لا يصدر عنه إلا الحق.","vol":"3","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1048>(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣».</span> [آل عمران: ٦١ - ٦٣].\n<hr><s0>\n\n(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ) يقول تعالى آمرا رسوله -ﷺ- أن يُبَاهِلَ مَنْ عَانَدَ الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيانِ (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ) أي: نحضرهم في حال المباهلة.\n• قوله تعالى (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ) المحاجة المجادلة، وسميت المجادلة محاجة، لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجته من أجل أن يخصم الآخر ويحجه، وقوله (فيه) أي: في عيسى، في شأنه وقضيته.\n(ثُمَّ نَبْتَهِلْ) أي: نلتعن.\n• قال ابن عاشور: والابتهال مشتق من البهل وهو الدعاء باللعن ويطلق على الاجتهاد في الدعاء مطلقًا لأن الداعي باللعن يجتهد في دعائه والمراد في الآية المعنى الأول.\n(فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) أي: منا ومنكم.\nوكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران، أن النصارى حين قدموا فجعلوا يُحَاجّون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صَدْرَ هذه السورة رَدا عليهم.\nوالمباهلة لم تتم بين رسول الله -ﷺ- وبين النصارى.\nعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ (جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ، قَالَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ لَا تَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا، لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا. قَالَا إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا، وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلاَّ أَمِينًا. فَقَالَ «لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ». فَاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ «قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ». فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ).\nوعن ابن عباس، قال (قال أبو جهل: إن رأيتُ رسول الله -ﷺ- يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطَأ على عنقه. قال: فقال: لو فعلَ لأخَذته الملائكةُ عيانًا، ولو أن اليهود تمنَّوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله -ﷺ- لرَجَعوا لا يجدون مالا ولا أهلًا) رواه أحمد.\nوفي صحيح مسلم (أنه لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله -ﷺ- عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا) رواه مسلم.","vol":"3","page":296},{"text":"• قال ابن تيمية: فلما دعاهم إلى المباهلة طالبوا أن يمهلهم حتى يشتوروا، فاشتوروا فقال بعضهم لبعض تعلمون أنه نبي، وأنه ما باهل قوم نبيًا إلا نزل بهم العذاب، فاستعفوا من المباهلة فصالحوه وأقروا له بالجزية عن يد وهم صاغرون لما خافوا من دعائه عليهم، لعلمهم أنه نبي، فدخلوا تحت حكمه كما يدخل أهل الذمة الذين في بلاد المسلمين تحت حكم الله ورسوله، وأدوا إليه الجزية عن يد وهم صاغرون، وهم أول من أدى الجزية من النصارى.\n(إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا مَعْدل عنه ولا محيد.\n(وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ) تأكيد لوحدانية الله، فهو المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق.\n• وفي هذا رد النصارى في تثليثهم، وكذا فيه رد على سائر الثنوية.\n(وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) الذي قهر بقدرته وقوته جميع الموجودات، وأذعنت له سكان الأرض والسماوات.\n(الْحَكِيمُ) الذي له الحكمة الكاملة البالغة، الذي يضع الأشياء في مواضعها، وينزلها منازلها.\n(فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: عن هذا إلى غيره.\n(فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) أي: من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر، الذي لا يفوته شيء سبحانه وبحمده ونعوذ به من حلول نقمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1049>الفوائد:</span>\n١ - إثبات أن ما جاء به الرسول حق.\n٢ - أنه لا تجوز المباهلة إلا بعلم يقيني.\n٣ - جواز المباهلة لكن بشرطين: أن تكون في أمر هام، وأن تكون بعلم.\n٤ - أنه لا إله حق إلا الله.\n٥ - إثبات العزة الكاملة لله تعالى.\n٦ - تهديد من تولى عن دين الله.\n٧ - أن كل من تولى عن دين الله فهو مفسد.","vol":"3","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1050>(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤».</span> [آل عمران: ٦٤].\n<hr><s0>\n\n(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ) هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن جرى مجراهم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ) والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما قال هاهنا.\n• اختلف في المراد بأهل الكتاب هنا:\nفقيل: نصارى نجران.\nوقيل: اليهود.\nوقيل: اليهود والنصارى.\nقال الطبري: وإنما قلنا عنى بقوله (يا أهل الكتاب) أهلَ الكتابين، لأنهما جميعًا من أهل الكتاب، ولم يخصص جل ثناؤه بقوله (يا أهل الكتاب) بعضًا دون بعض، فليس بأن يكون موجَّهًا ذلك إلى أنه مقصود به أهلُ التوراة، بأولى منه بأن يكون موجهًا إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل، ولا أهل الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دُون غيرهم من أهل التوراة. وإذ لم يكن أحدُ الفريقين بذلك بأولى من الآخر لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من الآخر، ولا أثر صحيح فالواجب أن يكون كل كتابيّ معنيًّا به. لأن إفرادَ العبادة لله وحدَه، وإخلاصَ التوحيد له، واجبٌ على كل مأمور منهيٍّ من خلق الله. واسم\"أهل الكتاب\"، يلزم أهل التوراة وأهل الإنجيل، فكان معلومًا بذلك أنه عني به الفريقان جميعًا.\nثم وصفها:\n(سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) أي: عدل، نستوي نحن وأنتم فيها.\n• قال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (كَلِمَةٍ سَوَاءٍ) يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ نَتَسَاوَى جَمِيعًا فِيهَا؛ إذْ كُنَّا جَمِيعًا عِبَادَ اللَّهِ.\nثم فسرها بقوله:\n(أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ) وحده سبحانه، محبة وتعظيمًا.\n(وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) لا وَثَنًا، ولا صنمًا، ولا صليبًا ولا طاغوتًا، ولا نارًا، ولا شيئًا، بل نُفْرِدُ العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة\nجميع الرسل:\nقال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ).\nوقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).\n• والشرك: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.","vol":"3","page":298},{"text":"(وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقال ابن جُرَيْج: يعني: يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. وقال عكرمة: يعني يسجد بعضنا لبعض.\n• قال الطبري: قوله تعالى (أربابًا من دون الله) أنزلوهم منزلة ربهم في قبول التحريم والتحليل لما لم يحرمه الله، ولم يحله.\nأخرجه الترمذي وحسنه من حديث عدي بن حاتم (أنه لما نزلت هذه الآية قال: ما كنا نعبدهم يا رسول الله فقال -ﷺ-: أما كانوا يحللون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم فقال -﵇-: هو ذاك).\n• قال شيخ الإسلام في معنى قوله (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله): هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا، حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، يكون على وجهين:\nالأول: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله، فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم.\nوالثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.\n(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أي: فإن تولوا عن هذا النَّصَف وهذه الدعوة فأشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1051>الفوائد:</span>\n١ - أمر الرسول -ﷺ- أن يدعو أهل الكتاب.\n٢ - الدعوة إلى التوحيد وترك الشرك.\n٣ - وجوب استعمال العدل في المناظرة.\n٤ - أن جميع الرسل متفقون على هذه الكلمة وهي: توحيد الله وترك الشرك.\n٥ - أن التوحيد لا يصح إلا بتوحيد الله وترك الشرك والبراءة من الشرك وأهله.\nقال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي).\nلأن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) تنطوي على نفي وإثبات، فعبر عن المنفي فيها بقوله (إنني براء مما تعبدون) وعبّر عن المثبت فيها بقوله (إلا الذي فطرني) ففيه تفسير التوحيد بإثبات العبادة لله وحده ونفيها عما سواه.\nوفي (الصحيح) عن النبي -ﷺ- أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ﷿).\n• هذا الحديث من أعظم ما يبين لا إله إلا الله، وأنه الكفر بكل ما يعبد من دون الله.\n٦ - أن من أطاع مخلوقًا في تحليل الحرام وتحريم الحلال فقد اتخذه شريكًا لله.\n٧ - أن الحكم بين الناس لله تعالى.\n٨ - ينبغي على المسلم أن يعتز بدينه ويشهره ويدافع عنه. … (٢٣/ ٦/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"3","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1052>(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨».</span> [آل عمران: ٦٥ - ٦٨].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ) ينكر تعالى على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل، ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم.\n(وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ) أي: كيف تَدّعُون أيها اليهود، أنه كان يهوديا، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى، وكيف تَدّعُون، أيها النصارى، أنه كان نصرانيا، وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر.\n(أَفَلا تَعْقِلُونَ) توبيخ على استحالة مقالتهم، وتنبيه على ما يظهر به غلطهم ومكابرتهم.\n• قال الرازي: اعلم أن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم كان على ديننا، والنصارى كانوا يقولون: كان إبراهيم على ديننا، فأبطل الله عليهم ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده فكيف يعقل أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا؟.\n• وقال القرطبي: قال الزجاج: هذه الآية أبْيَنُ حجة على اليهود والنصارى؛ إذ التوراة والإنجيل أنزلا من بعده وليس فيهما اسم لواحد من الأديان، واسم الإسلام في كل كتاب.\nويقال: كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى أيضًا ألف سنة.\n• قال السعدي: لما ادعى اليهود أن إبراهيم كان يهوديًا، والنصارى أنه نصراني، وجادلوا على ذلك، رد تعالى محاجتهم ومجادلتهم من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن جدالهم في إبراهيم جدال في أمر ليس لهم به علم، فلا يمكن لهم ولا يسمح لهم أن يحتجوا ويجادلوا في أمر هم أجانب عنه وهم جادلوا في أحكام التوراة والإنجيل سواء أخطأوا أم أصابوا فليس معهم المحاجة في شأن إبراهيم.\nالوجه الثاني: أن اليهود ينتسبون إلى أحكام التوراة، والنصارى ينتسبون إلى أحكام الإنجيل، والتوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم، فكيف ينسبون إبراهيم إليهم وهو قبلهم متقدم عليهم، فهل هذا يعقل؟! فلهذا قال (أفلا تعقلون) أي: فلو عقلتم ما تقولون لم تقولوا\nذلك.\nالوجه الثالث: أن الله تعالى برأ خليله من اليهود والنصارى والمشركين، وجعله حنيفًا مسلمًا، وجعل أولى الناس به من آمن به من أمته، وهذا النبي وهو محمد -ﷺ- ومن آمن معه، فهم الذين اتبعوه وهم أولى به من غيرهم، والله تعالى وليهم وناصرهم ومؤيدهم، وأما من نبذ ملته وراء ظهره كاليهود والنصارى والمشركين، فليسوا من إبراهيم وليس منهم، ولا ينفعهم مجرد الانتساب الخالي من الصواب.\n(هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإنَّ اليهود والنصارى تَحَاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علْم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد -ﷺ- لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لم يعلموا به، فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم بردّ ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها.\n• قال القرطبي: في الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظرِ على من لا تحقيق عنده فقال ﷿ (ها أنتم هؤلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ).","vol":"3","page":300},{"text":"(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) أي: والله يعلم الأمور على خفائها، وأنتم لا تعلمون.\n(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا) أي: ما كان إبراهيم على دين اليهودية، ولا على دين النصارى.\n(وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا) مستقيمًا مائلًا عن الشرك إلى التوحيد.\n(مُسْلِمًا) مستسلمًا لله تعالى بقلبه وجوارحه.\n(وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هذه توكيد للتي قبلها.\n• في هذا ثناء على إبراهيم من وجوه ثلاثة:\nأولًا: إمامته، ووجهها: أننا أمرنا باتباعه، والمتبوع هو الإمام، كما في قوله تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا).\nثانيًا: أنه حنيف، والحنيف هو المائل عن كل دين سوى الإسلام.\nثالثًا: أنه ليس فيه شرك في عمله لقوله (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).","vol":"3","page":301},{"text":"• قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن تدل على أن إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لم يكن مشركًا يومًا؛ لأن نفي الكون الماضي في قوله (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يدل على استغراق النفي لجميع الزمن الماضي كما دل عليه قوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ ..) الآية، وقد جاء في موضع آخر ما يوهم خلاف ذلك وهو قوله (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي .. فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي … فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ ..) الآية، ومن ظنّ ربوبية غير الله فهو مشرك بالله كما دل عليه قول الله تعالى عن الكفار (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ) والجواب عن هذا من وجهين:\nأحدهما: أنه مناظر لا ناظر ومقصوده التسليم الجدلي: أي هذا ربي على زعمكم الباطل، والمناظر قد يسلم المقدمة الباطلة تسليمًا جدليًا ليفحم بذلك خصمه، فلو قال لهم إبراهيم في أول الأمر: الكوكب مخلوق لا يمكن أن يكون ربًا، لقالوا له: كذبت، بل الكوكب ربّ، ومما يدل لكونه مناظرًا لا ناظر قوله تعالى: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ..).\nورجح هذا القول ابن قتيبة، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير وغيرهم.\nلأن الله نفى عن إبراهيم الوقوع في الشرك في الماضي في قوله (وما كان من المشركين).\nولأن الله تعالى قال بعد سرد القصة (وحاجه قومه) وقال تعالى (وتلك حجتنا) فدل ذلك على أنه في حال مناظرة ومحاجة.\nوقيل: إن قول إبراهيم (هذا ربي) هو على تقدير استفهام محذوف، أي: أهذا ربي؟ ومعناه: إنكار أن يكون مثل هذا ربًا.\nوهذا قول جمع من أهل العلم كالبغوي، وابن عطية، والرازي وغيرهم.\nاستدل بن جرير على أنه غير مناظر من قوله تعالى (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) ولا دليل فيه على التحقيق؛ لأن الرسل يقولون مثل ذلك تواضعًا وإظهارًا لالتجائهم إلى الله كقول إبراهيم (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ) وقوله هو وإسماعيل (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) الآية.\n• قال ابن عاشور: فقد جاء إبراهيم بالتوحيد، وأعلنه إعلانًا لم يَترك للشرك مسلكًا إلى نفوس الغافلين، وأقام هيكلًا وهو الكعبة، أول بيت وضع للناس، وفرض حَجّه على الناس: ارتباطًا بمغزاه، وأعلَن تمام العبودية لله تعالى بقوله (ولا أخاف مَا تشركون به إلاّ أن يشاء ربّي شيئًا) وأخلص القول والعمل لله تعالى فقال (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا).","vol":"3","page":302},{"text":"وتَطَلّب الهُدى بقوله (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا).\nوكسر الأصنام بيده (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا).\nوأظهر الانقطاع لله بقوله (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ).\nوتصَدّى للاحتجاج على الوحدانية وصفات الله (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ).\n• قال الرازي: قوله تعالى (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وهو تعريض بكون النصارى مشركين في قولهم بإلهية المسيح وبكون اليهود مشركين\nفي قولهم بالتشبيه.\n(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه، وهذا النبي -يعني محمدًا -ﷺ- والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومَنْ بعدهم.\n(وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) أي: حافظ المؤمنين ومتولي أمورهم وناصرهم، والمراد بالولاية هنا الولاية الخاصة.\nلأن الولاية تنقسم إلى قسمين:\nولاية عامة: مقتضاها أن يرزقهم ويعطيهم وأيضا القهر والسلطان والملك، وهذه للمؤمنين والكفار.\nودليلها هذه الآية (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ).\nوقوله تعالى (ورُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).\nولاية خاصة، وهذه خاصة بالمؤمنين مقتضاها النصر والتأييد والتسديد والتوفيق والإخراج من الظلمات إلى النور.\nكما قال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).\nوقال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ).\nوقال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).\nفالله ولي المؤمنين: لأنه يواليهم بالنصر والثواب الجزيل، كما قال -ﷺ- في الحديث القدسي (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) رواه البخاري.\nوالمؤمنون أولياء الله كقوله تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) لأنهم يوالونه بالطاعة.\nقال ابن القيم: فالولاية عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه، وليست بكثرة صوم ولا صلاة\nقال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) أي: يخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمات الشك والضلالة.","vol":"3","page":303},{"text":"• قال الشنقيطي: هذه ثمرة ولايته تعالى للمؤمنين، وهي إخراجه لهم من الظلمات إلى النور بقوله تعالى (الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور).\nوبين في موضع آخر أن من ثمرة ولايته إذهاب الخوف والحزن عن أوليائه، وبين أن ولايتهم له تعالى بإيمانهم وتقواهم وذلك في قوله تعالى (ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ).\nوصرح في موضع آخر أنه تعالى ولى نبيه -ﷺ- وأنه أيضًا يتولى الصالحين وهو قوله تعالى (إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين).\nقاعدة: كل من كان إيمانه أكمل، فولاية الله له أكمل، لأن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة هذا الوصف فيه.\nكقوله تعالى (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) فإن الله في هذه الآية علق حكم نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر بشرط إقامتها وليس فقط أداؤها، (والحكم المعلق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصه) فعلى قدر إقامة العبد لصلاته على قدر ما تؤثر فيه فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وبهذا يزول الإشكال الذي يورده البعض: وهو أن كثير من المصلين لا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر.\nوكقوله تعالى (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) في هذا دليل على أن من تأثر بالموعظة فإن هذا من علامات إيمانه، وكلما كان تأثره أقوى كان إيمانه أقوى، لأن الشيء إذا علق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1053>الفوائد:</span>\n١ - توبيخ أهل الكتاب بكونهم يحاجون ويجادلون في إبراهيم.\n٢ - إثبات أن التوراة والإنجيل منزلة من عند الله.\n٣ - إثبات علو الله، لأن النزول لا يكون إلا من علو.\n٤ - ذم المحاجة بغير علم.\n٥ - إثبات العلم الكامل لله تعالى.\n٦ - تبرئة إبراهيم من دين اليهود والنصارى.\n٧ - الثناء على إبراهيم، حيث وصفه بالتوحيد الخالص الذي لا يشوبه أي شرك.\n٨ - فضل التوحيد، وأنه أعظم ما يميز الرجل ويثنى به عليه. قال ابن تيمية: وكان [أي أبو بكر] من كماله أنه لا يعمل ما يعمله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، لا يطلب جزاء من أحد من الخلق. (الفتاوى: ١/ ١٨٨)","vol":"3","page":304},{"text":"٩ - الحرص على تحقيق التوحيد وتنقيته من الشرك والبدع والمعاصي.\n١٠ - أنه لا بد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات.\n١١ - الثناء على إبراهيم بأنه لم يكن في عمله شرك.\n١٢ - تعظيم الله تعالى.\n١٣ - وجوب إفراد الله بالعبادة.\n١٤ - تحريم الشرك بكل أنواعه.\n١٥ - شرف النبي -ﷺ- ومن آمن معه لكونهم أولى الناس بإبراهيم.\n١٦ - إثبات نبوة الرسول -ﷺ-.\n١٧ - إثبات ولاية الله للمؤمنين.\n١٨ - كل من كان أكمل إيمانًا فولاية الله له أكمل. (٢٨/ ٦/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"3","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1054>(وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١».</span> [آل عمران: ٦٩ - ٧١].\n<hr><s0>\n\n(وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ) أي: تمنى بعض أهل الكتاب إضلالكم بالرجوع عن دينكم حسدًا وبغيًا.\n• قال الرازي: علم أنه تعالى لما بيّن أن من طريقة أهل الكتاب العدول عن الحق، والإعراض عن قبول الحجة بيّن أنهم لا يقتصرون على هذا القدر، بل يجتهدون في إضلال من آمن بالرسول ﵇ بإلقاء الشبهات كقولهم: إن محمدًا -﵇- مقر بموسى وعيسى ويدعي لنفسه النبوّة، وأيضًا إن موسى -﵇- أخبر في التوراة بأن شرعه لا يزول، وأيضًا القول بالنسخ يفضي إلى البداء، والغرض منه تنبيه المؤمنين على أن لا يغتروا بكلام اليهود.\n• أهل الكفر والضلال دائمًا يريدون إضلال أهل الإيمان.\nقال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ).\nوقوله تعالى (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء).\nوقال تعالى (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ).\nوقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا).\nوقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ).\nوقال تعالى (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ).\nوقال تعالى (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا).\nوقال تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).\nوقال تعالى (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ).\n• قوله تعالى (طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) اعلم أن (مِنْ) ههنا للتبعيض وإنما ذكر بعضهم ولم يعمهم لأن منهم من آمن وأثنى الله عليهم بقوله (مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ) (وَمِنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَة).","vol":"3","page":306},{"text":"(وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) أي: لا يعود وبال ذلك إلا عليهم إذ يضاعف به عذابهم.\n(وَمَا يَشْعُرُونَ) أنهم ممكور بهم.\n(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ) تقدم شرحها، والمراد بآيات الله هنا الشرعية.\n• اختلف في المراد بآيات الله على أقوال:\nالقول الأول: أن المراد منها الآيات الواردة في التوراة والإنجيل، وعلى هذا القول فيه وجوه:\nأحدها: ما في هذين الكتابين من البشارة بمحمد -﵇-، ومنها: ما في هذين الكتابين؛ أن إبراهيم -﵇- كان حنيفًا مسلمًا، ومنها: أن فيهما أن الدين هو الإسلام.\nواعلم أن على هذا القول المحتمل لهذه الوجوه نقول: إن الكفر بالآيات يحتمل وجهين:\nأحدهما: أنهم ما كانوا كافرين بالتوراة بل كانوا كافرين بما يدل عليه التوراة فأطلق اسم الدليل على المدلول على سبيل المجاز، والثاني: أنهم كانوا كافرين بنفس التوراة لأنهم كانوا يحرفونها وكانوا ينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوّة محمد -ﷺ-.\nفأما قوله تعالى (وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ) فالمعنى على هذا القول أنهم عند حضور المسلمين، وعند حضور عوامهم، كانوا ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على نبوّة محمد -ﷺ-، ثم إذا خلا بعضهم مع بعض شهدوا بصحتها، ومثله قوله تعالى (تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاء).\nواعلم أن تفسير الآية بهذا القول، يدل على اشتمال هذه الآية على الإخبار عن الغيب لأنه -﵇- أخبرهم بما يكتمونه في أنفسهم، ويظهرون غيره، ولا شك أن الإخبار عن الغيب معجز.\nالقول الثاني: في تفسير آيات الله أنها هي القرآن وقوله (وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ) يعني أنكم تنكرون عند العوام كون القرآن معجزًا ثم تشهدون بقلوبكم وعقولكم كونه معجزًا.\nالقول الثالث: أن المراد بآيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي -ﷺ- وعلى هذا القول فقوله تعالى (وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ) معناه أنكم إنما اعترفتم بدلالة المعجزات التي ظهرت على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الدالة على صدقهم، من حيث أن المعجز قائم مقام التصديق من الله تعالى فإذا شهدتهم بأن المعجز إنما دل على صدق سائر الأنبياء -﵇- من هذا الوجه، وأنتم تشهدون حصول هذا الوجه في حق محمد -ﷺ- كان إصراركم على إنكار نبوته ورسالته مناقضًا لما شهدتهم بحقيته من دلالة معجزات سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على صدقهم.\n(وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) أي: تعلمون صدقها وتتحققون حقها.","vol":"3","page":307},{"text":"(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) اللبس الخلط، أي: لم تخلطون الحق بالباطل بإلقاء الشبَه والتحريف.\n• قال الرازي: لبس الحق بالباطل فإنه يحتمل ههنا وجوهًا:\nأحدها: تحريف التوراة، فيخلطون المنزل بالمحرف، عن الحسن وابن زيد.\nوثانيها: إنهم تواصوا على إظهار الإسلام أول النهار، ثم الرجوع عنه في آخر النهار، تشكيكًا للناس، عن ابن عباس وقتادة.\nوثالثها: أن يكون في التوراة ما يدل على نبوته -ﷺ- من البشارة والنعت والصفة ويكون في التوراة أيضًا ما يوهم خلاف ذلك، فيكون كالمحكم والمتشابه فيلبسون على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعله كثير من المشبهة.\nورابعها: أنهم كانوا يقولون محمدًا معترف بأن موسى ﵇ حق، ثم إن التوراة دالة على أن شرع موسى ﵇ لا ينسخ وكل ذلك إلقاء للشبهات.\n(وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ) أي: وتكتمون ما في كتبكم من صفة محمد -ﷺ-.\nقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).\nوقال -ﷺ- (من كتم علمًا ألجم بلجام من نار) رواه أبو داود.\n(وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: وأنتم تعرفون ذلك وتتحققونه.","vol":"3","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1055>الفوائد:</span>\n١ - بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين.\n٢ - التحذير من أهل الكتاب.\n٣ - الرد على من يقول إن الكفار يريدون الخير لنا.\n٤ - وجوب بغض الكافر.\n٥ - الحذر من خطط الكفار لتدمير المسلمين عبر القنوات والمجلات والجرائد.\n٦ - توبيخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله.\n٧ - وجوب الإيمان بآيات الله.\n٨ - يجب الحذر من الكفار حيث يحاولون لبس الحق بالباطل ليضلوا الناس.\n٩ - تحريم كتم الحق.\n١٠ - وجوب بيان الحق لمن علمه.\n١١ - ينبغي على المسلم أن يعرف صفات اليهود ليتجنبها، لأن النبي -ﷺ- أخبر بقوله (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).\nفمن صفاتهم: كتم الحق، ولبس الحق بالباطل. (الأحد/ ٢٩/ ٦/ ١٤٣٣ هـ)","vol":"3","page":309},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1056>(وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤».</span> [آل عمران: ٧٢ - ٧٤].\n<hr><s0>\n\nبعد هذه النداءات المتكررة لأهل الكتاب، والحجج الباهرة التي ساقها لهم على صحة هذا الدين والتوبيخات المتعددة التي وبخهم بها لانصرافهم عن الحق ومحاولتهم صرف غيرهم عنه بعد كل ذلك، أخذ القرآن في سرد بعض المسالك الخبيثة التي سلكها اليهود لكيد الإسلام والمسلمين فبدأ ببيان مسلك لئيم من مسالكهم الكثيرة، وهو أن بعضهم كان يظهر الإيمان لفترة من الوقت ثم يرجع عنه إلى الكفر، ليوهم ضعاف العقول أنه ما رجع عن الإسلام إلا بعد أن دخله فوجده دينا ليس بشيء- في زعمه- استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك لكي يطلع أتباعه على مسالك اليهود ومكرهم حتى يحذروهم، فيقول:\n(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) هذه مكيدة أرادوها ليلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اشْتَوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).\n• فأنت إذا تأملت في هذه الآيات الكريمة تراها قد حكت عن طائفة من أهل الكتاب طريقة ماكرة لئيمة، هي تظاهرهم بالإسلام لفترة من الوقت ليحسن الظن بهم من ليس خبيرا بمكرهم وخداعهم، حتى إذا ما اطمأن الناس إليهم جاهروا بكفرهم ورجعوا إلى ما كانوا عليه، ليوهموا حديثي العهد بالإسلام أو ضعاف الإيمان، أنهم قوم يبحثون عن الحقيقة، وأنهم ليس عندهم أي عداء للنبي -ﷺ- بل إن الذي حصل منهم هو أنهم بعد دخولهم في الإسلام وجدوه دينا باطلا وأنهم ما عادوا إلى دينهم القديم إلا بعد الفحص والاختبار وإمعان النظر في دين الإسلام.\n• والمتتبع لمراحل التاريخ قديمًا وحديثًا يرى أن الدهاة في السياسة والحرب يتخذ هذه الخدعة ذريعة لإشاعة الخلل والاضطراب في صفوف أعدائه.\n• قال بعض العلماء: هذا النوع الذي تحكيه الآيات من صد اليهود عن الإسلام مبنى على قاعدة طبيعية في البشر، وهي أن من علامة الحق أن لا يرجع عنه من يعرفه. وقد فقه هذا، هرقل، ملك الروم، فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شئون النبي -ﷺ- أن قال له: «هل يرتد أحد من أتباع محمد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال أبو سفيان: لا. وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا: لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه، واطلعوا على بواطنه وخوافيه، إذ لا يعقل أن يترك الإنسان الحق بعد معرفته، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب.","vol":"3","page":310},{"text":"• قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يلبسون الحق بالباطل أردف ذلك بأن حكى عنهم نوعًا واحدًا من أنواع تلبيساتهم، وهو المذكور في هذه الآية.\n• وقال ﵀: الفائدة في إخبار الله تعالى عن تواطئهم على هذه الحيلة من وجوه:\nالأول: أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم، وما أطلعوا عليها أحدًا من الأجانب، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخبارًا عن الغيب، فيكون معجزًا.\nالثاني: أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإعلان لكان ربما أثرت هذه الحيلة في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف.\nالثالث: أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعًا لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس.\n• وسمى أول النهار وجهًا، لأنه أول ما يواجهك منه، وأول وقت ظهوره ووضوحه.\n(لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون) أي: آمنوا في أول النهار واكفروا في آخره، بأن تعودوا إلى اليهودية، أملًا في أن ينخدع بحيلتكم هذه بعض المسلمين، فيشكوا في دينهم، ويعودوا إلى الكفر بعد دخولهم في الإسلام.\n• وفي هذا كشف عن مقصدهم الخبيث، وهو ابتغاؤهم رجوع بعض المؤمنين عن دينهم الحق إلى ما كانوا عليه من باطل.\n(وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) أي: لا تطمئنوا وتظهروا سركم وما عندكم إلا لمن اتبع دينكم ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين، فيؤمنوا به ويحتجوا به عليكم.\n(قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) أي هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان، بما ينزله على عبده ورسوله محمد -ﷺ- من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات، وَإنْ كتمتم -أيها اليهود-ما بأيديكم من صفة محمد في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين.\nوهذه جملة معترضة.\n(أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) يقولون: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين، فيتعلموه منكم، ويساووكم فيه، ويمتازوا به عليكم لشدة الإيمان به.\n(أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) أي: يتخذوه حجة عليكم مما بأيديكم، فتقوم به عليكم الدلالة وتَتَركَّب الحجةُ في الدنيا والآخرة.\nفهم على هذا التفسير يعلمون ويعتقدون بأن المؤمنين قد أوتوا مثلهم من الدين والفضائل عن طريق محمد -ﷺ- الذي أرسله الله رحمة\nللعالمين، ولكنهم لشدة حسدهم وبغضهم للنبي -ﷺ- ولأتباعه، قد تواصوا فيما بينهم بأن يكتموا هذا العلم وتلك المعرفة، ولا يظهروا ذلك إلا فيما بينهم، وصدق الله إذ يقول في شأنهم الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.","vol":"3","page":311},{"text":"وهناك وجه آخر في التفسير:\nوالتقدير: ولا تصدقوا أن أحدا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم أو يمكنه أن يحاججكم عند ربكم إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ أي إلا من كان على ملتكم اليهودية، أما أن يكون من غيركم كهذا النبي العربي فلا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة، لأنهما- في زعمهم- حكر على بنى إسرائيل.\nفهم على هذا الوجه من التفسير يزعمون أنهم غير مصدقين ولا معتقدين بأن المسلمين قد أوتوا كتابًا ودينًا وفضائل مثل ما أوتوا هم، أي اليهود، ويرون أنفسهم- لغرورهم وانطماس بصيرتهم- أنهم أهدى سبيلًا من كل من سواهم من البشر.\n(قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: الأمورُ كلها تحت تصريفه، وهو المعطي المانع، يَمُنّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصور التام، ويضل من يشاء ويُعمي بصره وبصيرته، ويختم على سمعه وقلبه، ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة والحكمة.\n• وفي الآية إثبات اليد لله تعالى.\nقال تعالى (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ).\nوقال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ).\nوقال -ﷺ- (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) رواه مسلم\nالمخالفون لأهل السنة:\nأولها أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، أن المراد باليد هي القوة أو النعمة.\nوالرد عليهم:\nأ-أن تفسير اليد بالقوة أو النعمة مخالف لظاهر اللفظ، وما كان مخالفًا لظاهر اللفظ فهو مردود إلا بدليل.\nب-أنه مخالف لإجماع السلف، فقد أجمع السلف على إثبات اليدين لله، فيجب إثباتها له بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.\nج-أنه يمتنع غاية الامتناع أن يراد باليد النعمة أو القوة في مثل قوله: (لما خلقت بيديّ) لأنه يستلزم أن تكون النعمة نعمتين فقط ونِعَمُ الله لا تحصى، ويستلزم أن تكون القوة قوتان والقوى بمعنى واحد لا تتعدد.\nد-أنه لو كان المراد باليد القوة، ما كان لآدم فضل على إبليس ولا على الحمير والكلاب، لأنهم كلهم خلقوا بقوة الله، ولو كان المراد باليد القوة ما صح الاحتجاج على إبليس، إذ أن إبليس سيقول: (وأنا يا رب خلقتني بقوتك فما فضْله علي).\nهـ-أن يقول أن هذه اليد التي أثبتها الله جاءت على وجوه متنوعة يمتنع أن يراد بها النعمة أو القوة فإن فيها ذكر الأصابع والقبض والبسط والكف واليمين، وكل هذا يمتنع أن يراد بها القوة، لأن القوة لا توصف بهذه الأوصاف.","vol":"3","page":312},{"text":"• الأوجه التي وردت عليها صفة اليدين وكيفية التوفيق بينها:\nالأول: الإفراد كقوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ).\nالثاني: التثنية كقوله تعالى (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ).\nالثالث: الجمع كقوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا).\nوالتوفيق بين هذه الوجوه أن نقول:\nالوجه الأول مفرد مضاف فيشمل كل ما ثبت لله من يد ولا ينافي الثنتين.\nوأما الجمع للتعظيم لا لحقيقة العدد الذي هو ثلاثة فأكثر، وحينئذ لا ينافي التثنية.\nفائدة: قوله تعالى (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون) والأيد هنا بمعنى القوة وليست هنا صفة لله وليس هذا تأويلًا ولا تحريفًا، ولهذا\nلم يضفها الله إلى نفسه فلم يقل بأيدينا بل قال (بأيد).\n(وَاللَّهُ وَاسِعٌ) قال ابن جرير: واسع يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير.\nوقال الخطابي: الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه.\nوقال السعدي: الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة، والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم.\n• فالله ﷿ واسع العطاء، كثير الإفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وفضله، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1057> والله واسع المغفرة.</span>\nومن سعة مغفرته: أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه.\nقال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).\nوقال حملة العرش عن ربهم ﵎ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).","vol":"3","page":313},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1058> والله واسع العلم:</span>\nكما قال تعالى (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1059> والله واسع الرحمة:</span>\nكما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، وقال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).\n(عَلِيمٌ) بكل شيء لا تخفى عليه خافية، عَلِيمٌ بمن يستحق الهداية ومن لا يستحق.\n(يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) كما قال تعالى (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).\n• قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1060>(وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ) أي: صاحب الفضل.</span>\n(الْعَظِيمِ) أي: الواسع الكثير، فلا فضل أعظم من فضل الله تعالى.\nكما قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) وقال تعالى (وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا)\n\n<span data-type='title' id=toc-1061>الفوائد:</span>\n١ - بيان كيد الكفار للمسلمين.\n٢ - من خطط الكفار التلبيس على المسلمين دينهم.\n٣ - أن أهل الكتاب قد يكون فيهم منافقون.\n٤ - تعصب أهل الكتاب لدينهم.\n٥ - معرفة أساليب الكفار في حرب الإسلام.\n٦ - أن من أعظم صفات اليهود الحسد.\n٧ - أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب.\n٨ - أن الفضل والعطاء بيد الله.\n٩ - إثبات اليد لله تعالى.\n١٠ - أنه ينبغي للإنسان أن يعلق رجاءه بالله تعالى.\n١١ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: واسع، عليم.\n١٢ - إثبات علم الله الكامل.\n١٣ - أنه لا اعتراض على الله في كونه يختص برحمته من يشاء.\n١٤ - الله أعلم حيث يضع رحمته.\n١٥ - إثبات الحكمة الكاملة لله تعالى.","vol":"3","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1062>(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦».</span> [آل عمران: ٧٥ - ٧٦].\n<hr><s0>\n\n(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ) يخبر تعالى عن اليهود بأن فيهم الخونة، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم، فإن منهم (مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ) أي: من المال الكثير.\n(يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) أي: وما دونه بطريق الأولى أن يؤديه إليك.\n(وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ) أي: ومنهم من لا يؤتمن على دينار.\n(لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) لخيانته.\n(إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى ألا يؤديه.\n• وقال الطبري: واختلف أهل التأويل في تأويل قوله (إلا ما دمت عليه قائمًا):\nفقال بعضهم: إلا ما دمت له متقاضيًا.\nوقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما دمتَ قائمًا على رأسه.\n• ثم قال ﵀: وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال: معنى ذلك: إلا ما دمت عليه قائمًا بالمطالبة والاقتضاء، من قولهم: قام فلان بحقي على فلان حتى استخرجه لي، أي عمل في تخليصه، وسَعى في استخراجه منه حتى استخرجه.\n• قال الرازي: المراد من ذكر القنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل، يعني أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو أؤتمن على الشيء القليل، فإنه يجوز فيه الخيانة.\n• فأهل الكتاب منهم الأمين ومنهم الخائن لكن أكثرهم خونة كما قال تعالى (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).\n• قال القرطبي: وذكر تعالى قسمين: من يؤدّي ومن لا يؤدّي إلا بالملازمة عليه؛ وقد يكون من الناس من لا يؤدِّي وإن دُمت عليه قائمًا، فذكر تعالى القسمين لأنه الغالب والمعتاد والثالث نادر؛ فخرج الكلام على الغالب.\n• قال الطبري: فإن قال قائل: وما وجه إخبار الله ﷿ بذلك نبيَّه -ﷺ-، وقد علمتَ أنّ الناس لم يزالوا كذلك: منهم المؤدِّي أمانته والخائنُها؟\nقيل: إنما أراد جل وعز بإخباره المؤمنين خبرَهم - على ما بينه في كتابه بهذه الآيات - تحذيرَهم أن يأتمنوهم على أموالهم، وتخويفهم الاغترارَ بهم، لاستحلال كثير منهم أموالَ المؤمنين.\nفتأويل الكلام: ومن أهل الكتاب الذي إنْ تأمنه، يا محمد، على عظيم من المال كثير، يؤدِّه إليك ولا يخنْك فيه، ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنْك فيه فلا يؤدِّه إليك، إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة.","vol":"3","page":315},{"text":"• قال ابن الجوزي: فان قيل: لم خصَّ أهل الكتاب بأن فيهم خائنًا وأمينًا والخلق على ذلك، فالجواب: أنهم يخونون المسلمين استحلالًا لذلك، وقد بيَّنه في قوله تعالى (ليس علينا في الأمِّيِّين سبيل) فحذَّر منهم.\n• قال في التسهيل: وذكر القنطار مثالًا للكثير؛ فمن أدّاه: أدّى ما دونه، وذكر الدينار مثالًا للقليل، فمن منعه منع ما فوقه بطريق الأولى.\n(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) أي: إنَّمَا حَمَلهم على جُحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حَرَج في أكل أموال الأمييّن، وهم العرب؛ فإن الله قد أحلها لنا.\n(وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) فيه وجوه:\nالأول: أنهم قالوا: إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه، ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش.\nالثاني: أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة.\nالثالث: أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم.\n(بَلَى) أي: بلى عليكم حرج وسبيل وإثم في الأميين إذا أكلتم أموالهم وظلمتموهم.\n(مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ) منكم يا أهل الكتاب، من الإيمان بمحمد -ﷺ- إذا بعث وتصديقه فيما جاء به.\n(وَاتَّقَى) الله، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\n(فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) فضل عظيم للمتقين، الذين يتقون الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.","vol":"3","page":316},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1063> ففي هذه الآية فضل عظيم للتقوى، وللتقوى فضائل:</span>\nأولًا: أنها سبب لتيسير الأمور.\nقال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا).\nثانيًا: أنها سبب لإكرام الله.\nقال تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).\nثالثًا: العاقبة لأهل التقوى.\nقال تعالى (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).\nرابعًا: أنها سبب في دخول الجنة.\nقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ).\nوقال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).\nخامسًا: أنها سبب لتكفير السيئات.\nقال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا).\nسادسًا: أنها سبب لحصول البشرى لهم.\nقال تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا).\nسابعًا: أنها سبب للفوز والهداية.\nقال تعالى (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).\nثامنًا: أنها سبب للنجاة يوم القيامة.\nقال تعالى (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا).\nتاسعًا: أنها سبب لتفتيح البركات من السماء والأرض.\nقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).\nعاشرًا: أنها سبب للخروج من المأزق.","vol":"3","page":317},{"text":"قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).\nالحادي عشر: أنها سبب لمحبة الله.\nقال تعالى (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).\nالثاني عشر: أنها سبب للاهتداء بالقرآن.\nقال تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ).\nالثالث عشر: بالتقوى تنال معية الله.\nقال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).\nالرابع عشر: أنها خير زاد.\nقال تعالى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى).\nالخامس عشر: أنها من أسباب نيل الأجر العظيم.\nقال تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ).\nالسادس عشر: أن الآخرة خير من الدنيا للمتقين.\nقال تعالى (والْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا).\nالسابع عشر: أنها سبب لقبول الأعمال.\nقال تعالى (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).\nالثامن عشر: أن لباس التقوى خير لباس.\nقال تعالى (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ).\nالتاسع عشر: أنها من أسباب الرحمة.\nقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ).\nالعشرون: أنها من أسباب ولاية الله.\nقال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ).\nوقال تعالى (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ).\n• قال علي بن أبي طالب: التقوى ترك الإصرار عل المعصية، وترك الاغترار وبالطاعة.\nقال الحسن: التقوى أن لا تختار عل الله سوى الله، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله.\nوقال إبراهيم بن أدهم: التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيبًا.\nوقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.\nوقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام.\nوقال الثوري: إنما سموا متقين، لأنهم اتقوا ما لا يُتقى.","vol":"3","page":318},{"text":"• قال ابن القيم: مراتب التقوى: التقوى ثلاث مراتب:\nإحداها: حميّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات، والثانية: حميّتها عن المكروهات، والثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني.\nفالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته. …\n\n<span data-type='title' id=toc-1064>الفوائد:</span>\n١ - انقسام أهل الكتاب إلى خائن وأمين.\n٢ - أنه يجب الحذر من أهل الكتاب.\n٣ - إعجاب أهل الكتاب بأنفسهم واحتقارهم لغيرهم.\n٤ - أن من افترى على الله الكذب فيما يفتي به أو يحكم به بين الناس ففيه شبه باليهود والنصارى.\n٥ - أن من افترى على الله الكذب وهو يعلم أشد إثمًا وعدوانًا ممن لا يعلم.\n٦ - الثناء على الموفين بالعهد.\n٧ - أن تقوى الله سببًا لمحبة الله.\n٨ - فضل تقوى الله.\n(السبت: ٥/ ٧/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"3","page":319},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1065>(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧».</span> [آل عمران: ٧٧].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ) أي: يأخذون.\n• والاشتراء في لغة العرب: الاستبدال، فكل شيء استبدلته بشيء فقد اشتريته\n(بِعَهْدِ اللَّهِ) هو ما عاهدوا عليه من الإيمان بالنبي -ﷺ-.\nوقيل: بعهد الله، أي: بعهدهم مع الناس، وأضافه الله إلى نفسه لأنه أمر بالوفاء به. قال تعالى (وأوفوا بعهد الله)\n(وَأَيْمَانِهِمْ) أي: ويشترون أيضًا بأيمانهم ثمنًا قليلًا.\nوالأيمان جمع يمين، وهي الحلف بالله تعالى، فيحلف على جحد حق واجب عليه، أو يحلف على دعوى حق له، وهو كاذب قال الرازي: قوله تعالى (إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله) يدخل فيه جميع ما أمر الله به ويدخل فيه ما نصب عليه الأدلة ويدخل فيه المواثيق المأخوذة من جهة الرسول، ويدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه، لأن كل ذلك من عهد الله الذي يلزم الوفاء به.\nقال تعالى (وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ) الآية وقال (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولًا) وقال (يُوفُونَ بالنذر) وقال: (مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ).\n(ثَمَنًا قَلِيلًا) وهي حطام الدنيا وعرضها الخسيس الزائل.\n• قال الآلوسي: وصف ذلك بالقلة لقلته في جنب ما يفوتهم من الثواب ويحصل لهم من العقاب.\nوقال ﵀: ووجه المشابهة بين إعراضهم وبين الاشتراء، أن إعراضهم عن آيات القرآن لأجل استبقاء السيادة، والنفع في الدنيا يشبه استبدال المشترِي في أنه يعطي ما لا حاجة له به ويأخذ ما إليه احتياجه وله فيه منفعته.\nوقال ﵀: (ثمنًا قليلًا) وقد أجمل العوض الذي استبدلوا به، فلم يبين أهو الرئاسة أو الرشى التي يأخذونها ليشمل ذلك اختلاف أحوالهم فإنهم متفاوتون في المقاصد التي تصدهم عن اتباع الإسلام على حسب اختلاف همهم.\n• قال القرطبي: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول مَن فعل فعلهم.\nسئل الحسن البصري عن قوله تعالى (ثَمَنًا قَلِيلًا) قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها.\n• فالثمن القليل: يشمل المال والمنصب والجاه والشهرة والرفعة، فإن أحبار اليهود لو آمنوا بمحمد -ﷺ- لذهبت عنهم بعض ما هم فيه من المكانة والمنزلة والرفعة.\nوقد صدق من قال من السلف: من أحب أن يعرف ذهب دينه.\nقال الحسن -﵀: عقوبة العالم موت القلب، قيل له: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة (جامع بيان العلم وفضله).","vol":"3","page":320},{"text":"قال محمد بن عمر الأسلمي - توفي سنة (٢٠٧ هـ) ﵀-: لقد كان الرجلان يتقاولان بالمدينة في أول الزمان، فيقول أحدهما لصاحبه:\nلأنت أفلس من القاضي، فصار القضاة اليوم ولاة وجبابرة وملوكًا وأصحاب غلات وضياع وتجارات وأموال! (الطبقات الكبرى).\nقال يوسف بن زكريا -﵀: كان محمد بن يوسف، لا يشتري من خباز واحد، ولا من بقال واحد، وقال: لعلهم يعرفوني فيحابوني، فأكون ممن أعيش بديني؟ (حلية الأولياء).\nجلس الحسن -﵀ - يُحَدّث فأُهدِيَ له فردَّه، وقال: إن من جلس هذا المجلس ثم قَبِل، فليس له عند الله خلاق، أو قال: فليس له خلاق (الزهد لأحمد).\nقال وهب بن منبه - توفي سنة (١١٤ هـ) -﵀: كان العلماء من قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إليها، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم، فأصبح أهل العلم يبذلون لأهل الدنيا عِلمَهُم رغبة في دنياهم، وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم، لما رأوا من سوء موضعه عندهم. (حلية الأولياء).\nقال أبو حازم -﵀ - لا تكون عالمًا حتى تكون فيك خصال: لا تبغ على من فوقك ولا تحقر من دونك ولا تأخذ على علمك دنيا. (المداراة).\nقال مطرف بن عبد الله -﵀ - إن أقبحَ ما طُلبت به الدنيا عملُ الآخرة. (حلية الأولياء).\nقال شميط بن عجلان -﵀ - يعمد أحدهم فيقرأ القرآن ويطلب العلم، حتى إذا علمه أخذ الدنيا فضمها إلى صدره، وحملها على رأسه، فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: امرأة ضعيفة، وأعرابي جاهل، وأعجمي، فقالوا: هذا أعلم بالله منا، لو لم ير في الدنيا ذخيرة ما فعل هذا، فرغبوا في الدنيا وجمعوها. وكان أبي يقول: فمثله كمثل الذي قال الله ﷿ (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) (حلية الأولياء).\nقال ابن المبارك -﵀ - إنما الناس العلماء والملوك والزهاد، والسفلة الذين يأكلون بدينهم أموال الناس بالباطل ثم قرأ (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل).\nقال (يأكلون الدنيا بالدين، قال: فبكى فضيل بن عياض بكاءًا شديدًا ثم قال: كذب من قال: إنه لا يأكل بدينه أنا والله آكل بديني. (شعب الإيمان).","vol":"3","page":321},{"text":"• وقد ذكر العلامة المعلمي أن المنزلة والجاه من موانع الهداية فقال ﵀ بعد أن ذكر الوجه الأول:\nالوجه الثاني: أن يكون قد صار في الباطل جاه وشهرة ومعيشة، فيشق عليه أن يعترف بأنه باطل فتذهب تلك الفوائد.\n• وفي هذا أن الدنيا كلها ثمن قليل حقير.\nوفي الحديث قال -ﷺ- (موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) رواه الترمذي.\nولهذا قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود.\n(أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ) أي: لا نصيب لهم في الآخرة، ولا حظ لهم منها.\nوالآخرة يوم القيامة، وسمي يوم القيامة آخرة لأنه آخر مراحل البشر.\n(وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) أي: كلام لطف بهم.\nلكن الله قد يكلمهم كلام إهانة كما قال تعالى (قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ).\n(وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) نظر رحمة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1066> ويوم القيامة سمي بذلك:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1067>أولًا: لقيام الناس من قبورهم.</span>\nكما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1068>ثانيًا: لقيام الأشهاد.</span>\nكما قال تعالى (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1069>ثالثًا: لقيام الروح والملائكة.</span>\nكما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا).\n(وَلا يُزَكِّيهِمْ) أي: ولا يطهرهم من آثار رجسهم التي تلوثوا بها.\n• قال الرازي: قوله تعالى (وَلَا يُزَكّيهِمْ) ففيه وجوه الأول: أن لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة بل يعاقبهم عليها والثاني: لا يزكيهم أي لا يثني عليهم كما يثني على أوليائه الأزكياء والتزكية من المزكى للشاهد مدح منه له.\nواعلم أن تزكية الله عباده قد تكون على ألسنة الملائكة كما قال (والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار) وقال (وتتلقاهم الملائكة هذا يَوْمُكُمُ الذى كُنتُمْ تُوعَدُونَ) (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة).\nوقد تكون بغير واسطة، أما في الدنيا فكقوله (التائبون العابدون) وأما في الآخرة فكقوله (سَلَامٌ قَوْلًا مّن رَّبّ رَّحِيمٍ).\n(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) مؤلم موجع.\nعن أبي ذر، قال: قال رسول الله -ﷺ- (ثَلاثَة لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ\" قلت: يا رسول الله، من هم؟ خابوا وخسروا. قال: وأعاده رسول الله -ﷺ- ثلاث مرات قال: \"المُسْبِل، والمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ بالكاذب) رواه مسلم.","vol":"3","page":322},{"text":"وعن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ- (مَنْ حَلَفَ عَلَى يمين هو فيها فَاجِر، لِيقْتَطِعَ بِهَا مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ الله ﷿ وَهُوَ عَليْهِ غَضْبَانُ، فقال الأشعث: فيّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجَحَدني، فقدَّمته إلى رسول الله -ﷺ- فقال لي رسول الله -ﷺ-: أَلَكَ بَيَّنة؟ \" قلتُ: لا فقال لليهودي: احْلِفْ، فقلتُ: يا رسول الله، إذا يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله ﷿ (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1070>الفوائد:</span>\n١ - تهديد من يشتري بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا.\n٢ - تحريم اليمين الغموس.\n٣ - أن اليمين الغموس وعدم القيام بعهد الله من كبائر الذنوب.\n٤ - إثبات الآخرة.\n٥ - أنه ينبغي للإنسان أن تكون الآخرة همه.\n٦ - ذم الدنيا، وأنه قليلة زائلة.\n٧ - خطر الدنيا وطلبها والتعلق بها.\n٨ - التحذير من فتنة الدنيا.\n٩ - إثبات يوم القيامة.\n(الأحد: ٦/ ٧/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"3","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1071>(وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨».</span> [آل عمران: ٧٨].\n<hr><s0>\n\n(وَإِنَّ مِنْهُمْ) أي: من أهل الكتاب.\n(لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ) أي: يعطفونها، قال ابن عباس: يحرفونه بتأويله على غير مراد الله.\n(لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ) أي: من أجل أن تحسبوه وتظنوه أنه من عند الله.\nوالمراد بالكتاب هنا التوراة.\n(وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ) هذا إبطال لما أرادوه من ليّهم ألسنتهم بالكتاب.\n(وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) كذبًا على الله.\n(وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) رد على ادعائهم.\n(وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنه كذب على الله.\n• بعض صفات أهل الكتاب كما ذكره الله تعالى.\nالحسد: قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) نقض الميثاق: قال تعالى (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسيه).\nالخيانة: قال تعالى (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ).\nكتم العلم: قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ).","vol":"3","page":324},{"text":"تحريف الكتاب: قال تعالى (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ)، وقال تعالى (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) وقال تعالى (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ).\nقتل الأنبياء: قال تعالى (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ).\nوهم الذين قتلوا زكريا ويحيي ﵉، وحاولوا قتل النبي -ﷺ-.\nقتلهم للدعاء إلى الله: قال تعالى (إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، وقال تعالى (لقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1072>الفوائد:</span>\n١ - تحريم أهل الكتاب للكتاب.\n٢ - تحريم تحريف الكتاب.\n٣ - الحذر من تأويل القرآن، وأن من فعل ذلك ففيه شبه من أهل الكتاب.\n٤ - ينبغي معرفة صفات أهل الكتاب لنجتنبها، لأن النبي -ﷺ- أخبر (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه …).","vol":"3","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1073>(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلَائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (٨٠».</span> [آل عمران: ٧٩ - ٨٠].\n<hr><s0>\n\n(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) في هذا رد على أولئك الجاهلين الذين زعموا أن بعض النبيين يصح له أن يطلب من الناس أن يعبدوه من دون اللّه.\nوالمعنى: لا يصح ولا ينبغي ولا يستقيم عقلا لبشر آتاه اللّه تعالى وأعطاه:\n(الْكِتابَ) الناطق بالحق، الآمر بالتوحيد، الناهي عن الإشراك، وآتاه (الْحُكْمَ) أي العلم النافع والعمل به، وآتاه\n(النُّبُوَّةَ) أي الرسالة التي يبلغها عنه سبحانه إلى الناس، ليدعوهم إلى عبادته وحده، وإلى مكارم الأخلاق، لا يصح له ولا ينبغي بعد كل هذه النعم أن يكفرها ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ بعد هذا العطاء العظيم الذي وهبه اللّه له كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: لا ينبغي ولا يعقل من بشر آتاه اللّه كل هذه النعم أن يقول للناس هذا القول الشنيع وهو كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، لأن الأنبياء الذين آتاهم اللّه الكتاب والحكم والنبوة يحجزهم خوفهم من اللّه، وإخلاصهم له، عن أن يقولوا هذا القول المنكر، كما يحجزهم عنه أيضًا ما امتازوا به من نفوس طاهرة،\nوقلوب نقية، وعقول سليمة … لأنهم لو فرض أنهم قالوا ذلك لأخذهم اللّه تعالى أخذ عزيز مقتدر فهو سبحانه القائل (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ).\n• قال ابن كثير: فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى.\nولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضا -يعني أهل الكتاب-كانوا يَتعبَّدون لأحبارهم ورهبانهم، كما قال الله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وفي المسند، والترمذي -كما سيأتي-أن عَديّ بن حاتم قال: يا رسول الله، ما عبدوهم. قال: (بَلَى، إنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ وحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلالَ، فَاتَّبَعُوهُمْ، فَذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُم).\nفالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم والتوبيخ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، فإنما يأمرون بما أمَرَ الله به وبلغتهم إياه رسله الكرام، إنما يَنْهَوْنهم عما نهاهم الله عنه وبلغتهم إياه رسله الكرام، فالرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعينَ، هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة، فقاموا بذلك أتم قيام، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق.","vol":"3","page":326},{"text":"• وقال السعدي: أي: يمتنع ويستحيل كل الاستحالة لبشر منّ الله عليه بالوحي والكتاب والنبوة، وأعطاه الحكم الشرعي، أن يأمر الناس بعبادته، وبعبادة النبيين والملائكة واتخاذهم أربابًا، لأن هذا هو الكفر، فكيف وقد بعث بالإسلام المنافي للكفر من كل وجه، فكيف يأمر بضده؟\n(وَلَكِنْ كُونُوا) أي: ولكن يقول لهم: كونوا، فحذف القول لدلالة الكلام عليه.\n(رَبَّانِيِّينَ) أي: مقبلين على طاعة اللّه تعالى وعبادته وحده بجد ونشاط وإخلاص، بسبب كونكم تعلمون غيركم الكتاب الذي أنزله اللّه لهداية الناس وبسبب كونكم دارسين له، أي قارئين له بتمهل وتدبر.\n• وقوله تعالى وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ استدراك قصد به إثبات ما ينبغي للرسل أن يقولوه بعد أن نفى عنهم ما لا ينبغي لهم أن ينطقوا به، أي: لا ينبغي لبشر آتاه اللّه نعما لا تحصى أن يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون اللّه، ولكن الذي ينبغي له أن يقوله لهم هو قوله: كونوا ربانيين أي مخلصين له سبحانه العبادة إخلاصًا تامًا.\n• والمراد بالرباني: الإنسان الذي أخلص اللّه تعالى في عبادته، وراقبه في كل أقواله وأفعاله، واتقاه حق التقوى، وجمع بين العلم النافع والعمل به، وقضى حياته في تعليم الناس وإرشادهم إلى ما ينفعهم.\n• قال الطبري: وأولى الأقوال عندي بالصواب في الربانيين أنهم جمع\"رباني\"، وأن\"الرباني\" المنسوب إلى\"الرَّبَّان\"، الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، و\"يربّها\"، ويقوم بها.\n(بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ) أي: بتعليمكم الناس الكتاب.\n(وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) أي: ودراستكم إياه.\n• قال الرازي: دلّت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيًا، فمن اشتغل بالتعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع سعيه وخاب عمله وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ولهذا قال -ﷺ- (نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع).\n(وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا) أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مُقَرَّب.\n• وخصص الملائكة والنبيين بالذكر لأن عبادتهما قد شاعت عند كثير من الناس، فقد وقع في عبادة الملائكة «الصابئة» الذين كانوا يقيمون في بلاد الكلدان، وتبعهم بعض المشركين من العرب، ووقع في عبادة بعض النبيين كثير من النصارى فقد اتخذوا المسيح إلها يعبد وزعموه ابن اللّه وكثير من اليهود عبدوا عزيزا وزعموه ابن اللّه.","vol":"3","page":327},{"text":"(أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي: لا يَفْعَل ذلك؛ لأنَّ من دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له.\nكما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ).\nوقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).\nوقال تعالى (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ).\nوقال تعالى إخبارًا عن الملائكة (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ).\nوالاستفهام في قوله أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ للإنكار الذي بمعنى النفي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1074>الفوائد:</span>\n١ - أن من منّ الله عليه بالعلم النافع فإنه لا يمكن أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه.\n٢ - الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون معلمًا ربانيًا.\n٣ - وجوب عبادة الله وحده.\n٤ - تحريم الشرك.","vol":"3","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1075>(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢».</span> [آل عمران: ٨١ - ٨٢].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ) أي: واذكر يا محمد لمن أرسلناك إليهم، اذكر هذا العهد والميثاق.\nوسمي الميثاق عهدًا، لأن كلًا من المتعاهدين يتوثق به مع الآخر.\n(لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) أي: للذي أعطيتكم من الكتاب والحكمة.\nوقال بعض العلماء: إن (لما) بمعنى مهما، والمراد مهما أوتيتم من كتاب وحكمة.\n(ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ) أي: ثم جاءكم رسول من عندي بكتاب مصدق لما بين أيديكم وهو محمد -ﷺ-.\n(لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) هذا محل الميثاق، أي: تؤمنوا به وتصدقوه.\n(وَلَتَنْصُرُنَّهُ) أي: تعينونه على نشر رسالته، وعلى قتال أعدائه.\n• قال ابن الجوزي: وفي الذي أخذ ميثاقهم عليه قولان:\nأحدهما: أنه تصديق محمد -ﷺ-، روي عن علي، وابن عباس، وقتادة، والسدي.\nوالثاني: أنه أخذ ميثاق الأول من الأنبياء ليؤمننَّ بما جاء به الآخر منهم، قاله طاووس.\n• وقال ابن كثير: يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم، ﵇، إلى عيسى -﵇-، لَمَهْمَا آتى الله أحدَهم من كتاب وحكمة، وبلغ أيّ مبلَغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنَنَّ به ولينصرَنَّه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته؛ ولهذا قال تعالى وتقدس (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) أي: لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة.\n• قيل: ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمدٌ وهو حيٌ ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمر الله النبي أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث فيهم محمدًا -﵇- وهو حيٌ وهم أحياء ليؤمنن به، ولينصرنه.\nوهذا رفعةٌ وعظمةٌ بين الأنبياء وتعريفٌ وتشريفٌ بين البشرية جمعاء .. إذ هذه مكانة عظيمة، والله جل وعلا يعلم أن النبي -ﷺ- لن يكون إلا في آخر الزمان، وأنه خاتم الأنبياء .. فإذا جعل الميثاق على كل نبيٍّ بعث أنه يُقرّ ويؤخذ عليه الميثاق إن بُعث محمد وهو حيٌّ، أو بعث في أمته بعد وفاته أن يأخذ العهد والميثاق على الإيمان بمحمدِ -ﷺ- وعلى نصرته وأتباعه؟\nوقيل: أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضًا ويأمر بعضهم بالإيمان بعضًا، فذلك معنى النصرة بالتصديق. وهذا قول\nسعيد بن جبير وقتادة وطاوس والسدي والحسن، وهو ظاهر الآية،\n• قال ابن الجوزي: قال بعض أهل العلم: إنما أخذ الميثاق على النبيين، وأممهم، فاكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم، لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التابع، وهذا معنى قول ابن عباس، والزجاج.","vol":"3","page":329},{"text":"(قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ) أي: أأقررتم واعترفتم.\n(وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي) أي: عهدي، والإصر العهد الثقيل.\n(قَالُوا أَقْرَرْنَا) أي: اعترفنا.\n(قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي: اشهدوا على أنفسكم وأتباعكم وأنا من الشاهدين عليكم وعليهم.\n(فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ) أي: عن هذا العهد.\n(فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المراد بالفسق هنا الكفر.\nعن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله، إني مررتُ بأخٍ لي من قُرَيْظَة، فكتب لي جَوَامعَ من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغيَّرَ وَجْهُ رسول اللهِ -ﷺ- قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله -ﷺ-؟ فقال عمر: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا -قال: فسُرِّيَ عن رسول الله -ﷺ- وقال: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَصْبَحَ فِيكُمْ مُوسَى ﵇، ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، إِنَّكُمْ حَظِّي مِنْ الأمَمِ، وَأَنَا حَظُّكُمْ مِنْ النَّبِيِّينَ).\nعن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ- (لا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا، وَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ وإما أنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وَإِنَّه -واللهِ-لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلا أَنْ يَتَّبِعَنِي.\nوفي بعض الأحاديث (لَوْ كَانَ مُوسَى وَعِيسَى حَيَّينِ لَمَا وَسِعَهُما إلا اتِّباعِي).\nفالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، دائما إلى يوم الدين، وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدَّم على الأنبياء كلهم؛ ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في يوم الحشر في إتيان الرب لِفَصْل القضاء، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين، حتى تنتهي النوبة إليه، فيكونَ هو المخصوص به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1076>الفوائد:</span>\n١ - وجوب الإيمان بالرسول -ﷺ-.\n٢ - فضيلة نبينا محمد -ﷺ- حيث أخذ الله على جميع الأنبياء الميثاق أن يؤمنوا به.\n٣ - أنه يجب على الأنبياء أن ينصروا هذا النبي -ﷺ-.\n٤ - إثبات كلام الله تعالى.\n٥ - فسق من تولى بعد قيام الحجة عليه.","vol":"3","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1077>(أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣».</span> [آل عمران: ٨٣].\n<hr><s0>\n\n(أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ) ينكر تعالى على من أراد دينًا سوى دين الله، الذي أنزل به كتبه، وأرسل له رسله، وهو عبادته وحده لا شريك له.\n• قال ابن عاشور: الاستفهام للتوبيخ والتحذير، ودين الله هو الإسلام لقوله تعالى (إن الدين عند الله الإسلام) وإضافته إلى الله لتشريفه على غيره من الأديان، أو لأنّ غيره يومئذ قد نسخ بما هو دين الله.\n(وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) أي: استسلم له من فيهما طوعًا وكرهًا كما قال تعالى (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي\nالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).\nفالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله تعالى، والكافر مستسلم لله كرهًا، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم، الذي لا يخالف ولا يمانع. (تفسير ابن كثير).\nوقيل: أن المؤمن يسجد طائعًا، والكافر يسجد ظلُّه وهو كاره\nوقيل: إن المؤمن أسلم طائعًا، والكافر أسلم حين رأى بأس الله، فلم ينفعه في ذلك الوقت.\nوقيل: إن إسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره في جبلتهم، لا يقدر أحد أن يمتنع من جبّلةٍ جبله عليها، ولا على تغييرها، هذا قول الزجاج، وهو معنى قول الشعبي: انقاد كلهم له. (زاد المسير).\n(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) أي: يوم المعاد، فيجازي كلًا بعمله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1078>الفوائد:</span>\n١ - ذم من يبتغي غير دين الإسلام.\n٢ - لا ينبغي للإنسان أن يتخذ دينًا غير دين الله وهو مربوب لله.\n٣ - عموم ملك الله وسلطانه.","vol":"3","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1079>(قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥».</span> [آل عمران: ٨٤ - ٨٥].\n<hr><s0>\n\n(قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ) والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجود الله، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته.\n• وحد الضمير في (قُلْ) وجمع في (آمنا):\nيحتمل: أن يكون هو وأمته مأمورين بذلك، وإنما حُذِفَ معطوفُه؛ لِفَهْم المعنى، والتقدير: قل يا محمد أنت وأمتك: آمنا بالله، كذا قدَّره ابنُ عطية.\nويحتمل: أن المأمور بذلك نبينا وحده، وإنما خوطب بلفظ الجمع؛ تعظيمًا له.\n• قال السعدي: في قوله (قولوا) فيها إشارة إلى الإعلان بالعقيدة والصدع بها والدعوة لها، إذ هي أصل الدين وأساسه.\n(وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا) أي: القرآن العظيم، ويشمل السنة لقوله تعالى (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).\n(وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) أي: من الصحف والوحي.\nولم يبين هنا هذا الذي أنزل إلى إبراهيم، ولكن بيّن في سورة الأعلى أنه صحف، وأن من جملة ما في تلك الصحف (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) وذلك في قوله (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى).\n(وَالْأَسْبَاطِ) وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - وهو يعقوب - الإثني عشر.\n• والأسباط: هم بنو يعقوب اثنا عشر رجلًا، ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا الأسباط، وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل.\nقال البخاري: الأسباط قبائل بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ههنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، وهذا اختيار الطبري.\n(وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى) أي: من التوراة والإنجيل والآيات كاليد والعصا وكإخراج الموتى بإذن الله.\nقال تعالى (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) وهو التوراة بالإجماع، وذكر ما أوتيه عيسى وهو الإنجيل كما في قوله تعالى (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ\nوَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ).","vol":"3","page":332},{"text":"(وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) هذا يعم جميع الأنبياء جملة.\nأي: ونؤمن بما أنزل على غيرهم من الأنبياء جميعًا ونصدق بما جاءوا به من عند الله من الآيات البينات والمعجزات الباهرات.\n• سؤال: فإن قيل: كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة؟\nقلنا: نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقًا في زمانه فلا يلزم منا المناقضة، أما اليهود والنصارى لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز عليه، وأنكروا نبوة محمد -ﷺ- مع قيام المعجز على يده، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق. (مفاتيح الغيب)\n(لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) يعني: بل نؤمن بجميعهم.\nأي: نؤمن على هذا الوجه، فلا نفرق بين أحد منهم في الإيمان بهم، لا في الاتباع، فلا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعلت اليهود والنصارى\n• قال ابن عاشور: ومعنى (لا نفرق بين أحد منهم) أننا لا نعادي الأنبياء، ولا يحملنا حبّ نبينا على كراهتهم، وهذا تعريض باليهود والنصارى، وحذف المعطوف وتقديره لا نفرق بين أحد وآخر، وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة.\nوهذه الآية شعار الإسلام وقد قال الله تعالى (وتؤمنون بالكتاب كله).\n(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي: منقادون أو مخلصون أنفسَنا له تعالى لا نجعلُ له شريكًا فيها، وفيه تعريضٌ بإيمان أهلِ الكتاب فإنه بمعزل من ذلك.\n(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) أي: من سلك طريقًا سوى ما شرعه الله فلن يقبل منه.\nوالمراد بالإسلام هنا: الإسلام الخاص الذي جاء به نبينا محمد -ﷺ-.\n(وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين) الخسران في الآخرة هو حرمان الثواب وحصول العقاب شبه في تضييع زمانه في الدنيا باتباع غير الإسلام بالذي خسر في بضاعته.\n\n<span data-type='title' id=toc-1080>الفوائد:</span>\n٤ - وجوب الإيمان بالقلب واللسان.\n٥ - وجوب الإيمان بما أنزل علينا.\n٦ - ثبوت نبوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب.\n٧ - وجوب الاستسلام لله تعالى.\n٨ - بطلان كل عمل ليس على دين الإسلام.\n٩ - أن جميع الأديان غير دين الإسلام غير مقبولة عند الله.\n١٠ - إثبات الآخرة.","vol":"3","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1081>(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٨٩».</span> [آل عمران: ٨٦ - ٨٩].\n<hr><s0>\n\n(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) استفهام للتعجيب والتعظيم لكفرهم، أي: كيف يستحق الهداية قوم كفروا بعد إيمانهم.\n(وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ) أي: بعد أن جاءتهم الشواهد ووضح لهم الحق أن محمدًا رسول الله.\n(وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: جاءتهم المعجزات والحجج البينات على صدق النبي -ﷺ-.\n• قال السعدي: لأنهم عرفوا الحق فرفضوه، ولأن من هذه الحالة وصفه، فإن الله يعاقبه بالانتكاس، وانقلاب القلب جزاء له، إذ عرف الحق فتركه، والباطل فآثره، فولاه الله ما تولى لنفسه.\n• قال الرازي: اعلم أنه تعالى استعظم كفر القوم من حيث أنه حصل بعد خصال ثلاث:\nأحدها: بعد الإيمان.\nوثانيها: بعد شهادة كون الرسول حقًا.\nوثالثها: بعد مجيء البينات، وإذا كان الأمر كذلك كان ذلك الكفر صلاحًا بعد البصيرة وبعد إظهار الشهادة، فيكون الكفر بعد هذه الأشياء أقبح لأن مثل هذا الكفر يكون كالمعاندة والجحود، وهذا يدل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل.\nوَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) تهديد لكل ظالم، وأعظم الظلم الشرك بالله تعالى.\nالهداية المنفية هنا هداية التوفيق، أما هداية البيان والإرشاد فهي حاصلة لكل أحد.\n• قال الشوكاني: وأما الهداية بمعنى الدلالة على الحق والإرشاد اليه فقد نصبها الله سبحانه لجميع عباده.","vol":"3","page":334},{"text":"• قوله تعالى (والله لَا يَهْدِي القوم الظالمين) يقال: ظاهر الآية أَنَّ مَن كفر بعد إسلامه لا يهديه الله ومن كان ظالمًا، لا يهديه الله؛ وقد رأينا كثيرًا من المرتدِّين قد أسلموا وهداهم الله، وكثيرًا من الظالمين تابوا عن الظلم.\nوالجواب من وجهين:\nأحدهما: أن هذه الآيةَ الكريمةَ وأمثالَها في القرآنِ من العامِّ المخصوصِ، أي: لا يهدِي القومَ الكافرينَ الذين سَبَقَ في عِلْمِهِ عدمُ هدايتِهم وشقاؤهم شقاءً أزليًّا.\nكقولِه (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ).\nوقولُه (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ). ونحو ذلك من الآياتِ. وعلى أن هذه الآيةَ الكريمةَ من العامِّ المخصوصِ بآياتٍ أُخَرَ فلَا إشكالَ.\nالقول الثاني: لا يهدي الظالمين ما داموا مصرّين على ظلمهم، فإن رزقهم الله التوبة والإنابة زال اسم الظلم عنهم، ولم يدخلوا في عداد الظالمين، فصار لا إشكال في هدايتهم. (الشنقيطي).\n(أُولَئِكَ) المشار إليهم، الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق.\n(جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ) أي: يلعنهم الله، أي: يطردهم من رحمته.\n(وَالْمَلائِكَةِ) أي: والملائكة تلعنهم، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.\n(وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) أي: يطلبون من الله أن يلعنهم.\nواختلف العلماء بالمراد في الناس هنا:\nفقيل: المؤمنون فقط.\nوقيل: المراد أغلب الناس.\nلكن هذا ضعيف، لأن أغلب الناس كفار كما قال تعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) وقال تعالى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).\nولذلك الصحيح أن الكافر يلعن الكافر، ويكون لذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فكوْن الكافر يلعن الكافر في الدنيا بأن يدعو الكافر مثلًا على الظالم، فإذا قال الكافر - مثلًا - لعن الله الظالم، دخل هو نفسه في اللعنة، وأما كون الكفار يلعن بعضهم بعضًا في الآخرة فهذا واضح من قوله تعالى (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا. رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) وكذلك من قوله تعالى (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا).","vol":"3","page":335},{"text":"• استدل بهذه الآية من قال بجواز لعن الكافر، ولعن الكافر على أنواع:\nأولًا: لعن الكفار جملة فهذا جائز.\nكما في هذه الآية.\nوقوله تعالى (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ).\nثانيًا: الكافر المعين، فهذا فيه خلاف:\nفقيل: لا يجوز.\nوممن ذهب إلى هذا الغزالي، وذكره الإمام النووي.\nقالوا: ربما يسلم.\nوقيل: يجوز.\nلحديث عمر بن الخطاب (أن رجلًا كان على عهد النبي -ﷺ-، كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يُضحك رسول الله -ﷺ-، وكان النبي -ﷺ- قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي -ﷺ-: لا تلعنوه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله) رواه البخاري.\nقالوا: فدل على من لا يحب الله ورسوله يلعن.\nوالذي يظهر الجواز خاصة إذا كان ممن يؤذي المسلمين.","vol":"3","page":336},{"text":"• وأما العصاة لمسلمين:\nفلعنهم جملة جائز ولا بأس.\nقال تعالى (لعنة الله على الظالمين).\nوقال تعالى (لعنة الله على الكاذبين).\nوقال -ﷺ- (لعن الله السارق …) وقال -ﷺ- (لعن الله آكل الربا …).\n• وأما العاصي المعين: فلا يجوز لعنه اتفاقًا.\nللحديث السابق (حيث كان يؤتى به ويجلد في شرب الخمر، قال -ﷺ-: لا تلعنوه، وفي رواية: لا تكونوا أعوانًا للشيطان على أخيكم).\n(خَالِدِينَ فِيهَا) قال في التسهيل: قوله تعالى (خالدين فِيهَا) الضمير عائد على اللعنة، وقيل: على النار وإن لم تكن ذكرت؛ لأنّ المعنى يقتضيها.\nورجح الرازي الأول وقال: والأول أولى لوجوه.\nالأول: أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر.\nالثاني: أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار، لأن اللعنة هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا، فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى.\nالثالث: أن قوله (خالدين فِيهَا) إخبار عن الحال، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلًا في الحال، وفي حمله على النار لا يكون حاصلًا في الحال، بل لا بد من التأويل؛ فكان ذلك أولى.\n(لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) أي: لا يخفف عنهم طرفة عين. بل هو دائم متواصل.\nكما قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ)\nوقال تعالى (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ. لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُون).\nوقال تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ).\n(وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي: ولا يُمهلون أو يؤجلون، بل يكون حاضرًا متصلًا بعذاب مثله فكأنه تعالى أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى آجال قدرها الله تعالى، وفي الآخرة لا مهلة ألبتة فإذا استمهلوا لا يمهلون، وإذا استغاثوا لا\nيغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون، وقيل لهم (اخسئوا فِيهَا وَلَا تُكَلّمُونِ).\nوقيل: هو من النظر أي: لا ينظر الله إليهم فيرحمهم.","vol":"3","page":337},{"text":"• قال الماوردي: (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) يحتمل وجهين:\nأحدهما: لا يؤخرون عنه ولا يمهلون.\nوالثاني: لا ينظر الله ﷿ إليهم فيرحمهم.\n(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ): أي: أظهروا أنهم كانوا على ضلال.\n(وَأَصْلَحُوا) أي: وأصلحوا ما كانوا أفسدوه، وغرّوا به من تبعهم ممن لا علم له.\n• قال ابن عطية: والإصلاح عام في القول والعمل.\n(فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) يغفر لهم ما قدموه، ويعفو عنهم ما أسلفوه.\n(رَحِيمٌ) ومن رحمته أنه يغفر الزلات والخطيئات، فرحمة الله واسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).\nوقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).\n• قال ابن كثير: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه: أنه من تاب إليه تاب عليه. أ هـ\n\n<span data-type='title' id=toc-1082>الفوائد:</span>\n١ - أن من ضل عن بصيرة، فإنه يبعد أن يُهدى.\n٢ - أن الهداية والإضلال بيد الله.\n٣ - أن الإنسان قد يستكبر ويعاند بعد أن تبين له الحق.\n٤ - أن الكفر بعد الإيمان أغلظ من الكفر الأصلي.\n٥ - أن الله تعالى لم يترك الخلق هملًا، بل أقام لهم الحجج والبينات.\n٦ - إثبات الجزاء.\n٧ - أن الكفار مخلدون في النار.\n٨ - أن التوبة تجب ما قبلها.","vol":"3","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1083>(إنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ا</span>فْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (٩١». [آل عمران: ٩٠ - ٩١].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) يقول تعالى متوعدًا ومتهدِّدًا لمن كفر بعد إيمانه ثم ازداد كفرا، أي: استمر عليه إلى الممات، ومخبرًا بأنه لا يقبل لهم توبة عند مماتهم، كما قال تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).\n• قال الشنقيطي: هذه الآية الكريمة تدل على أن المرتدين بعد إيمانهم المزدادين كفرًا لا يقبل الله توبتهم إذا تابوا؛ لأنه عبّر بـ (لن) الدالة على نفي الفعل في المستقبل.\nمع أنه جاءت آيات أخر دالة على أن الله يقبل توبة كل تائب قبل حضور الموت، وقبل طلوع الشمس من مغربها.\nكقوله تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف).\nوقوله (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ).\nوالجواب من أربعة أوجه:\nورجح ﵀ فقال:\nالثاني: وهو أقربها عندي أن قوله تعالى (لن تقبل توبتهم) يعني إذا تابوا عند حضور الموت، ويدل لهذا الوجه أمران:\nالأول: أنّه تعالى بيّن في مواضع أخرى أنّ الكافر الذي لا تقبل توبته هو الذي يصر على الكفر حتى يحضره الموت في ذلك الوقت، كقوله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) فجعل التائب عند حضور الموت والميت على كفره سواء.\nوقوله تعالى (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا).\nوقوله في فرعون (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِين) فالإطلاق الذي في هذه الآية يقيّد بقيد تأخير التوبة إلى حضور الموت لوجوب حمل المطلق على المقيد كما تقرر في الأصول.\nالثاني: أنه تعالى أشار إلى ذلك بقوله (ثم ازدادوا كفرًا) فإنه يدل على عدم توبتهم في وقت نفعها، ونقل ابن جرير هذا الوجه الثاني - الذي هو التقيد بحضور الموت - عن الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي.\n(وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) أي: الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغَيِّ.\n(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ) أي: من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدًا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قُرْبة.\nكما سئل النبي -ﷺ- عن عبد الله بن جُدْعان -وكان يُقْرِي الضيفَ، ويَفُكُّ العاني، ويُطعم الطعام-: هل ينفعه ذلك؟ فقال: لا إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِن الدَّهْرِ: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِي يوم الدِّينِ.","vol":"3","page":339},{"text":"قال النووي: معنى الحديث أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه في الآخرة، لكونه كافرًا، وهو معنى قوله -ﷺ-: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، أي لم يكن مصدقًا بالبعث، ومن لم يصدق به كافر ولا ينفعه عمل.\nقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ).\nوقال تعالى (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). فعلق حبوط العمل بموته على الكفر.\nوقال تعالى (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).\n• وكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضًا ذهبًا ما قبل منه.\nكما قال تعالى (وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ).\nوقال تعالى (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ).\nوقال تعالى (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ).\nوقال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).\n(أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) مؤلم موجع.\n(وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) أي: وما لهم من أحد يُنْقِذهم من عذاب الله، ولا يجيرهم من أليم عقابه.\n• فالإيمان شرط لقبول الأعمال:\nكما قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\nوقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا).\nوقال تعالى (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب).\n\n<span data-type='title' id=toc-1084>الفوائد:</span>\n١ - أن المرتد إذا بقي على ردته، فإنه لا تقبل توبته عند الموت.\n٢ - أن من تاب قبل أن يحضر أجله تاب الله عليه.\n٣ - أن من مات على الكفر فلن يقبل منه شيء.\n٤ - شدة العذاب على الكافرين.","vol":"3","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1085>(لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢».</span> [آل عمران: ٩٢].\n<hr><s0>\n\n(لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) قيل في معنى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ) أي: لن تبلغوا ثواب البر، وقيل: لن تبلغوا درجة ومنزلة أهل البر.\nوالمراد بالنفقة هنا: قيل الواجبة، وقيل: جميع الصدقات، وقيل: جميع النفقات التي يُبتغى بها وجه الله تعالى، سواء كانت صدقة، أو لم تكن.\nومعنى الآية: لن تنالوا حقيقة البر، ولن تبلغوا ثوابه الجزيل الذي يوصلكم إلى رضا الله، وإلى جنته التي أعدها لعباده الصالحين، إلا إذا بذلتم مما تحبونه وتؤثرونه من الأموال وغيرها في سبيل الله، وما تنفقوا من شيء- ولو قليلا- فإن الله به عليم، وسيجازيكم عليه بأكثر مما أنفقتم وبذلتم.\nأي: لن تنالوا وتدركوا وتبلغوا البر الذي هو كل خير من أنواع الطاعات وأنواع المثوبات الموصل لصاحبه إلى الجنة (حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) أي: من أموالكم النفيسة التي تحبها نفوسكم، فإنكم إذا قدمتم محبة الله على محبة الأموال فبذلتموها في مرضاته، دل ذلك على إيمانكم الصادق وبر قلوبكم ويقين تقواكم. (تفسير السعدي).\n• قال السعدي: فإن النفقة من الطيب المحبوب للنفس، من أكبر الأدلة على سماحة النفس، واتصافها بمكارم الأخلاق، ورحمتها ورقتها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1086> أمثلة تطبيقية:</span>\nأ- عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -﵁- قال (كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بخْ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) متفق عليه.\nب-وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ قَالَ «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا» قَالَ فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُبْتَاعُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُوهَبُ. قَالَ فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِى الْقُرْبَى وَفِى الرِّقَابِ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. قَالَ فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدًا فَلَمَّا بَلَغْتُ هَذَا الْمَكَانَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. قَالَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ وَأَنْبَأَنِي مَنْ قَرَأَ هَذَا الْكِتَابَ أَنَّ فِيهِ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا) متفق عليه\nج- وعنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ «الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ». قَالَ قُلْتُ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ «أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا …) رواه مسلم.","vol":"4","page":1},{"text":"د- كان ابن عمر إذا اشتد عجبه بشيء من ماله قرّبه إلى ربه امتثالًا لقوله تعالى (لن تنالوا البر …).\nهـ- قال القرطبي: وكذلك فعل زيد بن حارثة، عمد مما يحب إلى فرس له يقال له «سبل» وقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلى من فرسي هذه، فجاء بها إلى النبي -ﷺ-.\nو- واشترى ابن عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له: لم أعتقتها ولم تصب منها؟ فقال (لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّون) ز- وأعتق ابن عمر نافعًا مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار، قالت صفية بنت أبي عبيد: أظنه تأوّل قول الله ﷿ (لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّون).\nك- وكان الربيع بن خثيم إذا جاءه السائل يقول لمولاته: يا فلانة أعطي السائل سكرًا، فإن الربيع يحب السكر.\nط- وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدالًا من سكر ويتصدّق بها، فقيل له: هلا تصدّقت بقيمتها؟ فقال: لأن السكر أحب إليّ فأردت أن أنفق مما أحبّ.\nوقال الحسن: إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تُدركوا ما تأمّلون إلا بالصبر على ما تكرهون\n(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ) من صغير أو كبير.\n(فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم عليه أتم الجزاء.\n• قال السعدي: ولما كان الإنفاق على أي: وجه كان مثابا عليه العبد، سواء كان قليلا أو كثيرًا، محبوبًا للنفس أم لا وكان قوله (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) مما يوهم أن إنفاق غير هذا المقيد غير نافع، احترز تعالى عن هذا الوهم بقوله (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) فلا يضيق عليكم، بل يثيبكم عليه على حسب نياتكم ونفعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1087>الفوائد:</span>\n١ - فضل الإنفاق مما يحبه الإنسان.\n٢ - أنه كلما أنفق الإنسان مما هو أحب إليه، كان أكثر لبره.\n٣ - عموم علم الله تعالى.\n٤ - إثبات الجزاء.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1088>(كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤».</span> [آل عمران: ٩٣ - ٩٤].\n<hr><s0>\n\n(كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ) أي: كل الأطعمة كانت حلالًا لبني إسرائيل.\nوالطعام: مصدر بمعنى المطعوم، والمراد به هنا كل ما يطعم ويؤكل.\nوحلا: مصدر أيضًا بمعنى حلالًا، والمراد الإخبار عن أكل الطعام بكونه حلالًا، لا نفس الطعام، لأن الحل كالحرمة مما لا يتعلق بالذوات.\n(إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ) أي: إلا ما حرمه يعقوب على نفسه وهو لحم الإبل ولبنها، ثم حرمت عليهم أنواع من الأطعمة كالشحوم وغيرها عقوبة على معاصيهم.\nوإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.\n(مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) أي: كانت حلالًا لهم قبل نزول التوراة.\n(قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: قل لهم يا محمد ائتوني بالتوراة واقرأوها عليّ إن كنتم صادقين في دعواكم أنها لم تحرم عليكم بسبب بغيكم وظلمكم.\nومعنى الآية: قال بعض العلماء: كل أنواع الأطعمة كانت حلالًا لبنى إسرائيل قبل نزول التوراة إلا شيئًا واحدًا كان محرمًا عليهم قبل نزولها\nوهو ما حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه، فإنهم حرموه على أنفسهم اقتداء به، فلما أنزل اللّه التوراة حرم عليهم فيها بعض الطيبات بسبب بغيهم وظلمهم.\nهذا هو الحق الذي لا شك فيه، فإن جادلوك يا محمد في هذه المسألة فقل لهم على سبيل التحدي: أحضروا التوراة فاقرءوها ليتبين الصادق منا من الكاذب، إن كنتم صادقين في زعمكم أن ما حرمه اللّه عليكم فيها كان محرمًا على نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام.","vol":"4","page":3},{"text":"• قال ابن عطية: قوله تعالى (كل الطعام كان حلًا …) إخبار بمغيب عن محمد -ﷺ- وجميع الأميين لا يعلمه إلا الله وعلماء أهل الكتاب، وذهب كثير من المفسرين إلى أن معنى الآية: الرد على اليهود في قولهم في كل ما حرموه على أنفسهم من الأشياء: إنها محرمة عليهم بأمر الله في التوراة، فأكذبهم الله بهذه الآية، وأخبر أن جميع الطعام كان حلًا لهم، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه خاصة، ولم يرد به ولده، فلما استنوا هم به جاءت التوراة بتحريم ذلك عليهم، وليس من التوراة شيء من الزوائد التي يدعون أن الله حرمها.\n• وقال في التسهيل: الآية إخبار أن الأطعمة كانت حلالًا لبني إسرائيل (إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ) أبوهم يعقوب (على نَفْسِهِ) وهو لحم الإبل ولبنها، ثم حُرِّمت عليهم أنواع من الأطعمة كالشحوم وغيرها، عقوبة لهم على معاصيهم، وفيها رد عليهم في قولهم: إنهم على ملة إبراهيم -﵇-، وأن الأشياء التي هي محرمة كانت محرمة على إبراهيم، وفيها دليل على جواز النسخ ووقوعه؛ لأن الله حرم عليهم تلك الأشياء بعد حلها، خلافًا لليهود في قولهم: إنّ النسخ محال على هذه الأشياء، وفيها معجزة للنبي -ﷺ-؛ لإخباره بذلك من غير تعلم من أحد، وسبب تحريم إسرائيل لحوم الإبل على نفسه أنه مرض، فنذر إن شفاه الله. أن يحرم أحب الطعام إليه شكرًا لله وتقرّبًا إليه، ويؤخذ من ذلك أنه يجوز للأنبياء أن يحرموا على أنفسهم باجتهادهم. … (التسهيل)\n• قال السعدي: وهذا من أعظم الأدلة على صحة نبوة نبينا محمد -ﷺ- وقيام الآيات البينات المتنوعات على صدقه وصدق من نبأه وأخبره بما أخبره به من الأمور التي لا يعلمها إلا بإخبار ربه له به.\n• قال ابن كثير: الآية مشروع في الرد على اليهود، وبيان بأن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن اللّه تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحًا -﵇- لما خرج من السفينة أباح اللّه له جميع دواب الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها فاتبعه بنوه فيما حرم على نفسه، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وبتحريم أشياء زيادة على ذلك - عقوبة لهم بسبب بغيهم وظلمهم. وهذا هو النسخ بعينه.","vol":"4","page":4},{"text":"(فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أي: فمن تعمد الكذب على اللّه تعالى بأن زعم بأن ما حرمته التوراة على بنى إسرائيل من المطاعم بسبب ظلمهم وبغيهم، كان محرمًا عليهم وعلى غيرهم قبل نزولها، فأولئك الذين قالوا هذا القول الكاذب هم المتناهون في الظلم: المتجاوزون للحدود التي شرعها اللّه تعالى، وسيعاقبهم سبحانه على هذا الظلم والافتراء عذابًا أليمًا لا مهرب لهم منه ولا نصير.\n• افترى: من الافتراء وهو اختلاق الكذب، وأصله من فرى الأديم إذا قطعه لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له في الوجود، والكذب: الإخبار بخلاف الواقع.\n• قوله تعالى (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: من بعد قيام الحجة وظهور البينة.\n(قُلْ صَدَقَ اللَّه) أي: فيما أخبر به وحكم، وهذا أمر من الله لرسوله ولمن يتبعه أن يقولوا بألسنتهم: صدق الله، معتقدين بذلك في قلوبهم عن أدلة يقينية، مقيمين هذه الشهادة على من أنكرها، ومن هنا تعلم أن أعظم الناس تصديقًا لله أعظمهم علمًا ويقينًا بالأدلة التفصيلية السمعية والعقلية.\n• قال الآلوسي: قوله تعالى (قُلْ صَدَقَ الله) أي ظهر وثبت صدقه في أن كل الطعام كان حلًا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه وقيل: في أن محمدًا -ﷺ- على دين إبراهيم -﵇- وأن دينه الإسلام، وقيل: في كل ما أخبر به ويدخل ما ذكر دخولًا أوليًا وفيه كما قيل: تعريض بكذبهم الصريح.\n• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (قل صدق الله) وهو تعريض بكذبهم لأنّ صدق أحد الخبرين المتنافيين يستلزم كذب الآخر، فهو مستعمل في معناه الأصلي والكنائي.\n• وفي الآية ثناء على الله تعالى وقد قال تعالى (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا).\n• قال في التسهيل: قوله تعالى (صَدَقَ الله) أي الأمر كما وصف، لا كما تكذبون أنتم. ففيه تعريض بكذبهم.","vol":"4","page":5},{"text":"(فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ثم أمرهم باتباع ملة أبيهم إبراهيم -﵇- بالتوحيد وترك الشرك الذي هو مدار السعادة، وبتركه حصول الشقاوة، وفي هذا دليل على أن اليهود وغيرهم ممن ليس على ملة إبراهيم مشركون غير موحدين.\nكما قال تعالى (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\nوقال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا).\nوقال تعالى (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\nوقال تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\n• وملة إبراهيم: هي الحنيفية السمحة، وهي الإسلام كما قال تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\nوقال تعالى (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\n• والْحَنِيفِيَّةُ: دِينُ جَمِيعِ الأنْبِيَاءِ؛ ولكِن أُضِيفت إلى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ -﵇-؛ لأنَّه أكْمَلُ الخلْقِ تحقِيقًا للتَّوحيدِ مع نبيِّنا -ﷺ-؛ وإِبْرَاهِيمُ: الأبُ، ومُحَمَّدٌ -ﷺ-: الِابنُ؛ فاستَحَقَّ أن تُنْسَبَ إلى الأَبِ دُون الابْنِ؛ فيقال: مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ على جهةِ التَّشْريفِ له؛ وإن كانَت هي ملَّةَ الأنبيَاء جَميعًا.\n• ملة إبراهيم هي عبادة الله مخلصين له الدين، فهي توحيد الله فلم يدعو معه غيره ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه حتى تبرأ من أبيه فقال (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\nوقال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ). وقال تعالى (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ).\nوقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\n• قوله تعالى (وما كان من المشركين) في هذا ثناء على إبراهيم -﵇-. وقد أثنى الله عليه في آيات كثيرة:\nقال تعالى (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا).\nوقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\nوقال تعالى (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ).","vol":"4","page":6},{"text":"وقال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ …).\nوقال تعالى (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ).\nوقال تعالى (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ).\n• وثناء الله على شخص لفائدتين:\nالأولى: لنقوم بالثناء عليه.\nوالثانية: لنقتدي به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1089>الفوائد:</span>\n١ - أن لله تعالى أن يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء.\n٢ - الرد على اليهود الذين زعموا أنه لا نسخ في الشرائع.\n٣ - أن التوراة منزلة كالقرآن.\n٤ - إثبات علو الله تعالى.\n٥ - علم من أعلام نبوته -ﷺ-.\n٦ - أنه ينبغي للإنسان أن يتحدى خصمه بما تَبين به الحجة على وجه لا مفر منه.\n٧ - أنه متى ظهر الحق فحاد الإنسان عنه صار أشد ظلمًا.\n٨ - تحريم الكذب على الله.\n٩ - أن من العباد من يفتري الكذب على الله.\n١٠ - وجوب تصديق الله.\n١١ - الثناء على الله بالصدق.\n١٢ - وجوب اتباع ملة إبراهيم.\n١٣ - الثناء على إبراهيم.\n١٤ - فضل التوحيد ومجانبة الشرك.\n١٥ - أن المقياس بين الناس بالأعظم تحقيقًا للتوحيد وابتعادًا عن الشرك.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1090>(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧».</span> [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ) يُخْبر تعالى أن أول بيت وُضع للناس، أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونُسُكهم، يَطُوفون به ويُصلُّون إليه ويَعتكِفُون عنده.\n(لَلَّذِي بِبَكَّةَ) يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﵇ الذي يَزْعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجِه، ولا يَحجُّون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه.\nعن أبي ذَر -﵁- قال (قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ مَسجِد وُضِع في الأرض أوَّلُ؟ قال: الْمسْجِدُ الْحَرَامُ، قلت: ثم أَيُّ؟ قال: الْمسجِدُ الأقْصَى، قلت: كم بينهما؟ قال: أرْبَعُونَ سَنَةً، قلتُ: ثم أَيُّ؟ قال: ثُم حَيْثُ أدْرَكْت الصَلاةَ فَصَلِّ، فَكُلُّهَا مَسْجِد). متفق عليه\n• قوله تعالى (بِبَكَّةَ) بكة اسم من أسماء مكة على المشهور.\nقيل: سُمِّيت بذلك لأنها تَبُكّ أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى: يُبَكون بها ويخضعون عندها.\nوقيل: لأن الناس يَتَبَاكّون فيها، أي: يزدحمون.\n(مُبَارَكًا) أي: كثير الخير والنفع لمن حجه واعتمره.\nووجه بركته:\nأولًا: أن الطاعات إذا أتى بها في هذا البيت ازداد ثوابها.\nقال -ﷺ- (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام).\nوقال -ﷺ- (من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه).\nوقال -ﷺ- (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) ومعلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة والرحمة.\nوثانيها: قال القفال رحمه الله تعالى: ويجوز أن يكون بركته ما ذكر في قوله تعالى (يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَيْء) فيكون كقوله (إلى المسجد\nالأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ).\nوثالثها: فيه زمزم، وقد قال -ﷺ- (ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم).\nورابعها: ما دعا به إبراهيم لمكة، أن يبارك الله في ثمارها ومدها وصاعها.\n(وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ) وجه هدايته للعالمين:\nأولًا: أنه قبلة للمؤمنين، يهتدون به إلى جهة صلاتهم.\nثانيًا: أن به دلائل وآيات تدل على الخالق ﷾.\nثالثًا: أنه هدى للعالمين إلى الجنة.","vol":"4","page":8},{"text":"(فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) أي: فيه علامات واضحات كثيرة تدل على شرفه وفضله على سائر المساجد.\n(مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) يعني: الذي لَمَّا ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وقد كان ملتصقا بجدار البيت، حتى أخّره عُمَر بن الخطاب -﵁- في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطُّوَّاف، ولا يُشَوِّشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى).\n(وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) يعني: حَرَمُ مكة إذا دخله الخائف يأمنُ من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية.\nكما قال الله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ).\nوقال تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).\nوقال تعالى (وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْنًا).\nوقال إبراهيم (رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا).\nوحتى إنه من جملة تحريمها حُرْمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحُرْمة قطع أشجارها وقَلْع ثمارها.\n(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) أي: فرض لازم على المستطيع حج بيت الله العتيق.\n• وهذه آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل: بل هي قوله (وأتموا الحج والعمرة لله) والأول أظهر. (تفسير ابن كثير)\nتعريف الحج لغة: القصد، يقال: حج كذا بمعنى قصد.\nوشرعًا: التعبد لله بأداء المناسك على صفة مخصوصة في وقت مخصوص.\n(مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) أي: واجب على المستطيع الوصول إليه.\nواختلف العلماء في المراد بالسبيل هنا:\nفذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالسبيل الزاد والراحلة.\nوهذا قول جمهور العلماء.\nلحديث ابن عمر. قال: قال -ﷺ- (السبيل الزاد والراحلة).\nقال الشوكاني: ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضًا فتصلح للاحتجاج بها.\nوقال الشنقيطي: حديث الزاد والراحلة لا يقل بمجموع طرقه عن درجة القبول والاحتجاج.\nوقد ذكر الترمذي أن أكثر أهل العلم على العمل بها.\nوقد روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس في تفسير السبيل أنه قال: أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زادٍ وراحلة من غير أن يجحف به، وسنده صحيح.","vol":"4","page":9},{"text":"والمراد بالزاد: ما يتزود به، وهو في الأصل الطعام الذي يُتخذ للسفر، والمراد هنا: ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة، والراحلة: الناقة التي تصلح لأن يرحل عليها.\nوذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالاستطاعة على قدر الطاقة.\nواختار هذا ابن جرير في تفسيره.\nفيدخل في ذلك الزاد والراحلة وأمن الطريق ووجود مكانٍ صالحٍ للمبيت بالمشاعر وزوال الموانع من أداء الحج أيًا كانت، ونحو ذلك.\nوقال الشيخ محمد ﵀: الصحيح أن المراد بالسبيل في قوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلًا) المراد الطريق الذي يوصلك إلى مكة أي طريق كان، سواء كان زادًا أو راحلة أو مشيًا على الأقدام، أو ما أشبه ذلك.\n(وَمَنْ كَفَرَ) استدل به من قال إن تارك الحج عمدًا كافر، وجمهور العلماء على عدم كفره.\nوأجابوا عن هذه الآية (ومن كفر) بأجوبة:\nالْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ كَفَرَ) أَيْ: وَمَنْ جَحَدَ فَرِيضَةَ الْحَجِّ، فَقَدْ كَفَرَ وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.\nالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ كَفَرَ) أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ الْبَالِغِ فِي الزَّجْرِ عَنْ تَرْكِ الْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَقَوْلِهِ لِلْمِقْدَادِ الثَّابِتِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» حِينَ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ فِي الْحَرْبِ (لا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَال).\nالْوَجْهُ الثَّالِثُ: حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ.\n(فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) غني سبحانه عن جميع الخلق وعن عباداتهم وطاعاتهم.\nكما قال تعالى (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ).\nوقال تعالى (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).","vol":"4","page":10},{"text":"وقال تعالى (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).\nوقال تعالى (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).\nوقال تعالى (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1091>الفوائد:</span>\n١ - أن أول بيت وضع للعبادة هو الكعبة.\n٢ - أن تقدم المكان في العبادة له أثر في تفضيله.\n٣ - أن هذا البيت هدى للعالمين.\n٤ - أن من أسماء مكة بكة.\n٥ - أن هذا البيت مبارك.\n٦ - أن من دخل المسجد الحرام فهو آمن.\n٧ - وجوب الحج.\n٨ - أن وجوبه مقيد بالاستطاعة.\n٩ - أن الحج واجب مرة واحدة في العمر، لأن الأمر لا يقتضي التكرار، وقد دلت السنة أيضًا على أنه لا يجب إلا مرة واحدة في العمر، كما في حديث أبي هريرة. أن رسول الله -ﷺ- قال (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال رسول الله -ﷺ-: لو قلت نعم لوجبت).\n١٠ - رحمة الله بعباده بحيث لم يفرض على عباده ما يشق عليهم.\n١١ - خطر ترك الحج لقوله (ومن كفر ..).\n١٢ - غنى الله عن عباداتنا وطاعاتنا.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1092>(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩».</span> [آل عمران: ٩٨ - ٩٩].\n<hr><s0>\n\n(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ …) هذا تعنيف من الله تعالى لكَفَرة أهل الكتاب، على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات الله، وصَدِّهم عن سبيله مَنْ أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله، بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين، والسادة المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وما بَشَّروا به ونوَّهُوا، من ذِكْر النبي -ﷺ- الأميّ الهاشمي العربي المكّيّ، سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول رب الأرض والسماء، وقد توعدهم الله تعالى على ذلك بأنه شهيد على صَنِيعهم ذلك بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء، ومقاتلتهم الرسول المُبشر بالتكذيب والجحود والعناد، وأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي: وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفعهم مال ولا بنون.\n• وقد تقدم معنى الكفر بآيات الله.\n• فإن قيل: ولم خص أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار؟.\nقلنا لوجهين:\nالأول: أنا بينا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوّة محمد -﵇-، ثم أجاب عن شبههم في ذلك، ثم لما تمّ ذلك خاطبهم فقال (يا أَهْل الكتاب) فهذا الترتيب الصحيح.\nالثاني: أن معرفتهم بآيات الله أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوّة، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول والبشارة بنبوته.\n• قال البيضاوي: قوله تعالى (قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ ءامَنَ) كرر الخطاب والاستفهام مبالغة في التقريع ونفي العذر لهم، وإشعارًا بأن كل واحد من الأمرين مستقبح في نفسه مستقل باستجلاب العذاب.\n• قال الرازي: قال المفسرون: وكان صدهم عن سبيل الله بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين وكانوا ينكرون كون صفته -ﷺ- في كتابهم.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وأنتم شهداء) ومعناه وأنتم عالمون أنّها سبيل الله، وقد أحالهم في هذا الكلام على ما في ضمائرهم مِمَّا لا يعلمه إلاّ الله، لأنّ ذلك هو المقصود من وخز قلوبهم، وانثنائهم باللائمة على أنفسهم، ولذلك عقّبه بقوله (وما الله بغافل عما تعملون) وهو وعيد وتهديد وتذكير لأنَّهم يعلمون أنّ الله يعلم ما تخفي الصدور، وهو بمعنى قوله في موعظتهم السابقة (والله شهيد على ما تعملون) إلاّ أنّ هذا أغلظ في التَّوبيخ لما فيه من إبطال اعتقاد غفلته سبحانه، لأنّ حالهم كانت بمنزلة حال من يعتقد ذلك.","vol":"4","page":12},{"text":"• قوله تعالى (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي: عن دينه وشرعه، وسمي الدين سبيلًا، لأنه موصل إليه، وأضيف إلى الله لوجهين:\nالوجه الأول: أن الله هو الذي وضعه سبيلًا للخلق يمشون عليه.\nالوجه الثاني: أنه موصل إلى الله، فمن سلك السبيل الذي وضعه الله للعباد فسيصل إلى الله تعالى.\n(وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) أي: أنه تعالى رقيب على أعمالكم لا يخفي عليه خافية، وسيجازيهم عليها، وفي هذا وعيد وتهديد.\n• قال القاسمي: وقوله تعالى (وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) فيه من التهديد وتشديد الوعيد ما لا يخفى، فإن الله ﷿ إذا كان عالمًا بما يعملونه، مطلعًا عليه غير غافل عنه، كان لمجازاتهم بالمرصاد.\n• والغفلة صفة منفية فيجب نفيها عن الله مع إثبات ضدها، فالله لا يغفل لكمال علمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1093>الفوائد:</span>\n١ - أمر النبي -ﷺ- أن يوبخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله.\n٢ - تهديد من يكفر بآيات الله.\nقوله تعالى: قُلْ افتَتَح بفِعْل (قُلْ)؛ اهتمامًا بالمقُول (١٢).\nقوله الله تعالى: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ؛ يُستَفاد منه أنَّ اللهَ تعالى لا يُحاسِب العبدَ على ما حدَّث به نَفْسَه؛ فالوَساوس التي تكون في الصَّدر لا يُؤاخَذ عليها الإنسانُ إلَّا إذا ترتَّب عليها عملٌ، أو ركَن إليها واعتَقدها، وجعَلَها من أعمالِ القلب، فحينئذٍ يُحاسَب عليها، وكذلك إذا نطَق بها لسانُه، أو عمِل بمقتضاها بجوارحه، فحينئذٍ يُحاسَب عليها.","vol":"4","page":13},{"text":"قوله تعالى: (لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ) إنَّما ذكَر مَنْ آمن مع أنهم يَصُدُّون مَنْ لم يؤمن أيضًا حتى لا يَدخُل في الإيمان؛ وذلك لأنَّ صدَّ مَن آمن أشدُّ عُدوانًا من صدِّ مَن لم يؤمن؛ فالبقاءُ على الكُفْر أهونُ من الرِّدة؛ لأنَّ هذا مَنْع، والأوَّل رَفْع، ورَفْع الخيرِ أشدُّ عقوبةً مِن مَنْعه.\n٣ - إحاطة الله تعالى بكل شيء.\n٤ - أن من صد عن سبيل الله من المسلمين ففيه شبه من أهل الكتاب.\n٥ - الحث على التمسك بشرع الله ودينه.\n٦ - سوء قصد أهل الكتاب.\n٧ - عموم رقابة الله ﷿ على كل شيء، ولا يفوته شيء ولا يخفى عليه شيء.\n٨ - أن الغفلة من الصفات المنفية عن الله وذلك لكمال علمه سبحانه.\n٩ - تهديد العصاة، بأن الله لا يغفل عنهم.\n١٠ - ختَم اللهُ تعالى الآيةَ الأولى بقوله: وَاللَّهُ شَهِيدٌ، والآية الثانية بقوله وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ؛ وذلك لأنَّهم كانوا يُظهِرون الكُفْرَ بنُبوَّة محمَّد -ﷺ-، وما كانوا يُظهِرون إلقاءَ الشُّبهِ في قلوب المسلمين، بل كانوا يَحتالون في ذلك بضُروب من المكايد والحيل الخفيَّة التي لا تَروُج إلا على الغافل، فلا جَرَم قال فيما أَظهَروه وَاللَّهُ شَهِيدٌ، وفيما أَضمَروه وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون.\n١١ - قوله الله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ؛ يَتضمَّن نَفْي الغَفْلةِ عن الله، وكذلك ثبوتَ كمال المراقبة؛ لأنَّ مَن كان كامِل المراقبة، فإنَّه ليس عنده غَفْلة.","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1094>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٠١».</span> [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي: يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وانقادوا وعملوا بجوارحهم.\n• والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به.\n• والإيمان شرعًا: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان.\n• تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد:\nالأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه.\nالثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد.\nالثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصًا في الإيمان.\n• قال ابن عاشور: إقبال على خطاب المؤمنين لتحذيرهم من كيد أهل الكتاب وسوء دعائهم المؤمنين، وقد تفضّل الله على المؤمنين بأن خاطبهم بغير واسطة خلاف خطابه أهل الكتاب إذ قال (قل يا أهل الكتاب) ولم يقل: قل يأيُّها الّذين آمنوا (إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) يحذر تعالى عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من الذين أوتوا الكتاب، الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، وما مَنَحهم به من إرسال رسوله.\n• وفي قوله تعالى (يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) تنبيه على أن المقصد الأقصى لهؤلاء اليهود والمنافقين أن يردوا المسلمين عن الإسلام.","vol":"4","page":15},{"text":"كما قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ).\nوقال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً).\nوقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ).\nوقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).\nوقال تعالى (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ).\n(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ) أي: على أيّ حال يقع منكم الكفر.\n(وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ) الدالة على توحيده ونبوة نبيه -ﷺ-.\n(وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) يعني: محمدًا -ﷺ- يعلمكم الكتاب والحكمة ويزكيكم بتحقيق الحق وإزاحة الشبه.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وفيكم رسوله) حقيقيّة ومؤذنة بمنقبة عظيمة، ومنّة جليلة، وهي وجود هذا الرسول العظيم بينهم، تلك المزيّة الَّتي فاز بها أصحابه المخاطبون، وبها يظهر معنى قوله صلى -ﷺ- فيما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدْري (لَا تسبُّوا أصحابي فوالّذي نفسي بيده لَوْ أنّ أحدكم أنفق مثلَ أُحُد ذَهَبًا مَا بَلَغ مُدّ أحدِهم ولا نصِيفه).\nوفي الآية دلالة على عِظْم قدْر الصّحابة وأنّ لهم وازعين عن مواقعة الضّلال: سماعُ القرآن، ومشاهدَة أنوار الرّسول -﵇- فإنّ وجوده عصمة من ضلالهم.\n• والأكثرون على تخصيص هذا الخطاب بأصحاب رسول الله -ﷺ- أو الأوس والخزرج منهم، ومنهم من جعله عامًا لسائر المؤمنين وجميع الأمة، وعليه معنى كونه -ﷺ- فيهم، إن آثاره وشواهد نبوته فيهم لأنها باقية حتى يأتي أمر الله، ولم يسند سبحانه التلاوة إلى رسوله ﵊ إشارة إلى استقلال كل من الأمرين في الباب، وإيذانًا بأن التلاوة كافية في الغرض من أي تال كانت.\n• قال القرطبي: ويدخل في هذه الآية مَن لم يَرَ النبي -ﷺ-؛ لأن ما فيهم من سُنّته يقوم مقام رؤيته.\n• قال ابن كثير: يعني: أن الكفر بعيد منكم وحاشاكم منه؛ فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلًا ونهارًا، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، وهذا كقوله تعالى (وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) والآية بعدها.\nوكما جاء في الحديث: أن رسول الله -ﷺ- قال يوما لأصحابه (أيُّ الْمُؤمِنِينَ أعْجَبُ إلَيْكُمْ إيمَانًا؟ قالوا: الملائكة. قال: وَكَيْفَ لا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم؟ وذكروا الأنبياء قال: وَكَيْفَ لا يُؤْمِنُونَ وَالْوَحْيُ يَنزلُ عَلَيْهِمْ؟ قالوا: فنحن. قال: وَكَيْفَ لا تُؤْمِنُونَ وأنَا بَيْنَ أظْهُرِكُم؟. قالوا: فأيّ الناس أعجب إيمانًا؟ قال: قَوْمٌ يَجِيؤُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يَجِدونَ صُحُفًا يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا).\n(وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ) توكلًا عليه واعتمادًا ودعاء واستعانة.","vol":"4","page":16},{"text":"(فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) في هذا حث على الاعتصام بالله، وأنه السبيل إلى السلامة والهداية.\nوقد أمر الله بالاعتصام به:\nفقال تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا).\nوقال تعالى (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).\nوقال تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1095>الفوائد:</span>\n١ - تحذير المؤمنين من طاعة أهل الكتاب.\n٢ - أن الكفار يجتهدون في إضلال المؤمنين بكل طاقاتهم.\n٣ - أن هدف أهل الكتاب الأساسي هو الردة عن الدين.\n٤ - أن طاعة الكفار مخالفة للإيمان.\n٥ - استبعاد أن يرتد المؤمن وهو يتلى عليه كتاب الله وفيهم رسوله.\n٦ - معرفةُ فضْلِ الصحابة بالمَنْقبة العظيمة، والمِنَّة الجليلة، وهي وجودُ هذا الرسول العظيم ﵊ بينهم، ومشاهدةُ أنواره؛ فكان وجودُه عِصْمةً من ضلالهم، تلك المَزيَّة التي فاز بها الصَّحابةُ المخاطَبون بهذه الآية وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُه\n٧ - الحث على الاعتصام بالله.\n٨ - أنَّ التَّمسُّك بكتابِ الله تعالى وسُنَّة رسوله -ﷺ-، والإقبال عليهما أعظمُ مانعٍ يَمْنع من الكُفر.\n٩ - من اعتصم بالله هدي.","vol":"4","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1096>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣».</span> [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) أمر بتقوى الله حق تقاته.\nعن ابن مسعود في قوله (اتقوا الله حق تقاته) قال: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.\nوبهذا قال الربيع بن خُثيم وعمرو بن ميمون وطاووس والحسن وعكرمة وقتادة وغيرهم واختاره الطبري.\nوقيل: (حق تقاته) أن يجاهدوا في الله حق الجهاد، وألا يأخذ العبد فيه لومة لائم، وأن يقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم، روي هذا القول عن ابن عباس.\n• قال ابن عاشور: التقوى حاصلها امتثال الأمر، واجتناب المنهي عنه، في الأعمال الظَّاهرة، والنَّوايا الباطنة.\n• وقال ﵀: انتقل مِن تحذير المخاطبين من الانخداع لوساوس بعض أهل الكتاب، إلى تحريضهم على تمام التَّقوى، لأنّ في ذلك زيادة صلاح لهم ورسوخًا لإيمانهم، وهو خطاب لأصحاب محمَّد -ﷺ- ويَسري إلى جميع من يكون بعدهم.\nوهذه الآية أصل عظيم من أصول الأخلاق الإسلامية.\n• اختلف العلماء هل هذه الآية منسوخة أم لا على قولين:\nالقول الأول: أنها محكمة غير منسوخة.\nواختار هذا الطبري، وابن تيمية، وابن عقيل، ورجحه ابن عطية، والقرطبي، والقاسمي، وابن عاشور.\nقالوا إن قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) بيان وتفسير لقوله تعالى (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) والمعنى: فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم.\nقال ابن تيمية: فإن الله يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وهذا تفسير قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) قال ابن مسعود\nوغيره: حق تقاته: أن يطاع فلا يُعصى، وأن يذكر فلا يُنسى، وأن يشكر فلا يكفر، أي: بحسب استطاعتكم، فإن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، قال تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ).\nوقال ابن عطية بعد ذكره هذا القول (وهذا القول هو الصحيح).","vol":"4","page":18},{"text":"القول الثاني: أنها منسوخة.\nوإليه ذهب ابن عباس في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، وقتادة وغيرهم.\nقالوا: إن قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ناسخة لقوله (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ).\n• في الآية الأمر بتقوى الله، وقد جاءت آيات كثيرة تأمر بتقوى الله:\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).\nوقال تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).\nالتقوى مأخوذة من الوقاية، وهي: أن يجعل الإنسان لنفسة وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\n• وهذا من أجمع التعاريف، وقد جاء في معناها آثار عدة عن السلف كلها داخلة تحت خذا المعنى.\nقال علي: التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضى بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.\nوقال ابن مسعود: حقيقة تقوى الله: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.\nوقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.\nقال ابن القيم: وهذا من أحسن ما قيل في حد التقوى.\nوروي أن عمر بن الخطاب سأل أبي بن كعب عن التقوى؟ فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى.\nقال ابن المعتز:\nخل الذنوب صغيرها … وكبيرها فهو التقى\nكن مثل ماش فوق … أرض الشوك يحذر ما يرى\nلا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى","vol":"4","page":19},{"text":"قال ابن القيم: مراتب التقوى:\nالتقوى ثلاث مراتب:\nإحداها: حميّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات، والثانية: حميّتها عن المكروهات، والثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني.\nفالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته.\n• قال علي بن أبي طالب: التقوى ترك الإصرار عل المعصية، وترك الاغترار وبالطاعة.\nوقال الحسن: التقوى أن لا تختار عل الله سوى الله، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله.\nوقال إبراهيم بن أدهم: التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيبًا.\nوقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.\nوقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام.\nوقال الثوري: إنما سموا متقين، لأنهم اتقوا ما لا يُتقى.\n• قال القرطبي: ذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، من يَقْوى على هذا؟ وشق عليهم فأنزل الله ﷿ (فاتقوا الله مَا استطعتم) فنسخت هذه الآيةَ.\nقال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذه الآية.\nوقيل: إن قوله (فاتقوا الله مَا استطعتم) بيانٌ لهذه الآية.\nوالمعنى: فاتّقوا الله حق تُقاته ما استطعتم، وهذا أصوب؛ لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع والجمع ممكن فهو أوْلىَ.\n(وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك.\n• قال الرازي: لفظ النهي واقع على الموت، لكن المقصود الأمر بالإقامة على الإسلام، وذلك لأنه لما كان يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت أتاهم وهم على الإسلام، صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم، ومضى الكلام في هذا عند قوله (إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).","vol":"4","page":20},{"text":"(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) أمر بالاعتصام بحبل الله.\nوقد اختلف في المراد بحبل الله:\nفقيل: أي: بعهد الله.\nوقيل: بحبل الله، أي: القرآن.\nوقيل: المراد به الجماعة.\nوقيل: إنه إخلاص الله.\n• قال السمرقندي: قال بعض الحكماء: إن مثل من في الدنيا، كمثل من وقع في بئر، فيها من كل نوع من الآفات، فلا يمكنه أن يخرج منها والنجاة من آفاتها إلا بحبل وثيق، فكذلك الدنيا دار محنة، وفيها كل نوع من الآفات، فلا سبيل إلى النجاة منها إلا بالتمسك بحبل وثيق، وهو كتاب الله تعالى.\n(وَلا تَفَرَّقُوا) أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة.\nوقد وردت الآيات الأحاديثُ المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف.\nقال تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ).\nوقال تعالى (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد).\nوقال تعالى (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).\nوقال تعالى (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ).\nعن أبي هريرة؛ أن رسول الله -ﷺ- قال (إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضى لَكُمْ: أنْ تَعْبدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وأنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاهُ اللهُ أمْرَكُمْ؛ وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا: قيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإِضَاعَةَ الْمَال) متفق عليه.\nوعنه. قال: قال -ﷺ- (… ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا).\nوعن أبي مسعود قال (كان رسول الله -ﷺ- يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم). رواه مسلم\nوعن جندب. عن النبي -ﷺ- قال (اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفت فقوموا عنه).\nوعن عبادة. قال (خرج رسول الله -ﷺ- ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى\nفلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة).","vol":"4","page":21},{"text":"(وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) وهذا السياق في شأن الأوْس والخَزْرَج، فإنه كانت بينهم حُروبٌ كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن، وإحَنٌ وذُحُول طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وكانوا على شفا حُفْرة من النار بسبب كفرهم، فأبعدهم الله منها: أنْ هَدَاهُم للإيمان. وقد امتن عليهم بذلك رسولُ الله -ﷺ- يوم قَسَم غنائم حُنَيْنٍ، فَعتَبَ من عتب منهم لمّا فَضَّل عليهم في القِسْمَة بما أراه الله، فخطبهم فقال (يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، ألَمْ أجدْكُمْ ضُلالا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَألَّفَكُمُ اللهُ بِي، وَعَالَةً فأغْنَاكُمْ اللهُ بِي؟ \" كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنّ).\n• قال ابن عاشور: قوله: (واذكروا نعمت الله عليكم) تصوير لحالهم الَّتي كانوا عليها ليحصل من استفظاعها انكشاف فائدة الحالة الَّتي أمروا بأن يكونوا عليها وهي الاعتصام جميعًا بجامعة الإسلام الَّذي كان سبب نجاتهم من تلك الحالة، وفي ضمن ذلك تذكير بنعمة الله تعالى، الّذي اختار لهم هذا الدّين، وفي ذلك تحريض على إجابة أمره تعالى إياهم بالاتِّفاق.\n• التَّذكيرُ بنعمة الله تعالى طريق من طُرق مواعظ الرّسل.\nقال تعالى حكاية عن هود (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح).\nوقال عن شعيب (واذكروا إذ كنتم قليلًا فكثَّركم).\nوقال الله لموسى (وذكرهم بأيام الله).\nوهذا التَّذكير خاصّ بمن أسلم من المسلمين بعد أن كان في الجاهلية، لأنّ الآية خطاب للصّحابة ولكن المنّة به مستمرة على سائر المسلمين، لأن كُلّ جيل يُقَدّر أن لو لم يَسبق إسلام الجيل الَّذي قبله لكانوا هم أعداء وكانوا على شفا حفرة من النَّار.\n(وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) أي: المعنى أنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم، لأن جهنم مشبهة بالحفرة التي فيها النار فجعل استحقاقهم للنار بكفرهم كالإشراف منهم على النار، والمصير منهم إلى حفرتها، فبيّن تعالى أنه أنقذهم من هذه الحفرة، وقد قربوا من الوقوع فيها.\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) هذه الآية الكريمة تدل على أن الأنصار ما كان بينهم وبين النار إلا أن يموتوا مع أنهم كانوا أهل فترة، والله تعالى يقول (وما كنا معذّبين إلا أن نبعث رسولا) ويقول (رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل).\nوالذي يظهر في الجواب - والله تعالى أعلم - أنه برسالة محمد -ﷺ- لم يبق عذر لأحد، فكل من لم يؤمن به فليس بينه وبين النار إلا أن يموت، كما بينه تعالى بقوله (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) الآية.\nوما أجاب به بعضهم من أن عندهم بقية من إنذار الرسل الماضين تلزمهم بها الحجة، فهو جواب باطل؛ لأن نصوص القرآن مصرِّحة بأنهم لم يأتهم نذير كقوله تعالى (لتنذر قوما ما أُنذر أباؤهم).","vol":"4","page":22},{"text":"(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) أي: يوضحها ويبينها.\n• قال ابن عاشور: نعمة أخرى وهي نعمة التَّعليم والإرشاد، وإيضاح الحقائق حتَّى تكمل عقولهم، ويَتَبَيَّنوا مَا فيه صلاحهم.\nوالبيان هنا بمعنى الإظهار والإيضاح.\nوالآيات يجوز أن يكون المراد بها النعم، ويجوز أن يراد بها دلائل عنايته تعالى بهم وتثقيف عقولهم وقلوبهم بأنوار المعارف الإلهية، وأن يراد بها آيات القرآن فإنها غاية في الإفصاح عن المقاصد وإبلاغ المعاني إلى الأذهان.\n(لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) إلى شكر الله والتمسك بحبله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1097>الفوائد:</span>\n١ - وجوب تقوى الله.\n٢ - العناية والاهتمام بتقوى الله.\n٣ - أن تقوى الله من مقتضيات الإيمان.\n٤ - وجوب البقاء على الإسلام.\n٥ - وجوب الاجتماع على شرع الله.\n٦ - وجوب التحاكم إلى شرع الله.\n٧ - من أعظم نعم الله اجتماع القلوب.","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1098>(ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤».</span> [آل عمران: ١٠٤].\n<hr><s0>\n\n(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) أي: وليكن منكم أيها المؤمنون الذين مَنَّ الله عليهم بالإيمان والاعتصام بحبله.\n(يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) وهو اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله ويبعد من سخطه.\n(وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) وهو ما عرف بالعقل والشرع حسنه.\n(وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وهو ما عرف بالشرع والعقل قبحه.\n• قال السعدي: وهذا إرشاد من الله للمؤمنين أن يكون منهم جماعة متصدية للدعوة إلى سبيله وإرشاد الخلق إلى دينه، ويدخل في ذلك العلماء المعلمون للدين، والوعاظ الذين يدعون أهل الأديان إلى الدخول في دين الإسلام، ويدعون المنحرفين إلى الاستقامة، والمجاهدون في سبيل الله، والمتصدون لتفقد أحوال الناس وإلزامهم بالشرع كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وغير ذلك من شرائع الإسلام، وكتفقد المكاييل والموازين وتفقد أهل الأسواق ومنعهم من الغش والمعاملات الباطلة، وكل هذه الأمور من فروض الكفايات كما تدل عليه الآية الكريمة في قوله (ولتكن منكم أمة) إلخ أي: لتكن منكم جماعة يحصل المقصود بهم في هذه الأشياء المذكورة، ومن المعلوم المتقرر أن الأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به فكل ما تتوقف هذه الأشياء عليه فهو مأمور به، كالاستعداد للجهاد بأنواع العدد التي يحصل بها نكاية الأعداء وعز الإسلام، وتعلم العلم الذي يحصل به الدعوة إلى الخير وسائلها ومقاصدها، وبناء المدارس للإرشاد والعلم، ومساعدة النواب ومعاونتهم على تنفيذ الشرع في الناس بالقول والفعل والمال، وغير ذلك مما تتوقف هذه الأمور عليه، وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم خواص المؤمنين.\n(وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب.\n• أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض لقوله -ﷺ- (من رأى منكرًا فليغيره بيده …) لكنه فرض كفائي.\nلقوله تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ …).\nقال ابن قدامة: في هذه الآية بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين، لأنه قال (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) ولم يقل: كونوا آمرين بالمعروف.\n• قال في التسهيل: وقوله: منكم: دليل على أنه فرض كفاية لأن من للتبعيض، وقيل: إنها لبيان الجنس، وأن المعنى: كونوا أمة. وتغيير المنكر يكون باليد وباللسان وبالقلب، على حسب الأحوال.","vol":"4","page":24},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1099> الأمة في القرآن تطلق على معان:</span>\nمنها: الجماعة من الناس.\nكما في قوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). وقوله تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ).\nومنها: الإمام في الدين المقتدى به.\nكما في قوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً).\nومنها: البرهة من الزمن.\nكما في قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) أي: تذكر بعد بُرهة من الزمن.\nوكقوله تعالى (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) أي: إلى قطعة من الزمن معينة.\nومنها: الشريعة والدين.\nكقوله تعالى (إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) أي: على شريعة وملة ودين.\n• هناك أحوال يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين:\nأولًا: التعيين من قبل السلطان.\nثانيًا: التفرد بالعلم بأن معروفًا قد ترك، أو منكرًا قد ارتكب.\nقال النووي: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ثم إنه قد يتعين إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو.\nثالثًا: انحصار القدرة في أشخاص محددين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره.","vol":"4","page":25},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1100> فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1101>أولًا: مهمة الرسل.</span>\nقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).\nوقال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ …).\n\n<span data-type='title' id=toc-1102>ثانيًا: من صفات المؤمنين.</span>\nقال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).\nوقال تعالى (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).\nقال الغزالي: فقد نعت المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1103>ثالثًا: أن خيرية الأمة مناطة بهذه الشعيرة.</span>\nقال تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1104>رابعًا: من أوصاف سيد المرسلين.</span>\nقال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1105>خامسًا: من خصال الصالحين.</span>\nقال تعالى (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1106>سادسًا: من أسباب النصر والتمكين.</span>\nقال تعالى (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ).","vol":"4","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1107>سابعًا: من أسباب النجاة.</span>\nقال تعالى (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1108>ثامنًا: عظم فضل القيام به.</span>\nقال تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).\nوقال -ﷺ- (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1109>تاسعًا: من أسباب تكفير الذنوب.</span>\nقال -ﷺ- (فتنة الرجل في أهله وماله وولده ونفسه وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1110>عاشرًا: أنه طريق الفلاح.</span>\nلقوله تعالى (ولتكن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1111>الحادي عشر: أنه رفع لراية الدين ودحر للمنافقين والكافرين.</span>\nقال الثوري: إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق.","vol":"4","page":27},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1112> خطر ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.</span>\n<span data-type='title' id=toc-1113>أولًا: أن ذلك من صفات المنافقين.</span>\nقال تعالى (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1114>ثانيًا: نزول البلاء والعذاب.</span>\nقال تعالى (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً).\nولما قالت أم المؤمنين زينب ﵂: (أنهلك وفينا الصالحون؟) قال لها الرسول -ﷺ-: نعم، إذا كُثر الخب). رواه البخاري\nقال -ﷺ- (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) رواه أبو داود.\n\n<span data-type='title' id=toc-1115>ثالثًا: عدم استجابة الدعاء.</span>\nقال -ﷺ- (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم عقابًا منه فتدعونه فلا يستجيب لكم) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- (مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم) رواه أحمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1116>رابعًا: اللعن والإبعاد من رحمة الله.</span>\nقال تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1117>خامسًا: انتفاء خيرية الأمة.</span>\nقال -ﷺ- (والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم) رواه أبو داود\n\n<span data-type='title' id=toc-1118>سادسًا: الفساق والفجار والكفار، وتزيين المعاصي، وشيوع المنكر واستمراؤه.</span>\n<span data-type='title' id=toc-1119>سابعًا: ظهور الجهل، واندثار العلم، وتخبط الأمة في ظلم حالك لا فجر لها.</span> ويكفي عذاب الله ﷿ لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتسلط الأعداء والمنافقين عليه، وضعف شوكته وقلة هيبته.","vol":"4","page":28},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1120> من أقوال السلف:</span>\nقال الثوري: إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافقين.\nوقال علي: أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فإذا لم يعرف القلب المعروف ولم\nينكر المنكر نكِّس، فجعل أعلاه أسفله.\nوقال أبو الدرداء: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانًا ظالمًا لا يجل كبيركم، ولا يرحم صغيركم.\nوقال حذيفة عندما سئل عن ميت الأحياء: الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه.\nوقال سفيان: إني لأرى المنكر فلا أتكلم فأبول دمًا.\nوقال إسماعيل بن عمر: من ترك الأمر بالمعروف خوف المخلوقين، نزعت منه الهيبة، فلو أمر ولده لا ستخف به.\nقال العلامة الشيخ حمد بن عتيق ﵀: فلو قدر أن رجل يصوم النهار ويقوم في الليل ويزهد في الدنيا كلها، وهو مع هذا لا يغضب الله، ولا يتمعَّر وجهه، ولا يحمر، فلا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، فهذا الرجل من أبغض الناس عند الله، وأقلهم دينًا، وأصحاب الكبائر أحسن عند الله منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1121>الفوائد:</span>\n١ - وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n٢ - أنه يجب على طائفة من المؤمنين القيام بهذه الشعيرة.\n٣ - أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n٤ - على الإنسان أن يطلب العلم ليكون حكيمًا في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.\n٥ - فضل هذه الشعيرة وأنها من أسباب الفلاح.","vol":"4","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1122>(وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ (١٠٨».</span> [آل عمران: ١٠٥ - ١٠٨].\n<hr><s0>\n\n(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا) ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضية في تفرقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم.\n(مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحة، المبينة للحق، الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة، وهي كلمة الحق.\n• قال القرطبي: يعني اليهود والنصارى في قول جمهور المفسرين.\nعن معاوية. أن رسول الله -ﷺ- قال (إنَّ أهْلَ الْكَتَابَيْنِ افْتَرَقُوا في دِينِهِمْ عَلَى ثنتيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وإنَّ هذِهِ الأمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً -يعني الأهواء-كُلُّهَا فِي النَّار إلا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تُجَارى بِهِمْ تِلْكَ الأهْواء، كَمَا يَتَجَارى الكَلبُ بصَاحِبِهِ، لا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلا مَفْصِلٌ إلا دَخَلَهُ. واللهِ -يَا مَعْشَر العَربِ-لَئِنْ لَمْ تَقُومُوا بِمَا جاء بِهِ نَبِيُّكُمْ -ﷺ- لَغَيْرُكم مِن النَّاسِ أحْرَى ألا يَقُومَ بِه).\n• وقال ابن عاشور: وفيه إشارة إلى أن الاختلاف المذموم والذي يؤدي إلى الافتراق، وهو الاختلاف في أصول الديانة الذي يفضي إلى تكفير بعض الأمة بعضا، أو تفسيقه، دون الاختلاف في الفروع المبينة على اختلاف مصالح الأمة في الأقطار والأعصار، وهو المعبر عنه بالاجتهاد، ونحن إذا تقصينا تاريخ المذاهب الإسلامية لا نجد افتراقا نشأ بين المسلمين إلا عن اختلاف في العقائد والأصول، دون الاختلاف في الاجتهاد في فروع الشريعة.\n(وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) يعني الذين تفرقوا لهم عذاب عظيم في الآخرة بسبب تفرقهم، فكان ذلك زجرًا للمؤمنين عن التفرق.\n(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم تكون وجوهُ المؤمنين مبيضّة ووجُوه الكافرين مسْوَدّة قال\nالشنقيطي: بين في هذه الآية الكريمة أن من أسباب اسوداد الوجوه يوم القيامة الكفر بعد الإيمان وذلك في قوله (فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) الآية.","vol":"4","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1123>وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكذب على الله:</span>\nوهو قوله تعالى (وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1124>وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك اكتساب السيئات:</span>\nوهو قوله (والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الليل مُظْلِمًا).\nوبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكفر والفجور:\nوهو قوله تعالى (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة).\nوهذه الأسباب في الحقيقة شيء واحد عبر عنه بعبارات مختلفة، وهو الكفر بالله تعالى، وبين في موضع آخر شدة تشويه وجوههم بزرقة العيون وهو قوله (وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقًا) وأقبح صورة أن تكون الوجوه مسودًا والعيون زرقًا.\n• وفي وصف هذا اليوم بأنه تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه تهويل لأمره، وتعظيم لشأنه، وتشويق لما يرد بعد ذلك من تفصيل أصحاب الوجوه المبيضة وأصحاب الوجوه المسودة، وترغيب للمؤمنين في الإكثار من التزود بالعمل الصالح وترهيب للكافرين من التمادي في كفرهم وضلالهم.\n• قال ابن عاشور: والبياض والسواد بياض وسواد حقيقيان يوسم بهما المؤمن والكافر يوم القيامة، وهما بياض وسواد خاصان لأن هذا من أحوال الآخرة فلا داعي لصرفه عن حقيقته.\n(فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ) فيقال لهم على وجه التوبيخ والتقريع:\n(أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) في الكلام حذف، أي فيقال لهم (أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)\n• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (أكفرتم) قال الزجاج: معناه: فيقال لهم: أكفرتم، فحذف القول لأن في الكلام دليلًا عليه، كقوله تعالى (وإسماعيل ربَّنا تقبل منا)، أي: ويقولان: ربنا تقبَّل منا. ومثله (من كل باب. سلام عليكم) والمعنى: يقولون: سلام عليكم. والألف لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها التقرير والتوبيخ.","vol":"4","page":31},{"text":"• قوله تعالى (… بعد إيمانكم) يعني يوم الميثاق حين قالوا بلى.\nويقال: هذا لليهود وكانوا مؤمنين بمحمد -ﷺ- قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به.\nوقال أبو العالية: هذا للمنافقين، يقال: أكفرتم في السر بعد إقراركم في العلانية.\n• وقال الطبري: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب، القولُ الذي ذكرناه عن أبي بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفار، وأنّ الإيمان الذي يوبَّخُون على ارتدادهم عنه، هو الإيمان الذي أقروا به يوم قيل لهم: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا).\nثم قال مبينًا وجه الترجيح: وذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميعَ أهل الآخرة فريقين: أحدهما سودًا وجوهه، والآخر بيضًا وجوهه. فمعلوم -إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان- أن جميع الكفار داخلون في فريق من سُوِّد وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بُيِّض وجهه. فلا وجه إذًا لقول قائل: عنى بقوله: \"أكفرتم بعد إيمانكم، بعض الكفار دون بعض، وقد عمّ الله جل ثناؤه الخبرَ عنهم جميعهم، وإذا دخل جميعهم في ذلك، ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها ثم ارتدوا كافرين بعدُ إلا حالة واحدة، كان معلومًا أنها المرادة بذلك.\n• قال ابن عاشور: وقدم عند وصف اليوم ذكر البياض، الذي هو شعار أهل النعيم، تشريفا لذلك اليوم بأنه يوم ظهور رحمة الله ونعمته، ولأن رحمة الله سبقت غضبه، ولأن في ذكر سمة أهل النعيم، عقب وعيد غيرهم بالعذاب، حسرة عليهم، إذ يعلم السامع أن لهم عذابا عظيما في يوم فيه نعيم عظيم.\nثم قدم في التفصيل ذكر سمة أهل العذاب تعجيلًا بمساءتهم.\n(فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) أي: فادخلوا جهنم وذوقوا مرارة العذاب وآلامه بسبب استمراركم على الكفر وموتكم عليه.\n• قال الرازي: أنه لو لم يذكر ذلك لكان الوعيد مختصًا بمن كفر بعد إيمانه، فلما ذكر هذا ثبت الوعيد لمن كفر بعد إيمانه ولمن كان كافرًا أصليًا.","vol":"4","page":32},{"text":"• والأمر في قوله فَذُوقُوا للإهانة والإذلال.\n(وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ) المراد برحمة هنا الجنة، كما في الحديث. قال -ﷺ- (قال تعالى للجنة: أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء).\nفرحمة الله هنا ليست الرحمة المذكورة في قوله تعالى (وربك الغفور ذو الرحمة) لأن هذه الصفة صفة لله.\n• قال ابن قتيبة: وسمَّى الجنة رحمة، لأن دخولهم إياها كان برحمته.\n(هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لا يبغون عنها حولًا.\nوهذا من أعظم تمام النعيم، أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآبدين.\n• وهذا من أعظم النعيم وبه يتم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غمًا.\nفالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي -ﷺ- يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك النعيم فتتكدر غبطتهم.\nوجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة.\nفقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).\nوقال -ﷺ- (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدًا) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت …) متفق عليه.","vol":"4","page":33},{"text":"قال أبو حيان: ولما أخبر تعالى أنَّهم مستقرّون في رحمة الله بيَّن أنّ ذلك الاستقرار هو على سبيل الخلود لا زوال منه ولا انتقال، وأشار بلفظ الرّحمة إلى سابق عنايته بهم، وأن العبد وإنْ كثرت طاعته لا يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى.\nوقال ابن عباس: المراد بالرحمة هنا الجنة، وذكر الخلود للمؤمن ولم يذكر ذلك للكافر إشعارًا بأنَّ جانب الرحمة أغلب.\nوأضاف الرحمة هنا إليه ولم يضف العذاب إلى نفسه، بل قال (فذوقوا العذاب) ولما ذكر العذاب علّله بفعلهم، ولم ينص هنا على سبب كونهم في الرحمة.\n(تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ) أي: هذه آيات الله وحُجَجه وبيناته.\nالإشارة إلى طائفة من آيات القرآن السابقة من هذه السورة كما اقتضاه قوله (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ).\n(نَتْلُوهَا عَلَيْكَ) يا محمد، بواسطة جبريل، كما قال تعالى (وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين).\n(بِالْحَقِّ) الباء للمصاحبة، يعني أنها مصحوبة بالحق ونازلة بالحق، صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، وتكون الباء للملابسة، أي:\nأنها نزلت من عند الله حقًا بلا شك، وهو يشمل المعنيين جميعًا، فهي نازلة من عند الله حقًا بلا شك، وهي أيضًا نازلة بالحق.\n(وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ) أي: ليس بظالم لهم بل هو الحَكَم العدل الذي لا يجوز.","vol":"4","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1125>الفوائد:</span>\n١ - النهي عن التفرق في القلوب.\n٢ - أن ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتفرق.\n٣ - أن التفرق بعد أن تبين الحق أشد قبحًا من التفرق حين خفاء الحق.\n٤ - وجوب التذكير بهذا اليوم العظيم الذي ينقسم فيه الناس إلى قسمين.\n٥ - إثبات يوم القيامة.\n٦ - إثبات البعث والجزاء.\n٧ - أنه يجمع لهؤلاء الكفار العذاب بين العذاب البدني والعذاب النفسي.\n٨ - شدة التنكيل بهؤلاء الكفرة.\n٩ - أن الذي ابيضت وجوههم في الجنة.\n١٠ - أن أهل الجنة مخلدون.\n١١ - أن القرآن كلام الله.\n١٢ - إثبات رسالة النبي -ﷺ-.\n١٣ - انتفاء الظلم عن الله لكمال عدله.","vol":"4","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1126>(وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (١٠٩».</span> [آل عمران: ١٠٩].\n<hr><s0>\n\n(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: كل ما في السماوات والأرض له ﷾ خلقًا وملكًا وتدبيرًا.\n• قال ابن جرير: أي أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون آلهة ومعبود.\n• وقال ابن كثير: إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.\n• وقال أبو بكر الجزائري: خلقًا وملكًا وتصرفًا.\nوقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على هذا العموم:\nقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).\nوقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا).\nوقال تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).\n• وهذه الجملة تؤيد تفرده سبحانه بالألوهية، وذلك من جانبين:\nالأول: حيث إن الجميع عبيد له ﷻ، وليس للعبد أن يعبد غير مالكه، أو يُشرِك غيره معه في العبادة، وقد نهاه عن ذلك.\nالثاني: وحيث إن الجميع عبيد له، فكيف يُعبد مملوك -كائنًا من كان- ويُترك المالك، أو يُشرَك مملوك في العبادة مع المالك، وقد نهى عن ذلك.\n• والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد فائدتين عظيمتين:\nالفائدة الأولى: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضًا فلا تعترض، ولو قضى عليك فقرًا فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف\nفيك كما يشاء ..\nيدل لذلك ما أمرنا الله به أن نقول عند المصيبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).\nويدل لذلك أيضًا ما بينّه النبي -ﷺ- لابنته التي أشرف ابنها على الموت، حينما أرسلت إليه ليأتي، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب).\nالفائدة الثانية: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه.","vol":"4","page":36},{"text":"الفائدة الثالثة: أن كل ما في الكون ملك لله الأحد ﷾ من غير شريك، فما لدينا من مال ومتاع وجاه ليس ملكًا لنا بل هو ملك لله، وإنما نحن مستخلفون فيه للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).\nوقال -ﷺ- (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون …) رواه مسلم.\n(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي: إلى الله وحده لا إلى غيره ترجع الأمور، أمور الدنيا والآخرة كما قال تعالى (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) ومنها أن الناس يرجعون يوم القيامة إلى ربهم فيحاسبهم.\nفالدنيا والآخرة كلها بيده سبحانه كما (وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى).\nوهو المحمود على ذلك كله، كما قال تعالى (وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ).\nوقال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1127>الفوائد:</span>\n١ - عموم ملك الله تعالى.\n٢ - انفراد ملك الله تعالى بذلك.\n٣ - أن مرجع الأمور إلى الله.\n٤ - إثبات الآخرة والحساب.\n٥ - عظمة الله وتمام سلطانه.","vol":"4","page":37},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1128>(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠»</span> [آل عمران: ١١٠].\n<hr><s0>\n\n(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم فقال (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).\nعن أبي هريرة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قال: خَيْرَ الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.\nوهكذا قال ابن عباس، ومُجاهد، وعِكْرِمة، وعَطاء، والربيع بن أنس، وعطية العَوْفيّ (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) يعني: خَيْرَ الناس للناس.\nوالمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس؛ ولهذا قال (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).\nفوجه خيرية هذه الأمة لبقية الأمم أن أمة محمد -ﷺ- تقاتل هذه الأمم حتى تدخلها الإسلام فتنجيها من عذاب الله يوم القيامة.\n• قال الرازي: قال الزجاج: قوله (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) ظاهر الخطاب فيه مع أصحاب النبي -ﷺ-، ولكنه عام في كل الأمة، ونظيره قوله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام) (كتب عَلَيْكُم القصاص) فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ، ولكنه عام في حق الكل كذا ههنا.\n• وفي الآية فضيلة ظاهره للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، لأن خيرية هذه الأمة منوطة بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر وإيمانها\nبالله، فإذا تخلت عن إيمانها بالله وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر سُلبتْ منها تلك الخيرية.\n• الحكمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:\nقال الشنقيطي: لأن استقراء القرآن دل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ثلاث حكم، تضمنت هذه الآية من سورة الأعراف (قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) من تلك الحكم الثلاث اثنتين، فالحكم الثلاث:\nالأولى: أن يقيم الإنسان عذره أمام ربه، ويخرج بذلك من عهدة التقصير في الأمر بالمعروف لئلا يدخل في قوله (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).","vol":"4","page":38},{"text":"وهذه الحكمة أشار لها بقوله (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ).\nالحكمة الثانية: هي رجاء انتفاع المذَكَّر.\nكما قال هنا عنهم (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، وذكر الله هذه الحكمة في قوله (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)\nالحكمة الثالثة: هي إقامة الحجة لله على خلقه في أرضه نيابة عن رسله.\nلأن الله يقول (رسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) فأهل العلم يقيمون حجة الله على خلقه بإقامة الحجة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1129> فضائل هذه الأمة:</span>\nأولًا: قوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ). وقال -ﷺ- (وجعلت أمتي خير الأمم).\nثانيًا: قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ثالثًا: قال -ﷺ- (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).\nرابعًا: قال -ﷺ- (إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله) رواه الترمذي.\nخامسًا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّة) رواه مسلم\nسادسًا: قال (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، … فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، … هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) متفق عليه.\n(تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم.\nكما قال قتادة: بَلَغَنَا أن عمر بن الخطاب في حجة حجّها رأى من الناس سُرْعة فقرأ هذه الآية (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) ثم قال: من سَرَّه أن يكون من تلك الأمة فَلْيؤدّ شَرْط الله فيها. رواه ابن جرير.\nومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ولهذا لما مَدح الله تعالى هذه الأمة على هذه الصفات شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم،\n• قال الرازي: اعلم أن هذا كلام مستأنف، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية، كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم.","vol":"4","page":39},{"text":"• وقال القرطبي: قوله تعالى: (تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر) مدح هذه الأمّة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتَواطَئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذَّمِّ، وكان ذلك سببًا لهلاكهم.\nوقال ابن عباس ﵄: من سره أن يكون من أهل هذه الآية فليؤد شرط الله فيها، يريد من سره أن يكون من خير أمة فليؤمن بالله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر.\n• قال الغزالي ﵀: هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وأهمل علمه\nوعمله؛ لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد.\n(وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ) أي: بما أنزل على محمد.\n(لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) في الدنيا والآخرة.\n(مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) أي: قليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان.\nأي: وكثير منهم خارجون عن طاعة الله.","vol":"4","page":40},{"text":"• فالكثرة الكاثرة من الخلق ليسوا على الحق، بل هم خارجون عن الحق وعن طاعة الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1130>والأدلة على هذا كثيرة:</span>\nقال تعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ).\nوقال تعالى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).\nوقال تعالى (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ).\nوقال تعالى (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).\nوقال تعالى (وقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).\nوقال تعالى (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هم).\nوقال تعالى في شأن نوح (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ).\nوقال تعالى في الحديث القدسي (يا آدم أخرج بعث النار من ذريتك، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (إنما أنتم في الأمم كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض، أو الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (عرضت علي الأمم فرأيت النبي يمر ومعه الرجل، والنبي يمر ومعه الرجلان …) متفق عليه\n\n<span data-type='title' id=toc-1131>الفوائد:</span>\n١ - أن هذه الأمة خير الأمم.\n٢ - أن هذه الأمة فضلت على غيرها بالخيرية لوصف ليس في غيرها.\n٣ - أنه متى زال هذا الوصف زال كونها خير أمة.\n٤ - أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ترتب الخيرية عليه يدل على أهميته.\n٥ - أنه كلما ازداد الإنسان أمرًا بالمعروف ونهيا عن المنكر كان خيرًا من غيره، لأن المعلق على وصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه.","vol":"4","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1132>(لن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (١١١».</span> [آل عمران: ١١١].\n<hr><s0>\n\n(لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً) أي: لن يضروكم إلا ضررًا يسيرًا بألسنتهم من سب وطعن.\n• قال ابن عطية: قوله تعالى (لن يضروكم إلا أذى) معناه: لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة.\n• قال القرطبي: يعني كذبهم وتحريفهم وبُهْتَهم؛ لا أنَّه تكون لهم الغَلَبَة.\n• وقال الرازي: قوله تعالى (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً) معناه: أنه ليس على المسلمين من كفار أهل الكتاب ضرر وإنما منتهى أمرهم أن\nيؤذوكم باللسان، إما بالطعن في محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وإما بإظهار كلمة الكفر، كقولهم (عُزَيْرٌ ابن الله) و(المسيح ابن الله) و(الله ثالث ثلاثة) وإما بتحريف نصوص التوراة والإنجيل، وإما بإلقاء الشبه في الأسماع، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين.\nقال القرطبي: فالآية وعد من الله لرسوله -ﷺ- وللمؤمنين، أن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم لا ينالهم منهم اصطلام إلاَّ إيذاء بالبهت والتحريف، وأما العاقبة فتكون للمؤمنين.\n(وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) وهذا وقع، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين. (ابن كثير)\n• قال القرطبي: وفي هذه الآية معجزة للنبيّ -﵇-؛ لأن من قاتله من اليهود ولاه دبره.","vol":"4","page":42},{"text":"• وقال أبو حيان: هذه الجملة جاءت كالمؤكدة للجملة قبلها، إذ تضمنت الإخبار أنهم لا تكون لهم غلبة ولا قهر ولا دولة على المؤمنين، لأنّ حصول ذلك إنما يكون سببه صدق القتال والثبات فيه، أو النصر المستمد من الله، وكلاهما ليس لهم.\nوأتى بلفظ الإدبار لا بلفظ الظهور، لما في ذكر الإدبار من الإهانة دون ما في الظهور، ولأن ذلك أبلغ في الانهزام والهرب.\nولذلك ورد في القرآن مستعملًا دون لفظ الظهور لقوله تعالى (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (ومن يولهم يومئذ دبره) ثم لا ينصرون: هذا استئنافُ إخبار أنّهم لا ينصرون أبدًا.\n• وقال الآلوسي: وفي هذه الآية دلالة واضحة على نبوة نبينا -ﷺ- ولكونها من الإخبار بالغيب الذي وافقه الواقع لأن يهود بني قينقاع وبني قريظة والنضير ويهود خيبر حاربوا المسلمين ولم يثبتوا ولم ينالوا شيئًا منهم ولم تخفق لهم بعد ذلك راية ولم يستقم أمر ولم ينهضوا بجناح.\n\n<span data-type='title' id=toc-1133>الفوائد:</span>\n١ - أن أهل الكتاب لن يضروا المسلمين.\n٢ - أنه لو تقابل المسلمون وأهل الكتاب في قتال فالمنتصر هم المسلمون.\n٣ - تشجيع الله للمؤمنين وتثبيتهم.","vol":"4","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1134>(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (١١٢».</span> [آل عمران: ١١٢].\n<hr><s0>\n\n(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا) أي: لزمهم الذل والهوان أينما وجدوا.\n• قال ابن عاشور: ومعنى ضرب الذلّة اتَّصالها بهم وإحاطتها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1135> اختلف في المراد بالذل هنا على أقوال:</span>\nالأول: أن المراد أن يحاربوا ويقتلوا وتغنم أموالهم وتسبى ذراريهم وتملك أراضيهم فهو كقوله تعالى: (اقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ).\nالثاني: أن هذه الذلة هي الجزية، وذلك لأن ضرب الجزية عليهم يوجب الذلة والصغار.\nوالثالث: أن المراد من هذه الذلة أنك لا ترى فيهم ملكًا قاهرًا ولا رئيسًا معتبرًا، بل هم مستخفون في جميع البلاد ذليلون مهينون.\n• ضربت عليهم الذلة لأنهم تكبروا، فكل متكبر مصيره إلى الذل عقوبة له.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1136> أسباب الذل:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1137>أولًا: استمراء المعاصي وتسويف التوبة:</span>\nقال تعالى (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ\nكَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ).\nقال أبو حيان الأندلسي: لما ذكر تعالى حلول العقوبة بهم من ضرب الذلة والمسكنة والمباءة بالغضب، بين علة ذلك، فبدأ بأعظم الأسباب في ذلك، وهو كفرهم بآيات الله. ثم ثنى بما يتلو ذلك في العظم وهو قتل الأنبياء، ثم أعقب ذلك بما يكون من المعاصي، وما يتعدى من الظلم.\nوقال الحسن البصري: أما والله لئن تدقدقت بهم الهماليج ووطئت الرحال أعقابهم، إن ذل المعاصي لفي قلوبهم، ولقد أبى الله أن يعصيه عبد إلا أذله.","vol":"4","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1138>ثانيًا: الإشراك بالله تعالى والابتداع في الدين.</span>\nقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ).\n• قال الطبري: يقول تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلهًا سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ، بتعجيل الله لهم ذلك وذلة وهي الهوان، لعقوبة الله إياهم على كفرهم بربهم في الحياة الدنيا، في عاجل الدنيا قبل آجل الآخرة.\n• وقال الشاطبي: كل من ابتدع في دين الله، فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي الرأي عزه وجبروته، فهم في أنفسهم أذلاء، وأيضا فإن الذلة الحاضرة بين أيدينا موجودة في غالب الأحوال، ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك؟ حتى تلبسوا بالسلاطين، ولاذوا بأهل الدنيا، ومن لم يقدر على ذلك; استخفى ببدعته، وهرب بها عن مخالطة الجمهور، وعمل بأعمالها على التقية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1139>ثالثًا: محاربة الله ورسوله ومخالفة أمرهما.</span>\nقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ).\n• قال الشوكاني: أولئك في الأذلين أي: أولئك المحادون لله ورسوله، المتصفون بتلك الصفات المتقدمة، من جملة من أذلَّه الله من الأمم السابقة واللاحقة؛ لأنهم لما حادوا الله ورسوله صاروا من الذُّل بهذا المكان. قال عطاء: يريد الذُّل في الدنيا والخزي في الآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1140>رابعًا: الكبْر والأنفة عن قبول الحق.</span>\nقال الرسول -ﷺ- (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال، يغشاهم الذُّل من كل مكان) رواه الترمذي.\nقال ابن القيم: من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفًا ورجاءً والتجاءً واستعانةً، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه.","vol":"4","page":45},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1141>خامسًا: اتباع الهوى.</span>\nقال تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ).\nقال ابن تيمية: من قهره هواه ذل وهان وهلك وباد.\nوقال ابن القيم: لكل عبد بداية ونهاية، فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته الذُّل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع من هواه، بل يصير له ذلك في نهايته عذابًا يعذب به في قلبه.\nوقال ابن القيم أيضًا: تجد في المتبع لهواه، من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها ما جعله الله سبحانه فيمن عصاه … وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته، والذُّل قرين معصيته.\n\n<span data-type='title' id=toc-1142>سادسًا: ترك الجهاد وحب الدنيا وكراهية الموت.</span>\nعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- (إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليهم ذلًا لا يرفعه حتى يراجعوا دينهم). رواه أبو داود\nقال ابن رجب: من أعظم ما حصل به الذُّل من مخالفة أمر الرسول -ﷺ- ترك ما كان عليه من جهاد أعداء الله، فمن سلك سبيل الرسول\n-ﷺ- عز، ومن ترك الجهاد مع قدرته عليه ذل … ورأى النبي -ﷺ- سكة الحرث فقال (ما دخلت دار قوم إلا دخلها الذل) فمن ترك ما كان عليه النبي -ﷺ- من الجهاد مع قدرته واشتغل عنه بتحصيل الدنيا من وجوهها المباحة حصل له من الذل، فكيف إذا اشتغل عن الجهاد بجمع الدنيا من وجوهها المحرمة؟\nوقال الحسن البصري: قد رأينا أقوامًا آثروا عاجلتهم على عاقبتهم فذلوا وهلكوا وافتضحوا.\nوقال: ما أعز أحد الدرهم إلا أذله الله.","vol":"4","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1143>سابعًا: البخل وشيوع الربا وأكل أموال الناس بالباطل.</span>\nقال رسول الله -ﷺ- (إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليهم ذلًا لا يرفعه حتى يراجعوا دينهم).\nثامنًا: سؤال الناس والتطلع لما في أيديهم.\nقال رسول الله -ﷺ- (لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه)، وفي رواية لأحمد (فيكف الله بها وجهه).\nقال ابن حجر: فيه الحض على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال، ومن ذل الرد إذا لم يعط.\nوقال ابن مفلح: أولى الناس بحفظ المال، وتنمية اليسير منه، والقناعة بقليله توفيرًا لحفظ الدين والجاه، والسلامة من مننِ العوامِ الأراذلِ -العالمُ الذي فيه دين، وله أنفة من الذل.\n(إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ) قيل: إن المراد بحبل من الله الإسلام، وقيل: إن حبل الله هو الذمة والعهد الذين أعطاهما الله لليهود والنصارى إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.\n(وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) قيل: هو العهد.\n(وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) أي: رجعوا مستوجبين للغضب الشديد من الله.\nوَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) أي: لزمتهم الفاقة والخشوع.\n(ذَلِكَ) الذل والغضب عليهم والمسكنة.\n(بِـ) أي: بسبب.","vol":"4","page":47},{"text":"(أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) تقدم شرحها.\nوَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) تقدم شرحها.\nذَلِكَ بِمَا عَصَوْا) أي: بسبب ما ارتكبوا من المعاصي.\nوَكَانُوا يَعْتَدُونَ) أي: وبسبب اعتدائهم على الناس وظلمهم لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1144>الفوائد:</span>\n١ - أن أهل الكتاب وخاصة اليهود من أذل الناس.\n٢ - أن أهل الكتاب قد ترتفع عنهم الذلة بحبل من الله أو بحبل من الناس.\n٣ - إثبات الغضب لله تعالى إثباتًا يليق بجلاله.\n٤ - أن الكفر بآيات الله سبب للعقوبات.\n٥ - عتو بني إسرائيل بالكفر وقتل الأنبياء والمعصية والعدوان.\n٦ - أن قتل الأنبياء موجب للعقوبة.","vol":"4","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1145>(لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَ</span>يْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥». [آل عمران: ١١٣ - ١١٥].\n<hr><s0>\n\n(لَيْسُوا سَوَاءً) المشهور عن كثير من المفسرين -كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العَوْفِيّ عن ابن عباس-أن هذه الآيات نزلت فيمن آمَنَ من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن سَلام وأسَد بن عُبَيْد وثعلبة بن سَعْية وأسَيد بن سعْية وغيرهم، أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب [وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى (لَيْسُوا سَوَاءً) أي: ليسوا كلُّهم على حَدّ سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المُجْرم، ولهذا قال تعالى:\n(مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) قال الآلوسي: قوله تعالى (مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) استئناف مبين لكيفية عدم التساوي ومزيل لما فيه من الإبهام.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ..) استئناف قصد به إنصاف طائفة من أهل الكتاب، بعد الحكم على معظمهم بصيغة تعمّهم، تأكيدًا لِما أفاده قولُه (منهم المؤمنون وأكثرُهم الفاسقون) فالضمير في قوله (ليسوا) لأهل الكتاب المتحدّث عنهم آنفًا، وهم اليهود، وهذه الجملة تتنزّل من التي بعدها منزلة التمهيد.\n• قوله تعالى (أمة قائمة) وقيل: أنها قائمة في الصلاة يتلون آيات الله آناء الليل فعبّر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل وهو كقوله (وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّدًا وقياما) وقوله (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل).\nوقوله (قُمِ الليل) وقوله (وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين) والذي يدل على أن المراد من هذا القيام في الصلاة قوله (وَهُمْ يَسْجُدُونَ) والظاهر أن السجدة لا تكون إلا في الصلاة.\nوقيل: في تفسير كونها قائمة: أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ملازمة له غير مضطربة في التمسك به كقوله (إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) أي ملازمًا للاقتضاء ثابتًا على المطالبة مستقصيًا فيها، ومنه قوله تعالى: (قَائِمًَا بالقسط).\n• قال ابن كثير: أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشَرْعه مُتَّبِعة نبيَّ الله، فهي (قَائِمَةٌ) يعني مستقيمة.\n(يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم.\n(وهم يسجدون) المراد بذلك الصلاة.\n(يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ومن ذلك الإيمان بمحمد -ﷺ-.\n(وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) وهو كل ما يكون بعد الموت.\nوَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) يأمرون بكل خير.\n(وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وينهون عن كل شر.\n(وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) المسارعة في الخيرات تقتضي فعلها وتكميلها والإتيان بها على أكمل وجه.\n• فينبغي للمسلم أن يبادر للخيرات والأعمال الصالحات الواجبات والمستحبات. (وسيأتي ما يتعلق بالمسارعة للخيرات قريبًا إن شاء الله)","vol":"4","page":49},{"text":"(وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) الصالح: من أدى حق الله وحق عباده.\n• قال الرازي: واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول، أما القرآن، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم (وأدخلناهم فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مّنَ الصالحين) وذكر حكاية عن سليمان ﵇ أنه قال (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين) وقال (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ) وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون، فقد حصل الصلاح، فكان الصلاح دالًا على أكمل الدرجات.","vol":"4","page":50},{"text":"(وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) أي: لا يضيع عند الله بل يجزيكم به أوفر الجزاء.\n(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) أي: لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1146>الفوائد:</span>\n١ - أن أهل الكتاب ليسوا سواء، منهم أمة ضالة ومنهم أمة قائمة بأمر الله.\n٢ - بيان عدل الله تعالى.\n٣ - الثناء على القيام بطاعة الله والثبات عليها.\n٤ - الثناء على من يتلون كتاب الله تلاوة وعملًا.\n٥ - فضيلة السجود.\n٦ - فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n٧ - الحث على المسارعة على الخيرات.\n٨ - فضل الصلاح.\n٩ - على المسلم أن يعرف الصفات التي يكون فيها الإنسان صالحًا ليطبقها.\n١٠ - أن من عملًا خيرًا أثيب عليها كاملًا.\n١١ - بيان عدل الله.\n١٢ - الحث على العمل الصالح.\n١٣ - إثبات علم الله تعالى.\n١٤ - الثناء على أهل التقوى.","vol":"4","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1147>(إنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦».</span> [آل عمران: ١١٦].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: بآيات الله وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه.\n• الكفر لغة الستر والتغطية، ويسمى الليل (كافرًا) لأنه يغطي كل شيء، وكل شيء غطى شيء فقد كفره، والكافر الزارع لأنه يغطي البذر بالتراب، وشرعًا: ضد الإيمان، فهو عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب.\n(لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ) أي: لن تدفع عنه.\n(أَمْوَالُهُمْ) ولو كثرت.\n(وَلا أَوْلادُهُمْ) ولو كثروا لينتصروا بهم.\n(مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي: من عذاب الله وعقابه شيئًا إذا نزل.\nقال تعالى (وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ).\nوقال تعالى (ما أغنى عني ماليه).\nوقال تعالى (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ).\nوقال تعالى (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات بَل لاَّ يَشْعُرُونَ).\nوقال تعالى (وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى).\nوقال تعالى (وَلَا يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمًَا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ).\nوهم قد ادعوا ذلك لأنفسهم كما قال تعالى عنهم (وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) وقوله (أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا). يعني في الآخرة كما أوتيته في الدنيا.","vol":"4","page":52},{"text":"وقوله (وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى) أي: بدليل ما أعطاني في الدنيا.\n• قال ابن عاشور: وإنّما خصّ الأموال والأولاد من بين أعلاق الذين كفروا؛ لأنّ الغناءَ يكون بالفداء بالمال، كدفع الديات والغرامات، ويكون بالنصر والقتال، وأوْلى مَن يدافع عن الرجل، من عشيرته، أبناؤه، وعن القبيلة أبناؤُها.\n• وقال ابن عطية: وخص الله تعالى الأموال والأولاد بالذكر لوجوه:\nمنها: أنها زينة الحياة الدنيا، وعظم ما تجري إليه الآمال.\nومنها: أنها ألصق النصرة بالإنسان وأيسرها.\nومنها: أن الكفار يفخرون بالآخرة لا همة لهم إلا فيها هي عندهم غاية المرء وبها كانوا يفخرون على المؤمنين، فذكر الله أن هذين اللذين هما بهذه الأوصاف لا غناء فيهما من عقاب الله في الآخرة، فإذا لم تغن هذه فغيرها من الأمور البعيدة أحرى أن لا يغني.\n• ويوم القيامة لا ينفع إلا العمل الصالح.\nقال تعالى (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).\nوقوله (واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا) الآية.\nوقوله (فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ).\nوقوله (وَمَا أموالكم وَلَا أولادكم بالتي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى).\n(وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) الملازمون لها ملازمة الصاحب لصاحبه، والغريم لغريمه، لأن الأصل في الصحبة طول الملازمة.\n• قال البغوي: قوله تعالى (وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وإنما جعلهم من أصحابها لأنهم أهلها لا يخرجون منها ولا يفارقونها، كصاحب الرجل لا يفارقه.\n• والنار هي الدار التي أعدها الله للكافرين.\nقوله تعالى (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) وهذا الأسلوب يطلق على الذين يخلدون فيها، فالمؤمن العاصي - وإن كان يستحق العذاب بالنار - فإنه لا يسمى من أصحاب النار، لأن الأصل في الصحبة طول الملازمة.\n• كل ما ورد (أصحاب النار) فالمراد أهلها الكفار الذين لا يخرجون منها إلا في هذا الموضع (أصحاب النار) أي: الملائكة الخزنة.\n(هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون.","vol":"4","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1148>وقد ذكر الله تأبيده في ثلاث آيات من القرآن الكريم:</span>\no  في سورة النساء: قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا).\no  وفي سورة الأحزاب: قال تعالى (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا).\no  وفي سورة الجن: قال تعالى (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ. لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُون).\nوقال تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ).\n• قال الرازي: اعلم أنه ﷾ ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر بجنبها آية في الوعد، وذلك لفوائد:\nأحدها: ليظهر بذلك عدله سبحانه، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان.\nوثانيها: أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه.\nوثالثها: أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصير ذلك سببًا للعرفان.\n\n<span data-type='title' id=toc-1149>الفوائد:</span>\n١ - أن المال والأولاد لن تغني وتدفع عن الكفار عذاب الله.\n٢ - تمام قدرة الله وسلطانه على عباده.\n٣ - خطر فتنة الأموال والأولاد.\n٤ - أن الكفار في النار.\n٥ - أنهم مخلدون فيها.\n٦ - إثبات النار.","vol":"4","page":54},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1150>(مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧».</span> [آل عمران: ١١٧].\n<hr><s0>\n\n(مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: الكفار.\nهذا مثل ضربه لما ينفقه الكفار في هذا الدار.\n• قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما بيّن أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئًا، ثم إنهم ربما أنفقوا أموالهم في وجوه الخيرات، فيخطر ببال الإنسان أنهم ينتفعون بذلك، فأزال الله تعالى بهذه الآية تلك الشبهة، وبيّن أنهم لا ينتفعون بتلك الإنفاقات، وإن كانوا قد قصدوا بها وجه الله.\n(كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ) قيل: برد شديد.\n• قال الرازي: قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.\nوالثاني: أن الصر: هو السموم الحارة والنار التي تغلي، وهو اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر ابن الأنباري.\nقال ابن الأنباري: وإنما وصفت النار بأنها (فِيهَا صِرٌّ) لتصويتها عند الالتهاب، ومنه صرير الباب، والصرصر مشهور، والصرة الصيحة ومنه قوله تعالى (فَأَقْبَلَتِ امرأته فِي صَرَّةٍ) وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس ﵄ في (فِيهَا صِرٌّ) قال فيها نار، وعلى القولين فالمقصود من التشبيه حاصل، لأنه سواء كان بردًا مهلكًا أو حرًا محرقًا فإنه يصير مبطلًا للحرث والزرع فيصح التشبيه به.\n(أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) أي: أصابت تلك الريح المدمرة زرع قوم ظلموا أنفسهم بالمعاصي فأفسدته وأهلكته فلم ينتفعوا به، فكذلك الكفار يمحق الله أعمالهم الصالحة كما يذهب هذا الزرع بذنوب صاحبه.\n• والمعنى أنّ الله لم يظلمهم حين لم يتقبل نفقاتهم بل هم تسبّبوا في ذلك، إذ لم يؤمنوا لأن الإيمان جعله الله شرطًا في قبول الأعمال، فلما أعلمهم بذلك وأنذرهم لم يكن عقابه بعد ذلك ظلمًا لهم، وفيه إيذان بأنّ الله لا يخالف وعده من نفي الظلم عن نفسه.\n• قال ابن عاشور: ضَرَبَ لأعمالهم المتعلّقة بالأموال مثلًا، فشبّه هيئة إنفاقهم المعجب ظاهرُها، المخيِّببِ آخِرُها، حين يحبطها الكفر، بهيئة زرع أصابته ريح باردة فأهلكته، تشبيه المعقول بالمحسوس.","vol":"4","page":55},{"text":"(وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).\nوقال ﵀: والسامعون عالمون بأن عقاب الأقوام الذين ظلموا أنفسهم غاية في الشدّة، فذكر وصفهم بظلم أنفسهم لتذكير السامعين بذلك على سبيل الموعظة.\n• وقال الطبري في معنى الآية: شَبَهُ ما ينفق الذين كفروا، أي: شَبَهُ ما يتصدق به الكافر من ماله، فيعطيه من يعطيه على وجه القُربة إلى ربّه وهو لوحدانية الله جاحد، ولمحمد -ﷺ- مكذب، في أن ذلك غير نافعه مع كفره، وأنه مضمحلّ عند حاجته إليه، ذاهبٌ بعد الذي كان يرجو من عائدة نفعه عليه كشبه ريح فيها برد شديد، أصابت هذه الريح التي فيها البرد الشديد \"حرثَ قوم\"، يعني: زرع قوم قد أمَّلوا إدراكه، ورجَوْا رَيْعه وعائدة نفعه \"ظلموا أنفسهم\"، يعني: أصحاب الزرع، عصوا الله، وتعدَّوا حدوده \"فأهلكته\"، يعني: فأهلكت الريح التي فيها الصرُّ زرعهم ذلك، بعد الذي كانوا عليه من الأمل ورجاء عائدة نفعه عليهم.\nيقول تعالى ذكره: فكذلك فعل الله بنفقة الكافر وصدقته في حياته، حين يلقاه، يبطل ثوابها ويخيب رجاؤه منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1151>الفوائد:</span>\n١ - أن الكافر لا يستفيد من أعماله يوم القيامة.\nكما قال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).\nوقال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ).\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ).\nوقال تعالى عن يوم القيامة (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).\n٢ - أن من شروط قبول العمل الإيمان.","vol":"4","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1152>(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠».</span> [آل عمران: ١١٨ - ١٢٠].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ) أي: لا تتخذوا المنافقين أصدقاء تودونهم وتطلعونهم على أسراركم وتجعلونهم أولياء من غير المؤمنين.\n• قال ابن كثير: بطانة الرجل: هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخِلة أمره.\n• قال القرطبي: نهى الله ﷿ المؤمنين بهذه الآية أن يَتَّخِذوا من الكفار واليهود وأهل الأهْوَاء دُخَلاءَ ووُلَجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم.\nويُقال: كل من كان على خلاف مَذْهَبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه؛ قال الشاعر:\nعن الْمَرءِ لَا تَسْألْ وَسَلْ عن قَرِينهِ … فَكلُّ قَرِينٍ بِالمُقارن يَقْتَدِي\nوفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبيّ -ﷺ- قال (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).\nوروي عن ابن مسعود أنه قال: اعتبروا الناس بإخوانهم.\nثم قال القرطبي - ﵀: قلت وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة\nالأغبياء من الولاة والأمراء. روى البخاري عن أبى سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- قال (ما بعث اللّه من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه. وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه، والمعصوم من عصمه اللّه).","vol":"4","page":57},{"text":"• قال الرازي: اختلفوا في أن الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من هم؟ على أقوال:\nالأول: أنهم هم اليهود وذلك لأن المسلمين كانوا يشاورونهم في أمورهم ويؤانسونهم لما كان بينهم من الرضاع والحلف ظنًا منهم أنهم وإن خالفوهم في الدين فهم ينصحون لهم في أسباب المعاش فنهاهم الله تعالى بهذه الآية عنه، وحجة أصحاب هذا القول أن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مخاطبة مع اليهود فتكون هذه الآية أيضًا كذلك\nالثاني: أنهم هم المنافقون، وذلك لأن المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوال المنافقين ويظنون أنهم صادقون\nالثالث: المراد به جميع أصناف الكفار، والدليل عليه قوله تعالى (بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ) فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين فيكون ذلك نهيًا عن جميع الكفار وقال تعالى (يا أيها الذين ءامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) ومما يؤكد ذلك ما روي أنه قيل لعمر بن الخطاب ﵁: ههنا رجل من أهل الحيرة نصراني لا يعرف أقوى حفظًا ولا أحسن خطًا منه، فإن رأيت أن تتخذه كاتبًا، فامتنع عمر من ذلك وقال: إذن اتخذت بطانة من غير المؤمنين، فقد جعل عمر ﵁ هذه الآية دليلًا على النهي عن اتخاذ بطانة، وأما ما تمسكوا به من أن ما بعد الآية مختص بالمنافقين فهذا لا يمنع عموم أول الآية، فإنه ثبت في أصول الفقه أن أول الآية إذا كان عامًا وآخرها إذا كان خاصًا لم يكن خصوص آخر الآية مانعًا من عموم.\n• وصدر - سبحانه - النداء بوصف الإيمان، للإشعار بأن مقتضى الإيمان يوجب عليهم ألا يأمنوا من يخالفهم في عقيدتهم على أسرارهم، وألا يتخذوا أعداء اللّه وأعداءهم أولياء يلقون إليهم بالمودة، وألا يطلعوهم على ما يجب إخفاؤه من شئون وأمور خاصة بالمؤمنين.\n(لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) أي: لا يقصرون لكم في الفساد، قال تعالى (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا) أي فسادًا وضررًا.\n• قال القرطبي: ومعنى (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) لا يقصِّرون فيما فيه الفسادُ عليكم.\n• قال القرطبي: بيّن تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) يقول فسادًا.\nيعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة، على ما يأتي بيانه.","vol":"4","page":58},{"text":"(وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) أي: تمنوا مشقتكم وما يوقعكم في الضرر الشديد.\nأي: أن هؤلاء الذين تصافونهم وتفشون إليهم أسراركم مع أنهم ليسوا على ملتكم، بجانب أنهم لا يألون جهدا في إفساد أمركم، فإنهم يحبون عنتكم ومشقتكم وشدة ضرركم، وتفريق جمعكم، وذهاب قوتكم.\n(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) أي: قد ظهرت أمارات العداوة لكم على ألسنتهم.\n• قال ابن كثير: أي: قد لاح على صَفَحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل.\n• وقال القرطبي: قوله تعالى (قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواههم.\nوالبغضاء: البغض، وهو ضدّ الحُبِّ.\nوخصّ تعالى الأفواه بالذِّكر دون الألسنة إشارةً إلى تَشدُّقهم وثَرْثَرَتهم في أقوالهم هذه، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه.\n• قال الآلوسي: قوله تعالى (قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم) أي ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات ألسنتهم وفحوى كلماتهم لأنهم لشدة بغضهم لكم لا يملكون أنفسهم ولا يقدرون أن يحفظوا ألسنتهم، وقال قتادة: ظهور ذلك فيما بينهم حيث أبدى كل منهم ما يدل على بغضه للمسلمين لأخيه، وفيه بعد إذ لا يناسبه ما بعده ..\n• وقال الرازي: قوله (قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم) إن حملناه على المنافقين ففي تفسيره وجهان:\nالأول: أنه لا بد في المنافق من أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه ومفارقته لطريق المخالصة في الود والنصيحة، ونظيره قوله تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول).","vol":"4","page":59},{"text":"• وقد قيل: كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه وفلتات اللسان.\n(وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) أي: وما يبطنونه لكم من البغضاء أكثر مما يظهرونه.\n• قال الفخر: يعني الذي يظهر على لسان المنافق من علامات البغضاء أقل مما في قلبه من النفرة، والذي يظهر من علامات الحقد على لسانه أقل مما في قلبه من الحقد. أ\n(قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ) أي: وقد وضحنا لكم الآيات الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة ومعاداة المنافقين.\nإِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) أي: إن كنتم تعقلون عن الله أمره ونهيه.\n• ثم ذكر في هذه الآية أمورًا ثلاثة، كل واحد منها على أن المؤمن لا يجوز أن يتخذ غير المؤمن بطانة لنفسه فالأول\n(هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ) أي: أنتم -أيها المؤمنون-تحبون المنافقين مما يظهرون لكم من الإيمان، فتحبونهم على ذلك وهم لا يحبونكم، لا باطنا ولا ظاهرًا.\nوقيل: تحبون لهم الإسلام وهم يحبون أن تبقوا على الكفر.\nوقيل: (تُحِبُّونَهُمْ) بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة، وَلَا يُحِبُّونَكُمْ بسبب كونكم مسلمين.\nوقيل: (تُحِبُّونَهُمْ) بسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان (وَلَا يُحِبُّونَكُمْ) بسبب أن الكفر مستقر في باطنهم.\nوقيل: (تُحِبُّونَهُمْ) بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات والمحن (وَلَا يُحِبُّونَكُمْ) بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر.\nواعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى الأسباب الموجبة لكون المؤمنين يحبونهم ولكونهم يبغضون المؤمنين، فالكل داخل تحت الآية، ولما عرفهم تعالى كونهم مبغضين للمؤمنين وعرفهم أنهم مبطلون في ذلك البغض صار ذلك داعيًا من حيث الطبع، ومن حيث الشرع إلى أن يصير المؤمنون مبغضين لهؤلاء المنافقين.\n(وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) أي: ليس عندكم في شيء منه شك ولا رَيْب، وهم عندهم الشك والرِّيَب والحِيرة.\n• قال الرازي: في الآية إضمار، والتقدير: وتؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون به، وحسن الحذف لما بينا أن الضدين يعلمان معًا فكان ذكر أحدهما مغنيًا عن ذكر الآخر.\n• قال القرطبي: والكتاب اسم جنس؛ قال ابن عباس: يعنى بالكُتُب.","vol":"4","page":60},{"text":"واليهود يؤمنون بالبعض؛ كما قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ).\n(وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا) وهذا شأن المنافقين يُظْهِرون للمؤمنين الإيمانَ والمودّة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه.\n(وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) الأنامل أطراف الأصابع.، وذلك أشد الغيظ والحنق.\n• قال ابن عاشور: وعضّ الأنامل كناية عن شدّة الغيظ والتحسّر، والغيظ: غضب شديد يلازمه إرادة الانتقام.\nوالمعنى: أنه إذا خلا بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة، وشدة الغيظ على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل، كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه وعظم حزنه على فوات مطلوبه، ولما كثر هذا الفعل من الغضبان، صار ذلك كناية عن الغضب حتى يقال في الغضبان: إنه يعض يده غيظًا وإن لم يكن هناك عض، قال المفسرون: وإنما حصل لهم هذا الغيظ الشديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم.\n(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) أ ي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله مُتمّ نعمته على عباده المؤمنين ومُكَملٌ دينه، ومُعْلٍ كلمتَه ومظهر دينَه، فموتوا أنتم بغيظكم.\n• قال الرازي: وهو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، والمراد من ازدياد الغيظ ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام وعزة أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي.\n• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (قل موتوا بغيظكم) كلام لم يقصد به مخاطبون معيَّنون لأنَّه دعاء على الَّذين يعضّون الأنامل من الغيظ، وهم يفعلون ذلك إذا خلوا، فلا يتصوّر مشافهتهم بالدّعاء على التَّعيين ولكنَّه كلام قصد إسماعه لكلّ من يعلم من نفسه الاتّصاف بالغيظ على المسلمين وهو قريب من الخطاب الَّذي يقصد به عموم كُل مخاطب نحو (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم).\nوالدعاء عليهم بالموت بالغيظ صريحهُ طلب موتهم بسبب غيظهم، وهو كناية عن ملازمة الغيظ لهم طول حياتهم إن طالت أو قصرت، وذلك كناية عن دوام سبب غيظهم، وهو حسن حال المسلمين، وانتظام أمرهم، وازدياد خيرهم، وفي هذا الدعاء عليهم بلزوم ألم الغيظ لهم، وبتعجيل موتهم به، وكلّ من المعنيين المكني بهما مراد هنا، والتكنّي بالغيظ وبالحسد عن كمال المغيظ منه المحسود مشهور، والعرب تقول: فلان محسَّد، أي هو في حالة نعمة وكمال.","vol":"4","page":61},{"text":"• قال القرطبي: إن قيل: كيف لم يموتوا والله تعالى إذا قال لشيء: كن فيكون.\nقيل عنه جوابان:\nأحدهما: قال فيه الطبريّ وكثير من المفسرين: هو دعاء عليهم، أي قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا.\nفعلى هذا يتجه أن يدعو عليهم بهذا مُوَاجهةً وغيرَ مواجهة بخلاف اللّعْنَة.\nالثاني: أن المعنى أخبرهم أنهم لا يدركون ما يؤملون، فإن الموت دون ذلك، فعلى هذا المعنى زال معنى الدعاء وبقي معنى التقْرِيع والإغَاظَة.\n(إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتُكنُّه سَرَائرُكُم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها.\n(إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب، ونصر وتأييد، وكثروا وعزّ أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سَنَة -أي: جَدْب-أو أُديل عليهم الأعداء، لما لله في ذلك من الحكمة، كما جرى يوم أُحُد، فَرح المنافقون بذلك.\n• قال ابن عطية: ذكر الله تعالى المس في الحسنة ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين، ثم عادل ذلك في السيئة بلفظ الإصابة، وهي عبارة عن التمكن.\nلأن الشيء المصيب لشيء هو متمكن منه، أو فيه، فدل هذا النوع البليغ على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند نزول الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين.\n• قال في التفسير الوسيط: فالجملة الكريمة بيان لفرط عداوة هؤلاء المنافقين للمؤمنين، حيث يحسدونهم على ما ينالهم من خير، ويشمتون بهم عند ما ينزل بهم شر.\nوعبر في جانب الحسنة بالمس، وفي جانب السيئة بالإصابة، للإشارة إلى تمكن الأحقاد من قلوبهم، بحيث إن أي حسنة حتى ولو كان مسها للمؤمنين خفيفا وليس غامرا عاما فإن هؤلاء المنافقين يحزنون لذلك، لأنهم يستكثرون كل خير للمؤمنين حتى ولو كان هذا الخير ضئيلًا.\n• وقيل: والتعبير هنا بالمسّ مع الحسنة وبالإصابة مع السيئة لمجرد التفنن في التعبير، وقد سوى بينهما في غير هذا الموضع كقوله تعالى (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ) وقوله سبحانه (إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعًا).\n• قال القرطبي: والمعنى في الآية: أن من كانت هذه صفته من شدّة العداوة والحِقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين، لم يكن أهلًا لأن يتخذ بطانة، لا سِيما في هذا الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو مِلاك الدنيا والآخرة؛ ولقد أحسن القائل في قوله:\nكلّ العداوةِ قد تُرجَى إفاقتُها … إلاّ عداوة مَن عاداك مِنْ حسدِ.","vol":"4","page":62},{"text":"• قال الله تعالى مخاطبا عباده المؤمنين:\n(وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكَيْدِ الفُجّار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل\nعلى الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه.\n• قال ابن عاشور: أرشد الله المؤمنين إلى كيفية تلقّي أذى العدوّ: بأن يتلقّوه بالصّبر والحذر، وعبّر عن الحذر بالاتّقاء أي اتّقاء كيدهم وخداعهم، وقوله (لا يَضِركم كيدهم شيئًا) أي بذلك ينتفي الضرّ كلّه لأنّه أثبت في أوّل الآيات أنّهم لا يضرّون المؤمنين إلاّ أذى، فالأذى ضرّ خفيف، فلمَّا انتفى الضرّ الأعظم الَّذي يحتاج في دفعه إلى شديدِ مقاومة من القتال وحراسة وإنفاق، كان انتفاء ما بَقي من الضرّ هيّنًا، وذلك بالصّبر على الأذى، وقلّة الاكتراث به، مع الحذر منهم أن يتوسّلوا بذلك الأذى إلى ما يوصل ضرًّا عظيمًا، وفي الحديث (لا أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّهِ يدعون له نِدًّا وهو يرزقهم).\n• وقال النسفي: وهذا تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى.\nوقال الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلًا في نفسك.","vol":"4","page":63},{"text":"(إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) تهديد للكافرين.\n• قال الطبري: إن الله بما يعمل هؤلاء الكفار في عباده وبلاده من الفساد والصدّ عن سبيله، والعداوة لأهل دينه، وغير ذلك من معاصي الله \"محيط\" بجميعه، حافظ له، لا يعزب عنه شيء منه، حتى يوفيهم جزاءهم على ذلك كله، ويذيقهم عقوبته عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1153>الفوائد:</span>\n١ - تحريم اتخاذ البطانة التي ليست منا.\n٢ - أن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان.\n٣ - أن أعداءنا يودون لنا ما يشق علينا.\n٤ - بغض الكفار للمؤمنين.\n٥ - أن ما في قلوب الأعداء من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدو.\n٦ - بيان علم الله بما في القلوب.\n٧ - وجوب الإيمان بجميع الكتب.\n٨ - أن العبرة بالأفعال لا بالأقوال.\n٩ - قوة المسلم أمام الأعداء.\n١٠ - إثبات علم الله لما في القلوب.\n١١ - بيان شدة عداوة الكفار للمؤمنين، لأنهم يسؤهم فرحك، ويفرحهم هزيمتك.","vol":"4","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1154>(وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢»</span> [آل عمران: ١٢١ - ١٢٢].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ) أي: واذكر يا محمد حين خرجت إلى أحد من عند أهلك، أي: من المنزل الذي فيه أهلك.\n(تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) أي: تنزّل المؤمنين أماكنهم لقتال عدوهم، وتجعلهم ميْمنة وميسرة حيث أمرتهم.\n• وأصل التبوء اتخاذ المنزل، يقال بوّأته منزلًا: إذا أسكنته إياه.\n(وَاللَّهُ سَمِيعٌ) أي: لما تقولون.\n(عَلِيمٌ) بضمائركم.\n• قال ابن كثير: المرادُ بهذه الوقعة يوم أُحُد عند الجمهور، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي، وغير واحد. وعن الحسن\nالبصري: المراد بذلك يوم الأحزاب. رواه ابن جرير، وهو غريب لا يُعَوَّل عليه.\nوكانت وقعةُ أحد يومَ السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة.\n• قال ابن عاشور: ومناسبة ذكر هذه الوقعة عقب ما تقدّم أنَّها من أوضح مظاهر كيد المخالفين في الدّين، المنافقين، ولمَّا كان شأن المنافقين من اليهود وأهل يثرب واحدًا، ودخيلتهما سواء، وكانوا يعملون على ما تدبّره اليهود، جمع الله مكائد الفريقين بذكر غزوة أحُد، وكان نزول هذه السورة عقب غزوة أحُد كما تقدّم.\n(إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا) بَنِي سَلِمَةَ وَبَنِي حَارِثَةَ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ، وَاللَّهُ يَقُولُ (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) رواه البخاري.\n• والهمّ من الطائفتين كان بعد الخروج لما رجع عبد الله بن أبيّ بمن معه من المنافقين فحفظ الله قلوب المؤمنين فلم يرجعوا وذلك قوله (والله وليهما).\nفصورة الفشل: أنهما همتا أن ينصرفا عن رسول الله -ﷺ- بعد أن تسرب إليهما بعض الجبن والخور، لكن الله ثبتهما.","vol":"4","page":65},{"text":"(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي: على الله لا على غيره فليتعمد أهل الإيمان.\nوالآية دليل على وجوب التوكل.\nقال تعالى (وعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).\nوقال تعالى (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).\nوقال تعالى (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).\nوقال تعالى (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).\nوقال تعالى (تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا).\nوقال تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nوقال تعالى (فاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).\nوقال تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا).\nوقال -ﷺ- عن ربه في الحديث القدسي (يقول تعالى: يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، وكلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، وكلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية﵀- عن هذا الحديث الشريف: فيه وجوب التوكل على الله في الرزق المتضمن جلب المنفعة؛ كالطعام، ودفع المضرة كاللباس، وأنه لا يقدر غير الله على الإطعام والكسوة قدرة مطلقة، وأنه سبب لدخول الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1155>وللتوكل فضائل:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1156>أولًا: أهل التوكل هم أهل محبة الله ﷿.</span>\nقال تعالى (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين).\n\n<span data-type='title' id=toc-1157>ثانيًا: التوكل من شيم أنبياء الله ورسله وأوليائه.</span>\nقال تعالى عن نوح (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ)\nوقال تعالى عن هود: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).","vol":"4","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1158>ثالثًا: أهل التوكل هم أهل الإيمان.</span>\nقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).\nوقال تعالى (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي: وعلى الله وحده فليعتمد ولْيثق المؤمنون.\nقال ابن القيم: فجعل التوكل شرطًا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه، وكلما قوي توكل العبد كان إيمانه أقوى، وإذا\nضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفًا كان دليلًا على ضعف الإيمان ولا بد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1159>رابعًا: أهل التوكل هم أهل الجنة.</span>\nقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ. الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِم).\nوكما في حديث الباب.\nوقال -ﷺ- (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير). رواه مسلم\nحكى النووي في هذا الحديث: أن المراد بهؤلاء القوم هم المتوكلون.\n\n<span data-type='title' id=toc-1160>خامسًا: التوكل على الله مجلبة للرزق.</span>\nعن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا). رواه الترمذي\n\n<span data-type='title' id=toc-1161>سادسًا: المتوكلون ليس عليهم للشيطان سبيل.</span>\nقال تعالى (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1162>سابعًا: المتوكلون الله حسبهم وكافيهم.</span>\nقال تعالى (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).\nقال بعض السلف: جعل الله لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)، ولم يقل: نؤته كذا وكذا من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه، وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجًا، وكفاه ونصره. (بدائع الفوائد).","vol":"4","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1163>ثامنًا: أهل التوكل على الله هم أهل العزة والاستعلاء.</span>\nقال تعالى (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).\nقال في الإحياء: أي عزيز لا يذل من استجار به، ولا يضيع من لاذ بجنابه والتجأ إلى زمامه وحماه، وحكيم لا يقصر عن تدبير أمر من توكل على تدبيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1164>تاسعًا: لا توكل بدون إيمان.</span>\nقال تعالى (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين).\nوقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).\n• من أقوال السالف:\nقال شيخ الإسلام: وما رجا أحدٌ مخلوقًا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، فإنه مشرك، قال تعالى (ومن يشرك بالله فكأنما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق).\nوقال: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله.\nوقال بعض العارفين: المتوكل كالطفل لا يعرف شيئًا يأوي إليه إلا ثدي أمه، كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه.\nوقال ابن القيم ﵀: ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه، وكان مأمورًا بإزالته لأزاله.\nقيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك في التوكل؟ قال: على خصال أربعة:\nعلمت أن رزقي لا يأكله غيري … فاطمأنت به نفسي.\nوعلمت أن عملي لا يعمله غيري … فأنا مشغول به.\nوعلمت أن الموت يأتي بغتة … فأنا أبادره.\nوعلمت أني لا أخلو من عين الله … فأنا مستحيٍ منه.","vol":"4","page":68},{"text":"قال بعض العلماء لا تتكلن على غير الله فيكلك الله إلى من اتكلت عليه.\nقال منصور بن عمار: قلوب المتوكلين أوعية الرضا.\nوقال بعضهم: علامة التوكل انقطاع المطامع: أي في الخلق والأسباب.\nوقال أخر: التوكل إسقاط رؤية الوسائط والتعلق بأعلى العلائق.\n\n<span data-type='title' id=toc-1165>الفوائد:</span>\n١ - حسن تدبير الرسول -ﷺ- في الحرب.\n٢ - أنه ينبغي للقائد أن يبوئ أمكنة المقاتلين ويعرّف كل واحد منهم مكانه وعمله.\n٣ - إثبات هذين الاسمين وهما: السميع والعليم.\n٤ - أن الله سبحانه قد يلطف بالمؤمن حتى يثبته.\n٥ - منّة الله على هاتين الطائفتين.\n٦ - وجوب التوكل على الله.\n٧ - أنه إذا قوي الإيمان قوي التوكل على الله.","vol":"4","page":69},{"text":"(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣». [آل عمران: ١٢٣].\n<hr><s0>\n\n(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ) أي: يوم بدر.\n• قال ابن كثير: وكان في جمعة وافق السابع عشر من رمضان، من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغَ فيه الشرك وخرَّب محِله، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا فيهم فرسان وسبعُون بعِيرًا، والباقون مُشاة، ليس معهم من العَدَد جميع ما يحتاجون إليه، وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبَيض، والعدة الكاملة والخيول المسومة والحلي الزائد، فأعز الله رسوله، وأظهر وحيه وتنزيله، وبَيَّضَ وَجْه النبي وقبيله، وأخْزى الشيطان وجيله.\n(وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) أي: قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العَدَد والعُدَد؛ ولهذا قال في الآية الأخرى (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) وصف الله المؤمنين في هذه الآية بكونهم أذلة حال نصره لهم ببدر، وقد جاء في آية أخرى وصفه تعالى لهم بأن لهم العزة، وهي قوله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) ولا يخفى ما بين العزة والذلة من التنافي والتضاد.\nوالجواب ظاهر: وهو أنّ معنى وصفهم بالذلة هو قلة عَددهم وعُددهم يوم بدر، وقوله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) نزل في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق، وذلك بعد أن قويت شوكة المسلمين، وكثر عَددهم، مع أن العزة والذلة يمكن الجمع بينهما باعتبار آخر، وهو أن الذلة باعتبار حال المسلمين من قلة العَدد والعُدد، والعزة باعتبار نصر الله وتأييده، كما يشير إلى هذا قوله تعالى (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ).\nوقوله (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ)، فإنّ زمن الحال هو زمن عاملها، فزمان النصر هو زمان كونهم أذلة، فظهر أنّ وصف الذلة باعتبار، ووصف العزة والنصر باعتبار آخر، فانفكت الجهة، والعلم عند الله.","vol":"4","page":70},{"text":"• قال الرازي: قوله تعالى (وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ) في موضع الحال، وإنما كانوا أذلة لوجوه:\nالأول: أنه تعالى قال (وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) فلا بد من تفسير هذا الذل بمعنى لا ينافي مدلول هذه الآية، وذلك هو تفسيره\nبقلة العدد وضعف الحال، وقلة السلاح والمال، وعدم القدرة على مقاومة العدو، ومعنى الذل الضعف عن المقاومة ونقيضه العز وهو القوة والغلبة، روي أن المسلمين كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، وما كان فيهم إلا فرس واحد، وأكثرهم كانوا رجالة، وربما كان الجمع منهم يركب جملًا واحدًا، والكفار قريبين من ألف مقاتل ومعهم مائة فرس مع الأسلحة الكثيرة والعدة الكاملة.\nالثاني: لعل المراد أنهم كانوا أذلة في زعم المشركين واعتقادهم، لأجل قلة عددهم وسلاحهم، وهو مثل ما حكى الله عن الكفار أنهم قالوا (لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل).\n• وقال القرطبي: (أذِلة) جمع ذليل، واسم الذل في هذا الموضع مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلاَّ أعِزّة، ولكن نسبتهم إلى عدوّهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند التأمل ذِلّتهم وأنهم يُغلبون.\n(فَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: بهذا النصر الذي نصركم الله يجب عليكم أن تتقوا الله.\nوالتقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\n(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (لعل) هنا للتعليل، أي: لأجل أن تشكروا الله الذي أنعم عليكم بنصره.\n\nالفوائد:\n١ - امتنان الله على رسوله -ﷺ- وأصحابه بنصرهم في بدر.\n٢ - أن النصر بيد الله.\n٣ - وجوب الاعتماد على الله بالنصر على الأعداء.\n٤ - أن النصر لا يكون بكثرة العَدَد ولا بقوة العُدَد بل هو من عند الله.\n٥ - أن مَن منّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجبًا لتقوى الله.\n٦ - أن تقوى الله من الشكر لله.","vol":"4","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1166>(إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَل</span>آئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦». [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٦].\n<hr><s0>\n\n(إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ) أي: إذ تقول يا محمد لأصحابك أما يكفيكم أن يعينكم الله بإمداده لكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين.\n• قال ابن كثير: اختلف المفسرون في هذا الوعد: هل كان يوم بَدْر أو يوم أُحُد؟ على قولين:\nأحدهما: أن قوله: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ) متعلق بقوله (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ) ورُوي هذا عن الحسن البصري، وعامر الشعبي، والرَّبِيع بن أنس، وغيرهم. واختاره ابن جرير.\nقال الرازي: وهو قول أكثر المفسرين، أي: أن ذلك يوم بدر.\nفإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية -على هذا القول-وبين قوله تعالى في قصة بدر (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)\nفالجواب: أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، لقوله: (مُردِفِينَ) بمعنى يَرْدَفُهم غيرُهم ويَتْبَعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران. فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، والله أعلم، قال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة: أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف.\nالقول الثاني: أن هذا الوعد متَعَلق بقوله (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) وذلك يوم أحُد.\nوهو قول مجاهد، وعِكْرِمة، والضَّحَّاك، والزهري، وموسى بن عُقبة وغيرهم، لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف؛ لأن المسلمين فرّوا يومئذ -زاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف؛ لقوله (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا) فلم يصبروا، بل فروا، فلم يمدوا بملك واحد. (تفسير ابن كثير).","vol":"4","page":72},{"text":"• قال الرازي: والحجة عليه من وجوه:\nالحجة الأولى: أن يوم بدر إنما أمد رسول الله -ﷺ- بألف من الملائكة قال تعالى في سورة الأنفال (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ إِنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ الملائكة) فكيف يليق ما ذكر فيه ثلاثة آلاف وخمسة آلاف بيوم بدر.\nالحجة الثانية: أنه تعالى قال في هذه الآية (وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاف من الملائكة مُسَومين) والمراد ويأتوكم أعداؤكم من فورهم، ويوم أحد هو اليوم الذي كان يأتيهم الأعداء، فأما يوم بدر فالأعداء ما أتوهم، بل هم ذهبوا إلى الأعداء.\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيَكم أن يُمدَّكُم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة) الآية، هذه الآية تدل على أنّ المدد يوم بدر من الملائكة من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف، وقد ذكر تعالى في سورة الأنفال أنّ هذا المدد ألف بقوله (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ).\nوالجواب عن هذا من وجهين:\nالأول: أنه وعدهم بألف ثم صارت ثلاثة آلاف ثم صارت خمسة كما في هذه الآية.\nالثاني: أن آية الأنفال لم تقتصر على الألف، بل أشارت إلى الزيادة المذكورة في آل عمران، ولا سيما في قراءة نافع (بألف من الملائكة مردَفين) بفتح الدال على صيغة اسم المفعول، لأن معنى (مردفين): متبوعين بغيرهم، وهذا هو الحق، وأما على قول من قال: إن المدد المذكور في آل عمران في يوم أحد، والمذكور في الأنفال في يوم بدر، فلا إشكال على قوله، إلا أن غزوة أحد لم يأت فيها مدد الملائكة. والجواب: أن إتيان المدد فيها على القول به مشروط بالصبر والتقوى في قوله (بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم) الآية، ولمّا لم يصبروا ولم يتقوا لم يأت المدد، وهذا قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم، قاله بن كثير.\n(بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا) يعني: تصبروا على مُصَابرة عَدُوّكم.\n(وَتَتَّقُوا) وتتقوني وتطيعوا أمري.\nكما قال تعالى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).\nوقال تعالى (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ).\nوقال تعالى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).","vol":"4","page":73},{"text":"وقال تعالى (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).\nقال ابن تيمية: فذكر الصبر والتقوى في هذه المواضع الأربعة، فالصبر يدخل فيه الصبر على المقدور، والتقوى يدخل فيها فعل المأمور وترك المحظور.\nقال ابن تيمية: فبين أنه مع الصبر والتقوى يمدهم بالملائكة وينصرهم على أعدائهم الذين يقاتلونهم.\nوقال ﵀: في قوله تعالى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) فبين سبحانه أنه مع التقوى والصبر لا يضر المؤمنين كيد أعدائهم المنافقين.\n(وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا) أي: من وجههم هذا، وقال مجاهد، وعكرمة، وأبو صالح: أي من غضبهم هذا. وقال الضحاك: من غضبهم ووجههم. وقال العَوْفيّ عن ابن عباس: من سفرهم هذا.\n(يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ) أي: معلّمين بالسيما، أي: بعلامات القتال.\n(وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ) أي: نزول الملائكة.\n(إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ) أي: بشارة لكم.\n(وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ) أي: وتطييبًا لقلوبكم وتطمينًا.\n• قال الفخر: أجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار، قال ابن عباس ﵄: لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر وفيما سواه كانوا عددًا ومددًا لا يقاتلون ولا يضربون، وهذا قول الأكثرين.\n• وقال القرطبي: وتظاهرت الروايات بأنّ الملائكة حضرت يوم بَدر وقاتلت.\n• بعض النصوص على شهود الملائكة لغزوة بدر ومباشرتها للقتال.\nقال تعالى (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ).","vol":"4","page":74},{"text":"وقال تعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) وهذا في يوم بدر.\nعن رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ. قَالَ جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ (مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ قَالَ مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا قَالَ وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ) رواه البخاري.\n(وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) أي: وإلا فإنما النصر من عند الله، الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ)، ولهذا قال هاهنا (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) أي: هو ذو العزة التي لا تُرام، والحكمة في قَدره والإحكام.\n• قال القرطبي: نزول الملائكةِ سبب من أسباب النصر لا يحتاج إليه الرب تعالى، وإنما يحتاج إليه المخلوق فلْيَعْلَق القلب بالله ولْيَثِق به، فهو الناصر بسبب وبغير سبب (إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).\nلكن أخبر بذلك ليمتثل الخلقُ ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلًا)، ولا يَقْدَح ذلك في التوَكُّل.\nوهو ردّ على من قال: إن الأسباب إنما سُنّت في حق الضعفاء لا للأقوياء؛ فإنّ النبيّ -ﷺ- وأصحابه كانوا الأقوياء وغيرهم هم الضعفاء؛ وهذا واضِحٌ.\n• قال ابن عاشور: وجملة (وما النصر إلا من عند الله) تذييل أي كلّ نصر هو من الله لا من الملائكة.\nوإجراء وصفي العزيز الحكيم هنا لأنَّهما أولى بالذكر في هذا المقام، لأنّ العزيز ينصر من يريد نصره، والحكيم يعلم من يستحق نصره وكيف يُعطاه.\n• وقال أبو حيان: قوله تعالى (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) حصر كينونة النصر في جهته، لا أنَّ ذلك يكون من تكثير المقاتلة، ولا من إمداد الملائكة.\nوذكر الإمداد بالملائكة تقوية لرجاء النصر لهم، وتثبيتًا لقلوبهم.","vol":"4","page":75},{"text":"وذكر وصف العزة وهو الوصف الدال على الغلبة، ووصف الحكمة وهو الوصف الدال على وضع الأشياء مواضعها من: نصرٍ وخذلان وغير ذلك.\n• وقال السعدي: وفي هذا أن الأسباب لا يعتمد عليها العبد، بل يعتمد على الله، وإنما الأسباب وتوفرها فيها طمأنينة للقلوب وثبات على الخير.\n\n<span data-type='title' id=toc-1167>الفوائد:</span>\n١ - ما كان عليه النبي -ﷺ- من إدخال الأمل في قلوب أصحابه.\n٢ - إثبات الربوبية الخاصة.\n٣ - أن موطن الملائكة السماء.\n٤ - إثبات الملائكة.\n٥ - أن الصبر والتقوى سبب للنصر.\n٦ - أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يتولاه الملائكة.\n٧ - أن إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته.\n٨ - يجب على المرء - مع فعل الأسباب - أن يعتمد على ربه، وأن يؤمل النصر منه.\n٩ - أن النصر والهزيمة تكون على مقتضى حكمة الله.\n١٠ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم.\n١١ - أن من أراد العزة فليطلبها من العزيز القدير.\n١٢ - الاطمئنان لأحكام الله الشرعية والقدرية، لأنها كلها صادرة عن حكمة.","vol":"4","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1168>(لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨».</span> [آل عمران: ١٢٧ - ١٢٨].\n<hr><s0>\n\n(لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: أمركم بالجهاد والجلاد، لما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين. فقال: (لِيَقْطَعَ طَرَفًا) أي: ليهلك أمة (مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فاللام للتعليل، قيل متعلق بقوله (ولقد نصركم الله ببدر) وقيل: متعلق بقوله (وما النصر إلا من عند الله) وقيل: متعلق بمحذوف تقديره: فعل ذلك ليقطع طرفًا.\n(أَوْ يَكْبِتَهُمْ) أي: يخزيهم ويردهم بغيظهم لَمّا لم ينالوا منكم ما أرادوا؛ ولهذا قال (أَوْ يَكْبِتَهُمْ).\n(فَيَنْقَلِبُوا) أي: يرجعوا.\n(خَائِبِينَ) أي: لم يحصلوا على ما أمَّلُوا.\nقال قتادة: فقطع الله يوم بدر طرفًا من الكفار، وقتل صناديدهم.\n• قال ابن عاشور: وقد استقرى أحوال الهزيمة فإنّ فريقًا قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقًا كبتُوا وانقلبوا خائبين، وفريقًا مَنَّ الله عليهم بالإسلام، فأسلموا، وفريقًا عُذّبوا بالموت على الكفر بعد ذلك، أو عذبوا في الدنيا بالذلّ، والصغار، والأسر، والمَنّ عليهم يوم الفتح، بعد أخذ بلدهم و\"أو\" بين هذه الأفعال للتقسيم.\nوهذا القطع والكبت قد مضيا يوم بدر قبل نزول هذه الآية بنحو سنتين، فالتَّعبير عنهما بصيغة المضارع لقصد استحضار الحالة العجيبة في ذلك النصر المبين العزيز النظير.\n(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) أي: بل الأمر كلّه إلي.\nكما قال (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).\nوقال (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).\nوقال (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).\n(أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) أي: مما هم فيه من الكفر ويهديهم بعد الضلالة.\n(أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم؛ ولهذا قال:\n(فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) أي: يستحقون ذلك.","vol":"4","page":77},{"text":"وهذه الآية لها سبب نزول:\nعن ابن عمر. (أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول، إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وفُلانًا\" بعد ما يقول: \"سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ربنا ولك الحمد\" فأنزل الله تعالى (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ) إلى قوله (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) رواه البخاري\nوعن أنس بن مالك (أن رسول الله -ﷺ- كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كَيْفَ يُفْلِحُ قُوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُم؟ فأنزل الله (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ» رواه مسلم.\nوروى الترمذي عن ابن عمر قال: وكان النبيّ -ﷺ- يدعو على أربعة نفر فأنزل الله ﷿ (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ) فهداهم الله للإسلام.\n• قال القرطبي: قال علماؤنا: قوله -﵇- (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم) استبعاد لِتوفيق مَن فَعل ذلك به.\nوقوله تعالى (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ) تقريب لما استبعده وإطماع في إسلامهم، ولما أُطْمع في ذلك قال -ﷺ- (اللَّهُمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله -ﷺ- يحكي نبِيًا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).","vol":"4","page":78},{"text":"قال علماؤنا: فالحاكي في حديث ابن مسعود هو الرسول -﵇-، وهو المحكي عنه؛ بدليل ما قد جاء صريحًا مبَيِّنًا، أنه -﵇- لما كُسرت رَباعيته وشُجّ وجهه يوم أحُد شقّ ذلك على أصحابه شقًّا شديدًا وقالوا: لو دعوت عليهما فقال (إني لم أبعث لَعّانًا ولكني بعثت داعِيًا ورحمة، اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) فكأنه -﵇- أوحي إليه بذلك قبل وقوع قضية أحُد، ولم يعيّن له ذلك النّبيّ؛ فلما وقع له ذلك تَعيَّن أنه المعنيُّ بذلك بدليل ما ذكرنا.\nويُبيِّنه أيضًا ما قاله عمر له في بعض كلامه: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! لقد دعا نوح على قومه فقال: (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّارًا) الآية، ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا؛ فقد وُطِئ ظهرك وأدْمي وجهك وكُسِرت ربَاعيتك فأبيت أن تقول إلاَّ خيرًا، فقلت (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).\n\n<span data-type='title' id=toc-1169>الفوائد:</span>\n١ - إثبات الحكمة لله تعالى في أفعاله وتشريعاته.\n٢ - أن الله يسلط المؤمنين على الكافرين ليقطع طرفًا منهم.\n٣ - أهمية الجهاد في سبيل الله.\n٤ - بيان الحكمة من قتال الكفار.\n٥ - أن النبي -ﷺ- لا يملك شيئًا من الأمر الكوني.\n٦ - الرد على الذين يتعلقون بالرسول -ﷺ- في الدعاء والاستغاثة.\n٧ - أن النبي -ﷺ- مكلف، يأمره الله وينهاه.\n٨ - أن الله قد يتوب على بعض الكفار.\n٩ - أن الله لا يعذب إلا بذنب.","vol":"4","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1170>(وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٢٩».</span> [آل عمران: ١٢٩].\n<hr><s0>\n\n(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: كل ما في السماوات والأرض له ﷾ خلقًا وملكًا وتدبيرًا. (تقدم تفسيرها [١٠٩]).\n• قال ابن جرير: أي أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون آلهة ومعبود.\n• وقال ابن كثير: إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.\n• وقال أبو بكر الجزائري: خلقًا وملكًا وتصرفًا.\n• وقال الرازي: إن المقصود من هذا تأكيد ما ذكره أولًا من قوله (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْء) والمعنى أن الأمر إنما يكون لمن له الملك، وملك السموات والأرض وليس إلا لله تعالى فالأمر في السموات والأرض ليس إلا لله، وهذا برهان قاطع.\n• قوله تعالى (السَّمَاوَاتِ) هذا جمع، وقد صرح الله في القرآن بأن السموات سبع كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) وقال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا).\n• قوله تعالى (والأرض) جاء في القرآن التلميح بأنها سبع في قوله تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) أي في العدد، وجاءت في السنة التصريح بأنها سبع في قوله -ﷺ- (من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أراضين) متفق عليه.\n(يَغْفِرُ) برحمته.\n(لِمَنْ يَشَاءُ) من العصاة.\nالمغفرة: هي ستر الذنب والتجاوز عنه، فالله تعالى يغفر لمن يشاء من عباده، وهذه الآية مقيدة بالحكمة، أي: من اقتضت حكمته أن يغفر له غفر له، لأن جميع أفعال الله لحكمة، لأن الفعل لغير حكمة نقص وعبث والله منزه عن كل نقص وعبث.\nوأيضًا مقيدة بما عدا الشرك، فإن الله يقول (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).\n(وَيُعَذِّبُ) بعدله.\n(مَنْ يَشَاءُ) من عباده.","vol":"4","page":80},{"text":"يعني أنه ليس لأحد عليه حق يوجب عليه أن يغفر له، وليس لأحد عليه حق يمنعه من أن يعذبه، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة.\n(وَاللَّهُ غَفُورٌ) غفور لما صدر من عباده من الذنوب، والإحلال بالآداب.\nوالغفور اسم من أسماء الله متضمن للمغفرة الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).\nوالمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله -ﷺ- قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه -﷿- حتى يضع كنفه -أي ستره ورحمته- فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم). رواه البخاري ومسلم\nومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام.\n• فهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك وسع لمغفرة).\nوقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى).\nبل من فضله وجود وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).","vol":"4","page":81},{"text":"(رَحِيمٌ) اسم من أسماء الله، متضمن لصفة الرحمة لله الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ).\nفالله رحيم بعباده حيث لم يعاجلهم بذنوبهم بالعقوبات والميلات.\n• قال أبو حيان: قوله تعالى (والله غفور رحيم) في هذه الجملة ترجيح لجهة الإحسان والإنعام.\n\n<span data-type='title' id=toc-1171>الفوائد:</span>\n١ - بيان عموم ملك الله ﷾.\n٢ - الرضا بقضاء الله وقدره وعدم الاعتراض، لأن كل ما في السماوات والأرض ملك له.\n٣ - إثبات أن السماوات متعددة.\n٤ - إثبات المغفرة لله لقوله (يغفر) وإثبات التعذيب لقوله (يعذب)، ويتفرع لهاتين الفائدتين إثبات تمام سلطانه في ملكه.\n٥ - إثبات المشيئة لله لقوله (لمن يشاء) وقوله (ويعذب من يشاء).\n٦ - إثبات الاسمين الكريمين من أسماء الله وهما (الغفور الرحيم) وإثبات ما تضمنتاه من صفة وهي المغفرة والرحمة.","vol":"4","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1172>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠».</span> [آل عمران: ١٣٠].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافًا مضاعفة، كما كانوا يقولون في الجاهلية -إذا حَلّ أجل الدين: إما أن يَقْضِي وإمّا أن يُرْبِي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده الآخَر في القَدْر، وهكذا كلّ عام، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرًا مضاعفًا.\n• قال الرازي: كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل، فإذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجدًا لذلك المال قال زد في المال حتى أزيد في الأجل فربما جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل ذلك، ثم إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله (أضعافا مضاعفة).\n• وقال ابن عطية: قوله تعالى (أضعافًا) نصب في موضع الحال، ومعناه: الربا الذي كانت العرب تضعف فيه الدين، فكان الطالب يقول: أتقضي أم تربي؟ وقوله (مضاعفة) إشارة إلى تكرار التضعيف عامًا بعد عام، كما كانوا يصنعون، فدلت هذه العبارة المؤكدة على شنعة فعلهم وقبحه، ولذلك ذكرت حال التضعيف خاصة، وقد حرم الله جميع أنواع الربا، فهذا هو مفهوم الخطاب إذ المسكوت عنه من الربا في حكم المذكور، وأيضًا فإن الربا يدخل جميع أنواعه التضعيف والزيادة على وجوه مختلفة من العين أو من التأخير ونحوه.\n• قال الشوكاني: قوله تعالى (أضعافا مضاعفة) ليس لتقييد النهي لما هو معلوم من تحريم الربا على كل حال، ولكنه جيء به باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في الربا، فإنهم كانوا يربون إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في المال مقدارًا يتراضون عليه، ثم يزيدون في أجل الدّين، فكانوا يفعلون ذلك مرّة بعد مرّة حتى يأخذ المربي أضعاف دينه الذي كان له في الابتداء؛ وأضعافًا حال، ومضاعفة نعت له.\n• وقال الشيخ ابن عثيمين: الصحيح أن هذا القيد لا مفهوم له، لأن هذا بناء على الواقع الغالب، وما كان كذلك فإنه لا مفهوم له.\n• قال القرطبي: وإنما خص الربا من بين سائر المعاصي؛ لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ) والحرب يؤذِن بالقتل؛ فكأنه يقول: إِن لم تتقوا الربا هُزِمتم وقُتلتم.\nفأمرهم بترك الربا؛ لأنه كان معمولًا به عندهم، والله أعلم.\n• قوله تعالى (لا تأكلوا) خص الأكل لأنه معظم الأمر، كما قال (الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْمًا) وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه، ولكنه نبّه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله (وَلَا تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل).\n(وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: احذروا عقابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ومن ذلك اجتناب الربا بجميع أشكاله.\n(لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: لأجل أن تفلحوا، وتفوزوا وتحصلوا على المطلوب، وهي الجنة غاية المطالب، وتنجو من المرهوب وهي النار.","vol":"4","page":83},{"text":"فالفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب.\nفتقوى الله سبب للفلاح (وقد تقدم فضائل وثمرات التقوى).\n• قال الشنقيطي: (لعل) تأتي في القرآن بمعنيين، قال بعض العلماء: هي على الترجي، ولكن الترجي بحسب ما يظهر للناس، أما الله فهو عالم بما كان فلا يصدق عليه الترجي كقوله لموسى وهارون (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) أي: على رجائِكما وعلم بني آدم القاصر، أما الله فهو عالم أنه لا يذكر ولا يخشى.\nالثاني: ما قاله بعض العلماء: إن كل (لعل) في القرآن مشتملّة معنى التعليل بمعنى (لأجل) وعليه فـ (لعلكم تذكرون)، لأجل أن تتذكروا وتتعظوا بآياتنا وغرائب صنعنا وعجائبنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1173>الفوائد:</span>\n١ - تحريم الربا.\n٢ - تحريم الربا الجاهلي.\n٣ - تعظيم شأن الربا وخطره.\n٤ - أن اجتناب الربا من مقتضيات الإيمان.\n٥ - أن أكل الربا منقص للإيمان.","vol":"4","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1174>(وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١».</span> [آل عمران: ١٣١].\n<hr><s0>\n\n(وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) أي فخافوا النار واتقوها واحذروها فإنها دار الكافرين، واجعلوا بينكم وبين عذابها وقاية، والوقاية من النار تكون بالإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر.\n• وقد أمر الله باتقائها في آيات كثيرة:\nفقال تعالى (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).\nوقال تعالى (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى).\nوقال تعالى (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ. إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ. نذيرًا للبشر) قال الحسن البصري: والله ما أُنذر العباد بشيء قط أدهى منها.\nوقال -ﷺ- (اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة) متفق عليه.\nواتقاء النار يكون: بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه.\n• قوله تعالى (فاتقوا النار) ينبغي على المسلم أن يحذر من النار وأن يتقيها كما أمر الله ﷿.\nفقد أمر الله باتقائها كما في هذه الآية.\nوأمر -ﷺ- بالاستعاذة منها. كما قال -ﷺ- (استعيذوا بالله من عذاب جهنم) متفق عليه.\nوكان -ﷺ- يقول في صلاته (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) متفق عليه.\nومن صفات عباد الله الخوف منها، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا)","vol":"4","page":85},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1175> هناك أعمال تنجي من النار منها:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1176>أولًا: الإيمان بالله.</span>\nقال تعالى (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار).\n\n<span data-type='title' id=toc-1177>ثانيًا: الصيام.</span>\nقال -ﷺ- (الصيام جُنة يستجن به من النار) رواه أحمد.\nوقال -ﷺ- (من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1178>ثالثًا: البكاء من خشية الله.</span>\nقال -ﷺ- (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) رواه الترمذي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1179>رابعًا: الاستجارة بالله من النار.</span>\nكما قال -ﷺ- (ما سأل أحد الله ثلاثًا إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ولا استجار رجل مسلم من النار ثلاثًا إلا قالت النار: اللهم أجره مني) رواه الترمذي.\n• وفي هذه الآية دليل على أن النار مخلوقة ردًا على الجَهْمِية؛ لأن المعدوم لا يكون مُعَدًا، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، والأدلة على ذلك كثيرة جدًا.\nقال تعالى في الجنة (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).\nوقال تعالى في النار (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) ومعنى أعدت: هيئت.\nوعن أنس. قال: قال رسول الله -ﷺ- (وأيم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا؟ قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار) متفق عليه.\nومنها حديث الكسوف وفيه (… إني رأيت الجنة فتناولت عنقودًا لو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع …) متفق عليه.","vol":"4","page":86},{"text":"وعن عبد الله بن عمر. أن رسول الله -ﷺ- قال (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) متفق عليه.\nوعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها، … فلما خلق الله النار قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها … الحديث). رواه أبو داود\nوفي حديث البراء الطويل في عذاب القبر وفيه (… أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من طيبها ويفسح له في قبره مد بصره) رواه أبو داود.\nوعن أسامة قال: قال رسول الله -ﷺ- (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء) متفق عليه.\nوالأدلة كثيرة أكتفي بذكر ما مضى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1180>الفوائد:</span>\n١ - إثبات النار.\n٢ - وجوب اتقاء النار.\n٣ - أن أهل النار هم الكافرون.","vol":"4","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1181>(وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢».</span> [آل عمران: ١٣٢].\n<hr><s0>\n\n(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) أي: أطيعوا الله والرسول فيما يأمركم به وينهاكم عنه، فإن طاعة الرسول طاعة الله قال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله).\n• والطاعة: موافقة الأمر، فعلًا للمأمور، وتركًا للمحظور.\n• والمراد بالرسول: محمد -ﷺ-، لأن الخطاب موجه لهذه الأمة.\n(لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي: لأجل أن ترحمون، ف (لعل) هنا للتعليل.\n• فطاعة الله وطاعة رسوله سبب للرحمة، التي بها حصول المطلوب وزوال المكروه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1182> فضائل طاعة الله ورسوله:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1183>أولًا: سبب للرحمة.</span>\nقال تعالى (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1184>ثانيًا: مع الذين أنعم الله عليهم.</span>\nقال تعالى (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1185>ثالثًا: سبب للحياة الحقيقية.</span>\nقال تعالى (اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1186>رابعًا: سبب للهداية.</span>\nقال تعالى (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1187>الفوائد:</span>\n١ - وجوب طاعة الله ورسوله.\n٢ - أن طاعة الله ورسوله سبب للرحمة.\nالأحد ٨/ ١٠/ ١٤٣٣ هـ","vol":"4","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1188>(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤».</span> [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].\n<hr><s0>\n\n(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ) أي: إلى أسبابهما من الأعمال الصالحة.\n• قال ابن الجوزي: ومعنى الآية: بادروا إلى ما يوجب المغفرة.\n• وقال الرازي: في الكلام حذف والمعنى: وسارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم ولا شك أن الموجب للمغفرة ليس إلا فعل المأمورات وترك المنهيات، فكان هذا أمرًا بالمسارعة إلى فعل المأمورات وترك المنهيات.\nوتقديم المغفرة على الجنة لما أن التخلية مقدمة على التحلية.\n(وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) تقديره كعرض فحذف المضاف؛ كقوله (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) أي إِلا كخلق نفس واحدة وبعثها، ونظيره في سورة الحديد (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض). (تفسير القرطبي).\nقال ابن كثير: وقد قيل: إن معنى قوله (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ) تنبيها على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة (بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) أي: فما ظنك بالظهائر؟\nوقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المُقَبَّب والمستدير عَرْضُه كطوله، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح (إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الجنة فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَن)\nوهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) الآية.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) واختلف العلماء في تأويله؛ فقال ابن عباس: تُقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض؛ فذلك عرض الجنة، ولا يعلم طولها إلا الله.\nوهذا قول الجمهور، وذلك لا ينكر؛ فإن في حديث أبي ذرّ عن النبي -ﷺ- (ما السموات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاةٍ من الأرض وما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض) فهذه مخلوقات أعظم بكثير جدًا من السموات والأرض، وقدرة الله أعظم من ذلك كله.","vol":"4","page":89},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1189> معنى المسارعة إلى الخيرات:</span>\nهي المبادرة إلى الطاعات والسبق إليها والاستعجال في أدائها وعدم الإبطاء فيها أو تأخيرها.\nقال القرطبي في قوله تعالى (ويسارعون في الخيرات) التي يعملونها مبادرين غير متثاقلين لمعرفتهم بقدر ثوابهم وقيل يبادرون بالعمل قبل الفوت.\nوقال السعدي: والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات، فإن الاستباق إليها يتضمن فعلها وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1190>فضائل المسارعة إلى الخيرات:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1191>أولًا: أنها استجابة لله ورسوله.</span>\nقال تعالى (وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ).\nوقال تعالى (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).\nوقال تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم).\nوقال تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا).","vol":"4","page":90},{"text":"وقال تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون).\nوقال -ﷺ- (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّة) رواه مسلم\nوقال -ﷺ- (التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1192>ثانيًا: أن الله مدح المسارعين بالخيرات وبين أن عاقبتهم الفلاح في الدنيا والنعيم الذي لا يزول في الآخرة.</span>\nفقال تعالى في مدح أهل الكتاب الذين يتبعون آيات الله والمسارعين بالخيرات (يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِين).\n\n<span data-type='title' id=toc-1193>ثالثًا: أن المسارعة في الخيرات من أسباب استجابة الدعاء.</span>\nقال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1194>رابعًا: أن المسارعة في الخيرات من صفات الموحدين الذين هم من خشية ربهم مشفقون.</span>\nقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ. أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُون).\nوقال تعالى بعد ذكره للعديد من الأنبياء (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1195>خامسًا: أنها دليل على علو الهمة.</span>\nقال تعالى (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ).\nوقال تعالى (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ).\nوقال -ﷺ- (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس) رواه البخاري.","vol":"4","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1196>سادسًا: الدخول إلى الجنة:</span>\nقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ).\nالسابقون في الدنيا إلى الخيرات سبقوا في الآخرة إلى الجنات فإن السبق هناك على قدر السبق هنا.\n• قود كان الرسول -ﷺ- صحابته يبادرون للخيرات:\nفقد ثبت في البخاري عن عقبة بن الحارث قال (صليتُ وراء النبي -ﷺ- بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعًا فتخطى رقاب الناس إلى\nبعض حُجَر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، قال: ذكرت شيئًا من تِبْرٍ عندنا، فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته) [التبر: قطع ذهب أو فضة].\nوعن ربيعة بن كعب قال (كنت أبيت مع رسول الله -ﷺ- فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سلني، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم.\nوعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. فَقَالَ «وَمَا ذَاكَ». قَالُوا يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونُ وَلَا نَتَصَدَّقُ وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ». قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً». قَالَ أَبُو صَالِحٍ فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) رواه مسلم.","vol":"4","page":92},{"text":"قال ابن القيم: … كما كان أصحاب رسول الله -ﷺ- يتنافسون في الخير ويفرح بعضهم ببعض باشتراكهم فيه، بل يحض بعضهم بعضًا، وهي نوع من المسابقة، وقد قال تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض).\nوعن عبد الله بن عمرو (أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله -ﷺ-: قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعط) رواه أبوداود.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1197> ومن المسارعة إلى الخيرات التأسف على فواتها، ومن الأمثلة على ذلك:</span>\nأولًا: ما جاء في الحديث السابق: حيث كان الفقراء يحزنون على ما يتعذر عليهم فعله من الخير مما يقدر عليه غيرهم.\nثانيًا: الحزن على التخلف عن الخروج في الجهاد لعدم القدرة على آلته.\nكما قال تعالى (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون).\nثالثًا: التأسف على فعل الطاعة.\nفإن ابن عمر لما بلغه حديث (من شهد الجنازة حتى تدفن فله قيراط، ومن شهدها حتى يصلى عليها فله قيراطان) قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1198> لماذا ينبغي نبادر ونسارع إلى الخيرات؟</span>\n<span data-type='title' id=toc-1199>أولًا: استجابة لأمر الله ورسوله.</span>\nكما في الآيات والأحاديث التي سبقت، وقد تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ …).\n\n<span data-type='title' id=toc-1200>ثانيًا: قبل حدوث الشواغل من فقر أو موت أو هرم </span>أو ....\nكما في الحديث قال -ﷺ- (بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنتظرون إلا فقْرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو موتًا مجهزًا …) رواه الترمذي وفيه ضعف.\nوفي الحديث قال -ﷺ- (اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، …) رواه الحاكم.\nفالإنسان اذا انشغل بفقره لا يستطيع أن يؤدي ويسارع للأعمال الصالحات، وكذا إذا مرض، فإنه ينشغل بمرضه، وكذا لا يدري متى يأتيه الموت، فالموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل.","vol":"4","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1201>ثالثًا: قبل الفتن المانعة من العمل.</span>\nكما قال -ﷺ- (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا) رواه مسلم.\nفالإنسان ينبغي أن يبادر بالأعمال الصالحة قبل وقوع الفتن فينشغل بها، فتشغله عن التفرغ للعمل الصالح، كما هو حال كثير من الناس\nالآن، وأيضًا العمل الصالحة سبب للنجاة من الفتن، ولهذا قال (بادروا بالأعمال - أي الصالحة - فتنًا، أي، قبل وقوع الفتن، فالعمل الصالح من إخلاص لله ومتابعة للرسول وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وصلاة وخاصة بالليل وغيره سبب للنجاة من الفتن إذا حدثت وانتشرت، ولهذا قام النبي -ﷺ- ليلة من الليل فزعًا وهو يقول: من يوقظ صواحب الحجرات كي يصلين، ما أنزل الليلة من الفتن).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1202> من أقوال السلف:</span>\nقال عمر بن عبد العزيز: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.\nوقال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها فإنه لو جاء وقت نفاقها لم تصلوا فيها إلى قليل ولا كثير.\nوكان أبو بكر بن عياش يقول: لو سقط من أحدكم درهم لظل يومه يقول: إنا لله ذهب درهمي وهو يذهب عمره ولا يقول: ذهب عمري وقد كان لله أقوام يبادرون الأوقات ويحفظون الساعات ويلازمونها بالطاعات.\nوقال سعيد بن المسيب: ما تركت الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة.\nوكان سعيد بن جبير يختم القرآن في ليلتين.","vol":"4","page":94},{"text":"وقيل لعمرو بن هانئ: لا نرى لسانك يفتر من الذكر فكم تسبح كل يوم؟ قال: مائة ألف إلا ما تخطيء الأصابع.\nوصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها وكان الليل كله يبكي فتقول له أمه: يا بني قتلت قتيلًا فيقول: أنا أعلم بما صنعت نفسي.\nقال الجماني: لما حضرت أبو بكر بن عياش الوفاة بكت أخته فقال: لا تبك وأشار إلى زاوية في البيت إنه قد ختم أخوك في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة.\nمن قدم اليوم شيئًا قدم عليه غدًا، ومن لم يقدم شيئًا قدم على غير شيء، قيل لبعضهم جمع فلان مالًا؟ قال: هل جمع عمرًا ينفقه فيه، قالوا: لا، قال: ما جمع شيئًا.\nوقال بعض السلف: اعمل للدنيا على قدر مكثك فيها، واعمل للآخرة على قدر مكثك فيها.\n(أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) أي: هيئت للمتقين، الذين اتقوا ربهم بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\nوفي هذا فضل عظيم للمتقين، وأن التقوى سبب لدخول الجنة.\nكما قال تعالى (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ).\nوقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ).\nوقال تعالى (وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ).\nوقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ).\nوفي الحديث قال -ﷺ- عندما سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال (تقوى الله وحسن الخلق) رواه الترمذي.\n[وقد تقدمت فضائل التقوى].","vol":"4","page":95},{"text":"ثم ذكر تعالى صفات المتقين فقال:\n(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) أي: في الشدة ولرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال كما قال تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).\n• قال ابن الجوزي: ومعنى الآية: أنهم رغبوا في معاملة الله، فلم يبطرهم الرخاء فينسيهم، ولم تمنعهم الضراء فيبخلوا.\n• وقال ابن كثير: والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) وكأنّ الجمعَ بينهما هنا لأنّ السرّاء فيها ملهاة عن الفكرة في شأن غيرهم، والضرّاء فيها ملهاة وقلّة مَوجدة.\nفملازمة الإنفاق في هذين الحالين تَدلّ على أنّ محبَّة نفع الغير بالمال، الَّذي هو عزيز على النَّفس، قد صارت لهم خلقًا لا يحجبهم عنه\nحاجب ولا ينشأ ذلك إلاّ عن نفس طاهرة.\n• قال الرازي: وإنما افتتح الله بذكر الإنفاق لأنه طاعة شاقة، ولأنه كان في ذلك الوقت أشرف الطاعات لأجل الحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين.","vol":"4","page":96},{"text":"(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) الذين يكفون غيظهم عن الإمضاء ويردون غيظهم في أجوافهم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1203> أسباب كظم الغيظ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1204>أولًا: معرفة الفضل العظيم لمن كظم غيظه.</span>\n<span data-type='title' id=toc-1205>أ- الفوز بمحبة الله.</span>\nقال تعالى (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) ومرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الدين.\nوقال تعالى (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1206>ب-ترك الغضب سبب لدخول الجنة.</span>\nعن أبي الدرداء -﵁- قال: (قلت: يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: «لا تغضب! ولك الجنة). رواه الطبراني\n\n<span data-type='title' id=toc-1207>ج-المباهاة به على رؤوس الخلائق.</span>\nعن معاذ بن أنس. قال: قال -ﷺ- (مَن كظم غيظًا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيِّره في أي الحور شاء) رواه أبو داود.\n\n<span data-type='title' id=toc-1208>د- زيادة الإيمان.</span>\nقال النبي -ﷺ- (… وما من جرعة أحب إليَّ من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا) رواه ابن ماجه\nقال ابن تيمية: ما تجرع عبد جرعة أعظم من جرعة حِلْم عند الغضب، وجرعة صبر عند المصيبة؛ وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم، وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم، والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب، وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار الحزن، ولهذا يحمرُّ الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة، ويصفرُّ عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز.","vol":"4","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1209>ثانيًا: الاستعاذة بالله من الشيطان.</span>\nقال تعالى (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ).\nعن سليمان بن صرد -﵁- قال (كنت جالسًا مع النبي -ﷺ- ورجلان يستبان؛ فأحدهما احمرَّ وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال النبي -ﷺ-: إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد؛ لو قال: أعوذ بالله من الشيطان؛ ذهب عنه ما يجد» فقالوا له: إن النبي -ﷺ- قال: تعوَّذْ بالله من الشيطان) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1210>ثالثًا: تغيير الحال.</span>\nعن أبي ذر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس؛ فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع).\n\n<span data-type='title' id=toc-1211>رابعًا: ترك المخاصمة والسكوت.</span>\nعن ابن عباس. عن النبي -ﷺ- أنه قال (علِّموا وبشِّروا ولا تعسروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت) رواه أحمد.\nقال ابن رجب: وهذا أيضًا دواء عظيم للغضب؛ لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرًا، من السباب وغيره مما يعظم ضرره، فإذا سكت زال هذا الشر كله عنده، وما أحسن قول مورق العجلي ﵀: ما امتلأتُ غضبًا قط ولا تكلمتُ في غضب قط بما أندم عليه إذا رضيت.\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ومن الأمور النافعة أن تعلم أن أذية الناس لك وخصوصًا في الأقوال السيئة لا تضرك بل تضرهم؛ إلا\nإن أشغلت نفسك في الاهتمام بها، وسوغت لها أن تملك مشاعرك؛ فعند ذلك تضرك كما ضرتهم؛ فإن أنت لم تصنع لها بالًا، لم تضرك شيئًا.","vol":"4","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1212>خامسًا: الوضوء.</span>\nعن عطية السعدي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- (إن الغضب من الشيطان؛ وإن الشيطان خُلِقَ من النار، وإنما تُطْفَأ النار بالماء؛ فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) رواه أبو داود.\n\n<span data-type='title' id=toc-1213>سادسًا: الإكثار من ذكر الله.</span>\nقال تعالى (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).\nفمن اطمأن قلبه بذكر الله تعالى كان أبعد ما يكون عن الغضب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1214>سابعًا: العمل بوصية رسول الله -ﷺ</span>-.\nعن أبي هريرة (أن رجلًا قال للنبي -ﷺ- أوصني! قال: «لا تغضب!» فردد مرارًا قال «لا تغضب) رواه البخاري.\nوهنيئًا لمن امتثل هذه الوصية وعمل بها، ولا شك أنها وصية جامعة مانعة لجميع المسلمين.\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى-: «هذا الرجل ظن أنها وصية بأمر جزئي، وهو يريد أن يوصيه النبي -ﷺ- بكلام كلي، ولهذا ردد.","vol":"4","page":99},{"text":"فلما أعاد عليه النبي -ﷺ- عرف أن هذا كلام جامع، وهو كذلك؛ فإن قوله: «لا تغضب» يتضمن أمرين عظيمين:\nأحدهما: الأمر بفعل الأسباب والتمرن على حسن الخلق والحلم والصبر، وتوطين النفس على ما يصيب الإنسان من الخلق، من الأذى القولي والفعلي؛ فإذا وفق لها العبد، وورد عليه وارد الغضب، احتمله بحسن خلقه، وتلقَّاه بحلمه وصبره، ومعرفته بحسن عواقبه؛ فإن الأمر بالشيء أمر به، وبما لا يتم إلا به، والنهي عن الشيء أمر بضده، وأمر بفعل الأسباب التي تعين العبد على اجتناب المنهي عنه، وهذا منه.\nالثاني: الأمر بعد الغضب أن لا ينفذ غضبه: فإن الغضب غالبًا لا يتمكن الإنسان من دفعه ورده، ولكنه يتمكن من عدم تنفيذه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1215>ثامنًا: أن تعلم أن القوة في كظم الغيظ ورده.</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال (ليس الشديد بالصُّرَعة؛ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) متفق عليه.\nقال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: «أي مالك نفسه أوْلى أن يسمى شديدًا من الذي يصرع الرجال.\nوقال ابن تيمية: ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح؛ فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد.\nوعن أنس -﵁- (أن النبي -ﷺ- مر بقوم يصطرعون فقال: «ما هذا»؟ فقالوا: يا رسول الله! فلان ما يصارع أحدًا إلا صرعه، فقال رسول الله -ﷺ-: أفلا أدلكم على مَن هو أشد منه: رجل ظلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه).","vol":"4","page":100},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1216> من أقوال السلف في الغضب:</span>\nوقال أحد السلف: إياك والغضب، فإنه يصيرك إلى ذل الاعتذار.\nوقال بعضهم: عجبًا لمن قيل فيه السوء وهو فيه كيف يغضب!، وعجبًا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح!\nوقال مورق العجلي: ما قلت في الغضب شيئًا إلا ندمت عليه في الرضا.\nوكان الشعبي ينشد:\nليست الأحلام في حال الرضا إنما الأحلام في حال الغضب.\nوكان ابن عون إذا اشتد غضبه على أحد قال: بارك الله فيك ولم يزد.\nوقال الفضيل بن عياض: أنا منذ خمسين سنة أطلب صديقًا إذا غضب لا يكذب عليّ ما أجده.\nوقال جعفر بن محمد: الغضب مفتاح كل شر.\nوقيل لابن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة: قال: ترك الغضب.\nوروي أن معاوية بن أبي سفيان قال لعرابة بن أوس: بم سدت قومك يا عرابة؟ فقال عرابة: يا أمير المؤمنين كنت أحلم عن جاهلهم، وأعطي سائلهم، وأسعى في حوائجهم، فمن فعل منهم فعلي فهو مثلي، ومن جاوزني فهو أفضل مني، ومن قصر عني فأنا خير منه.\nوممن اشتهر بالحلم وعدم الغضب الأحنف بن قيس وكان يقال: أحلم من أحنف.\nقيل عاشت بنو تميم بحلم الأحنف أربعين سنة.\n(وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) أي: الذين يعفون عمن أساء لهم.","vol":"4","page":101},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1217> ثمرات العفو:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1218>أولًا: أن فيه استجابة لأمر الله تعالى وطاعة لله ورسوله.</span>\nقال تعالى (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ).\nوقال تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ).\nوقال تعالى (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1219>ثانيًا: وهو يورث العز في الدنيا والآخرة.</span>\nقال -ﷺ- (وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1220>ثالثًا: وهو يورث محبة الله ﷿.</span>\nقال تعالى (الذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1221>رابعًا: يجلب الأجر الجزيل من الله تعالى.</span>\nقال تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).\nقال السعدي: وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1222>خامسًا: يوجب عفو الله عن العبد يوم القيامة.</span>\nففي الحديث (كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه لعل الله يتجاوز عنا فلقي الله فتجاوز عنه) متفق عليه.","vol":"4","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1223>سادسًا: وهو من صفات الرسول -ﷺ</span>-.\nكما قال عبد اللّه بن عمرو: إني أرى صفة رسول اللّه -ﷺ- في الكتب المتقدمة (أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) رواه البخاري.\n\n<span data-type='title' id=toc-1224>سابعًا: سبب لمغفرة الذنوب.</span>\nقال تعالى (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1225>ثامنًا: من صفات المتقين.</span>\nقال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).\nوأعظم سبب يقود للعفو عن الناس، ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته النفيسة (قاعدة في الصبر) الأسباب التي تُعين المسلم على الصبر على أذى الناس قال: الثالث: أنْ يَشْهَدَ العبدُ حُسْنَ الثواب الذي وعده الله لمن عفى وصبر، كما قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1226> من أقوال السلف:</span>\nقال عمر: كل الناس في حل مني.\nقال الحسن: أفضل أخلاق المؤمن العفو.\nوعن أيوب قال: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عنهم.\nوهذا زين العابدين بن علي -﵁- أتت جاريته تصب الماء عليه فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه فقالت: والكاظمين الغيظ فقال: كظمت غيظي، قالت: والعافين عن الناس قال: عفوت عنك، قالت: والله يحب المحسنين، قال: أنت حرة لوجه الله.","vol":"4","page":103},{"text":"قال ابن حبان: الواجب على العاقل توطين النفس على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة! إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسنُ من الإحسان، ولا سبب لنماءِ الإساءة وتهييجها أشدُّ من الاستعمال بمثلها.\nوقال عمر بن عبد العزيز: أحب الأمور إلى الله ثلاثة: العفو في القدرة، والقصد في الجدة، والرفق في العبادة، وما رفق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة.\nوراحت النفس في العفو: فقد قال أحد الشعراء:\nلما عفوت، ولم أحقد على أحدٍ … أرحت قلبي من غم العداوات\nإني أحي عدوي عند رؤيته … لأدفع الشر عني بالتحيات\nوأظهر البشر للإنسان أبغضه … كأنما قد حشى قلبي محبات.\nأبو الدرداء، سُئل أبو الدرداء - ﵁ - عن أعز الناس؟ قال: الذي يعفو إذا قدر، فاعفوا يعزكم الله.\nقال علي: إذا قدرت على عدوك، فاجعل العفو عنه، شكرًا للقدرة عليه.\nقال معاوية: عليكم بالِحلْم والاحتمال حتى يُمْكِنُكُمُ الفُرصةُ، فإذا أمكنكم؛ فعليكم بالصفح والإفضال.\nقال الحسن: أفضلُ أخلاق المؤمن العفو.\nقال سعيد بن المسيب: ما من شيء إلا والله يُحبُّ أن يُعفَى عنه ما لم يكن حدًا.\nقال الأحنف: إياكم ورأي الأوغاد، قالوا وما رأى الأوغاد؟ قال الذين يرون الصفح والعفو عارًا.\nنبينا هو القدوة في العفو عن الناس.\nعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَزْوَةَ نَجْدٍ، فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ وَهُوَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَاسْتَظَلَّ بِهَا، وَعَلَّقَ سَيْفَهُ؛ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الشَّجَرِ يَسْتَظِلُّونَ، وَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ فَجِئْنَا فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاخْتَرَطَ سَيْفِي فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي مُخْتَرِطٌ سيفي صَلْتًا، قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُ، فَشَامَهُ ثُمَّ قَعَدَ، فَهُوَ هَذَا قَالَ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ) متفق عليه\nوعن عُرْوَةَ بن الزبير أَنَّ عَائِشَةَ -﵂- زَوْجَ النَّبِيِّ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَال: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ؛ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) متفق عليه.","vol":"4","page":104},{"text":"وعن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود -﵁- قال (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) متفق عليه.\nوعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ (كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جذب جَبْذَةً\nشَدِيدَةً، قَالَ أَنَسٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ) متفق عليه.\nوعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلاَّ أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ - ﷿) رواه مسلم.\nعفو الرسول عن المرأة اليهودية، روى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- (أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ النَّبِيَّ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا فَقِيلَ أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ لَا، فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ) رواه البخاري.\nعفو الرسول عن أهل مكة، لما فتح الرسول مكة، اجتمع له أهلها عند الكعبة، ثُمّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا تُرَوْنَ أَنّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟ قَالُوا خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطّلَقَاءُ.","vol":"4","page":105},{"text":"(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) الذين يحسنون في معاملتهم مع الله، ومع الخلق.\nوهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال، ويدخل فيه الإحسان بالجاه، وبالشفاعة ونحو ذلك، وتعليم العلم النافع، وقضاء حوائج الناس من تفريج كرباتهم، وإزالة شدائدهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم.\nويدخل في ذلك الإحسان في عبادة الله، إخلاصًا لله تعالى، ومتابعة للرسول -ﷺ-، كما قال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) وقال تعالى (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ).\nفالإحسان في عبادة الله: أن تقوم بالعمل متقنًا فيه إخلاصًا ومتابعة.\nوالإحسان إلى المخلوق: بأداء حقوقهم الواجبة والمستحبة، وأن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك.\nقال السعدي: والإحسان نوعان:\nالإحسان في عبادة الخالق، والإحسان إلى المخلوق.\nفالإحسان في عبادة الخالق: فسرها النبي -ﷺ- بقوله (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).\nوأما الإحسان إلى المخلوق: فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم، ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم، فيدخل في ذلك أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليم جاهلهم، ووعظ غافلهم، والنصيحة لعامتهم وخاصتهم، والسعي في جمع كلمتهم، وإيصال الصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة إليهم، على اختلاف أحوالهم وتباين أوصافهم، فيدخل في ذلك بذل الندى وكف الأذى، واحتمال الأذى، كما وصف الله به المتقين في هذه الآيات، فمن قام بهذه الأمور، فقد قام بحق الله وحق عبيده. (تفسير السعدي)\n• وأعظم دافع للإحسان مراقبة الله تعالى، ولذلك قال النبي -ﷺ- في تعريفه (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تره فإنه يراك)\nوسؤال جبريل هذا ليعلم أصحاب النبي -ﷺ- معنى الإحسان، وأن إحسان العمل إنما يكون لمن راقب الله وعلم يقينيًا أن الله مطلع عليه.\nلأن الإحسان هو الغاية التي من أجلها خلق الخلق، وأنه سبحانه يختبر عباده في إحسانهم للعمل.\nكما قال تعالى في أول سورة هود (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا). ولم يقل أيكم أكثر عملًا.\nوقال تعالى في أول سورة الكهف (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا) ثم بيّن الحكمة بقوله (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).\nوقال تعالى في أول سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).\nفالإحسان: أن يأتي بالعمل حسنًا متقنًا لا نقص فيه ولا وصم، وإحسان العمل لا يمكن إلا بمراقبة خالق هذا الكون","vol":"4","page":106},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1227> فضائل الإحسان:</span>\nأولًا: أن من أحسن إلى الناس أحسن الله إليه.\nقال تعالى (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان).\nثانيًا: لهم في الدنيا حسنة.\nقال تعالى (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة).\nثالثًا: رحمة الله قريبة من المحسنين.\nقال تعالى (إن رحمت الله قريب من المحسنين).\nرابعًا: لهم الجنة ونعيمها.\nقال تعالى (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة).\nخامسًا: تبشير المحسنين.\nقال تعالى (وبشر المحسنين).\nسادسًا: أن الله معهم.\nقال تعالى (وإن الله لمع المحسنين).\nسابعًا: إن الله يحب المحسنين.\nقال تعالى: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين).","vol":"4","page":107},{"text":"ثامنًا: إن الله لا يضيع أجر المحسنين.\nقال تعالى (إن الله لا يضيع أجر المحسنين).\nتاسعًا: الإحسان سبب في دخول الجنة.\nقال تعالى: (… آخذين ما أتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين).\nعاشرًا: الكافر إذا رأى العذاب تمنى أن لو أحسن في الدنيا.\nقال تعالى (أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين).\n• قال ابن رجب: قوله تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) وقد ثبت في \"صحيح مسلم\" عنِ النَّبيِّ -ﷺ- تفسيرُ الزِّيادةِ بالنّظرِ إلى وجهِ الله - ﷿ - في الجنة، وهذا مناسبٌ لجعلِه جزاءً لأهلِ الإحسّانِ؛ لأنَّ الإحسانَ هو أنْ يَعبُدَ المؤمنُ ربّه في الدُّنيا على وجهِ الحُضورِ والمُراقبةِ، كأنّه يراهُ بقلبِهِ وينظرُ إليه في حال عبادتِهِ، فكانَ جزاءُ ذلك النَّظرَ إلى الله عيانًا في الآخرة، وعكس هذا ما أخبرَ الله تعالى به عَنْ جَزاءِ الكُفَّار في الآخرةِ (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) وجعلَ ذلك جزاءً لحالهم في الدُّنيا، وهو تراكُم الرَّانِ على قُلوبِهم، حتّى حُجِبَتْ عن معرفتِهِ ومُراقبته في الدُّنيا، فكان جزاؤُهم على ذلك أنْ حُجِبوا عن رُؤيته في الآخرة.\n• قال الرازي: واعلم أن الإحسان إلى الغير إما أن يكون بإيصال النفع اليه أو بدفع الضرر عنه، أما إيصال النفع إليه فهو المراد بقوله (الذين يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء والضراء) ويدخل فيه إنفاق العلم، وذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات، وأما دفع الضرر عن الغير، فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة بإساءة أخرى، وهو المراد بكظم الغيظ، وإما في الآخرة وهو أن يبرئ ذمته عن التبعات والمطالبات في الآخرة، وهو المراد بقوله تعالى (والعافين عَنِ الناس) فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير، ولما كانت هذه الأمور الثلاثة مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ذكر ثوابها فقال (والله يُحِبُّ المحسني) فان محبة الله للعبد أعم درجات الثواب.","vol":"4","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1228>الفوائد:</span>\n١ - الأمر بالمسارعة إلى الخيرات.\n٢ - أن التخلية قبل التحلية.\n٣ - أن المغفرة لا تكون إلا من الله.\n٤ - بيان سعة الجنة.\n٥ - أن الجنة موجودة الآن.\n٦ - أن أصحاب الجنة هم المتقون.\n٧ - فضيلة الإنفاق على كل حال.\n٨ - الثناء على من أنفق في السراء والضراء.\n٩ - فضل كظم الغيظ.\n١٠ - الحث على العفو عن الناس.\n١١ - إثبات المحبة لله.\n١٢ - الحث على الإحسان.\n[الاثنين: ٩/ ١٠/ ١٤٣٣ هـ].","vol":"4","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1229>(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦».</span> [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦].\n<hr><s0>\n\n(وَالَّذِينَ إِذَا …) قيل: هذا معطوف على (المتقين) وقيل: هذا استئناف، وعلى هذا القول فإن هؤلاء صنف آخر.\n(فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) اختلف العلماء في المراد بالفاحشة وظلم النفس هنا:\nفقيل: الفاحشة الزنا، وظلم النفس ما دونه من النظر واللمسة.\nوقيل: الفاحشة الزنا، وظلم النفس سائر المعاصي.\nوقيل: الفاحشة الكبيرة، وظلم النفس الصغيرة.\nوقد جاء استعمال الفاحشة في القرآن بما قبح من الذنوب:\nكالزنا: قال تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا).\nواللواط: قال تعالى (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ).\n• ونكاح المحارم: قال تعالى (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا).\nوظلم النفس جنس عام يتناول كل ذنب.\n(ذَكَرُوا اللَّهَ) أي: ذكروا وعيد الله على ما أتوا من معصيتهم. (الطبري).\n(فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) أي: إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار.\nوقد قال -ﷺ- (وأتْبِع السَّيِّئة الحَسنَة تَمحُها).\n• قال ابن رجب: ولما كان العبدُ مأمورًا بالتقوى في السرِّ والعلانية مع أنَّه لابُدَّ أنْ يقع منه أحيانًا تفريط في التقوى، إما بترك.\nبعض المأمورات، أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره أنْ يفعل ما يمحو به هذه السيئة وهو أنْ يتبعها بالحسنة، قال الله (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ).\nوفي \" الصحيحين عن ابنِ مسعود (أنَّ رجلًا أصاب من امرأة قُبلَةً، ثم أتى النَّبيَّ -ﷺ-، فذكر ذلك له، فسكت النَّبيُّ -ﷺ- حتى نزلت هذه الآية، فدعاه فقرأها عليه، فقال رجل: هذا له خاصة؟ قال: (بل للناس عامة). (جامع العلوم والحكم).","vol":"4","page":110},{"text":"عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- (إن رجلا أذنب ذَنْبًا، فقال: رب إني أذنبت ذنبا فاغفره. فقال الله عبدي عمل ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبا آخر فقال: رب، إني عملت ذنبا فاغفره. فقال ﵎: علم عبدي أن له رَبا يغفر الذنب وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتْ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لي. فَقَالَ ﷿: عَلِمَ عَبْدَي أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتُ لِعَبْدِي ثُمَّ عَمِلَ ذَنَبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلَتُ ذَنَبًا فَاغْفِرْهُ فَقَالَ ﷿: عَبْدِي عَلِمَ أنَّ لَهُ رَبا\nيَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاء) متفق عليه.\nوعن علي. قال: سمعت من رسول الله -ﷺ- حديثًا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استَحْلفْتُه، فإذا حلف لي صَدقته، وإن أبا بكر -﵁- حَدثني وصدَق أبو بكر -أنه سمع رسول الله -ﷺ- قال (ما مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ -الوُضُوءَ -قال مِسْعر: فَيُصَلّي. وقال سفيان: ثم يُصلِّي ركعتين -فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ ﷿ إلا غَفَرَ لَه) رواه الترمذي.\n• قال ابن رجب الحنبلي: قال عمر بن عبد العزيز: أيها الناس مَن ألمَّ بذنبٍ فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر وليتب، فإنما هي خطايا مطوَّقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك في الإصرار عليها.\nومعنى هذا: أن العبد لا بد أن يفعل ما قدِّر عليه من الذنوب، كما قال النبي -ﷺ-: كُتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة …، ولكن الله جعل للعبد مخرجًا مما وقع فيه من الذنوب، ومحاه بالتوبة والاستغفار، فإن فعل فقد تخلص من شر الذنوب، وإن أصر على الذنب هلك. (جامع العلوم الحِكَم).\nوكما يُبغض الله تعالى المعصية ويتوعد عليها بالذنب: فإنه لا يحب أن يقنط عباده من رحمته ﷿، وهو يحب أن يستغفره العاصي ويتوب إليه، ويود الشيطان أن لو يقع يأس وقنوط من العبد العاصي حتى يصده عن التوبة والإنابة.\nقيل للحسن البصري: ألا يستحيى أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملُّوا من الاستغفار.","vol":"4","page":111},{"text":"• وفي هذا دليل على أن من أسباب المغفرة الاستغفار.\nوقد أمر الله به.\nقال تعالى (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).\nوقال تعالى (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ).\nومن أسماء الله: الغفور، والغفار.\nقال تعالى (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).\nومهما عظمت ذنوب الإنسان فإن الله يغفرها لمن تاب.\nقال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ).\nوالأنبياء وأهل الفضل يطلبون المغفرة من الله.\nقال تعالى عن نوح (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ).\nوقال الخليل (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ).\nوقال موسى (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).\nومدح المستغفرين.\nفقال تعالى (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ).\nوالنبي -ﷺ- كان يكثر من الاستغفار.\nقال -ﷺ- (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) رواه البخاري.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1230> وللاستغفار فوائد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1231>أولًا: تكفير السيئات ورفع الدرجات.</span>\nقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا).\nوفي الحديث القدسي (قال الله: من يستغفرني فأغفر له ..) متفق عليه.\nوتقدم قوله تعالى في الحديث القدسي (فاستغفروني أغفر لكم) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1232>ثانيًا: سبب لسعة الرزق والإمداد بالمال والبنين.</span>\nقال تعالى عن نوح أنه قال لقومه (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1233>ثالثًا: سبب لحصول القوة في البدن.</span>\nقال هود لقومه (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1234>رابعًا: سبب لدفع المصائب ورفع البلايا.</span>\nقال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1235>خامسًا: سبب لبياض القلب.</span>\nقال -ﷺ- (إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه). رواه أحمد","vol":"4","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1236>من أقوال السلف:</span>\nقال بعض العلماء: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا.\nوكان ابن عمر: يطلب من الصبيان الاستغفار ويقول: إنكم لم تذنبوا.\nوقال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار\nويُروى عن لُقمان -﵇- أنَّه قال لابنه: يا بنيَّ عَوِّدْ لسانك: اللهمَّ اغفر لي، فإنَّ لله ساعاتٍ لا يرُدُّ فيها سائلًا.\nوقال الحسن: أكثِروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طُرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم أينما كُنتم، فإنَّكم ما تدرون متى تنْزل المغفرة.\n• وجوب الاستغفار من الذنوب كلها لقوله (فاستغفروني أغفر لكم).\nقال تعالى (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ).\nوقال تعالى (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).\nوقال سبحانه (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا).\nوقال -ﷺ- (أني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) رواه البخاري.\nوالاستغفار يكون على وجهين:\nالوجه الأول: طلب المغفرة بلفظ: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله.\nالوجه الثاني: طلب المغفرة بالأعمال الصالحة التي تكون سببًا لذلك.\n(وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) أي: لا يغفرها أحد سواه.\nوقد جاء في الصحيحين: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (أن أَبِا بَكْرٍ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِى ظُلْمًا كَبِيرًا - وَقَالَ قُتَيْبَةُ كَثِيرًا - وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيم) متفق عليه.\nوعَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ لَا يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ …) رواه مسلم.","vol":"4","page":113},{"text":"• قال الخازن: وصف نفسه بسعة الرحمة وقرب المغفرة وأن التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلاّ إلى\nفضله وكرمه وإحسانه وعفوه ورحمته وفيه تنبيه على أن العبد لا يطلب المغفرة إلاّ منه وأنه القادر على عقاب المذنب وكذلك هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه فثبت أنه لا يجوز طلب المغفرة إلاّ منه.\n• وقال النسفي: وفيه تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط، وبيان لسعة رحمته وقرب مغفرته من التائب، وإشعار بأن الذنوب وإن جلّت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم.\n(وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا) أي: تابوا من ذنوبهم، ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية، ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه.\n• قال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا، قول من قال: \"الإصرار\"، الإقامة على الذنب عامدًا، وترك التوبة منه.\nعن أبي بكر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- (مَا أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّة) رواه أبو داود.","vol":"4","page":114},{"text":"وعبد الله بن عَمْرو، عن النبي -ﷺ- أنه قال-وهو على المنبر- (ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ، وَيْلٌ لأقْمَاعِ الْقَوْلِ، وَيْلٌ للْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصرونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون) رواه أحمد.\n(وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن من تاب تاب الله عليه.\nوقيل: (وهم يعلمون) أي يذكرون ذنوبهم فيتوبون منها.\nوقيل: (وَهُمْ يَعْلَمُون) أني أُعاقب على الإصرار.\nوقيل: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن الإصرار ضار، وأن تركه خير من التمادِي. (تفسير القرطبي).\n(أُولَئِكَ) الموصوفين بتلك الصفات.\n(جَزَاؤُهُمْ) ثوابهم على تلك الصفات.\n(مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: ستر لذنوبهم وتجاوز عنها.\n(وَجَنَّاتٌ) جمع جنة، والجنة في لغة العرب: البستان، لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه، وجاء إطلاق الجنة على البستان في القرآن في قوله (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) أي البستان، وفي قوله (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ). وأما في الاصطلاح: فهي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\n(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي من تحت أشجارها، قال ابن القيم: وهذا يدل على أمور:\nأحدها: وجود الأنهار فيها. الثاني: أنها جارية لا واقفة. الثالثة: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا.\n• وهذه الأنهار جاء تسميتها في قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً).\nقال ابن القيم: فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا.\nفآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة وأن يصير قارصًا، وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي للذة شربها، وآفة العسل عدم تصفيته، وهذا من آيات الرب ﷾ أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها ويجريها في غير أخدود وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها كما ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو.","vol":"4","page":115},{"text":"(خَالِدِينَ فِيهَا) لا يحولون عنها، ولا يبغون بها بدلًا، ولا يغير ما هم فيه من النعيم.\nوَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) أي: ونِعْمَ أجر العاملين المغفرة والجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1237>الفوائد:</span>\n١ - أن المتقي لا يكون معصومًا.\n٢ - انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر.\nقال تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا).\nوقال تعالى (والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى).\n٣ - أن ذكر الله سبب للتوبة والرجوع إلى الله.\n٤ - المبادرة إلى التوبة والاستغفار.\n٥ - أنه لا يغفر الذنوب إلا الله.\n٦ - أن الرجل إذا أذنب ثم استغفر غفر الله له ولو تكرر منه الذنب.\n٧ - توبيخ من أصر على ذنب.\n٨ - عظم جزاء المتقين.\n٩ - أن مغفرة الله للمرء من أعظم الثواب.\n١٠ - عظم الجنات.","vol":"4","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1238>(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (١٣٨».</span> [آل عمران: ١٣٧ - ١٣٨].\n<hr><s0>\n\n(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) يقول تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين الذين أصيبوا يوم أحد، وقُتل منهم سبعون (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت لهم العاقبة لهم والدائرة على الكافرين.\n• قال الرازي: المراد من الآية: قد انقضت من قبلكم سنن الله تعالى في الأمم السالفة، واختلفوا في ذلك، فالأكثرون من المفسرين على أن المراد سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله تعالى (فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين) وذلك لأنهم خالفوا الأنبياء والرسل للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة عليهم، فرغب الله تعالى أمة محمد -ﷺ- في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم الى الايمان بالله ورسله والاعراض عن الرياسة في الدنيا وطلب الجاه.\n• وقال الشوكاني: والمعنى: سيروا فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، فإنهم خالفوا رسلهم بالحرص على الدنيا ثم انقرضوا فلم يبق من دنياهم التي آثروها أثر، هذا قول أكثر المفسرين.\n• وقال ابن عاشور: والمعنى: قد مضت من قبلكم أحوال للأمم، جارية على طريقة واحدة، هي عادة الله في الخلق، وهي أنّ قوّة الظالمين وعتّوهم على الضعفاء أمر زائل، والعاقبة للمتّقين المحقّين.\n(فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) بأبدانكم وقلوبكم.\n(فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) فإنكم لا تجدونهم إلا معذبين، بأنواع العقوبات الدنيوية، قد خوت ديارهم، وتبين لكل أحد خسارهم، وذهب عزهم وملكهم، أفليس في هذا أعظم دليل وأكبر شاهد على صدق ما جاءت الرسل؟ (تفسير السعدي)\n• وقد أمر الله تعالى في آيات كثيرة بالسير في الأرض للاعتبار والاتعاظ:\nقال تعالى (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).\nوقال تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ)\nوقال تعالى (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).","vol":"4","page":117},{"text":"وقال تعالى (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ).\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) أي: المكذّبين بِرسل ربّهم وأريد النظر في آثارهم ليحصل منه تحقّق ما بلغ من أخبارهم، أو السؤال عن أسباب هلاكهم، وكيف كانوا أولي قوة، وكيف طغوا على المستضعفين، فاستأصلهم الله أو لتطمئنّ نفوس المؤمنين بمشاهدة المخبر عنهم مشاهدةَ عيان، فإنّ للعيان بديع معنى لأنّ بَلَغتهم أخبار المكذّبين، ومن المكذّبين عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الرسّ، وكلّهم في بلاد العرب يستطيعون مشاهدة آثارهم، وقد شهدها كثير منهم في أسفارهم. (تفسير ابن عاشور).\n• قال ابن عاشور: فبيّن الله لهم أنّ الله جعل سنّة هذا العامل أن تكون الأحوال فيه سجالًا ومداولة، وذكّرهم بأحوال الأمم الماضية، فقال (قد خلت من قبلكم سنن).\nوالله قادر على نصرهم، ولكن الحكمة اقتضت ذلك لئلاّ يغترّ من يأتي بعدهم من المسلمين، فيحسب أنّ النَّصر حليفهم.\n• وقال القرطبي: هذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين، والسُّنَن جمع سُنَّة وهي الطريق المستقيم.\nقال مجاهد: المعنى (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) يعني بالهلاك فيمن كذّب قبلكم كعادِ وثمود.\nوالعاقبة: آخر الأمر، وهذا في يوم أُحد.\nيقول فأنا أمهلهم وأمْلِي لهم وأستَدْرجهُم حتى يبلغ الكتاب أجله، يعني بنصرة النبيّ -ﷺ- والمؤمنين وهلاك أعدائهم الكافرين. (تفسير القرطبي)","vol":"4","page":118},{"text":"• قال ابن عرفة: السير في الأرض حسّي ومعنوي، والمعنوي هو النظر في كتب التَّاريخ بحيث يحصل للنَّاظر العلم بأحوال الأمم، وما يقرب من العلم، وقد يحصل به من العلم ما لا يحصل بالسير في الأرض لِعجز الإنسان وقصوره.\nوإنَّما أمر الله بالسير في الأرض دون مطالعة الكتب لأنّ في المخاطبين مَن كانوا أمِّيين، ولأنّ المشاهدة تفيد من لم يقرأ علمًا وتقوّي عِلْم من قرأ التَّاريخ أو قصّ عليه.\n• قال ابن عاشور: وفي الآية دلالة على أهميِّة علم التَّاريخ لأنّ فيه فائدة السير في الأرض، وهي معرفة أخبار الأوائل، وأسباب صلاح الأمم وفسادها.\n(هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) قيل: عنى بقوله (هذا) القرآن، وقيل: إنما أشير بقوله (هذا)، إلى قوله (قد خلت من قبلكم سُنن فسيروا في الأرض فانظرُوا كيف كان عاقبه المكذبين).\nقال الطبري: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: قوله (هذا) إشارةٌ إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله جل ثناؤه المؤمنين، وتعريفهم حدوده، وحضِّهم على لزوم طاعته والصبر على جهاد أعدائه وأعدائهم. لأن قوله (هذا)، إشارة إلى حاضر: إما مرئيّ وإما مسموع، وهو في هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة.\n(بَيَانٌ لِلنَّاسِ) البيانُ: الإيضاح وكشف الحقائق الواقعة.\nهذه الآية تدل على أن البيان عام لكل الناس، لكن جاءت آية تدل على أن البيان خاص بالموقنين كقوله تعالى (قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ووجه الجمع: أن البيان عام لجميع الخلق، إلا أنه لما كان الانتفاع به خاصا بالموقنين خص في هذه الآية بهم، لأن ما لا نفع فيه كالعدم، ونظيرها قوله تعالى (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) وقوله (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْر) الآية، مع أنه منذر للأسود والأحمر، وإنما خص الإنذار بمن يخشى ومن يتبع الذكر لأنه المنتفع به.\n(وَهُدىً) الهدى: الإرشاد إلى ما فيه خير النَّاس في الحال والاستقبال.\n(وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) والموعظة: التحذير والتخويف.\nووعظ القرآن: هو وعد ووعيد، وترغيب وترهيب؛ حتى لا يستبد رجاء بصاحبه فيلقيه في أودية الغرور، ولا يحاصر يأس صاحبه فيغلق دونه أبواب الرحمة ..","vol":"4","page":119},{"text":"والوعظ هو التذكير بالعواقب لترق القلوب، ومن أوصاف القرآن أنه موعظة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) قال ابن\nعطية رحمه الله تعالى: هذه آية خوطب بها جميع العالم، والموعظة: القرآن؛ لأن الوعظ إنما هو بقول يأمر بالمعروف ويزجر ويرقق ويوعد ويعد، وهذه صفة الكتاب العزيز. فما في القرآن من الأوامر والنواهي داع إلى كل مرغوب وزاجر عن كل مرهوب.\nوتأكيدًا على أهمية هذه الموعظة نسبها الله تعالى إليه (مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) لبيان قيمتها وأهميتها، وحث البشر على الاحتفاء بها .. وما ألطف الله تعالى حين عبر عن ذلك بلفظ الربوبية وليس بلفظ الألوهية؛ وذلك لتحبيب قارئ القرآن في مواعظه، وحمله على قبولها (مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) وذلك أن الرب هو من خلق الإنسان الموعوظ، وصوره في أحسن صوره، وأغدق عليه من رزقه، ودفع عنه ما يضره، وعلمه ما ينفعه، فمن أسدى هذا الخير للإنسان، فحري به أن يكون رحيما به، محسنا إليه، فإذا وعظه فإنما يعظه لمصلحته بدفعه إلى ما ينفعه، ورده عما يضره.","vol":"4","page":120},{"text":"وفي آية أخرى بين سبحانه أن القرآن وما فيه من قصص وأحكام موعظة (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) وفي آية ثالثة قال تعالى (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ).\nوفي آية رابعة أكد سبحانه على أنه إنما يعظنا بالقرآن (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ) وتالله إن موعظته سبحانه لأحسن المواعظ وأبلغها وأوجزها وأحكمها وأرقها وأصدقها وأخلصها وأنصحها وأكثرها تأثيرا في القلوب، وإصلاحا للعباد (إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِه).\n• في تخصيص هذا البيان والهدى والموعظة للمتقين، لأنهم هم المنتفعون به، فكانت هذه الأشياء في حق غير المتقين كالمعدومة ونظيره قوله تعالى (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها) (إِنَّمَا تُنذِرُ مَّعَ مَنِ اتبع الذكر) (إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء).\n\n<span data-type='title' id=toc-1239>الفوائد:</span>\n١ - سنة الله في هلاك الأمم إذا كذبت.\n٢ - تسلية هذه الأمة وتحذيرها.\n٣ - الأمر بالسير في الأرض.\n٤ - أن عاقبة المكذب لله ورسله الهلاك.","vol":"4","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1240>(وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (١٣٩».</span> [آل عمران: ١٣٩].\n<hr><s0>\n\n(وَلا تَهِنُوا) أي: لا تضعفوا بسبب ما جرى.\nقال القرطبي: أي لا تضعفوا ولا تجبنُوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم.\n(وَلا تَحْزَنُوا) على ظهورهم، ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة.\n• قال القاسمي: أي: لا تضعفوا عن الجهاد بما نالكم من الجراح، ولا تحزنوا على من قتل منكم، والحال أنكم الأعلون الغالبون دون عدوكم، فإن مصير أمرهم إلى الدمار حسبما شاهدتم من عاقبة أسلافهم، فهو تصريح بالوعد بالنصر بعد الإشعار به فيما سبق.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (ولا تهنوا ولا تحزنوا) نهي للمسلمين عن أسباب الفشل.\nوالوهن: الضعف، وأصله ضعف الذات: كالجسم في قوله تعالى (ربِّ إنِّي وهَن العظم منِّي).\nوهو هنا مجاز في خور العزيمة وضعف الإرادة وانقلاب الرجاء يأسًا، والشَّجاعة جبنًا، واليقين شكًّا، ولذلك نهوا عنه.\nوأمَّا الحزن فهو شدّة الأسف البالغة حدّ الكآبة والانكسار.\nوالوهنُ والحزن حالتان للنفس تنشآن عن اعتقاد الخيبة والرزء فيترتّب عليهما الاستسلام وترك المقاومة.\nوَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الواو للعطف وهذه بشارة لهم بالنَّصر المستقبل، فالعلوّ هنا علوّ مجازيّ وهو علوّ المنزلة.\nأي: لا تضعفوا ولا تحزنوا والحال أنكم أنتم الأعلون الغالبون دون عدوكم فأنتم قد أصبتم منهم في غزوة بدر أكثر مما أصابوا منكم في غزوة\nأحد. وأنتم تقاتلون من أجل إعلاء كلمة اللّه وهم يقاتلون في سبيل الطاغوت.\nوأنتم سيكون لكم النصر عليهم في النهاية، لأن اللّه تعالى قد وعدكم بذلك فهو القائل: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ).\nقال القاسمي: وقوله تعالى (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) متعلق بالنهي أو بالأعلون. وجوابه محذوف لدلالة ما تعلق به عليه، أي: إن كنتم مؤمنين، فلا تهنوا ولا تحزنوا، فإن الإيمان يوجب قوة القلب، والثقة بصنع الله تعالى، وعدم المبالاة بأعدائه. أو إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون. فإن الإيمان يقتضي العلو لا محالة - أفاده أبو السعود -.\n\n<span data-type='title' id=toc-1241>الفوائد:</span>\n١ - النهي عن الوهن والحزن.\n٢ - الأمر بالقوة والجهاد.\n٣ - أن هذه الأمة هي العليا بشرط الإيمان.\n٤ - أنه كلما ازداد إيمان الأمة ازدادت علوًا.","vol":"4","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1242>(إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١».</span> [آل عمران: ١٤٠ - ١٤١].\n<hr><s0>\n\n(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) أي: إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتلٌ منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح.\nكما قال تعالى (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).\n• ومعنى الآية: إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مسهم يوم بدر، وهو كقوله تعالى (أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا).\n• قال ابن عاشور: الآية تسلية عمَّا أصاب المسلمين يوم أُحُد من الهزيمة بأن ذلك غير عجيب في الحرب، إذ لا يخلو جيش من أن يغلب في بعض مواقع الحرب، وقد سبق أنّ العدوّ غُلب.\n• قال الشنقيطي: المراد بالقرح الذي مس المسلمين هو ما أصابهم يوم أحد من القتل والجراح، كما أشار له تعالى في هذه السورة الكريمة في مواضع متعددة كقوله (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ).\nوقوله (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ) وقوله (حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ) وقوله (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ على أحَدٍ والرسول يَدْعُوكُمْ في أُخْرَاكُمْ) ونحو ذلك من الآيات.\nوأما المراد بالقرح الذي مس القوم المشركين فيحتمل أنه هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر، وعليه فإليه الإشارة بقوله (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب فاضربوا فَوْقَ الأعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذلك بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب)\nويحتمل أيضًا أنه هزيمة المشركين أولًا يوم أُحد كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، وقد أشار إلى القرحين معًا بقوله (أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا) فالمراد بمصيبة المسلمين القرح الذي مسهم يوم أُحُد، والمراد بمصيبة الكفار بمثليها قبل القرح الذي مسهم يوم بدر. لأن المسلمين يوم أحد قتل منهم سبعون والكفار يوم بدر قتل منهم سبعون، وأسر سبعون.\nوهذا قول الجمهور.","vol":"4","page":123},{"text":"• قال ابن القيم: قوله تعالى (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) أي: استويتم في القرح والألم، وتباينتم في الرجاء كما قال تعالى (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) فمالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم؟ فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان، وأنتم أُصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي؟\n• قال الرازي: واعلم أن هذا من تمام قوله (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ) فبين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك، فإذا كانوا مع باطلهم، وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى.\n• قوله تعالى (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ) قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم (قُرْحٌ) بضم القاف وكذلك قوله (مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح) والباقون بفتح القاف فيهما، فقيل: هما بمعنى واحد، وقيل: بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألم الجراحة.\n• فإن قيل كيف قال (قَرْحٌ مّثْلُهُ) وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟ قلنا: يجب أن يفسر القرح في هذا التأويل بمجرد الانهزام لا بكثرة القتلى.\n(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) أي: نُديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت العاقبة لكم، لما لنا في ذلك من الحكم، أي: أن أيام الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه، ويوم آخر بالعكس من ذلك، ولا يبقى شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) من فَرَح وَغمّ وصحّةِ وسُقْم وغِنًى وفقْرٍ.\n• والحكمة من هذه المداولة:\nالأول: أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الايمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الايمان، وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام فيعظم ثوابه عند الله.","vol":"4","page":124},{"text":"والثاني: أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي، فيكون عند الله تشديد المحنة عليه في الدنيا أدبًا له، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبًا من الله عليه. (تفسير الرازي).\nومن الحِكم: أَنّ حِكْمَةَ اللّهِ وَسُنّتَهُ فِي رُسُلِهِ وَأَتْبَاعِهِمْ جَرَتْ بِأَنْ يُدَالُوا مَرّةً وَيُدَالَ عَلَيْهِمْ أُخْرَى لَكِنْ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ فَإِنّهُمْ لَوْ انْتَصَرُوا دَائِمًا دَخَلَ مَعَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَغَيْرُهُمْ وَلَمْ يَتَمَيّزْ الصّادِقُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ اُنْتُصِرَ عَلَيْهِمْ دَائِمًا لَمْ جَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ لِيَتَمَيّزَ مَنْ يَتّبِعُهُمْ وَيُطِيعُهُمْ لِلْحَقّ وَمَا جَاءُوا بِهِ مِمّنْ يَتّبِعُهُمْ عَلَى الظّهُورِ وَالْغَلَبَةِ خَاصّةً.\nوَمِنْهَا: أَنّ هَذَا مِنْ أَعْلَامِ الرّسُلِ كَمَا قَالَ هِرَقْلُ لِأَبِي سُفْيَانَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ كَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ؟ قَالَ سِجَالٌ يُدَالُ عَلَيْنَا الْمَرّةَ وَنُدَالُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى قَالَ كَذَلِكَ الرّسُلُ تُبْتَلَى ثُمّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَة.\nوَمِنْهَا: أَنْ يَتَمَيّزَ الْمُؤْمِنُ الصّادِقُ مِنْ الْمُنَافِقِ الْكَاذِبِ فَإِنّ الْمُسْلِمِينَ لَمّا أَظْهَرَهُمْ اللّهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَطَارَ لَهُمْ الصّيتُ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ظَاهِرًا مَنْ لَيْسَ مَعَهُمْ فِيهِ بَاطِنًا فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللّهِ ﷿ أَنْ سَبّبَ لِعِبَادِهِ مِحْنَةً مَيّزَتْ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ فَأَطْلَعَ الْمُنَافِقُونَ رُءُوسَهُمْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَتَكَلّمُوا بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ وَظَهَرَتْ مُخَبّآتُهُمْ وَعَادَ تَلْوِيحُهُمْ تَصْرِيحًا وَانْقَسَمَ النّاسُ إلَى كَافِرٍ وَمُؤْمِنٍ وَمُنَافِقٍ انْقِسَامًا ظَاهِرًا وَعَرَفَ الْمُؤْمِنُونَ أَنّ لَهُمْ عَدُوّا فِي نَفْسِ دُورِهِمْ وَهُمْ مَعَهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُمْ فَاسْتَعَدّوا لَهُمْ وَتَحَرّزُوا مِنْهُمْ.\nوَمِنْهَا: اسْتِخْرَاجُ عُبُودِيّةِ أَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ فِي السّرّاءِ وَالضّرّاءِ وَفِيمَا يُحِبّونَ وَمَا يَكْرَهُونَ وَفِي حَالِ ظَفَرِهِمْ وَظَفَرِ أَعْدَائِهِمْ بِهِمْ فَإِذَا ثَبَتُوا عَلَى الطّاعَةِ وَالْعُبُودِيّةِ فِيمَا يُحِبّونَ وَمَا يَكْرَهُونَ فَهُمْ عَبِيدُهُ حَقّا وَلَيْسُوا كَمَنْ يَعْبُدُ اللّهَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ السّرّاءِ وَالنّعْمَةِ وَالْعَافِيَةِ.\nوَمِنْهَا: أَنّهُ سُبْحَانَهُ لَوْ نَصَرَهُمْ دَائِمًا وَأَظْفَرَهُمْ بِعَدُوّهِمْ فِي كُلّ مَوْطِنٍ وَجَعَلَ لَهُمْ التّمْكِينَ وَالْقَهْرَ لِأَعْدَائِهِمْ أَبَدًا، لَطَغَتْ نُفُوسُهُمْ وَشَمَخَتْ وَارْتَفَعَتْ، فَلَوْ بَسَطَ لَهُمْ النّصْرَ وَالظّفَرَ لَكَانُوا فِي الْحَالِ الّتِي يَكُونُونَ فِيهَا لَوْ بَسَطَ لَهُمْ الرّزْقَ فَلَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ إلّا السّرّاءُ وَالضّرّاءُ وَالشّدّةُ وَالرّخَاءُ وَالْقَبْضُ وَالْبَسْطُ فَهُوَ الْمُدَبّرُ لِأَمْرِ عِبَادِهِ كَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ إنّهُ بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ.","vol":"4","page":125},{"text":"وَمِنْهَا: أَنّهُ إذَا امْتَحَنَهُمْ بِالْغَلَبَةِ وَالْكَسْرَةِ وَالْهَزِيمَةِ ذَلّوا وَانْكَسَرُوا وَخَضَعُوا فَاسْتَوْجَبُوا مِنْهُ الْعِزّ وَالنّصْرَ فَإِنّ خُلْعَةَ النّصْرِ إنّمَا تَكُونُ مَعَ وِلَايَةِ الذّلّ وَالِانْكِسَارِ قَالَ تَعَالَى (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلّةٌ) وَقَالَ (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا) فَهُوَ سُبْحَانَهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُعِزّ عَبْدَهُ وَيَجْبُرَهُ وَيَنْصُرَهُ كَسَرَهُ أَوّلًا وَيَكُونُ جَبْرُهُ لَهُ وَنَصْرُهُ عَلَى مِقْدَارِ ذُلّهِ وَانْكِسَارِه.\n(وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) ذكر تعالى الحكمة من هزيمة المسلمين في أحد وهي (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: ليعلم علم ظهور، المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجمعَانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَم المُؤْمِنِينَ.\nولِيَعْلَم الّذينَ نَافَقُوا).\n• قال ابن القيم: فَإِنّ الْمُسْلِمِينَ لَمّا أَظْهَرَهُمْ اللّهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَطَارَ لَهُمْ الصّيتُ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ظَاهِرًا مَنْ لَيْسَ مَعَهُمْ فِيهِ بَاطِنًا فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللّهِ ﷿ أَنْ سَبّبَ لِعِبَادِهِ مِحْنَةً مَيّزَتْ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ فَأَطْلَعَ الْمُنَافِقُونَ رُءُوسَهُمْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَتَكَلّمُوا بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ وَظَهَرَتْ مُخَبّآتُهُمْ وَعَادَ تَلْوِيحُهُمْ تَصْرِيحًا وَانْقَسَمَ النّاسُ إلَى كَافِرٍ وَمُؤْمِنٍ وَمُنَافِقٍ انْقِسَامًا ظَاهِرًا وَعَرَفَ الْمُؤْمِنُونَ أَنّ لَهُمْ عَدُوّا فِي نَفْسِ دُورِهِمْ وَهُمْ مَعَهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُمْ فَاسْتَعَدّوا لَهُمْ وَتَحَرّزُوا مِنْهُمْ. قَالَ اللّهُ تَعَالَى (مَا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطّيّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنّ اللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) أَيْ مَا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْتِبَاسِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُنَافِقِينَ حَتّى يَمِيزَ أَهْلَ الْإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ النّفَاقِ كَمَا مَيّزَهُمْ بِالْمِحْنَةِ يَوْمَ أُحُدٍ.\n• وقال ابن تيمية: فإنهم إذا كانوا دائمًا منصورين لم يظهر لهم وليهم وعدوهم، إذ الجميع يظهرون الموالاة، فإذا غُلبوا ظهر عدوهم، قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجمعَانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَم المُؤْمِنِينَ. ولِيَعْلَم الّذينَ نَافَقُوا …) وقال تعالى (ألم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ).\n• قوله تعالى (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) المعنى: أي علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب فلا ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس. أما عالم السر والنجوى فهو عالم بكل ما سيكون، كما لا يخفى.","vol":"4","page":126},{"text":"• قال الشيخ ابن عثيمين: المراد علم ظهور أو علم يترتب عليه الجزاء، لأن علم الله الكائن في الأزل لا يترب عليه الجزاء حتى يُمتحن العبد ويُنظر.\nونظير هذه الآية: قوله تعالى قوله تعالى (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين) وقوله (وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين) وقوله (لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا) وقوله (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين) وقوله (إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول).\n(وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ) أي: يُقتلون في سبيله، ويَبذلون مُهَجهم في مرضاته.\nوهذه حكمة أخرى من حكم إدالة العدو عليهم يوم أحد، وهي أن يتخذ منهم شهداء، فإن منزلة الشهادة منزلة عليّة في الجنة ولا بد من الموت، فموت العبد شهيدًا أكمل له وأعظم لأجره وثوابه، ويكفّر عنه بالشهادة ذنوبه وظلمه لنفسه.\n• قال ابن القيم: الشهادة عنده تعالى من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه المقربون من عباده، وليس بعد درجة الصديقيّة إلا الشهادة، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء، تُراق دماؤهم في محبته ومرضاته، ويُؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو.\nوقال ﵀: فإن الشهادة درجة عالية عنده، ومنزلة رفيعة لا تُنال إلا بالقتل في سبيله، فلولا إدالة العدو لم تحصل درجة الشهادة التي هي من أحب الأشياء إليه، وأنفعها للعبد.\n(وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) قال ابن عباس ﵄: أي المشركين، لقوله تعالى (الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).\nقيل: فيه إشارة إلى أنه تعالى إنما يؤيد الكافرين على المؤمنين لما ذكر من الفوائد، لا لأنه يحبهم.\n(وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) وهذه من حكَم إدالة العدو، وهي تمحيص الذين آمنوا، وهو تنقيتهم وتخليصهم من الذنوب، ومن آفات النفوس، وأيضًا: فإنه خلصهم ومحصهم من المنافقين، فتميزوا منهم، فحصل لهم تمحيصان: تمحيص من نفوسهم، وتمحيص ممن كان\nيظهر أنه منهم وهو عدوهم. (زاد المعاد).","vol":"4","page":127},{"text":"وقال ﵀: فإن القلوب يخالطها - بغلبة الطبائع وميْل النفوس وحكم العادة، وتزيين الشيطان واستيلاء الغفلة - ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام، والبر والتقوى، فلو تركت في عافية دائمة مستمرة، لم تتخلص من هذه المخالطة، ولم تتمحص منه.\n(وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) وهذه من الحكم أيضًا، فإن الله إذا أراد أن يهلك أعداءه ويَمحقَهم، قيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومَحْقهم، ومن أعظمها - بعد كفرهم - بَغيهم وطغيانهم، ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتهم وقتالهم، والتسلط عليهم، فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم.\nقال أبو حيان: المعنى: أن الدولة إن كانت للكافرين على المؤمنين كانت سببًا لتمييز المؤمن من غيره، وسببًا لاستشهاد من قتل منهم، وسببًا لتطهير المؤمن من الذنب، فقد جمعت فوائد كثيرة للمؤمنين، وإن كان النصر للمؤمنين على الكافرين كان سببًا لمحقهم بالكلية واستئصالهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1243>الفوائد:</span>\n١ - بيان رأفة الله برسوله وأصحابه بهذه التسلية.\n٢ - أن الدنيا دول تتقلب لئلا يركن الإنسان.\n٣ - تمام سلطان الله في خلقه.\n٤ - أن هذه الدار دار ابتلاء وامتحان.\n٥ - أن الله قد يبتلي عباده لحكم.\n٦ - فضل الشهادة في سبيل الله.\n٧ - إثبات المحبة لله.\n٨ - التحذير من الظلم.\n٩ - أن الله يمحص المؤمنين.\n١٠ - أن الكافر مآله المحق.","vol":"4","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1244>(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢».</span> [آل عمران: ١٤٢].\n<hr><s0>\n\n(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تُبْتَلوا بالقتال والشدائد، أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تُبْتَلَوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارنة الأعداء.\n• قال السعدي: هذا استفهام إنكاري، أي: لا تظنوا، ولا يخطر ببالكم أن تدخلوا الجنة من دون مشقة واحتمال المكاره في سبيل الله وابتغاء مرضاته، فإن الجنة أعلى المطالب، وأفضل ما به يتنافس المتنافسون، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته، والعمل الموصل إليه، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة، ولا يدرك النعيم إلا بترك النعيم، ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله عند توطين النفس لها، وتمرينها عليها ومعرفة ما تئول إليه، تنقلب عند أرباب البصائر منحًا يسرون بها، ولا يبالون بها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\n• قال الشنقيطي: أنكر الله في هذه الآية على من ظن أنه يدخل الجنة دون أن يبتلى بشدائد التكاليف التي يحصل بها الفرق بين الصابر المخلص في دينه، وبين غيره وأوضح هذا المعنى في آيات متعددة:\nكقوله (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيب).\nوقوله (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلَا رَسُولِهِ وَلَا المؤمنين وَلِيجَةً والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).\nوقوله (الم أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين).\n• ثم قال الشنقيطي ﵀: وفي هذه الآيات سر لطيف وعبرة وحكمة، وذلك أن أبانا آدم كان في الجنة يأكل منها رغدًا حيث شاء في أتم نعمة وأكمل سرور، وأرغد عيش. كما قال له ربه (إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تعرى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تضحى) ولو تناسلنا فيها لكنا في أرغد عيش وأتم نعمة، ولكن إبليس عليه لعائن الله احتال بمكره وخداعه على أبوينا حتى أخرجهما من الجنة، إلى دار الشقاء والتعب.","vol":"4","page":129},{"text":"وحينئذ حكم الله تعالى أن جنته لا يدخلها أحد إلا بعد الابتلاء بالشدائد وصعوبة التكاليف. فعلى العاقل منا -معاشر بني آدم- أن يتصور الواقع ويعلم أننا في الحقيقة سبي سباه إبليس بمكره وخداعه من وطنه الكريم إلى دار الشقاء والبلاء، فيجاهد عدوه إبليس ونفسه الأمارة بالسوء حتى يرجع إلى الوطن الأول الكريم، كما قال العلامة ابن القيم تغمده الله برحمته: ولكننا سبي العدو فهل ترى … نرد إلى أوطاننا ونسلم.\nولهذه الحكمة أكثر الله تعالى في كتابه من ذكر قصة إبليس مع آدم لتكون نصب أعيننا دائمًا.\n• بيّن تعالى في هذه الآية أن دخول الجنَّة الَّذي هو مرغوبهم لا يحصل إذا لم يبذلوا نفوسهم في نصر الدّين، فإذا حسبوا دخول الجنَّة يحصل دون ذلك، فقد أخطأوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1245>الفوائد:</span>\n١ - أن الإيمان ليس بالتمني.\n٢ - أن الإيمان له علامات تدل على صدق صاحبه، ومن ذلك بذل النفوس في سبيل الله.\n٣ - أن الله يبتلي عبده ليمتحن صبره.\n٤ - أن الجهاد سبب لدخول الجنة.","vol":"4","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1246>(وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (١٤٣».</span> [آل عمران: ١٤٣].\n<hr><s0>\n\n(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) أي: كنتم تتمنون لقاء الأعداء لتحظوا بالشهادة.\n• قال القرطبي: وتَمنِّي الموت يرجع من المسلمين إلى تَمنِّي الشهادة المبنية على الثبات والصبر على الجهاد، لا إلى قتل الكفار لهم؛ لأنه معصيةٌ وكفرٌ ولا يجوز إرادة المعصية، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة، فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدّى إلى القتل.\n(مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ) أي: من قبل أن تذوقوا شدته.\n(فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ) أي: بأعينكم حين قُتل من إخوانكم وشارفتم أن تقتلوا.\n• قال ابن عاشور: ومعنى رؤيته مشاهدة أسبابه المحقّقة، الَّتي رؤيتها كمشاهدة الموت.\n(وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) هو تكرير بمعنى التأكيد لقوله (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ) مثل (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ).\nوقيل: معناه وأنتم بُصَرَاء ليس في أعينكم عِلَلٌ (كما) تقول: قد رأيت كذا وكذا وليس في عينيك عِلّة، أي فقد رأيته رؤية حقيقة؛ وهذا راجع إلى معنى التوكيد.\nوقال بعضهم (وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ) إلى محمد -ﷺ-.\nوفي الآية إضمار، أي فقد رأيتموه وأنتم تنظرون فلِمَ انهزمتم؟\n• قال القرطبي: وذلك أن كثيرًا ممن لم يحضروا بدرًا كانوا يتَمنَّون يومًا يكون فيه قِتال، فلما كان يوم أُحُد انهزموا، وكان منهم من تجلّد حتى قُتل، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك، فإنه قال لما انكشف المسلمون: اللّهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وباشر القتال وقال: إِيْهًا إنها ريح الجنة! إني لأجدها، ومضى حتى استشهد.","vol":"4","page":131},{"text":"قال أنس: فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بِضعًا وثمانين جراحة، وفيه وفي أمثاله نزل (رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ) فالآية عِتاب في حق من انهزم، لا سِيّما وكان منهم حَمْلٌ للنبيّ -ﷺ- على الخروج من المدينة.\n• وقال الآلوسي: قوله تعالى (وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت …) خطاب لطائفة من المؤمنين لم يشهدوا غزوة بدر لعدم ظنهم الحرب حين خرج رسول الله -ﷺ- إليها فلما وقع ما وقع ندموا فكانوا يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر ونستشهد كما استشهدوا فلما أشهدهم الله تعالى أحدًا لم يلبث إلا من شاء الله تعالى منهم.\n• قال ابن عاشور: ومحلّ الموعظة من الآية: أنّ المرء لا يطلب أمرًا حَتَّى يفكِّر في عواقبه، ويسبر مقدار تحمّله لمصائبه.\n• قال شيخ الإسلام ابن تيمية: .... فَالْعَزْمُ قَدْ يَدُومُ وَقَدْ يَنْفَسِخُ وَمَا أَكْثَرُ انْفِسَاخِ الْعَزَائِمِ خُصُوصًا عَزَائِمَ الصُّوفِيَّةِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: بِمَاذَا عَرَفْت رَبَّك؟ قَالَ: بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وَنَقْضِ الْهِمَمِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) وَقَالَ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ).\nوَفِي التِّرْمِذِيِّ (أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالُوا لِلنَّبِيِّ -ﷺ- لَوْ عَلِمْنَا أَيَّ الْعَمَلِ أَحَبّ إلَى اللَّهِ لَعَمِلْنَاهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) الْآيَةَ. فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى الْجِهَادِ وَأَحَبُّوهُ لَمَّا اُبْتُلُوا بِهِ كَرِهُوهُ وَفَرُّوا مِنْهُ.\n• قال السعدي: وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكره تمني الشهادة، ووجه الدلالة: أن الله تعالى أقرهم على أمنيتهم، ولم ينكر عليهم، وإنما أنكر عليهم عدم العمل بمقتضاها.","vol":"4","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1247>(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤».</span> [آل ان: ١٤٤].\n<hr><s0>\n\n(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) أي: ليس محمد إلا رسول مضت قبله رسل، والرسل منهم من مات ومنهم من قتل، أفإن أماته الله أو قتله الكفار ارتددتم كفارًا بعد إيمانكم.\nقال ابن كثير: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحُد، وقُتِل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل. ورجع ابن قَمِيئَةَ إلى المشركين فقال لهم: قتلتُ محمدًا. وإنما كان قد ضرب رسول الله -ﷺ-، فَشَجَّه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله قد قُتل، وجوزوا عليه ذلك، كما قد قَصَّ الله عن كثير من الأنبياء، ﵈، فحصل وهَن وضعف وتَأخر عن القتال ففي ذلك أنزل الله على رسوله -ﷺ- (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) أي: له أسْوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه.\n• قال ابن عطية: هذا استمرار في عتبهم، وإقامة لحجة الله عليهم، المعنى: أن محمدًا -ﷺ- رسول كسائر الرسل، قد بلغ كما بلغوا، ولزمكم أيها المؤمنون العمل بمضمن الرسالة وليست حياة الرسول وبقاؤه بين أظهركم شرطًا في ذلك، لأن الرسول يموت كما مات الرسل قبله، قال الشوكاني: وإنما ذكر القتل مع علمه سبحانه أنه لا يقتل لكونه مجوّزًا عند المخاطبين.\n• قال ابن القيم: وَمِنْهَا: أَنّ وَقْعَةَ أُحُدٍ كَانَتْ مُقَدّمَةً وَإِرْهَاصًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِ رَسُولِ اللّهِ -ﷺ- فَثَبّتَهُمْ وَوَبّخَهُمْ عَلَى انْقِلَابِهِمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ إنْ مَاتَ رَسُولُ اللّهِ -ﷺ- أَوْ قُتِلَ بَلْ الْوَاجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا عَلَى دِينِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَيَمُوتُوا عَلَيْهِ أَوْ يُقْتَلُوا فَإِنّهُمْ إنّمَا يَعْبُدُونَ رَبّ\nمُحَمّدٍ وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوتُ فَلَوْ مَاتَ مُحَمّدٌ أَوْ قُتِلَ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَصْرِفَهُمْ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ فَكُلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَمَا بُعِثَ مُحَمّدٌ -ﷺ- لِيُخَلّدَ لَا هُوَ وَلَا هُمْ بَلْ لِيَمُوتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَالتّوْحِيدِ فَإِنّ الْمَوْتَ لَا بُدّ مِنْهُ سَوَاءٌ مَاتَ رَسُولُ اللّهِ -ﷺ- أَوْ بَقِيَ وَلِهَذَا وَبّخَهُمْ عَلَى رُجُوعِ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ لَمّا صَرَخَ الشّيْطَانُ إنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ فَقَالَ (وَمَا مُحَمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ).","vol":"4","page":133},{"text":"روى البخاري عن عائشة قَالَتْ (أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ، حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ - ﵂ - فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا.\nقَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -﵁- خَرَجَ وَعُمَرُ -﵁- يُكَلِّمُ النَّاسَ. فَقَالَ اجْلِسْ. فَأَبَى. فَقَالَ اجْلِسْ. فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا -ﷺ- فَإِنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ) إِلَى (الشَّاكِرِينَ) وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ -﵁- فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلاَّ يَتْلُوهَا.\n• قال القرطبي: هذه الآية أدلّ دليل على شجاعة الصديق وجراءته، فإن الشجاعة والجرأة حدّهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبيّ -ﷺ- كما تقدّم بيانه في \"البقرة\" فظهرت عنده شجاعته وعلمه.\nقال الناس: لم يمت رسول الله -ﷺ-، منهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى عليّ، واضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسُّنْح، الحديث؛ كذا في البخاري.\n(وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا) أي: إنما يضر نفسه، وإلا، فالله غني عنه، وسيقيم دينه، ويعز عباده المؤمنين.\n(وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) الذين صبروا وقاتلوا واستشهدوا، لأنهم بذلك شكروا نعمة الله عليهم بالإسلام، ومن امتثل ما أمر فقد شكر النعمة التي أنعم الله بها عليه.\n• قال أبو حيان: وعد عظيم بالجزاء.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1248> فضائل الشكر:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1249>أولًا: الله أمر به.</span>\nقال تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1250>ثانيًا: التوبيخ على عدم الشكر.</span>\nقال تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1251>ثالثًا: الثناء على الشاكرين وأنه سبل الرسل.</span>\nقال تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1252>رابعًا: الشكر نفع للشاكر نفسه.</span>\nقال تعالى: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1253>خامسًا: أن الشكر إذا صدر من المؤمنين فهو مانع من نزول العذاب.</span>\nقال تعالى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1254>سادسًا: أن الشكر سبب لزيادة النعم.</span>\nقال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1255>سابعًا: أن الصفوة من عباد الله يسألون الله أن يوزعهم شكر نعمته.</span>\nقال تعالى عن سليمان: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ).","vol":"4","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1256>ثامنًا: أن الشاكرين قليلون.</span>\nقال تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ).\nوقال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).\nوهذا يدل على أنهم هم خواص الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1257>الفوائد:</span>\n١ - بيان أن رسول الله بشر يلحقه الموت كما يلحق جميع الرسل.\n٢ - أن النبي -ﷺ- ليس ربًا فيدعى، ولا إلهًا فيعبد.\n٣ - إثبات أن محمدًا -ﷺ- خاتم الرسل.\n٤ - خطر الارتداد عن دين الله.\n٥ - تهديد من يرتد عن دينه.\n٦ - أن الله غني عن طاعاتنا وعباداتنا.\n٧ - فضل الشكر وأنه سبب للثبات.","vol":"4","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1258>(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥».</span> [آل عمران: ١٤٥].\n<hr><s0>\n\n(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: يمتنع غاية الامتناع لأي نفس أن تموت إلا بإذن الله، مهما حاول الناس أن يميتوا أحدًا بدون إذن الله، فإنهم لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا. (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بقضاء الله وقدره.\nوإذا جاءت (ما كان) فإنها للممتنع إما شرعًا أو قدرًا. (ابن عثيمين).\n(كِتَابًا مُؤَجَّلًا) توكيد، والمعنى: كتب الله ذلك كتابًا مؤجلًا، أي: كتابًا ذا أجل، والأجل الوقت المعلوم.\nقال البغوي: أي كتب لكل نفس أجلًا لا يَقْدر أحد على تغييره وتأخيره.\nوقال الشوكاني: المؤجل المؤقت الذي لا يتقدم على أجله ولا يتأخر.\nفكم من صحيح مات من غير علة … وكم من سقيم عاش حينا من الدهر.\nفلله ﷾ قدَّر آجال الخلائق بحيث إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.\nكما قال تعالى (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ. مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ).\nوقال تعالى (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِين. مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ).\nوقال تعالى (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ).\nوعن أُم حَبِيبَة زَوْجُ النَّبِيِّ -ﷺ- أنها قالت (اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِى بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّه -ﷺ- وَبِأَبِي أَبِى سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ. قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- «قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ) رواه مسلم.","vol":"4","page":136},{"text":"وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِىٌّ أَوْ سَعِيدٌ فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ\nفَيَدْخُلُهَا) متفق عليه.\n• قال ابن كثير: وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا يَنقص من العمر ولا يزيد فيه.\n• وقال الرازي: .... أن يكون المراد تحريض المسلمين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يدفع القدر، وأن أحدًا لا يموت قبل الأجل وإذا جاء الأجل لا يندفع الموت بشيء، فلا فائدة في الجبن والخوف.\n• وقال الجصاص: فِيهِ حَضٌّ عَلَى الْجِهَادِ مِنْ حَيْثُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهِ التَّسْلِيَةُ عَمَّا يَلْحَقُ النَّفْسَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ -ﷺ-؛ لِأَنَّهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَوْتِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي قَوْلِهِ: (وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ).","vol":"4","page":137},{"text":"• وقال الشوكاني: هذا كلام مستأنف يتضمن الحث على الجهاد والإعلام بأن الموت لابد منه.\nكما قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ).\n(وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) أي: من أراد بعمله الدنيا وأعراضها ومتاعها أعطاه الله ﷿ ما قسم له من ذلك، ولا يكون له نصيب في الآخرة.\n• وقد جاءت آيات في هذا المعنى:\nقال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\nوقال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيب).\nوقال تعالى (فمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ …).\nوقال -ﷺ- (… فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).\n• وهذه الآية مقيدة عند كثير من العلماء بقوله تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا).\n(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ) يعني الدنيا (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ) لا ما يشاء هو (لِمَنْ نُرِيدُ) فقيد المعجل والمعجّل له.\n• قال ابن الجوزي: أكثر العلماء على أن هذا الكلام محكم، وذهبت طائفة إلى نسخه بقوله تعالى (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ) والصحيح أنه محكم، لأنه لا يؤتى أحد شيئًا إلا بقدرة الله ومشيئته.\nومعنى قوله تعالى (نؤته منها) أي: ما نشاء، وما قدرنا له، ولم يقل: ما يشاء هو.\n(وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا) أي: ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا.\n(وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) ولم يذكر جزاءهم، ليدل ذلك على كثرته وعظمته، وليعلم أن الجزاء على قدر الشكر، قلة وكثرة وحسنًا.\n• قال ابن كثير: أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شُكرهم وعملهم.\n• ومعنى شكر الله لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، وإذا ترك له شيئًا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا ردّه عليه أضعافًا مضاعفة.","vol":"4","page":138},{"text":"لما عقر سليمان الخيل غضبًا له إذ شغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح.\nولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته، أعاضهم عنها أن ملّكهم الدنيا وفتحها عليهم.\nولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1259>الفوائد:</span>\n١ - أن آجال الأنفس محدودة.\n٢ - تسلية أصحاب النبي -ﷺ- حين قيل لهم إن محمدًا قد قتل.\n٣ - أنه لا يمكن أن يتقدم الإنسان أو يتأخر عن الأجل.\n٤ - أن بعض الناس قد يريد بعمله أن يمدح أمام الناس.\n٥ - فضل إيثار الآخرة على الدنيا.\n٦ - الحث على الشكر.","vol":"4","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1260>(وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦».</span> [آل عمران: ١٤٦].\n<hr><s0>\n\n(وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) قال الواحدي ﵀: أجمعوا على أن معنى (كأين) كم، وتأويلها التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم، ونظيره قوله (فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها) (وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا). (تفسير الرازي)\nقيل: معناه كم من نبي قُتِل وقتل معه ربيون من أصحابه كثير، وهذا اختيار ابن جرير.\nقال الطبري: وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ بضم القاف (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ كَثِيرٌ)، لأن الله ﷿ إنما عاتب بهذه الآية والآيات التي قبلها من قوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ) الذين انهزموا يوم أحُد، وتركوا القتال، أو سمعوا الصائح يصيح (إن محمدًا قد قتل) فعذلهم الله ﷿ على فرارهم وتركهم القتال، فقال: أفائن مات محمد أو قتل، أيها المؤمنون، ارتددتم عن دينكم وانقلبتم على أعقابكم؟ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثير من أتباع الأنبياء قبلهم، وقال لهم: هلا فعلتم كما كان أهل الفضل والعلم من أتباع الأنبياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبيهم من المضي على منهاج نبيهم، والقتال على دينه أعداءَ دين الله، على نحو ما كانوا يقاتلون مع نبيهم ولم تهنوا ولم تضعفوا، كما لم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلم والبصائر من أتباع الأنبياء إذا قتل نبيهم، ولكنهم صَبروا لأعدائهم حتى حكم الله بينهم وبينهم؟ وبذلك من التأويل جاء تأويل المتأوِّلين.\nومن قرأ (قاتل معه) فالمعنى: وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا، لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة رسوله، فكذلك كان ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد.\nوحجة هذه القراءة أن المراد من هذه الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي -ﷺ- في القتال، فوجب أن يكون المذكور هو القتال.","vol":"4","page":140},{"text":"قال ابن تيمية: قَوْلُهُ (قُتِلَ) أَيْ النَّبِيُّ قُتِلَ. هَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ. وَقَوْلُهُ (مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ صِفَةٌ لِلنَّبِيِّ - صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ - أَيْ كَمْ مِنْ نَبِيٍّ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قُتِلَ وَلَمْ يُقْتَلُوا مَعَهُ. فَإِنَّهُ كَانَ يَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّهُ قُتِلَ وَهُمْ مَعَهُ. وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ وَقُتِلَ فِي الْجُمْلَةِ. وَأُولَئِكَ الرِّبِّيُّونَ (مَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا) و(الرِّبِّيُّونَ) الْجُمُوعُ الْكَثِيرَةُ، وَهُمْ الْأُلُوفُ الْكَثِيرَةُ. وَهَذَا الْمَعْنَى: هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ سَبَبَ النُّزُولِ وَهُوَ مَا أَصَابَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا قِيلَ (إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ) وَقَدْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ (وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) وَهِيَ الَّتِي تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- يَوْمَ مَاتَ النَّبِيُّ -ﷺ-، وَقَالَ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ. وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، فَإِنَّهُ عِنْدَ قَتْلِ النَّبِيِّ وَمَوْتِهِ: تَحْصُلُ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ لِلنَّاسِ -الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ- وَتَحْصُلُ رِدَّةٌ وَنِفَاقٌ لِضَعْفِ قُلُوبِ أَتْبَاعِهِ لِمَوْتِهِ، وَلِمَا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِ الْكَافِرِينَ: إنَّ هَذَا قَدْ انْقَضَى أَمْرُهُ وَمَا بَقِيَ يَقُومُ دِينُهُ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَمَا قُتِلَ وَغُلِبَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ كَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ؟. فَإِنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ قَتَلُوا كَثِيرًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ. وَالنَّبِيُّ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ أَتْبَاعٌ لَهُ. وَقَدْ يَكُونُ قَتْلُهُ فِي غَيْرِ حَرْبٍ وَلَا قِتَالٍ، بَلْ يُقْتَلُ وَقَدْ اتَّبَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، فَمَا وَهَنَ الْمُؤْمِنُونَ لِمَا أَصَابَهُمْ بِقَتْلِهِ وَمَا ضَعُفُوا، وَمَا اسْتَكَانُوا، وَاَللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَلَكِنْ اسْتَغْفِرُوا لِذُنُوبِهِمْ الَّتِي بِهَا تحصل المصائب.\n(فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: ما ضعفت قلوبهم.","vol":"4","page":141},{"text":"• قوله تعالى (ربيون) قيل معناه: جموع كثيرة، واختاره الطبري، وقيل: الألوف، وقيل: الأتباع.\n(وَمَا ضَعُفُوا) أي: ولا ضعفت أبدانهم.\n(وَمَا اسْتَكَانُوا) أي: ما ذلوا لعدوهم، بل صبروا وثبتوا.\n• قال صاحب \"الكشاف\": ما وهنوا عند قتل النبي وما ضعفوا عن الجهاد بعده وما استكانوا للعدو، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار، عند الإرجاف بقتل رسولهم، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين.\n• قال القرطبي: ومعنى الآية تشجيع المؤمنين، والأمر بالاقتداء بمن تقدّم من خِيار أتباع الأنبياء؛ أي كثير من الأنبياء قُتِل معه رِبِّيُّون كثير، أو كثير من الأنبياء قتِلوا فما ارتد أممهم؛ قولان: الأوّل للحسن وسعيد بن جبير.\nقال الحسن: ما قُتِل نبي في حرب قط.\nوقال ابن جبير: ما سمعنا أن نبيًا قتل في القتال.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (فما وهنوا) أي الربّيّون؛ إذ من المعلوم أنّ الأنبياء لا يهنون؛ فالقدوة المقصودة هنا، هي الاقتداء بأتباع الأنبياء، أي لا ينبغي أن يكون أتباع من مضى من الأنبياء، أجدر بالعزم من أتباع محمد -ﷺ-.\nوجمع بين الوهن والضّعف، وهما متقاربان تقاربًا قريبًا من الترادف؛ فالوهن قلَّة القدرة على العمل، وعلى النُّهوض في الأمر، والضّعف بضم الضّاد وفتحها ضدّ القوّة في البدن، وهما هنا مجازان، فالأوّل أقرب إلى خور العزيمة، ودبيب اليأس في النُّفوس والفكر، والثَّاني أقرب إلى الاستسلام والفشل في المقاومة.\nوأمّا الاستكانة فهي الخضوع والمذلّة للعدوّ.\nومن اللطائف ترتيبها في الذّكر على حسب ترتيبها في الحصول: فإنَّه إذا خارت العزيمة فَشِلت الأعضاء، وجاء الاستسلام، فتبعته المذلّة والخضوع للعدوّ.","vol":"4","page":142},{"text":"واعلموا أنَّه إذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء، وكانت النُّبوءة هديًا وتعليمًا، فلا بدع أن يكون هذا شأن أهل العلم، وأتباع الحقّ، أن لا يوهنهم، ولا يضعفهم، ولا يخضعهم، مقاومة مقاوم، ولا أذى حاسد، أو جاهل، وفي الحديث الصّحيح، في البخاري أن خَبَّابًا قال للنَّبي -ﷺ-: لقد لقينا من المشركين شدّة ألَا تدعُو الله \" فقعد وهو محمّر وجهه فقال: \" لقد كان مَن قبلكم لَيُمشَط بِمِشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضَع المنشار على مَفْرِق رأسه فيُشَقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه. (تفسير ابن عاشور)\n• قال الثعالبي: اعلم (رحمك اللَّه) أنَّ أصْلَ الوَهَنِ والضَّعْفِ عن الجِهَادِ، ومكافحةِ العَدُوِّ؛ هو حُبُّ الدنيا، وكراهيةُ بَذْلِ النفُوسِ للَّه، وبَذْلِ مُهَجِهَا لِلقَتْلِ في سَبيلِ اللَّهِ؛ ألا ترى إلى حال الصَّحابة -﵃-، وقلَّتِهِمْ في صَدْرِ الإسلامِ، وكيف فتح اللَّه بهم البلاد، ودان لدِينِهِمُ العباد، لما بَذَلُوا للَّه أنفسَهُمْ في الجهاد، وحالِنا اليَوْمَ، كما ترى؛ عددُ أهْل الإسلام كثيرٌ، ونكايتهم في الكُفَّار نَزْرٌ يسيرٌ، وقد روى أبو داود في \"سننه\" عن ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تتداعى عَلَيْكُمْ؛ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: ومِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ كَثِيرٌ، ولَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ\" اه، فانظر رحمك اللَّه، فهل هذا الزمانُ إلا زماننا بعَيْنه، وتأمَّل حال ملوكنا، إنما هِمَّتهم جمْعُ المالِ مِنْ حرامٍ وحلالٍ، وإعراضُهم عَنْ أمْر الجهاد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعُونَ على مُصَاب الإسلام.","vol":"4","page":143},{"text":"(وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) على مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره في سبيله فينصرهم ويعظم قدرهم.\nفالله يحب الصابرين على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقداره المؤلمة.\nوهذا من أعظم فضائل الصبر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1261>الفوائد:</span>\n١ - أن الله يسلي هذه الأمة بما حصل للأمم الماضية.\n٢ - أن الجهاد مشروع في غير هذه الأمة.\n٣ - الثناء على من يستحق الثناء.\n٤ - أن من طريق التشجيع على الشيء، أن يُذكر للإنسان سلف يقتدى به ويتشجع للحاق به.\n٥ - انحطاط مرتبة من يذل لأعداء الله.\n٦ - فضل الصبر على ما ينال في سبيل الله من أذى.\n٧ - الإشارة إلى الإخلاص.\n٨ - الغلظة للكفار.\n٩ - الحث على الصبر، لأنه الله يحبه.","vol":"4","page":144},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1262>(وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨».</span> [آل عمران: ١٤٧ - ١٤٨].\n<hr><s0>\n\n(وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ) أي: في تلك المواطن الصعبة.\n• قال الرازي: بين تعالى أنهم كانوا مستعدين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع بطلب الأمداد والإعانة من الله، والغرض منه أن يقتدي بهم في هذه الطريقة أمة محمد -ﷺ-، فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه ذل، ومن اعتصم بالله فاز بالمطلوب.\n(إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) أي: استرها وتجاوزها عنا.\n(وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا) الإسراف: مجاوزة الحد إلى ما حرم.\n• قال الشوكاني: قالوا ذلك هضمًا لأنفسهم.\n• قال ابن عاشور: … لأنَّه لمّا وصفهم برباطة الجأش، وثبات القلب، وصفهم بعد ذلك بما يدلّ على الثبات من أقوال اللِّسان الَّتي تجري عليه عند الاضطراب والجزع، أي أنّ ما أصابهم لم يخالجهم بسببه تردّد في صدق وعد الله، ولا بَدَر منهم تذمّر، بل علموا أنّ ذلك لحكمة يعلمها سبحانه، أو لعلَّه كان جزاء على تقصير منهم في القيام بواجب نصر دينه، أو في الوفاء بأمانة التكليف، فلذلك ابتهلوا إليه عند نزول المصيبة بقولهم (ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) خشية أن يكون ما أصابهم جزاء على ما فرط منهم، ثُمّ سألوه النصر وأسبابه.\n• وقال السعدي: علموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن التخلي منها من أسباب النصر، فسألوا ربهم مغفرتها.\n• قال علي: لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه.\n• قوله تعالى (وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا) قيل: المراد الكبائر.\n• قال ابن عاشور: ويجوز عندي أن يكون المراد بالإسْراف في الأمر التقصير في شأنهم ونظامهم فيما يرجع إلى أهبة القتال، والاستعداد له، أو الحذر من العدوّ، وهذا الظاهر من كلمة أمْر، بأن يكونوا شكُّوا أن يكون ما أصابهم من هزيمتهم في الحرب مع عدوّهم ناشئًا عن سببين: باطننٍ وظاهر، فالباطن هو غضب الله عليهم من جهة الذنوب، والظاهرُ هو تقصيرهم في الاستعداد والحذر، وهذا أولى من الوجه الأول.\n(وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) عند ملاقاة الأعداء، فإن هذا الموطن من أصعب المواطن التي يحتاج الإنسان إلى تثبيت، وذلك بإزالة الخوف عن قلوبهم، وإزالة الخواطر الفاسدة عن صدورهم.","vol":"4","page":145},{"text":"• قال ابن تيمية: فجمعوا بين الصبر والاستغفار، وهذا هو المأمور به في المصائب، الصبر عليها، والاستغفار من الذنوب التي كانت\nسببها.\n(وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) أي: اجعل الغلبة لنا على من كفر بك.\n• قال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (وَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ إلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) فِيهِ حِكَايَةُ دُعَاءِ الرِّبِّيِّينَ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَتَعْلِيمٌ لَنَا لَأَنْ نَقُولَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ عِنْدَ حُضُورِ الْقِتَالِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْعُوا بِمِثْلِهِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْمَدْحِ لَهُمْ وَالرِّضَا بِقَوْلِهِمْ لِنَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ وَنَسْتَحِقَّ مِنْ الْمَدْحِ كَاسْتِحْقَاقِهِم.\n(فَآتَاهُمُ اللَّهُ) أي: بسبب قولهم ذلك.\n(ثَوَابَ الدُّنْيَا) من النصرة والغنيمة وقهر العدو والثناء الجميل، وانشراح الصدر بنور الإيمان وزوال ظلمات الشبهات وكفارة المعاصي والسيئات.\n(وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ) من الجنة وما فيها من المنافع واللذات وأنواع السرور والتعظيم، وذلك غير حاصل في الحال، فيكون المراد أنه تعالى حكم لهم بحصولها في الآخرة.\n• وما ذاك، إلا لأنهم أحسنوا له الأعمال، فجازاهم بأحسن الجزاء.\n• قال الرازي: خص تعالى ثواب الآخرة بالحسن تنبيها على جلالة ثوابهم، وذلك لأن ثواب الآخرة كله في غاية الحسن، فما خصه الله بأنه حسن من هذا الجنس فانظر كيف يكون حسنه، ولم يصف ثواب الدنيا بذلك لقلتها وامتزاجها بالمضار وكونها، منقطعة زائلة.","vol":"4","page":146},{"text":"• وقال الشيخ ابن عثيمين: ولم يقل: ثواب الآخرة، بل قال: حسن، لأن ثواب الآخرة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وليس ثواب مكافأة فقط، بل ثواب حُسن وفضل، هذا وجه.\nوالوجه الثاني: أنه لم يعبر عن ثواب الدنيا بالحسن، لأن الدنيا مهما كانت فهي دار شقاء وعناء وكدر، فلا يمكن أن يخلو صفوها كدر.\n(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) الذين يحسنون في عبادة الله، ويحسنون إلى عباد الله.\nوهذا فضل عظيم للمحسنين.\n• قال الرازي: … إنهم لما أرادوا الإقدام على الجهاد طلبوا تثبيت أقدامهم في دينه ونصرتهم على العدو من الله تعالى، فعند ذلك سماهم بالمحسنين، وهذا يدل على أن العبد لا يمكنه الإتيان بالفعل الحسن، إلا إذا أعطاه الله ذلك الفعل الحسن وأعانه عليه، ثم إنه تعالى قال (هَلْ جَزَاء الإحسان إِلاَّ الإحسان) وقال (لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ) وكل ذلك يدل على أنه سبحانه هو الذي يعطي الفعل الحسن للعبد، ثم أنه يثيبه عليه ليعلم العبد أن الكل من الله وبإعانة الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1263>الفوائد:</span>\n١ - أنه ينبغي على الإنسان أن يلتجئ إلى الله بدعائه وتضرعه.\n٢ - ينبغي على الإنسان أن يدعو بهذا الدعاء عند ملاقاة العدو.\n٣ - تواضع هؤلاء وتذللهم لله واعترافهم بذنوبهم.\n٤ - أن الإنسان مفتقر إلى مغفرة ربه.\n٥ - الدعاء بالثبات وخاصة عند حلول الفتن.\n٦ - فضل من أحسن في عمله بأن الله يثيبه في الدنيا والآخرة.\n٧ - الإشارة إلى خفة مرتبة الدنيا بالنسبة للآخرة.\n٨ - إثبات البعث والجزاء.\n٩ - الجزاء من جنس العمل.\n١٠ - الحث على الإحسان.\n١١ - إثبات محبة الله تعالى.","vol":"4","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1264>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠».</span> [آل عمران: ١٤٩ - ١٥٠].\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة.\n(يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) أي: يردوكم إلى الكفر بعد الإيمان.\n(فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) في الدنيا والآخرة.\n• قال أبو حيان: الخطاب عامّ يتناول أهل أحد وغيرهم، وما زال الكفار مثابرين على رجوع المؤمنين عن دينهم، ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء.\nوقد جاءت النصوص الكثيرة بالنهي عن طاعة الكفار.\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا).\nوتقدم ذكر الآيات التي تدل على أنهم يتمون أن يرتد أهل الإسلام عن دينهم.\nكما قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ)\nقال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً).\nوقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ).\nوقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).\nوقال تعالى (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ).\n(بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ) أي: وليّكم وناصركم على أعدائكم الذين كفروا.\nوالمراد بالولاية هنا، الولاية الخاصة التي مقتضاها النصرة والتمكين، لأن الولاية تنقسم إلى قسمين:\nولاية عامة: مقتضاها أن يرزقهم ويعطيهم وأيضا القهر والسلطان والملك، وهذه للمؤمنين والكفار.\nودليلها قوله تعالى (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ).","vol":"4","page":148},{"text":"وقوله تعالى (ورُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).\nولاية خاصة، وهذه خاصة بالمؤمنين مقتضاها النصر والتأييد والتسديد والتوفيق والإخراج من الظلمات إلى النور.\nكما قال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).\nوقال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ).\nوقال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).\nفالله ولي المؤمنين: لأنه يواليهم بالنصر والثواب الجزيل، كما قال -ﷺ- في الحديث القدسي (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب). رواه\nالبخاري\nوالمؤمنون أولياء الله كقوله تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) لأنهم يوالونه بالطاعة، قال ابن القيم: فالولاية عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه، وليست بكثرة صوم ولا صلاة.\n(وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) لأنه القوي الذي لا يغلب والناصر في الحقيقة فينبغي أن يخص بالطاعة والاستعانة، والجملة معطوفة على ما قلبها.","vol":"4","page":149},{"text":"• قال الرازي: وإنما كان تعالى خير الناصرين لوجوه:\nالأول: أنه تعالى هو القادر على نصرتك في كل ما تريد، والعالم الذي لا يخفى عليه دعاؤك وتضرعك، والكريم الذي لا يبخل في جوده، ونصرة العبيد بعضهم لبعض بخلاف ذلك في كل هذه الوجوه.\nوالثاني: أنه ينصرك في الدنيا والآخرة، وغيره ليس كذلك.\nوالثالث: أنه ينصرك قبل سؤالك ومعرفتك بالحاجة، كما قال (قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم باليل والنهار) وغيره ليس كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1265>الفوائد:</span>\n١ - تحريم طاعة الكفار.\n٢ - أن من علامات الإيمان عدم طاعة الكفار.\n٣ - أن طاعة الكفار من علامات نقص الإيمان.\n٤ - وجوب الحذر من الكفار.\n٥ - أن طاعة الكفار تؤدي إلى الكفر.\n٦ - أن الكفر خسارة.\n٧ - إثبات الولاية لله تعالى.\n٨ - أن الله تعالى ناصر لأوليائه.\n٩ - أن الناصر هو الله، فيجب الاعتماد عليه.","vol":"4","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1266>(سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١».</span> [آل عمران: ١٥١].\n<hr><s0>\n\n(سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) أي: سنقذف في قلوبهم الخوف والفزع.\n(بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) أي: بسبب إشراكهم بالله وعبادتهم معه آلهة أخرى من غير حجة ولا برهان.\nفالشرك سبب للخوف والقلق كما قال تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ).\nفكلما كان الإنسان أشد إيمانًا وتوحيدًا كان أكثر استقرارًا وأمنًا.\n(وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ) أي: ومستقرهم النار.\nكما قال تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).\nوعن ابن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار) رواه البخاري.\nولمسلم عن جابر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار).\n(وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) أي: وبئس مقام الظالمين نار جهنم.\nوالمراد بالظلم هنا الشرك. لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك ظالم، لأنه وضع العبادة التي هي حق لله تعالى وحده، وضعها في المخلوق الضعيف الفقير أو وضعها لصنم أو حجر أو شجر، ولأجل هذا البيان فإن القرآن يكثر الله فيه إطلاق الظلم على\nالشرك.","vol":"4","page":151},{"text":"كما قال تعالى عن العبد الصالح (إن الشرك لظلم عظيم).\nوثبت في صحيح البخاري أن النبي -ﷺ- فسر قوله (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) قال: بشرك، ثم تلا قول لقمان (إن الشرك لظلم عظيم).\nوقال تعالى (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) أي: من المشركين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1267>الفوائد:</span>\n١ - عظمة الله تعالى.\n٢ - أن محل الإرادة والتدبير للبدن هو القلب.\n٣ - أن إلقاء الرعب في قلب الأعداء من أكبر النصر.\n٤ - إثبات الأسباب.\n٥ - أن الشرك سبب للخوف والقلق.\n٦ - تحريم الشرك وخطره.\n٧ - أن الشرك أعظم الظلم.\n٨ - إثبات أن النار مأوى الكافرين.","vol":"4","page":152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1268>(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢».</span> [آل عمران: ١٥٢].\n<hr><s0>\n\n(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ) أي: صدقكم الله ما وعدكم إياه من النصر.\nقال ابن عاشور: (ولقد صدقكم) عطف على قوله (سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب) وهذا عود إلى التَّسلية على ما أصابهم، وإظهار لاستمرار عناية الله تعالى بالمؤمنين، ورمز إلى الثقة بوعدهم بإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وتبيين لسبب هزيمة المسلمين: تطمينًا لهم بذكر نظيره ومماثله السابقِ، فإنّ لذلك موقعًا عظيمًا في الكلام على حدّ قولهم (التَّاريخ يعيد نفسه) وليتوسّل بذلك إلى إلقاء تَبِعة الهزيمة عليهم، وأنّ الله لم يُخلفهم وعده، ولكن سوء صنيعهم أوقعهم في المصيبة كقوله (وما أصابك من سيئة فمن نفسك).\n(إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ) أي: تقتلونهم.\nوقد انتصر المسلمون في أول الأمر وقتل من المشركين سبعة.\n(حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ) أي: قد نصركم إلى أن كان منكم الفشل والتنازع، لأنه تعالى كان إنما وعدهم بالنصرة بشرط التقوى والصبر على الطاعة، فلما فشلوا وعصوا انتهى النصر، وعلى هذا القول تكون كلمة \"حتى\" غاية بمعنى \"إلى\" فيكون معنى قوله: (حتى إِذَا) إلى أن، أو إلى حين.\nقال الجصاص: فِيهِ إخْبَارٌ بِتَقَدُّمِ وَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالنَّصْرِ عَلَى عَدُوِّهِمْ مَا لَمْ يَتَنَازَعُوا وَيَخْتَلِفُوا، فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ ظَهَرُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ وَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَمَرَ الرُّمَاةَ بِالْمُقَامِ فِي مَوْضِعٍ وَأَنْ لَا يَبْرَحُوا، فَعَصَوْا وَخَلَّوْا مَوَاضِعَهُمْ حِينَ رَأَوْا هَزِيمَةَ الْمُشْرِكِينَ وَظَنُّوا أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ بَاقِيَةٌ وَاخْتَلَفُوا وَتَنَازَعُوا، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ وَرَائِهِمْ فَقَتَلُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ قَتَلُوا بِتَرْكِهِمْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعِصْيَانِهِمْ.\nوَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ -ﷺ-؛ لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا مَوْعُودَ اللَّهِ كَمَا وَعَدَ قَبْلَ الْعِصْيَانِ، فَلَمَّا عَصَوْا وُكِلُوا إلَى أَنْفُسِهِمْ.\nوَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّصْرَ مِنْ اللَّهِ فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ مَضْمُونٌ بِاتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَالِاجْتِهَادِ فِي طَاعَتِهِ، وَعَلَى هَذَا جَرَتْ عَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ فِي\nنَصْرِهِمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ.","vol":"4","page":153},{"text":"(وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) أي: اختلفتم.\n(وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ) المراد عصيان الرماة للرسول -ﷺ-.\nوقد تقدم أن جواب الشرط: فاتكم النصر، وفاتكم ما تحبون.\nفالمعصية والاختلاف سبب للهزيمة.\nقال تعالى (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ).\nوقال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).\nعن الْبَرَاء بْن عَازِبرضي الله عنهما - قَالَ (جَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ - وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ «إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ، فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ» فَهَزَمُوهُمْ. قَالَ فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ، فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ الْغَنِيمَةَ - أَيْ قَوْمِ - الْغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنْتَظِرُونَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالُوا وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ. فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- غَيْرُ اثْنَىْ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ أَصَابَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا، …) رواه البخاري.\n(مَنْكم يُرِيدُ الدُّنْيَا) قال المفسرون: هم الذين طلبوا الغنيمة وتركوا مكانهم.\n• ومن تبعيضية، أي: بعضكم.\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا ظَنَنْت أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ قَاتَلَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا).\n(وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) وهم الذين ثبتوا.\n(ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ) أي: بعد أن استوليتم عليهم ردّكم عنهم بالانهزام.\nقال ابن كثير: ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم.","vol":"4","page":154},{"text":"(لِيَبْتَلِيَكُمْ) أي: ليظهر للرسول وللنَّاس مَن ثبت على الإيمان من غيره، ولأنّ في الابتلاء أسرارًا عظيمة في المحاسبة بين العبد وربِّه سبحانه وقد أجمل هذا الابتلاء هنا وسيبيّنه.\n• والابتلاء: الاختبار والامتحان، ويكون بالخير والشر.\nقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً).\nوقال سليمان لما رأى عرش بلقيس حاضرًا عنده (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).\n(وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) أي: غفر لكم ذلك الصنيع، وذلك - والله أعلم - لكثرة عدد العدو وعُدَدهم، وقلة عدد المسلمين وعُدَدهم.\nوقيل (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) أي: لم يستأصلكم.\nعَن عُثْمَانُ - هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ - قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ مَنْ أَهْلِ مِصْرَ حَجَّ الْبَيْتَ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ قَالَ هَؤُلَاءِ قُريْشٌ. قَالَ فَمَنِ الشَّيْخُ فِيهِمْ قَالُوا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. قَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ نَعَمْ. قَالَ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْ قَالَ نَعَمْ. قَالَ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا قَالَ نَعَمْ. قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ». وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُثْمَانَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرُّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ\nالْيُمْنَى «هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ». فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ «هَذِهِ لِعُثْمَانَ». فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ اذْهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ) رواه البخاري.\n(وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي: صاحب فضل ومنّ ونعمة على المؤمنين في جميع الأوقات والأحوال.\n\n<span data-type='title' id=toc-1269>الفوائد:</span>\n١ - صدق وعد الله، فانتصر المسلمون في أول المعركة.\n٢ - أن الفشل والتنازع والمعصية سبب للهزيمة.","vol":"4","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1270>(إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمًَّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣».</span> [آل عمران: ١٥٣].\n<hr><s0>\n\n(إِذْ تُصْعِدُونَ) أي: في الجبل هاربين من أعدائكم.\nقال البغوي: الإصعاد السير في مستوى الأرض، والصعود: الارتفاع على الجبال والسطوح.\nقوله تعالى (إِذْ تُصْعِدُونَ) فيه قولان:\nأحدهما: أنه متعلق بقوله (ولقد عنكم) كأنه قال وعفا عنكم إذ تصعدون، لأن عفوه عنهم لابد وأن يتعلق بأمر اقترفوه، وذلك الأمر هو ما بينه بقوله: (إِذْ تُصْعِدُونَ) والمراد به ما صدر عنهم من مفارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين لا يلوون على أحد، واختار هذا ابن جرير.\nقال ابن جرير: يعني بذلك جل ثناؤه، ولقد عفا عنكم أيها المؤمنون إذ لم يستأصلكم، إهلاكًا منه جمعكم بذنوبكم، وهربكم (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ).\nوثانيها: التقدير: ثم صرفكم عنهم إذ تصعدون، وهذا الذي ذكره ابن كثير.\nقال ابن كثير: أي صرفكم عنهم (إذ تصعدون) أي: في الجبل هاربين من أعدائكم.\n(وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ) أي: ولا تلتفتون إلى ما وراءكم من الدهشة والرعب والخوف.\n(وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ) أي: والرسول قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة.\nقال ابن كثير: وقد كان النبي -ﷺ- قد أفرد في اثنى عشر رجلا من أصحابه.\nعن البراء بن عازب قال (جعل رسول الله -ﷺ- على الرماة يوم أحد -وكانوا خمسين رجلا-عبد الله بن جُبير قال: ووضعهم موضعًا وقال: \"إنْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفَنَا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ وَإنْ رَأيْتُمُونَا ظَهَرنَا عَلَى الْعَدُوّ وأوَطأناهُمْ فَلا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرسِلَ إلَيْكُمْ قال: فهزموهم. قال: فأنا والله رأيت النساء يَشْتددن على الجبل، وقد بدت أسْؤُقُهنّ وخَلاخلُهُن رافعات ثيابهُن، فقال أصحاب عبد الله: الغَنِيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله -ﷺ-؟ فقالوا: إنا والله لَنَأتيَن الناس فَلنُصِبيَنَّ من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله -ﷺ- غير اثنى عشر رجلا فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله -ﷺ- وأصحابُه أصابوا من المشركين يوم بَدْر أربعين ومائة: سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا ..) رواه أحمد.","vol":"4","page":156},{"text":"وقال ابن عطية: قوله تعالى (في أخراكم) مدح للنبي ﵇ فإن ذلك هو موقف الأبطال في أعقاب الناس، ومنه قول الزبير بن باطا ما فعل مقدمتنا إذ حملنا وحاميتنا إذ فررنا، وكذلك كان رسول الله -ﷺ- أشجع الناس، ومنه قول سلمة بن الأكوع كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله -ﷺ-.\n(فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) ذهب الطبري إلى أن (الباء) بمعنى (على) والمعنى: فجازاكم على معصيتكم ومخالفتكم أمر الرسول غمًا على غم، كقوله (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) أي: على جذوع النخل، وقد رجح هذا القول ابن القيم.\nوقيل: غمًا متصلًا بغم، وقيل\n• غم الهزيمة، وغم بفوات النصر، وغم بانهزامكم، وغم فراركم، وغم إشاعة: إن الرسول -ﷺ- قد مات.\n• قيل: جَازَاكُمْ غَمّا بِمَا غَمَمْتُمْ رَسُولَهُ بِفِرَارِكُمْ عَنْهُ وَأَسْلَمْتُمُوهُ إلَى عَدُوّهِ فَالْغَمّ الّذِي حَصَلَ لَكُمْ جَزَاءً عَلَى الْغَمّ الّذِي أَوْقَعْتُمُوهُ بِنَبِيّهِ، لكنه قول ضعيف.\n(لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) أي: من النصر والغنيمة.\n(وَلا مَا أَصَابَكُمْ) أي: من القتل والجراح، إذا تحققتم أن الرسول -ﷺ- لم يقتل، هانت عليكم تلك المصائب، واغتبطتم بوجوده المسلّي عن كل مصيبة ومحنة، فلله ما في ضمن البلايا والمحن من الأسرار والحكم. (تفسير السعدي).\n• هذه الحكمة من إصابتهم غمًا بغم، وهي أن كل غم ينسي الغم الذي قبله.\nقال ابن القيم: ثُمّ ذَكّرَهُمْ بِحَالِهِمْ وَقْتَ الْفِرَارِ مُصْعِدِينَ أَيْ جَادّينَ فِي الْهَرَبِ وَالذّهَابِ فِي الْأَرْضِ أَوْ صَاعِدِينَ فِي الْجَبَلِ لَا يَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نَبِيّهِمْ وَلَا أَصْحَابِهِمْ وَالرّسُولُ يَدْعُوهُمْ فِي أُخْرَاهُمْ إلَى عِبَادِ اللّهِ أَنَا رَسُولُ اللّهِ فَأَثَابَهُمْ بِهَذَا الْهَرَبِ وَالْفِرَارِ غَمّا بَعْدَ غَمّ غَمّ الْهَزِيمَةِ وَالْكَسْرَةِ وَغَمّ صَرْخَةِ الشّيْطَانِ فِيهِمْ بِأَنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ.","vol":"4","page":157},{"text":"وَقِيلَ جَازَاكُمْ غَمّا بِمَا غَمَمْتُمْ رَسُولَهُ بِفِرَارِكُمْ عَنْهُ وَأَسْلَمْتُمُوهُ إلَى عَدُوّهِ فَالْغَمّ الّذِي حَصَلَ لَكُمْ جَزَاءً عَلَى الْغَمّ الّذِي أَوْقَعْتُمُوهُ بِنَبِيّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1271>وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ أَظْهَرُ لِوُجُوهٍ:</span>\nأَحَدُهَا: أَنّ قَوْلَهُ (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ) تَنْبِيهٌ عَلَى حِكْمَةِ هَذَا الْغَمّ بَعْدَ الْغَمّ وَهُوَ أَنْ يُنْسِيَهُمْ الْحُزْنَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ أَصَابَهُمْ مِنْ الْهَزِيمَةِ وَالْجِرَاحِ فَنَسُوا بِذَلِكَ السّبَبَ وَهَذَا إنّمَا يَحْصُلُ بِالْغَمّ الّذِي يَعْقُبُهُ غَمّ آخَرُ.\nالثّانِي: أَنّهُ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ فَإِنّهُ حَصَلَ لَهُمْ غَمّ فَوَاتِ الْغَنِيمَةِ ثُمّ أَعْقَبَهُ غَمّ الْهَزِيمَةِ ثُمّ غَمّ الْجِرَاحِ الّتِي أَصَابَتْهُمْ ثُمّ غَمّ الْقَتْلِ ثُمّ غَمّ سَمَاعِهِمْ أَنّ رَسُولَ اللّهِ -ﷺ- قَدْ قُتِلَ ثُمّ غَمّ ظُهُورِ أَعْدَائِهِمْ عَلَى الْجَبَلِ فَوْقَهُمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ غَمّيْنَ اثْنَيْنِ خَاصّةً بَلْ غَمّا مُتَتَابِعًا لِتَمَامِ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ.\nالثّالِثُ أَنّ قَوْلَهُ \" بِغَمّ \" مِنْ تَمَامِ الثّوَابِ لَا أَنّهُ سَبَبُ جَزَاءِ الثّوَابِ وَالْمَعْنَى: أَثَابَكُمْ غَمّا مُتّصِلًا بِغَمّ جَزَاءً عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ مَنْ الْهُرُوبِ وَإِسْلَامِهِمْ نَبِيّهُمْ -ﷺ- وَأَصْحَابَهُ وَتَرْكِ اسْتِجَابَتِهِمْ لَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ لَهُ فِي لُزُومِ مَرْكَزِهِمْ وَتَنَازُعِهِمْ فِي الْأَمْرِ وَفَشَلِهِمْ وَكُلّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ يُوجِبُ غَمّا يَخُصّهُ فَتَرَادَفَتْ عَلَيْهِمْ الْغُمُومُ كَمَا تَرَادَفَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُهَا وَمُوجِبَاتُهَا.\n(وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فلا تخفى عليه خافيه، يعلم ما في القلوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1272>الفوائد:</span>\n١ - تذكير المؤمنين بما جرى منهم من المخالفة.\n٢ - حسن رعاية النبي -ﷺ- لأمته في قيادته العظيمة، حيث يكون في أخريات القوم.\n٣ - شجاعة النبي -ﷺ-.\n٤ - إن الله يحب من عباده ألا يحزنوا.\n٥ - إثبات علم الله الواسع.\n٦ - وجوب الحذر من المخالفة.","vol":"4","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1273>(ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤».</span> [آل عمران: ١٥٤].\n<hr><s0>\n\n(ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ) الذي أصابكم.\n(أَمَنَةً نُعَاسًا) هذا امتنان منه تعالى عليهم، أي: ثم أرسل عليكم بعد ذلك الغم الشديد النعاس للسكينة والطمأنينة، ولتأمنوا على أنفسكم من عدوكم، فالخائف لا ينام.\n• قال ابن الجوزي: وفي وجه الامتنان عليهم بالنعاس قولان:\nأحدهما: أنه منهم بعد خوفهم حتى ناموا، فالمنة بزوال الخوف، لأن الخائف لا ينام.\nوالثاني: قواهم بالاستراحة على القتال.\nقال البغوي: قوله تعالى (أَمَنَةً) يعني: أمنًا، والأمنْ والأمَنَة بمعنى واحد، وقيل: الأمنُ يكون مع زوال سبب الخوف، والأمَنَة مع بقاء سبب الخوف، وكان سبب الخوف قائمًا.","vol":"4","page":159},{"text":"(يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ) أي: يغشى النوم فريقًا منكم وهم المؤمنون المخلصون.\n• قال أبو طلحة: غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ في مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ.\n• قال السعدي: ولا شك أن هذا رحمة بهم، وإحسان وتثبيت لقلوبهم، وزيادة طمأنينة؛ لأن الخائف لا يأتيه النعاس لما في قلبه من الخوف، فإذا زال الخوف عن القلب أمكن أن يأتيه النعاس.\nوهذه الطائفة التي أنعم الله عليها بالنعاس هم المؤمنون الذين ليس لهم هم إلا إقامة دين الله، ورضا الله ورسوله، ومصلحة إخوانهم المسلمين.\n• قال أبو طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه.\nثم يسقط فيأخذه، وعن الزبير قال: كنت مع النبي -ﷺ- حين اشتد الخوف، فأرسل الله علينا النوم، وإني لأسمع قول معتب بن قشير: والنعاس يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.\nوقال عبد الرحمن بن عوف: ألقى النوم علينا يوم أحد.\nوعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان، وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.\n• قال الرازي: واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد:\nأحدها: أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي -ﷺ-، ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيمانًا مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو ووثوقهم بأن الله منجز وعده،\nوثانيها: أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال، والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة،\nوثالثها: أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم، فيشتد الخوف والجبن في قلوبهم.","vol":"4","page":160},{"text":"ورابعها: أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى.\nوقال الجصاص: وَفِي ذَلِكَ أَعْظَمُ الدَّلَائِلِ وَأَكْبَرُ الْحِجَجِ فِي صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ وُجُوهٍ:\nأَحَدُهَا: وُقُوعُ الْأَمَنَةِ مَعَ اسْتِعْلَاءِ الْعَدُوِّ مِنْ غَيْرِ مَدَدٍ آتَاهُمْ وَلَا نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ وَلَا انْصِرَافِهِمْ عَنْهُمْ وَلَا قِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَيُنَزِّلُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قُلُوبِهِمْ الْأَمَنَةَ، وَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ خَاصَّةً.\nوَالثَّانِي: وُقُوعُ النُّعَاسِ عَلَيْهِمْ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي يَطِيرُ فِي مِثْلِهَا النُّعَاسُ عَمَّنْ شَاهَدَهَا بَعْدَ الِانْصِرَافِ وَالرُّجُوعِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ الْمُشَاهَدَةِ وَقَصْدُ الْعَدُوِّ نَحْوَهُمْ لِاسْتِيصَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ.\nوَالثَّالِثُ: تَمْيِيزُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ حَتَّى خَصَّ الْمُؤْمِنِينَ بِتِلْكَ الْأَمَنَةِ وَالنُّعَاسِ دُونَ الْمُنَافِقِينَ، فَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ فِي غَايَةِ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالْمُنَافِقُونَ فِي غَايَةِ الْهَلَعِ وَالْخَوْفِ وَالْقَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ؛ فَسُبْحَانَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ الَّذِي لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.\n(وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) أي: وجماعة أخرى حملتهم أنفسهم على الهزيمة فلا رغبة لهم إلا نجاتها وهم المنافقون، أو في إيمانهم ضعف.","vol":"4","page":161},{"text":"• قال الرازي: واعلم أن الذين كانوا مع الرسول -ﷺ- يوم أحد فريقان: أحدهما: الذين كانوا جازمين بأن محمدًا ﵊ نبي حق من عند الله وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وكانوا قد سمعوا من النبي -ﷺ- أن الله تعالى ينصر هذا الدين ويظهره على سائر الأديان، فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال، فلا جرم كانوا آمنين، وبلغ ذلك الأمن إلى حيث غشيهم النعاس، فإن النوم لا يجيء مع الخوف، فمجيء النوم يدل على زوال الخوف بالكلية، فقال ههنا في قصة أحد في هؤلاء (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاسًا) وقال في قصة بدر (إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مّنْهُ) ففي قصة أحد قدم الأمنة على النعاس، وفي قصة بدر قدم النعاس على الأمنة، وأما الطائفة الثانية وهم المنافقون الذين كانوا شاكين في نبوته ﵊، وما حضروا إلا لطلب الغنيمة، فهؤلاء اشتد جزعهم وعظم خوفهم، ثم إنه تعالى وصف حال كل واحدة من هاتين الطائفتين.\n(يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) أي: يظنون بالله الظنون السيئة مثل ظن أهل الجاهلية.\n• قال ابن كثير: وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإسلام قد باد أهله، وهذا شأن أهل الريب والشك، إذا حصل أمر من الأمر الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة.\n• وقال ابن عاشور: وإنَّما كان هذا الظنّ غيرَ الحقّ لأنَّه تخليط في معرفة صفات الله وصفات رسوله وما يجوز وما يستحيل، فإنّ لله أمرًا وهديًا وله قدَر وتيسير، وكذلك لرسوله الدعوة والتشريع وبذل الجهد في تأييد الدّين وهو في ذلك معصوم، وليس معصومًا من جريان الأسباب الدنيوية عليه، ومن أن يكون الحرب بينه وبين عدوّه سجالًا، قال أبو سفيان لهرقل وقد سأله: كيف كان قتالكم له؟ فقال أبو سفيان: ينال منّا وننال منه، فقال هرقل: وكذلك الإيمان حتَّى يتمّ.\nفظنّهم ذلك ليس بحقّ.\nوقد بيّن الله تعالى أنَّه ظنّ الجاهلية الَّذين لم يعرفوا الإيمان أصلًا فهؤلاء المتظاهرون بالإيمان لم يدخل الإيمان في قلوبهم فبقيت معارفهم كما هي من عهد الجاهلية،\n(يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) أي: ليس لنا من الأمر شيء، ولو كان لنا اختيار ما خرجنا لقتال.\n• قال القاسمي: أي: هل لنا من أمر التدبير والرأي من شيء، استفهام على سبيل الإنكار. أي: ما لنا أمر يطاع. ونظيره ما حكاه الله عنهم أنهم قالوا (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) وذلك أن عبد الله بن أبيّ لما شاوره النبي -ﷺ- في هذه الواقعة، أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة، ثم إن الصحابة ألحوا على النبي -ﷺ- في أن يخرج إليهم، كما تقدم. ولما رجع عبد الله بن أبيّ بمن معه، وأخبر بكثرة القتلى من بني الخزرج، قال: هل لنا من الأمر شيء؟ يعني أن محمدًا -ﷺ- لم يقبل قولي حين أمرته بأن يبقى في المدينة ولا يخرج منها.","vol":"4","page":162},{"text":"(قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) أي: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين الأمر كله بيد الله يصرّفه كيف شاء.\nفجميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وعاقبتها النصر والظفر لأوليائه، وأهل طاعته، وإن جرى عليهم ما جرى.\n(يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ) أي: يبطنون في أنفسهم ما لا يظهرون لك.\n• قال ابن الجوزي: في الذي أخفوه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه قولهم (لو كنا في بيوتنا ما قتلنا هاهنا).\nوالثاني: أنه إسرارهم الكفر، والشك في أمر الله.\nوالثالث: الندم على حضورهم مع المسلمين بأحُد.\n(يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) أي: لو كان الاختيار لنا لم نخرج فلم نُقتل ولكن أكرهنا على الخروج\n• قال السعدي: في هذا إنكار منهم، وتكذيب بقدر الله، وتسفيه منهم لرأي رسول الله -ﷺ-، ورأي أصحابه، وتزكية منهم لأنفسهم.\n(قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) التي هي أبعد شيء عن مظان القتل.\n(لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) لخرج أولئك إلى مصارعهم، فقدر الله لا مناص منه ولا مفر.\nفالأسباب - وإن عظمت - إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء، فإذا عارضها القدر لم تنفع شيئًا، بل لابد أن يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت والحياة.","vol":"4","page":163},{"text":"قال ابن عاشور: والمعنى: لو لم تكونوا ههنا وكنتم في بيوتكم لخرج الَّذين كتب الله عليهم أن يموتوا مقتولين فقتلوا في مضاجعهم الَّتي اضطجعوا فيها يوم أُحُد أي مصارعهم فالمراد بقوله: (كتب) قدّر، ومعنى (برز) خرج إلى البراز وهو الأرض.\n• وقال القاسمي: كما قال تعالى (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ). وفيه مبالغة في رد مقالتهم الباطلة، حيث لم يقتصر على تحقيق نفس القتل، بل عين مكانه أيضًا. وفي التعبير بمضاجعهم من إجلالهم وتكريمهم ما لا يخفى على صاحب الذوق السليم.\n(وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ) أي: ليختبر ما في قلوبكم من الإخلاص والنفاق.\n• قوله تعالى: (وَلِيَبْتَلِيَ) الواو حرف عطف، واللام لام التعليل، ولهذا يجب كسرها، بخلاف لام الأمر، فإنها تسكن إذا وقعت بعد حرف العطف [الواو والفاء وثم] قال تعالى (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) وقال تعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)، أما لام التعليل فإنها مكسورة دائمًا ولو بعد الواو أو ثم أو الفاء. (ابن عثيمين).\n(وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) أي: لينقي ما في قلوبكم ويطهره.\n• قال ابن تيمية: عند المحن تظهر كمائن النفوس.\n• قال الحسن: الناس وقت الرخاء متساوين فإذا وقع البلاء تباينوا.\n• قال ابن عاشور: والتمحيص تخليص الشيء ممَّا يخالطه ممَّا فيه عيب له فهو كالتزكية.\nوالقلوب هنا بمعنى العقائد، ومعنى تمحيص ما فيه قلوبهم تطهيرها ممَّا يخامرها من الريب حين سماع شُبه المنافقين الّتي يبثُّونها بينهم.\n• قال ابن القيم: ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ حِكْمَةٍ أُخْرَى فِي هَذَا التّقْدِيرِ هِيَ ابْتِلَاءُ مَا فِي صُدُورِهِمْ وَهُوَ اخْتِبَارُ مَا فِيهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَالنّفَاقِ فَالْمُؤْمِنُ لَا يَزْدَادُ بِذَلِكَ إلّا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا وَالْمُنَافِقُ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ لَا بُدّ أَنْ يَظْهَرَ مَا فِي قَلْبِهِ عَلَى جَوَارِحِهِ وَلِسَانِهِ، ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى: وَهُوَ تَمْحِيصُ مَا فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ تَخْلِيصُهُ وَتَنْقِيَتُهُ وَتَهْذِيبُهُ فَإِنّ الْقُلُوبَ يُخَالِطُهَا بِغَلَبَاتِ الطّبَائِعِ؟ وَمَيْلِ النّفُوسِ وَحُكْمِ الْعَادَةِ وَتَزْيِينِ الشّيْطَانِ وَاسْتِيلَاءِ الْغَفْلَةِ مَا يُضَادّ مَا أُودِعَ فِيهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْبِرّ وَالتّقْوَى فَلَوْ تُرِكَتْ فِي عَافِيَةٍ دَائِمَةٍ مُسْتَمِرّةٍ لَمْ تَتَخَلّصْ مِنْ هَذِهِ الْمُخَالَطَةِ وَلَمْ تَتَمَحّصْ مِنْهُ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الْعَزِيزِ أَنْ قَيّضَ لَهَا مِنْ الْمِحَنِ وَالْبَلَايَا مَا يَكُونُ كَالدّوَاءِ الْكَرِيهِ لِمَنْ عَرَضَ لَهُ دَاءٌ إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ طَبِيبُهُ بِإِزَالَتِهِ وَتَنْقِيَتِهِ مِنْ جَسَدِهِ وَإِلّا خِيفَ عَلَيْهِ مِنْهُ الْفَسَادُ وَالْهَلَاكُ فَكَانَتْ نِعْمَتُهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْكَسْرَةِ وَالْهَزِيمَةِ وَقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ تُعَادِلُ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ وَتَأْيِيدِهِمْ وَظَفَرِهِمْ بِعَدُوّهِمْ فَلَهُ عَلَيْهِمْ النّعْمَةُ التّامّةُ فِي هَذَا وَهَذَا.","vol":"4","page":164},{"text":"(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي بما في القلوب التي في الصدور من الضمائر الخفية ووصفت بذلك لأنها لتمكنها من الصدور جعلت كأنها مالكة لها فذات بمعنى صاحبة لا بمعنى ذات الشيء ونفسه.\nوقال البيضاوي: (والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور) بخفياتها قبل إظهارها، وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين وإظهار حال المنافقين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1274>الفوائد:</span>\n١ - أن الله هو الذي يجلب للمرء النوم أو يرفعه.\n٢ - أن النعاس قد يكون محمودًا وقد يكون مذمومًا.\n٣ - أن النعاس الذي أصابهم إنما أصاب المؤمنين الخلّص.\n٤ - ذم من ظن بالله غير الحق.\n٥ - وجوب حسن الظن بالله، وعلى قدر حسن الظن بالله يكون النصر والتأييد.\nوقد جاء في الحديث: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (يَقُولُ اللَّهُ ﷿ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِى وَإِنْ ذَكَرَنِي في مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّى شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً).\nففي هذا الحديث دليل على فضل إحسان الظن بالله تعالى، وقد جاء في الحديث (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى).\nفمن أحسن ظنه بالله آتاه الله إياه.\nوفي المسند قال -ﷺ- (إن الله ﷿ قال: أنا عند ظن عبدي بي، إنْ ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله).\nوالمعنى: أعاملُه على حسب ظنه بي، وأفعل به ما يتوقعه مني من خير أو شر.\nوقال عبد الله بن مسعود (والذي لا إله غيرُه ما أُعطي عبدٌ مؤمن شيئًا خيرًا من حسن الظن بالله ﷿، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله ﷿ الظن إلا أعطاه الله ﷿ ظنَّه؛ ذلك بأنَّ الخيرَ في يده» رواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن.\nقال سهل القطعي ﵀: رأيت مالك بن دينار ﵀ في منامي، فقلت: يا أبا يحيى ليت شعري، ماذا قدمت به على الله ﷿؟ قال: قدمت بذنوب كثيرة، فمحاها عني حسن الظن بالله رواه ابن أبي الدنيا.\n• ومعنى حُسن الظن بالله عَزَّ وجَلَّ هو اعتماد الإنسان المؤمن على ربِّه في أموره كلها، ويقينه الكامل وثقته التامة بوعد الله ووعيده، وإطمئنانه بما عند الله، وعدم الإتكال المُطلق على تدبير نفسه وما يقوم به من أعمال.\nوحسن الظن بالله من مقتضيات التوحيد لأنه مبنيٌ على العلم برحمة الله وعزته وإحسانه وقدرته وحسن التوكل عليه.\n٦ - أن النبي -ﷺ- لا يعلم الغيب.\n٧ - تحريم الاعتراض على القدر.\n٨ - إثبات الحكمة في أفعال الله.\n٩ - إثبات علم الله بما في القلوب.","vol":"4","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1275>(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥».</span> [آل عمران: ١٥٥].\n<hr><s0>\n\n• (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) أي: انهزموا يوم أحد.\n• قال ابن الجوزي: الخطاب للمؤمنين، وتوليهم فرارهم من العدو، والجمعان: جمع المؤمنين وجمع المشركين يوم أحد.\n(إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) أي: بسبب بعض ما كسبوا من الذنوب التي منها مخالفة رسول الله -ﷺ-.\n• قال ابن قتيبة: استزلهم طلب زلتهم، كما يقال استعجلته أي طلبت عجلته، واستعملته طلبت عمله.\n(وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) أي: عفا عما كان منهم من الفرار.\n• قال ابن عاشور: ومناسبةُ ذكر هذه الآية عقب الَّتي قبلها أنَّه تعالى بعد أن بيَّن لهم مرتبة حقّ اليقين بقوله (قل لو كنتم في بيوتكم) انتقل بهم إلى مرتبة الأسباب الظاهرة، فبيّن لهم أنَّه إن كان للأسباب تأثير فسبب مصيبتهم هي أفعالهم الَّتي أملاها الشيطان عليهم وأضلّهم، فلم يتفطّنوا إلى السبب، والتبس عليهم بالمقارن، ومن شأن هذا الضلال أن يحول بين المخطئ وبين تدارك خطئه ولا يخفى ما في الجمع بين هذه الأغراض من العلم الصّحيح، وتزكية النفوس، وتحبيب الله ورسوله للمؤمنين، وتعظيمه عندهم، وتنفيرهم من الشيطان، والأفعالِ الذميمة، ومعصية الرسول، وتسفيه أحلام المشركين والمنافقين.\nوعلى هذا فالمراد من الذين تولّوا نفس المخاطبين بقوله: (ثم صرفكم عنهم …) وضمير (منكم) راجع إلى عامّة جيش أُحُد فشمل الذين ثبتوا ولم يفرّوا.\nوممن فر عثمان -﵁- لكن الله عفا عنه وعن البقية.\n(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) أي: غفور لمن تاب وأناب.\n(حَلِيمٌ) لا يعاجل بالعقوبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1276>الفوائد:</span>\n١ - بيان سبب انهزام من انهزم من الصحابة.\n٢ - تحريم الفرار إذا التقى الجمعان.\n٣ - إثبات اسم الله الحليم المتضمن لسعة حلمه تعالى.","vol":"4","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1277>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦».</span> [آل عمران: ١٥٦].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا) ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد.\nقيل المراد بالين كفروا: جميع الكفار.\nوقيل: المراد المنافقين كعبد الله بن أبيّ.\n(وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ) أي: عن إخوانهم.\n(إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) أي: سافروا للتجارة ونحوها.\n(أَوْ كَانُوا غُزّىً) أي: في الغزو.\n(لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا) أي: في البلد.\n(مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) أي: ما ماتوا في السفر ولا قتلوا في الغزو.\n(لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتهم وقتلهم.\n(وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت إلا بمشيئته وقدره، ولا يُزاد في عمُر أحد ولا يُنقص منه إلا بقضائه وقدره.\nقال الطبري: يعني جل ثناؤه بقوله: (والله يحيي ويميت) والله المعجِّل الموتَ لمن يشاء من حيث يشاء، والمميت من يشاء كلما شاء، دون غيره من سائر خلقه.\nوهذا من الله ﷿ ترغيبٌ لعباده المؤمنين على جهاد عدوه والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله وإعلامٌ منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحدٌ ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له ونهيٌ منه لهم، إذ كان كذلك، أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين. أ هـ\n(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) بكل شيء، يبصر كل صغير وكبير.\n\n<span data-type='title' id=toc-1278>الفوائد:</span>\n١ - النهي عن التشبه بالكفار، وهذا النهي للتحريم لقوله -ﷺ- (من تشبه بقوم فهو منهم).\n٢ - النهي عن الندم عما مضى.\n٣ - تحريم قول (لو) اعتراضًا على القدر.\n٤ - الحث على الجهاد، لأن الخروج الجهاد لا يقدم الموت، لأن كل شيء مكتوب محدد.\n٥ - ذم الاعتراض على القدر.\n٦ - أن الاعتراض على القدر يسبب الحسرة والندم.\n٧ - أن الإحياء والإماتة بيد الله.\n٨ - عموم علم الله تعالى.","vol":"4","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1279>(وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ (١٥٨».</span> [آل عمران: ١٥٧ - ١٥٨].\n<hr><s0>\n\n(وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: استشهدتم في سبيل الله في الحرب أو القتال.\nأَوْ مُتُّمْ) أي: أو جاءكم الموت وأنتم قاصدون قتالهم.\n(لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) أي: ذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني.\n(وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) أي: وسواء متم على فراشكم أو قتلتم في ساحة الحرب فإن مرجعكم إلى الله فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقربكم إلى الله ويوجب لكم رضاه من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته.\n• الفرق بين المغفرة والرحمة: أن المغفرة بها زوال المكروه، والرحمة بها حصول المطلوب، أي: أنكم يحصل لكم مطلوبكم وتنجون من مرهوبكم.\n• وقال أبو السعود: قوله تعالى (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ) شروعٌ في تحقيق أن ما يحذرون ترتُّبَه على الغزو والسفر من القتل والموتِ في سبيل الله تعالى ليس مما ينبغي أن يُحذر، بل مما يجب أن يتنافسَ فيه المتنافسون إثرَ إبطالِ ترتُّبِه عليهما.\n• قال الرازي: اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن شبهة المنافقين، وتقريره أن هذا الموت لا بد واقع ولا محيص للإنسان من أن يقتل أو يموت، فإذا وقع هذا الموت أو القتل في سبيل الله وفي طلب رضوانه، فهو خير من أن يجعل ذلك في طلب الدنيا ولذاتها التي لا ينتفع الإنسان بها بعد الموت ألبتة، وهذا جواب في غاية الحسن والقوة.\n• قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن المقتول في الجهاد والميت كلاهما ينال مغفرة من الله ورحمة خيرًا له مما يجمعه من حطام الدنيا وأوضح وجه ذلك في آية أخرى بين فيها أن الله اشترى منه حياة قصيرة فانية منغصة بالمصائب والآلام بحياة أبدية لذيذة لا تنقطع ولا يتأذى صاحبها بشيء واشترى منه مالًا قليلًا فانيًا بملك لا ينفد ولا ينقضي أبدًا وهي قوله (إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التوراة والإنجيل والقرآن وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم).\nوقال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا).\nوبين في آية أخرى أن فضل الله ورحمته خير مما يجمعه أهل الدنيا من حطامها وزاد فيها الأمر بالفرح بفضل الله ورحمته دون حطام الدنيا وهي قوله تعالى (قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون) وتقديم المعمول يؤذن بالحصر أعني قوله (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ) أي: دون غيره فلا يفرحوا بحطام الدنيا الذي يجمعونه.\nوقال تعالى (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون).","vol":"4","page":168},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1280> ومما يدل على حقارة الدنيا:</span>\nقوله -ﷺ- (لغدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها).\nوقوله -ﷺ- (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها).\nوقوله -ﷺ- (لأن أقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس).\nوقوله -ﷺ- (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها).\nوقوله -ﷺ- (ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة وتركها).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ).\nوقال تعالى (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ).\nوقال تعالى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا).\nوقال ابن عطية: ذكر تعالى الحشر إليه، وأنه غاية لكل أحد قتل أو مات، وفي الآية تحقير لأمر الدنيا وحض على طلب الشهادة، أي إذا كان الحشر في كلا الأمرين فالمضي إليه في حال الشهادة أولى\n\n<span data-type='title' id=toc-1281>الفوائد:</span>\n١ - أن من قتل في سبيل الله أو مات من المؤمنين فقد انتقل إلى خير من الدنيا.\n٢ - تسلية الله لعباده المؤمنين.\n٣ - الجمع بين المغفرة والرحمة ليكمل للإنسان سعادته.\n٤ - إثبات لقاء الله تعالى.\n٥ - حقارة الدنيا وفنائها.\n٥ - إثبات الحشر.\n٦ - إثبات لقاء الله تعالى.","vol":"4","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1282>(فبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩».</span> [آل عمران: ١٥٩].\n<hr><s0>\n\n(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) أي: فبسبب رحمة الله أودعها الله في قلبك يا محمد كنت لين الجانب مع أصحابك\nقال ابن القيم: أي ما لنت لهم إلا برحمة من الله.\n• قال الرازي: علم أن لينه -ﷺ- مع القوم عبارة عن حسن خلقه مع القوم.\nقال تعالى: (واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين).\nوقال (خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين).\nوقال (وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).\nوقال (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنينَ رَؤوفٌ رَّحِيمٌ).\n(وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا) الفظ هنا الغليظ والمراد به هاهنا غليظ الكلام، لقوله بعد ذلك (غليظ القلب).\n(غَلِيظَ الْقَلْبِ) أي: قاسي القلب عليهم.\n(لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) لانفضوا من حولك وتركوك.\n(فَاعْفُ عَنْهُمْ) أي: اعف عمن أساء إليك.\n(وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) أي اطلب المغفرة لهم من الله.\n(وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) ولهذا كان -ﷺ- يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبًا لقلوبهم.\nقيل: أمر النبي -ﷺ- بمشاورة أصحابه تطييبًا لقلوبهم.\nوقيل: ليسن لأمته المشاورة في الأمور.\nوقيل: ليصل - بإذن الله ثم باستشارتهم - إلى أوفق الآراء.\nوقد استشار النبي -ﷺ- أصحابه في عدة مواضع:\nاستشارهم في غزوة بدر.\nواستشارهم في أسارى بدر.\nواستشارهم في قصة الإفك، فاستشار عليًا وأسامة وبريرة.\nوقال -ﷺ- لعائشة (… لا تعجلي حتى تستشيري أبويك).","vol":"4","page":170},{"text":"قال السعدي: قوله تعالى (وشاورهم في الأمر) أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره:\nمنها: أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله.\nومنها: أن فيها تسميحًا لخواطرهم، وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن من له الأمر على الناس -إذا جمع أهل الرأي، والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث- اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس بمستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته، لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة، ولا يطيعونه وإن أطاعوه فطاعة غير تامة.\nومنها: أن في الاستشارة تنور الأفكار، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول.\nومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي: المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم، فإذا كان الله يقول لرسوله -ﷺ- وهو أكمل الناس عقلًا وأغزرهم علمًا، وأفضلهم رأيًا: (وشاورهم في الأمر) فكيف بغيره؟!\n• وقال ابن الجوزي: إن المشاور إذا لم ينجح أمره علم أن امتناع النجاح محضٌ قدر فلم يلُم نفسَه.\nإنه قد يعزم على أمر يتبين له الصواب في قول غيره فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح.\n(فَإِذَا عَزَمْتَ) على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه، إن كان يحتاج إلى استشارة.\n(فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) أي: اعتمد على حول الله وقوته، متبرئًا من حولك وقوتك.\n(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) عليه، اللاجئين إليه.\nوفي هذا فضل عظيم للمتوكلين.\nوقد تقدم فضل التوكل وعلو منزلته.\n\n<span data-type='title' id=toc-1283>الفوائد:</span>\n١ - أنه ينبغي للقائد أن يكون لينًا ليتعرض لرحمة الله.\n٢ - أن اللين أولى بكثير من الغلظة.\n٣ - فضل العفو.\n٤ - الأمر بالشورى.\n٥ - وجوب الاعتماد على الله.","vol":"4","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1284>(إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠».</span> [آل عمران: ١٦٠].\n<hr><s0>\n\n(إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ) بنصره.\n(فَلا غَالِبَ لَكُمْ) فلو اجتمع عليكم من في أقطارها، وما عندهم من العدد والعُدد، لأن الله لا مغالب له، وقد قهر العباد، وأخذ بنواصيهم.\n(وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ) فيكلكم إلى أنفسكم.\n(فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق.\n(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي: لا على غيره.\nوفي هذه الآية الأمر بالتوكل على الله، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1285>الفوائد:</span>\n١ - بيان كمال قدرة الله.\n٢ - وجوب تعلق القلب بالله تعالى وحده في طلب الانتصار.\n٣ - أن الله إذا قدّر خذلان أحد فلا ناصر له.\n٤ - وجوب التوكل على الله.\n٥ - أن التوكل من مقتضيان الإيمان.","vol":"4","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1286>(وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١».</span> [آل عمران: ١٦١].\n<hr><s0>\n\n(وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) أي: ما صحّ ولا استقام شرعًا ولا عقلًا لنبي من الأنبياء أن يخون في الغنيمة.\n• قال السعدي: الغلول هو: الكتمان من الغنيمة، (والخيانة في كل مال يتولاه الإنسان) وهو محرم إجماعًا، بل هو من الكبائر، كما تدل عليه هذه الآية الكريمة وغيرها من النصوص، فأخبر الله تعالى أنه ما ينبغي ولا يليق بنبي أن يغل، لأن الغلول -كما علمت- من أعظم الذنوب وأشر العيوب. وقد صان الله تعالى أنبياءه عن كل ما يدنسهم ويقدح فيهم، وجعلهم أفضل العالمين أخلاقًا، وأطهرهم نفوسًا، وأزكاهم وأطيبهم، ونزههم عن كل عيب، وجعلهم محل رسالته، ومعدن حكمته (الله أعلم حيث يجعل رسالته).\nفبمجرد علم العبد بالواحد منهم، يجزم بسلامتهم من كل أمر يقدح فيهم، ولا يحتاج إلى دليل على ما قيل فيهم من أعدائهم، لأن معرفته بنبوتهم، مستلزم لدفع ذلك، ولذلك أتى بصيغة يمتنع معها وجود الفعل منهم، فقال (وما كان لنبي أن يغل) أي: يمتنع ذلك ويستحيل على من اختارهم الله لنبوته.\n(وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: ومن يخن من غنائم المسلمين شيئًا يأت حاملًا له على عنقه يوم القيامة فضيحة له على رؤوس الأشهاد.\n• في الآية تحريم الغلول وأنه من الكبائر، وقد جاءت النصوص في تحريمه.\nعن ابْن عُمَر. قَالَ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ (لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ) رواه مسلم.\nوعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ ثُمَّ قَالَ «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ) متفق عليه.","vol":"4","page":173},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ (كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ -ﷺ- رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «هُوَ فِي النَّارِ». فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا) رواه البخاري.\nوعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى خَيْبَرَ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي وَمَعَ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- عَبْدٌ لَهُ وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَنِى الضُّبَيْبِ فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِيَ قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَحُلُّ رَحْلَهُ فَرُمِىَ بِسَهْمٍ فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ فَقُلْنَا هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «كَلاَّ وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ». قَالَ فَفَزِعَ النَّاسُ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ) رواه مسلم.\nوعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالُوا فُلَانٌ شَهِيدٌ فُلَانٌ شَهِيدٌ حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا فُلَانٌ شَهِيدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «كَلاَّ إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ». قَالَ فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ «أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ) رواه مسلم.\n• قال الرازي: قوله تعالى (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيه وجهان:\nالأول: وهو قول أكثر المفسرين إجراء هذه الآية على ظاهرها، قالوا: وهي نظير قوله في مانع الزكاة (يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا مَا كَنَزْتُمْ لأنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ) ويدل عليه قوله: \" لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثغاء فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك \" وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم، ثم يقال له: انزل اليه فخذه فينزل إليه، فإذا انتهى اليه حمله على ظهره فلا يقبل منه.\nقال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحته.\nالوجه الثاني: أن يقال: ليس المقصود منه ظاهره، بل المقصود تشديد الوعيد على سبيل التمثيل والتصوير.","vol":"4","page":174},{"text":"• وقال القرطبي: قوله تعالى (وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة) أي: يأتي به حاملًا له على ظهره ورقبته، مُعذّبًا بحمله وثِقَله، ومَرعُوبًا بصوته، ومُوَبَّخًا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد.\nوهذه الفضيحة التي يُوقعها الله تعالى بالغالّ نظيرُ الفضيحة التي توقع بالغادر، في أن يُنصب له لِواء عند استه بقدر غَدْرَته.\nوجعل الله تعالى هذه المعاقبَات حَسْبَما يَعْهَدَهُ البَشرَ ويَفْهَمُونه\n(ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) أي: تعطى كل نفس جزاء ما عملت وافيًا غير منقوص.\n(وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) فلا يزاد في عقاب العاصي، ولا ينقص من ثواب المطيع.\nكما قال تعالى (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).\nوقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فالله لا يظلم لكمال عدله لا لعجزه عن الظلم.\n• قال السعدي: وتأمل حسن الاحتراز في هذه الآية الكريمة، لما ذكر عقوبة الغال، وأنه يأتي يوم القيامة بما غله، ولما أراد أن يذكر توفيته وجزاءه، وكان الاقتصار على الغال يوهم -بالمفهوم- أن غيره من أنواع العاملين قد لا يوفون -أتى بلفظ عام جامع له ولغيره.\n• وقال أبو حيان: ذكر أن ذلك الجزاء ليس مختصًا بمن غلّ، بل كل نفس توفى جزاء ما كسبت من غير ظلم، فصار الغال مذكورًا مرتين: مرّة بخصوصه، ومرّة باندراجه في هذا العام ليعلم أنه غير متخلص من تبعة ما غل، ومن تبعة ما كسبت من غير الغلول.\n\n<span data-type='title' id=toc-1287>الفوائد:</span>\n١ - تحريم الغلول وأنه من الكبائر.\n٢ - أنه لا يمكن لنبي أن يغل.\n٣ - أن الجزاء من جنس العمل.\n٤ - إثبات البعث.\n٥ - إثبات قدرة الله تعالى.\n٦ - جزاء كل نفس بما كسبت.\n٧ - نفي الظلم عن الله تعالى.","vol":"4","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1288>(أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣».</span> [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣].\n<hr><s0>\n\n(أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) يخبر تعالى أنه لا يستوي من كان قصده رضوان ربه، والعمل على ما يرضيه، كمن ليس كذلك، ممن هو مكب على المعاصي، مسخط لربه، هذان لا يستويان في حكم الله، وحكمة الله، وفي فطر عباد الله.\nكما قال تعالى (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون).\nوقال تعالى (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).\nوقال تعالى (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ).\n• قال الشنقيطي: ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ لَيْسَ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْهُ; لِأَنَّ هَمْزَةَ الْإِنْكَارِ بِمَعْنَى النَّفْيِ وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا صِفَةَ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَشَارَ إِلَى بَعْضِهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ).\nوَأَشَارَ إِلَى بَعْضِ صِفَاتِ مَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) وَبِقَوْلِهِ هُنَا: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ).\n(وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ) أي: مصيره جهنم، وهي النار، سميت بذلك لغلظتها وبعد قعرها.\n(وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي: بئس ذلك المصير مصيرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1289>الفوائد:</span>\n١ - بيان أنه لا يستوي من يتبع رضوان الله ومن يبوء بسخطه.\n٢ - إثبات الرضا لله تعالى.\n٣ - إثبات السخط لله تعالى.\n٤ - التحذير من التعرض لسخط الله.\n٥ - ذم النار.\n٦ - أن الناس عند الله منازل مختلفة.\n٧ - أن الإيمان يزيد وينقص.\n٨ - إثبات العلو لله تعالى.\n٩ - إثبات البصر لله تعالى.\n(السبت: ١٣/ ١١/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"4","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1290>(لقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (١٦٤».</span> [آل عمران: ١٦٤].\n<hr><s0>\n\n(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا) أي: لقد أنعم الله على المؤمنين من العرب; إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم.\n(مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به.\nكما قال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) أي: من جنسكم.\nوقال تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ).\nوقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ).\nوقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى).\n• قال الرازي: إن بعثة الرسول إحسان إلى كل العالمين، وذلك لأن وجه الإحسان في بعثته كونه داعيًا لهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله ويوصلهم إلى ثواب الله، وهذا عام في حق العالمين، لأنه مبعوث إلى كل العالمين، كما قال تعالى (وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ) إلا أنه لما لم ينتفع بهذا الإنعام إلا أهل الإسلام، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة بالمؤمنين، ونظيره قوله تعالى (هُدًى لّلْمُتَّقِينَ) مع أنه هدى للكل، كما قال (هُدًى لّلنَّاسِ) وقوله (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها).\n(يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) يعني: القرآن.\nالتلاوة هنا تشمل التلاوة لفظًا، والتلاوة معنى، والتلاوة حكمًا.\nفالتلاوة لفظًا: أن يقرأ الكتاب بينهم.\nوالتلاوة معنى: أن يعلمهم معانيه.\nوالتلاوة حكمًا: أن يعمل بأحكامه.\nكما قال تعالى (وأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).\nوقالت عائشة (كان النبي -ﷺ- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، يتأول القرآن) يعني يعمل به والمراد بالآيات هنا الآيات الشرعية وهي القرآن.\n(وَيُزَكِّيهِمْ) أي: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخَبَث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم.","vol":"4","page":177},{"text":"أي: يطهر قلوبهم من الشرك والنفاق وسوء الأخلاق، ويهذب أخلاقهم، فطهارة النفوس بطاعة الله وترك الشرك والذنوب.\n• قال ابن جرير: ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان وينميهم ويكثرهم بطاعة الله.\n• وقد أقسم الله بفلاح من زكى نفسه فقال (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا .... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا).\nومن أسباب تزكية النفس الصدقة كما قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).\nومنها: غض البصر وحفظ الفرج كما قال تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ)\nومنها: الدعاء بذلك: كان -ﷺ- يقول (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِى تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) رواه مسلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1291> فيه أن مهمة الرسل والنبيين التبشير والإنذار، وإرسال الرسل له حكم:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1292>أولًا: التبشير للمؤمن والإنذار للكافر.</span>\nقال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ).\nوقال تعالى (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).\nوقال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).\nوقال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1293>ثانيًا: رحمة للناس.</span>\nقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1294>ثالثًا: البلاغ المبين.</span>\nقال تعالى (وإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).\nوقال تعالى (مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ).\nوقال تعالى (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ).","vol":"4","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1295>رابعًا: الدعوة إلى الله.</span>\nقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ).\nوقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1296>خامسًا: إقامة الحجة.</span>\nقال تعالى (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).\nوقال تعالى (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى).\n(وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) وهو القرآن، وليس هذا تكرار مع قوله (يتلو عليهم آياته) لأن الأول تلاوة والثاني تعليم، والتعليم أخص من التلاوة، والتعليم هنا شامل لتعليم اللفظ وتعليم المعنى وتعليم الحكم.\nوذهب بعضهم إلى أن معنى (ويعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) هو الكتابة، ويدل عليه أن الله ذكر القرآن قبله، فلو قلنا إن المراد بالكتاب هو القرآن لصار تكرارًا.\n(وَالْحِكْمَةَ) يعني السنة، قاله الحسن وقتادة ومقاتل كما قال تعالى (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). وقيل: الفهم في الدين ولا منافاة.\n(وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل هذا الرسول.\n(لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: لفي غي وجهل ظاهر جلي بيّن لكل أحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1297>الفوائد:</span>\n١ - نعمة الله تعالى على العرب، حيث جعل النبي منهم وبلسانهم.\n٢ - أن مهمة الرسل: تلاوة كتاب الله وتعليمه، وتزكية النفوس بطاعة ربها والخضوع له.\n٣ - من أعظم النعم نعمة ارسال الرسل لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.\n٤ - الإشارة إلى عظم فضل الله على نبيه -ﷺ- في تخصيصه بهذه الرسالة، وعلى العرب في اختياره منهم.","vol":"4","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1298>(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥».</span> [آل عمران: ١٦٥].\n<hr><s0>\n\n(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) وهي ما أصيب منهم يوم أحد من قتل السبعين منهم.\n(قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) يعني: يوم بدر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلًا وأسروا سبعين أسيرًا.\n(قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا) أي: من أين جرى علينا هذا؟\n(قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) أي: بسبب عصيانكم رسول الله -ﷺ- حين أمركم أن لا تبرحوا مكانكم فعصيتم.\nفالمعاصي سبب للهزيمة والخسران.\nقال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ).\nوقال تعالى (فكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).\nوقال تعالى (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ).\nوقال -ﷺ- (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم).\n• قال ابن تيمية فيما يعين على الصبر: أن يشهد ذنوبه، وأن الله إنما سلطهم عليه بذنبه، كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) فإذا شهد العبد أن جميع ما يناله من المكروه فسببه ذنوبه، اشتغل بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلطهم عليه، عن ذمهم ولومهم والوقيعة فيهم، وإذا رأيت العبد يقع في الناس إذا آذوه ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار فاعلم أن مصيبته مصيبة حقيقية، وإذا تاب واستغفر، وقال: هذا بذنوبي، صارت في حقه نعمة.\n(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه.","vol":"4","page":180},{"text":"• قال أبو حيان: (إن الله على كل شيء قدير) أي قادر على النصر، وعلى منعه، وعلى أن يصيب بكم تارة، ويصيب منكم أخرى.\nونبه بذلك على أن ما أصابهم كان لوهن في دينهم، لا لضعف في قدرة الله، لأن من هو قادر على كل شيء هو قادر على دفاعهم على كل حال.\n[الأحد: ١٤/ ١١/ ١٤٣٣ هـ].\n\n<span data-type='title' id=toc-1299>الفوائد:</span>\n١ - حكمة الله في ابتلاء أهل الإيمان.\n٢ - يستحب أن يذكر الإنسان بما يهون مصيبته.\n٣ - خطر الذنوب والمعاصي، وأنها سبب للهزيمة والخذلان.\n٤ - إثبات اسم القدير من أسماء الله تعالى.","vol":"4","page":181},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1300>(وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨».</span> [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٨].\n<hr><s0>\n\n(وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) أي: وما أصابكم يوم أحد، يوم التقى جمع المسلمين وجمع المشركين.\n(فَبِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بقضاء الله وقدره.\n(وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: ليعلم أهل الإيمان الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا.\n• واللام لام التعليل، وهي مكسورة دائمًا.\n(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا) أي: وليعلم أهل النفاق كعبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه الذين انخذلوا يوم أحد عن رسول الله -ﷺ- ورجعوا وكانوا نحوًا من ثلاثمائة رجل.\n(وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: قال لهم بعض أهل الإيمان: تعالوا قاتلوا المشركين معنا.\nأَوِ ادْفَعُوا) قيل: كثروا سواد المسلمين، وقيل: بالدعاء، وقيل: رابطوا.\nوقيل: عن محارمكم وبلدكم.\n(قَالُوا) متعللين.\n(لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ) يعنون لو نعلم أنكم تلقون حربًا لجئناكم، ولكن لا تلقون قتالًا.\n(هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) أي: بإظهارهم هذا القول صاروا أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان.\n(يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) أي: يظهرون خلاف ما يضمرون.\n• وفي هذا ذم الكذب.\n(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) من النفاق والشرك.\n(الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل.","vol":"4","page":182},{"text":"• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (الذين قالوا لإخوانهم) قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن أُبي. وفي إخوانهم قولان.\nأحدهما: أنهم إخوانهم في النفاق، قاله ابن عباس.\nوالثاني: إخوانهم في النسب، قاله مقاتل.\nفعلى الأول يكون المعنى: قالوا لإخوانهم المنافقين: لو أطاعنا الذين قتلوا مع محمد ما قتلوا، وعلى الثاني يكون المعنى: قالوا عن إخوانهم الذين استشهدوا بأحد: لو أطاعونا ما قتلوا.\n• قال السعدي: قوله تعالى (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) أي: جمعوا بين التخلف عن الجهاد، وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله وقدره.\n(قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: إن كان القُعود يَسْلَم به الشخص من القتل والموت، فينبغي، أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.\n• وقال البيضاوي: قوله تعالى (قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صادقين) أي إن كنتم صادقين إنكم تقدرون على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه، فإنه أحرى بكم، والمعنى أن القعود غير مغن عن الموت، فإن أسباب الموت كثيرة كما أن القتال يكون سببًا للهلاك والقعود سببًا للنجاة قد يكون الأمر بالعكس.\n\n<span data-type='title' id=toc-1301>الفوائد:</span>\n١ - تسلية المؤمن بقضاء الله وقدره.\n٢ - أن الله قد يقدّر على عبده المؤمن ما يكرهه لحكم عظيمة.\n٣ - إثبات النفاق في هذه الأمة.\n٤ - التحذير من النفاق.\n٥ - أن المنافق يحرص كل الحرص على كتم نفاقه.\n٦ - التنديد بهؤلاء الذين جمعوا بين قبح الفعل وقبح القول.\n٧ - تحريم الاعتراض على قدر الله.\n٨ - أنه لا يمكن درء الموت.","vol":"4","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1302>(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١».</span> [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١].\n<hr><s0>\n\n(وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: في جهاد أعداء الدين، قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله.\nعَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً. فَرَفَعَ\nإِلَيْهِ رَأْسَهُ - قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا - فَقَالَ «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿) متفق عليه.\n(أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار، فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار.\n• قال الشوكاني: لما بين الله سبحانه أن ما جرى على المؤمنين يوم أحد كان امتحانًا ليتميز المؤمن من المنافق، والكاذب من الصادق، بين ههنا أن من لم ينهزم، وقتل فله هذه الكرامة، والنعمة، وأن مثل هذا مما يتنافس فيه المتنافسون، لا مما يخاف، ويحذر، كما قالوا من حكى الله عنهم (لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ) وقالوا (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) فهذه الجملة مستأنفة لبيان هذا المعنى، والخطاب لرسول الله ﷺ، أو لكل أحد، وقرئ بالياء التحتية، أي: لا يحسبن حاسب.\nوقد اختلف أهل العلم في الشهداء المذكورين في هذه الآية من هم؟ فقيل: في شهداء أحد، وقيل: في شهداء بدر، وقيل: في شهداء بئر معونة. وعلى فرض أنها نزلت في سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ.\n• قال السعدي: قوله تعالى (عِنْدَ رَبِّهِمْ) يقتضي علو درجتهم، وقربهم من ربهم.","vol":"4","page":184},{"text":"(فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند الله، وهم فرحون مما هم فيه من النعمة والغبطة.\n• قال السعدي: أي مغتبطون بذلك، وقد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه، وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص.\nعن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) فقال: أما إنَّا قد سألنا عن ذلك فقال: \"أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ فَقَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا) رواه مسلم.\nوعن أنس أن رسول الله -ﷺ- قال (مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ، لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا إِلا الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَة) رواه مسلم.\n(وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ) أي: يستبشرون بإخوانهم المجاهدين الذين لم يموتوا في الجهاد بما سيكونون عليه بعد الموت إن استشهدوا، فهم لذلك فرحون مستبشرون.\n(أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي: بأن لا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا لأنهم في جنات النعيم.\n(يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ) أي: يهنئ بعضهم بعضًا، بأعظم مهنأ به، وهو: نعمة ربهم وفضله وإحسانه.\n(وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) بل ينميه ويشكره، ويزيده من فضله، ما لا يصل إليه سعيهم.","vol":"4","page":185},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1303> هذه الآية فيها دلالة واضحة على فضل الشهادة، وللشهادة فضائل كثيرة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1304>أولًا: من أسباب دخول الجنة.</span>\nكما في حديث الباب.\nوقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).\nوعن جابر. قال (قال رجل للنبي -ﷺ- يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1305>ثانيًا: الحياة بعد الاستشهاد مباشرة.</span>\nقال تعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُون).\nينهى تعالى عباده المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتًا؛ بمعنى الذين تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأضحوا كالجمادات، كما يتبادر من معنى الميت، ويأمرهم سبحانه بأن يقولوا لهم: الأحياء؛ لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، كما قال تعالى في آل عِمْرَان (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ).\n• قال الشيخ ابن عثيمين: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ) المراد لا تقولوا أموات موتًا مطلقًا - دون الموت الذي هو مفارقة الروح للجسد - فهذا موجود، ولولا أن أرواحهم فارقت أجسادهم لما دفناهم، ولكن الموت المطلق لم يقع منهم بدليل الإضراب الإبطالي في قوله تعالى (بل أحياء) يعني: بل هم أحياء، والمراد أنهم أحياء عند ربهم، كما في آية آل عمران، وهي حياة برزخية لا نعلم كيفيتها ولهذا قال:\n(وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) أي: لا تشعرون بحياتهم، لأنها حياة برزخية، ولولا أن الله ﷿ أخبرنا بها ما كنا نعلم بها.\nوقال تعالى (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).","vol":"4","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1306>ثالثًا: مغفرة الذنوب وتكفير السيئات.</span>\nقال تعالى (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).\nوقال -ﷺ- (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (إن للشهيد عند الله ست خصال يغفر له عند أول دفعة من دمه …) رواه الترمذي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1307>رابعًا: تمني الرجوع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى بل عشر مرات.</span>\nعن أنس. قال: قال -ﷺ- (ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسرهُ أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى وفي رواية: لما يرى من الكرامة) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1308>خامسًا: الشهيد في الفردوس الأعلى.</span>\nوعن أنس (أن أم حارثة أتت النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول الله ألا تحدثني عن حارثة، وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه بالبكاء، فقال رسول الله: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1309>سادسًا: الملائكة تظل الشهيد بأجنحتها.</span>\nعن جابر قال (جيء بأبي إلى النبي -ﷺ- وقد مثّل به ووضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع صوت نائحة، فقيل: ابنة عمرو - أو أخت عمرو - فقال: لم تبكي أو لا تبكي، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها) متفق عليه","vol":"4","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1310>سابعًا: الشهداء لا يفتنون في قبورهم:</span>\nعن المقداد بن معد يكرب. قال: قال رسول الله -ﷺ- (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- لما سئل لماذا الشهداء لا يسألون في قبورهم؟ قال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) رواه النسائي.\nقال ابن النحاس: ولا شك بأن من وقف للقتال ورأى السيوف تلمع وتقطع، والأسنة تبرق وتخرق، والسهام ترشق وتمرق، والرؤوس تندر، والدماء تثعب، والأعضاء تتطاير، وجاد بنفسه لله تعالى إيمانًا به وتصديقًا بوعده ووعيده، فيكفيه هذا امتحانًا لإيمانه واختبارًا له وفتنة، إذ لو كان عنده شك أو ارتياب لولى الدبر، وذهل عما هو واجب عليه من الثبات، وداخله الشك والارتياب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1311>ثامنًا: الشهيد لا يشعر بألم القتل.</span>\nعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة) رواه الترمذي.\nقال علي: إن لم تقتلوا تموتوا، والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش\n\n<span data-type='title' id=toc-1312>تاسعًا: دم الشهيد أحب شيء إلى الله.</span>\nعن أبي أمامة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة من دموع في خشية الله، وقطرة دم تهرق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله) رواه الترمذي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1313>عاشرًا: الشهيد يشفع في أهل بيته.</span>\nعن أم الدرداء قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) رواه الترمذي.","vol":"4","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1314>الحادي عشر: لا يشترط للشهيد أعمال صالحة قبل الشهادة.</span>\nعن البراء بن عازب قال (أتى النبي -ﷺ- رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله -ﷺ-: عمل قليل وأجر كثير) رواه البخاري.\nفائدة: سمي الشهيد بذلك:\nقال النووي: \" قال النضر بن شميل: لأنه حي، فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار الإسلام وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة \".\nوقال ابن الأنباري: \" إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة \".\nوقيل: لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى له من الثواب والكرامة.\nوقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه.\nوقيل: لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله.\nوقيل: لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا وهو الدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1315>الفوائد:</span>\n١ - فضيلة من قتل في سبيل الله.\n٢ - الترغيب في الجهاد في سبيل الله.\n٣ - فضيلة الشهداء لكونهم عند الله.\n٤ - أن الشهداء يرزقون وهم أموات.","vol":"4","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1316>(الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢».</span> [آل عمران: ١٧٢].\n<hr><s0>\n\n(الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) هذا كان يوم \"حمراء الأسد\"، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كرُّوا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تَنَدّمُوا لم لا تَمَّموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة.\nفلما بلغ ذلك رسول الله -ﷺ- ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليُرْعِبَهم ويريهم أن بهم قُوّةً وجلدًا، ولم يأذنْ لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد، سوى جابر بن عبد الله -﵁- لما سنذكره- فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله ولرسوله -ﷺ-. (تفسير ابن كثير).\n• قال الرازي: في سبب نزول هذه الآية قولان: الأول: وهو الأصح أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء ندموا، وقالوا إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم؟ بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم، فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله -ﷺ-، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة، فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا أريد أن يخرج الآن معي إلا من كان معي في القتال، فخرج الرسول -ﷺ- مع قوم من أصحابه، قيل كانوا سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد وهو من المدينة على ثلاثة أميال، فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فانهزموا، وروي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه\nساعة، ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان كل ذلك لإثخان الجراحات فيهم، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة، ويتوكأ عليه صاحبه ساعة.","vol":"4","page":190},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ قالت (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) قَالَتْ لِعُرْوَةَ يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ أَبُوكَ مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ وَأَبُو بَكْرٍ، لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَا أَصَابَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا قَالَ «مَنْ يَذْهَبُ فِي إِثْرِهِمْ». فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، قَالَ كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْر) رواه البخاري.\n(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ) بالاستجابة لأمر الرسول -ﷺ-.\n(وَاتَّقَوْا) المخالفة لأمره.\n(أَجْرٌ عَظِيمٌ) ثواب عظيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1317>الفوائد:</span>\n١ - فضيلة الصحابة حيث استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح.\n٢ - أن أمر الرسول أمر لله.\n٣ - أن هذا الذي عملوه من الإحسان.\n٤ - فضل الإحسان في العمل.","vol":"4","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1318>(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِ</span>ضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤». [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤].\n<hr><s0>\n\n(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) المراد بالناس هنا رجل يقال له: نعيم بن مسعود.\nوقيل: ركب لقيهم أبو سفيان، فضمن لهم ضمانًا لتخويف النبي -ﷺ- وأصحابه.\n(إِنَّ النَّاسَ) المراد بالناس هو أبو سفيان وأصحابه ورؤساء عسكره.\n• قال الرازي: نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان لما عزم على الانصراف إلى مكة في أعقاب غزوة أحد نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى فنقتتل بها إن شئت. فقال النبي -ﷺ- لعمر: قل له بيننا وبينك ذلك إن شاء اللّه.\nفلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران، فألقى اللّه الرعب في قلبه، فبدا له أن يرجع. فلقى نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال له: يا نعيم، إني وعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر. وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن. وقد بدا لي أن أرجع. ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة علينا، فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل.\nفخرج نعيم إلى المدينة فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي. أتوكم في دياركم وقتلوا أكثركم فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم. فلما رأى النبي -ﷺ- ذلك قال: «والذي نفسي بيده لأخرجن إليهم ولو وحدي)، ثم خرج -ﷺ- في جمع من أصحابه، وذهبوا إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى - وهي ماء لبنى كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام - ولم يلق رسول اللّه -ﷺ- وأصحابه أحدًا من المشركين، ووافقوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدمًا وزبيبًا، وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين، أما أبو سفيان ومن معه فقد عادوا إلى مكة بعد أن وصلوا إلى مر الظهران.\n(قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) أي: جمعوا لكم الجموع.\n(فَاخْشَوْهُمْ) أي: خافوهم.","vol":"4","page":192},{"text":"(فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) أي: أن هذا القول الذي قاله المثبطون، زاد المؤمنين إيمانًا على إيمانهم، ويقينًا على يقينهم، وثباتًا على ثباتهم، وجعلهم\nيقولون للمرجفين بثقة واطمئنان: (حَسْبُنَا اللَّهُ) أي كافينا اللّه أمر أعدائنا (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) أي نعم النصير خالقنا ﷿ فهو الموكول إليه أمرنا ومصيرنا.\nوقولهم هذا يدل دلالة واضحة على قوة إيمانهم، وشدة ثقتهم في نصر اللّه تعالى لهم، مهما كثر عدد أعدائهم، ومهما تعددت مظاهر قوتهم.\nفالمؤمن عند المحن يزداد لإيمانًا.\nقال تعالى (وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا).\nقال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف زادهم نعيم أو مقوله إيمانًا؟ قلت: لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام، كان ذلك أثبت ليقينهم، وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج. ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى جهة العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان، لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل.\n• وفي الآية دليل على أن الإيمان يزيد وينقص.\nقال تعالى (وإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا).\nوقال تعالى (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا).\nوقال تعالى (فزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).","vol":"4","page":193},{"text":"وقال تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ).\nوقال -ﷺ- (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن …) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا) رواه أبو داود.\nوقال -ﷺ- (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن …) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا) رواه أبو داود.\nوعن ابن مسعود أنه قال (اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا). رواه ابن بطة بإسناد صحيح.\nوعن أبي الدرداء أنه كان يقول (الإيمان يزداد وينقص) رواه ابن ماجه.\nوكان عمر يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيمانًا، فيذكرون الله.\nوكان معاذ بن جبل يقول لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة.\n(وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ) أي: كافينا الله وحده.\nكما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ حَسْبُك وَحَسْبُ مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ اللَّهُ فَهُوَ كَافِيكُمْ كُلُّكُم وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ وَالْمُؤْمِنِينَ حَسْبُك كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الغالطين إذْ هُوَ وَحْدَهُ كَافٍ نَبِيَّهُ وَهُوَ حَسْبُهُ لَيْسَ مَعَهُ مَنْ يَكُونُ هُوَ وَإِيَّاهُ حسبا لِلرَّسُولِ.\nوقال (وقالوا حسبنا الله) ولم يقل (ورسوله) فإن الحسب هو الكافي، والله وحده كاف عباده المؤمنين.\n(وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) المدافع عن غيره.\nعن ابن عباس ﵄ أيضًا، قَالَ: (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ) قَالَهَا إِبرَاهيمُ -﵇- حِينَ أُلقِيَ في النَّارِ، وَقَالَها مُحَمَّدٌ -ﷺ- حِينَ قَالُوا: (إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيْمانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا الله ونعْمَ الوَكيلُ). رواه البخاري.\nوفي رواية لَهُ عن ابن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ آخر قَول إبْرَاهِيمَ -ﷺ- حِينَ أُلْقِيَ في النَّارِ: حَسْبِي الله ونِعْمَ الوَكِيلُ.","vol":"4","page":194},{"text":"قال ابن تيمية: فَالْعِبَادُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَخَافُوا إلَّا اللَّهَ كَمَا قَالَ تَعَالَى (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ).\nوَقَالَ تَعَالَى (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) إلَى قَوْلِهِ: (إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ).\nوَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْجَى إلَّا اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).\nوَقَالَ تَعَالَى (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).\nوَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَوَكَّلُوا إلَّا عَلَى اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ).\nوَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوا إلَّا اللَّهَ كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ).\nوَلَا يَدْعُوا إلَّا اللَّهَ كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)\nوَقَالَ تَعَالَى (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) سَوَاءٌ كَانَ دُعَاءَ عِبَادَةٍ أَوْ دُعَاءَ مَسْأَلَةٍ.\nوقال ﵀: وَأَمَّا كَيْفَ يَحْصُلُ الْيَقِينُ فَبِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: تَدَبُّرُ الْقُرْآنِ. وَالثَّانِي: تَدَبُّرُ الْآيَاتِ الَّتِي يُحْدِثُهَا اللَّهُ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّهُ حَقٌّ، وَالثَّالِثُ: الْعَمَلُ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ قَالَ تَعَالَى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ.","vol":"4","page":195},{"text":"(فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ) قيل: المراد بالنعمة هنا: السلامة من ملاقاة العدو، وقيل: هي ما أخذوه من الأموال.\n(وَفَضْلٍ) أي: فضل وثواب الجهاد.\n(لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) أي: لم يصبهم قتل ولا جراح.\n(وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ) في طلب القوم.\n• فأنت ترى أن اللّه تعالى قد أخبر عن هؤلاء المجاهدين المخلصين أنهم قد صحبهم في عودتهم أمور أربعة:\nأولها: النعمة العظيمة.\nوثانيها: الفضل الجزيل.\nوثالثها: السلامة من السوء.\nورابعها: اتباع رضوان اللّه.\nوهذا كله قد منحه اللّه لهم جزاء إخلاصهم وثباتهم على الحق الذي آمنوا به.\n(وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) أي: صاحب الفضل العظيم.\n• قال أبو حيان: وختمها بقوله (والله ذو فضل عظيم) مناسب لقوله (بنعمة من الله وفضل) تفضل عليهم بالتيسير والتوفيق في ما فعلوه، وفي ذلك تحسير لمن تخلف عن الخروج حيث حرموا أنفسهم ما فاز به هؤلاء من الثواب في الآخرة والثناء الجميل في الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1319>الفوائد:</span>\n١ - أن المؤمن الحقيقي كلما ضاقت عليه المصائب فإنه يلجأ إلى ربه ويزداد إيمانًا.\n٢ - أن المؤمن الحقيقي لا يخاف إلا من الله.\n٣ - أن الحسب هو الله وحده ولا أحد معه.\n٤ - فضل هذه الكلمة: حسبنا الله ونعم الوكيل.\n٥ - إثبات الرضا لله.","vol":"4","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1320>(إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (١٧٥».</span> [آل عمران: ١٧٥].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة.\nقال الزجاج: معناه: يخوفكم من أوليائه، بدليل قوله تعالى (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).\nقال ابن القيم: ومن كيد عدو الله تعالى: أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه، فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف ولا ينهونهم عن المنكر وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان وقد أخبرنا الله تعالى سبحانه عنه بهذا قال: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوفم وخافون إن كنتم مؤمنين).\nالمعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه قال قتادة: يعظمهم في صدوركم ولهذا قال فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم.\n(فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: إذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجؤوا إلي، فأنا كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) إلى قوله (قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).\nوقال تعالى (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا).\nوقال تعالى (أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ).\nوقال تعالى (كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).\nوقال تعالى (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ).\n• وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله، والخوف المحمود: ما حجزك عن محارم الله. (السعدي).","vol":"4","page":197},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1321> في الآية فضل الخوف من الله، وللخوف من الله فضائل:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1322>أولًا: أنه من علامات الإيمان.</span>\nقال تعالى (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1323>ثانيًا: مدح الله أنبياءه بالخوف منه.</span>\nكما قال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1324>ثالثًا: الخوف من الله يجعل الإنسان في ظل العرش يوم القيامة.</span>\nذكر النبي -ﷺ- في حديث السبعة (ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) الخشية الموجبة لدمع العين تؤدي إلى أن النار لا تمس العين يوم القيامة.\nخامسًا: الخوف سبب للنجاة من كل سوء.\nقال -ﷺ- (ثلاث منجيات: منها خشية الله تعالى في السر والعلانية) فهذه الخشية هي التي تحفظ العبد وتنجيه من كل سوء لأنه قال ووعد الله لا يخلف وهذا رسوله (منجيات) وعمّم تشمل الدنيا والآخرة.\nثالثًا: أثنى الله على ملائكته بشدة خوفهم منه.\nكما قال تعالى (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1325>رابعًا: من صفات الرجال العظماء.</span>\nقال تعالى (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ).","vol":"4","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1326>خامسًا: من صفات الأبرار خوفهم من عدم القبول.</span>\nقال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) أي: والذين يعطون ويعملون ويخافون أن لا يتقبل منهم\n\n<span data-type='title' id=toc-1327>سادسًا: وعد الله الخائفين الجنة.</span>\nكما في هذه الآية (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1328>سابعًا: أنه من صفات نبينا محمد -ﷺ- وأصحابه.</span>\nقال -ﷺ- (إني أخشاكم لله وأتقاكم له) رواه مسلم.\nوعن أنس قال (خطبنا رسول الله خطبة ما سمعت مثلها قط قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، فغطى أصحاب رسول الله وجوههم ولهم خنين) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1329>ثامنًا: من أسباب النجاة من النار.</span>\nكما قال -ﷺ- (عينان لا تمسهما النار: عين باتت تحرس في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله) رواه الترمذي.\nوقد قال -ﷺ- (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).\n\n<span data-type='title' id=toc-1330>تاسعًا: الخوف سبب للبعد عن المعاصي:</span>\nقال تعالى (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ).\nقال بعض السلف: إذا سكن الخوف في القلب أحرق موضع الشهوات منه.","vol":"4","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1331>عاشرًا: سبب في إخلاص العمل لله.</span>\nقال تعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1332>الحادي عشر: سبب لعلو الهمة في العبادة.</span>\nقال تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1333>الثاني عشر: الخوف يجعل العبد سائرًا على طريق الهداية.</span>\nقال ذو النون المصري: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق.\n\n<span data-type='title' id=toc-1334>الثالث عشر: الخوف يضفي المهابة على صاحبه:</span>\nقال عمر بن عبدالعزيز ﵀: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء.\nوقال يحيى بن معاذ الرازي: على قدر حبك لله يحبك الخلق، وعلى قدر خوفك من الله يهابك الخلق.\n\n<span data-type='title' id=toc-1335>الرابع عشر: الخوف من أسباب قبول الدعاء:</span>\nقال تعالى: (وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمت الله قريب من المحسنين).\n\n<span data-type='title' id=toc-1336>الخامس عشر: الخوف من أسباب الانتفاع بكلام الله تعالى.</span>\nقال تعالى (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1337> من أقوال السلف:</span>\nقال أبو سليمان الداراني: ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب.\nوقال حاتم الأصم: لكل شيء زينة، وزينة العبادة الخوف من الله.\nوقال عامر بن قيس: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.\nوحين سئل عطاء السليمي: ما هذا الحزن؟ قال ويحك؟ الموت في عنقي، والقبر بيتي، وفي القيامة موقفي، وعلى جسر جهنم طريقي، لا أدري ما يصنع بي؟\nوقال الفضيل: من خاف الله دله الخوف على كل خير.","vol":"4","page":200},{"text":"وقال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبدالعزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما.\nوقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق.\nوقال السبكي ﵀: ما خفت الله يوما، إلا رأيت له بابا من الحكمة والعبرة ما رأيته قط.\nوقال حكيم: الحزن يمنع الطعام، والخوف يمنع الذنوب، والرجاء يقوي على الطاعة، وذكر الموت يزهد في الفضول.\nوقال الحسن: الرجا والخوف مطيتا المؤمن.\nوقال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأن أهل الجنة قالوا: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن).\nوينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا: (إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين).\nوقال يحيى بن معاذ الرازي: على قدر حبك لله يحبك الخلق وعلى قدر خوفك من الله يهابك الخلق.\nقال الإمام أبو الليث السمرقندي ﵀:\nعلامة خوف الله تعالى تظهر في سبعة أشياء: أولها: لسانه: فيمنعه من الكذب، والغيبة، والنميمة، والبهتان، وكلام الفضول، ويجعله مشغولًا بذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن ومذاكرة العلم. والثاني: قلبه: فيخرج منه العداوة والبهتان وحسد الإخوان لأن الحسد يمحو الحسنات. واعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة في القلوب ولا تداوي إلا بالعلم والعمل. والثالث: نظره: فلا ينظر إلى الحرام من الأكل والشرب والكسوة وغيرها ولا إلى الدنيا بالرغبة بل يكون نظره على وجه الاعتبار ولا ينظر إلى ما لا يحل له. والرابع: بطنه: فلا يدخل بطنه حرامًا فإنه إثم كبير. والخامس: يده: فلا يمد يده إلى الحرام بل يمدها إلى ما فيه طاعة لله تعالى. والسادس: قدمه: فلا يمشي في معصية لله، بل يمشي في طاعته ورضاه وإلى صحبة العلماء والصلحاء. والسابع: طاعته: فيجعل طاعته خالصة لوجه الله تعالى ويخاف من الرياء والنفاق فإذا فعل ذلك فهو من الذين قال الله تعالى في حقهم: (والآخرة عند ربك للمتقين).\n\n<span data-type='title' id=toc-1338>الفوائد:</span>\n١ - بيان عدواة الشيطان للإنسان.\n٢ - أن الشيطان يدافع عن أوليائه.\n٣ - أنه كلما قوي إيمان الإنسان بالله قوي خوفه منه.","vol":"4","page":201},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1339>(وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦».</span> [آل عمران: ١٧٦].\n<hr><s0>\n\n(وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) يقول تعالى لنبيه -ﷺ- (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) وذلك من شدة حرصه على الناس كان يحزنه مُبَادَرَة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: ولا يحزنك ذلك.\nكما قال تعالى (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا).\nوقال تعالى (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).\nوقال تعالى (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ).\n• والمراد بقوله (… الذين يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) قيل: هم قوم ارتدّوا، فاغتم النبي -ﷺ- لذلك، فسلاه الله سبحانه، ونهاه عن الحزن، وعلل ذلك بأنهم لن يضروا الله شيئًا، وإنما ضروا أنفسهم بأن لا حظ لهم في الآخرة، ولهم عذاب عظيم.\nوقيل: هم كفار قريش.\nوقيل: هم المنافقون.\nوقيل: هو عام في جميع الكفار. (فتح القدير).\n• قال الرازي: في الآية سؤال: وهو أن الحزن على كفر الكافر ومعصية العاصي طاعة، فكيف نهى الله عن الطاعة؟\nوالجواب من وجهين:\nالأول: أنه كان يفرط ويسرف في الحزن على كفر قومه حتى كاد يؤدي ذلك إلى لحوق الضرر به، فنهاه الله تعالى عن الإسراف فيه ألا ترى إلى قوله تعالى (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات).\nالثاني: أن المعنى لا يحزنوك بخوف أن يضروك ويعينوا عليك، ألا ترى إلى قوله (إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئًا) يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم\nفي الكفر غير أنفسهم، ولا يعود وبال ذلك على غيرهم ألبتة.\n• وقال القشيري: والحزن على كفر الكافر طاعة، ولكن النبي -ﷺ- كان يفرط في الحزن، فنهى عن ذلك، كما قال الله تعالى (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات) (فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفًا).","vol":"4","page":202},{"text":"• قال الآلوسي: ومعنى (يسارعون فِي الكفر) يقعون فيه سريعًا لغاية حرصهم عليه وشدة رغبتهم فيه، ولتضمن المسارعة معنى الوقوع تعدت بفي دون إلى الشائع تعديتها بها كما في (سَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ) وغيره، وأوثر ذلك قيل: للإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله سبحانه (يسارعون فِي الخيرات).\n• وقال الشوكاني: وعدي السارعون (بفي) دون (إلى) للدلالة على أنهم مستقرون فيه مديمون لملابسته، ومثله يسارعون في الخيرات.\n• وقال ابن عاشور: ومعنى (يسارعون في الكفر) يتوغّلون فيه ويَعجَلون إلى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص، ويحرصون على إلقائه في نفوس الناس، فعبّر عن هذا المعنى بقوله (يسارعون)، فقيل: ذلك من التضمين ضمّن يسارعون معنى يقعون، … وعندي أنّ هذا استعارة تمثيلية: شبّه حال حرصهم وجدّهم في تفكير الناس وإدخال الشكّ على المؤمنين وتربّصهم الدوائر وانتهازهم الفرص بحال الطالب المسارع الى تحصيل شيء يخشى أن يَفوته وهو متوغّل فيه متلبس به، فلذلك عدّي بفي الدالة على سرعتهم سرعة طالب التمكين، لا طالب الحصول، إذ هو حاصل عندهم ولو عدّي بإلى لفهم منه أنّهم لم يكفروا عند المسارعة.\n(إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) تعليل للنهي، والمعنى: أن كفرهم لا ينقص من ملك الله سبحانه شيئًا، وقيل المراد: لن يضروا أولياءه، ويحتمل أن يراد لن يضروا دينه الذي شرعه لعباده،\n• قال السعدي: فالله ناصر دينه، ومؤيد رسوله، ومنفذ أمره من دونهم، فلا تبالهم ولا تحفل بهم، إنما يضرون ويسعون في ضرر أنفسهم، بفوات الإيمان في الدنيا، وحصول العذاب الأليم في الأخرى.\nكما في الحديث القدسي (… يا عبادي إنكم لن تَبلغوا ضَرِّي فَتُضرُّوني ولن تَبلْغُوا نفعي فَتَنْفَعُوني، يا عبادي لو أن أوّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أَتْقَى قلبِ رجُلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئًا، يا عبادي لو أن أوّلَكُمْ وآخركُم وإنْسَكُم وجِنَّكُم كانوا على أفْجَر قلبِ رجُلٍ واحدٍ ما نَقَصَ ذلك من مُلْكِي شيئًا).","vol":"4","page":203},{"text":"• وفي الآية نفي الضرر عن الله تعالى، كما في الحديث القدسي (إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني) رواه مسلم.\nوأما قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) فلا يلزم من الأذية الضرر، فقد يتأذى الإنسان بالشيء ولا يتضرر به.\n(يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ) أي: حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته ألا يجعل لهم نصيبا في الآخرة.\n• والحظّ النصيب والجَدّ، يُقال: فلان أحظّ من فلان، وهو محظوظ.\n(وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أي: عقوبة شديدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1340>الفوائد:</span>\n١ - حرص النبي -ﷺ- على هداية الخلق.\n٢ - تهديد هؤلاء الذين يسارعون في الكفر.\n٣ - انتفاء الضرر عن الله تعالى.\n٤ - بيان غنى الله.\n٥ - أنه لا حظ للكافر في الآخرة.","vol":"4","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1341>(إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧».</span> [آل عمران: ١٧٧].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْأِيمَانِ) يخبر تعالى أن الذين اختاروا الكفر على الإيمان، ورغبوا فيه، رغبة من بذل ما يحب من المال في شراء ما يحب من السلع.\n(لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) بل ضرر فعلهم يعود على أنفسهم، وهو تأكيد للأول.\n• قال ابن عاشور: تكرير لجملة (إنهم لن يضروا الله شيئًا) قصد به، مع التأكيد، إفادةُ هذا الخبر استقلالًا للاهتمام به بعد أن ذكر على وجه التعليل لتسلية الرسول.\nوفي اختلاف الصلتين إيماء إلى أنّ مضمون كل صلة منهما هو سبب الخبر الثابت لمَوصُولها، وتأكيد لقوله (إنهم لن يضروا الله شيئًا) المتقدّم.\n(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: عذاب مؤلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1342>الفوائد:</span>\n١ - بيان شدة رغبة الكفار في الكفر.\n٢ - بيان خسران هؤلاء حيث أخذوا الكفر بدلًا عن الإيمان.\n٣ - بيان كمال الله تعالى.\n٤ - كمال سلطان الله تعالى.\n٥ - عذاب هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان عذاب مؤلم. (السبت: ٢٧/ ١١/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"4","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1343>(وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (١٧٨».</span> [آل عمران: ١٧٨].\n<hr><s0>\n\n(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ) أي: لا يظن الكافرون أن إمهالنا لهم بدون جزاء ولا عذاب، وإطالتنا لأعمارهم خير لهم.\n(إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) أي: إنما نمهلهم ونؤخر آجالهم ليكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم.\n(وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) يهينهم ويذلهم.\nكما قال تعالى (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ. نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ).\nوقال تعالى (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ).\nوقال تعالى (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ).\n• قال الشنقيطي: وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ ذَلِكَ الِاسْتِدْرَاجَ مِنْ كَيْدِهِ الْمَتِينِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ).\nوَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ الْكُفَّارَ يَغْتَرُّونَ بِذَلِكَ الِاسْتِدْرَاجِ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنَ الْمُسَارَعَةِ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ، وَأَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُؤْتَوْنَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ الَّذِي أُوتُوهُ فِي الدُّنْيَا.\nكَقَوْلِهِ تَعَالَى (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ).\nوَقَوْلِهِ (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا).\nوَقَوْلِهِ (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا).\nوَقَوْلِهِ (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى).\nوَقَوْلِهِ (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا الْآيَةَ).","vol":"4","page":206},{"text":"• قال ابن عاشور: والإملاء: الإمهال في الحياة، والمراد به هنا تأخير حياتهم، وعدمُ استئصالهم في الحرب، حيث فرحوا بالنصر يوم\nأُحُد، وبأنّ قتلى المسلمين بوم أحُد كانوا أكثر من قتلاهم.\n• قال السمرقندي: روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما من بر وفاجر إلا والموت خير له، لأنه إن كان برًا فقد قال الله تعالى (لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا نُزُلاٍ مِّنْ عِندِ الله وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ) وإن كان فاجرًا فقد قال الله تعالى (إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًَا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1344>الفوائد:</span>\n١ - لا يجوز للإنسان أن يغتر بإمهال الله له.\n٢ - حكمة الله باستدراج بعض الخلق.\n٣ - إثبات زيادة الآثام.","vol":"4","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1345>(مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩».</span> [آل عمران: ١٧٩].\n<hr><s0>\n\n(مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) هذا وعد من الله لرسوله بأنه سيميز له المؤمن من المنافق، والمعنى: لن يترك الله المؤمنين مختلطين بالمنافقين حتى يبتليهم فيفصل بين هؤلاء وهؤلاء، كما فعل في غزوة أحد حيث ظهر أهل الإيمان وأهل النفاق.\n• قال ابن كثير: أي لابد أن يعقد شيئًا من المحنة يظهر فيها وليه ويُفضح بها عدوه، يُعرف به المؤمن الصابر من المنافق الفاجر، كما ميّز بينهم يوم أحد.\n(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) أي: أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يُميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك.\nقال ابن جرير: وأولى الأقوال بتأويله: أي وما كان الله ليطلعكم على قلوب عباده فتعرفوا المؤمن من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء كما ميز بينهم يوم أحد بالبأساء وجهاد عدوه.\n(وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: غير أن الله تعالى يصطفي من رسله مَن يشاء؛ ليطلعه على بعض علم الغيب بوحي منه.\n(فَآمِنُوا بِاللَّهِ) من الإيمان بوجوده، وبربوبيته، والوهيته، وأسمائه وصفاته.\n(وَرُسُلِهِ) الإيمان بالرسل يتضمن: تصديقهم فيما جاءوا به، وأنهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، واتباع النبي -ﷺ- قولًا وفعلًا.\n(وَإِنْ تُؤْمِنُوا) بقلوبكم.\n(وَتَتَّقُوا) بجوارحكم.\n(فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) أي: ثواب عظيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1346>الفوائد:</span>\n١ - أن الله لابد أن يميّز الخبيث من الطيب.\n٢ - بيان رحمة الله على عباده، حيث لا يتركهم هكذا يشتبه بعضهم ببعض.\n٣ - حكمة الله في أفعاله.\n٤ - انقسام الناس إلى خبيث وطيب.\n٥ - وجوب الإيمان بالله وبرسله.\n٦ - فضيلة الإيمان والتقوى.","vol":"4","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1347>(وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠».</span> [آل عمران: ١٨٠].\n<hr><s0>\n\n(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة) أي: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه، بل هو مَضّرة عليه في دينه -وربما كان-في دنياه.\nثم أخبر بمآل أمر ماله يوم القيامة فقال: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة.\nعن أبي هُريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- (مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ له شُجَاعًا أقرعَ له زبيبتان، يُطَوّقُه يوم القيامة، يأخذ بلِهْزِمَتَيْه -يعني بشدقَيْه-يقول: أنا مَالُكَ، أنا كَنزكَ\" ثم تلا هذه الآية: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ) إلى آخر الآية.\n(وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: فأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فإن الأمور كُلَّها مرجعها إلى الله ﷿، فقدموا لكم من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم.\n• قال السعدي: أي: هو تعالى مالك الملك، وترد جميع الاملاك إلى مالكها، وينقلب العباد من الدنيا ما معهم درهم ولا دينار ولا غير ذلك من المال (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون).\n(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) أي: بِنياتِكم وضمائركم.\n• قال السعدي: وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي والسبب الغائي، الموجب كل واحد منهما أن لا يبخل العبد بما أعطاه الله.\nأخبر أولًا أن الذي عنده وفي يده فضل من الله ونعمة، ليس ملكًا للعبد، بل لولا فضل الله عليه وإحسانه، لم يصل إليه منه شيء، فمنعه لذلك منع لفضل الله وإحسانه؛ ولأن إحسانه موجب للإحسان إلى عبيده كما قال تعالى (وأحسن كما أحسن الله إليك).","vol":"4","page":209},{"text":"فمن تحقق أن ما بيده، فضل من الله، لم يمنع الفضل الذي لا يضره، بل ينفعه في قلبه وماله، وزيادة إيمانه، وحفظه من الآفات.\nثم ذكر ثانيًا: أن هذا الذي بيد العباد كلها ترجع إلى الله، ويرثها تعالى، وهو خير الوارثين، فلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك منتقل إلى غيرك.\nثم ذكر ثالثًا: السبب الجزائي، فقال (والله بما تعملون خبير) فإذا كان خبيرًا بأعمالكم جميعهًا -ويستلزم ذلك الجزاء الحسن على الخيرات، والعقوبات على الشر- لم يتخلف من في قلبه مثقال ذرة من إيمان عن الإنفاق الذي يجزى به الثواب، ولا يرضى بالإمساك الذي به العقاب.\n• والبخل صفة ذميمة وقبيحة.\nقال تعالى (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى).\nوهو من صفات المنافقين.\nقال تعالى (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ).\nوالله لا يحب من يبخل.\nقال تعالى (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ\nفَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).\nوأخبر تعالى أن من وقي شح نفسه فقد أفلح.","vol":"4","page":210},{"text":"فقال تعالى (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).\nوهو من صفات أهل النار.\nقال -ﷺ- (إن أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع) رواه أحمد.\nوهو شر ما في الرجل.\nكما قال -ﷺ- (شر ما رجل شح هالع وجبن خالع) رواه أحمد.\nواستعاذ النبي -ﷺ- منه.\nعن أنس قال (كان رسول الله -ﷺ- يتعوذ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الكسل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من الهرم وأعوذ بك من البخل) متفق عليه.\nوعن زيد بن أرقم قال (كان رسول الله -ﷺ- يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها) رواه مسلم.\nوسماه النبي -ﷺ- داء.\nقال رسول الله -ﷺ-: من سيدكم يا بني سلمة؟ قلنا: جدُّ بن قيس إلا أنا نُبخِّله، قال: وأي داءٍ أدْوأ من البخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح) رواه البخاري في الأدب المفرد.\nوالملائكة تدعو على الممسك.\nقال -ﷺ- (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) متفق عليه.\nوهو من تصديق الشيطان.","vol":"4","page":211},{"text":"قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا).\nوهو سبب للظلم.\nقال -ﷺ- (اتقوا الظلم … واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محا) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1348>الفوائد:</span>\n١ - تهديد من بخل بما آتاه الله من فضله.\n٢ - شدة عقوبة من منع ما يجب عليه من المال.\n٣ - توبيخ من بخل بما أعطاه الله، كيف يبخلون بشيء ليس من كسبهم ولا من كدهم.\n٤ - أن ما أوتيه الإنسان من مال أو ولد فإنه من الله.\n٥ - أن البخل ليس بنافع لصاحبه، كما يظنه من يبخل.\n٦ - إثبات علم الله تعالى.","vol":"4","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1349>(لقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ (١٨٢».</span> [آل عمران: ١٨١ - ١٨٢].\n<hr><s0>\n\n(لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) هذه المقالة الشنيعة مقالة أعداء الله اليهود - عليهم لعائن - زعموا أن الله فقير، وذلك حين نزل قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا) قالوا: إن الله فقير يقترض منا.\n• قال القرطبي: ذكر تعالى قبيح قول الكفار لا سيما اليهود. وقال أهل التفسير: لما أنزل الله (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) قال قوم من اليهود- منهم حيي بن أخطب، في قول الحسن. وقال عكرمة وغيره: هو فنحاص بن عازوراء- إن الله فقير ونحن أغنياء يقترض منا. وإنما قالوا هذا تمويها على ضعفائهم، لا أنهم يعتقدون هذا، لأنهم أهل كتاب. ولكنهم كفروا بهذا القول، لأنهم أرادوا تشكيك الضعفاء منهم ومن المؤمنين، وتكذيب النبي -ﷺ-. أي إنه فقير على قول محمد -ﷺ-، لأنه اقترض منا\n• قوله تعالى (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ ..) المراد من هذا السمع التهديد.","vol":"4","page":213},{"text":"• قال ابن عاشور: وقوله: (لقد سمع الله) تهديد، وهو يؤذن بأنّ هذا القول جراءة عظيمة، وإن كان القصد منها التعريض ببطلان كلام القرآن، لأنهم أتوا بهاذه العبارة بدون محاشاة، ولأنّ الاستخفاف بالرسول وقرآنه إثم عظيم وكفر على كفر، ولذلك قال تعالى (لقد سمع) المستعمل في لازم معناه، وهو التهديد على كلام فاحش، إذ قد علم أهل الأديان أنّ الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فليس المقصود إعلامهم بأنّ الله علم ذلك بل لازمه وهو مقتضى قوله (سنكتب ما قالوا).\n• اليهود هم الذين قالوا (يد الله مغلولة) وقالوا: إن الله لما خلق السماوات والأرض استراح يوم السبت.\n• وسمع الله ينقسم إلى قسمين:\nأولًا: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظاهر.\nقال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي …).\nهذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.\nوقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).\nوقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.\nثانيًا: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.\nومنه قول إبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.\nومنه قول المصلي (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.\nومنه كقوله -ﷺ- (اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع) أي: من دعاء لا يستجاب.\n• قولهم (نحن الأغنياء) وليتهم اقتصروا على قولهم (إن الله فقير) - مع كونه من أعظم المناكر - لكنهم قالوا (ونحن أغنياء) فجعلوا أنفسهم أكمل من الله، وهذا غاية ما يكون من الوقاحة. (ابن عثيمين).\n(سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا) أي: سنأمر الحفظة بكتابة ما قالوه في صحائف أعمالهم.","vol":"4","page":214},{"text":"كما قال تعالى (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِبِينَ).\nوقال تعالى (أمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ).\n• قال الشوكاني: المراد الوعيد لهم، وأن ذلك لا يفوت على الله، بل هو معد لهم ليوم الجزاء.\n(وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) أي: ونكتب جريمتهم الشنيعة بقتل الأنبياء بغير حق، والمراد بقتلهم الأنبياء رضاهم بفعل أسلافهم.\n• قال الشوكاني: أي ونكتب قتلهم الأنبياء، أي: قتل أسلافهم للأنبياء، وإنما نسب ذلك إليهم لكونهم رضوا به، وجعل ذلك القول قرينًا لقتل الأنبياء تنبيهًا على أنه من العظم والشناعة بمكان يعدل قتل الأنبياء.\n• قال ابن الجوزي: فإن قيل: هذا القائل لم يقتل نبيًا قط، فالجواب: أنه رضي بفعل متقدميه لذلك.\n(وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) المحرق النافذ من البدن إلى الأفئدة.\n(ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) أي: ذلك العذاب بما اقترفته أيديكم من الجرائم.\n• والمراد بالأيدي هنا أنفسهم، لكن أضيف العمل أو المقدّم بالأيدي، لأن الغالب أن الأيدي هي محل البطش والعمل.\n(وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) بل هو بما كسبت أيديهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1350>الفوائد:</span>\n١ - إثبات السمع لله تعالى، والمراد به هنا التهديد.\n٢ - بيان ما عليه اليهود من الوقاحة والعدوان.\n٣ - إثبات الكتابة لله.\n٤ - أن اليهود كما اعتدوا على الله، اعتدوا على رسل الله.\n٥ - إثبات القول لله تعالى.\n٦ - إثبات الأسباب.\n٧ - نفي الظلم عن الله لكمال عدله.","vol":"4","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1351>(الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣».</span> [آل عمران: ١٨٣].\n<hr><s0>\n\n(الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ) يقول تعالى تكذيبًا أيضًا لهؤلاء الذين زعموا أن الله عَهِدَ إليهم في كتبهم ألا يؤمنوا برسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته فقبلَتْ منه أن تنزل نار من السماء تأكلها. قاله ابن عباس والحسن وغيرهما.\nقيل: هذا من كذب اليهود.\nوقيل: كان هذا في التوراة، ولكن كان تمام الكلام: حتى يأتيكم المسيح ومحمد فإذا أتياكم فآمنوا بهما من غير قربان.\nوقيل: كان أمر القرابين ثابتًا إلى أن نسخت على لسان عيسى بن مريم. وكان النبي منهم يذبح ويدعو فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف لا دخان لها، فتأكل القربان. فكان هذا القول دعوى من اليهود، إذ كان ثم استثناء فأخفوه، أو نسخ، فكانوا في تمسكهم بذلك متعنتين، ومعجزات النبي -ﷺ- دليل قاطع في إبطال دعواهم. (تفسير القرطبي).\n• ومقصدهم من وراء هذا القول الذي حكاه القرآن عنهم، أن يظهروا أمام الناس بمظهر المحافظين على عهود اللّه، وأنهم ما تركوا الإيمان بالنبي -ﷺ- حسدًا له، وإنما تركوا الإيمان به، لأنه لم يأت بالمعجزات التي أتى بها الأنبياء السابقون، فهم معذورون إذا لم يؤمنوا به لأنه ليس نبيًا صادقًا- في زعمهم -.\nولا شك أن قولهم هذا ظاهر البطلان، لأن الإتيان بالقربان إذا كان معجزة لرسول لا يستلزم أن يكون معجزة لكل رسول، إذ أن آيات اللّه في إثبات رسالات رسله متعددة النواحي، مختلفة المناهج، وكون هذا الإتيان بالقربان الذي تأكله النار معجزة لبعض الرسل لا يستدعى أن يكون معجزة لجميعهم. (التفسير الوسيط).","vol":"4","page":216},{"text":"(قُلْ) لهم يا محمد.\n(قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ) أي: بالحجج والبراهين.\n(وَبِالَّذِي قُلْتُمْ) أي: وبنار تأكل القرابين المتقبلة.\n(فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ) أي: فلم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم.\n(إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أنكم تتبعون الحق وتتقادون للرسل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1352>الفوائد:</span>\n١ - بيان تعنت اليهود.\n٢ - أنه ينبغي عند المخاصمة إفحام الخصم بما يدعيه، ليكون ذلك أبلغ في دحض حجته.\n٣ - أن الرسل جاءوا بالبينات الدالة على رسالتهم.","vol":"4","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1353>(فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤».</span> [آل عمران: ١٨٤].\n<hr><s0>\n\n(فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) هذا تسلية من الله تعالى لنبيه.\nأي: فإن كذبك قومك يا محمد، فقد كذبت رسل من قبلك.\n• قال الرازي: قوله (فَإِن كَذَّبُوكَ) فيه وجوه:\nأحدها: فإن كذبوك في قولك أن الأنبياء المتقدمين جاؤوا إلى هؤلاء اليهود بالقربان الذي تأكله النار فكذبوهم وقتلوهم، فقد كذب رسل من قبلك: نوح وهود وصالح وابراهيم وشعيب وغيرهم.\nوالثاني: أن المراد: فإن كذبوك في أصل النبوة والشريعة فقد كذب رسل من قبلك، ولعل هذا الوجه أوجه، لأنه تعالى لم يخصص، ولأن تكذيبهم في أصل النبوة أعظم، ولأنه يدخل تحته التكذيب في ذلك الحجاج.\nوقال: المقصود من هذا الكلام تسلية رسول الله -ﷺ-، وبيان أن هذا التكذيب ليس أمرا مختصًا به من بين سائر الأنبياء، بل شأن جميع الكفار تكذيب جميع الأنبياء والطعن فيهم، مع أن حالهم في ظهور المعجزات عليهم وفي نزول الكتب إليهم كحالك، ومع هذا فإنهم صبروا على ما نالهم من أولئك الأمم واحتملوا إيذاءهم في جنب تأدية الرسالة، فكن متأسيا بهم سالكا مثل طريقتهم في هذا المعنى، وإنما صار ذلك تسلية لأن المصيبة إذا عمت طابت وخفت.\nكما قال تعالى (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).\nوقال تعالى (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ).","vol":"4","page":218},{"text":"وقال تعالى (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ).\nوقال تعالى (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ).\nوقال تعالى (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ).\nوَقَال تَعَالَى (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ).\nوقال تعالى (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ. وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1354>ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ سَبْعَ أُمَمٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ كَذَّبَتْ رَسُولَهَا.</span>\n<span data-type='title' id=toc-1355>الْأُولَى: قَوْمُ نُوحٍ.</span>\nوَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ لَا تَكَادُ تُحْصَى فِي الْقُرْآنِ، لِكَثْرَتِهَا وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى الْأَمْثِلَةِ لِكَثْرَةِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى تَكْذِيبِ هَذِهِ الْأُمَمِ رُسُلَهَا كَقَوْلِهِ (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) وَقَوْلِهِ (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1356>الثَّانِيَةُ: عَادٌ.</span>\nوَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ هُودًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ) وَقَوْلِهِ تعالى (قَالُوا\nيَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1357>الثَّالِثَةُ: ثَمُودُ.</span>\nوَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ تَكْذِيبَهُمْ لِنَبِيِّهِمْ صَالِحٍ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ)، وَقَوْلِهِ تعالى (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا).","vol":"4","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1358>الرابِعَةُ: قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ.</span>\nوَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُمْ كَذَّبُوهُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ)، وَقَوْلِهِ (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ)، وَكَقَوْلِهِ (أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1359>الْخَامِسَةُ: قَوْمُ لُوطٍ.</span>\nوَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُمْ كَذَّبُوهُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ; كَقَوْلِهِ (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ) وَقَوْلِهِ (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1360>السَّادِسَةُ: أَصْحَابُ مَدْيَنَ.</span>\nوَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُمْ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ شُعَيْبًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ (أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) وَقَوْلِهِ (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِلَى قَوْلِهِ (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) وَقَوْلِهِ (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.","vol":"4","page":220},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1361>السَّابِعَةُ: مَنْ كَذَّبُوا مُوسَى وَهُمْ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ،</span> وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ كَذَّبُوا مُوسَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ; كَقَوْلِهِ (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) وَقَوْلِهِ (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) وَقَوْلِهِ (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ\n(جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ) أي: بالبراهين والحجج القاطعة.\n(وَالزُّبُرِ) جمع زبور، أي: الكتب الموحاة منه تعالى.\n(وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) أي: الواضح الجلي. والزبور والكتاب: واحد في الأصل، وإنما ذكرا لاختلاف الوصفين. فالزبور فيه حكم زاجرة، والكتاب المنير هو المشتمل على جميع الشريعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1362>الفوائد:</span>\n١ - تسلية الرسول -ﷺ-.\n٢ - تسلية لكل داعية إلى الله كذبه قومه.\n٣ - أن الرسل يؤذون بالتكذيب.\n٤ - أن الرسل لابد أن يأتوا بالبينات.","vol":"4","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1363>(كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥».</span> [آل عمران: ١٨٥].\n<hr><s0>\n\n(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) يخبر تعالى إخبارًا عامًا يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت.\n• قال السعدي: هذه الآية الكريمة، فيها التزهيد في الدنيا بفنائها، وعدم بقائها، وأنها متاع الغرور، تفتن بغرورها، وتغر بمحاسنها،\nثم هي منتقلة، ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار من خير وشر.\nقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ).\nوقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).\nوقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).\nوقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ).\nوقال تعالى (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا).\nوقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ).\nفهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولًا.","vol":"4","page":222},{"text":"• قوله تعالى (فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) المراد بها الحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، وهذا قول الأكثر [قاله القرطبي]، وقيل: المراد بالبروج بروج مبنية في السماء، لكن هذا القول ضعيف، لأن الله قال (مشيّدة) وهذا الوصف لا يكون أبدًا للبروج السماوية، وإنما يكون للقصور العالية. [قاله الشيخ ابن عثيمين].\n• كل ابن أنثى وإن طالت سلامته .... يوما على آلة حدباء محمولُ\nالموت: لا يرحم صغيرًا، ولا يوقر كبيرًا، ولا يخاف عظيمًا، لا يستأذن على الملوك، ولا يلج من الأبواب.\nتزود من الدنيا فإنك لا تدري .... إذا جن ليل هل تبقى إلى الفجر\nالموت: يموت الصالحون ويموت الطالحون، ويموت المجاهدون ويموت القاعدون، يموت مريدوا الآخرة، ويموت مريدوا الدنيا.\nهو الموت ما منه ملاذ ومهرب .... متى حط عن نعشه ذاك يركب\nإنه جدير بمن الموت مصرعُه، والتراب مضجعه، والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره، والقيامة موعده، والجنة أو النار مورده، أنْ لا يكون له فكر إلا في الموت، ولا ذكر إلا له، ولا استعداد إلا لأجله، ولا تدبير إلا فيه، ولا تطلع إلا إليه، ولا تأهب إلا له.\nقال الحسن: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي عقل عقلا.\nقال بعض العلماء لأحد إخوانه: احذر الموت في هذه الدنيا قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده.\nقال أبو الدرداء: إذا ذكرت الموت فعد نفسك أحدهم.\nقال الدّقاق: من أكثر من ذكر الموت أُكرمَ بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة).","vol":"4","page":223},{"text":"قالت عائشة لامرأة: أكثري ذكر الموت يرق قلبك.\nوقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن عرف أن منطقه من عمله قل كلامه.\nوقال ثابت البناني: ما أكثر أحد ذكر الموت إلا رؤي ذلك في عمله.\nوقال ابن عجلان: من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا\nوقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله.\nوقال الحسن: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا.\nوقال الحسن: ما ألزم عبد ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عنده.\nوقال أبو الدرداء: من أكثر ذكر الموت قل فرحه وقل حسده.\nوقال سعيد بن جبير: لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد عليّ قلبي.\nوقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير.\nوقال الثوري: لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون ما أكلتم منها سمينا.\nوقال الحسن بن عبد العزيز: من لم يردعه القرآن والموت، فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.\nوقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لم يُنتفع به أيامًا، وفي الحديث: أكثروا ذكر.\nوقال بعضُ السَّلف: ما نمتُ نومًا قط، فحدثتُ نفسي أنِّي أستيقظ منه.\nوكان حبيبٌ أبو محمد يُوصي كُلَّ يومٍ بما يوصي به المحتضِرُ عند موته من تغسيله ونحوه، وكان يبكي كلَّما أصبح أو أمسى، فسُئِلَت امرأته عن بكائه، فقالت: يخاف - والله - إذا أمسى أنْ لا يُصبح، وإذا أصبح أنْ لا يُمسي.","vol":"4","page":224},{"text":"وكان محمد بن واسع إذا أراد أنْ ينام قال لأهله: أستودعكم الله، فلعلَّها أنْ تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا دأبه إذا أراد النوم.\nوقال بكر المزني: إنِ استطاع أحدُكم أن لا يبيت إلا وعهدُه عند رأسه مكتوبٌ، فليفعل، فإنَّه لا يدري لعله أنْ يبيتَ في أهلِ الدُّنيا، ويُصبح في أهلِ الآخرة.\nوكان أويسٌ إذا قيل له: كيف الزمانُ عليك؟ قال: كيف الزمانُ على رجل إنْ أمسى ظنَّ أنَّه لا يُصبحُ، وإنْ أصبح ظنَّ أنَّه لا يمسي فيبشر بالجنة أو النار؟\nتزود من الدنيا فإنك لا تدري … إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر\nفكم من صحيح مات من غير علة … وكم من سقيم عاش حينا من الدهر\nوكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا … وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري\nوكم من صغار يرتجى طول عمرهم … وقد أدخلت أجسامهم ظلمة القبر\nوكم من عروس زينوها لزوجها … وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر\nفمن عاش ألفا وألفين … فلا بد من يوم يسير إلى القبر\nقال العلماء: تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهون المصائب فيها.\nوقال التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، وذكر الموقف بين يدي الله تعالى.\nونظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها، فبكى وقال: والله لولا الموت لكنت بكِ مسرورًا.\nالموت بابٌ وكلُ الناس داخلُه … يا ليت شعري بعد البابِ ما الدارُ\nقال الشاعر:\nهو الموتُ ما منه ملاذ ومهرب … متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ.\nوقال الآخر:\nالموت بابٌ وكل الناس داخله … يا ليت شعري بعد الموت ما الدارُ.\nكفى بالموت مقرحًا للقلوب، ومبكيًا للعيون، ومفرقًا للجماعات، وهادمًا للذات، وقاطعًا للأمنيات.","vol":"4","page":225},{"text":"إنه جدير بمن الموت مصرعُه، والتراب مضجعه، والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره، والقيامة موعده، والجنة أو النار موعده، أنْ لا يكون له فكر إلا في الموت، ولا ذكر إلا له، ولا استعداد إلا لأجله، ولا تدبير إلا فيه، ولا تطلع إلا إليه، ولا تأهب إلا له.\n• ينبغي الاستعداد للموت بالعمل الصالح.\nقال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).\nوقال تعالى (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ\n(١٠) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).\nقال -ﷺ- (اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، وصحتك قبل مرضك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك) رواه الحاكم.\nوقال ابن عمر: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) رواه البخاري.\nوقال -ﷺ- (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّة) رواه مسلم.","vol":"4","page":226},{"text":"وقد نقل النووي تفسير جملة (أو خاصة أحدكم) بأنها الموت يأتي فيحول بين المرء وبين العمل حتى يتمنى المرء أن يرجع إلى الدنيا ليتمكن من عمل صالح طالما أعرض عنه في دار الدنيا.\nوقال عونُ بنُ عبد الله: ما أنزل الموتَ كُنْهَ منْزلته مَنْ عدَّ غدًا من أجله. كم من مستقبل يومًا لا يستكمِلُه، وكم من مؤمِّل لغدٍ لا يُدرِكُه، إنَّكم لو رأيتم الأجلَ ومسيرَه، لأبْغَضتُم الأمل وغُرورَه، وكان يقولُ: إنَّ من أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنَّه لا يدرك آخره.\nوكانت امرأةٌ متعبدة بمكة إذا أمست قالت: يا نفسُ، الليلةُ ليلتُك، لا ليلةَ لكِ غيرها، فاجتهدت، فإذا أصبحت، قالت: يا نفس اليومُ يومك، لا يومَ لك غيره فاجتهدت.\nوقال بكرٌ المزنيُّ: إذا أردت أنْ تنفعَك صلاتُك فقل: لعلِّي لا أُصلِّي غيرها، وهذا مأخوذٌ مما رُوي عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال (صلِّ صلاة مودِّع).\nوأقام معروفٌ الكرخيّ الصّلاةَ، ثم قال لرجل: تقدَّم فصلِّ بنا، فقال الرجل: إنِّي إنْ صليتُ بكم هذه الصلاة، لم أُصلِّ بكم غيرَها، فقال معروف: وأنتَ تحدِّث نفسك أنّك تُصلِّي صلاةً أخرى؟ نعوذُ بالله من طولِ الأمل، فإنَّه يمنع خيرَ العمل.\nوطرق بعضُهم بابَ أخٍ له، فسأل عنه، فقيل له: ليس هو في البيت، فقال: متى يرجع؟ فقالت له جارية من البيت: من كانت نفسُه في يد غيره، من يعلم متى يرجِعُ.\n(وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: تعطون أجوركم جزاء أعمالكم وافيًا يوم القيامة.\n(فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) أي: من جنب النار ونجا منها، وأدخل الجنة فقد فاز كل الفوز، بنجاته من العذاب الأليم، ووصوله إلى جنات النعيم، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\n• ومفهوم الآية أن من لم بزحزح عن النار ويدخل الجنة فقد شقي شقاء لا سعادة بعده.","vol":"4","page":227},{"text":"(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) تصغير لشأن الدنيا وتحقير لأمرها، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة.\n• قوله تعالى (الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) هي هذه الحياة التي نعيشها التي قبل الآخرة، وسميت لدنيا لسببين:\nالسبب الأول: لأنها قبل الآخرة في الزمن.\nالسبب الثاني: لدناءتها وحقارتها بالنسبة للآخرة. كما قال تعالى (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) وقال -ﷺ- (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء) رواه الترمذي، وقال -ﷺ- (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري.\nفمتاع الدنيا يزول، أو أنت تزول عنه، وكذلك نعيمه فهو قليل بالنسبة لنعيم الآخرة.\nقال تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى).\nوقال تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ).\nوقال تعالى (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ).\nوقال تعالى (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى).\nوفي الحديث (واللهِ ما الدنيا في الآخرة إلا كما يَغْمِسُ أحدُكُم إصبعه في اليَمِّ، فلينظر بِمَ تَرْجِع إليه).","vol":"4","page":228},{"text":"قال -ﷺ- (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها).\nوقال تعالى (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا).\nوقال تعالى (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ).\n• ففي هذه الآية حقارة الدنيا وخستها، وأنها متاع زائل.\nكما قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).\nوقال تعالى (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا).\nوقال ﷾ عن مؤمن فرعون أنه قال لقومه (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ).\nوقال القرطبي: متاع: أي يتمتع بها قليل ثم تنقطع وتزول. ودار الآخرة هي دار الاستقرار والخلود.\nقال ابن رجب: وقال الله تعالى عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار) والمتاع: هو ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع ويفنى.","vol":"4","page":229},{"text":"فما عيبت الدنيا بأكثر من ذكر فنائها وتقلب أحوالها، وهو أدل دليل على انقضائها وزوالها، فتتبدل صحتها بالسقم، ووجودها بالعدم، وشبيبتها بالهرم، ونعيمها بالبؤس، وحياتها بالموت، فتفارق الأجسام النفوس وعمارتها بالخراب واجتماعها بفرقة الأحباب وكل ما فوق التراب تراب قال بعض السلف في يوم عيد وقد نظر إلى كثرة الناس وزينة لباسهم: هل ترون إلا خرقا تبلى أو لحما يأكله الدود غدا كان الإمام أحمد -﵁- يقول: يا دار تخربين ويموت سكانك.\nوقال -ﷺ- (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه …) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي.\nوقال النبي -ﷺ- (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) رواه مسلم\nقال النووي ﵀: ما للدنيا بالنسبة للآخرة في قصر مدتها وفناء لذاتها ودوام الآخرة ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر.\nوقال -ﷺ- لابن عمر (يا ابن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) رواه البخاري وفي رواية (وعد نفسك من أهل القبور).\nهذه وصية النبي -ﷺ- لابن عمر، وهي في الواقع وصية له وللأمة من بعده -﵁-، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور، قال الإمام النووي ﵀ في معنى الحديث (لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنا، ولا تحدّث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه).","vol":"4","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1364>من أقوال السلف:</span>\nقال موسى ﵊: الدنيا قنطره فاعبروها ولا تعمروها.\nوقال عيسى ﵇ لأصحابه: من ذا الذي يبني على موج البحار دارًا تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا.\nوقال: مثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا حتى يقتله.\nوقد خرج أبو الدرداء على أهل الشام ورآهم في ترف فقال لهم: مالي أراكم تجمعون ما لا تأخذون، وتبنون ما لا تسكنون، وتؤمّلون ما لا تأخذون، لقد جمعت الأقوام التي قبلكم وأمّنتْ، فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بورًا، وأملهم غرورًا، وبيوتهم قبورًا، فجعل الناس يبكون حتى سمع نشيجهم من خارج المسجد.\nوقال أبو داود وهو من تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل: ما رأيت الإمام أحمد بن حنبل ذكر الدنيا.\nوقال ابن القيم: لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة.\nوقال: الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج، والسير في طلبها كالسير في أرض مسبعة - أي كثيرة السباع - السباحة فيها كالسباحة في غدير التمساح.\n\n<span data-type='title' id=toc-1365>الفوائد:</span>\n١ - إثبات الموت لكل حي.\n٢ - وجوب الاستعداد للموت قبل وقوعه.\n٣ - الحساب والجزاء كاملًا يوم القيامة.\n٤ - إثبات الجزاء والحساب.\n٥ - أن من نجا من النار ودخل الجنة فقد فاز.\n٦ - الشقاء لمن كان من أهل النار.","vol":"4","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1366>(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (١٨٦».</span> [آل عمران: ١٨٦].\n<hr><s0>\n\n(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) كقوله (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) أي: لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن على قدر دينه، إن كان في دينه صلابة زيد في البلاء.\nعن أبي هريرة -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- (مَا يَزَالُ البَلَاءُ بالمُؤمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ في نفسِهِ ووَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى الله تَعَالَى وَمَا عَلَيهِ خَطِيئَة) رواه الترمذي.\nوعنه. قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ- (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْه) رواه البخاري.\n• قال ابن رجب: في فوائد البلاء:\nتذكير العبد بذنوبه فربما تاب ورجع.\nزوال قسوة القلوب وحدوث رقتها.\nانكساره لله وذلهِ وذلك أحب إلى الله من كثير من طاعات الطائعين.\nأنها توجب للعبد الرجوع بقلبه إلى الله والوقوف ببابه والتضرع له والاستكانة.\nأن البلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى المخلوق.\nأن البلاء يوصل إلى قلبه لذة الصبر عليه أو الرضا به.\nقال بعض السلف: إن العبد ليُمرَض فيذكر ذنوبه فيخرج منه مثل رأس الذباب من خشية الله فيغفر له.\nوقال بعض العلماء: في بعض الكتب السابقة إن الله ليبتلي العبد وهو يحبه ليسمع تضرعه.\n• وقال القاسمي: وللإمام عز الدين محمد بن عبد السلام، رحمه الله تعالى، كلام على فوائد المحن والرزايا يحسن إيراده هنا. قال عليه الرحمة: للمصائب والبلايا والمحن والرزايا فوائد تختلف باختلاف رتب الناس:\nأحدها: معرفة عز الربوبية وقهرها.\nوالثانية: معرفة ذلة العبودية وكسرها، وإليه الإشارة بقوله تعالى (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، اعترفوا بأنهم\nملكه وعبيده، وأنهم راجعون إلى حكمه وتدبيره وقضائه وتقديره لا مفر لهم منه ولا محيد لهم عنه.\nوالثالثة: الإخلاص لله تعالى؛ إذ لا مرجع في رفع الشدائد إلا إليه، ولا معتمد في كشفها إلا عليه (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).","vol":"4","page":232},{"text":"الرابعة: الإنابة إلى الله تعالى والإقبال عليه (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ).\nالخامسة: التضرع والدعاء (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا) (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ).\nالسادسة: الصبر عليها، وهو موجب لمحبة الله تعالى وكثرة ثوابه.\nقال تعالى (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) وقال (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).\nالسابعة: تمحيصها للذنوب والخطايا.\nقال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير).\nالثامنة: معرفة نعمة العافية والشكر عليها.\nفإن النعم لا تعرف أقدارها إلا بعد فقدها.\nالتاسعة: ما أعده الله تعالى على هذه الفوائد من ثواب الآخرة على اختلاف مراتبها.\nالعاشرة: ما في طيّها من الفوائد الخفية.\nقال تعالى (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).\nوقال تعالى (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).\nولما أخذ الجبار سارة من إبراهيم كان في طيّ تلك البلية أن أخدمها هاجر. فولدت إسماعيل لإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فكان من ذرية إسماعيل خاتم النبيين، فأعظم بذلك من خبر كان في طي تلك البلية.\nالحادية عشرة: إن المصائب والشدائد تمنع من الأشر والبطر والفخر والخيلاء والتكبر والتجبر.\nفإن نمرود، لو كان فقيرًا سقيمًا، فاقد السمع والبصر، لما حاجّ إبراهيم في ربه، لكن حمله بطرُ الملك على ذلك، وقد علل الله ﷾ مُحاجّته بإتيانه الملك، ولو ابتلى فرعون بمثل ذلك لما قال (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) وقال تعالى (وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) وقال تعالى (إِنَّ الْإِنْسَاْن لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) وقال تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ).","vol":"4","page":233},{"text":"وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ).\nالثانية عشرة: الرضا الموجب لرضوان الله تعالى، فإن المصائب تنزل بالبَرِّ والفاجر، فمن سخطها فله السخط وخسران الدنيا والآخرة، ومن رضيها فله الرضا والرضا أفضل من الجنة وما فيها؛ لقوله تعالى (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) أي: من جنات عدن ومساكنها الطيبة.\nذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الصبر على أذى الخلق أفضل من الانتقام منهم.\n(وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا) من الطعن فيكم، وفي دينكم، وكتابكم ورسولكم.\n• فمن صور الأذى التي يسمعها المؤمنون منهم:\nقول اليهود: عزير ابن الله، وقولهم: يد الله مغلولة، وقولهم: إن الله فقير، وقولهم - مع النصارى - نحن أبناء الله، احباؤه، وكذلك يسمعون من النصارى: المسيح ابن الله، وقولهم: إن الله ثالث ثلاثة.\nومن صور الأذى التي تسمع من الذين أشركوا قولهم في رسول الله -ﷺ-: ساحر، مجنون، كذاب.\n• قال السعدي: وفي إخباره لعباده المؤمنين بذلك عدة فوائد:\nمنها: أن حكمته تعالى تقتضي ذلك، ليتميز المؤمن الصادق من غيره.","vol":"4","page":234},{"text":"ومنها: أنه تعالى، يقدر عليهم هذه الأمور، لما يريده بهم من الخير ليعلي درجاتهم، ويكفر من سيئاتهم، وليزداد بذلك إيمانهم، ويتم به إيقانهم، فإنه إذا أخبرهم بذلك ووقع كما أخبر (قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا).\nومنها: أنه أخبرهم بذلك لتتوطن نفوسهم على وقوع ذلك، والصبر عليه إذا وقع، لأنهم قد استعدوا لوقوعه، فيهون عليهم حمله، وتخف عليهم مؤنته، ويلجأون إلى الصبر والتقوى.\n(وَإِنْ تَصْبِرُوا) على ما نالكم في أموالكم وأنفسكم، من الابتلاء والامتحان، وعلى أذية الظالمين.\n(وَتَتَّقُوا) الله في ذلك الصبر، بأن تنووا به وجه الله، والتقرب إليه، ولم تتعدوا في صبركم.\n(فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي: من الأمور التي يعزم عليها، وينافس فيها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم والهمم العالية كما قال تعالى (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).\nبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين كما قال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1367>الفوائد:</span>\n١ - سنة الله في ابتلاء أوليائه.\n٢ - عداوة الكفار الدائمة للمؤمنين.\n٣ - الصبر والتقوى سبب للانتصار.","vol":"4","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1368>(وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧».</span> [آل عمران: ١٨٧].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ …) هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب، الذين أخَذ عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد -ﷺ-، وأن ينوهوا بذكره في الناس ليكونوا على أهْبَة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم.\nوفي هذا تَحْذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويُسْلكَ بهم مَسْلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئًا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي -ﷺ- أنه قال: من سُئِل عن عِلْم فكَتَمه ألْجِم يوم القيامة بِلجَامٍ من نار. (تفسير ابن كثير).\n• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ …) في هاء الكناية في (لتبيننه) و(تكتمونه) قولان:\nأحدهما: أنها ترجع إلى النبي محمد -ﷺ-، وهذا قول من قال: هم اليهود.\nوالثاني: أنها ترجع إلى الكتاب، قاله الحسن، وقتادة، وهو أصح، لأن الكتاب أقرب المذكورين، ولأن من ضرورة تبيينهم ما فيه إظهار صفة محمد -ﷺ-، وهذا قول من ذهب إلى أنه عام في كل كتاب. وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلِّموا.\n• أدلة تحريم كتمان العلم ووجوب تبيينه:\nقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).","vol":"4","page":236},{"text":"• قال ابن تيمية: معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، والله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير، لما في ذلك من عموم النفع لكل شيء، وعكسه كاتموا العلم، فإنهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. …\nقال ابن المبارك - ﵀:\nوهل أَفْسَدَ الدينَ إلا الملوكُ … وأحْبَارُ سُوءٍ ورُهْبَانُهَا\nوباعُوا النفوسَ ولم يَرْبَحُوا … ولم تغْلُ في البَيْع أثْمَانُهَا\nلقدْ رتعَ القومُ في جِيفَةٍ … يَبِينُ لذِي العَقْلِ إنْتَانُهَا\nوكان يحيى بن معاذ الرازي ﵁ يقول لعلماء وقته (يا معْشرَ العلماء، ديارُكم هَامَانيَّة، وملابِسُكُم قَارُونية، ومَرَاكِبُكُم فرعونية وولائمُكُمْ جالوتية، فأين السنّةُ المحمدية؟).\n• قال الشيخ ابن عثيمين: المنحرف عن الدين وعن نشر العلم ينحرف لأحد سببين:\nالسبب الأول: خشية الناس.\nالسبب الثاني: الطمع في الدنيا.\nقال تعالى في سورة المائدة (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا).\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَإِذَ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب) هذا متّصل بذكر اليهود؛ فإنهم أمِروا بالإيمان بمحمد ﵇ وبيانِ أمره، فكتموا نعته.\nفالآية توبيخ لهم، ثم مع ذلك هو خبر عام لهم ولغيرهم.\nقال الحسن وقتادة: هي في كل من أُوتي عِلم شيء من الكتاب.\nفمن عَلم شيئًا فليُعلِّمه، وإيّاكم وكتمانَ العلم فإنه هَلكة.\nوقال محمد بن كعب: لا يحلّ لعالم أن يسكت على علمه، ولا للجاهل أن يسكت على جهله؛ قال الله تعالى (وَإِذَ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب …).\nوقال (فاسئلوا أَهْلَ الذكر إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).\nوقال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدّثتكم بشيء؛ ثم تلا هذه الآية (وَإِذَ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب). (تفسير القرطبي).\n(فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) المراد أنهم لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه، والنبذ وراء الظهر مثل الطرح وترك الاعتداد، ونقيضه: جعله نصب عينه وإلقاؤه بين عينيه.","vol":"4","page":237},{"text":"(واشتروا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) معناه أنهم أخفوا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان شيء من الدنيا، فكل من لم يبين الحق للناس وكتم شيئًا منه لغرض فاسد، من تسهيل على الظلمة وتطييب لقلوبهم، أو لجر منفعة، أو لتقية وخوف، أو لبخل بالعلم دخل تحت هذا الوعيد.\n• قال ابن عاشور في قوله تعالى في سورة البقرة (ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا) ووجه المشابهة بين إعراضهم وبين الاشتراء، أن إعراضهم عن آيات القرآن لأجل استبقاء السيادة، والنفع في الدنيا يشبه استبدال المشترِي في أنه يعطي ما لا حاجة له به ويأخذ ما إليه احتياجه وله فيه منفعته.\n• وقال ﵀: (ثمنًا قليلًا) وقد أجمل العوض الذي استبدلوا به الآيات فلم يبين أهو الرئاسة أو الرشى التي يأخذونها ليشمل ذلك اختلاف أحوالهم فإنهم متفاوتون في المقاصد التي تصدهم عن اتباع الإسلام على حسب اختلاف همهم.\n• قال القرطبي: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول مَن فعل فعلهم.\nسئل الحسن البصري عن قوله تعالى (ثَمَنًا قَلِيلًا) قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها.\n• وصفه الله بأنه قليل، لأن جميع ما في الدنيا قليل (مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى).\n• فالثمن القليل: يشمل المال والمنصب والجاه والشهرة والرفعة، فإن أحبار اليهود لو آمنوا بمحمد -ﷺ- لذهبت عنهم بعض ما هم فيه من المكانة والمنزلة والرفعة.\nوقد صدق من قال من السلف: من أحب أن يعرف ذهب دينه.\nقال الحسن -﵀: عقوبة العالم موت القلب، قيل له: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة (جامع بيان العلم وفضله)","vol":"4","page":238},{"text":"قال محمد بن عمر الأسلمي ﵀: لقد كان الرجلان يتقاولان بالمدينة في أول الزمان، فيقول أحدهما لصاحبه: لأنت أفلس من القاضي، فصار القضاة اليوم ولاة وجبابرة وملوكًا وأصحاب غلات وضياع وتجارات وأموال! (الطبقات الكبرى)\nقال يوسف بن زكريا -﵀: كان محمد بن يوسف، لا يشتري من خباز واحد، ولا من بقال واحد، وقال: لعلهم يعرفوني فيحابوني، فأكون ممن أعيش بديني؟ (حلية الأولياء).\nجلس الحسن -﵀ - يُحَدّث فأُهدِيَ له فردَّه، وقال: إن من جلس هذا المجلس ثم قَبِل، فليس له عند الله خلاق، أو قال: فليس له خلاق (الزهد لأحمد).\nقال وهب بن منبه - توفي سنة (١١٤ هـ) -﵀: كان العلماء من قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إليها، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم، فأصبح أهل العلم يبذلون لأهل الدنيا عِلمَهُم رغبة في دنياهم، وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم، لما رأوا من سوء موضعه عندهم. (حلية الأولياء).\nقال أبو حازم -﵀ - لا تكون عالمًا حتى تكون فيك خصال: لا تبغ على من فوقك ولا تحقر من دونك ولا تأخذ على علمك دنيا. (المداراة).\nقال مطرف بن عبد الله -﵀ - إن أقبحَ ما طُلبت به الدنيا عملُ الآخرة. (حلية الأولياء).\nقال شميط بن عجلان -﵀ - يعمد أحدهم فيقرأ القرآن ويطلب العلم، حتى إذا علمه أخذ الدنيا فضمها إلى صدره، وحملها على رأسه، فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: امرأة ضعيفة، وأعرابي جاهل، وأعجمي،\nفقالوا: هذا أعلم بالله منا، لو لم ير في الدنيا ذخيرة ما فعل هذا، فرغبوا في الدنيا وجمعوها. وكان أبي يقول: فمثله كمثل الذي قال الله ﷿ (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) (حلية الأولياء).\nقال خالد بن دُرَيك -﵀ -: خرج ابن محيريز إلى بزاز يشتري منه ثوبًا والبزاز لا يعرفه قال: وعنده رجل يعرفه فقال: بكم هذا الثوب قال الرجل: بكذا وكذا فقال الرجل الذي يعرفه: أحسن إلى ابن محيريز، فقال ابن محيريز: إنما جئت أشتري بمالي ولم أجيء أشتري بديني فقام ولم يشتر. (حلية الأولياء).","vol":"4","page":239},{"text":"قال ابن المبارك -﵀ - إنما الناس العلماء والملوك والزهاد، والسفلة الذين يأكلون بدينهم أموال الناس بالباطل ثم قرأ (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل).\nقال (يأكلون الدنيا بالدين، قال: فبكى فضيل بن عياض بكاءًا شديدًا ثم قال: كذب من قال: إنه لا يأكل بدينه أنا -والله- آكل بديني. (شعب الإيمان).\n• وقد ذكر العلامة المعلمي أن المنزلة والجاه من موانع الهداية فقال ﵀ بعد أن ذكر الوجه الأول:\nالوجه الثاني: أن يكون قد صار في الباطل جاه وشهرة ومعيشة، فيشق عليه أن يعترف بأنه باطل فتذهب تلك الفوائد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1369>الفوائد:</span>\n١ - تحريم كتمان العلم.\n٢ - يجب على أهل العلم تبليغ العلم ونشره وبثه.\n٣ - أن من صفات اليهود كتم العلم.\n٤ - أن كل من كتم علمًا ففيه شبه من اليهود.\n٥ - خطر طلب الرئاسة والمكانة عند الناس.\n٦ - خطر فتنة الدنيا.","vol":"4","page":240},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1370>(لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨».</span> [آل عمران: ١٨٨].\n<hr><s0>\n\n(ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا) أي: لا تظنن يا محمد الذين يفرحون بما أتوا.\n(وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) أي: ويحبون أن يحمدهم الناس على تمسكهم بالحق وهم على ضلال.\n(فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ) أي: فلا تظننهم بمنجاة من عذاب الله.\n(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: عذاب مؤلم.\nوقد ورد في سبب نزولها عدة روايات:\nأ- أخرج البخاري في صحيحه: عن عَلْقَمَةَ بْن وَقَّاصٍ (أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ -ﷺ- يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ (يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا).\nب- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- (أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَنَزَلَتْ (لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ». متفق عليه.\nج- وقيل: يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيح (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبيْ زور).\nد- وقيل: نزلت في المنافقين فإنهم يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين على سبيل النفاق من حيث أنهم كانوا يتوصلون بذلك إلى تحصيل مصالحهم في الدنيا، ثم كانوا يتوقعون من النبي -﵇- أن يحمدهم على الإيمان الذي ما كان موجودا في قلوبهم.","vol":"4","page":241},{"text":"ورجح الطبري أنها في أهل الكتاب، لأن السياق فيهم.\nوقال الرازي: واعلم أن الأولى أن يحمل على الكل، لأن جميع هذه الأمور مشتركة في قدر واحد، وهو أن الإنسان يأتي بالفعل الذي لا ينبغي ويفرح به، ثم يتوقع من الناس أن يصفوه بسداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والاقبال على طاعة الله.\nوقال الشوكاني: وقد اختلف في سبب الآية، والظاهر شمولها لكل من حصل منه ما تضمنته عملًا بعموم اللفظ، فمن فرح بما فعل وأحب أن يحمده الناس بما لم يفعل فلا تحسبنه بمفازة من العذاب.\n• قال السعدي: ويدخل في هذه الآية الكريمة أهل الكتاب الذين فرحوا بما عندهم من العلم، ولم ينقادوا للرسول، وزعموا أنهم هم المحقون في حالهم ومقالهم، وكذلك كل من ابتدع بدعة قولية أو فعلية، وفرح بها، ودعا إليها، وزعم أنه محق وغيره مبطل، كما هو الواقع من أهل البدع.\nودلت الآية بمفهومها على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما فعله من الخير واتباع الحق، إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة، أنه غير مذموم، بل هذا من الأمور المطلوبة، التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسنين له الأعمال والأقوال، وأنه جازى بها خواص خلقه، وسألوها منه.\nكما قال إبراهيم ﵇ (واجعل لي لسان صدق في الآخرين).\nوقال (سلام على نوح في العالمين، إنا كذلك نجزي المحسنين).\nوقد قال عباد الرحمن (واجعلنا للمتقين إمامًا) وهي من نعم الباري على عبده، ومننه التي تحتاج إلى الشكر. (تفسير السعدي).\nفائدة: قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: قال لي رجل: من هنا إلى بلاد الترك يدعون لك، فكيف تؤدي شكر ما أنعم الله عليك، وما بث لك في الناس؟ فقال أسأل الله أن لا يجعلنا مرائين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1371>الفوائد:</span>\n١ - تحذير من يفرح بما أتى فرح منةٍ أو فرح غدر وخيانة كالمنافقين.\n٢ - التحذير من محبة الإنسان أن يحمد بما لم يفعل.\n٣ - أن من كان على هذه الحال فلن ينجو من العذاب.\n٤ - الحذر من الرياء ومن التظاهر بالصلاح وهو على خلاف ذلك.\n٥ - حب الإنسان للمدح.","vol":"4","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1372>(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).</span> [آل عمران: ١٨٩].\n<hr><s0>\n\n(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: خلقًا وملكًا وتدبيرًا، فهو سبحانه مالك الأعيان، ومالك التصرف فيها.\n• والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد فوائد:\nالفائدة الأولى: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضًا فلا تعترض، ولو قضى عليك فقرًا فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء ..\nيدل لذلك ما أمرنا الله به أن نقول عند المصيبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).\nويدل لذلك أيضًا ما بينّه النبي -ﷺ- لابنته التي أشرف ابنها على الموت، حينما أرسلت إليه ليأتي، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب).\nالفائدة الثانية: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه.\nالفائدة الثالثة: أن كل ما في الكون ملك لله الأحد ﷾ من غير شريك، فما لدينا من مال ومتاع وجاه ليس ملكًا لنا بل هو ملك لله، وإنما نحن مستخلفون فيه للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).\nوقال -ﷺ- (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون …) رواه مسلم.\n• فإن قال قائل: ابن آدم يملك؟ فالجواب: أن ملكنا ليس ملكًا عامًا، فملكي ليس ملك لك، وملكك ليس ملكًا لي، ثم نحن لا نملك التصرف فيها، فتصرفنا محدود حسب الشريعة، فلو أراد الإنسان أن يحرق ماله فإنه هذا ممنوع ولا يجوز، فملك غير الله قاصر وغير شامل.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: يشمل ملك الذوات، أي: ملك ذات السماوات والأرض، وملك التصرف فيهما، يتصرف فيهما كما يشاء، فهو الذي أوجدهما وهو الذي يمسكهما أن تزولا، وهو الذي يدبر ما فيهما، وهو الذي يتلفهما، ويُفنيهما عند قيام الساعة.\n• نستفيد من ذلك:\nأولًا: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضًا فلا تعترض، ولو قضى عليك فقرًا فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء.\nثانيًا: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه، إذا قال لك: افعل كذا فافعل، وإذا قال: لا تفعل: فلا تفعل.","vol":"4","page":243},{"text":"• قوله تعالى (السَّمَاوَاتِ) هذا جمع، وقد صرح الله في القرآن بأن السموات سبع كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) وقال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا).\n• قوله تعالى (والأرض) جاء في القرآن التلميح بأنها سبع في قوله تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) أي في العدد، وجاءت في السنة التصريح بأنها سبع في قوله -ﷺ- (من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أراضين) متفق عليه.\n(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فلا يعجزه شيء، صغيرًا أو كبيرًا، قليلًا أو كثيرًا، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\n• قال الشنقيطي: جرت العادة بذكر قدرته عند الأمور التي لا يستطيعها البشر، كما ذكر ذلك عند نصره لعباده الضعفاء المتمسكين بدينه كقوله تعالى في الأحزاب (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) وقال في الحديبية (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا).\nومن قدرته أنه سبحانه يعز من يشاء ويذل من يشاء ويؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\n• قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الآية عامة، فهو قدير على كل شيء، على ما شاءه وما لم يشأه، وبهذا نعرف أن تقييد بعض الناس القدرة بالمشيئة خطأ، لأن الله قادر على ما يشاء وعلى ما يشاء، وأما قوله تعالى (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) فالمشيئة هنا ليست عائدة على القدرة، ولكنها عائدة على الجمع، يعني: إذا أراد جمعهم وشاء جمعهم فهو قدير عليه لا يعجزه شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1373>الفوائد:</span>\n١ - أن ملك السماوات والأرض خاص بالله تعالى.\n٢ - أن الملك المطلق لله وحده.\n٣ - عموم قدرة الله.\n(الخميس: ١٦/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ)","vol":"4","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1374>(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١».</span> [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٤].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: تلك في ارتفاعها ولطافتها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع.\nوقد أمرنا الله بالنظر والتفكر في السماوات والأرض الدالة على توحيده وعظمته وجلاله في آيات كثيرة:\nفقال تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ).\nوقال تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ).\nوقال تعالى (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ).\nوقال تعالى (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ).\nوقال تعالى (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).\nوقال تعالى (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ).\nوقال تعالى (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).\nوقال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).\n• وهما من أعظم المخلوقات، وهما من أدلة البعث، حيث أن من قدر على خلق الأعظم فهو على غيره من باب أحرى.\nقال تعالى (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).\nوقال تعالى (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ).\nوقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).","vol":"4","page":245},{"text":"وقال تعالى (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا).\n• وخلقهما سبحانه بالحق كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا).\nوقال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ).\nفمن الحق الذي كان خلقهما من أجله: إقامة البرهان على أنه الواحد المعبود وحده جلا وعلا.\nكما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).\nوقال تعالى (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).\nولما بين تعالى في أول سورة الفرقان، صفات من يستحق أن يعبد ومن لا يستحق، قال في صفات من يستحق العبادة (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا).\nوالآيات في مثل ذلك كثيرة تدل دلالة واضحة على أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقًا متلبسًا بالحق ومن الحق الذي من أجله خلق السموات والأرض، تعليمه لخلقه أنه تعالى على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علمًا، كما قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا).\nومن الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما: هو تكليف الخلق، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا ثم جزاؤهم على أعمالهم، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).\n(وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) وتارة يطول هذا ويقصر هذا وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتعاوضان كما قال تعالى (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ).","vol":"4","page":246},{"text":"• وهذا البرهان ذكره الله تعالى في عدة مواضع:\nقال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ).\nوقال تعالى (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ).\nوقال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلَا تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).\n(لَآياتٍ) أي: لعلامات ودلالات وبراهين.\n• قال القاسمي: عظيمة كثيرة، فالتنكير للتفخيم كَمًّا وكيفًا.\n(لِأُولِي الْأَلْبَابِ) أي: العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون.\nقال الله تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ).\nوقال تعالى (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ).\nوقال تعالى (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ).\n• وسبب تكثير الأدلة أنّ عقول الناس متفاوتة.\n• قال ابن القيم: الرب ﵎ يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين:\nأحدهما: النظر في مفعولاته، والثاني: التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة.\nفالنوع الأول كقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ …). وقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) وهو كثير في القرآن.\nوالثاني كقوله (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) وقوله (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) وقوله (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ).","vol":"4","page":247},{"text":"• وآيات الله تنقسم إلى قسمين:\no  الآيات الكونية القدرية (فهي مما نشاهده مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها).\nوهي ما نصبه الله (جل وعلا) ليدل به خلقه على أنه الواحد الأحد المستحق للعبادة، كالشمس والسماء والأرض ونحوها، وكل ما في الكون من مخلوقات الله شاهد بكمال الله وقدرته وعزته وأنه المستحق للعبادة.\nقال تعالى (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: لعلامات واضحة جازمة قاطعة بأن من خلقها هو رب هذا الكون، وهو المعبود وحده.\no  الآيات الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم. (لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله).\nومنه قوله تعالى (رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ).\nوسميت آيات، جمع آية، لأنها علامة على صدق من جاء بها.\nالكفر بالآيات الكونية يكون بأمور: أن يجحد أن الخالق سبحانه خلقها فيدعي أن الذي خلقها غير الله، أو أن يعتقد أن له شريكًا في خلقه، أو أن له معينًا في خلقه.\nوالكفر بالآيات الشرعية إما بجحودها، أو بتكذيبها، أو بالاستكبار والعناد.\n• ثم وصف تعالى أولي الألباب بقوله:\n(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) أي: لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم، بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم.\n• قال القرطبي: ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلوا ابن آدم منها في غالب أمره، فكأنها تحصُر زَمانه.\nومن هذا المعنى قولُ عائشة ﵂: كان رسول الله -ﷺ- يذكر الله على كل أحيانه.","vol":"4","page":248},{"text":"• قال الرازي: للمفسرين في هذه الآية قولان:\nالأول: أن يكون المراد منه كون الإنسان دائم الذكر لربه، فإن الأحوال ليست إلا هذه الثلاثة، ثم لما وصفهم بكونهم ذاكرين فيها كان ذلك دليلًا على كونهم مواظبين على الذكر غير فاترين عنه ألبتة.\nوالقول الثاني: أن المراد من الذكر الصلاة، والمعنى أنهم يصلون في حال القيام، فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاضطجاع، والمعنى أنهم لا يتركون الصلاة في شيء من الأحوال.\nوالحمل على الأول أولى.\nلأن الآيات الكثيرة ناطقة بفضيلة الذكر.\n• وقال ابن عاشور: وقيل: أراد أحوال المصلّين: من قادر، وعاجز، وشديد العجز، وسياق الآية بعيد عن هذا المعنى.\nوقد أمر الله بالإكثار من ذكره:\nفقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).\nوقال تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا).\nوقال تعالى (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ … وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً\nوَأَجْرًا عَظِيمًا).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا).\nوقال تعالى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).","vol":"4","page":249},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1375> وللذكر فضائل عظيمة:</span>\nمنها: أنه يورث العبد ذكر الله له.\nكما قال تعالى (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ).\nقال ابن القيم: ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلًا وشرفًا.\nوقال -ﷺ- (قال تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خير منهم) متفق عليه.\nومنها: أنه سبب لنزول السكينة وغشيان الرحمن.\nكما في حديث أبي هريرة في قوله -ﷺ- (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.\nومنها: أنه غرس الجنة.\nكما في قوله -ﷺ- (لقيت ليلة اسري بي إبراهيم الخليل فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) رواه الترمذي.\nومنها: أن دوام ذكر الرب يوجب الأمان من نسيانه وهو سبب شقاء العبد.\nفإن نسيان الرب سبحانه يوجب نسيان نفسه ومصالحها، قال تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).\nومنها: أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال.\nكما قال -ﷺ- (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ..) متفق عليه.\nومنها: أن العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله.\nكما في الحديث (… وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك رجل خرج العدو في أثرهِ سراعًا، حتى أتى إلى حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله …) رواه الترمذي.\nقال ابن القيم: فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة، لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى.","vol":"4","page":250},{"text":"وكما في الحديث السابق (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده …، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك).\nومنها: أن سيد المرسلين كان كثير الذكر.\nكما في حديث عائشة قالت (كان رسول الله -ﷺ- يذكر الله على كل أحيانه) رواه مسلم.\nومنها: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله فيه.\nكما سبق في حديث (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.\nوكما في حديث أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (إن لله ملائكة فُضُلًا سيارة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادّوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا .....) رواه مسلم.\nومنها: أن الله يباهي بالذاكرين ملائكته.\nكما في حديث معاوية (أن رسول الله -ﷺ- خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم استحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني\nجبريل فأخبرني: أن الله ﵎ يباهي بكم الملائكة) رواه مسلم.\nومنها: أن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه.\nكما في الحديث (أن النبي -ﷺ- علم ابنته فاطمة وعليًا أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثًا وثلاثين، ويحمدا ثلاثًا وثلاثين، ويكبرا أربعًا وثلاثين، لما سألته الخادم، فعلمها -ﷺ- ذلك وقال: إنه خير لك من خادم) متفق عليه.","vol":"4","page":251},{"text":"قال ابن القيم: قيل: إن من داوم على ذلك وجد قوة في بدنه مغنية عن خادم.\nومنها: أن كثرة ذكر الله أمان من النفاق.\nقال تعالى في المنافقين وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا).\nوقال كعب: من أكثر ذكر الله برئ من النفاق.\nومنها: أن العبادات إنما شرعت لذكر الله.\nومنها: أنه من أحب الأعمال إلى الله.\nكما أوصى -ﷺ- رجلًا بقوله (لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله) رواه الترمذي.\nومنها: أنه سبب لاشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل.\nفإن العبد لابد أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى، وذكر أوامره، تكلم بهذه المحرمات أو بعضها.\n• من أقوال السلف في ذكر الله تعالى:\nقال أبو الدراء: لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله.\nوقال معاذ: ما عمل العبد عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله.\nوقال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس.\nوقال كعب: من أكثر من ذكر الله برأ من النفاق.\nوقال ابن تيمية: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء.\nوقال ابن القيم: الذكر باب المحبة وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم.\nوقال: من أراد أن ينال محبة الله فليلهج بذكره.\nوقال: وكل شيء له صدأ، وصدأ القلب الغفلة والهوى، وجلاؤه الذكر والتوبة.\nوعن عكرمة: أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة ويقول: أسبح بقدر ذنوبي.\nوقال ابن السماك: رأيت مسعرًا في النوم، فقلت: أي العمل وجدت أنفع؟ قال: ذكر الله.\nوقال أحمد بن حنبل: صحبت هشيْمًا أربع سنين أو خمس، ما سألته عن شيء إلا مرتين هيبة له، وكان كثير التسبيح بين الحديث، يقول بين ذلك: لا إله إلا الله، يمد بها صوته.","vol":"4","page":252},{"text":"وقال رياح القيسي: لي نيف وأربعون ذنبًا، قد استغفرت لكل ذنب مائة ألف مرة.\nوقالت رابعة العدوية لصالح المري: يا صالح، من أحب شيئًا أكثر من ذكره.\nوعن ابن عون قال: ذكر الناس داء، وذكر الله دواء.\nوعن ميمون بن سياه قال: إذا أراد الله بعبده خيرًا: حبب إليه ذكره.\nوعن ذي النون المصري: ما طابت الدنيا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنان إلا برؤيته.\n(وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته، وعلمه وحكمته، واختياره ورحمته.\n• التفكر هو: تكرار تأمل القلب في الشيء مرّات ومرات، حتى يتعرف العبد على خباياه وأسراره قدر طاقته.\n• قال ابن القيم: الفكرة هي تحديق القلب إلى جهة المطلوب التماسًا له.\n• وقد أمر الله بالتفكر في آياته في مواضع كثيرة:\nقال تعالى (وقال تعالى (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ).\nوذك المتغافلين المعرضين عن التفكر.\nقال تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ).\nوقال تعالى (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ).","vol":"4","page":253},{"text":"• قال ابن القيم: إذا غذي القلب بالتذكر، وسقيَ بالتفكر، ونُقي من الدغل، رأى العجائب وألهم الحكمة.\n• وقال ﵀: معرفة الله سبحانه نوعان: الأول: معرفة إقرار وهي التي اشترك فيها الناس البر والفاجر والمطيع والعاصي. والثاني: معرفة توجب الحياء منه والمحبة له وتعلق القلب به والشوق إلى لقائه وخشيته والإنابة إليه والأنس به والفرار من الخلق إليه، وهذه هي المعرفة الخاصة الجارية على لسان القوم.\nولهذه المعرفة بابان واسعان:\nالباب الأول: التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله.\nوالباب الثاني: التفكر في آياته المشهودة وتأمل حكمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط.\nوقال ﵀: والتذكر والتفكر منزلان يثمران أنواع المعارف، وحقائق الإيمان والإحسان، والعارف لا يزال يعود بتفكره على التذكرة، وبتذكره على تفكره، حتى يفتح قفل قلبه بإذن الفتاح العليم.\nسئلت أم ذر عن عبادة أبي ذر فقالت: التفكر والاعتبار.\nوقال الحسن: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.\nوقال: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته فكرًا فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتبارًا فهو لهو.\nوقال الفضيل: الفكرة مرآةُ تريك حسناتِك وسيئاتِك.\nوقال ابنُ بَطَّال: إن الإنسان إذا كَمُل إيمانه، وكَثُر تفكُّره، كان الغالِبُ علَيْه الإشفاقَ والخَوْف.\nوقال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئٍ قط إلا علِم، وما علِم امرؤ قط إلا عمِل.\nوقال عمر بن عبد العزيز: الكلام بذكر الله حسن، والفكرةُ في نِعم الله أفضل العبادة.\nوقال بشر: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوه قط.\nوقال ابن عباس: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلبُ ساهٍ.\nبينما أبو شريح يمشي يومًا إذ جلس، ثم بكى بكاء شديدًا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: تفكرت في ذهاب عمري، وقلة عملي، واقتراب أجلي.\nوقال الشافعي: استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكرة.","vol":"4","page":254},{"text":"قال ابن القيم معلقًا: وهذا لأن الفكرة عمل القلب، والعبادة عمل الجوارح، والقلبُ أشرف من الجوارح، فكان عمله أشرف من عمل الجوارح، وأيضًا فالتفكر يوقع صاحبه من الإيمان على ما لا يوقعه العمل المجرد.\nوقال ابن الجوزي: همة المؤمن متعلقةٌ بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحرّكه إلى ذكر الآخرة، وكل من شغله شيء فهمته شغله.\nألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة رأيت البزاز ينظر إلى الفرش ويحزر قيمته، والنجار إلى السقف، والبناء إلى الحيطان، والحائك إلى النسيج المخيط.\nوالمؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر، وإن رأى مؤلمًا ذكر العقاب، وإن سمع صوتًا فظيعًا ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نيامًا ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذة ذكر الجنة، فهمته متعلقة بما ثم، وذلك يشغله عن كل ما تم.\nقال بعض الحكماء: أحْي قلبك بالمواعظ، ونوّره بالفكر، وموِّته بالزهد، وقوِّه باليقين، وذلله بالموت، وقرّره بالفناء، وبصِّره فجائع الدنيا.\nسئل أعرابي عن دليل على وجود الله فقال: سبحان الله! سماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فجاج، وبحارٌ ذاتُ أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير!!\nقال ابن القيم: أنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك\n(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) أي: ما خلقت هذا الخلق عبثًا، بل لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى.\n(سُبْحَانَكَ) تنزيهًا لك يا رب أن تخلق شيئًا باطلًا.\nقال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ.\nوقال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ).","vol":"4","page":255},{"text":"وقال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ).\nوقال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم).\nوقال تعالى (أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً).\n(فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أي: يا من خَلَق الخلق بالحق والعدل يا من هو مُنزه عن النقائص والعيب والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وَقيضْنَا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذابك الأليم.\nكما قال تعالى عن عبد الله الصالحين (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1376>الفوائد:</span>\n١ - الحث على التأمل في خلق السماوات والأرض.\n٢ - آية اختلاف الليل والنهار.\n٣ - الثناء على أصحاب العقول.\n٤ - تنوع الآيات ليزداد المؤمن إيمانًا.\n٥ - أنه كلما كان الإنسان أعقل كان بالله وآياته أعلم.\n٦ - فضل ذكر الله على كل حال.\n٧ - فضيلة التفكر في خلق السماوات والأرض.\n٨ - التوسل إلى الله تعالى بالربوبية حال الدعاء.\n٩ - تنزيه الله عن أن يخلق لغير حكمة.\n١٠ - أن من أسماء الله الحكيم المتضمن الحكمة الكاملة.\n١١ - تنزيه الله عن العبث.\n١٢ - وجوب الاستعاذة من النار.\n(الجمعة: ١٧/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"4","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1377>(رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (١٩٢) رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤».</span> [آل عمران: ١٩٢ - ١٩٤].\n<hr><s0>\n\n(رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع.\n• قال ابن عاشور: قولهم (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) مسوق مساق التعليل لسؤال الوقاية من النار، كما توذن به (إنّ) المستعملة لإرادة الاهتمام إذ لا مقام للتأكيد هنا.\n• قال الشوكاني: بيان للسبب الذي لأجله دعاه عباده بأن يقيهم عذاب النار، وهو أن من أدخله النار فقد أخزاه، أي: أذله وأهانه.\n• قال الرازي: اعلم أنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي، ليكون موقع السؤال أعظم، لأن من سأل ربه أن يفعل شيئًا أو أن لا يفعله، إذا شرح عظم ذلك المطلوب وقوته كانت داعيته في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه في طلبه أشد، والدعاء لا يتصل بالإجابة إلا إذا كان مقرونًا بالإخلاص، فهذا تعليم من الله عباده في كيفية إيراد الدعاء.","vol":"4","page":257},{"text":"• قال ابن الجوزي قوله تعالى (فقد أخزيته) فيما يتعلق به هذا الخزي قولان:\nأحدهما: أنه يتعلق بمن يدخلها مخلدًا.\nوالثاني: أنه يتعلق بكل داخل إليها، وهذا المعنى مروي عن جابر بن عبد الله، واختاره ابن جرير.\n(وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) أي: يوم القيامة لا مُجير لهم منك، ولا محيد لهم عما أردت بهم.\nوالمراد بالظلم هنا الشرك، فإن الشرك ظلم، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك ظالم، لأنه وضع العبادة التي هي حق لله تعالى وحده، وضعها في المخلوق الضعيف الفقير أو وضعها لصنم أو حجر أو شجر، ولأجل هذا البيان فإن القرآن يكثر الله فيه إطلاق الظلم على الشرك.\nكما قال تعالى عن العبد الصالح (إن الشرك لظلم عظيم).\nوثبت في صحيح البخاري أن النبي -ﷺ- فسر قوله (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) قال: بشرك، ثم تلا قول لقمان (إن الشرك لظلم عظيم).\nوقال تعالى (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) أي: من المشركين.\nولم يأت الظلم في القرآن إلا بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف، بمعنى النقص، كما قال تعالى (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) أي ولم تنقص.\n• وقد يطلق الظلم على ظلم الإنسان نفسه ببعض المعاصي التي لا تبلغ الكفر، ومنه قوله تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) بدليل قوله في الجميع (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا)، لأن هذا أطاع الشيطان وعصى ربه فقد وضع الطاعة في غير موضعها.\n(رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ) أي: داعيًا يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول -ﷺ-.\nفالأكثر أن الداعي هو محمد ﵊.\nوالدليل عليه قوله تعالى (ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ) (وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ) (أَدْعُو إلى الله).\n• قال البغوي: يعني محمدًا، قاله ابن مسعود وابن عباس وأكثر المفسرين.\n• قال الشوكاني: المنادي عند أكثر المفسرين هو النبي -ﷺ-، وقيل: هو القرآن.\n• قوله تعالى (يُنَادِي لِلْإِيمَانِ) أي: (إلى) الإيمان كقوله تعالى (بأن ربك أوحى لها) أي: أوحى إليها، وكقول المؤمنين (الحمد لله الذي هدانا لهذا) أي: إلى هذا، وقيل: اللام للعلة، أي: لأجل الإيمان.","vol":"4","page":258},{"text":"(أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ) أي: يقول: آمنوا.\n(فَآمَنَّا) أي: فاستجبنا له واتبعناه.\n(رَبَّنَا) تكرير النداء ب (ربنا) لإظهار التضرع والخضوع.\n(فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) أي: بإيماننا واتباعنا نبيك فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها وامحها.\n(وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا) جمع سيئة، وسميت سيئة، لأنها تسوء صاحبها في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا بظهور آثارها عليه من الهمّ والضيق في الصدر والخلق والرزق، فيفقد من السعادة في الحياة بقدر ما عمل من السوء، قال تعالى (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) وقال تعالى (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ). وتسوؤه آجلًا بعد موته لمعاقبته عليها إن لم يتب منها أو يتداركه الله بعفوه، وربما تسوء غيره بأن يتعدى ضررها إلى الغير مباشرة، أو بأن يكون لها أثرها السيء على البلاد والعباد عامة بمحق البركات وقلة الخيرات، كما قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) وقال -ﷺ- (ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء) رواه ابن ماجه","vol":"4","page":259},{"text":"• اختلف في المراد بالذنوب والسيئات هنا على أقوال:\nقيل: المراد بالذنوب هنا الكبائر وبالسيئات الصغائر، كما قال تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا). فطلبوا تكفير الصغائر، لأن الصغائر تكفرها الطاعات.\nوقيل: أن المراد بهما شيء واحد وإنما أعيد ذلك للتأكيد لأن الالحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب.\nقال الشوكاني: والظاهر عدم اختصاص أحد اللفظين بأحد الأمرين، والآخر بالآخر، بل يكون المعنى في الذنوب والسيئات واحدًا، والتكرير للمبالغة والتأكيد.\nوقيل: المراد بالأول ما تقدم من الذنوب، وبالثاني المستأنف.\nوقيل: أن يريد بالغفران ما يزول بالتوبة، وبالكفران ما تكفره الطاعة العظيمة.\nوقيل: أن يكون المراد بالأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنبًا، وبالثاني: ما أتى به الإنسان مع جهله بكونه معصية وذنبًا.\n(وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) أي: ألحقنا بالصالحين المكثرين من الطاعات والأعمال الصالحات.\nوالأبرار: جمع بار أو بر، وأصله من الاتساع، فكأن البار متسع في طاعة الله ومتسعة له رجمته.\n• وليس في هذا دعاء بالموت، وإنما هو نظير قول يوسف ﵇ (توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين).\n• في هذا جواز التوسل بالعمل الصالح، فالتوسل المشروع أنواع:\nالأول: التوسل إلى الله باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته العليا.\nكأن يقول المسلم في دعائه (اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير، أن تعافيني) ودليل مشروعية هذا النوع من التوسل:\nقوله تعالى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها).\nوالمعنى: ادعوا الله تعالى متوسلين إليه بأسمائه الحسنى.\nومن الأدلة قول النبي -ﷺ- في أحد أدعيته الثابتة عنه قبل السلام من صلاته -ﷺ-: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي …) رواه النسائي.","vol":"4","page":260},{"text":"ومنها أنه -ﷺ- سمع رجلًا يقول في تشهده: اللهم إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال -ﷺ-: (قد غفر له قد غفر له). رواه أبو داود\nومنها ما رواه أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- كان إذا حزبه أمر قال: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث) رواه الترمذي.\nبهذه الأحاديث وما شابهها تبين مشروعية التوسل إلى الله باسم من أسمائه أو صفة من صفاته.\nالثاني: التوسل إلى الله بعمل صالح قام به الداعي.\nكأن يقول المسلم (اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتباعي لرسولك اغفر لي). وأدلة هذا النوع:\nقوله تعالى (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار).\nوقال تعالى (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين).\nومن ذلك حديث أصحاب الغار الثلاثة، حيث انطبقت عليهم الصخرة فسدّت عليهم باب الغار، فلم يستطيعوا الخروج، فتوسلوا إلى الله بصالح الأعمال ففرج الله عنهم فخرجوا يمشون. متفق عليه\nالثالث: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح.\nكأن يقع المسلم في ضيق شديد أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله، فيحب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوى، فيطلب منه أن يدعو له ربه.","vol":"4","page":261},{"text":"فهذا مشروع وقد دلت عليه الشريعة المطهرة.\nفمن ذلك ما رواه أنس -﵁- قال (أصاب الناس سنة على عهد النبي -ﷺ-، فبينما النبي -ﷺ- يخطب على المنبر قائمًا يوم الجمعة، دخل أعرابي فاستقبل رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال وانقطعت السبل فادع الله لنا …) متفق عليه.\nومن ذلك ما رواه أنس: (أن عمر بن الخطاب -﵁- كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا -ﷺ- فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون) رواه البخاري.\nومعنى قول عمر: إنا كنا نتوسل إليك بنبينا -ﷺ- وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، أي: كنا نقصد نبينا ونطلب منه أن يدعو لنا، ونتقرب إلى الله بدعائه، والآن وقد انتقل -ﷺ- إلى الرفيق الأعلى، ولم يعد من الممكن أن يدعو لنا، فإننا نتوجه إلى عم نبينا العباس، ونطلب منه أن يدعو لنا.\nوليس معناه أنهم كانوا يقولون في دعائهم: اللهم بجاه نبيك أسقنا، ثم أصبحوا يقولون بعد وفاته -ﷺ-: اللهم بجاه العباس أسقنا.\nلأن مثل هذا الدعاء مبتدع ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة.\nومن ذلك ما رواه الحافظ بن عساكر في تاريخه (١٨/ ١٥١/ ١) بسند صحيح عن التابعي الجليل سليم بن عامر: (أن السماء قحطت فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى، فأمره معاوية فصعد على المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثاوت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح، فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم).","vol":"4","page":262},{"text":"فهذا معاوية -﵁- لا يتوسل بالنبي -ﷺ-، وإنما يتوسل بهذا الرجل الصالح.\n(رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ) قيل: معناه: على الإيمان برسلك، وقيل: معناه: على ألسنة رسلك، وهذا أظهر.\n• قال ابن القيم: المعنى: وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من دخول الجنة.\nوقالت طائفة: معناه: وآتنا ما وعدتنا على الإيمان برسلك.\nويترجح الأول بأنه قد تقدم قولهم (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) وهذا صريح في الإيمان بالرسول والمرسل.\n• قال القرطبي: إن قيل: ما وجه قولهم (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ) وقد علموا أنه لا يخلف الميعاد؛ فالجواب من ثلاثة أوجه:\nالأوّل: أن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة، فسألوا أن يكونوا ممن وُعِد بذلك دون الْخزِي والعِقاب.\nالثاني: أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع؛ والدعاء مُخّ العبادة.\nوهذا كقوله (قَالَ رَبِّ احكم بالحق) وإن كان هو لا يقضِي إلاَّ بالحق.\nالثالث: سألوا أن يُعطوا ما وعِدوا به من النصر على عدوّهم معجَّلا؛ لأنها حكاية عن أصحاب النبيّ -ﷺ-، فسألوه ذلك إعزازًا للدّين.\nوالله أعلم.","vol":"4","page":263},{"text":"(وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: على رؤوس الخلائق.\n(إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) فالله لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وكمال قدرته، لأن الذي يخلف الميعاد إما أن يكون لكذب الواعد، أو لعجزه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1378>الفوائد:</span>\n١ - أن النار دار الخزي.\n٢ - على المسلم أن يدعو الله أن يقيهم عذاب النار.\n٣ - إثبات النار.\n٤ - تحريم الظلم بكل أنواعه وأعظمه الشرك.\n٥ - أن الظلم سبب لدخول النار.\n٦ - وجوب الإيمان بالله.\n٧ - جواز التوسل بالعمل الصالح.\n٨ - أن الإيمان من أفضل الأعمال.\n٩ - كل أحد يحتاج لمغفرة الذنوب.\n١٠ - أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر.\n١١ - تمني الموت على الإسلام والسنة.\n١٢ - ينبغي للداعي أن يكثر من الثناء على الله.\n١٣ - أن الرسل هم الواسطة بين الله وبين خلقه.\n١٤ - إثبات يوم القيامة.\n١٥ - فضيلة الخوف من الله.\n١٦ - أن الله لا يخلف الميعاد.","vol":"4","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1379>(فاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥».</span> [آل عمران: ١٩٥].\n<hr><s0>\n\n(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ) أي: فأجابهم ربهم.\n(أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) هذا تفسير للإجابة، أي: قال لهم مجيبًا لهم: أنه لا يضيع عامل لديه، بل يوفّى كل عامل بقسط عمله، من ذكر أو أنثى.\n(بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي: جميعكم في ثوابي سواء.\n(فَالَّذِينَ هَاجَرُوا) أي: تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب والخلان والجيران.\n(وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم.\n(وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي) أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده.\nكما قال تعالى (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).\nوقال تعالى (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُم).\n(وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا) وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله، فَيُعقر جواده، ويعفّر وجهه بدمه وترابه.\n(لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) أي: يسترها ويمحوها ويتجاوز عنها.\n• فالتكفير بمعنى الستر، مأخوذة من (الكَفْر) بفتح الكاف وسكون الفاء، وهو الستر، ومنه سميت الكفارة، لأنها تستر الذنب، وسمي الزارع كافرًا لأنه يستر الحب في الأرض، وسمي الليل كافرًا لأنه يستر الكون بظلامه، وسمي الشخص الكافر لأنه ستر نعمة الله عليه.\n• قوله تعالى (سَيِّئَاتِهِمْ) جمه سيئة، سميت بذلك لأنها سيئة بنفسها وقبيحة، ولأنها أيضًا تسوء مرتكبها حالًا ومآلًا.\n• والسيئات في الأصل تطلق على الكبائر والصغائر كما هنا، قد يراد بها الصغائر إذا قرنت مع الكبائر كما في قوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا).","vol":"4","page":265},{"text":"(وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ) أي: يكون جزاؤه دخول الجنان.\n• والجنات جمع جنة، والجنة في لغة العرب: البستان، لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه، وجاء إطلاق الجنة على البستان في القرآن في قوله (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) أي البستان، وفي قوله (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ).\nوأما في الاصطلاح: فهي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\n• قوله تعالى (جنات) دليل على أن الجنات أنوع، كما قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ثم قال تعالى (ومن دونهما جنتان) وقال -ﷺ- (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما).\n• قال الشيخ ابن عثيمين: (جنات) بالجمع، وأحيانًا يقال بالإفراد (جنة)، فإذا كانت بالإفراد فالمراد بها مطلق الجنس، وإذا قيلت بالجمع فالمراد بها أنواع الجنات.\n(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي من تحت أشجارها.\n• قال ابن الجوزي: أي من تحت شجرها لا من تحت أرضها.\n• قال ابن عاشور: وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر، لأن في الماء طبيعة الحياة، ولأن الناظر يرى منظرًا بديعًا وشيئًا لذيذًا.\n• قال ابن القيم: وهذا يدل على أمور:\nأحدها: وجود الأنهار فيها. الثاني: أنها جارية لا واقفة. الثالثة: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا.\n• وهذه الأنهار جاء تسميتها في قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً).","vol":"4","page":266},{"text":"(ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: عطاء من الله.\n• قال ابن كثير: أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلًا كثيرًا.\n(وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) أي: عنده حسن الجزاء إن عمل صالحًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1380>الفوائد:</span>\n١ - فضل الله بإجابة دعاء هؤلاء.\n٢ - أن تكرار الدعاء من أسباب الإجابة.\n٣ - إثبات ربوبية الله تعالى.\n٤ - أن الله يثيب على الأعمال كاملًا، ولا يضيع عنده عمل.\n٥ - الحث على العمل الصالح والإخلاص فيه.\n٦ - استواء الذكر والأنثى في الجزاء على الحسنات.\n٧ - فضيلة الهجرة.\n٨ - فضل وعلو منزلة من أخرج من دياره في سبيل الله.\n٩ - الصبر على الإيذاء في سبيل الله لما له من الأجر العظيم.\n١٠ - فضل القتال في سبيل الله.\n١١ - عظم نعيم الجنة، ومن هذا النعيم: الأنهار تجري من تحتها.","vol":"4","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1381>(لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧».</span> [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧].\n<hr><s0>\n\n(لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاد) أي: لا يحزنك يا محمد ذهابهم ومجيئهم في تجاراتهم ومكاسبهم في الأرض.\n• قيل: الخطاب للرسول -ﷺ- ولكن المراد هو الأمة. وقيل: المراد أمته كما يخاطب سيد القوم ومقدمهم والمراد به كلهم كأنه قيل لا يغرنكم.\n• قال ابن عاشور: والتقلّب: تصرّف على حسب المشيئة في الحروب والتجارات والغرس ونحو ذلك، قال تعالى (ما يجادل في آيات الله إلاّ الذين كفروا فلا يَغْرُرْك تَقَلُّبُهم في البلاد).\n• وقال السعدي: وهذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا، وتنعمهم فيها، وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب واللذات، وأنواع العز، والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله متاع.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: وجه الغرور من وجهين:\nالأول: ظن أن ما هم عليه حق، لأنه يقول: لو كان باطلًا ما مكنهم الله من هذا التقلب.\nوالثاني: أن يفعل مثل فعلهم، كما انخدع كثير من الناس اليوم حيث ظنوا أن الكفار وصلوا إلى ما وصلوا إليه من أجل تحللهم من دينهم.\n(مَتَاعٌ قَلِيلٌ) أي: تقلبهم متاع قليل.\nقليل في زمنه، قليل في كميته، قليل في كيفيته.\nفالزمن قليل محدود وهو عمر الإنسان، قليل في الكيفية: حيث أن الإنسان يعترضه أمراض وأوجاع ومصائب.\n• قال الرازي: وإنما وصفه الله تعالى بالقلة لأن نعيم الدنيا مشوب بالآفات والحسرات، ثم إنه بالعاقبة ينقطع وينقضي.\n• قال ابن كثير: وهذه الآية كقوله تعالى (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ).","vol":"4","page":268},{"text":"وقال تعالى (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ).\nوقال تعالى (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) أي: قليلًا.\nوقال تعالى (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِين).\nقوله تعالى (مَتَاعٌ قَلِيلٌ).\n• فالدنيا مهما كانت فهي متاع قليل.\nقال -ﷺ- (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها).\nقال -ﷺ- (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها).\n(ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) يعني أنه مع قلته يسبب الوقوع في نار جهنم أبد الآباد والنعمة القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم يعد ذلك نعمة، وهو كقوله (إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًَا) وقوله (وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ).\n(وَبِئْسَ الْمِهَادُ) أي الفراش، والدليل على أنه بئس المهاد قوله تعالى (لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) فهم بين أطباق النيران، ومن فوقهم غواش يأكلون النار ويشربون النار.","vol":"4","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1382>الفوائد:</span>\n١ - ما يعطاه الإنسان من صحة وسعة رزق ومال ليس دليلًا على رضا الله عنه.\nقال تعالى (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ).\nوقال تعالى (فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ).\nوجاء في الحديث قال -ﷺ- (إذا رأيتَ الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج) ثم تلا رسول الله -ﷺ- (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُون).\n٢ - ألا يغترَّ المؤمنُ بحال هؤلاء الكفار وما هم فيه من النِّعمة والغبطة والسرور، فهو متاع زائل يعقبه عذاب أبدي سرمدي.\nقال تعالى (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ).\nوقال تعالى (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُون).\n٣ - الحذر من الوقوع في هذه الفتنة، والفتن من أراد أن يسلم منها فعليه أن يهرب منها.\nعن عِمْرَان بْن حُصَيْن. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- (مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ، أَوْ لِمَا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ) رواه أبو داود.\nوعن أبي بَكْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ) رواه مسلم.\nقال النووي: قوله (الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا …) فَمَعْنَاهُ بَيَان عَظِيم خَطَرهَا. وَالْحَثّ عَلَى تَجَنُّبهَا وَالْهَرَب مِنْهَا، وَمِنْ التَّشَبُّث فِي شَيْء، وَأَنَّ شَرّهَا وَفِتْنَتهَا يَكُون عَلَى حَسَب التَّعَلُّق بِهَا.\nقال ابن القيم: قال النبي -ﷺ- (من سمع بالدجال فلينأ عنه) فما استعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانه، وههنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق، وهي أن يظهر له في مظان الشر بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله، فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة.\nوقال ابن الجوزي: من قارب الفتنة بعدت عنه السلامة، ومن ادّعى الصبر وُكِل إلى نفسه.\n٤ - أن إمهال الله لهؤلاء الكفار وتتابُع النعم والخيرات لهم، إنما هو زيادة لهم في عذاب الآخرة.\nقال تعالى (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِين).\nوقال تعالى (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُون).\n٥ - أنَّ ما يعطيه الله للكفَّار مِن نعَم الدنيا، إنما ذلك لهوان الدُّنيا عنده وحقارتها، وابتلاء لهم وفتنة.\nكما قال تعالى (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُون).\n٦ - الترغيب في الآخرة والزهد في الدنيا.\n[الأحد: ١٩/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ].","vol":"4","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1383>(لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ (١٩٨».</span> [آل عمران: ١٩٨].\n<hr><s0>\n\n(لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\nقال الشيخ ابن عثيمين: ولم يقل (اتقوا الله) إشارة إلى أن ربوبية الله لهم ربوبية خاصة، أعانهم فيها على التقوى، ووفقهم لها\n• وقال علي: وقد سئل عن التقوى فقال: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.\nوقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.\nوقال بن رجب ﵀: وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه.\nعن أبي هريرةَ -﵁-، قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله، مَنْ أكرمُ النَّاس؟ قَالَ: (أَتْقَاهُم) متفق عليه.\nفالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسوله -ﷺ- لأمته.\nوقد تقدمت فضائل التقوى.\n(لَهُمْ جَنَّاتٌ) فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\nقال -ﷺ- (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (إن في الجنة شجرةً يسير الراكب مئة سنة ما يقطعها) متفق عليه.\nوفي رواية (يسير الراكب في ظلها مئة سنة ما يقطعها).\nوقال -ﷺ- (لقاب قوسٍ في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس أو تغرب) متفق عليه.\nعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ (يُنَادِى مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْتَئِسُوا أَبَدًا». فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿ (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) متفق عليه.\nوعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ (إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) متفق عليه.\n(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي: من تحت قصورها الأنهار (… أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ).","vol":"4","page":271},{"text":"(خَالِدِينَ فِيهَا) أبد الآبدين ودهر الداهرين.\n• وهذا من أعظم تمام النعيم، أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآبدين.\nوهذا من أعظم النعيم وبه يتم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غمًا.\nفالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي -ﷺ- يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك النعيم فتتكدر غبطتهم.\n• وجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة.\nفقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)\nوقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)\nوقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).\nوقال -ﷺ- (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدًا) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت …) متفق عليه.","vol":"4","page":272},{"text":"• في هذه الآية فضل للمتقين، وأن التقوى سبب لدخول الجنة.\nكما قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).\nوقال تعالى (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ).\nوقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ).\nوقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ).\nوقال تعالى (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا).\nوسئل النبي -ﷺ- عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال (تقوى الله وحسن الخلق) رواه الترمذي.\n• ومن أسباب دخول الجنة:\nصلاة الفجر والعصر.\nقال -ﷺ- (من صلى البردين دخل الجنة) متفق عليه.\nالتلفظ بالشهادتين مع العمل بمقتضاها.\nقال -ﷺ- (… أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ) متفق عليه.\nوفي حديث أبي هريرة الطويل وفيه (قال أبو هريرة، فَقَالَ -ﷺ-: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ قَالَ: اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة) متفق عليه.\nإحصاء أسماء الله.\nقال -ﷺ- (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) متفق عليه.\nقراءة آية الكرسي بعد الفريضة.\nقال -ﷺ- (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت) رواه النسائي.\nالذكر بعد الوضوء.\nقال -ﷺ- (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاء) رواه مسلم.\nقول لا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"4","page":273},{"text":"قال -ﷺ- (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) متفق عليه.\nسؤال الله الجنة.\nقال -ﷺ- (من سأل الله الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة) رواه الترمذي.\nطلب العلم ابتغاء مرضات الله.\nقال -ﷺ- (من سلط طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة) رواه مسلم.\nالسنن الرواتب.\nقال -ﷺ- (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّى لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلاَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ أَوْ إِلاَّ بُنِىَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّة) رواه مسلم.\nالحج المبرور.\nقال -ﷺ- (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) متفق عليه.\n• قال أبو حيان: قوله تعالى (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) لما تضمن ما تقدم أن ذلك التقلب والتصرف في البلاد هو متاع قليل، وإنهم يأوون بعد إلى جهنم، فدل على قلّة ما متعوا به، لأنّ ذلك منقض بانقضاء حياتهم، ودلّ على استقرارهم في النار استدرك بلكن الإخبار عن المتقين بمقابل ما أخبر به عن الكافرين، وذلك شيئان:\nأحدهما: مكان استقرار وهي الجنات.\nوالثاني: ذكر الخلود فيها وهو الإقامة دائمًا والتمتع بنعيمها سرمدًا، فقابل جهنم بالجنات، وقابل قلة متاعهم بالخلود الذي هو الديمومة في النعيم، فوقعت لكن هنا أحسن موقع، لأنه آل معنى الجملتين إلى تكذيب الكفار وإلى تنعيم المتقين، فهي واقعة بين الضدين.","vol":"4","page":274},{"text":"(نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: ضيافة من عند الله.\n(وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) من النعيم العظيم، قال تعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ)، ومن هذا النعيم قوله تعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كافورًا).\nقال القرطبي: أي مما ينقلب به الكفار في الدنيا. -\n\n<span data-type='title' id=toc-1384>الفوائد:</span>\n١ - فضل تقوى الله تعالى.\n٢ - إثبات ربوبية الله تعالى.\n٣ - الحث على تقوى الله.\n٤ - أن من أسباب دخول الجنة تقوى الله.\n٥ - أن ما يعطاه المؤمن في الجنة خير من متع الدنيا الزائل.\n٦ - أن في الجنات أنهار كثيرة.","vol":"4","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1385>(وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩».</span> [آل عمران: ١٩٩].\n<hr><s0>\n\n(وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: طائفة من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى.\n• اختلفوا في نزولها، فقال ابن عباس وجابر وقتادة: نزلت في النجاشي حين مات وصلى عليه النبي -﵇-.\nوقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه.\nوقيل: نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى ﵇ فأسلموا\nوقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم، وهذا هو الأولى لأنه لما ذكر الكفار بأن مصيرهم إلى العقاب، بين فيمن آمن منهم بأن مصيرهم إلى الثواب. (تفسير الرازي).\n• الأكثر من أهل الكتاب لم يؤمنوا.\n• كما قال تعالى (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ\nوقال تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُون).\n(لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) حق الإيمان، منزه عن الإشراك بكل مظاهره.\n(وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) من القرآن.\n(وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ) من التوراة أو الإنجيل.\n(خَاشِعِينَ لِلَّهِ) أي: خاشعون لله، أي: مطيعون له خاضعون متذللون بين يديه.\n• قال السعدي: والخشوع هو: خضوع القلب وطمأنينته، وسكونه لله تعالى، وانكساره بين يديه، ذلا وافتقارًا، وإيمانًا به وبلقائه.\nفضائل الخشوع.\nأولًا: يسهل فعل الطاعة.\nقال تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ).\n• قال السعدي: أي فإنها سهلة عليهم خفيفة؛ لأن الخشوع وخشية الله ورجاء ما عنده يوجب له فعلها منشرحًا بها صدره، لترقُبه للثواب وخشيته من العقاب. كما أن الخشوع هو العلم الحقيقي.\n• قال الشوكاني: (إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) لأنهم لما يعلمونه من تضاعف الأجر، وتوفر الجزاء، والظفر بما وعد الله به من عظيم الثواب، تسهل عليهم تلك المتاعب، ويتذلل لهم ما يرتكبونه من المصاعب، بل يصير ذلك لذة لهم خالصة، وراحة عندهم محضة.","vol":"4","page":276},{"text":"ولذلك قيل: من عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل، ومن أيقن بالخلف، جاد بالعطية.\nثانيًا: من علامات الفلاح.\nقال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ).\nثالثًا: وقد مدح الله الخاشعين.\nقال تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ).\nثالثًا: وأمر الله بالخشوع.\nقال تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ).\nرابعًا: حث النبي على الخشوع.\nقال -ﷺ- (هل ترون قبلتي ههنا، فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوكم) متفق عليه.\nخامسًا: الخشوع من أسباب دخول الجنة.\nقال -ﷺ- (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: … ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) متفق عليه.\nسادسًا: الخشوع من صفات الأنبياء.\nقال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).\nسابعًا: وأثنى الله على من آمن من أهل الكتاب بخشوعه.\nقال تعالى (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا)\nثامنًا: الخشوع من أسباب قبول العمل.\nقال -ﷺ- (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثن صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه\nتاسعًا: لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا.","vol":"4","page":277},{"text":"قال تعالى (إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ\nمَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).\nعاشرًا: هو أول ما يرفع.\nقال -ﷺ- (يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى خاشعًا).\nالحادي عشر: عاتب الله الصحابة به.\nقال تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ).\nوأصل الخشوع كما قال ابن رجب: لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء لأنها تابعة له.\nقال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان.\nوقال أبو يزيد المدني: إن أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع.\nوقال الفضيل بن عياض: كان يكره أن يُريَ الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه.\n(لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) أي: لا يكتمون ما بأيديهم من البشارات بمحمد -ﷺ-، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، من أجل ثمنًا قليلًا من حطام الدنيا، من رئاسة أو مكانة أو مال، كما فعل كثير منهم.\nفمعنى (لا يشترون) أي: لا يأخذون ويطلبون بآيات الله ثمنًا قليلًا.\n• قال ابن عاشور: (ثمنًا قليلًا) وقد أجمل العوض الذي استبدلوا به الآيات فلم يبين أهو الرئاسة أو الرشى التي يأخذونها ليشمل ذلك اختلاف أحوالهم فإنهم متفاوتون في المقاصد التي تصدهم عن اتباع الإسلام على حسب اختلاف همهم.\n• قال القرطبي: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول مَن فعل فعلهم.\nسئل الحسن البصري عن قوله تعالى (ثَمَنًا قَلِيلًا) قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها.\nوقد صدق من قال من السلف: من أحب أن يعرف ذهب دينه.","vol":"4","page":278},{"text":"قال الحسن -﵀: عقوبة العالم موت القلب، قيل له: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة (جامع بيان العلم وفضله).\nقال محمد بن عمر الأسلمي - توفي سنة (٢٠٧ هـ) -﵀: لقد كان الرجلان يتقاولان بالمدينة في أول الزمان، فيقول أحدهما لصاحبه: لأنت أفلس من القاضي، فصار القضاة اليوم ولاة وجبابرة وملوكًا وأصحاب غلات وضياع وتجارات وأموال! (الطبقات الكبرى).\nقال يوسف بن زكريا -﵀: كان محمد بن يوسف، لا يشتري من خباز واحد، ولا من بقال واحد، وقال: لعلهم يعرفوني فيحابوني، فأكون ممن أعيش بديني؟ (حلية الأولياء).\nجلس الحسن -﵀ - يُحَدّث فأُهدِيَ له فردَّه، وقال: إن من جلس هذا المجلس ثم قَبِل، فليس له عند الله خلاق، أو قال: فليس له خلاق (الزهد لأحمد).\n• فأنت ترى أنه سبحانه قد وصفهم بخمس صفات كريمة تدل على صفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم، وفي هذا إنصاف من القرآن الكريم للمهتدين من أهل الكتاب.\nوقد ذكر القرآن ما يشبه هذه الآية في كثير من سوره ومن ذلك قوله تعالى (لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ).\nوقوله تعالى (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ).\nوقدم سبحانه إيمانهم بالقرآن على إيمانهم بما أنزل عليهم لأن القرآن هو المهيمن على الكتب السماوية والأمين عليها، فما وافقه منها فهو حق وما خالفه فهو باطل وقوله خاشِعِينَ لِلَّهِ حال من فاعل يُؤْمِنُ وجمع حملا على المعنى (التفسير الوسيط).\n(أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: لهم ثوابهم عند الله بمقابل أعمالهم الجليلة، وهذا الثواب عظيم، لأن الشيء من العظيم عظيم.\n• وجزاء وثواب من آمن من أهل الكتاب بنبيه ثم آمن بالنبي -ﷺ- له أجرين.","vol":"4","page":279},{"text":"قال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).\nوعن أبي موسى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ -ﷺ- وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ (يَطَؤُهَا) فَأَدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ) متفق عليه.\n(إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) فالله سريع الحساب من وجهين:\nالأول: أن اليوم الآخر - الذي يقع فيه الحساب - قريب أن مجيئه قريب وسريع، وكل ما هو آت قريب والله أخبر عن أمر الساعة أنه كلمح البصر أو هو أقرب.\nكما قال تعالى (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ).\nوقال تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).\nوالثاني: أن ذلك الحساب لا يطول لكثرة الخلق الذين يحاسبهم، بخلاف حال المخلوقين فإنهم إذا كثر ذلك عليهم فإن ذلك يقتضي طول الوقت الذي تستغرقه تلك المحاسبة.\nكما قال تعالى (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ).\n• ووصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه.\n• قال الرازي: والفائدة في كونه سريع الحساب كونه عالمًا بجميع المعلومات، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب.\n• قال ابن كثير: وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودًا أو نصارى.\nوقد قال تعالى في سورة القصص (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا).\nوقال تعالى (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ).","vol":"4","page":280},{"text":"وقال تعالى (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ).\nثم قال ابن كثير: وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلا كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود ولم يبلغوا عَشْرَةَ أنفُس، وأما النصارى فكثير منهم مهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَ [ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ. فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) وكذا قال ههنا (أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1386>الفوائد:</span>\n١ - الثناء على بعض أهل الكتاب.\n٢ - كمال عدل الله بإسناد الفضل إلى أهله.\n٣ - فضل الخشوع لله، وأنه سبب للتوفيق.\n٤ - خطر الدنيا وفتنها في الصد عن اتباع الحق.\n٥ - أن الدنيا متاع قليل.\n٦ - بيان قدرة الله في سرعة حسابه.\n٧ - إثبات الحساب.\n(الخميس: ٢٣/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ)","vol":"4","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1387>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠».</span> (آل عمران: ٢٠٠)\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد:\nالأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه.\nالثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد.\nالثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصًا في الإيمان. (ابن عثيمين).\nوالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وانقادوا وعملوا بجوارحهم.\n• والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به. (الشنقيطي).\n• قال ابن عاشور: ختمت السورة بوصاية جامعة للمؤمنين تجدّد عزيمتهم وتبعث الهمم إلى دوام الاستعداد للعدوّ كي لا يثبّطهم ما حصل من الهزيمة، فأمَرَهم بالصبر الذي هو جماع الفضائل وخصال الكمال.\n(اصْبِرُوا) الصبر: حبس النفس عن أهوائها وشهواتها، وترويضها على تحمل المكاره، وتعويدها على أداء الطاعات.\nوقد تقدمت فضائل الصبر.\n(وَصَابِرُوا) وهي المغالبة بالصبر، بأن يكون المؤمن أشد صبرًا من عدوه.\n• قال صاحب الكشاف: وَصابِرُوا أعداء اللّه في الجهاد، أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب، ولا تكونوا أقل منهم صبرًا وثباتًا، فالمصابرة باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تخصيصًا لشدته وصعوبته.\n• وقال ابن جرير: قوله تعالى (وصابروا) يعني: وصابروا أعداءكم من المشركين، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المعروف من كلام العرب في\"المفاعلة\" أن تكون من فريقين، أو اثنين فصاعدًا، ولا تكون من واحد إلا قليلًا في أحرف معدودة. فإذْ كان ذلك كذلك، فإنما أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم، حتى يظفرهم الله بهم، ويعلي كلمته، ويخزي أعداءهم، وأن لا يكون عدوُّهم أصبر منهم\n• وقال ابن عاشور: ثم بالمصابرة وهي الصبر في وجه الصابر، وهذا أشدّ الصبر ثباتًا في النفس وأقربه إلى التزلزل، ذلك أنّ الصبر في وجه صابرٍ آخر شديد على نفس الصابر، لما يلاقيه من مقاومة قِرن له في الصبر قد يساويه أو يفوقه، ثم إنّ هذا المصابر إن لم يثبت على صبره حتّى يملّ قرنه فإنّه لا يجتني من صبره شيئًا، لأنّ نتيجة الصبر تكون لأطول الصابرين صبرًا.\n• قال الرازي: أما المصابرة فهي عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بينه وبين الغير، ويدخل فيه تحمل الاخلاق الردية من أهل البيت والجيران والأقارب، ويدخل فيه ترك الانتقام ممن أساء إليك كما قال (وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين) وقال (وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرامًا) ويدخل فيه الايثار على الغير كما قال (وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) ويدخل فيه العفو عمن ظلمك كما قال (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى).\n(وَرَابِطُوا) من المرابطة وهي القيام على الثغور الإسلامية لحمايتها من الأعداء، فهي استعداد ودفاع وحماية لديار الإسلام من مهاجمة الأعداء.\nقال الخليل بن أحمد: المرابطة ملازمة الثغور.\nوقال ابن الأثير: الرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدو في الحرب، وارتباط الخيل وإعدادها.","vol":"4","page":282},{"text":"وقال في فتح الباري في معنى الرباط: ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار وحراسة المسلمين منهم.\nعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ (رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِن الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا). متفق عليه\nوعَنْ سَلْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِى كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِىَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّان) رواه مسلم.\nقال النووي ﵀: هذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحا في غير مسلم: (كل ميت يختم على عمله الا المرابط فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة).\nقال القرطبي: وَفِي هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرِّبَاطَ أَفْضَلُ الأعْمَالِ الَّتِي يَبْقَى ثَوَابُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ الْجَارِيَةَ وَالْعِلْمَ الْمُنْتَفَعَ بِهِ وَالْوَلَدَ الصَّالِحَ الذي يَدْعُو لأبَوَيْهِ يَنْقَطِعُ ذَلِكَ بِنَفَادِ الصَّدَقَاتِ وَذَهَابِ الْعِلْمِ وَمَوْتِ الْوَلَدِ. وَالرِّبَاطُ يُضَاعَفُ أَجْرُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لأَنَّهُ لا مَعْنَى لِلنَّمَاءِ إِلا الْمُضَاعَفَةُ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْقُوفَةٍ عَلَى سَبَبٍ فَتَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعِهِ، بَلْ هِيَ فَضْلٌ دَائِمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا لأنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ كُلَّهَا لا يُتَمَكَّنُ مِنْهَا إِلا بِالسَّلامَةِ مِنَ الْعَدُوِّ وَالتَّحَرُّزِ مِنْهُ بِحِرَاسَةِ بَيْضَةِ الدِّينِ وَإِقَامَةِ شَعَائِرِ الإسْلامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1388>فائدة:</span>\nسئل ابن تيمية: هَلْ الْأَفْضَلُ الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ؟ أَوْ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ؟ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى؟ أَوْ بِثَغْرِ مِنْ الثُّغُورِ لِأَجْلِ الْغَزْو؟\nفَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الْمُرَابَطَةُ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ عَامَّةً؛ بَلْ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُجَاوَرَةِ: فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَاسْتَحَبَّهَا مَالِكٌ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا؛ وَلَكِنَّ الْمُرَابَطَةَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْن السَّلَف حَتَّى قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَذَلِكَ أَنَّ الرِّبَاطَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ وَجِنْسُ الْجِهَادِ مُقَدَّمٌ عَلَى جِنْسِ الْحَجِّ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قِيلَ لَهُ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ) إلَى قَوْلِهِ (إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم).","vol":"4","page":283},{"text":"وقال ﵀: وما زال خيار المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم من بعدهم من الأمراء والمشايخ يتناوبون الثغور لأجل الرباط.\nوكان ابن المبارك وأحمد ابن حنبل وغيرهم يقولون: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغور. فإن الحق معهم؛ لأن الله يقول (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وبالجملة، السكن بالثغور والرباط والاعتناء به أمر عظيم، وكانت الثغور معمورة بخيار المسلمين علمًا وعملًا وأعظم البلاد إقامة شعائر الإسلام وحقائق الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان كل من أحب التبتل للعبادة والانقطاع إلى الله وكمال الزهد والعبادة والمعرفة يدلونه على الثغور.\n(وَاتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\n(لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: من أجل أن تفلحوا.\nوالفلاح: كلمة جامعة للفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1389>الفوائد:</span>\n١ - فضيلة الإيمان وأهله.\n٢ - الحث والأمر بالصبر.\n٣ - الأمر بالمصابرة.\n٤ - الأمر بالمرابطة.\n٥ - الأمر بالتقوى.\n٦ - أن التقوى سبب للفلاح.","vol":"4","page":284},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nتفسير\nسورة النساء\nفوائد - منوعات - فضائل - أقوال\n\nجمع وإعداد\nسليمان بن محمد اللهيميد\nالسعودية - رفحاء","vol":"4","page":285},{"text":"hotmail.com","vol":"4","page":286},{"text":"كانت البداية بفضل الله: ٨/ ٩/ ١٤٣٠ هـ\nبداية الشرح الثاني: يوم السبت ٢٥/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ","vol":"4","page":287},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1390>تفسير سورة النساء</span>\n<span data-type='title' id=toc-1391>مقدمة:</span>\nسميت بسورة النساء، لذكر النساء فيها، ولأنه ذكر فيها كثيرًا من الأحكام التي تتعلق بالنساء من العدل بينهن وتوريثهن، وتأديبهن إذا أتين بفاحشة، وحسن معاشرتهم، وذكر ما حرم وما حل منهن، وقوامة الرجل عليهن، والثناء على الصالحات منهن، وكيفية معالجة الناشزات منهن والصلح بينهن وبين الأزواج.\nوهي سورة مدنية.\nقالت عائشة: ما أنزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده، والنبي -ﷺ- لم يدخل بها إلا في المدينة.\nوتسمى سورة النِّساءِ الكبرى، واسم سورة الطَّلاق سورةُ النِّساءِ الصّغرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1392>(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١».</span> [النساء: ١].\n<hr><s0>\n\n(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) افتتح الله ﷿ هذه السورة بالوصية لجميع الناس بتقوى الله.\nوقد جاءت آيات كثيرة تأمر بتقوى الله:\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).\nوقال تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا).","vol":"4","page":288},{"text":"وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).\nفالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسوله -ﷺ- لأمته.\nكان -ﷺ- إذا بعث أميرًا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا.\nولما خطب رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع يوم النحر وصى الناس بتقوى الله وبالسمع والطاعة لأئمتهم.\nولما وعظ الناس كأنها موعظة مودع قال: أوصيكم بتقوى الله.\nوقال لمعاذ: اتق الله حيثما كنت.\nفي هذا الحديث دليل على وجوب تقوى الله في السر والعلن ومراقبته سبحانه لقوله (اتق الله حيثما كنت) حيث يراه الناس وحيث لا يرونه.\nإن تقوى الله في الغيب، وخشيته في السر، دليل كمال الإيمان، وسبب حصول الغفران، ودخول الجنان، بها ينال العبد كريم الأجر وكبيره.\nقال تعالى (إنما تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيم).\nوقال تعالى (إن الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِير).\nوقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ. هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ. مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ. ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ. لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيد).\nوكان النبي -ﷺ- يقول في دعائه (أسألك خشيتك في الغيب والشهادة).","vol":"4","page":289},{"text":"وخشية الله في الغيب والشهادة من المنجيات، كما قال -ﷺ- (ثلاث منجيات، وذكر منها: خشية الله في السر والعلن).\nوقال الشافعي: أعز ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف.\nوكان الإمام أحمد ينشد:\nإذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل … خلوتُ ولكنْ قل عليّ رقيب\nولا تحسبنّ اللهَ يغفلُ ساعةً … ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ\nوقال الشاعر:\nإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلَى الطغياني\nفاستحي مِن نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني\nقال ابن رجب ﵀: وفي الجملة، فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإيمان، وله تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين.\nوقال ﵀ في شرح حديث عمار: فأما خشية الله في الغيب والشهادة، فالمعنى أن العبد يخشى الله سرًا وإعلانًا وظاهرًا وباطنًا، فإن أكثر الناس يرى أنه يخشى الله في العلانية وفي الشهادة، ولكن الشأن في خشيته في الغيب إذا غاب عن أعين الناس، وقد مدح الله من يخافه بالغيب:\nقال تعالى (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ).\nوقال تعالى (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ).\nوقال تعالى (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ).\nومن هنا عظم ثواب من أطاع الله سرًا بينه وبينه، ومن ترك المحرمات التي يقدر عليها سرًا.\nفأما الأول: فمثل قوله تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ … فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).","vol":"4","page":290},{"text":"قال بعض السلف: أخفوا لله العمل فأخفى لهم الجزاء.\nوفي حديث السبعة الذي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (… ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) متفق عليه\nوأما الثاني: فمثل قوله -ﷺ- في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله).\n• التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي: أن يجعل الإنسان لنفسه وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\nوهذا من أجمع التعاريف، وقد جاء في معناها آثار عدة عن السلف كلها داخلة تحت هذا المعنى.\nقال علي: التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.\nوقال ابن مسعود: حقيقة تقوى الله: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.\nوقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.\nقال ابن القيم: وهذا من أحسن ما قيل في حد التقوى.\nوروي أن عمر بن الخطاب سأل أبي بن كعب عن التقوى؟ فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى.","vol":"4","page":291},{"text":"قال ابن المعتز:\nخل الذنوب صغيرها … وكبيرها فهو التقى\nكن مثل ماش فوق … أرض الشوك يحذر ما يرى\nلا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى\n\n•<span data-type='title' id=toc-1393> فضائل التقوى:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1394>أولًا: أنها سبب لتيسير الأمور.</span>\nقال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1395>ثانيًا: أنها سبب لإكرام الله.</span>\nقال تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1396>ثالثًا: العاقبة لأهل التقوى.</span>\nقال تعالى (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1397>رابعًا: أنها سبب في دخول الجنة.</span>\nقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ).\nوقال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1398>خامسًا: أنها سبب لتكفير السيئات.</span>\nقال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1399>سادسًا: أنها سبب لحصول البشرى لهم.</span>\nقال تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1400>سابعًا: أنها سبب للفوز والهداية.</span>\nقال تعالى (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1401>ثامنًا: أنها سبب للنجاة يوم القيامة.</span>\nقال تعالى (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا).","vol":"4","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1402>تاسعًا: أنها سبب لتفتيح البركات من السماء والأرض.</span>\nقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1403>عاشرًا: أنها سبب للخروج من المأزق.</span>\nقال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1404>الحادي عشر: أنها سبب لمحبة الله.</span>\nقال تعالى (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1405>الثاني عشر: أنها سبب للاهتداء بالقرآن.</span>\nقال تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1406>الثالث عشر: بالتقوى تنال معية الله.</span>\nقال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1407>الرابع عشر: أنها خير زاد.</span>\nقال تعالى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى).\n\n<span data-type='title' id=toc-1408>الخامس عشر: أنها من أسباب نيل الأجر العظيم.</span>\nقال تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1409>السادس عشر: أن الآخرة خير من الدنيا للمتقين.</span>\nقال تعالى (والْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1410>السابع عشر: أنها سبب لقبول الأعمال.</span>\nقال تعالى (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1411>الثامن عشر: أن لباس التقوى خير لباس.</span>\nقال تعالى (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1412>التاسع عشر: أنها من أسباب الرحمة.</span>\nقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1413>العشرون: أنها من أسباب ولاية الله.</span>\nقال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ).\nوقال تعالى (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ).","vol":"4","page":293},{"text":"• قال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام.\nوقال الثوري: إنما سموا متقين، لأنهم اتقوا ما لا يُتقى.\n\n• قال ابن القيم:<span data-type='title' id=toc-1414> مراتب التقوى:</span>\nالتقوى ثلاث مراتب:\nإحداها: حميّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات، والثانية: حميّتها عن المكروهات، والثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني.\nفالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته. …\n• قوله (يا أيها الناس) قيل: مشتقة من النَّوْس، وهي في اللغة بمعنى الحركة المتتابعة، سموا بذلك لتناسلهم المتتابع غير المنقطع، وقيل: مشتق من الإنس، لأنه يأنس بعضهم ببعض، وقيل: إنها وكذا (الإنسان) كل منهما مشتق من النسيان كما قيل: وما سمي الإنسان إلا لنسيهِ، ولا القلب إلا أنه يتقلب.\n• قوله (ربكم) خالقكم ومالككم ومدبركم، فالرب هو الخالق الموجد من العدم، وهو المالك الذي لا يشاركه أحد في ملكه،\nوهو المدبر لأمور خلقه كلها على ما تقتضيه حكمته وإرادته.\n• والرب بالتعريف لا يطلق إلا على الله، وربوبية الله لخلقه تنقسم إلى قسمين:\nربوبية عامة: وهي لجميع الخلق المؤمن والكافر، كما في قوله تعالى (الحمد لله رب العالمين) أي خالقهم ومالكهم ومدبرهم بأصناف النعم.\nربوبية خاصة: للمؤمنين بهدايتهم إلى الحق والعمل به، كما في قوله تعالى (رب موسى وهارون).","vol":"4","page":294},{"text":"(الَّذِي خَلَقَكُمْ) أي: أوجدكم بقدرته على كل شيء، وعلمه المحيط بكل شيء.\n• فالمستحق للعبادة هو الخالق، والذي لا يخلق عاجز لا ينفع للعبادة. وقد جرت العادة في القرآن الكريم في آيات كثيرة أنه يجعل سبب العبادة التي تُستحق به هو الخلق والإبراز من العدم إلى الوجود، فمن يبرزكم من العدم إلى الوجود، ويوجدكم بعد أن كنتم عدمًا هو هذا ربكم الذي يستحق أن تعبدوه وحده، أما الذي يحتاج إلى من يخلقه فهو عبد مربوب فقير مثلكم.\nكما قال تعالى (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ).\nوقال تعالى (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ).\nوقال تعالى (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ).\nوقال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).\nوكما قال تعالى عن إبراهيم -﵇- (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) ولم يقل إلا الله لفائدتين:\nالأولى: الإشارة إلى علة إفراد الله بالعبادة، لأنه كما أنه متفرد بالخلق، فيجب أن ينفرد بالعبادة.\nوالثانية: الإشارة إلى بطلان عبادة الأصنام، ولأنها لم تفطركم حتى تعبدوها، ففيها تعليل للتوحيد الجامع بين النفي والإثبات.\n• قال بعض العلماء: إنما نص الله تعالى على صفة الخلق دون غيرها من الصفات، لأن المشركين كانوا يعترفون أن الله خالقهم، كما قال تعالى (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) وقال تعالى (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم)، وقيل: ليذكرهم بذلك نعمته عليهم.\n(مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) وهو آدم، الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، كما أن حواء أم البشر كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ).\n• قال الرازي: أجمع المسلمون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم -﵇-.","vol":"4","page":295},{"text":"(وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) أي: وخلق من هذه النفس زوجها وهي حواء، ويدل على ذلك الحديث الذي في الصحيحين. أن النبي -ﷺ- قال (استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء).\n• قال ابن كثير: وهي حواء خلقت من ضلعه الأيسر.\n• اختلف العلماء في أي وقت خلقت حواء لآدم؟\nفقيل: بعد دخوله الجنة، وبه قال ابن عباس وابن مسعود، قال ابن عباس (لما خلق الله آدم القى عليه النوم فخلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى فلم تؤذه بشيء ولو وجد الأذى ما عطف عليها أبدًا فلما استيقظ قيل لآدم ما هذه قال حواء).\nوقيل: إن حواء خلقت لآدم قبل دخوله الجنة، وهو قول كعب الأحبار ووهب بن منبه وإسحاق، والراجح القول الأول المروي عن كبار الصحابة.\n(وَبَثَّ مِنْهُمَا) أي: ونشر وذرأ وأخرج منهما: أي: من آدم وحواء.\n(رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) رجالًا كثيرًا ونساء كثيرة، ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر.\n• قال المفسرون: خلق من آدم وحواء ذكورًا وإناثًا لكي يتم بذلك قوام الحياة.","vol":"4","page":296},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1415> أنواع خلق الله للبشر:</span>\n١) ما خلق من طين وهو آدم -﵇-.\n٢) ما خلق من أب بلا أم وهي حواء.\n٣) ما خلق من أنثى بلا ذكر وهو عيسى.\n٤) ما خلق من أنثى وذكر وهم سائر البشر.\n• لماذا قدم الرجال على النساء؟ لقوامة الرجال على النساء.\n• ولماذا وصف الرجال بالكثرة دون النساء مع أن النساء أكثر؟\nقيل: ترك التصريح به استغناء بالوصف الأول، قاله الشوكاني.\nوقيل: لأن الكثرة في نصيب الرجال مرغوبة بخلاف النساء، ولأنها تدل على القدرة وغيرها من المعاني التي توجد في الرجال، وكذلك القبائل تعرف لها مكانتها بكثرة الرجال فلو تنافسوا قالوا لبعضهم: عدوا رجالكم، والرجل هو القائم بالرعاية والنفقة أكثر من المرأة، ولهذا قال رسول الله -ﷺ- في حديث ابن عباس -﵁- في حكم الفرائض قال (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر) فكأنه ذكر ونبه فيه على سبب التفضيل وهو: رجولتهم.\n• قال الرازي: فإن قيل: لم لم يقل: وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء كثيرًا؟ ولم خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء؟\nقلنا: السبب فيه - والله أعلم - أن شهرة الرجال أتم، فكانت كثرتهم أظهر، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز، واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول.\n(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ) كرر الأمر بتقوى الله تنبيهًا وتوكيدًا لوجوب تقوى الله، لأنها أساس الفلاح والسعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة، ومعنى الذي تساءلون به: أي: يسأل بعضكم بعضًا به، أي: بالله تذكيرًا به وبعظمته، كأن يقول: أسألك بالله أن تساعدني.\n(وَالْأَرْحَامَ) قرأ الجمهور بالنصب (والأرحامَ) ويكون المعنى: اتقوا الأرحام أن تقطعوها، بل صلوها وأدوا حقها.\n• ما ورد في الترهيب من قطيعة الأرحام.\nقال تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ).\nوقال تعالى (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).","vol":"4","page":297},{"text":"وقال تعالى (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ).\nوقال -ﷺ- (لا يدخل الجنة قاطع) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) رواه أحمد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1416> وجاءت نصوص أخرى تحث على صلة الرحم.</span>\nقال -ﷺ- (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله) متفق عليه.\nوعن أبي أيوب (أن رجلًا قال يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ فقال النبي -ﷺ-: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه) متفق عليه.","vol":"4","page":298},{"text":"ولصلة الرحم بركة وقبول، ولصاحبها تقدير وإجلال لدى جميع الناس باختلاف دياناتهم وانتماءاتهم. ولقد علمت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد -﵂- منزلة صلة الرحم قبل أن تسلم وقبل أن يُبعث رسول الله، وعلمت أن واصل الرحم لا يخيب، فقد جاءها رسول الله -ﷺ- وهو يرجف ويقول (زملوني زملوني) عندما جاءه الوحي لأول مرة في الغار، وقال لها (لقد خشيت على نفسي) فماذا قالت له خديجة -﵂-؟! قالت: \"كلا والله، لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتحمل الكل، وتصل الرحم، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق\". متفق عليه.\n• وقرأ بعضهم بالجر (والأرحامِ) والمعنى: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، أي: يسأل بعضكم بعضًا بالله وبالرحم، كما جرت العادة عند العرب يقول أحدهم للآخر: أسألك بالله والرحم التي بيننا.\n(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) أي: هو مراقب لجميع أعمالكم وأحوالكم كما قال تعالى (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).\nقال الطبري: (رقيبًا) حفيظًا محصيًا عليكم أعمالكم متفقدًا رعايتكم حرمة أرحاكم وصلتكم إياها وقطعكموها وتضييع حرمتها.\nوقال الزجاج: الرقيب هو الحافظ الذي لا يغيب عما يحفظه.\nوقال السعدي: الرقيب والشهيد من أسمائه الحسنى هما مترادفان، وكلاهما يدل على إحاطة سمع الله بالمسموعات، وبصره بالمبصرات، وعلمه بجميع المعلومات الجلية والخفية، وهو الرقيب على ما دار في الخواطر، وما تحركت به اللواحظ، ومن باب أولى الأفعال الظاهرة بالأركان.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1417> الآثار المترتبة بالإيمان بهذا الاسم:</span>\nأولًا: أن التعبد لله باسمه (الرقيب) يثمر في القلب مراقبة الله في السر والعلن، في الليل والنهار، في الخلوة والجلوة، لأنه سبحانه مع عبده لا تخفى عليه خافية، يسمع كلامنا، ويرى مكاننا، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإذا أيقن العبد بهذه الحقائق سعى إلى حفظ قلبه وسمعه وبصره ولسانه وجوارحه كلها من أن يكون منها أو فيها ما يسخط الله.\nقال ابن القيم: المراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق تعالى على ظاهره وباطنه.\nثانيًا: فضل مراقبة الله في السر توجب للعبد الإخلاص والخلاص من الكبائر.\nكما ورد في الحديث (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) متفق عليه.\nثالثًا: النصح في العبادة.\nكما قال رسول الله -ﷺ- (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَل وجهه فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى). متفق عليه\nرابعًا: تورث القلب خشية وخشوعًا وبكاء.\nكما في الحديث (ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه).\nخامسًا: ومن قدر على معصية الله في سره ثم راقب الله فتركها خوفًا من الله له ثواب عظيم وينفرج همه وينفس كربه.\nكما في قصة صاحب الغار الذي خلا بابنة عمه وتمكن منها ثم قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقام وتركها وترك المال الذي أرادته خوفًا من الله تعالى فانفرج الغار لعمله.\nخامسًا: ومن راقب الله في السر حسن عمله وعظم يقينه ووجد حلاوة الإيمان واطمأن قلبه وقذف الله نورًا في قلبه وضياء في وجهه ووجد سعة في رزقه وبركة في أهله وألفة ومحبة فيما بينه وبين الخلق وانعكس ذلك على حياته بالتوفيق والرضا والسعادة.\nسادسًا: وعبادة السر من أجل الطاعات لأنها مبنية على حسن المراقبة لله والإخلاص المحض واليقين التام وعدم التفات القلب للمخلوقين وثوابهم.","vol":"4","page":299},{"text":"ولذلك أثنى الله ﷿ على صدقة السر فقال: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِي وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). وجاء في السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظلّه: (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).\nسابعًا: وكان من دعاء النبي -ﷺ- (أسألك خشيتك في الغيب والشهادة).\nأن العبد يخشى الله سرًا وعلانية، ظاهرًا وباطنًا، فإن أكثر الناس قد يخشى الله في العلانية وفي الشهادة، ولكن الشأن خشية الله في الغيب إذا غاب عن أعين الناس فقد مدح الله من خافه بالغيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1418>الفوائد:</span>\n١ - وجوب تقوى الله تعالى.\n٢ - أن الخالق هو الله.\n٣ - أن الخالق هو المستحق للعبادة.\n٤ - أن أصل البشرية واحد وهو آدم.\n٥ - أهمية التقوى، حيث كررها الله مرتين.\n٦ - التحذير من قطع الأرحام.\n٧ - التحذير من مخالفة الله، فإن الله رقيب لا يخفى عليه شيء. (الأحد: ٢٦/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"4","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1419>(وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢».</span> [النساء: ٢].\n<hr><s0>\n\n(وآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) أي: وأعطوا اليتامى أموالهم التي هي ملك لهم، مما عهِد إليكم بحفظه.\nوعلى هذا المعنى فالآية مقيدة بشرطين كما سيأتي، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن معنى (وآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) أي: احفظوها لهم لكي تؤدوها إليهم كاملة بعد بلوغهم ورشدهم من غير أكل شيء منها أو كتمانه أو تعريضها للفساد أو الضياع.\n• ولهذا قال ابن كثير: يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحُلُم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمِّها إلى أموالهم.\n• وقال الشنقيطي: أَمَرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِإِيتَاءِ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ هُنَا فِي ذَلِكَ شَرْطًا، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ هَذَا أَنَّ هَذَا الْإِيتَاءَ الْمَأْمُورَ بِهِ مَشْرُوطٌ بِشَرْطَيْنِ:\nالْأَوَّلُ: بُلُوغُ الْيَتَامَى.\nوَالثَّانِي: إِينَاسُ الرُّشْدِ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ). (أضواء البيان).\n• والخطاب للأولياء والأوصياء، واليتيم: من مات أبوه وهو لم يبلغ الحلم سواء كان ذكرًا أو أنثى، وخص بالوالد لأنه هو من يعول الولد وينفق عليه، فإذا بلغ زال عنه اليتم، كما قال -ﷺ- (لا يتم بعد احتلام).\n• قوله (وآتوا اليتامى) أطلق عليهم اسم اليتامى مع إعطائهم للمال باعتبار ما كان، كما قال تعالى في شأن سحرة فرعون (فألقيَ السحرة ساجدين)، فأطلق عليهم سحرة باعتبار ما كانوا فيه من سحر.\n• قال البغوي: وإنما سماهم يتامى ههنا على معنى أنهم كانوا يتامى.","vol":"4","page":301},{"text":"• قال الشوكاني: وأطلق اسم اليتيم عليهم عند إعطائهم أموالهم، مع أنهم لا يعطونها إلا بعد ارتفاع اسم اليتم بالبلوغ مجازًا باعتبار ما كانوا عليه، ويجوز أن يراد باليتامى المعنى الحقيقي، وبالإيتاء ما يدفعه الأولياء، والأوصياء إليهم من النفقة، والكسوة لا دفعها جميعًا، وهذه الآية مقيدة بالآية الأخرى، وهي قوله تعالى (فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم) فلا يكون مجرد ارتفاع اليتم بالبلوغ مسوغًا لدفع أموالهم إليهم، حتى يؤنس منهم الرشد.\n• وقال الشنقيطي: وَتَسْمِيَتُهُمْ يَتَامَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ، إِنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَارِ يُتْمِهِمُ الَّذِي كَانُوا مُتَّصِفِينَ بِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، إِذْ لَا يُتْمَ بَعْدَ الْبُلُوغِ إِجْمَاعًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ)، يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا سَحَرَةً، إِذْ لَا سِحْرَ مَعَ السُّجُودِ لِلَّهِ.\n• وبعض العلماء قال: إن المراد ما يعطوْن منها في حال اليتم على سبيل النفقة، وهذا فيه ضعف.\n• قال القاسمي: أن يُراد بهم الصغار، وبـ (الإيتاء) ما يدفعه الأولياء والأوصياء إليهم من النفقة والكسوة، لا دفعها إليهم، وفيه بُعْدٌ.\n(وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) قيل المعنى: لا تأخذ مال اليتيم الذي حرمه الله عليك وتدع مالك الذي أحله الله لك.\nوقيل المعنى: لا تعطي مالك السيئ لليتيم وتأخذ مال اليتيم الطيب، كما قال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل فيها مكانها الشاة المهزولة، وكلا القولين تحتمله الآية، والأول أعم.\n• قال الرازي: في تفسير هذا التبدل وجوه:\nالوجه الأول: قال الفراء والزجاج: لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى، بالحلال وهو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض، فتأكلوه مكانه.\nالثاني: لا تستبدلوا الأمر الخبيث، وهو اختزال أموال اليتامى، بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها وهو قول الأكثرين أنه كان ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل مكانه الدون.\nورجح الشوكاني الثاني وقال: إن تبدل الشيء بالشيء في اللغة أخذه مكانه وكذلك استبداله.\n• قال الشوكاني: (وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب) نهي لهم عن أن يصنعوا صنع الجاهلية في أموال اليتامى، فإنهم كانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى، ويعوضونه بالرديء من أموالهم، ولا يرون بذلك بأسًا.\nوقيل المعنى: لا تأكلوا أموال اليتامى، وهي محرّمة خبيثة، وتدعوا الطيب من أموالكم.\nوقيل المراد: لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم، وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله.\nوالأوّل أولى؛ فإن تبدل الشيء بالشيء في اللغة أخذه مكانه، وكذلك استبداله، ومنه قوله تعالى (وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل) وقوله (أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ).","vol":"4","page":302},{"text":"• ورجح ذلك ابن جرير حيث قال: ولا تتبدلوا أموال أيتامكم أيها الأوصياء الحرام عليكم الخبيث لكم، فتأخذوا رفائعها\nوخيارها وجيادِها بالطيب الحلال من أموالكم، وتجعلوا الرديء الخسيس بدلًا منه، وذلك أن تبدل الشيء بالشيء في كلام العرب أخذ شيء مكان آخر غيره، ويعطيه المأخوذ منه، أو يجعله مكان الذي أخذ.\n• قال السعدي: ومن استبدال الخبيث بالطيب أن يأخذ الولي من مال اليتيم النفيس، ويجعل بدله من ماله الخسيس.\n• وكلا القولين تحتمله الآية، والأول منهما أعم وأشمل، فهو ينتظم القول الثاني، لأن استبدال مال اليتيم بغيره منهي عنه، سواء رد بدله جيدًا أو رديئًا أو لم يرد بدله شيئًا.\n(وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) قيل المعنى: إن (إلى) بمعنى (مع) ويكون المعنى: ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم.\nوقيل: إن (إلى) على بابها، والفعل (تأكلوا) مضمن معنى الضم، أي: لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، وهذا القول أرجح، لأن تضمين فعل معنى فعل آخر أكثر ورودًا في القرآن من تضمين (إلى) بمعنى (مع)، وحمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أولى من حملها على المعنى القليل، لأنها إذا كانت هي الكثير في القرآن صارت هي اصطلاح القرآن.\n• قال ابن جرير: أي ولا تخلطوا أموالهم - يعني: أموال اليتامى بأموالكم - فتأكلوها مع أموالكم.\n• قال الرازي: قوله تعالى (وَلَا تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم) فيه وجهان:\nالأول: معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الإنفاق حتى تفرقوا بين أموالكم وأموالهم في حل الانتفاع بها.\nوالثاني: أن يكون (إلى) بمعنى (مع) قال تعالى (مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله) أي مع الله، والأول: أصح.\n• وفي الآية النهي عن أكل مال اليتيم وقد قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا).","vol":"4","page":303},{"text":"• قوله (ولا تأكلوا أموالهم …) جاء بلفظ الأكل مع أن النهي عن جميع صور أخذ مال اليتيم، لأن الهدف من جمع المال غالبًا هو الأكل، ولذلك في كثير من الآيات عندما ينهى الله عن أخذ المال الحرام، دائمًا يذكر ذلك بالأكل، كما قال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) وقوله تعالى (كلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ).\n• قال ابن عاشور: والأكل استعارة للانتفاع المانع من انتفاع الغير وهو الملك التامّ، لأنّ الأكل هو أقوى أحوال الاختصاص بالشيء لأنّه يحرزه في داخل جسده، ولا مطمع في إرجاعه، وضمّن (تأكلوا) معنى تضمّوا فلذلك عدي بإلى أي: لا تأكلوها بأن تضمّوها إلى أموالكم.\n(إِنَّهُ) أي: أكل مال اليتيم، واستبدال الخبيث بالطيب.\n(كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) أي: أي ذنبًا كبير، كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا).\n• وهذه الجملة تعليلية للنهي في الجملتين السابقتين.\n• قال السعدي: فيه تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة، التي قد استغنى بها الإنسان بما جعل الله له من الرزق في ماله، فمن تجرأ على هذه الحالة، فقد أتى (حُوبًا كَبِيرًا) أي: إثمًا عظيمًا، ووزرًا جسيمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1420>الفوائد:</span>\n١ - وجوب حفظ مال اليتيم.\n٢ - بيان رحمة الله حيث وصى باليتامى.\n٣ - أن اليتيم يملك وملكه تام.\n٤ - تحريم ضم مال اليتيم إلى مال الولي إذا كان بقصد إتلافه.\n٥ - أن التعدي على مال اليتامى ذنب عظيم ومن كبائر الذنوب.\n٦ - ثبوت الولاية على اليتيم.\n٧ - جواز إطلاق الخبيث على الرديء على أحد المعنيين. [الاثنين: ٢٧/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ].","vol":"4","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1421>(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (٣».</span> [النساء: ٣].\n<hr><s0>\n\nالآية السابقة في أموال اليتامى، وهذه الآية في أبضاع اليتامى.\n(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) أي: وإن ظننتم التقصير في العدل لليتيمة فليتركها ولينكح غيرها.\n• والمراد باليتامى هنا، اليتامى من النساء.\n• قال بعضهم: معنى (وإن خفتم) أي: علمتم، لكنه قول ضعيف، والصحيح أن المراد بها الخوف وإن لم يعلم، فمتى خاف الإنسان أن لا يقسط في اليتامى، فليفعل ما ذكر الله. (ابن عثيمين).\n• قال البقاعي: قوله تعالى (وإن خفتم) فعبر بأداة الشك حثًا على الورع.\n• قوله (ألا تقسطوا) أي: ألا تعدلوا.\n(فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) أي: فليتركها وجوبًا، ولينكح ما طابت به نفوسكم ورغبتم فيه مما أحل الله لكم من ذوات الصفات الطيبة من النساء كالدين والخلق والجمال ونحو ذلك.\n(مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) أسلوب تنويع وتقسيم: أي: انكحوا اثنتين اثنتين، وعلى ثلاث ثلاث، وعلى أربع أربع، وفيه معنى التخيير، أي: منكم من ينكح اثنتين، ومنكم من ينكح ثلاثًا، ومنكم من ينكح أربعًا، قال تعالى في وصف الملائكة (جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة.\n• معنى الآية: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وهو وليها، وأراد أن يتزوجها، لكنه يخشى ألا يعطيها مهر مثلها، فليتزوج غيرها، فإنهن كثير، ومنهن من ترضى بالقليل، فلم يُضيّق الله عليك أيها الوصي، فانكح نكاحًا طيبًا مثنى إن شئت، أو ثلاث أو أربع ولا تظلم اليتامى.","vol":"4","page":305},{"text":"سبب النزول: روى البخاري عن عروة بن الزبير (أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى، فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سُنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1422> صور عدم العدل باليتيمات:</span>\nأ-عدم إعطائهن مثل غيرهن من المهور والنفقات.\nب-أن يمسكها لأجل مالها من غير حاجة بها.\nج- أن يمسكها من غير إعطائها حقوقها الزوجية.\nد-إجبارهن على الزواج منهم وهن كارهات، ونحو ذلك من النكاح من اليتيمات من غير عدل.\n• في الآية تحريم الجمع أكثر من أربع نساء، وهذا أمر مجمع عليه.\n• قال ابن كثير: قال الشافعي: وقد دَلَّت سنة رسول الله -ﷺ- المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله -ﷺ- أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة، وهذا الذي قاله الشافعي، ﵀، مجمع عليه بين العلماء.\n• في الآية إباحة التعدد، لكن مشروعيته جاءت في أدلة أخرى.\n• قال ابن القيم: إباحة التعدد للرجل دون المرأة توافق القياس، وأما قوله: وأنه أباح للرجل أن يتزوج بأربع زوجات ولم يبح للمرأة أن تتزوج بأكثر من زوج واحد، فذلك من كمال حكمة الرب تعالى وإحسانه ورحمته بخلقه ورعاية مصالحهم ويتعالى سبحانه عن خلاف ذلك وينزه شرعه أن يأتي بغير هذا ولو أبيح للمرأة أن تكون عند زوجين فأكثر لفسد العالم وضاعت الأنساب وقتل الأزواج بعضهم بعضًا وعظمت البلية واشتدت الفتنة وقامت سوق الحرب على ساق وكيف يستقيم حال امرأة فيها شركاء متشاكسون وكيف يستقيم حال الشركاء فيها فمجيء الشريعة بما جاءت به من خلاف هذا من أعظم الأدلة على حكمة الشارع ورحمته وعنايته بخلقه.","vol":"4","page":306},{"text":"فإن قيل: فكيف روعي جانب الرجل وأطلق له أن يهيم طرفه ويقضي وطره وينتقل من واحدة إلى واحدة بحسب شهوته وحاجته وداعي المرأة داعيه وشهوتها شهوته؟\nقيل: لما كانت المرأة من عادتها أن تكون مخبأة من وراء الخدور ومحجوبة في كن بيتها وكان مزاجها أبرد من مزاج الرجل وحركتها الظاهرة والباطنة أقل من حركته وكان الرجل قد أعطي من القوة والحرارة التي هي سلطان الشهوة أكثر مما أعطيته المرأة وبلي بما لم تبل به، أطلق له من عدد المنكوحات ما لم يطلق للمرأة وهذا مما خص الله به الرجال وفضلهم به على النساء، كما فضلهم عليهن بالرسالة والنبوة والخلافة والملك والإمارة وولاية الحكم والجهاد وغير ذلك، وجعل الرجال قوامين على النساء ساعين في مصالحهن يدأبون في أسباب معيشتهن ويركبون الأخطار ويجوبون القفار ويعرضون أنفسهم لكل بلية ومحنة في مصالح الزوجات، والرب تعالى شكور حليم، فشكر لهم ذلك وجبرهم بأن مكنهم مما لم يمكن منه الزوجات وأنت إذا قايست بين تعب الرجال وشقائهم وكدهم ونصبهم في مصالح النساء، وبين ما ابتلي به النساء من الغيرة وجدت حظ الرجال أن تحمل ذلك التعب والنصب والدأب أكثر من حظ النساء من تحمل الغيرة فهذا من كمال عدل الله وحكمته ورحمته فله الحمد كما هو أهله.\n• قال ابن عاشور: وقد شرع الله تعدّد النساء للقادر العادل لِمصالح جمّة:\nمنها: أنّ في ذلك وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد المواليد فيها.\nومنها: أنّ ذلك يعين على كفالة النساء اللائي هنّ أكثر من الرجال في كلّ أمّة لأنّ الأنوثة في المواليد أكثر من الذكورة، ولأنّ الرجال يعرض لهم من أسباب الهلاك في الحروب والشدائد ما لا يعرض للنساء، ولأنّ النساء أطول أعمارًا من الرجال غالبًا، بما فطرهنّ الله عليه.\nومنها: أنّ الشريعة قد حرّمت الزنا وضيّقت في تحريمه لمّا يجرّ إليه من الفساد في الأخلاق والأنساب ونظام العائلات، فناسب أن توسّع على الناس في تعدّد النساء لمن كان من الرجال ميّالًا للتعدّد مجبولًا عليه.\nومنها: قصد الابتعاد عن الطلاق إلاّ لضرورة. … (تفسير ابن عاشور).","vol":"4","page":307},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1423> فوائد التعدد:</span>\nأولًا: التعدد سبب لتكثير الأمة، ومعلوم أنه لا تحصل الكثرة إلا بالزواج. وما يحصل من كثرة النسل من جراء تعدد الزوجات أكثر مما يحصل بزوجة واحدة.\nومعلوم لدى العقلاء أن زيادة عدد السكان سبب في تقوية الأمة، وزيادة الأيدي العاملة فيها مما يسبب ارتفاع الاقتصاد.\nثانيًا: تبين من خلال الإحصائيات أن عدد النساء أكثر من الرجال، فلو أن كل رجل تزوج امرأةً واحدة فهذا يعني أن من\nالنساء من ستبقى بلا زوج، مما يعود بالضرر عليها وعلى المجتمع:\nأما الضرر الذي سيلحقها فهو أنها لن تجد لها زوجًا يقوم على مصالحها، ويوفر لها المسكن والمعاش، ويحصنها من الشهوات المحرمة، وترزق منه بأولاد تقرُّ بهم عينها، مما قد يؤدي بها إلى الانحراف والضياع إلا من رحم ربك.\nوأما الضرر العائد على المجتمع فمعلوم أن هذه المرأة التي ستجلس بلا زوج، قد تنحرف عن الجادة وتسلك طرق الغواية والرذيلة، فتقع في مستنقع الزنا والدعارة - نسأل الله السلامة - مما يؤدي إلى انتشار الفاحشة فتظهر الأمراض الفتاكة من الإيدز وغيره من الأمراض المستعصية المعدية التي لا يوجد لها علاج، وتتفكك الأسر، ويولد أولاد مجهولي الهوية، لا يَعرفون من أبوهم؟\nفلا يجدون يدًا حانية تعطف عليهم، ولا عقلًا سديدًا يُحسن تربيتهم، فإذا خرجوا إلى الحياة وعرفوا حقيقتهم وأنهم أولاد زنا فينعكس ذلك على سلوكهم، ويكونون عرضة للانحراف والضياع، بل وسينقمون على مجتمعاتهم، ومن يدري فربما يكونون معاول الهدم لبلادهم، وقادة للعصابات المنحرفة، كما هو الحال في كثير من دول العالم.\nثالثًا: الرجال عرضة للحوادث التي قد تودي بحياتهم، لأنهم يعملون في المهن الشاقة، وهم جنود المعارك، فاحتمال الوفاة في صفوفهم أكثر منه في صفوف النساء، وهذا من أسباب ارتفاع معدل العنوسة في صفوف النساء، والحل الوحيد للقضاء على هذه المشكلة هو التعدد.","vol":"4","page":308},{"text":"رابعًا: من الرجال من يكون قوي الشهوة، ولا تكفيه امرأة واحدة، ولو سُدَّ الباب عليه وقيل له لا يُسمح لك إلا بامرأة واحدة لوقع في المشقة الشديدة، وربما صرف شهوته بطريقة محرمة.\nأضف إلى ذلك أن المرأة تحيض كل شهر وإذا ولدت قعدت أربعين يومًا في دم النفاس فلا يستطيع الرجل جماع زوجته، لأن الجماع في الحيض أو النفاس محرم، وقد ثبت ضرره طبيًا. فأُبيح التعدد عند القدرة على العدل.\nخامسًا: التعدد ليس في دين الإسلام فقط بل كان معروفًا عند الأمم السابقة، وكان بعض الأنبياء متزوجًا بأكثر من امرأة، فهذا نبي الله سليمان كان له تسعون امرأة، وقد أسلم في عهد النبي -ﷺ- رجال بعضهم كان متزوجًا بثمان نساء، وبعضهم بخمس فأمرهم النبي -ﷺ- بإبقاء أربع نساء وطلاق البقية.\nسادسًا: قد تكون الزوجة عقيمة أو لا تفي بحاجة الزوج أو لا يمكن معاشرتها لمرضها، والزوج يتطلع إلى الذرية وهو تطلع مشروع، ويريد ممارسة الحياة الزوجية الجنسية وهو شيء مباح، ولا سبيل إلا بالزواج بأخرى، فمن العدل والإنصاف والخير للزوجة نفسها أن ترضى بالبقاء زوجة، وأن يسمح للرجل بالزواج بأخرى.\nسابعًا: وقد تكون المرأة من أقارب الرجل ولا معيل لها، وهي غير متزوجة، أو أرملة مات زوجها، ويرى هذا الرجل أن من أحسن الإحسان لها أن يضمها إلى بيته زوجة مع زوجته الأولى، فيجمع لها بين الإعفاف والإنفاق عليها، وهذا خير لها من تركها وحيدة ويكتفي بالإنفاق عليها.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) واتفق كل من يُعاني العلوم على أن قوله (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) ليس له مفهوم، إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا كمن خاف، فدل على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف ذلك وأن حكمها أعم من ذلك.\n(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) أي: وإن ظننتم عدم العدل مع الزوجات إذا تعددن فاكتفوا بنكاح واحدة.","vol":"4","page":309},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1424> في هذا أن التعدد مشروع بشرطين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1425>الشرط الأول: القدرة،</span> كما في الحديث (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج …) والباءة القدرة على مؤن النكاح.\n<span data-type='title' id=toc-1426>الشرط الثاني: العدل،</span> لقوله تعالى في هذه الآية (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً).\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) هذه الآية الكريمة تدل على أن العدل بين الزوجات ممكن وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أنه غير ممكن وهي قوله تعالى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ).\nوالجواب عن هذا:\nأن العدل بينهن الذي ذكر الله أنه ممكن هو العدل في توفية الحقوق الشرعية، والعدل الذي ذكر أنه غير ممكن هو المساواة في المحبة والميل الطبيعي لأن هذا انفعال لا فعل فليس تحت قدرة البشر، والمقصود من كان أميل بالطبع إلى إحدى الزوجات فليتق الله وليعدل في الحقوق الشرعية كما يدل عليه قوله (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) الآية.\nوهذا الجمع روي معناه عن ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم نقله عنهم ابن كثير في تفسير قوله (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ).\n(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: أو استمتعوا بما ملكت أيمانكم، من السراري والإماء حيث لا يجب القسْم بينهن.\n• ليس المعنى: أو انكحوا ما ملكت أيمانكم من الإماء، لأنه يحرم على الرجل أن يتزوج أمته، لأنها تحل له بعقد اليمين، وهو أقوى من عقد النكاح.\n• أسند الملك لليمين، لأنها مختصة بالمحاسن.\n(ذَلِكَ) الإشارة إلى مضمون الجملتين السابقتين: وهما ترك نكاح اليتامى عند خوف الإقساط، ونكاح غيرهن من النساء مثنى وثلاث ورباع، والاكتفاء بنكاح واحدة.\n(أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) أي: أقرب ألا تجوروا.\nوذهب بعض العلماء إلى أن معنى (ألا تعولوا) أي: ألا تكثر عيالكم، ذهب إلى ذلك الشافعي وجماعة.","vol":"4","page":310},{"text":"وجمهور العلماء على القول الأول وهو: ألاّ تجوروا.\nقال ابن القيم: قال الشافعي: أن لا تكثر عيالكم فدل على أن قلة العيال أولى.\nقيل: قد قال الشافعي ﵀ ذلك وخالفه جمهور المفسرين من السلف والخلف وقالوا معنى الآية: ذلك أدنى أن لا تجوروا ولا تميلوا، فإنه يقال: عال الرجل يعول عولًا إذا مال وجار، ومنه عول الفرائض لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص، ويقال عال يعيل عيلة إذا احتاج.\nقال تعالى (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء).\nثم قال ابن القيم مرجحًا القول الأول (وهو قول الجمهور): لكن يتعين الأول لوجوه:\nأحدها: أنه المعروف في اللغة الذي لا يكاد يعرف سواه ولا يعرف عال يعول إذا كثر عياله إلا في حكاية الكسائي وسائر أهل اللغة على خلافه.\nالثاني: أن هذا مروي عن النبي -ﷺ- ولو كان من الغرائب فانه يصلح للترجيح.\nالثالث: أنه مروي عن عائشة وابن عباس ولم يعلم لهما مخالف من المفسرين.\nالرابع: أن الأدلة التي ذكرناها على استحباب تزوج الولود وأخبار النبي -ﷺ- أنه يكاثر بأمته الأمم يوم القيامة يرد هذا التفسير.\nالخامس: أن سياق الآية إنما هو في نقلهم مما يخافون الظلم والجور فيه إلى غيره فإنه قال في أولها (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) فدلهم سبحانه على ما يتخلصون به من ظلم اليتامى وهو نكاح\nما طاب لهم من النساء البوالغ، وأباح لهم منهن أربعًا، ثم دلهم على ما يتخلصون به من الجور والظلم في عدم التسوية بينهن فقال (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) ثم أخبر سبحانه أن الواحدة وملك اليمين أدنى إلى عدم الميل والجور وهذا صريح في المقصود.\nالسادس: أنه لا يلتئم قوله (فإن خفتم ألا تعدلوا في الأربع فانكحوا واحدة أو تسروا ما شئتم بملك اليمين، فإن ذلك أقرب إلى أن لا تكثر عيالكم بل هذا أجنبي من الأول فتأمله.\nالسابع: أنه من الممتنع أن يقال لهم إن خفتم أن ألا تعدلوا بين الأربع فلكم أن تتسروا بمائة سرية وأكثر فإنه أدنى أن لا تكثر عيالكم.\nالثامن: أن قوله (ذلك أدنى ألا تعولوا) تعليل لكل واحد من الحكمين المتقدمين وهما نقلهم من نكاح اليتامى إلى نكاح النساء البوالغ، ومن نكاح الأربع إلى نكاح الواحدة أو ملك اليمين ولا يليق تعليل ذلك بقلة العيال.\nالتاسع: أنه سبحانه قال (فإن خفتم ألا تعدلوا) ولم يقل: وإن خفتم أن تفتقروا أو تحتاجوا ولو كان المراد قلة العيال لكان الأنسب أن يقول ذلك.","vol":"4","page":311},{"text":"• قال الرازي: نقل عن الشافعي -﵁- أنه قال (ذلك أدنى أن لا تعولوا) معناه: ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه لا خلاف بين السلف وكل من روى تفسير هذه الآية: أن معناه: أن لا تميلوا ولا تجوروا.\nوثانيها: أنه خطأ في اللغة لأنه لو قيل: ذلك أدنى أن لا تعيلوا لكان ذلك مستقيمًا، فأما تفسير (تَعُولُواْ) بتعيلوا فإنه خطأ في اللغة.\nوثالثها: أنه تعالى ذكر الزوجة الواحدة أو ملك اليمين والإماء في العيال بمنزلة النساء، ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين، فعلمنا أنه ليس المراد كثرة العيال.\n• قال السعدي: وفي هذا، إن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم، وعدم القيام بالواجب - ولو كان مباحًا - أنه لا ينبغي له أن يتعرض له، بل يلزم السعة والعافية، فإن العافية خير ما أعطي العبد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1427>الفوائد:</span>\n١ - يجب على الأولياء إذا خافوا عدم العدل مع اليتيمات ترك الزواج بهن.\n٢ - أنه يجب على الإنسان الاحتياط إذا خاف الوقوع في المحرم.\n٣ - أنه يجوز لأولياء اليتامى الزواج بهن إذا لم يخافوا عدم العدل معهن لمفهوم الآية.\n٤ - أن الله إذا سد باب حرام فتح باب حلال.\n٥ - أنه ينبغي للرجل أن يتزوج من تطيب له من النساء، لأن ذلك أحرى أن يؤدم بينهما.\n٦ - إباحة التعدد، ويؤخذ مشروعيته من أدلة أخرى، وهي عموم الأدلة الدالة على فضل النكاح.\n• وللنكاح حكم عظيمة:\nالحكمة الأول: طلب النسل، لأنه ليس المقصود من الزواج التلذذ وقضاء الوطر وإنما من مقاصده العظيمة طلب النسل.\nالحكمة الثانية: الاستمتاع، استمتاع كل واحد من الزوجين بالآخر.\nالحكمة الثالثة: فمن مقاصد الزواج تحصيل النسل لتكثير الأمة ولا ريب أن تكثير الأمة هو مصدر قوتها وعزتها وهيبتها بين الأمم فهذا مقصد عظيم من مقاصد الزواج وهو تكثير الأمة.\nالحكمة الرابعة: ومن حكم الزواج حفظ المرأة والإنفاق عليها لأن الزواج يهيئ للمرأة حياة سعيدة كريمة في ظل الزوج.\nالحكمة الخامسة: ومن حكم النكاح العظيمة تحصين كل من الزوجين الآخر كما قال -ﷺ-: فإنه أغض للبصر وأحصن لفرج، فما حفظ الفرج وغض البصر بمثل الزواج.\n٧ - لا يجوز أن يجمع الرجل في عصمته أكثر من أربع زوجات.\n٨ - وجوب العدل بين الزوجات في القسم، وأن عدم العدل حرام ومن الكبائر، لقوله -ﷺ- (من كان عنده امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) رواه الترمذي، ولقوله تعالى (وعاشروهن بالمعروف) وليس مع الميل معاشرة بالمعروف.\n٩ - أنه لا يجب العدل بين الإماء في الجماع. (السبت: ٣/ ١/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"4","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1428>(وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (٤».</span> [النساء: ٤].\n<hr><s0>\n\n(وَآتُوا النِّسَاءَ) أي: وأعطوا النساء مهورهن. (والمراد بالنساء المتزوجات).\n\n<span data-type='title' id=toc-1429>واختلف لمن الخطاب في الآية على قولين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1430>الأول: إن هذا خطاب لأولياء النساء.</span>\nوذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئًا، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئًا لك النافجة، ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلًا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه، وقال ابن الأعرابي: النافجة يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته، فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1431>القول الثاني: أن الخطاب للأزواج.</span>\nأمروا بإيتاء النساء مهورهن، وهذا قول: علقمة والنخعي وقتادة واختيار الزجاج.\nقال: لأنه لا ذكر للأولياء ههنا، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج.\nورجحه الطبري وقال: وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك، التأويل الذي قلناه. وذلك أن الله ﵎ ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساءَ، ونهاهم عن ظلمهنّ والجور عليهن، وعرّفهم سبيلَ النجاة من ظلمهنّ. ولا دلالة في الآية على أن الخطاب قد صُرِف عنهم إلى غيرهم. فإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين قيل لهم: \"فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع\"، هم الذين قيل لهم: \"وآتوا النساء صدقاتهن\" وأن معناه: وآتوا من نكحتم من النساء صدقاتهن نحلة، لأنه قال في أوّل الآية (فانكحوا ما طاب لكم من النساء)، ولم يقل (فأنكحوا)، فيكون قوله (وآتوا النساء صدقاتهن) مصروفًا إلى أنه معنيّ به أولياء النساء دون أزواجهن، وهذا أمرٌ من الله أزواجَ النساء المدخول بهن والمسمَّى لهن الصداق، أن يؤتوهن صدُقاتهن، دون المطلقات قبل الدخول ممن لم يسمّ لها في عقد النكاح صداق.\n• وقال القرطبي: والأوّل أظهر؛ فإن الضمائر واحدة وهي بجملتها للأزواج فهم المراد؛ لأنه قال (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى) إلى قوله (وَآتُواْ النسآء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) وذلك يوجب تناسق الضمائر وأن يكون الأوّل فيها هو الآخر.","vol":"4","page":313},{"text":"• وقال ابن عاشور: والمقصود بالخطاب ابتداء هم الأزواج، لكيلا يتذرّعوا بحياء النساء وضعفهنّ وطلبهنّ مرضاتَهم إلى غمص حقوقهنّ في أكل مهورهنّ، أو يجعلوا حاجتهنّ للتزوّج لأجل إيجاد كافل لهنّ ذريعة لإسقاط المهر في النكاح.\n(صَدُقَاتِهِنَّ) صدقات جمع صدُقَة، وهو المهر، وسمي بذلك لأن بذله دليل على صدق الطالب للمرأة.\n(نِحْلَةً) أي: عطية طيبة بها نفوسكم.\n• وللصداق عدة أسماء: فيسمى نِحلة كما في هذه الآية (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).\nويسمى فريضة كما قال تعالى (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً).\nويسمى أجرًا كما قال تعالى (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً).\nويسمى طوْلًا كما قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ).\n• قال ابن كثير: إن الرجل يجب عليه دفع الصداق حتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك.\n(فَإِنْ طِبْنَ) أي: النساء.\n(لَكُمْ) أيها الأزواج.\n(عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا) أي: شيئًا قليلًا أو كثيرًا من المهر. و(منه) أي: الصداق.\n(فَكُلُوهُ هَنِيئًا) أي: حال الأكل، بكونه مستساغًا طيبًا لذيذًا.\n(مَرِيئًا) أي: بعد الأكل محمود العاقبة، لا تنغيص فيه ولا كدر ولا مشقة، سهل الهضم ينفع ولا يضر.\n• والمقصود هنا أنه حلال لهم خالص عن الشوائب، وخص الأكل لأنه معظم ما يراد بالمال، وإن كانت سائر الانتفاعات به جائزة كالأكل.\n• قال الرازي: معنى الآية: فإن وهبن لكم شيئًا من الصداق عن طيبة النفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن، أو سوء معاشرتكم معهن، فكلوه وأنفقوه، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب، ووجوب الاحتياط، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال (فَإِن طِبْنَ) ولم يقل: فإن وهبن أو سمحن، إعلامًا بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة.\n• وقال الشوكاني: قوله (فإن طبن) دليل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس.","vol":"4","page":314},{"text":"• وقال الرازي: الهنيء والمريء: صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغًا لا تنغيص فيه، وقيل: الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما يحمد عاقبته، وقيل: ما ينساغ في مجراه، وقيل: لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة: المريء لمروء الطعام فيه وهو انسياغه.\n• وبالجملة فهو عبارة عن التحليل، والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1432>الفوائد:</span>\n١ - وجوب الصداق.\nوهو ما تعطاه المرأة من المال، أو ما يقوم مقامه عوضًا عن عقد النكاح عليها.\n• الحكمة من الصداق:\nأن الصداق إظهار لشرف هذا العقد وأهميته.\nأن فيه إعزاز للمرأة وتشريف لها.\nأن فيه الدليل على الرغبة في الزوجة.\nتمكين المرأة من تجهيز نفسها بما أحبت من لباس ونفقة وزينة.\n• وهو واجب، ونقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم على وجوبه.\nلقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).\nولأن الله تعالى قيّد الحل بقوله (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ).\nولأن النبي -ﷺ- لم يعذر الفقير الذي لم يجد خاتمًا من حديد حتى ألزمه أن يعلمها من القرآن.\nولأن شرط إسقاطه يجعل العقد شبيهًا بالهبة، والزواج بالهبة من خصائص النبي -ﷺ-.\n٢ - أن الصداق ملك للمرأة.\n٣ - يجب على الأزواج إيتاء نسائهم صدقاتهن على وجه النحلة طيبة بها نفوسهم من غير منّ ولا أذى أو مماطلة.\n٤ - لا يجوز أن يأخذ شيئًا من صداق زوجته، أو يسقطه، وكذلك لا يجوز للولي أن يأخذ شيئًا من صداق موليته.\n٥ - إذا أسقطت المرأة شيئًا من صداقها عن زوجها أو وهبته له أو لوليها بطيب نفس منها، فهو حلال لا شائبة فيه بوجه من الوجوه.\n(الأحد: ٤/ ١/ ١٤٣٣ هـ)","vol":"4","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1433>(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا).</span> [النساء: ٥].\n<hr><s0>\n\n(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) ينهى ﵎ عن إعطاء السفهاء الأموال التي بها تقوم مصالح العباد الدينية والدنيوية، فالدنيوية هي سبيل الحياة والمعاش، والدينية تقوم بها شعائر الدين مثل الزكاة والجهاد.\n• قال الرازي: في الآية قولان:\nالأول: أنها خطاب الأولياء فكأنه تعالى قال: أيها الأولياء لا تؤتوا الذين يكونون تحت ولايتكم وكانوا سفهاء أموالهم.\nوالدليل على أنه خطاب الأولياء قوله (وارزقوهم فِيهَا واكسوهم) وأيضًا فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما قبلها كما قررناه.\nفإن قيل: فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، فلم قال أموالكم؟\nقلنا: في الجواب وجهان:\nالأول: أنه تعالى أضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، الثاني: إنما حسنت هذه الإضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص، ونظيره قوله تعالى (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ) وقوله (وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم) وقوله (فاقتلوا أَنفُسَكُمْ) وقوله (ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ) ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضًا، وكان الكل من نوع واحد، فكذا ههنا المال شيء ينتفع به نوع الإنسان ويحتاج إليه.\nوالقول الثاني: أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم، لما كان في ذلك من الإفساد، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال إليهم حقيقة، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك.\n• السفيه: من لا يحسن التصرف، لقصور في عقله، إما لكونه مجنونًا، أو لكونه صغيرًا، أو لكونه غير رشيد، كمن يدفع ماله لشراء خمر أو آلات لهو، أو يدفع ماله في غير نفع ديني ولا دنيوي.\n• وقد قيل المراد بالسفهاء النساء، وقيل: الصغار، وقيل: النساء والصغار.\nقال الطبري: والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا، أن الله جل ثناؤه عم بقوله: \"ولا تؤتوا السفهاء أموالكم\"، فلم يخصص سفيهًا دون سفيه. فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهًا ماله، صبيًا صغيرًا كان أو رجلًا كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى.\nو\"السفيه\" الذي لا يجوز لوليه أن يؤتِّيه ماله، هو المستحقُّ الحجرَ بتضييعه مالَه وفسادِه وإفسادِه وسوء تدبيره ذلك.","vol":"4","page":316},{"text":"• في الآية وجوب حفظ المال، وقد جاءت الشريعة بحفظ المال.\nقال تعالى (ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا).\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا).\nوقال تعالى (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا).\nوقال -ﷺ- (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) متفق عليه.\n(وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا) الرزق بمعنى العطاء، أي: أعطوهم منها طعامًا وشرابًا وسكنًا وغير ذلك مما يعطى لغيرهم حسب العرف.\n(وَاكْسُوهُمْ) الكسوة ما يكسى به البدن من ثوب وقميص وسراويلات وإزار ورداء ونحو ذلك مما يحتاجونه كسوة لأبدانهم حسب العرف.\n(وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) أي: قولوا لهم قولًا لينًا طيبًا جميلًا لا غلظة فيه، كأن يقول الولي لمن تحت ولايته من اليتامى ونحوهم: المال لكم وسنحفظه لكم، ونعمل فيه لصالحكم، ثم نرده إليكم.\n• قوله (وقولوا لهم قولًا معروفًا) جمع بين الإحسان الفعلي والإحسان القولي، وهذا من أجمل أساليب التعامل وأحسنها وأكملها.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) أراد تليين الخطاب والوعدَ الجميل، واختُلف في القول المعروف؛ فقيل: معناه ادعوا لهم: بارك الله فيكم، وحاطكم وصنع لكم، وأنا ناظر لك، وهذا الاحتياط يرجع نفعه إليك.\nوقيل: معناه وعِدوهم وَعْدًا حسنًا؛ أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم.\nويقول الأب لابنه: مالي إليك مصيره، وأنت إن شاء الله صاحبُه إذا ملكت رشدك وعرفت تصرفك. أ هـ\n\n<span data-type='title' id=toc-1434>الفوائد:</span>\n١ - تحريم إعطاء السفهاء الأموال.\n٢ - ذم السفه.\n٣ - أن السفه موجب للحجر على الإنسان في ماله.\n٤ - حكمة الله في المال وهو أنه قيام للناس ولحاجاتهم، ولذلك هو من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها.\n٥ - تحريم إضاعة المال.\n٦ - تحريم الغلظة بالقول على من ولاه الله على أحد، بل ينبغي أن يقول قولًا طيبًا حسنًا.","vol":"4","page":317},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1435>(وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا).</span> [النساء: ٦].\n<hr><s0>\n\n(وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) الخطاب لمن عهد إليهم أمر اليتامى من الأوصياء، ولمن تولى كفالتهم من الأولياء بأمر الوالي الشرعي، أمروا أن يبتلوا اليتامى: أي: يختبرونهم، وذلك عند البلوغ أو قبله بيسير للتعرف على حسن تصرف اليتيم في ماله وحفظه وإصلاحه له، كأن يعطى شيئًا من المال فينظر هل يحسن التصرف، أو توكل إليه نفقة البيت فينظر كيف يتصرف أو غير ذلك، وإذا لم يحسن لا يدفع إليه ماله حتى لو بلغ.\n• قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بدفع مال اليتيم إليه بقوله (وَءاتُواْ اليتامى أموالهم) بين بهذه الآية متى يؤتيهم أموالهم، فذكر هذه الآية وشرط في دفع أموالهم إليهم شرطين: أحدهما: بلوغ النكاح، والثاني: إيناس الرشد، ولا بد من\nثبوتهما حتى يجوز دفع مالهم إليهم. أ. هـ\n• وقال الآلوسي: قوله تعالى (وابتلوا اليتامى) شروع في تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم وبيان شرطه بعد الأمر بإيتائها على الإطلاق.\n• وقال ابن عاشور: والابتلاء هنا: هو اختبار تصرّف اليتيم في المال باتّفاق العلماء.\n(حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) أي: بلغوا سن النكاح، وذلك بالاحتلام، وذلك أنه بالاحتلام يبلغ مبلغ الرجال وتجب عليه التكاليف، كما قال -ﷺ- (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق) رواه أبو داود، أو بالإنزال يقظة، أو ببلوغ خمسة عشر عامًا، أو بإنبات الشعر الخشن.\n• قال الرازي: المراد من بلوغ النكاح هو الاحتلام المذكور في قوله (وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم).\n(فَإِنْ آنَسْتُمْ) أي: أبصرتم ورأيتم؛ ومنه قوله تعالى (آنس من جانب الطور نارًا) أي: أبصر ورأى.\n(مِنْهُمْ رُشْدًا) أي: من اليتامى رشدًا، والرشد: حسن التصرف، وضده السفه.\n(فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) أي: أعطوا أيها الأوصياء والأولياء اليتامى أموالهم ولا تحبسوها عنهم، وبادروا بإيصالها إليهم إبراء للذمة.\n• قوله تعالى (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) معنى ذلك أنه إذا لم يؤنس منهم الرشد لا تدفع إليهم أموالهم، بل يستمرون تحت ولاية الأولياء عليهم لأنهم لا يزالون سفهاء لم يتبين رشدهم.","vol":"4","page":318},{"text":"(وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا) لما أمر بدفع المال إليهم، نهاهم عن الإسراف فيها، والإسراف: مجاوزة الحد، وهو في كل شيء بحسبه، وهنا: المراد الإسراف في تبذيره واستخدامه في المعاصي، أو المبالغة في المباحات.\n• قال ابن عاشور: وهو تأكيد للنهي عن أكل أموال اليتامى الذي تقدّم في قوله (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) وتفضيح لحيلة كانوا يحتالونها قبل بلوغ اليتامى أشُدّهم: وهي أن يتعجّل الأولياء استهلاك أموال اليتامى قبل أن يتهّيئوا لمطالبتهم ومحاسبتهم، فيأكلوها بالإسراف في الإنفاق، وذلك أنّ أكثر أموالهم في وقت النزول كانت أعيانًا من أنعام وتمر وحبّ وأصواف فلم يكن شأنها ممّا يكتم ويختزن، ولا ممّا يعسر نقل الملك فيه كالعقار، فكان أكلها هو استهلاكها في منافع الأولياء وأهليهم، فإذا وجد الوليّ مال محجوره جَشِع إلى أكله بالتوسّعِ في نفقاته ولباسه ومراكبه وإكرام سمرائه ممّا لم يكن ينفق فيه مال نفسه، وهذا هو المعنى الذي عبّر عنه بالإسراف، فإنّ الإسراف الإفراط في الإنفاق والتوسّع في شؤون اللذات.\n(وَبِدَارًا) أي: مبادرة واستعجالًا، والمعنى: أي: لا تأكلوا أموال اليتامى مستعجلين في أكلها قبل إعطائها اليتامى، تبادرون كبرهم، لأنهم إذا كبروا في الغالب وبلغوا زال عنهم السفه، فزالت عنهم الولاية، ووجب رد أموالهم إليهم.\n(أَنْ يَكْبَرُوا) أي: قبل أن يكبروا.\n• قال ابن كثير: ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية إسرافًا ومبادرة قبل بلوغهم.\n(وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) أي: ومن كان من الأولياء والأوصياء على السفهاء من اليتامى وغيرهم غنيًا، أي عنده من المال ما يكفيه ولا يحتاج إلى مال من تحت ولايته، فليستعفف وليستغن عن مال اليتيم، وليتنزه عنه، وليقنع بما أعطاه اللّه من رزق وفير إشفاقًا على مال اليتيم.\n• والاستعفاف عن الشيء تركه. يقال: عف الرجل عن الشيء واستعف إذا أمسك عنه.\nوالعفة: الامتناع عما لا يحل.\n• جعل الشرع أكل مال اليتيم بالباطل من السبع الموبقات المهلكات - كما قال -ﷺ- (اجتنبوا السبع الموبقات: … وذكر منها: وأكل مال اليتيم ..\nولكونه أمانة عظيمة قد يعجز عنها كثيرون قال النبي -ﷺ- لأبي ذر - ضمن نصائح له - (ولا تولينَّ مال يتيم) رواه مسلم.","vol":"4","page":319},{"text":"(وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) أي: ومن كان من الأولياء والأوصياء فقيرًا، ليس عنده شيء، أو عنده شيء يسير لا يكفي لحاجته، فليأخذ من مال اليتيم جزاء عمله على حفظه ورعايته، لكن يأخذ بالمعروف حسب العرف.\n• واللام في قوله (فليأكل) للإباحة.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) بين الله تعالى ما يحل لهم من أموالهم؛ فأمر الغني بالإمساك وأباح للوصي الفقير أن يأكل من مال ولِيّه بالمعروف.\nيقال: عفّ الرجل عن الشيء واستعف إذا أمسك.\nوالاستعفاف عن الشيء تركه، ومنه قوله تعالى (وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا) والعِفّة: الامتناع عما لا يحل ولا يجب فعله.\n• فإن كان الولي ينفق على اليتيم من ماله (أي من مال الولي) ويدخر مال اليتيم لوقت الشدة، فلا يخلو من حالين:\nالأولى: أن يكون متبرعًا بالنفقة على اليتيم ولا ينوي أن يستردها في يوم من الأيام، فلا يجوز له أخذ شيء من مال اليتيم على أنه مقابل النفقة التي أنفقها عليه.\nالثانية: أن ينوي استرداد جزء مما ينفقه على اليتيم إذا احتاج إلى ذلك، فهو على نيته، فإذا احتاج إلى مال فله الأخذ من مال اليتيم، بشرط أن لا يزيد ما أخذه على ما أنفقه عليه.\n(فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) أي: إذا دفعتم وأعطيتم أيها الأولياء والأوصياء هؤلاء اليتامى أموالهم، بعد أن يحسنوا التصرف في أموالهم.\n• كرر الله كلمة (أموالهم) للتأكيد على وجوب حفظ أموال اليتامى ودفعها إليهم كاملة سالمة.\n• جاء سبحانه بكلمة (دفعتم) بدلًا من (أعطيتم) لأن الدفع يتضمن معنى إعطاء اليتامى أموالهم مباشرة بدون ممانعة أو مماطلة، فلا يكلفهم المطالبة، ولا يسلك الولي والوصي سبيل المماطلة والممانعة، فيتعب اليتيم والسفيه في أخذ ماله، بل يجب أن يدفع إليه ماله مباشرة.\n(فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) هذا أمر من الله للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم، لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه.\n• قال الرازي: اعلم أن الأمة مجمعة على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد صيرورته بالغًا، فإن الأولى والأحوط أن يشهد عليه لوجوه:\nأحدها: أن اليتيم إذا كان عليه بينة بقبض المال كان أبعد من أن يدعي ما ليس له.\nوثانيها: أن اليتيم إذا أقدم على الدعوى الكاذبة أقام الوصي الشهادة على أنه دفع ماله إليه.\nثالثها: أن تظهر أمانة الوصي وبراءة ساحته.","vol":"4","page":320},{"text":"• فهذا الإشهاد: أبعد عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأدخل في الأمانة وبراءة الساحة.\n(وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) أي: ما أعظم كفاية الله في محاسبته لعباده، ومعنى حسيبًا: أي: محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على العباد وأعمالهم، ومجازيًا لهم عليها.\n• قال ابن كثير: أي وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال، هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مبخوسة مدخلة مروج حسابها مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله -ﷺ- قال: يا أبا ذر! إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمّرنّ على اثنين، ولا تلينّ مال يتيم. رواه مسلم\n• قال السعدي: الحسيب: هو العليم بعباده، كافي المتوكلين، المجازي لعباده بالخير والشر، بحسب حكمته وعلمه بدقيق أعمالهم وجليلها.\n• ففي الآية تهديد للأولياء والأوصياء وتحذير لهم من الخيانة.\n• من أسماء الله الحسيب، المحاسب الذي أحصى كل شيء على عباده ويوم القيامة يحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم.\nوهذا يثمر في قلب المؤمن الخوف والوجل من الله، ومحاسبة النفس، والاستعداد لهذا الحساب بالطاعات واجتناب المحرمات ومظالم العباد، لأنه سيقف بين يدي الحكم العدل الذي قال عن نفسه سبحانه (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ).\nوقال تعالى (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ).\nوقال تعالى (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).","vol":"4","page":321},{"text":"وويل لمن نسي الحساب ولم يعمل له؛ قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ).\nومن لا يؤمن بالحساب يتكبر؛ قال تعالى (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ).\nوهناك أناس لا يصيبهم أهوال وشدائد يوم القيامة؛ قال -ﷺ- (سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: …).\n\n<span data-type='title' id=toc-1436>الفوائد:</span>\n١ - وجوب اختبار اليتامى قبل دفع الأموال لهم.\n٢ - أن المال يدفع لليتيم بشرطين: إذا بلغ، وإذا رشد.\n٣ - عناية الله تعالى بالأيتام.\n٤ - أنه يجب على الولي والوصي على مال اليتيم أن يحفظه.\n٥ - أهمية المال في الشريعة الإسلامية، ولذلك حرمت إضاعته.\n٦ - أن المال به تقوم مصالح الناس الدنيوية والدينية، ولذلك هو من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية بحفظها.\n٧ - في الآية إشارة إلى وجوب المسارعة في رد المال لليتامى.\n٨ - في الآية إشارة إلى أن بعض الأولياء يتعجلون في أكل أموال اليتامى قبل البلوغ.\n٩ - يجب على من كان غنيًا من الأولياء أن يتعفف عن أموال اليتامى.\n١٠ - الأمر بالإشهاد عند دفع الأموال لليتامى.\n١١ - حرص الشريعة في إبعاد المسلم عن كل ما يؤدي إلى النزاع والشقاق. (الثلاثاء: ٦/ ١/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"4","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1437>(لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (٧».</span> [النساء: ٧].\n<hr><s0>\n\n(لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) قال ابن زيد: كان النساء لا يورَّثن في الجاهلية من الآباء، وكان الكبير يرث، ولا يرث الصغير وإن كان ذكرًا، فقال الله ﵎: (للرجال نصيب مما ترك …) الخ.\n• قال ابن الجوزي: المراد بالرجال: الذكور، وبالنساء: الإناث صغارًا كانوا أو كبارًا.\n• قال ابن كثير في معنى الآية: أي الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم، بما يدلي به إلى الميت من قرابة أو زوجية أو ولاء.\n• قوله (نصيب) أي حظ، ولم يبينه هنا، ولكن بينّه في آيات ستأتي، والإجمال ثم التفصيل من البلاغة التامة، لأن الشيء إذا أجمِل بقيت النفوس تتطلع إلى تفصيله، فيأتي التفصيل والنفوس متطلعة إليه.\n• وإنما جاءت الآية على هذا الوجه من الإطناب والتنصيص على نصيب النساء بمفردهن، كما نص على نصيب الرجال ولم يقل (للرجال وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون) مع أن هذا أخصر وأوجز، لأن الغرض من ذلك توكيد نصيب النساء في الميراث وأصالتهن في ذلك، لأنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان.","vol":"4","page":323},{"text":"(مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ) أي: لكل من الرجال والنساء نصيب مما خلف الميت من الميراث قليلًا كان هذا الميراث أو كثيرًا، فلا يقال: لا نصيب للنساء أو لا نصيب للصغار إذا كان الميراث قليلًا.\n(نَصِيبًا) أي: قسمة.\n(مَفْرُوضًا) أي: مقطوعًا به واجبًا.\n• قال القرطبي: قال علماؤنا: في هذه الآية فوائد ثلاث:\nإحداها: بيان علة الميراث وهي القرابة.\nالثانية: عموم القرابة كيفما تصرّفت من قريب أو بعيد.\nالثالثة: إجمال النصيب المفروض.\nوذلك مبين في آية المواريث؛ فكان في هذه الآية توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي.\n• سؤال: فإن قيل: لما قال (مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) دخل فيه القليل والكثير، فما فائدة قوله (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ)؟\nقلنا: إنما قال ذلك على جهة التأكيد والإعلام أن كل تركة يجب قسمتها لئلا يتهاون بالقليل من التركات ويحتقر فلا يقسم وينفرد به بعض الورثة. (تفسير الرازي).\n\n<span data-type='title' id=toc-1438>الفوائد:</span>\n١ - أن لكل من الرجال والنساء نصيب من الميراث.\n٢ - إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من عدم توريث المرأة.\n٣ - بيان أن الإسلام هو الذي كرم المرأة فعلًا.\n٤ - تأكيد نصيب النساء في الميراث.\n٥ - وجوب قسمة ما تركه الميت من الميراث بين الوارثين من الرجال والنساء.\n٦ - لا يجوز التهاون بشيء مما خلفه الميت قليلًا أو كثيرًا.","vol":"4","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1439>(وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (٨».</span> [النساء: ٨].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ) أي: وإذا حضر قسمة الميراث.\n• قال الرازي: اعلم أن قوله تعالى (وَإِذَا حَضَرَ القسمة) ليس فيه بيان أي قسمة هي، فلهذا المعنى حصل للمفسرين فيه أقوال: الأول: أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن النساء أسوة الرجال في أن لهن حظًا من الميراث، وعلم تعالى أن في الأقارب من يرث ومن لا يرث، وأن الذين لا يرثون إذا حضروا وقت القسمة، فإن تركوا محرومين بالكلية ثقل ذلك عليهم، فلا جرم أمر الله تعالى أن يدفع إليهم شيء عند القسمة حتى يحصل الأدب الجميل وحسن العشرة.\n• وقال ابن الجوزي: قوله تعالى (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ …) في هذه القسمة قولان:\nأحدهما: قسمة الميراث بعد موت الموروث، فعلى هذا يكون الخطاب للوارثين، وبهذا قال الأكثرون.\nوالثانية: أنها وصية الميت قبل موته، فيكون مأمورًا بأن يعيّن لمن لا يرثه شيئًا.\n(أُوْلُواْ الْقُرْبَى) أي: قرابة الميت وقرابة الورثة، والمراد منهم: من ليس بوارث منهم، لأن الوارثين هم المقسوم عليهم، ولكل منهم نصيب مفروض مقدر.\n• قال البقاعي: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى) أي ممن لا يرث صغارًا أو كبارًا.\n• وقال ابن الجوزي: والمراد بأولي القربى، الذين لا يرثون.\n• قدم (أولي القربى) على اليتامى والمساكين، لأن الصدقة لأولي القربى أولى، كما قال تعالى (يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ).\nوقال -ﷺ- لأبي طلحة في شأن صدقته (اجعلها في قرابتك) وقال -ﷺ- (الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي القربى صدقة وصلة).\n(وَالْيَتَامَى) واليتيم تقدم وهو من مات أبوه وهو لم يبلغ.","vol":"4","page":325},{"text":"(وَالْمَسَاكِينُ) جمع مسكين، وهو من لا يجد تمام كفايته، سموا بذلك، لأن الفقر أذله وأسكنه، وقد استعاذ النبي -ﷺ- من الفقر والجوع، فعن أبي هريرة. أن النبي -ﷺ- كان يقول (اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع) رواه أبو داود، وفي حديث أبي بكرة. أن النبي -ﷺ- كان يقول دبر كل صلاة (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر). رواه النسائي قال الرازي: إنما قدم اليتامى على المساكين لأن ضعف اليتامى أكثر، وحاجتهم أشد، فكان وضع الصدقات فيهم أفضل وأعظم في الأجر.\n(فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) أي: من المال الموروث المقسوم بحضرتهم، تطييبًا لخاطرهم ولنفوسهم، فإن النفوس تتوق للمال إذا رأته يوزع على هذا وعلى هذا وهم لا نصيب لهم. و(من) للتبعيض.\n• قال الشوكاني: قوله تعالى (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) شرع الله سبحانه أنهم إذا حضروا قسمة التركة كان لهم منها رزق، فيرضخ لهم المتقاسمون شيئًا منها. وقد ذهب قوم إلى أن الآية محكمة، وأن الأمر للندب. وذهب آخرون إلى أنها منسوخة بقوله تعالى (يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم) والأوّل أرجح، لأن المذكور في الآية للقرابة غير الوارثين ليس هو من جملة الميراث حتى يقال إنها منسوخة بآية المواريث.\n• واختلف العلماء في الأمر في قوله (فارزقوهم) هل هو للوجوب أو الاستحباب، فقيل: للوجوب لظاهر الآية، وقيل: للاستحباب، وهذا أرجح.\n• قال ابن عاشور: والأمر في قوله (فارزقوهم منه) محمول عند جمهور أهل العلم على الندب من أوّل الأمر، إذ ليس في\nالصدقات الواجبة غير الزكاة، لأنّ النبي -ﷺ- قال للأعرابي لمّا قال له: هل عليّ غيرها؟ لا إلاّ أنّ تطَّوّع، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وفقهاء الأمصار.\n• قال السعدي: قوله تعالى (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) أي: أعطوهم ما تيسر من هذا المال الذي جاءكم بغير كد ولا تعب، ولا عناء ولا نَصَب، فإن نفوسهم متشوفة إليه، وقلوبهم متطلعة، فاجبروا خواطرهم بما لا يضركم وهو نافعهم.\nويؤخذ من المعنى أن كل من له تطلع وتشوف إلى ما حضر بين يدي الإنسان، ينبغي له أن يعطيه منه ما تيسر، كما كان النبي -ﷺ- يقول (إذا جاء أحدَكم خادمُه بطعامه فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين) أو كما قال.","vol":"4","page":326},{"text":"وكان الصحابة -﵃- إذا بدأت باكورة أشجارهم- أتوا بها رسول الله -ﷺ- فبرَّك عليها، ونظر إلى أصغر وليد عنده فأعطاه ذلك، علمًا منه بشدة تشوفه لذلك.\n• وتطييب الخواطر أمر جاءت به الشريعة:\nأ-كما في هذه الآية.\nب-وجاء في حديث البراء: لما اعتمر النبي -ﷺ- … الحديث وفيه: فخرج النبي -ﷺ- فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولها عليّ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك فحملها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، … فقضى بها النبي -ﷺ- لخالتها، وقال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا. رواه البخاري.\nج- وقال تعالى (وللمطلقات متاع بالمعروف …).\nد-ومن ذلك: (أن أمَة سوداء أتت النبي -ﷺ- ورجع من بعض مغازيه، فقالت: إني نذرت إن ردك الله صالحًا أن أضرب عندك بالدف، فقالت: إن كنتِ فعلت فافعلي، وإن كنت لم تفعلي فلا تفعلي) رواه الترمذي.\n(وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) أي: قولوا لمن حضر قسمة الميراث قولًا معروفًا لا ينكره الشرع، بل لينًا طيبًا تطيب به نفوسهم، لكي يجمع بين الإحسان الفعلي والإحسان القولي، وهذا غاية المطلوب في حقهم.\n• قال الرازي: الأشبه هو أن المراد بالقول المعروف أن لا يتبع العطية المن والأذى بالقول أو يكون المراد الوعد بالزيادة والاعتذار لمن لم يعطه شيئًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1440>الفوائد:</span>\n١ - مشروعية إعطاء من حضر قسمة الميراث من الأقارب غير الوارثين واليتامى والمساكين.\n٢ - جواز قسمة الميراث بحضور آخرين ليسوا وارثين.\n٣ - استحباب جبر الخواطر وعدم كسرها.\n٤ - فضل الإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين.\n٥ - مراعاة الإسلام للمشاعر.\n(السبت: ١٠/ ١/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"4","page":327},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1441>(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا (٩».</span> [النساء: ٩].\n<hr><s0>\n\n(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ) قيل: نزلت في الأوصياء كما ذهب إليه طائفة من المفسرين، وفيه وعظ لهم بأن يفعلوا باليتامى الذين في حجورهم ما يحبون أن يفعل بأولادهم من بعدهم.\n• قال ابن كثير: وقيل المراد بقوله (… فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ) في مباشرة أموال اليتامى (ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا) حكاه\nابن جرير عن ابن عباس، وهو قول حسن، يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلمًا، أي: كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذرياتهم إذا وليتهم.\n• وقال الرازي لما ذكر الأقوال في الآية: … القول الرابع: أن هذا أمر لأولياء اليتيم، فكأنه تعالى قال: وليخش من يخاف على ولده بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره إذا كان في حجره، والمقصود من الآية على هذا الوجه أن يبعثه ﷾ على حفظ ماله، وأن يترك نفسه في حفظه والاحتياط في ذلك بمنزلة ما يحبه من غيره في ذريته لو خلفهم وخلف لهم مالًا.\n• قال القاضي: وهذا أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام، فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها، ولا شك أنه من أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود.\nوقال آخرون: إن المراد بهم من يحضر الميت عند موته، أمروا بتقوى الله، وبأن يقولوا للمحتضر قولًا سديدًا من إرشادهم إلى التخلص عن حقوق الله وحقوق بني آدم، وإلى الوصية بالقرب المقربة إلى الله سبحانه، وإلى ترك التبذير بماله وإحرام ورثته، كما يخشون على ورثتهم من بعدهم لو تركوهم فقراء عالة يتكففون الناس [قاله الشوكاني].\n• وقال الآلوسي: قيل: إنه أمر لمن حضر المريض من العوّاد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضرّ بهم بصرف المال عنهم، ونسب نحو هذا إلى الحسن وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير.","vol":"4","page":328},{"text":"(فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأداء ما يجب عليهم من حقوق لليتامى والمساكين والورثة وغيرهم من أصحاب الحقوق، وأن يحذروا من الجور والظلم.\n• قال الرازي: لا شك أن قوله (وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ) يوجب الاحتياط للذرية الضعاف.\n(وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) القول السديد هو القول الصواب العدل الموافق للشريعة.\nسمي سديدًا لأنه يسد مكانه، فيناسب الحال والمقام، فأحيانًا يكون القول اللين هو السديد، وأحيانًا يكون القول الشديد هو السديد، فلكل مقام مقال.\nوقد قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).\n• قال الآلوسي: قوله تعالى (وَلِيَقُولُواْ) لليتامى أو للمريض أو لحاضري القسمة، أو ليقولوا في الوصية (قَوْلًا سَدِيدًا) فيقول الوصي لليتيم ما يقول لولده من القول الجميل الهادي له إلى حسن الآداب ومحاسن الأفعال، ويقول عائد المريض ما يذكره التوبة والنطق بكلمة الشهادة وحسن الظن بالله، وما يصده عن الإشراف بالوصية وتضييع الورثة، ويقول الوارث لحاضر القسمة ما يزيل وحشته، أو يزيد مسرته ويقول الموصي في إيصائه ما لا يؤدي إلى تجاوز الثلث.\n\n<span data-type='title' id=toc-1442>الفوائد:</span>\n١ - التحذير من أكل أموال اليتامى ظلمًا، وتذكير من يفعل ذلك بأنه قد يحصل مثل ذلك لأولادهم.\n٢ - يجب على الإنسان أن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه، فكما يحب أن يعامل أولاده بعد موته معاملة طيبة، فكذلك يجب عليه هو أن يعامل أولاد الناس معاملة طيبة، وفي الحديث (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه).\n٣ - وجوب تقوى الله، وإعطاء كل ذي حق حقه.\n٤ - أن من علامات التقوى الحرص على أداء الحقوق.\n٥ - من علامات ضعف التقوى التهاون في أداء الحقوق.\n٦ - ينبغي على المسلم أن يختار لقوله: أن يكون سديدًا.\n٧ - التحذير من الكلام غير السديد.\n٨ - أن الكلام الطيب السديد له تأثير في القلوب.\n٩ - التذكير بقوله -ﷺ- (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت). متفق عليه","vol":"4","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1443>(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠».</span> [النساء: ١٠].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) أي: يتلفونها بأي طريقة كانت، سواء بسرقة أو عبث بها أو التصرف فيها لنفسه.\n• خص الأكل بالذكر، لأنه أعم وجوه الانتفاع بالمال وأهمها، وهو كسوة البطن، وأهم ما يجمع المال من أجله.\n(إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) قيل: ما يأكلون في بطونهم إلا ما يوجب لهم النار ويؤول بهم إليها، وقيل: ما يأكلون إلا نارًا تشتعل وتتأجج في بطونهم، وهذا أصح، لأن الجزاء من جنس العمل.\n• وذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها للتوكيد والمبالغة.\nكقوله تعالى (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ)، وكقوله تعالى (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) وكما يقال: أبصرت بعيني.\n• قال أبو حيان: وعرض بذكر البطون لخستهم وسقوط هممهم والعرب تذم بذلك.\n(وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) أي: سيدخلون نار متوقدة مشتعلة ويحرقون فيها ويقاسون حرها، قال ابن كثير في قوله تعالى (سأصليه سقر) أي: سأغمره فيها من جميع جهاته.\n• قوله (سعيرًا) بمعنى مسعورة متوقدة مشتعلة، والمراد شدة حر جهنم.\n• والآية دليل على أن أكل مال اليتيم من كبائر الذنوب.\nكما قال تعالى (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا).\nوقال تعالى في هذه الآية (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا).\nوقال تعالى (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ).\nوقال -ﷺ- (اجتنبوا السبع الموبقات: … وذكر منها: وأكل مال اليتيم) متفق عليه.\nوعن أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (أحرّج مال الضعيفين: المرأة واليتيم) أي: أوصيكم باجتناب مالهما.\n• قال الرازي: وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى، لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى.","vol":"4","page":330},{"text":"• قال السعدي: قوله تعالى (ظلمًا) أي: بغير حق، وهذا القيد يخرج به ما تقدم من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى.\n• وقال الرازي: دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم، وإلا لم يكن لهذا التخصيص فائدة، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1444> بعض الأسباب التي تكون سببًا في دخول النار:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1445>أولًا: أكل مال اليتيم.</span>\nكما في هذه الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1446>ثانيًا: الشرك بالله تعالى.</span>\nقال تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).\nوقال -ﷺ- (من مات وهو يدعو الله ندًا دخل النار) رواه البخاري.\n\n<span data-type='title' id=toc-1447>ثالثًا: الكذب على رسول الله -ﷺ</span>-.\nقال رسول الله -ﷺ- (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1448>رابعًا: الكلمة من سخط الله.</span>\nقال رسول الله -ﷺ- (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا تهوي به في النار سبعين خريفًا) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1449>خامسًا: تعذيب الحيوان.</span>\nقال -ﷺ- (عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْض) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1450>سادسًا: غش الرعية.</span>\nقال -ﷺ- (أيما راعٍ غش رعيته فهو في النار) رواه الأمام أحمد.","vol":"4","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1451>سابعًا: التبرج والسفور.</span>\nقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا). رواه مسلم\n\n<span data-type='title' id=toc-1452>ثامنًا: الهجر والتقاطع.</span>\nقال -ﷺ- (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فمن هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار) رواه أبو داود.\n\n<span data-type='title' id=toc-1453>تاسعًا: اللعن وكفران العشير.</span>\nقال النبي -ﷺ- للنساء (يا معشر النساء تصدقنَ فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة: لما يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير) رواه البخاري. معنى العشير: الزوج.\n\n<span data-type='title' id=toc-1454>عاشرًا: الجسم الذي نبت بالحرام.</span>\nقال -ﷺ- (أيما جسم نبت على سحت فالنار أولى به) رواه أحمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1455>الحادي عشر: ظلم الناس بأخذ حقوقهم.</span>\nقال -ﷺ- (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة وإن كان قضيبًا من أراك) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1456>الثاني عشر: الفجور</span>\nقال -ﷺ- (… وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1457>الثالث عشر: قتل النفس وهو الانتحار والعياذ بالله.</span>\nقال النبي -ﷺ- (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ فيها في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بسم\nفسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) متفق عليه.","vol":"4","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1458>الرابع عشر: القاضي الذي يعرف الحق ولا يقضي به.</span>\nقال -ﷺ- (القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو بالجنة، ورجل عرف الحق ولم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس جهلًا فهو في النار). رواه أبو داود\n\n<span data-type='title' id=toc-1459>الخامس عشر: المكر والخداع.</span>\nقال -ﷺ- (المكر والخديعة في النار).\n\n<span data-type='title' id=toc-1460>الفوائد:</span>\n١ - تحريم أكل أموال اليتامى وأنه من الكبائر.\n٢ - حرص الشريعة على الضعفاء والاهتمام بأمورهم.\n٣ - إثبات النار.\n٤ - إثبات شدة عذاب النار.\n٥ - أن أهل النار ليسوا على درجة واحدة في العذاب.\n٦ - بيان سبب من أسباب دخول النار وهو أكل أموال اليتامى ظلمًا. (الأحد: ١١/ ١/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"4","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1461>(يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا).</span> [النساء: ١١].\n<hr><s0>\n\nسبب النزول: عن جابر قال (خرجنا مع رسول الله -ﷺ- حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواف [اسم لحرم المدينة] فجاءت امرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول الله! هاتان بنتا ثابت بن قيس قتل معك يوم أحد، وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما كله، فلم يدع لهما مالًا إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله؟ فوالله لا تُنكحان أبدًا إلا ولهما مال، فقال رسول الله -ﷺ-: يقضي الله في ذلك، قال: ونزلت سورة النساء: يوصيكم الله في أولادكم ..، فقال رسول الله -ﷺ-: ادعوا لي المرأة وصاحبها، فقال لعمهما: أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فلك) رواه أبوداود.\n(يوصِيكُمُ اللَّهُ) أي: يأمركم ويعهد إليكم أيها المسلمون، والوصية هي العهد بأمر هام.\n• الوصية: العهد بالشيء والأمر به ولفظ الإيصاء أبلغ وأدل على الاهتمام من لفظ الأمر، لأنه طلب الحرص على الشيء والتمسك به.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (يُوصِيكُمُ الله في أَوْلَادِكُمْ) بيّن تعالى في هذه الآية ما أجمله في قوله (لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ) (وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ) فدلّ هذا على جواز تأخير البيان عن وقت السؤال.\nوهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وأُمّ من أُمّهات الآيات؛ فإن الفرائض عظيمة القدر حتى أنها ثُلث العلم، وروي نصفُ العلم، وهو أوّل علم يُنزع من الناس ويُنسى.","vol":"4","page":334},{"text":"• قال الرازي: اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ولذلك قال\n﵊ (فاطمة بضعة مني) فلهذا السبب قدم الله ذكر ميراثهم.\nواعلم أن للأولاد حال انفراد، وحال اجتماع مع الوالدين: أما حال الانفراد فثلاثة، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والإناث معًا، وإما أن يخلف الإناث فقط، أو الذكور فقط.\nالقسم الأول: ما إذا خلف الذكران والإناث معًا، وقد بين الله الحكم فيه بقوله (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين):؟؟؟\n(فِي أَوْلادِكُمْ) أي: يعهد إليكم في أولادكم أنفسكم.\n• والأولاد جمع ولد، يشمل الذكور والإناث بدليل قوله (للذكر مثل حظ الأنثيين).\n• قال ابن كثير: قوله تعالى (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ) أي: يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتجشُّم المشقة، فناسب أن يُعْطَى ضعْفَيْ ما تأخذه الأنثى.\n(لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) أي: للذكر منهم كبيرًا كان أو صغيرًا، غنيًا كان أو فقيرًا، مثل حظ الأنثيين: أي: مثل نصيب الأنثيين، والمراد حال اجتماع الذكور والإناث.\n• مثال: إنسان توفي وخلف ولدين فقط (ذكرًا وأنثى) وترك ميراثًا لهما مقداره ثلاثة آلاف ريال، فعلى ضوء الشريعة الإسلامية، تأخذ الأنثى (١٠٠٠) ويأخذ الذكر (٢٠٠٠).","vol":"4","page":335},{"text":"• قال ابن كثير: استنبط بعض الأذكياء من قوله (يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما في الحديث وقد رأى رسول الله -ﷺ- امرأة من السبي تدور على ولدها، فلما وجدته أخذته فألصقته بصدرها قال: فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها.\n• لماذا جاء التعبير (للذكر مثل حظ الأنثيين) ولم يقل (للأنثى نصف حظ الذكر)؟ مراعاة لأمرين:\nالأول: تقديمًا للذكر على الأنثى، لأنه أفضل من حيث العموم، لما له من القوامة في النفقة وغير ذلك.\nالثاني: إيثارًا للتعبير بالأحسن، لأن الحظ والنصيب فضل وزيادة، وأما النصف فنقص، فلا يكون إشعارًا بنقص حق الأنثى.\n• قوله (للذكر مثل حظ الأنثيين) قال القاسمي: إيثار اسمي (الذكر والأنثى) على ما ذكر أولًا من الرجال والنساء للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين في الاستحقاق من غير دخل للبلوغ والكبر في ذلك أصلًا، كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون الأطفال والنساء.\n• قوله (يوصيكم الله في أولادكم ..) يستثنى:\nالابن الكافر فلا يرث، لقوله -ﷺ- (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) متفق عليه.\nفلو هلك هالك عن ابن مسلم وابن كافر، فالميرات للابن المسلم.\nوكذلك الابن القاتل عمدًا فلا يرث.\n• لماذا أعطيت المرأة نصف نصيب الرجل؟\nالجواب: أن الشريعة الإسلامية قد فرقت بينهما في الإرث لحِكَم كثيرة منها:\nأولًا: أن المرأة مكْفِيّة المؤونة والحاجة، فنفقتها واجبة على ابنها أو أبيها أو أخيها أو غيرهم من الأقارب.\nثانيًا: المرأة لا تُكلّف بالإنفاق على أحد، بخلاف الرجل فإنه مكلّف بالأهل على الأهل والأقرباء، وغيرهم ممن تجب عليه نفقته.\nثالثًا: نفقات الرجل أكثر، والتزاماته المالية أضخم، فحاجته إلى المال أكبر من حاجة المرأة.","vol":"4","page":336},{"text":"رابعًا: الرجل يدفع مهرًا للزوجة، ويكلف بنفقة السكنى، وبالمطعم والملبس للزوجة والأولاد.\nخامسًا: أجور التعليم للأولاد، وتكاليف العلاج والدواء للزوجة والأبناء، يدفعها الرجل دون المرأة.\n• قال الشنقيطي: لأن القائم على غيره المنفق ماله عليه مترقب للنقص دائمًا، والمقوم عليه المنفق عليه المال مترقب للزيادة دائمًا، والحكمة في إيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة جبرًا لنقصه المترقب ظاهرة جدًا.\n• هناك أمور تكون الأنثى على النصف من الذكر وهي: العتق، والدية، والإرث، والعقيقة، والشهادة.\n(فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) أي: وإن كن الوارثات إناثًا فقط اثنتين فأكثر.\n(فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) أي: فللبنتين فأكثر ثلثا التركة.\n(وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) أي: وإن كانت الوارثة بنتًا واحدة (بلا معصب وهو أخوها ولا مشارك وهو أختها) فلها النصف، أي: نصف ما ترك أبوها أو أمها.\n• إذًا ميرات البنات كالتالي:\nإذا كانت واحدة فلها النصف بشرطين:\nالشرط الأول: عدم المشاركة وهي أختها أو أخواتها لقوله تعالى (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ).\nالشرط الثاني: عدم المعصب، وهو أخوها، فإن وجد فقد قال تعالى (يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ).\n• وإذا كن أكثر من واحدة فلهن الثلثان بشرطين:\nالشرط الأول: عدم المعصب، وهو أخوهن، لقوله تعالى (يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ).\nالشرط الثاني: تعددهن، ودليل ذلك حديث سعد بن الربيع، أن النبي -ﷺ- أعطى ابنتي سعد الثلثين.\n(وَلِأَبَوَيْه) أي: أبوي الميت.\n(لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) أي: للأم السدس، وللأب السدس.\n(مِمَّا تَرَكَ) أي: مما تركه الميت.\n(إِنْ كَانَ لَهُ) أي: للميت.\n(وَلَدٌ) أي: إن وجد للميت ابن أو بنت، لأن الولد يطلق على الذكر والأنثى.\n• فيشترط لإرث الأب السدس شرط واحد وجودي، وهو وجود الفرع الوارث لهذه الآية.\nوكذلك الأم ترث السدس إذا وجد فرع وارث للميت.\n• ذكر هنا ميراث الأصول (الأب والأم).\n(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ) أي: فإن لم يكن للميت ولد، أي: لم يكن له فرع وارث مطلقًا، لا أولاد ولا أولاد بنين لا ذكور ولا إناث.","vol":"4","page":337},{"text":"(وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) أي: فللأم ثلث التركة، ولم يذكر الأب هنا، لأن ميراثه بالتعصيب إذا لم يكن للميت ولد.\n• يشترط لإرث الأم الثلث عدم وجود الفرع الوارث ذكرًا أو أنثى، واحدًا أو متعددًا.\n(فَإِنْ كَانَ لَهُ) أي: للميت.\n(إِخْوَةٌ) سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم، وسواء كانوا ذكورًا أو إناثًا أو مختلطين، وارثين أو غير وارثين\n(فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) أي: فنصيب الأم يكون سدس ما خلفه.\n• وترث الأم السدس إذا وجد جمع من الإخوة لهذه الآية.\n• مثال: هلك هالك عن أم وأب وأخوين شقيقين: للأم السدس [لوجود جمع من الإخوة]، والباقي للأب، والإخوة يسقطون.\n• هلك هالك عن أم وابن، فللأم السدس والابن الباقي.","vol":"4","page":338},{"text":"• إذًا ميراث الأم إما أن يكون الثلث أو السدس؟\n• ترث الثلث بشرطين:\nالشرط الأول: عدم الفرع الوارث ذكرًا أو أنثى، واحدًا أو متعددًا.\nلقوله تعالى في هذه الآية (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ). فهذه الآية اعتبرت لإرث الأم الثلث عدم الولد، فلا تستحقه مع وجوده.\nالشرط الثاني: عدم الجمع من الإخوة، اثنان فأكثر سواء كانوا أشقاء، أم لأب أم لأم أم محتلفين.\nلقوله تعالى في هذه الآية (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ).\n• وترت السدس بشرطين:\nالشرط الأول: وجود الفرع الوارث، الشرط الثاني: أو وجود جمع من الإخوة.\nلقوله تعالى (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) ودليل اشتراط عدم الجمع من الإخوة قوله تعالى (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ).\n• ميراث الأب:\nيرث السدس بشرط واحد وهو وجود الفرع الوارث، لهذه الآية (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ)، فإن كان الفرع وارث ذكرًا فقط ليس للأب إلا السدس، وإن كان أنثى ورث السدس والباقي تعصيبًا.\nفإن لم يوجد فرع وارث مطلقًا ورث الباقي، كهالك عن أم وأب وأخوين شقيقين، للأم السدس لوجود جمع من الإخوة، وللأب الباقي، والإخوة يسقطون بالأب.\n(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا) أي: تستحقون ذلك الإرث بعد الوصية، أي أن الوصية مقدمة على الإرث\n• والوصية هي الأمر بالتبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت.\nقوله (بعد الموت) احترازًا من الهبة، فإنها تبرع في حال الحياة.\nمثال تبرع بمال: قال أوصيت لفلان بعد موتي بـ (١٠٠) ريال.\nمثال التصرف: وصيي على أولادي الصغار فلان.","vol":"4","page":339},{"text":"• والوصية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.\nقال تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين).\nقال تعالى (كُتِبَ عَلَيكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَينِ وَالأَقرَبِينَ بِالمَعرُوفِ).\nوعن ابن عمر - الذي ذكره المصنف - (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) متفق عليه.\nوقد أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية [قاله ابن قدامة]\n• والوصية تجري فيها الأحكام التكليفية الخمسة:\nتستحب: لمن ترك خيرًا وهو المال الكثير، كما سبق.\nوتحرم: بأكثر من الثلث لغير وارث لحديث سعد (الثلث والثلث كثير).\nوإنما مُنع الموصي من الزيادة على الثلث لأمرين:\nالأمر الأول: أن النبي -ﷺ- لم يأذن لسعد إلا بالثلث، فدل على أن الثلث هو النهاية وما زاد فهو ممنوع منه.\nالأمر الثاني: أن ما زاد على الثلث داخل في المضارة التي قال الله فيها (من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار).\nوتحرم أيضًا: لوارث بشيء. لقوله -ﷺ- (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث).\nتكره: وصية فقير وورثته محتاجون، لأن هذا يضر بالورثة.","vol":"4","page":340},{"text":"لقوله -ﷺ- لسعد (.. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).\nتجب: على من عليه دين، وفي ذمته حقوق ولديه أمانات وعهد، فإنه يجب أن يوضح ذلك كله بالكتابة الواضحة الجلية، التي تحدد الديون إن كانت حالة أو مؤجلة.\nتجوز: بكل ماله، لمن لا وارث له، وهذا مذهب جمهور العلماء.\nوهذا يفهم من حديث سعد، لأن النبي -ﷺ- منع من الزيادة على الثلث لحق الورثة، فدل على أن من ليس له ورثة، فلا مانع أن يزيد على الثلث، بل لا مانع أن يوصي بماله كله، لزوال المانع.\n• قوله (من بعد وصية) الوصية هنا مطلقة من حيث مقدارها، ولمن تكون، وقد دلت السنة على عدم جواز الزيادة على الثلث، كما قال -ﷺ- لسعد بن أبي وقاص لما استشار النبي -ﷺ- في وصيته قال (الثلث والثلث كثير) متفق عليه.\nوأيضًا دلت الأدلة على أنها لا تجوز لوارث بشيء لقوله -ﷺ- (لا وصية لوارث).\n• والحكمة من تحريم الوصية لوارث:\nما جاء في الحديث عن أبي أمامة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.\nورواه الدارقطني من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ (لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة) وحسنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام.\nقال ابن قدامة: إذا وصى لوارثه بوصية، فلم يُجزها سائر الورثة، لم تصح، بغير خلاف بين العلماء.\nقال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على هذا. وجاءت الأخبار عن رسول الله -ﷺ- بذلك فروى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) رواه أبو داود. وابن ماجه، والترمذي … وإن أجازها، جازت، في قول الجمهور من العلماء. (المغني).","vol":"4","page":341},{"text":"وقد أشار الحديث إلى الحكمة من منع الوصية للوارث، وهي: أنه يأخذ بذلك أكثر من الحق الذي جعله الله له في الميراث، فكان في الوصية للوارث زيادة على ما شرعه الله.\nوذكر ابن قدامة ﵀ في (المغني) حكمة أخرى، حاصلها: أن هذا التفضيل لبعض الورثة سيكون على حساب سائر الورثة، مما قد يكون سببًا لإيقاع العداوة والحسد بينهم.\nوقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: منع الإسلام الوصية للوارث لأنه من تعدي حدود الله ﷿، فإن الله ﷿ حدد الفرائض والمواريث بحدود قال فيها: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ).\nفإذا كان للإنسان بنت وأخت شقيقة مثلًا فإن من المعلوم أن للبنت النصف فرضًا، وللأخت الشقيقة الباقي تعصبًا، ولو أوصى للبنت في مثل هذه الحال بثلث ماله مثلًا لكان معنى ذلك أن البنت ستأخذ الثلثين، والأخت ستأخذ الثلث فقط، وهذا تعدي لحدود الله.\nوكذلك لو كان ابنان، فإن من المعلوم أن المال بينهما نصفان، فلو أوصى لأحدهما بالثلث مثلًا صار المال بينهما أثلاثًا، وهذا من تعدي حدود الله، فلذلك كانت حرامًا؛ لأنها لو أجيزت ما كان لتحديد المواريث فائدة، ولكان الناس يتلاعبون، وكُلٌّ يوصي لمن شاء فيزداد نصيبه من التركة ويَحْرِم من يشاء فينقص نصيبه.","vol":"4","page":342},{"text":"• الحكمة من تحريم الوصية بأكثر من الثلث:\nمنع الرسول -ﷺ- سعد بن أبي وقاص -﵁- من الوصية بأكثر من الثلث، فقال -﵇-: (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) رواه البخاري ومسلم.\nوقد أشار الرسول -ﷺ- في الحديث إلى الحكمة من هذا المنع، وهي أن يترك المال للورثة، فلا يحتاجون معه لسؤال الناس، وأن هذا خير له من أن يوصي ثم يترك ورثته فقراء.\nفأراد الرسول -ﷺ- بذلك: تحقيق العدل بين الوصية وبين حق الورثة في المال، وإذا كان الموصي يريد بالوصية الثواب، فإن تركه المال لورثته الفقراء المحتاجين إليه أكثر ثوابًا، فإن إعطاء القريب الفقير أفضل من إعطاء من ليس قريبًا.\nولهذا يستحب لمن كان ورثته فقراء، وكان ماله قليلًا بحيث لا يغني الورثة، يستحب له أن لا يوصي، ويترك المال لورثته.\n(أَوْ دَيْنٍ) أي: وبعد الدين، فلا تقسم التركة إلا بعد الوصية والدين.\n• قال الرازي: إنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد والوالدين، قال (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء إذا فضل عن الوصية والديْن، وذلك لأن أول ما يخرج من التركة الدين، حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق، فأما إذا لم يكن دين، أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء، فإن أوصى الميت بوصية أخرجت الوصية من ثلث ما فضل، ثم قسم الباقي ميراثًا على فرائض الله.\n• والدين كل ما ثبت في الذمة من قرض أو أجرة أو ثمن مبيع أو نحوها.\n• والمعنى: أن الميراث يقسم بين الورثة بعد إخراج ما يوجد من وصية شرعية أوصى بها الميت، أو دين كان عليه لله أو للآدميين، أو إخراجهما معًا إن وجدا جميعًا.\n• قوله (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) قدم الله ﷾ الوصية على الدين، وقد أجمع العلماء على أن الدين مقدم على الوصية.\nمثال: مات شخص وخلف (٣٠) ألف ريال، وعليه دين (٣٠) ألف وعنده وصية ألف ريال، فهنا نعطي المال لصاحب الدين وتسقط الوصية والورثة، لأن الدين استغرق التركة.","vol":"4","page":343},{"text":"• فلماذا قدم الله الوصية هنا مع أن الدين مقدم بالإجماع؟\nللعناية بها والاهتمام، ولأن إخراج الوصية قد يكون شاقًا على الورثة وربما تساهلوا فيه، فبدأ الله بها، ولأن صاحب الدين غالبًا يكون قويًا مطالبًا لأنه يطالب بحق.\n• قال الرازي: واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين:\nالأول: أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان إخراجها شاقًا على الورثة، فكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه، فلهذا السبب قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين في اللفظ بعثا على أدائها وترغيبًا في إخراجها\n، ثم أكد في ذلك الترغيب بإدخال كلمة (أو) على الوصية والدين، تنبيها على أنهما في وجوب الإخراج على السوية.\n• قال أبو السعود: وتقديمُ الوصيةِ على الديْن ذكرًا مع تأخّرها عنه حُكمًا لإظهار كمالِ العنايةِ بتنفيذها لكونها مظِنةً للتفريط في أدائها ولاطّرادها بخلاف الدَّين.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1462> ترتيب الحقوق المتعلقة بالتركة:</span>\nأولًا: مؤونة التجهيز للميت من كفن وأجرة مغسل وأجرة حافر قبر ونحو ذلك.\nلقول -ﷺ- في الرجل الذي وقصته ناقته (اغسلوه بماء وسدر) ولم يقل: هل عليه ديْن أو وصية، فدل على أن التجهيز مقدم على الوصية والدين.\nثانيًا: الدين الذي على الميت، وعليه فلو أن الدين استغرق جميع التركة، فإنه لا يبقى للورثة شيء.\nثالثًا: الوصية.\nرابعًا: الميراث.","vol":"4","page":344},{"text":"(آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) آباؤكم وأبناؤكم، لا تدرون أيهم الأقرب لكم نفعًا في الدنيا والآخرة، أهم الآباء أم الأبناء، وهل الأنفع لكم الآباء الأدنون أم الأجداد، أو الأبناء الكبار أم الصغار أم مَن بينهم.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) قيل: في الدنيا بالدعاء والصدقة؛ كما جاء في الأثر: إن الرجل ليُرفع بدعاء ولده من بعده، وفي الحديث الصحيح (إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث فذكر أو ولد صالح يدعو له)، وقيل: في الآخرة؛ فقد يكون الابن أفضلَ فيشفع في أبيه؛ عن ابن عباس والحسن.\nوقال بعض المفسرين: إن الابن إذا كان أرفَع من درجة أبيه في الآخرة سأل الله فَرفع إليه أباه، وكذلك الأب إذا كان أرفعَ من ابنه، وقيل: في الدنيا والآخرة؛ قاله ابن زيد، واللفظ يقتضي ذلك\n• وفي هذا إشارة إلى أنه ﷿ قسم المواريث على الوجه الأكمل، وأنه لو وكل ذلك إلى الناس ما عرفوا وجه الصواب في ذلك لعدم معرفتهم الأقرب نفعًا.\n(فريضَةً) أي: فرض الله ذلك فريضة، والفريضة شرعًا: ما أمر الله به على وجه الإلزام.\n(منَ اللَّهِ) أي: هذه الفريضة صادرة من الله لا من غيره، فهو الذي فرض هذه الفرائض وأوجبها، وقدرها بنفسه سبحانه، ولم يتول فرضها أحد سواه.\n(إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا) يعلم كل شيء، يعلم المستحق وغير المستحق، وعليم بمقدار ما يستحق كل شخص، فكل فعله سبحانه ناتج عن علم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1463> مباحث علم الله تعالى:</span>\nأولًا: فالله تعالى يعلم كل شيء، يشمل الجزئيات والكليات.\nقال تعالى (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا).\nوقال تعالى (عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).\nثانيًا: يعلم سبحانه الماضي والمستقبل.\nقال تعالى (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ).\n(ما بين أيديهم) الحاضر والمستقبل (وما خلفهم) الماضي.\nثالثًا: الله يعلم الخفايا وما في الصدور:\nكما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).\nوقال تعالى (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).\nوقال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). وقال تعالى (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ).","vol":"4","page":345},{"text":"رابعًا: وليس شيء يصل إلى الأرض أو يصعد من الأرض إلى السماء إلا قد أحاط الله به علمًا.\nقال تعالى (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ).\nخامسًا: ويعلم الأمور التي لن تكون كيف تكون لو كانت.\nكما قال تعالى عن الكفار حين يكونون في النار (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).\nوقال تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).\nوالمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أبدًا، لأن الله هو الذي ثبطهم عنها بحكمته بقوله (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) وهذا الخروج الذي لا يكون قد علم جل وعلا أن لو كان كيف يكون، كما صرح به في قوله (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ).\nسادسًا: ويستوي في علم الله السر والعلانية، والصغير والكبير والغيب والشهادة.\nقال تعالى (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)\nوقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).\nوقال تعالى (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).\nاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).\nسابعًا: وعلم الله لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان.\nقال تعالى (… قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى).\nوقال تعالى (… وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا).\nأما علم ابن آدم فمسبوق بجهل ويلحقه نسيان كما قال تعالى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا).\nثامنًا: علمنا قليل بالنسبة لعلم الله.","vol":"4","page":346},{"text":"قال تعالى (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا).\n• الآثار المترتبة من علمنا بأن الله عليم بكل شيء.\nأولًا: الخوف من الله وخشيته، ومراقبته في السر والعلن، لأن العبد إذا أيقن أن الله تعالى عالم بحاله مطلع على باطنه وظاهره، فإن ذلك يدفعه إلى الاستقامة على أمر الله ظاهرًا وباطنًا.\nثانيًا: اليقين بشمول علم الله تعالى لكل شيء في السماوات والأرض، وللبواطن والظواهر، يثمر في قلب العبد تعظيم الله تعالى وإجلاله والحياء منه، كما يعين على التخلص من الآفات القلبية التي تخفى على الناس ولكنها لا تخفى على الله كآفة الرياء، والحسد، والغل، والعجب، والكبر.\nقال ابن القيم: فإن قلت: فما السبيل إلى حفظ الخواطر، قلت: أسباب عدة، أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب سبحانه ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك، والثاني: حياؤك منه، والثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته\nالذي خلق لمعرفته ومحبته.\nثالثًا: إن يقين العبد بعلم الله تعالى الشامل لكل شيء، ومن ذلك علمه سبحانه بحال عبده المصاب وما يقاسيه من الآلام، إن ذلك يثمر في القلب الرجاء والأنس بالله ويدفع اليأس والقنوط من القلب.\nرابعًا: ونستفيد من معرفتنا أن الله عليم بكل شيء: وجوب مراقبة الله، لأن العاقل إذا علم أن الله ﷾ يعلم كل شيء، فسوف يراقب ربه، بلسانه وجنانه وأركانه، فبلسانه: لا ينطق بما حرم الله، وبجنانه: لا يعتقد بقلبه خلاف الحق، وبجوارحه: لا يستعملها في المحرمات، فيستعمل العين في النظر إلى الحرام، ويستعمل اليد في البطش الحرام، ويستعمل الآذان في السماع الحرام.\nوأيضًا نستفيد من معرفتنا أن الله عليم بكل شيء: الرغبة والنشاط والرجاء، لأن الإنسان يعلم أن الله يعلم بكل أعماله الصالحة، وأنه لن يضيع منها شيء.","vol":"4","page":347},{"text":"(حَكِيمًا) اسم من أسماء الله، ومعناه: الذي يضع الأمور في مواضعها، فكل فعل يفعله فهو لحكمة،\n• قال ابن جرير: هو الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.\n• وقال ابن كثير: الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالها بحكمته وعدله.\n• قال ابن القيم: وقد دلت العقول الصحيحة والفطر السليمة على ما دل عليه القرآن والسنة: أنه سبحانه (حكيم) لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة، لأجلها فعل كما فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل.\n• وقال السعدي: فالله لا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يشرع سدى، الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام الثلاثة لا يشاركه فيها مشارك، فيحكم بين عباده في شرعه، وفي قدره، وجزائه، والحكمة: وضع الأشياء مواضعها، وتنزيلها منازلها.\n• فهو سبحانه حكيم في صنعه، وحكيم في شرعه، فجميع مصنوعاته كلها محكمة، قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) وأما في الشرع فيقول سبحانه (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) فلا يمكن أن يوجد تناقض في القرآن أبدًا.\n• قال بعض العلماء: الحكمة تكون في صورة الشيء: أي أن خلق الإنسان على هذه الصورة لحكمة، وكذلك خلق الحيوان على هذه الصورة لحكمة.\nوتكون في غايته: أي: أن الغاية من خلق الإنسان لحكمة، وكذلك الحيوانات، وكذلك جميع المخلوقات، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1464> الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:</span>\nأولًا: أن الله خلق الخلق لحكمة عظيمة، وغاية جليلة وهي عبادته سبحانه حيث قال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). ولم يخلقهم عبثًا وباطلًا كما يظن الكفار والملاحدة، قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ). وقال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ).\nثانيًا: أن خلق الله محكم لا خلل فيه ولا قصور، قال تعالى (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ).","vol":"4","page":348},{"text":"ثالثًا: ونستفيد من معرفتنا أن الله حكيم في كل أفعاله: اقتناع الإنسان بما يجري عليه وما يوجبه الله عليه، لأن ما يجريه الله - ﷿ - من الأحكام مقرون بالحكمة، فإذا علمت هذا يقينيًا اقتنعت سواء كان هذا من الأحكام الكونية أو الأحكام الشرعية، حتى المصائب التي تنال العباد لاشك أن لها حكمة.\nرابعًا: الرضا بالقضاء والقدر.\n- ومناسبة ختم هذه الآية بهذين الاسمين: فيه دليل على أن هذه الأحكام التي فيها ناتج عن علم وحكمة.\n- وبالعلم والحكمة تتم الأمور، لأن تخلف الأمور سببه أحد أمرين: إما الجهل وإما السفه، فإذا وجد العلم ارتفع الجهل، وإذا وجدت الحكمة ارتفع السفه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1465>الفوائد:</span>\n١ - أن الله أرحم بالأولاد من والديهم.\n٢ - فضل علم الفرائض حيث تولى الله قسمتها بنفسه.\n٣ - بيان ميراث الفروع والأصول.\n٤ - حكمة الشرع في جعل للذكر مثل حظ الأنثيين.\n٥ - إثبات أنواع الإرث وهي نوعان:\nالأول: الإرث بالفرض.\nالثاني: الإرث بالتعصيب.\nفالفرض: نصيب مقدر شرعًا.\nوالتعصيب: كل من يرث بلا فرض.\n٦ - بيان الفروض المقدرة في كتاب الله وهي: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.\n٧ - مشروعية الوصية لقوله (من بعد وصية).\n٩ - أن الإنسان لا يدري من الأقرب له نفعًا.\n١٠ - وجوب إعطاء كل وارث نصيبه من الميراث.\n١١ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم - الحكيم. (الثلاثاء: ١٣/ ١/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"4","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1466>(ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ).</span> [النساء: ١٢]\n<hr><s0>\n\n(ولَكُمْ) الخطاب للرجال الأزواج.\n• واللام للتمليك، فلا يرث الزوج إلا إذا كان حرًا.\n(نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ) أي: نصف ما ترك أزواجكم من المال، لكن بشرط هو:\n(إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) أي: إن لم يوجد لهن ولد.\n• والولد يشمل الذكر والأنثى، ويشمل الواحد والمتعدد.\n• قوله تعالى (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) مفهوم إن كان لها ولد فلا يرث الزوج النصف، بل له نصيب سيذكره الله.\n(فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ) أي: فإن كان لأزواجكم ولد فلكم الربع مما تركن بعد وفاتهن.\n• قوله تعالى (لهن ولد) سواء كان الولد من هذا الزوج أو من زوج سابق.\n• إذًا ميرات الزوج: يكون بالنصف والربع: يستحق النصف بشرط واحد: وهو عدم وجود الفرع الوارث لهذه الآية (ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ).\nويستحق الربع إن كان للزوجة ولد، لهذه الآية (فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ).\n(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) تقدم.\n(وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ) أي: ولزوجاتكم واحدة فأكثر الربع مما تركتم من الميراث إن لم يكن لكم ولد منهن أو من غيرهن.\n(فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) أي: فإن لكم أيها الأزواج ولد فلزوجاتكم الثمن مما تركتم بعد وفاتكم.\n• والربع والثمن للزوجات، سواء كن واحدة أو متعددات، لأن الله لم يفرق بينهن.\n• إذًا ميرث الزوجة: إما الربع أو الثمن، تستحق الربع إذا لم يكن للزوج ولد، لهذه الآية (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ).","vol":"4","page":350},{"text":"وتستحق الثمن إذا كان للزوج ولد، لهذه الآية (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ).\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ …) الخطاب للرجال، والولد هنا بنو الصُّلب وبنو بنيهم وإن سَفَلوا، ذُكرانًا وإناثًا واحدًا فما زاد بإجماع.\nوأجمع العلماء على أن للزَّوج النصفَ مع عدم الولد أو ولد الولد، وله مع وجوده الربع.\nوترث المرأة من زوجها الرّبعَ مع فقد الولد، والثمن مع وجوده.\nوأجمعوا على أن حكم الواحدة من الأزواج والثنتين والثلاث والأربع في الربع إن لم يكن له ولد، وفي الثمن إن كان له ولد واحد، وأنهنّ شركاء في ذلك؛ لأن الله ﷿ لم يفرق بين حكم الواحدة منهنّ وبين حكم الجميع، كما فرق بين حكم الواحدة من البنات والواحدة من الأخوات وبين حكم الجميع منهن.\n• نستفيد أن من أسباب الميرات النكاح، وأسباب الإرث ثلاثة، قال الناظم:\nأسبابُ ميراثِ الورَى ثلاثهْ كل يفيدُ ربّه الوراثهْ\nوهي نكاحٌ وولاءٌ ونسبْ ما بعدَهن للمواريثِ سببْ\nويحصل الإرث بمجرد العقد، فلو عقد عليها ثم مات فإنه ترثه.\nعَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ اِمْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا اَلْعِدَّةُ، وَلَهَا اَلْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ - اِمْرَأَةٍ مِنَّا - مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ بِهَا اِبْنُ مَسْعُودٍ - رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ.\nهذا الحديث فيه ثلاث مسائل:\nالأولى: أن من مات عنها زوجها وقد عقد عليها، فعليها العدة (أربعة أشهر وعشرة أيام).\nوهذا مجمع عليه، لعموم الأدلة، كقوله تعالى (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) فهذه عامة في المدخول بها وغير المدخول بها.\nالثانية: أن لها الميراث من زوجها الذي عقد عليها ثم مات، لأنها زوجة، والإرث يثبت بمجرد العقد، إذ هو سببه وليس الوطء، وهذا أيضًا مجمع عليه.\nالثالثة: أن المرأة إذا مات زوجها ولم يفرض لها صداقًا (قبل الدخول) فإنها تستحق الصداق كاملًا، وذلك بأن يفرض لها مثل صداق نسائها.","vol":"4","page":351},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1467> الحكم لو طلق زوجته:</span>\nالمطلقة لا تخلو من ثلاث حالات:\nأولًا: أن يكون الطلاق رجعيًا، كالطلقة الأولى أو الثانية.\nفإن مات زوجها وهي في العدة فإنها ترثه بإجماع العلماء، وذلك لأن المطلقة الرجعية لا تزال زوجته ما دامت في العدة، فإن انقضت عدتها فلا ترث، لأنها صارت أجنبية من الزوج المطلق.\nثانيًا: أن يكون الطلاق بائنًا كالطلقة الثالثة، ويكون الطلاق في حال صحة الزوج.\nفإن مات زوجها فإنها لا ترثه بإجماع العلماء، لانقطاع الصلة بينها وبين زوجها المطلق.\nثالثًا: أن يكون الطلاق بائنًا كالطلقة الثالثة، ويكون الطلاق في حال مرض الزوج مرض موت، ويكون الزوج متهمًا بقصد حرمانها من الميراث، فقد اختلف العلماء في توريثها منه.\nفذهب الإمام الشافعي إلى أنها لا ترث، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنها ترث ما دامت في العدة، وذهب الإمام أحمد إلى أنها ترث ما لم تتزوج زوجًا آخر، معاملةً للزوج بنقيض قصده. (المغني).\nوقد اختار مذهب الإمام أحمد في هذا، جماعة من علمائنا المعاصرين، منهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين، والشيخ صالح بن فوزان الفوزان.\nوقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: هل ترث المرأة المطلقة التي توفي عنها زوجها وهي في فترة العدة أو بعد انقضاء العدة؟\nفأجاب: المرأة المطلقة إذا مات زوجها وهي في العدة فإما أن يكون الطلاق رجعيًا أو غير رجعي:\nفإذا كان الطلاق رجعيًا فهي في حكم الزوجة وتنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة، والطلاق الرجعي هو أن تكون المرأة طلقت بعد الدخول بها بغير عوض وكان الطلاق لأول مرة أو ثاني مرة، فإذا مات زوجها فإنها ترثه، لقول الله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وقوله تعالى: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).","vol":"4","page":352},{"text":"فقد أمر الله ﷾ الزوجة المطلقة أن تبقى في بيت زوجها في فترة العدة، وقال: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) يعني به الرجعة.\nأما إذا كانت المطلقة التي مات زوجها فجأة مطلقة طلاقًا بائنًا مثل الطلقة الثالثة، أو أعطت الزوج عوضًا ليطلقها، أو كانت\nفي عدة فسخ لا عدة طلاق، فإنها لا ترث ولا تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة.\nولكن هناك حالة ترث فيها المطلقة طلاقًا بائنًا مثل إذا طلقها الزوج في مرض موته متهمًا حرمانها فإنها في هذه الحالة ترث منه ولو انتهت العدة ما لم تتزوج، فإنها إن تزوجت فلا إرث لها.\n(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) تقدم.\n(وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً) أي: وإن كان رجل يورث كلالة أي: لا والد له ولا ولد، وورثه الحواشي.\n• الحواشي: هم الإخوة وبنوهم، والأعمام وبنوهم سموا كلالة لأنهم أحاطوا بالميت حين فقد قرابة الولادة والنسب.\n(أَوِ امْرَأَةٌ) عطف على رجل والمعنى: أو امرأة تورث كلالة.\n(وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) الضمير في (وله) يعود على الرجل الذي يورث كلالة، والمرأة التي تورث كلالة، أي وله (أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) أي من أم، وقد أجمع العلماء على أن المراد بالإخوة هنا الإخوة لأم.\n• قال الرازي: أجمع المفسرون ههنا على أن المراد من الأخ والأخت: الأخ والأخت من الأم.\n• وقال ابن قدامة: والمراد بهذه الآية الأخ والأخت من الأم، بإجماع أهل العلم. وفي قراءة سعد بن أبي وقاص (وله أخ أو أخت من أم) والكلالة في قول الجمهور: من ليس له ولد، ولا والد، فشرط في توريثهم عدم الولد والوالد، والولد يشمل الذكر والأنثى، والوالد يشمل الأب والجد. (المغني).","vol":"4","page":353},{"text":"(فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) أي: فللأخ من الأم السدس، وللأخت للأم السدس أيضًا.\n(فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) أي: فإن كانوا أكثر من أخ، وأكثر من أخت، أي: فإن كان الإخوة لأم اثنين فأكثر ذكورًا كانوا أو إناثًا أو ذكورًا وإناثًا مجتمعين.\n(فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) أي: فهم شركاء في الثلث، أي: يقتسمون الثلث بينهم بالسوية ذكورهم وإناثهم في الميراث سواء.\n• إذًا ميراث الإخوة من الأم:\n\n<span data-type='title' id=toc-1468>الأخ من الأم يرث السدس بشروط:</span>\nالشرط الأول: عدم الفرع الوارث، لأنه يسقط به.\nالشرط الثاني: عدم الأصل الوارث من الذكور لأنه يسقطه.\nالشرط الثالث: أن يكون منفردًا، لقوله تعالى في هذه الآية (فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ).\nويستحقون الثلث بشروط:\nالشرط الأول: عدم الفرع الوارث.\nالشرط الثاني: عدم الأصل الوارث من الذكور لأنه يسقطه.\nالشرط الثالث: أن يكونوا اثنين فأكثر، لقوله تعالى في هذه الآية (فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1469> أحكام خاصة بالإخوة لأم:</span>\nأولًا: أن ذكرهم كأنثاهم حال الانفراد، فمن انفرد منهم أخذ السدس ذكرًا أو أنثى بخلاف غيرهم.\nثانيًا: أن ذكرهم كأنثاهم حال الاجتماع فلا يفضل الذكر عن الأنثى.\nثالثًا: أنهم يحجبون من أدلوا به نقصانًا، فيحجبون الأم من الثلث إلى السدس وقد أدلوا بها.\nرابعًا: أنهم يرثون مع من أدلوا به، فيرثون مع الأم وهم يدلون بها، أما غيرهم فيحجبه من أدلى به.\n(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) أي: بعد إخراج الوصية إن كان هناك وصية، وبعد قضاء الدين إن كان هناك دين على الميت، وهذا توكيد لما سبق.","vol":"4","page":354},{"text":"(غَيْرَ مُضَارٍّ) أي: بشرط ألا تكون الوصية والدين مقصودًا بهما أو بأحدهما المضارة للورثة، بأي وجه من أوجه الضرر.\nكأن يوصي لوارث، أو بأكثر من الثلث، أو بالثلث فأقل لكن بقصد الإضرار بالورثة والتضييق عليهم وتقليل نصيبهم، وكأن يستدين المريض دينًا يضر بالورثة، أو يقر بشيء ليس عليه.\n(وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) أي: عهدًا مؤكدًا من الله.\n(وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بكل شيء، شامل لجميع الأشياء، يعلم السر وأخفى، ويعلم ما في الصدور، ويعلم النيات.\n• قال الرازي: أي عليم بمن جار أو عدل في وصيته.\n(حَلِيمٌ) اسم من أسماء الله، ومعناه: الذي لا يعاجل بالعقوبة.\n• قال الطبري: ذو حلم على خلقه، وذو أناة في تركه معاجلتهم بالعقوبة على ظلم بعضهم بعضًا.\n• وقال ابن كثير: (حليم غفور) أن يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم فيؤخِّر ويُنظِر، ويُؤجّل ولا يَعجل، ويستر آخرين ويغفر.\n• وقال السعدي: والحليم الذي يدر على خلقه النعم الظاهرة، والباطنة مع معاصيهم، وكثرة زلاتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم، ويمهلهم كي ينيبوا.\n• قال ابن القيم:\nهو الحليم فلا يعاجل عبده … بعقوبة ليتوب من عصيان.\n• الآثار المترتبة على الإيمان بهذا الاسم:\nأولًا: محبة الله تعالى، حيث إن حلمه العظيم اقتضى الصبر على عباده العصاة، وعدم الاستعجال.\nقال تعالى (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ).\nوقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا).\nثانيًا: فتح باب الرجاء وعدم اليأس من رحمة الله، والمبادرة إلى التوبة والإنابة عن الذنوب مهما عظمت، لأنه سبحانه ما أخّر العقوبة على الذنب إلا للإنابة والتوبة.\nثالثًا: من آثار حلمه ﷾، أنه لا يستجيب لاستعجال عباده بإنزال العقوبة بالكافرين.\nقال تعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ).\nرابعًا: مجاهدة النفس بالتخلق بهذا الخلق الكريم ألا وهو صفة الحلم، فهو سبحانه حليم يحب من عباده الحلماء.\nوقد أثنى الله على خليله ونبيه إبراهيم بقوله (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ).","vol":"4","page":355},{"text":"وجعل من صفات نبيه إسماعيل الحلم، وذلك بقوله (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ).\nوالحلم من الصفات التي يحبها الله، قال -ﷺ- للأشج أشج عبد قيس (إن فيك خصلتين يحبها الله: الحلم والأناة).\nوالحِلْم: ضبط النَّفس والطَّبع عن هيجان الغضب.\nقال -ﷺ- (من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء الله) رواه أبو داود.\nوقال -ﷺ- (التَّأنِّي مِن اللَّه، والعجلة مِن الشَّيطان، وما أحدٌ أكثر معاذير مِن اللَّه، وما مِن شيءٍ أحبُّ إلى اللَّه مِن الحِلْم).\nوقال رسول الله -ﷺ- (إنَّما العلم بالتَّعلم، وإنَّما الحِلْم بالتَّحلُّم، مَن يتحرَّى الخير يُعْطَه، ومَن يتَّق الشَّرَّ يُوقَه).\nوقال -ﷺ- (ليس الشَّديد بالصَّرَعَة، إنَّما الشَّديد الذي يملك نفسه عند الغضب).\n• قال ابن عبد البر: في هذا الحديث مِن الفقه: فضل الحِلْم. وفيه دليلٌ على أنَّ الحِلْم: كتمان الغيظ. وأنَّ العاقل مَن مَلَك نفسه عند الغضب؛ لأنَّ العقل -في اللُّغة-: ضبط الشَّيء وحبسه منه.","vol":"4","page":356},{"text":"• قال ابن عاشور: قوله تعالى (والله عليم حليم) تذييل، وذكر وصف العلم والحلم هنا لمناسبة أنّ الأحكام المتقدّمة إبطال لكثير من أحكام الجاهلية، وقد كانوا شرعوا مواريثهم تشريعًا مثاره الجهل والقساوة، فإنّ حرمان البنت والأخ للأمّ من الإرث جهل بأنّ صلة النسبة من جانب الأمّ مماثلة لصلة نسبة جانب الأب، فهذا ونحوه جهل، وحرمانهم الصغار من الميراث قساوة منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1470>الفوائد:</span>\n١ - ثبوت التوارت بسبب الزوجية.\n٢ - أن التوارث بالزوجية يكون من الجانبين.\n٣ - أن المرأة تكون زوجة بمجرد العقد، فلو مات زوجها بعد العقد فإنها ترث منه وكذلك العكس.\n٤ - فيه بيات ميراث الزوجان.\n٥ - أن الزوجة حرة في التصرف في مالها.\n٦ - عناية الإسلام بالمرأة حيث جعل لها نصيبًا من الميراث.\n٧ - بيان ميراث الإخوة من الأم.\n٨ - تحريم المضار بالوصية.\n٩ - أن الوصية المضار بها باطلة لا اعتبار لها.\n١٠ - إثبات اسمين من أسماء الله: العليم - الحليم.\n١١ - أن الله لا يعاجل من عصاه، بل يمهل ولا يهمل.\n١٢ - تحذير من خالف أمر الله في المواريث بأن الله عليم به. (السبت: ١٧/ ١/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"4","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1471>(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (١٤».</span> [النساء: ١٣ - ١٤].\n<hr><s0>\n\n(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله فلا تعتدوها ولا تجاوزوها.\n• قال الرازي: قوله تعالى (تِلْكَ) إشارة إلى ماذا؟ فيه قولان:\nالأول: إنه إشارة إلى أحوال المواريث.\nالقول الثاني: إنه إشارة إلى كل ما ذكره من أول السورة إلى ههنا من بيان أموال الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث وهو قول الأصم.\nحجة القول الأول: أن الضمير يعود إلى أقرب المذكورات.\nوحجة القول الثاني: أن عوده إلى الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد مانع يوجب عوده إلى الكل.\n• حدود الله تنقسم إلى قسمين: حدود واجبات، وحدود محرمات، أما حدود الواجبات فهي ما أوجبه الله على عباده بشروطها وأركانها وواجباتها، وأما حدود النواهي فهي ما حرمه الله على عباده كالزنا واللواط وشرب الخمور وقتل النفس، فإذا قال الله (تلك حدود الله فلا تعتدوها) فهي من حدود الأوامر، وإذا قال (تلك حدود الله فلا تقربوها) فهي من حدود النواهي.\n• قال الآلوسي: وأطلقت عليها الحدود لشبهها بها من حيث إن المكلف لا يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها.\n(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي: ومن يطع الله ورسوله بفعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه في كل شيء، ومن ذلك ما ورد ما أحكام الميراث في الآيات السابقة، فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضًا بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته.\n• قوله (ورسوله) محمد -ﷺ-، لأن القرآن نزل عليه، ولا رسول بعده، وإنما عطف اسم الرسول -ﷺ- أو وصفه على اسمه بالواو، لأن طاعة الرسول طاعة لله، كما قال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله).\n(يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ) أي: يكون جزاؤه دخول الجنان.","vol":"4","page":358},{"text":"• والجنات جمع جنة، والجنة في لغة العرب: البستان، لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه، وجاء إطلاق الجنة على البستان في القرآن في قوله (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) أي البستان، وفي قوله (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ).\nوأما في الاصطلاح: فهي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\n• قوله تعالى (جنات) دليل على أن الجنات أنوع، كما قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ثم قال تعالى (ومن دونهما جنتان) وقال -ﷺ- (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما).\n• قال الشيخ ابن عثيمين: (جنات) بالجمع، وأحيانًا يقال بالإفراد (جنة)، فإذا كانت بالإفراد فالمراد بها مطلق الجنس، وإذا قيلت بالجمع فالمراد بها أنواع الجنات.\n(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي من تحت أشجارها.\n• قال ابن الجوزي: أي من تحت شجرها لا من تحت أرضها.\n• قال ابن عاشور: وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر، لأن في الماء طبيعة الحياة، ولأن الناظر يرى منظرًا بديعًا وشيئًا لذيذًا.\n• قال ابن القيم: وهذا يدل على أمور:\nأحدها: وجود الأنهار فيها. الثاني: أنها جارية لا واقفة. الثالثة: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا.\n• وهذه الأنهار جاء تسميتها في قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً).\n• قال ابن القيم: فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا.\nفآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة وأن يصير قارصًا، وآفة الخمر كراهة\nمذاقها المنافي للذة شربها، وآفة العسل عدم تصفيته، وهذا من آيات الرب ﷾ أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها، ويجريها في غير أخدود، وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها، كما ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو.","vol":"4","page":359},{"text":"• وهذه الأنهار لا تنضب ولا تنقص، وتجري من غير أخدود.\nقال ابن القيم في النونية:\nأنهارها في غير أخدود جرت … سبحان ممسكها عن الفيضانِ\n(خَالِدِينَ فِيهَا) أي: مقيمين فيها إقامة أبدية لا تحول ولا تزول، فلا يموتون ولا يفنون ولا يخرجون منها. -قال النسفى: الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع.\n• وقال ابن الجوزي: والخلود: البقاء الدائم الذي لا انقطاع له.\n• قال ابن عاشور: وقوله (وهم فيها خالدون) احتراس مِن تَوَهُّم الانقطاع بما تعودوا من انقطاع اللذات في الدنيا لأن جميع اللذات في الدنيا معرضة للزوال وذلك ينغصها عند المنعم عليه.\n• وذكر من نعيم الجنة الخلود، لأنه أعظم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غمًا، كما قال بعض الشعراء:\nأحب ليالي الهجر لا فرحًا بها عسى الدهر يأتي بعدها بوصالِ\nوأبغضُ أيام الوصال لأنني أرى كل وصلٍ معقبًا بزوالِ\nفالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي -ﷺ- يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك ذلك النعيم فتتكدر غبطتهم.\nوجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة:\nفقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)\nوقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)\nوقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).\nوقال -ﷺ- (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداُ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدًا) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت …) متفق عليه.","vol":"4","page":360},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1472> فضائل طاعة الله ورسوله:</span>\nأولًا: سبب للرحمة.\nقال تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).\nوقال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٧١)\nثانيًا: مع الذين أنعم الله عليهم.\nقال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ).\nثالثًا: سبب للحياة الحقيقية.\nقال تعالى: (اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ).\nرابعًا: سبب للهداية.\nقال تعالى: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا).\nخامسًا: من علامات الإيمان.\nقال تعالى (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).\nسادسًا: سبب لدخول الجنة.\nكما في هذه الآية.\nوقال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا).","vol":"4","page":361},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1473> ومن أسباب دخول الجنة؟</span>\nأولًا: صلاة الفجر والعصر.\nقال -ﷺ- (من صلى البردين دخل الجنة) متفق عليه.\nثانيًا: التلفظ بالشهادتين مع العمل بمقتضاها.\nقال -ﷺ- (… أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ) متفق عليه.\nوفي حديث أبي هريرة الطويل وفيه (قال أبو هريرة، فَقَالَ -ﷺ-: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ قَالَ: اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة) متفق عليه.\nثالثًا: إحصاء أسماء الله.\nقال -ﷺ- (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) متفق عليه.\nرابعًا: قراءة آية الكرسي بعد الفريضة.\nقال -ﷺ- (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت) رواه النسائي.\nخامسًا: الذكر بعد الوضوء.\nقال -ﷺ- (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاء) رواه مسلم.\nسادسًا: لا حول ولا قوة إلا بالله.\nقال -ﷺ- (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) متفق عليه.\nسابعًا: سؤال الله الجنة.\nقال -ﷺ- (من سأل الله الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة) رواه الترمذي.","vol":"4","page":362},{"text":"ثامنًا: طلب العلم ابتغاء مرضات الله.\nقال -ﷺ- (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة) رواه مسلم.\nتاسعًا: السنن الرواتب.\nقال -ﷺ- (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّى لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلاَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ أَوْ إِلاَّ بُنِىَ لَهُ بَيْتٌ فِى الْجَنَّة) رواه مسلم.\nعاشرًا: الحج المبرور.\nقال -ﷺ- (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) متفق عليه.\n(وَذَلِكَ) أي: ما سبق من دخول الجنة والنعيم فيها والخلود.\n(الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) أي: الربح والظفر الموصوف بالعظمة، فهو عظيم كيفية من حيث كبره وضخامته وجلالته وتنوعه، وكمية من حيث كثرة عدده ودوامه.\nكما قال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).\n(وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) المعصية مخالفة الأمر أو الوقوع في المعصية، والمعنى: ومن يعص الله ورسوله بترك واجب أو فعل محرم، ومن ذلك معصية الله في ترك العمل على مراد الله في قسمة الفرائض.\n(وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) أي: ويتجاوز حدود الله، والمراد أوامره بترك الواجب أو الغلو فيه.\n(يديْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا) أي: يكون جزاؤه أن يدخله الله في نار جهنم، وهي الدار التي أعدها للكافرين.\n(خَالِدًا فِيهَا) المراد بالخلود هنا الإقامة الأبدية الدائمة، التي لا تحول ولا تزول.\n• فأهل النار الذين هم الكفار مخلدون في نار جهنم لا يخرجون منها ولا تفنى على الصحيح من أقوال أهل العلم.\nوقد ذكر الله أبديتها في القرآن في ثلاثة مواضع:\nفي سورة النساء. قال تعالى (وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا. إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا).\nوفي سورة الأحزاب. قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا).","vol":"4","page":363},{"text":"وفي سورة الجن. قال تعالى (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\n• أما إذا احتملت المعصية في الآية وتعدي حدود الله على ما دون الكفر فالمراد بالخلود الإقامة الطويلة دون الإقامة الأبدية.\n(وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) أي: ولهذا الذي يعص الله ورسوله له عذاب ونكال يهينه ويذله، لأنه استهان بربه وعصاه.\n• قال ابن كثير: أي: لكونه غيّر ما حكم الله به، وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1474>الفوائد:</span>\n١ - أن لله حدودًا يجب معرفتها والعمل بمقتضاها.\n٢ - وجوب طاعة الله ورسوله.\n٣ - أن طاعة الله ورسوله سبب لدخول الجنة.\n٤ - أن المواريث من حدود الله.\n٥ - إثبات الجزاء يوم القيامة.\n٦ - عظم نعيم الجنة.\n٧ - دوام نعيم الجنة.\n٨ - أن دخول الجنة من أعظم الفوز.\n٩ - أن معصية الله سبب لدخول النار.\n١٠ - التحذير من تعدي حدود الله.\n١١ - إثبات النار.\n١٢ - إثبات دوام النار خلافًا لمن قال بفنائها.\n١٣ - أن عذاب النار فيه الإهانة والذل. (انتهى الشريط ١١)","vol":"4","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1475>(وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥».</span> [النساء: ١٥].\n<hr><s0>\n\n(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ) أي: واللاتي يفعلن الفاحشة ويرتكبنها من نسائكم، سواء كن زوجات أو بنات أو أخوات أو غيرهن من نسائكم.\n• وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا الزنا، وإنما أطلق على الزنا اسم الفاحشة لزيادتها في القبح على كثير من القبائح.\n• قال تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) والفاحشة كل ما تناهي وظهر قبحه في الشرع.\n• قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآيات المتقدمة الأمر بالإحسان إلى النساء ومعاشرتهن بالجميل، وما يتصل بهذا الباب، ضم إلى ذلك التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة، فإن ذلك في الحقيقة إحسان إليهن ونظر لهن في أمر آخرتهن، وأيضا ففيه فائدة أخرى: وهو أن لا يجعل أمر الله الرجال بالإحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن، فيصير ذلك سببًا لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك، وأيضا فيه فائدة ثالثة، وهي بيان أن الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم، وأنه ليس في أحكامه محاباة ولا بينه وبين أحد قرابة، وأن مدار هذا الشرع الإنصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط، فقال (واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ).\n• قال أبو بكر ابن العربي: قوله تعالى (مِنْ نِسَائِكُمْ) اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْأَكْثَرُ مِنْ الصَّحَابَةِ: إنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْأَزْوَاجُ.\nوَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ الْجِنْسُ مِنْ النِّسَاءِ، وَتَعَلَّقَ مَنْ قَالَ: إنَّهُنَّ الْأَزْوَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) وَقَوْلِهِ (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ) وَأَرَادَ الْأَزْوَاجَ فِي الْآيَتَيْنِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ، وَإِذَا كَانَ إضَافَةُ زَوْجِيَّةٍ فَلَا فَائِدَةَ فِيهَا إلَّا اعْتِبَارُ الثُّيُوبَةِ؛ قَالُوا: وَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ عُقُوبَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْأُخْرَى، وَكَانَتْ الْأَكْبَرُ لِلثَّيِّبِ، وَالْأَصْغَرُ لِلْبِكْرِ.\nوَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقُ اللَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِي ذَلِكَ وَعُمُومَهُ، فَأَمَّا الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ آيَةِ الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ فَإِنَّمَا أَوْقَفْنَاهُ عَلَى الْأَزْوَاجِ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِيلَاءَ لَمَّا كَانَ مُجَرَّدًا عَنْ النِّكَاحِ بِأَنْ يَحْلِفَ أَلَّا يَطَأَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً فَوَطِئَهَا يَحْنَثُ إذَا وَطِئَهَا إذَا تَزَوَّجَهَا، وَإِنَّمَا وَقَفَ عَلَى الْأَجَلِ فِي الزَّوْجَةِ رَفْعًا لِلضَّرَرِ.","vol":"4","page":365},{"text":"(فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) أي: اطلبوا عليهن أربعة رجال ذكور يشهدون بأنهن أتين فاحشة الزنا، فلابد لثبوت الزنا\nأربعة شهود من الرجال.\n• قال القرطبي: فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعةً تغليظًا على المدّعِي وسترًا على العباد.\n(فَإِنْ شَهِدُوا) أي: هؤلاء الأربعة بأنهن أتين فاحشة.\n(فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) أي: احبسوهن في البيوت وامنعوهن عن الخروج، حتى لا يخرجن فيفتن الرجال، ويفتتن الرجال، ففي حبسهن درءًا لأسباب الفتنة.\n• والخطاب لولاة الأمر من القضاة والأمر.؟؟؟\n• وهذا الحكم كان في ابتداء الإسلام، أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حُبست في بيت فلا تُمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ثم نسخ هذا الحكم.\n• قال بعض العلماء: خص تعالى الحبس في البيت بالمرأة وخص الإيذاء بالرجل، والسبب فيه: أن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز، فإذا حبست في البيت انقطعت مادة هذه المعصية، وأما الرجل فإنه لا يمكن حبسه في البيت، لأنه يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه وترتيب مهماته واكتساب قوت عياله.\nولذلك شرع للنساء القرار في البيوت:\nقال الله تعالى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ).\nوقال -ﷺ- (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) رواه الترمذي.","vol":"4","page":366},{"text":"وانظر إلى جميل الاعتذار الذي اعتذرت به هاتان المرأتان وهما تجيبان موسى إذ سألهما (قالَ مَا خَطْبُكُمَا) (قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) فذكرتا عذرهما في الخروج وأوضحتا السبب الذي كان من أجله هذا الخروج.\nوقال -ﷺ- (لا تمنعوا نساءكم مساجدكم، وبيوتهن خير لهن) رواه أبوداود.\n(أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) أي: أو يجعل الله لهن حكمًا شرعيًا آخر يكون طريقًا ومخرجًا من هذا الإمساك، وقد جعل الله سبيلًا ومخرجًا بما شرعه من جلد غير المحصن وتغريبه، ورجم المحصن.\nقال تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ).\nوعن عبادة بن الصامت. قال: قال -ﷺ- (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1476>الفوائد:</span>\n١ - حرص الإسلام على حفظ الأعراض.\n٢ - أن الزنا من أعظم الذنوب.\n٣ - لابد من بيّنة الزنا من شهادة أربعة رجال كما قال تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة …).\n٤ - لابد أن يكون الشهود على الزنا من المسلمين وأن يكونوا عدولًا.\n٥ - حبس الزانية حتى تتوب عقوبة لها، ومنعًا لأسباب الفتنة، وكان هذا حكم الزانية في أول الإسلام\n٦ - الإشارة إلى أن بيوت النساء خير لهن وأسلم وفي الحديث (وبيوتهن خير لهن).\n٧ - أن قرار المرأة في بيتها أفضل وأبعد من الفتنة.","vol":"4","page":367},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1477>(وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (١٦».</span> [النساء: ١٦].\n<hr><s0>\n\n(وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ) الضمير يعود إلى الفاحشة.\nوقد اختلف في المراد بها هنا:\nفقيل: أنّ المرادَ بها اللاَّئِطَانِ، فهي في فاحشةِ اللِّوَاطِ.\nولهذا ذكرهما بلفظ التثنية في قوله (واللذان) وفي قوله (يأتيانها) أي: الفاعل والمفعول.\nوهذا مَرْويٌّ عن مُجاهد، وقالَ بهِ أبو مسلم الأصفهاني، والنحاس.\nوقيل: المراد بالفاحشة هنا الزنا، وتكون الفاحشة في الآية الأولى في الزانيات من النساء مطلقًا محصنات وغير محصنات، والآية الثانية في الزناة من الرجال المحصن وغير المحصن.\n• قال القرطبي: واختلف العلماء في تأويل قوله تعالى: (وَاللاَّتِي) وقوله: (وَاللَّذَانِ) فقال مجاهد وغيره: الآية الأُولى في النساء عامّة محصناتٍ وغير محصناتٍ، والآية الثانية في الرجال خاصة.\nوبيّن لفظ التثنية صنفي الرجال من أحْصَن ومن لم يُحصن؛ فعقوبة النساء الحبسُ، وعقوبة الرجال الأذَى.\nوهذا قول يقتضيه اللفظ، ويستوفي نصُّ الكلام أصناف الزناة.\nويؤيّده من جهة اللفظ قوله في الأُولى: (مِنْ نِسَائِكُمْ) وفي الثانية (مِنْكُمْ) واختاره النحاس ورواه عن ابن عباس.\nوقيل: قال السدي وقتادة وغيرهما: الأُولى في النساء المحصنات، يريد: ودخل معهنّ من أحصِن من الرجال بالمعنى، والثانية في الرجل والمرأة البِكرين.\n• قال ابن عطية: ومعنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه.\nوقد رجّحه الطبري، وأباه النحاس وقال: تغليب المؤنث على المذكر بعيد؛ لأنه لا يخرج الشيء إلى المجاز ومعناه صحيح في الحقيقة.","vol":"4","page":368},{"text":"وقيل أقوال أخرى، والله أعلم.\n• قال ابن عاشور: (واللاّتي يأتين الفاحشة) ولا شكّ أنّ المراد بـ (اللذان) صنفان من الرجال: وهما صنف المحصنين، وصنف غير المحصنين منهم، وبذلك فسّره ابن عباس في رواية مجاهد، وهو الوجه في تفسير الآية، وبه يتقوّم معنى بيِّن غير متداخل ولا مُكَرّر.\nووجه الإشعار بصنفي الزناة من الرجال التحرّز من التماس العذر فيه لغير المحصنين.\nويجوز أن يكون أطلق على صنفين مختلفين أي الرجال والنساء على طريقة التغليب الذي يكثر في مثله، وهو تفسير السدّي وقتادة، فعلى الوجه الأول تكون الآية قد جعلت للنساء عقوبة واحدة على الزنى وهي عقوبة الحبس في البيوت، وللرجال عقوبة على الزنى، هي الأذى سواء كانوا محصنين بزوجات أم غير محصنين، وهم الأعزبون.\nوعلى الوجه الثاني: تكون قد جعلت للنساء عقوبتين: عقوبة خاصّة بهنّ وهي الحبس، وعقوبة لهنّ كعقوبة الرجال وهي الأذى، فيكون الحبس لهنّ مع عقوبة الأذى.\n(فَآذُوهُمَا) أي: افعلوا معهما وقولوا لهما ما يكون فيه أذية لهما بالقول بالسب والتعيير والتوبيخ وبالفعل بالضرب باليد والنعال ونحو ذلك.\n(فَإِنْ تَابَا) أي: أقلعا ونزعا عما كانا عليه.\n(وَأَصْلَحَا) أي: صلحت أعمالهما وحسنت.\n(فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) أي: كفوا عنهما واتركوهما ولا تتعرضوا لهما بأذى، لا بقول ولا فعل.\n• وهذه الآية غير معمول فيها بالاتفاق.\n• قال القرطبي: وإنما كان هذا قبل نزول الحدود، فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية.\n• وقال ابن عاشور: واتّفق العلماء على أنّ هذا حكم منسوخ بالجلد المذكور في سورة النور، وبما ثبت في السنّة من رجم المحصنين.\n• قال السمرقندي: ثم نسخ الحبس والأذى بالرجم والجلد، وإنما كان التعيير في ذلك الزمان لأن التعيير حل محل الجلد، وأما اليوم فلا ينفعهم التعيير.","vol":"4","page":369},{"text":"(إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا) اسم من أسماء الله، وتوابًا صيغة مبالغة لكثرة توبته وكثرة من يتوب عليهم.\nفالتواب: اسم من أسماء الله، معناه: التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه.\n• قال السعدي: هو التائب على التائبين أولًا: بتوفيقهم للتوبة، والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب على التائبين بعد توبتهم قبولًا لها وعفوًا عن خطاياهم.\n• ووصف نفسه سبحانه بالتواب - وهي صيغة مبالغة - لكثرة من يتوب عليهم، ولكثرة توبته على العبد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1478> وتوبة الله على العبد نوعان:</span>\nأحدهما: توفيق الله للعبد للتوبة، كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) بمعنى وفقهم للتوبة ليتوبوا.\nالثاني: قبولها من العبد إذا تاب، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ). [قاله الشيخ ابن عثيمين].\n\n•<span data-type='title' id=toc-1479> أثر الإيمان بهذا الاسم:</span>\nأولًا: أن الله يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، مهما كثرت وعظمت.\nقال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).\nوقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ).\nوقال تعالى في حق من اتهموه بأعظم النفس (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ …) قال في الآية بعدها (أفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).\nثانيًا: إفراد الله بالتوبة وطلب العفو وغفران الذنوب، لأنه لا يغفر الذنوب ولا يوفق إلى التوبة ويقبلها إلا الله وحده كما قال تعالى (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ).\nثالثًا: الحياء من الله، البر الرحيم التواب الغفور، الذي يفرح بتوبة عبده، وهذا الحياء إذا تمكن من القلب أثمر تعظيمًا لله وحياء منه، ومبادرة إلى طاعته وترك معاصيه قدر الجهد والاستطاعة.\nرابعًا: عدم اليأس من رحمة الله، والقوة في رجائه.\n(رَحِيمًا) اسم من أسماء الله دال على إثبات صفة الرحمة الواسعة لله تعالى.\nكما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) وقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).","vol":"4","page":370},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1480> والرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان:</span>\nالأول: رحمة ذاتية موصوف بها سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه، يجب إثباتها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، كما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ).\nالثاني: رحمة مخلوقة أنزل الله منها رحمة واحدة يتراحم بها الخلائق وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة يرحم الله بها عباده يوم القيامة.\nكما قال -ﷺ- (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) رواه مسلم.\nومن ذلك ما جاء في قوله -ﷺ- (إن الله ﷿ قال عن الجنة: أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء .....) وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى، بل هي من أثر رحمته التي هي صفته الذاتية الفعلية.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1481> ورحمة الله تعالى لعباده نوعان:</span>\nالأولى: رحمة عامة.\nوهي لجميع الخلائق بإيجادهم، وتربيتهم، ورزقهم، وإمدادهم بالنعم والعطايا، وتصحيح أبدانهم، وتسخير المخلوقات من نبات وحيوان وجماد في طعامهم وشرابهم، ومساكنهم، ولباسهم، وحركاتهم، وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى\nالثانية: رحمة خاصة.\nوهذه الرحمة لا تكون إلا للمؤمنين فيرحمهم الله في الدنيا بتوفيقهم إلى الهداية والصراط المستقيم، ويثبتهم عليه، ويدافع عنهم، وينصرهم على الكافرين، ويرزقهم الحياة الطيبة ويبارك لهم فيها، ويمدهم بالصبر واليقين عند المصائب، ويغفر لهم ذنوبهم، ويكفرها بالمصائب، ويرحمهم في الآخرة بالعفو عن سيئاتهم والرضا عنهم والإنعام عليهم بدخول الجنة، كما قال تعالى (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا).","vol":"4","page":371},{"text":"قال الشيخ ابن عثيمين: فهي رحمة إيمانية دينية دنيوية.\n• ومن أعظم آثار رحمة الله تعالى إرسال الرسل وإنزال الكتب هداية للناس وإخراجًا لهم من الظلمات إلى النور، كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) وقال تعالى (ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ).\n• ومن رحمته: سبحانه مغفرته لذنوب عباده بالصفح عنهم، وتكفير سيئاتهم، وفتح باب التوب لهم، كما قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).\n• ينبغي على العبد أن يتصف بصفة الرحمة، فقد مدح بها أشرف رسله فقال (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)، ومن أسمائه -ﷺ- (نبي الرحمة) ومدح الصحابة بقوله (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، وخص أبو بكر من بينهم بقوله (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1482> الآثار المرتبة على معرفتنا بهذا الاسم:</span>\nأولًا: محبة الله المحبة العظيمة، وذلك حينما يفكر العبد وينظر في آثار رحمة الله في الآفاق وفي النفس والتي لا تعد ولا تحصى، وهذا يثمر تجريد المحبة لله والعبودية الصادقة له سبحانه، وتقديم محبته على النفس والأهل والمال والناس جميعًا.\nثانيًا: عبودية الرجاء والتعلق برحمة الله وعدم اليأس من رحمة الله تعالى، فإن الله قد وسعت رحمته كل شيء، وحسن الظن بالله وانتظار الفرج بعد الشدة من أجل العبادات.\nثالثًا: اتصاف العبد بالرحمة وبذلها لعباد الله ﵎، وقد حض الله عباده على التخلق بها، ومدح بها أشرف رسله فقال (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) ومن أسمائه -ﷺ- أنه نبي الرحمة، ومدح الصحابة بقوله (رحماء بينهم) وخُص أبو بكر بينهم بالكمال البشري في الرحمة بعد الرسل حيث قال -ﷺ- فيه (أرحم أمتي أبو بكر) رواه أحمد.\nرابعًا: التعرض لرحمة الله بفعل أسبابها.","vol":"4","page":372},{"text":"• وإذا كان الله رحيمًا فينبغي أن يعمل بالأسباب التي تنال بها الرحمة:\nأولًا: رحمة الناس.\nقال -ﷺ- (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.\nوقال -ﷺ- (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (والشاة إن رحمتها رحمك الله) رواه أحمد.\nثانيًا: الإحسان.\nقال تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).\nثالثًا: طاعة الرسول -ﷺ-.\nقال تعالى (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)\nرابعًا: السماحة في البيع والشراء.\nقال رسول الله -ﷺ- (رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى). رواه البخاري.\nخامسًا: عيادة المريض.\nقال رسول الله -ﷺ- (من عاد مريضًا خاض في الرحمة) رواه مسلم.\nسادسًا: قيام الليل وإيقاظ الأهل.\nقال رسول الله -ﷺ- (رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وايقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء) رواه أبو داود.\nسابعًا: الحلق في النسك.\nقال رسول الله -ﷺ- (اللهم ارحم المحلقين ثلاثًا) متفق عليه.\nثامنًا: مجالس الذكر.\nقال رسول الله -ﷺ- (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة) رواه مسلم.\nتاسعًا: الجلوس في المسجد.\nقال رسول الله -ﷺ- (إن الملائكة تستغر للمصلي مادام في مصلاه تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه) متفق عليه.\nعاشرًا: سماع حديث الرسول وتبليغه.\nقال رسول الله -ﷺ- (رحم الله من سمع مني حديثًا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع) رواه ابن حبان.","vol":"4","page":373},{"text":"الحادي عشر: الإنصات للقرآن.\nقال تعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).\nالثاني عشر: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.\nقال تعالى (وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).\nالثالث عشر: الاستغفار.\nقال تعالى (لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).\n• والحكمة من قرن توبته برحمته:\nأولًا: أن الله تعالى رحيم بعباده فلا يعاقبهم بعد التوبة.\nثانيًا: أنه تعالى لا يخذل ولا يرد من جاء منهم تائبًا، ولو بلغت ذنوبه عنان السماء وملء الأرض.\nثالثًا: أن قبوله لتوبة عباده تفضل منه عليهم، وهو مقتضى رحمته تعالى بهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1483>الفوائد:</span>\n١ - اعتناء الشريعة بتحريم الفواحش وتطهير النفوس.\n٢ - حكمة الشريعة الإسلامية بإقامة الحدود، لأن في ذلك حفظًا للمجتمع وسلامة للأمة وللناس (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب).\n٣ - أن من تاب وأصلح يكف عنه.\n٤ - أن من شروط التوبة أن يقارنها إصلاح.\n٥ - سعة رحمة الله وقبوله توبة التائبين. (السبت/ ٢٤/ ١/ ١٤٣٣ هـ).","vol":"4","page":374},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1484>(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨».</span> [النساء: ١٧ - ١٨].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) أي: إنما التوبة التي كتب الله على نفسه قبولها.\n(لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ) أي: للذين يعملون العمل السيئ القبيح، الذي يسوء صاحبه، والسيئات: تكون بارتكاب المنكرات أو بترك الواجبات.\n• سميت سيئة لأنها تسوء صاحبها في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا بظهور آثارها عليه من الهمّ والضيق في الصدر والخلق والرزق، فيفقد من السعادة في الحياة بقدر ما عمل من السوء، قال تعالى (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) وقال تعالى (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ). وتسوؤه آجلًا بعد موته لمعاقبته عليها إن لم يتب منها أو يتداركه الله بعفوه.\n(بِجَهَالَةٍ) أي: بسفاهة، ولهذا أجمع الصحابة على أن كل ذنب عصيَ الله به فهو جهالة عمدًا كان أو جهلًا.\n• وليس المراد بالجهالة هنا الجهالة التي هي ضد العلم، لأن من يعلم السوء وهو جاهل غير عالم لا يؤاخذ ولا ذنب عليه بل هو معذور.\nقال الرازي: قال المفسرون: كل من عصى الله سمي جاهلا وسمي فعله جهالة، قال تعالى إخبارًا عن يوسف -﵇- (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ الجاهلين) وقال حكاية عن يوسف -﵇- أنه قال لإخوته (هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون) وقال تعالى (يا نوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين) وقال تعالى (إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين) وقد يقول السيد لعبده حال ما يذمه على فعل: يا جاهل لم فعلت كذا وكذا، والسبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فلما لم يستعمل ذلك العلم صار كأنه لا علم له، فعلى هذا الطريق سمي العاصي لربه جاهلًا، وعلى هذا الوجه يدخل فيه المعصية سواء أتى بها الإنسان مع العلم بكونها معصية أو مع الجهل بذلك.","vol":"4","page":375},{"text":"(ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) أي: قبل الموت، قال ابن القيم: جمهور المفسرين على أن التوبة من قريب: أنها التوبة قبل المعاينة.\nوروي عن الضحاك أنه قال: كل ما كان قبل الموت فهو قريب.\n• قال الخازن: وإنما سميت هذه المدة قريبة لأن كل ما هو آت قريب وفيه تنبيه على أن عمر الإنسان وإن طال فهو قليل وأن الإنسان يتوقع في كل ساعة ولحظة نزول الموت به.\n(فَأُولَئِكَ) إشارة للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب.\n(يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) تأكيد لتوبته عليهم.\n(وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا) بإخلاص من يتوب.\n(حَكِيمًا) في جميع أحكامه وأوامره.\n(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) أي: وليس قبول التوبة ممن ارتكاب السيئات والمنكرات واستمر عليها.\n(حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) أي: حتى إذا فأجاهم الموت وحضرت أسبابه وعلاماته وبلغت الحلقوم.\n(قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) أي: قال في هذه الحال حضور الموت، واليأس من الحياة، إني تبت الآن، فهؤلاء لا تنفعهم توبتهم في هذه الحال، لأن توبتهم توبة اضطرار لا اختيار كما قال تعالى عن فرعون (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) وقال تعالى (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ).\n• ذكر الله ﷾ في هذه الآية شرط من شروط قبول التوبة، وهو أن تكون التوبة في الوقت التي تجوز فيها، وهو أن تكون التوبة قبل الغرغرة.","vol":"4","page":376},{"text":"والدليل على هذا الشرط هذه الآية.\nوقوله تعالى (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا).\nوقال في صفة فرعون (حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الغرق قَالَ ءامَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إسراءيل وَأَنَاْ مِنَ المسلمين ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين) فلم يقبل الله توبته عند مشاهدة العذاب، ولو أنه أتى بذلك الإيمان قبل تلك الساعة بلحظة لكان مقبولًا.\nوقوله تعالى (حتى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبّ ارجعون لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا).\nوقوله تعالى (وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصالحين وَلَن يُؤَخِرَ اللهُ نفسًا إذا جَاءَ أَجَلها) فأخبر تعالى في هذه الآيات أن التوبة لا تقبل عند حضور الموت.\nوقوله -ﷺ- (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) رواه الترمذي.\nأي تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار؛ فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله.\nوأما قبل ذلك ولول بقليل يجوز:\nفقد قال -ﷺ- لعمه (يا عم قل لا إله إلا الله).\nوعَنْ أَنَسٍ -﵁- (قَالَ كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ -ﷺ- فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَهْوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ).\nوالوقت الثاني الذي لا تقبل فيه التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها.\nلقوله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ\nنَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)","vol":"4","page":377},{"text":"قوله (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) المراد بذلك: طلوع الشمس من مغربها، كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله -ﷺ-.\nفعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) متفق عليه.\nوعن أبي ذر. قال: قال رسول الله -ﷺ- (أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ قلت: لا أدري، قال: إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها: ارجعي، يوشك يا أبا ذر! أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت، وذلك حين (لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ..) متفق عليه.\nوعن أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه) رواه مسلم.\nوعن أبي موسى قال -ﷺ- (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من معربها) رواه مسلم.\n(يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) أي: إذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنًا قبل ذلك، فإن كان مصلحًا في عمله فهو بخير عظيم، وإن كان مخلّطًا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه كما جاء بذلك الأحاديث.\n(أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) أي: ولا ينفع المؤمن المقصر أن يزداد خيره بعد ذلك.\n• قال ابن الجوزي: وإنما لم ينفع الإيمان والعمل الصالح حينئذ لظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان.\n• وقال القرطبي: قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسًا إيمانُها عند طلوعها من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تُخْمَدُ معه كلّ شهوة من شهوات النفس، وتَفْتُر كلّ قوّة من قوى البدن؛ فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدُنُو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدّواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم؛ فمن تاب في مثل هذه الحال لم تُقبل توبته، كما لا تُقبل توبة من حضره الموت.","vol":"4","page":378},{"text":"• وقال السعدي: والحكمة في هذا ظاهرة، فإنه إنما كان الإيمان ينفع إذا كان إيمانًا بالغيب، وكان اختيارًا من العبد، فأما إذا وجدت الآيات صار الأمر شهادة، ولم يبق للإيمان فائدة، لأنه يشبه الإيمان الضروري، كإيمان الغريق والحريق ونحوهما، ممن إذا رأى الموت، أقلع عما هو فيه كما قال تعالى (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ).\nوقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي -ﷺ- أن المراد ببعض آيات الله طلوع الشمس من مغربها وأن الناس إذا رأوها آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم ويُغلق حينئذ بابُ التوبة.\n• ومن شروط التوبة:\nالإقلاع عن المعصية - والندم على فعلها، والعزم على عدم الرجوع عليها.\nقال ابن القيم: حقيقة التوبة: هي الندم على ما سلف، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل.\nفأما الندم: فإنه لا تتحقق التوبة إلا به، إذ من لم يندم على القبيح فذلك دليل على رضاه وإصراره عليه، وفي المسند (الندم توبة).\nوأما الإقلاع: فتستحيل التوبة مع مباشرة الذنب.\n• والتوبة واجبة على الفور.\nالمبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور ولا يجوز تأخيرها، ومتى أخرها عصى بالتأخير.\nومما يدل على وجوب المبادرة بها من هذه الآية: أن التوبة لا تقبل عند حضور الأجل، والإنسان لا يدري متى يحضره أجله، فالموت يأتي بغتة.\n• بعض علامات التوبة المقبولة؟\nمنها: أن يكون بعد التوبة خيرًا مما كان قبلها.\nومنها: أنه لا يزال الخوف مصاحبًا له، لا يأمن مكر الله طرفة عين.\nومنها: انخلاع قلبه، وتقطعه ندمًا وخوفًا.","vol":"4","page":379},{"text":"• وأمر الله بالتوبة توبة نصوحًا فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا).\nقال ابن القيم: النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء:\nالأول: تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبًا إلا تناولته.\nوالثاني: إجماع العزم والصدق بكليته عليها، بحيث لا يبقى عنده تردد، ولا تلوم ولا انتظار.\nوالثالث: تخليصها من الشوائب والعِلَل القادحة في إخلاصها، ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته، والرغبة فيما لديه.\n• اتهام التوبة:\nمن اتهامها: ضعف العزيمة، والتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة، وتذكر حلاوة مواقعته.\nومنها: طمأنينته ووثوقه من نفسه بأنه تاب، حتى كأنه قد أعطيَ منشورًا بالأمان.\nومنها: جمود العين، واستمرار الغفلة، وأن لا يستحدث بعد التوبة أعمالًا صالحة لم تكن له قبل الخطيئة.\n• هل يشترط لصحة التوبة أن لا يعود إلى الذنب أبدًا، أم ليس ذلك بشرط؟\nالأكثرون على أن ذلك ليس بشرط، وإنما صحة التوبة تتوقف على الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على ترك معاودته.\n(وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) قال ابن كثير: يعني أن الكافر إذا مات على كفره وشركه، لا ينفعه ندمه وتوبته، ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض.","vol":"4","page":380},{"text":"كما قال تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).\nوقال تعالى (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ. أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).\n(أُولَئِكَ) الإشارة للذين يموتون وهم كفار، لأن عذابهم محقق، أما من مات على ما دون الكفر من المعاصي فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه وغفر له.\n(أَعْتَدْنَا لَهُمْ) أي: هيأنا وجهزنا لهم.\n(عَذَابًا أَلِيمًا) أي: مؤلمًا موجعًا غاية الإيلام والإيجاع.\n\n<span data-type='title' id=toc-1485>الفوائد:</span>\n١ - بيان فضل الله على عباده بإيجاب التوبة على نفسه.\n٢ - أن الله يوجب على نفسه ما شاء، وليس للعباد أن يوجبوا عليه شيئًا.\n٣ - الحث على المبادرة بالتوبة.\n٤ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم والحكيم.\n٥ - وجوب مراقبة الله في كل شيء، لأنه سبحانه عليم بكل ما يفعله الإنسان لا يخفى عليه شيء.\n٦ - الاقتناع والتسليم لأوامر الله، لأن كل أفعال الله صادرة عن حكمة.\n٧ - أن التوبة عند الاحتضار لا تقبل.\n٨ - يشترط لصحة التوبة أن تكون في الزمن الذي تقبل فيه التوبة كما سبق في الشرح.\n٩ - أن الندم والتحسر والتوبة يوم القيامة لا تنفع.\n١٠ - شدة عذاب الذين كفروا يوم القيامة.\n(الأحد: ٢٥/ ١/ ١٤٣٣ هـ). انتهى الشريط ١٣","vol":"4","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1486>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩».</span> [النساء: ١٩].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد:\nالأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه.\nالثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد.\nالثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصًا في الإيمان. (ابن عثيمين).\nوالمعنى:: يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وانقادوا وعملوا بجوارحهم.\n• والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به. (الشنقيطي).\n(لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) معنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها:\nقال ابن عباس (كانوا إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاء زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية) رواه البخاري.\nوفي لفظ لأبي داود (كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى يموت أو ترد إليه صداقها).\nوفي لفظ لابن جرير وابن أبي حاتم (فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها).\nومعنى الوراثة: قال ابن جرير: إن ذلك ليس من معنى وراثتهن إذا هنّ متن فتركن مالًا، وإنما ذلك أنهم في الجاهلية كانت إحداهن إذا مات زوجها، كان ابنه أو قريبه أولى بها من غيره، ومنها بنفسه، إن شاء نكحها، وإن شاء عضلها فمنعها من غيره ولم يزوجها حتى تموت، فحرم الله تعالى ذلك على عباده.\n• قوله (لكم) الخطاب لأولياء الزوج، ومعنى (ترثوا النساء) أي تخلفوا أزواجهن عليهن، وتكون لكم الولاية عليهن، وليس المراد أنهم يرثونهن كما يورث المال والمتاع، بل المراد الخلافة عليهن.\n• قال ابن عاشور: وصيغة (لا يحل) صيغة نهي صريح لأنّ الحلّ هو الإباحة في لسان العرب ولسان الشريعة، فنفيه يرادف\nمعنى التحريم.","vol":"4","page":382},{"text":"• يجوز للرجل أن يتزوج زوجة أخيه بعد موته إن رضيت هي وأولياؤها بذلك.\n(وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) الخطاب للأزواج، والعضل المنع والحبس، والمعنى:\n• قال ابن كثير: أي لا تضاروهن في العشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقًا من حقوقها عليك أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد.\n• قال الطبري: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصحة في تأويل قوله: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) قول من قال: نهى الله جل ثناؤه زوج المرأة عن التضييق عليها والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محبّ، لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصَّداق.\nوإنما قلنا ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل امرأة، إلا لأحد رجلين: إما لزوجها بالتضييق عليها وحبسها على نفسه وهو لها كاره، مضارّة منه لها بذلك، ليأخذ منها ما آتاها بافتدائها منه نفسها بذلك أو لوليها الذي إليه إنكاحها.\nوإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحدٍ غيرهما، وكان الوليُّ معلومًا أنه ليس ممن أتاها شيئًا فيقال إنْ عضلها عن النكاح: \"عَضَلها ليذهب ببعض ما آتاها\"، كان معلومًا أن الذي عنى الله ﵎ بنهيه عن عضلها، هو زوجها الذي له السبيلُ إلى عضلها ضرارًا لتفتدي منه. … (تفسير الطبري).\n• وقال الرازي: أن الرجل منهم قد كان يكره زوجته ويريد مفارقتها، فكان يسيء العشرة معها ويضيق عليها حتى تفتدي منه نفسها بمهرها، وهذا القول اختيار أكثر المفسرين، فكأنه تعالى قال: لا يحل لكم التزوج بهن بالإكراه، وكذلك لا يحل لكم بعد التزوج بهن العضل والحبس لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن.\n• فالمراد هنا الأزواج كما ذهب إليه هؤلاء العلماء، ويدل عليه:\nأولًا: قوله تعالى (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) وإذا أتت المرأة بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعًا من الأمة، وإنما ذلك للزوج.\nثانيًا: دلالة السياق حيث قال بعدها (وعاشروهن بالمعروف) إذ هو خطاب للأزواج اتفاقًا.\nثالثًا: قوله تعالى (بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) ومعلوم أن الزوج هو الذي أعطاها الصداق.\n(إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي لا يحل لكم أن تعضلوهن بحال من الأحوال إلا في حالة إتياهن بفاحشة مبينة، والفاحشة كل ما فحش وظهر قبحه، واختلف في المراد بالفاحشة هنا:\nفقيل: المراد الزنا، وهو قول الحسن وأبي قلابة والسدي.\nوقيل: النشوز.","vol":"4","page":383},{"text":"وقيل: بذاءة اللسان، واختار الطبري القول بالتعميم، وهو الصحيح.\nقال الطبري مرجحًا العموم: وأولى ما قيل في تأويل قوله (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) أنه معنىٌّ به كل (فاحشة) من بَذاءٍ باللسان على زوجها، وأذى له، وزنًا بفرجها، وذلك أن الله جل ثناؤه عم بقوله (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)، كلَّ فاحشة متبيّنةٍ ظاهرة، فكل زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زنًا أو نشوز، فله عضْلُها على ما بين الله في كتابه، والتضييقُ عليها حتى تفتدي منه، بأيِّ معاني الفواحش أتت، بعد أن تكون ظاهرة مبيِّنة بظاهر كتاب الله ﵎، وصحة الخبر عن رسول الله -ﷺ-.\n(وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) المعاشرة الصحبة والمخالطة، والمعنى: ليعاشر كل من الزوجين الآخر بما هو واجب في الشريعة\nالإسلامية من حسن العشرة قولًا وفعلًا وبذلًا.\n• قال ابن كثير: أي طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله كما قال تعالى (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ).\nوقال -ﷺ- (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). رواه الترمذي.\n• قال ابن كثير: وكان من أخلاقه -ﷺ- أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين، يتودد إليها بذلك، ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله -ﷺ-، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، بل كان محسنًا لخديجة بعد وفاتها، وكان يرسل الأعطيات إلى صديقاتها ويقول: اذهبوا به إلى صديقات خديجة.\n• ينبغي أن ينوي كل واحد من الزوجين بالمعاشرة بالمعروف استجابة أمر الله.\nفيجب على كل واحد من الزوجين أن يؤدي حق الآخر ويقوم به مع قدرته على أدائه بلا مماطلة ولا كُرهٍ لأدائه، بل يؤديه ببشر وطلاقة.","vol":"4","page":384},{"text":"كأن تقول المرأة: أريد كسوة، فيقول: إن شاء الله، ثم يماطل وتمضي الأيام ولم يأتي لها بشيء.\nلأن المطل مع القدرة عليه حرام، ولذلك قال النبي -ﷺ-: (مطل الغني ظلم).\n• ويجب عليها طاعته للاستمتاع بها، والاستمتاع معناه: الوطء، لأن المقصود من النكاح الاستمتاع.\nلحديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: (إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح) وفي رواية: (حتى ترجع) متفق عليه\nوعنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: (والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها) رواه مسلم\n(فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ) الكراهة ضد المحبة، والمعنى: فإن كرهتموهن (أي: كرهتم صحبتهن) لسبب من الأسباب - من غير ارتكاب فاحشة ولا نشوز - فاصبروا، ثم بين تعالى الحكمة في الصبر:\n(فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) أي: فعسى أن يجعل الله في صبركم عليهن وإمساككم لهن مع كراهتهن خيرًا كثيرًا لا تتوقعونه في الدنيا والآخرة.\nو(عسى) من الله واجبة، فتكون الآية وعدًا من الله أن من صبر ابتغاء وجه الله على ما يكرهه، واحتسابًا لثواب الله، بأن يجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.\nقال ابن عباس: هو أن يعطف عليها، فيرزق منها ولدًا، ويكون في ذلك الولد خير كثير.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ) أي: لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نُشُوز؛ فهذا يندب فيه إلى الاحتمال، فعسى أن يَؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادًا صالحين.\n• وقال ابن الجوزي: قوله تعالى (فعسى أن تكرهوا شيئًا) قال ابن عباس: ربما رزق الله منهما ولدًا، فجعل الله في ولدها خيرًا كثيرًا.\nوقد نَدَبت الآية إِلى إِمساكِ المرأة مع الكراهة لها، ونبَّهت على معنيين.\nأحدهما: أن الإِنسان لا يعلم وُجوهَ الصلاح، فرب مكروهٍ عاد محمودًا، ومحمودٍ عاد مذمومًا.\nوالثاني: أن الإِنسان لا يكاد يجد محبوبًا ليس فيه ما يكره، فليصبِر على ما يكره لما يُحِبُ. (زاد المسير).\n• وقال السعدي: أي ينبغي لكم -أيها الأزواج- أن تمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا، من ذلك امتثال أمر الله، وقبولُ وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة، ومنها أن إجباره نفسَه -مع عدم محبته لها- فيه مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق الجميلة، وربما أن الكراهة تزول وتخلفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك، وربما رزق منها ولدًا صالحًا نفع والديه في الدنيا والآخرة، وهذا كله مع الإمكان في الإمساك وعدم المحذور.\nوفي الحديث قال -ﷺ-: (لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقًا رضي منها آخر). رواه مسلم\nقال النووي في معناه: أَنَّهُ نَهْي، أَيْ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضهَا، لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يُكْرَه وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا مَرْضِيًّا بِأَنْ تَكُون شَرِسَة الْخُلُق لَكِنَّهَا دَيِّنَة أَوْ جَمِيلَة أَوْ عَفِيفَة أَوْ رَفِيقَة بِهِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ.","vol":"4","page":385},{"text":"• وقال السعدي: هذا الإرشاد من النبي -ﷺ-، للزوج في معاشرة زوجته من أكبر الأسباب والدواعي إلى حسن العشرة بالمعروف، فنهى المؤمن عن سوء عشرته لزوجته، والنهي عن الشيء أمر بضده، وأمره أن يلحظ ما فيها من الأخلاق الجميلة، والأمور التي تناسبه، وأن يجعلها في مقابلة ما كره من أخلاقها، فإن الزوج إذا تأمل ما في زوجته من الأخلاق الجميلة، والمحاسن التي يحبها، ونظر إلى السبب الذي دعاه إلى التضجر منها وسوء عشرتها، رآه شيئًا واحدًا أو اثنين مثلًا، وما فيها مما يحب أكثر، فإذا كان منصفًا غض عن مساوئها لاضمحلالها في محاسنها.\nوبهذا: تدوم الصحبة، وتؤدى الحقوق الواجبة المستحبة. وربما أن ما كره منها تسعى بتعديله أو تبديله.\nوأما من غض عن المحاسن، ولحظ المساوئ ولو كانت قليلة، فهذا من عدم الإنصاف. ولا يكاد يصفو مع زوجته.\nوقد قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).\n• وقال ابن عاشور: وهذه حكمة عظيمة، إذ قد تكره النفوس ما في عاقبته خير فبعضه يمكن التوصّل إلى معرفة ما فيه من الخير عند غوص الرأي، وبعضه قد علم الله أنّ فيه خيرًا لكنّه لم يظهر للناس.\nقال سهل بن حنيف، حين مرجعه من صفّين: اتَّهِموا الرأي فلقد رأيتُنا يَوم أبي جندل ولو نستطيع أن نردّ على رسول الله أمْره لردَدْنا، واللَّه ورسولُه أعلم\".\nوقد قال تعالى، في سورة البقرة (وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم)، والمقصود من هذا: الإرشادُ إلى إعماق النظر وتغلغل الرأي في عواقب الأشياء، وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة، ولا بميل الشهوات إلى ما في الأفعال من ملائم، حتّى يسبره بمسبار الرأي، فيتحقّق سلامة حسن الظاهر من سُوء خفايا الباطن. (تفسير ابن عاشور).\n\n<span data-type='title' id=toc-1487>الفوائد:</span>\n١ - تحريم إرث النساء على وجه يكرَهْنَهُ كما كان يجري في الجاهلية.\n٢ - تحريم عضل المرأة بغير حق لتفتدي نفسها.\n٣ - وجوب المهر بالنكاح.\n٤ - أن المهر حق للمرأة.\n٥ - أن سوء العشرة مبيح لعضل المرأة لتفتدي نفسها.\n٦ - وجوب معاشرة الزوجة بالمعروف.\n٧ - الإشارة إلى أنه ينبغي للزوج أن يصبر إذا رأى من زوجته ما يكره.\n٨ - أنه لا يعلم عواقب الأمور إلا الله.\n٩ - ينبغي دعاء الله والاستخارة عند الإقدام على أمر من الأمور التي لا يعلم عاقبتها، لأنه سبحانه يعلم كل شيء.\n(الأربعاء: ٢٨/ ١/ ١٣٣٤ هـ). انتهى الشريط: ١٤","vol":"4","page":386},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1488>(وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (٢١».</span> [النساء: ٢٠ - ٢١].\n<hr><s0>\n\n(وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ) أي: وإن أردتم أيها المؤمنون استبدال زوجة تتزوجونها مكان زوجة تطلقونها.\n(وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا) أي: والحال أنكم أعطيتموها قنطارًا - وهو المال الكثير -.\n• قال القرطبي: وفي هذا دليل على جواز المغالاة في المهور، لأن الله تعالى لا يمثّل إلا بمباح.\n• وقال السعدي: وفي هذه الآية، دلالة على عدم تحريم كثرة المهر، مع أن الأفضل واللائق، الاقتداء بالنبي -ﷺ- في تخفيف المهر، ووجه الدلالة: أن الله أخبر عن أمر يقع منهم ولم ينكره عليهم، فدل على عدم تحريمه.\n(فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) فلا تأخذوا من هذا المال شيئًا لا قليلًا ولا كثيرًا، لأن المهر كله ملك لها بما استحل من فرجها.\n• اختلف العلماء في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها أنه المال الجزيل.\n• فلا يجوز للزوج إذا طلق زوجته الرجوع بشيء منه، سواء استبدلها بغيرها أو جلس أعزب بدون زوجة.\n• قال القرطبي: لما مضى في الآية المتقدّمة حكم الفراق الذي سببه المرأة، وأن للزوج أخذَ المال منها عقَّب ذلك بذكر الفراق الذي سبّبه الزوج، وبيّن أنه إذا أراد الطلاق من غير نُشُوز وسوء عشرة فليس له أن يطلب منها مالًا.\n(أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا) الهمزة للاستفهام، ومعناه الإنكار والتوبيخ، والبهتان الكذب، أي: أن رجوعكم عليهن بشيء مما أعطيتموهن بدعوى أنه حق لكم هذا بهتان وكذب، لأنكم لا تستحقون شيئًا من ذلك، ولا لكم فيه البتة بعد الإفضاء.\n(وَإِثْمًا مُبِينًا) أي: وذنبًا بينًا واضحًا ظاهرًا.\n(وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) الاستفهام للتعجب والإنكار بعد الإنكار لتوكيد التحريم، والمعنى: بأي وجه، أو على أي جهة تأخذون ما أعطيتموهن من العوض وهو المهر، والحال أنكم قد استوفيتم المعوّض عنه، وذلك بأن أفضى بعضكم إلى بعض إفضاء سريًا بما لا ينتهي إليه ولا يستحله إلا الأزواج وهو الجماع.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ) تعليل لمنع الأخذ مع الخلوة.\n• الإفضاء إلى الشيء: الوصول إلى الشيء مباشرة بلا حائل، ومنه الفضاء.\n(وَأَخَذْنَ) أي: الزوجات.","vol":"4","page":387},{"text":"(مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) أي: عهدًا وعقدًا شديدًا مؤكدًا محكمًا، وهو عقد النكاح، الذي هو أشد العقود وأخطرها وأعظمها، فمتى تم العقد بالإيجاب والقبول وغيره من شروط النكاح وأركانه وانتفت موانعه، فإن المهر يستقر للزوجة عوضًا عما استحل من فرجها، فلا يجوز الرجوع بشيء من هذا العوض بعد تمام العقد.\n• وقال القرطبي: قوله تعالى (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) فيه ثلاثة أقوال.\nقيل: هو قوله -ﷺ- (فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله) قاله عكرمة والربيع.\nالثاني: قوله تعالى (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) قاله الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي.\nالثالث: عقدة النكاح قول الرجل: نكحت وملكت عقدة النكاح؛ قاله مجاهد وابن زيد.\nوقال قوم: الميثاق الغليظ الولد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1489>الفوائد:</span>\n١ - جواز الطلاق، والطلاق مباح لكنه مكروه من غير حاجة.\n٢ - استدل العلماء بهذه الآية على جواز أن يكون المهر كثيرًا، لكن الأفضل أن يكون يسيرًا للأسباب التي سبقت بالشرح.\n٣ - تحريم أخذ الزوج شيئًا من المهر ولو قليلًا.\n٤ - وجوب الوفاء بالعقود.\n٥ - أن عقد النكاح من أخطر العقود وأهمها، فيجب الوفاء وبشروطه.","vol":"4","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1490>(وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلًا (٢٢».</span> [النساء: ٢٢].\n<hr><s0>\n\n(وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) يحرّمُ تعالى نكاح زوجات الآباء تكرمةً لهم، واحترامًا أن توطأ من بعدهِ، حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه.\nقال ابن عباس: كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك دخل بها أو لم يدخل فهي عليك حرام.\n• قوله (مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) يشمل الأب الأقرب، والجد وإن علا من أي جهة كان.\nواختار ابن جرير أن المعنى ولا تنكحوا نكاح آبائكم ..) ويكون المنهي عنه هنا طريقة الآباء في النكاح في الجاهلية.\nوالصحيح أن (ما) موصولة بمعنى الذي.\n• قال القرطبي: والأوّل أصح، وتكون (ما) بمعنى (الذي) و(من) والدليل عليه أن الصحابة تلقّت الآية على ذلك المعنى؛ ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء.\n• قال الشنقيطي: قال بعض العلماء إن لفظة (مَا) من قوله (وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) مصدرية وعليه فقوله (مِّنَ النسآء) متعلق بقوله (تنْكِحُوا) لا بقوله (نَكَحَ) وتقرير المعنى على هذا القول ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم أي: لا تفعلوا ما كان يفعله آباؤكم من النكاح الفاسد، وهذا القول هو اختيار ابن جرير.\nوالذي يظهر وجزم به غير واحد من المحققين أن (مَا) موصولة واقعة على النساء التي نكحها الآباء، كقوله تعالى (فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء) وقد قدمنا وجه ذلك، لأنهم كانوا ينكحون نساء آبائهم كما يدل له سبب النزول، فقد نقل ابن كثير عن أبي حاتم: أن سبب نزولها، أنه لما توفي أبو قيس بن الأسلت خطب ابنه امرأته، فاستأذنت رسول الله -ﷺ- في ذلك، فقال: ارجعي إلى بيتك فنزلت (وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) الآية.\nقال مقيده - عفا الله عنه - نكاح زوجات الآباء كان معروفًا عند العرب. (أضواء البيان).\n• قال الآلوسي: قوله تعالى (وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ) شروع في بيان من يحرم نكاحها من النساء ومن لا يحرم بعد بيان كيفية معاشرة الأزواج، وهو عند بعض مرتبط بقوله سبحانه (لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهًا) وإنما خص هذا النكاح بالنهي ولم ينظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغة في الزجر عنه حيث كان ذلك ديدنًا لهم في الجاهلية.\n(إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) (إلا) أداة استدراك بمعنى (لكن) والمعنى: لكن الذي قد مضى وانتهى مما حصل من نكاح زوجات\nالآباء قبل تقرير هذا الحكم فلا حرج فيه ولا إثم فقد عفا الله عنه.\n• قال الشنقيطي: وأظهر الأقوال: في قوله تعالى (إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) أن الاستثناء منقطع، أي لكن ما مضى من ارتكاب هذا الفعل قبل التحريم فهو معفو عنه كما تقدم، والعلم عند الله تعالى.","vol":"4","page":389},{"text":"• وجاء استدراك ما قد سلف واستثناؤه علمًا أنهم قبل التحريم على البراءة الأصلية - والله أعلم - لئلا يقع في قلوبهم شيء مما حصل منهم قبل نزول الآية، نظرًا لشدة حرمة نكاح المحارم، فطمأنهم الله، وليس المعنى إقرار ما كان من عقود هذا النكاح التي عقدت قبل نزول الآية وما زالت قائمة بعد نزول الآية، بل يجب فسخها والتفريق بين الرجل وبين من تزوج من زوجات أبيه.\n(إِنَّهُ) أي: نكاحكم ما نكح آباؤكم.\n(كَانَ فَاحِشَةً) والفاحشة: ما فحش من قول أو عمل في الشرع وفي عرف المسلمين، أي: إن هذا العمل هو نكاح زوجات الآباء عمل سيئ قبيح في نفسه مستفحش شرعًا وعقلًا وعرفًا.\n(وَمَقْتًا) المقت: أشد البغض، فهو مقت عند الله، ومقت عند الخلق.\n• قال ابن كثير: فإنه يؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة، لأنهن أمهات، لكونهن زوجات النبي -ﷺ-، وهو كالأب للأمة.\n(وَسَاءَ سَبِيلًا) أي: وبئس طريقًا لمن سلكه من الناس.\nفوصف الله نكاح ما نكح الآباء بثلاثة أوصاف كلها في غاية الشدة تنفيرًا منه وهي: كونه فاحشة، ومقتًا، وساء سبيلًا، وهو أغلظ من الزنا، لأن الله قال في الزنا (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)\n\n<span data-type='title' id=toc-1491>الفوائد:</span>\n١ - تحريم نكاح زوجة الأب، وزوجة الأب تحرم بمجرد العقد.\n٢ - أن الإنسان لا إثم عليه إذا فعل خطيئة قبل العلم، فالشرائع لا تلزم قبل العلم.\n٣ - سعة رحمة الله.\n٤ - أن نكاح المحارم أشد من الزنا لقوله (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا).\n٥ - قبح هذا الأمر، وهو نكاح زوجات الآباء. (السبت: ٢/ ٢/ ١٤٣٤ هـ). انتهى الشريط: ١٥","vol":"4","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1492>(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٢٣».</span> [النساء: ٢٣].\n<hr><s0>\n\nهذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب، وما يتبعه من الرضاع والمحارم بالصهر.\nوالمحرمات التي يحرم على الإنسان التزوج بهن قسمان:\nالقسم الأول: محرمات إلى الأبد. فلا تحل أبدًا.\nالقسم الثاني: محرمات إلى أمد. أي إلى غاية، فمتى زال المانع فإنها تحل له.\n(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ) المحرّم هو الله تعالى، والتحريم لغة: المنع والحظر.\n(أُمَّهَاتُكُمْ) أي: حرم عليكم نكاح أمهاتكم، ويدخل فيهن: الأم والجدات، سواء كن من جهة الأب أو من جهة الأم.\n(وَبَنَاتُكُمْ) أي: وحرم عليكم أيضًا نكاح بناتكم، ويدخل فيهن: وبنات الأبناء، وبنات البنات وإن نزلن.\n• قال ابن كثير: ويشمل أيضًا البنت من الزنا على قول الجمهور، لأنها خلقت من مائه، وإن كانت لا تنسب إليه شرعًا لقوله -ﷺ- (الولد للفراش وللعاهر الحجر).\nوَأَخَوَاتُكُمْ) شقيقة كانت، أو لأب، أو لأم.\n(وَعَمَّاتُكُمْ) وهي كل أخت لأبيك.\n• وعمة الرجل عمة لأولاده وأولاد أولاده وإن نزلوا.\n(وَخَالاتُكُمْ) وهي أخت الأم.\n(وَبَنَاتُ الْأَخِ) ويدخل فيهن: بنات الأخ الشقيق، وبنات الأخ لأب، وبنات الأخ لأم، وبنات أبنائهم، وبنات بناتهن وإن نزلن.\n(وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) ويدخل فيهن: بنات الأخت الشقيقة، وبنات الأخت لأب، وبنات الأخت من الأم، وبنات أبنائهن وبنات بناتهن وإن نزلن.","vol":"4","page":391},{"text":"• هؤلاء هن المحرمات من النسب، وهن سبع.\nقال ابن جرير (فكل هؤلاء اللواتي سماهن الله تعالى وبيّن تحريمهن محرمات غير جائز نكاحهن لمن حرّم الله ذلك عليه من الرجال بإجماع جميع الأمة لا اختلاف بينهم).\n(وممن حكى الإجماع القرطبي والطحاوي وابن تيمية).\n• أما بنات العمات والأعمام، وبنات الخالات والأخوال فلا يحرمن لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ …) وحكم الأمَّة حكمه -ﷺ- ما لم يدل دليل على تخصيصه.\nقاعدة: قال السعدي في كتابة (نور البصائر): فالقرابات كلهن حرام، إلا بنات العم وبنات العمات، وبنات الأخوال، وبنات الخالات.\n• ثم ذكر تعالى المحرمات بالرضاع فقال:\n- (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) أي: وحرمت عليكم أمهاتكم اللاتي أرضعنكم.\n• الرضاع: اصطلاحًا: هو مص طفل صغير لبن امرأة أو شربه ونحوه.\n• والتحريم بالرضاع ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.\nقال تعالى (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ …) ذكرهما في جملة المحرمات.\nوعن عائشة. أن النبي -ﷺ- قال (يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة) متفق عليه.\nوعن ابن عباس. قال: قال رسول الله -ﷺ- (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) متفق عليه.\nمعنى الحديث: ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب: من سببية والتقدير: ويحرم النكاح بسبب الرضاعة كما يحرم بسبب النكاح.\nوأجمع العلماء على التحريم بالرضاع. قاله في المغني.\n• ظاهر الآية أن الرضاع محرّم مطلقًا، لكن جاءت بتقييد ذلك، وقد اختلف العلماء في عدد الرضعات المحرمة على أقوال:\nالقول الأول: أن قليل الرضاع وكثيره محرِّم.\nوهذا مذهب جمهور العلماء.\nواستدلوا بالعمومات، كقوله تعالى (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ …) ففي هذه الآية علقت التحريم على مطلق الإرضاع، فحيث وجد وجد حكمه.\nوعموم قوله -ﷺ- (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).","vol":"4","page":392},{"text":"وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ -﵁- (أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنِّي. قَالَ: فَتَنَحَّيْت، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ. قَالَ: كَيْفَ؟ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا).\nوجه الدلالة: أن النبي -ﷺ- أمر الزوج أن يترك زوجته لمجرد علمه بأنهما رضعا من ثدي واحد دون أن يسأل عن عدد الرضعات، فدل ذلك على أن مطلق الإرضاع يثبت به التحريم.\nوعموم قوله -ﷺ-: (إنما الرضاعة من المجاعة). متفق عليه\nالقول الثاني: أن المحرم ثلاث رضعات.\nوهو قول داود، وأبي ثور، وابن المنذر.\nلحديث عَائِشَة قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ) رواه مسلم.\nوجه الدلالة: أن النبي -ﷺ- صرح فيها أن المصة والمصتان لا تحرمان، فيكون ما فوقهما مُحرِّم، وهو الثلاث، لأن ذلك لو لم يكن محرمًا لبينه النبي -ﷺ-.\nالقول الثالث: أن المحرم خمس رضعات.\nقال ابن قدامة: هذا هو الصحيح في المذهب، وروي هذا عن عائشة وابن الزبير وابن مسعود وعطاء وطاووس.\nورجحه الصنعاني والشوكاني.\nعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) رواه مسلم.\nوهذا القول هو الصحيح.\nأما أدلة القول الأول: فهي عمومات، وقد قيدت بالسنة بعدد معين من الرضاعة، كما في حديث عائشة","vol":"4","page":393},{"text":"• ويشترط في الرضاع المحرّم أن يكون في الوقت المحدد للرضاع، وقد اختلف العلماء فيه على أقوال:\nوجمهور العلماء أن الرضاع المحرّم ما كان في الحولين\nلقوله تعالى (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ).\nقال ابن كثير (هذا إرشاد من الله للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال [لمن أراد أن يتم الرضاعة] وذهب أكثر الإئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقها لم يحرم.\nولحديث عَائِشَةُ قالت (دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَتْ فَقَالَ «انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ) متفق عليه.\nفهذا دليل على أن الرضاعة المعتبرة التي يثبت بها الحرمة، وتحل بها الخلوة، هي حيث يكون الرضيع طفلًا يسد اللبن جوعته.\nومثله حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: (لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام) رواه الترمذي وصححه. … قوله (الثدي) أي وقت الحاجة إلى الثدي، أي في الحولين.\nوعن ابن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا رضاع إلا ما شد العظم، وأنبت اللحم). رواه أبو داود\nوذهب بعض العلماء إلى أن رضاع الكبير يُحَرّم.\nوهذا قول عائشة ونصره ابن حزم.\nلحديث عائشة قالت: (جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول الله، إني أرى في وجه حذيفة من دخول سالم (وهو حليفه) فقال النبي -ﷺ-: أرضعيه، قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير، فتبسم رسول الله -ﷺ- وقال: علمت أنه رجل كبير). رواه مسلم","vol":"4","page":394},{"text":"قال النووي: قالت عائشة وداود: تثبت حرمة الرضاع برضاع البالغ، كما تثبت برضاع الطفل، لهذا الحديث.\nوالراجح مذهب الجمهور، وهو أن رضاع الكبير غير مؤثر.\nوأما الجواب عن حديث سهلة، فقد أجاب العلماء بأجوبة:\nأولًا: أن هذه الحادثة رخصة خاصة بسالم، فلا يتعداه إلى غيره، ولذلك فإن أمهات المؤمنين سوى عائشة، أبَيْن أن يعملن بهذه الحادثة، لأنهن كنا يرين أن ذلك رخصة لسالم.\nثانيًا: أنه حكم منسوخ، وبه جزم المحب الطبري في أحكامه، وقرره بعضهم بأن قصة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدالة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة، فدل على تأخرها، وهو مستند ضعيف، إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي، ولا صغره، أن لا يكون ما رواه متقدمًا. [قاله في الفتح]\nثالثًا: قول الشوكاني، حيث قال: إن الرضاع يعتبر فيه الصغر إلا فيما دعت إليه الحاجة، كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها منه، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا هو الراجح عندي، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، وذلك بأن تجعل قصة سالم المذكورة مخصصة لعموم: (إنما الرضاع من المجاعة) (ولا رضاع إلا في الحولين) (ولا رضاع إلا ما فتق الأمعاء).\n(وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) سواء كن شقائق أو لأب أو لأم.\n• فأختك الشقيقة من الرضاع: هي التي رضعتْ من أمك من لبن أبيك، أو رضعتَ من أمها من لبن أبيها\nوأختك من الرضاع لأب هي التي رضعتْ من لبن أبيك من زوجة غير أمك، أو رضعتَ من لبن أبيها من زوجة غير أمها.\nوأختك من الرضاع لأمك، هي التي رضعت من أمك من لبن زوج غير أبيك أو رضعتَ من أمها من لبن زوج غير أبيها.","vol":"4","page":395},{"text":"• لم تذكر الآية من المحرمات بالرضاع سوى (الأمهات والأخوات) وقد وضحت السنة النبوية أن المحرمات بالرضاع سبع كما هو الحال في النسب في قوله -ﷺ- (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب).\nمعنى الحديث: ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب: من سببية والتقدير: ويحرم النكاح بسبب الرضاعة كما يحرم بسبب النكاح.\nفتحرم عليك أمك من الرضاع، وأختك من الرضاع، وبنتك من الرضاع، وأختك من الرضاع، وعمتك من الرضاع، وخالتك من الرضاع.\n(وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) أي: وحرمت عليكم أمهات نسائكم ..\n• ومما يحرم أبدًا، المحرمات بالصهر، وهن أربع، ثلاث بمجرد العقد الصحيح.\n• الصهر هو الاتصال بين إنسانين بسبب عقد النكاح، فليس هناك قرابة ولا رضاع ولكن سببه عقد النكاح.\n• فيحرم نكاح أم الزوجة سواء دخل بالزوجة أو لم يدخل، لأن مجرد العقد على البنت يحرّم الأم.\n(وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ) أي: وحرم عليكم بنات أزواجكم من غيركم.\n• الربائب جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من آخر، سميت بذلك لأنه غالبًا يربيها في حجره.\n• قوله تعالى (اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ) هذا الوصف ليس شرطًا في تحريم الربيبة، وإنما هو لبيان الواقع - غالبًا - فلا مفهوم له، كما في قوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) لأن الغالب أنهم لم يكونوا يقتلونهم إلا من خشية الفقر، لكن هذا ليس قيدًا للنهي، فلو قتلهم بسبب آخر كان محرمًا أيضًا.\n• قال ابن كثير: وأما قوله (وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ) فجمهور الأئمة على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره، قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له كقوله تعالى (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا).","vol":"4","page":396},{"text":"(اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) أي: من زوجاتكم اللاتي جامعتموهن، فالمراد بالدخول هنا الجماع، وهذا قول الجمهور، بل حكى الطبري الإجماع على أن المراد بالدخول هنا الإجماع.\nمثال: لو كان لك زوجة ولها بنت من رجل آخر، فهذه البنت حرام عليك.\nلكن لا يقع التحريم إلا بالدخول وهو الجماع، فإن حصل الفراق قبل الجماع فلا تحرم.\n• فالربيبة تحرم بالدخول بالزوجة (وهو الجماع) فلا تحرم بمجرد العقد، ولهذا قال تعالى:\n(فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) أي: فإن لم تكونوا دخلتم بهن وفارقتموهن قبل الجماع، فلا جناح عليكم ولا حرج في نكاح الربيبة.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) يعني بالأُمهات (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) يعني في نكاح بناتهنّ إذا طلقتموهنّ أو متْنَ عنكم.\nوأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوّج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حلّ له نكاحُ ابنتها. (تفسير القرطبي).\n(وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) أي: وحرّم عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم.\n• قوله تعالى (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ) جمع حليلة وهي الزوجة سميت بذلك لأنها تحل للزوجة والمعنى: حرم عليكم زوجات أبنائكم.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ) الحلائِل جمع حَلِيلة، وهي الزوجة، سُميت حليلة لأنها تَحِل مع الزوج حيث حلّ؛ فهي فعيلة بمعنى فاعلة، وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال؛ فهي حليلة بمعنى محلّلة، وقيل: لأن كل واحد منهما يَحُل إزار صاحبه.\n• وزوجة الابن حرام على الأب بمجرد عقد الابن عليها، سواء دخل بها أو لم يدخل بها.\n• قوله تعالى (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) هذا القيد لإخراج الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية، كما تبنى النبي -ﷺ- قبل بعثته زيد بن حارثة فكان يقال: زيد بن محمد حتى أبطل الإسلام التبني، وعليه: فنكاح زوجات أبناء التبني حلال.\nوذهب بعض العلماء إلى أن القيد (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) لإخراج الأبناء من الرضاع، فلا تحرم زوجاتهم على آبائهم من الرضاع، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ووجه هذا القول: أن التبني قد أبطله الإسلام وانتهى حكمه، فلم يرد الاحتراز منه، ولأن ابن التبني ليس ابنًا لمن تبناه لا حقيقة ولا شرعًا ولا عرفًا.\n(وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) أي: وحرّم عليكم الجمع بين الأختين، سواء كن شقيقتين أو لأم أو مختلفتين من النسب أو الرضاع.\n• قال ابن جرير: معناه: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين عندكم بنكاح.\n• قال ابن كثير: وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديمًا وحديثًا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح.\n• قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين الأختين في التزويج حرام بالإجماع، سواء كانت شقيقتين أم من أب أم من أم، وسواء البنت من الرضاع.","vol":"4","page":397},{"text":"ومن الأدلة على التحريم: حديث أُمِّ حَبِيبَة بِنْتِ أَبِى سُفْيَانَ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ لَهُ هَلْ لَكَ فِي أُخْتِي بِنْتِ أَبِى سُفْيَانَ فَقَالَ «أَفْعَلُ مَاذَا». قُلْتُ تَنْكِحُهَا. قَالَ «أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ». قُلْتُ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي. قَالَ «فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي». قُلْتُ فَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ. قَالَ «بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَىَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ) رواه مسلم.\nومما يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.\nقال -ﷺ- (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا).\nقال النووي: في هذا دليل لمذهب العلماء كافة أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها.\n• فإن جمع بينهما:\n• إن كان بعقد واحد بطلا.\n• وإن كان كل واحدة بعقد، فنكاح الثاني مفسوخ باطل.\n• وقد بين -ﷺ- الحكمة من ذلك، فقال -ﷺ-: (إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) رواه ابن حبان، وذلك لما يكون بين الضرائر من الغيرة.\nفإذا طلقت المرأة وانتهت عدتها، حلت أختها وعمتها وخالتها، لانتفاء الضرر.\n• ومثل ذلك الرضاع فأخت زوجتك من الرضاع لا تجمعها مع زوجتك.\nكذلك عمة زوجتك من الرضاع لا يجوز، وكذلك خالة زوجتك من الرضاع لا يجوز.\n(إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) إلا ما قد مضى وسلف وانتهى من نكاح شيء منهن قبل نزول الآية وقبل التحريم فهو معفو عنه.\nوالحكمة - والله أعلم - في هذا الاستدراك لئلا يقع في قلوبهم شيء مما حصل منهم من نكاح شيء من هذه المحرمات قبل نزول الآية، وليس المعنى إقرار ما كان من عقود على شيء من هذه المحرمات قبل نزول الآية ما زالت موجودة بعد نزول الآية، بل يجب التفريق بين الرجل وبين كل من نكحها أو وطئها من هذه المحرمات.\nإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا) الغفور اسم من أسماء الله متضمن للمغفرة الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).\nقال السعدي: الغفور: الذي لم يزل يغفر الذنوب ويتوب على كل من يتوب.","vol":"4","page":398},{"text":"قال ابن القيم:\nوهو الغفور فلو أتى بقرابها … من غير شرك بل من العصيان\nلأتاه بالغفران ملء قرابها … سبحانه هو واسع الغفران\nوالمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله -ﷺ- قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه - ﷿ - حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا\nوأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم.\nومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام.\n• فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك واسع المغفرة).\nوقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى).\nبل من فضله وجوده وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1493> الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:</span>\nأولًا: محبة الله وحمده وشكره على رحمته لعباده وغفرانه لذنوبهم.\nثانيًا: فتح باب الرجاء والمغفرة للشاردين عن الله تعالى والمسرفين على أنفسهم، فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك واسع المغفرة)، وقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى)، بل من فضله وجود وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).","vol":"4","page":399},{"text":"ثالثًا: الإكثار من الأعمال الصالحة والحسنات لأنها من أسباب الحصول على مغفرة الله للسيئات السالفة، قال سبحانه (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى).\nرابعًا: أن كونه سبحانه غفورًا وغفارًا للذنوب لا يعني أن يسرف المسلم في الخطايا والذنوب ويتجرأ على معصية الله تعالى بحجة أن الله غفور رحيم، لأن المغفرة لا تكون إلا بشروطها وانتفاء موانعها قال سبحانه (إنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا).\nخامسًا: سؤال الله ﷿ بهذا الاسم الكريم مغفرة الذنوب ووقاية شرها، لأنه سبحانه وحده الذي يملك غفران الذنوب، ولا يملك ذلك أحد سواه.\nسادسًا: مجاهدة النفس على التخلق بخلق الصفح عن الناس وستر أخطائهم وعوراتهم والاهتداء بهدي القرآن الكريم الذي يأمر بالعفو عن الناس ومقابلة السيئة بالحسنة، قال سبحانه في وصف المتقين (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ).\n(رَحِيمًا) تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1494>الفوائد:</span>\n١ - تحريم نكاح هؤلاء السبع من النسب.\n٢ - تحريم التحريم بالرضاع، والمحرمات من الرضاع سبع كالمحرمات من النسب.\n٣ - أن الأم عند الإطلاق لا يدخل فيها الأم من الرضاع، لأنها لو كانت تدخل عند الإطلاق ما احتيج إلى قوله «وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ).\n٤ - تحريم أم الزوجة، وهي تحرم بمجرد العقد.\n٥ - تحريم الربيبة - وهي بنت الزوجة - لكن بشرط وهو الدخول بأمها وهو الجماع.\n٦ - تحريم زوجات الأبناء، وزوجة الابن تحرم بمجرد العقد.\n٧ - تحريم الجمع بين الأختين.\n٨ - أنه لو عقد عليهما جميعا بعقد واحد بطل العقد، فإن تزوج المرأة ثم عقد على أختها، فالعقد الثاني باطل.\n٩ - أن الإنسان لا يؤاخذ بما فعل قبل العلم.\n١٠ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم. (الأحد: ٣/ ٢/ ١٤٣٤ هـ). انتهى الشريط: ١٦","vol":"4","page":400},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1495>(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤».</span> [النساء: ٢٤].\n<hr><s0>\n\n(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) أي: وحرّم عليكم نكاح المتزوجات من النساء.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (والمحصنات) عطف على المحرّمات والمذكورات قبلُ.\nوالتّحَصُّن: التمنّع؛ ومنه الحِصْن لأنه يُمتنع فيه؛ ومنه قوله تعالى (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ) أي: لتمنعكم؛ ومنه الحصان للفرس (بكسر الحاء) لأنه يمنع صاحبه من الهلاك، فالمراد بالمحصنَات هاهنا ذوات الأزواج؛ يُقال: امرأة مُحْصنة أي متزوّجة.\n• قوله تعالى (وَالْمُحْصَناتُ) من الإحصان وهو في اللغة بمعنى المنع. يقال: هذه درع حصينة، أي مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال: هذا موضع حصين، أي مانع من يريده بسوء. ويقال امرأة حصينة أي مانعة نفسها من كل فاحشة بسبب عفتها أو حريتها أو زواجها.\nقال الراغب: ويقال حصان للمرأة العفيفة ولذات الحرمة. قال تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) وقال تعالى: (فَإِذا أُحْصِنَّ) أي تزوجن. وأحصن زوجن.\nوالحصان في الجملة: المرأة المحصنة إما بعفتها أو بتزوجها أو بمانع من شرفها وحريتها» والمراد بالمحصنات هنا: ذوات الأزواج من النساء. (التفسير الوسيط).\n• قال في التسهيل: قوله تعالى (والمحصنات مِنَ النسآء) المراد هنا ذوات الأزواج، وهو معطوف على المحرمات المذكورة قبله، والمعنى: أنه لا يحل نكاح المرأة إذا كانت في عصمة الرجل.\n• فالمراد بالمحصنات هنا المتزوجات، لأن لفظ (المحصنات) أطلق في القرآن ثلاثة إطلاقات:\nالأول: المحصنات العفائف، ومنه قوله تعالى (محصنات غير مسافحات) أي: عفائف غير زانيات.\nالثاني: المحصنات الحرائر، ومنه قوله تعالى (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) أي: على الإماء نصف ما على الحرائر، ومنه قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ).\nالثالث: أن يراد بالإحصان التزوج، وهو المراد بهذه الآية على القول الصحيح.","vol":"5","page":1},{"text":"ويؤيده سبب النزول: فعن أبي سعيد (أن رسول الله -ﷺ- يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوهم فقاتلوا فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبابا، فكأن ناسًا من أصحاب رسول الله -ﷺ- تحرجوا من غشيانهم من أجل أزواجهن المشركين، فأنزل الله في ذلك (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) رواه مسلم.\n• وسمي الزواج إحصانًا، لأن كلًا من الزوجين يحصن صاحبه، كما قال -ﷺ- (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة … فإنه أحصن للفرج).\n(إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: حرمت عليكم المحصنات من النساء وهن زوجات الغير أو معتداتهم إلا اللائي ملكتموهن بطريق السبي من الكفار، فإنه ينفسخ نكاحهن من أزواجهن الكفار، ويحل لكم وطؤهن بعد استبراهن.\n• قوله تعالى (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) استثناء من تحريم نكاح ذوات الأزواج والمراد به: النساء المسبيات اللاتي أصابهن السبي ولهن أزواج في دار الحرب، فانه يحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء، لارتفاع النكاح بينهن وبين أزواجهن بمجرد السبي، أو بسبيهن وحدهن دون أزواجهن.\nأي: وحرم اللّه تعالى عليكم نكاح ذوات الأزواج من النساء، إلا ما ملكتموهن بسبي، فسباؤكم لهن هادم لنكاحهن السابق في دار الكفر، ومبيح لكم نكاحهن بعد استبرائهن.\n• قال في التسهيل: قوله تعالى (إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم) يريد السبايا في أشهر الأقوال، والاستثناء متصل، والمعنى: أن المرأة الكافرة إذا كان لها زوج، ثم سبيت: جاز لمن ملكها من المسلمين أن يطأها، وسبب ذلك أن رسول الله -ﷺ- بعث جيشًا إلى أوطاس، فأصابوا سبايا من العدوّ لهنّ أزواج من المشركين، فتأثم المسلمون من غشيانهنّ، فنزلت الآية مبيحة لذلك.\n(كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) أي: هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم، فالزموا كتابه.\n(وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) أي: وأحل لكم نكاح ما سوى المحرمات السابقة.\n• معنى (ما وراء) أي سوى وعدا. (ذلكم) الإشارة للمحرمات السابقة.\n• ويخص من هذا العموم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.","vol":"5","page":2},{"text":"(أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) أي: أن تطلبوا نكاح من وقع نظركم واختياركم عليهن من النساء اللتي أحلهن الله لكم بما تدفعون من المهور.\n• وفي هذا دليل على وجوب المهر وأنه لا يجوز للمرأة أن تهب نفسها.\n(مُحْصِنِينَ) أي: والحال أنكم متزوجين الزواج الشرعي الذي يحصن فروجكم وفروج زوجاتكم، متعففين به عن الزنا.\n(غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي: غير زانين، وسمي الزنا سفاحًا والزاني مسافحًا، لأن قصد الزاني هو سفح الماء ودفقه ونيل اللذة والشهوة دون المقاصد الشريفة للنكاح الشرعي.\n• والمعنى: بين لكم - سبحانه - ما حرم عليكم من النساء، وأحل لكم ما وراء ذلكم، من أجل أن تطلبوا الزواج من النساء اللائي أحلهن اللّه لكم أشد الطلب، عن طريق ما تقدمونه لهن من أموالكم كمهور، وبذلك تكونون قد أحصنتم أنفسكم ومنعتموها عن السفاح والفجور والزنا.\n(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي: فما استمتعتم به منهن بالنكاح الشرعي الصحيح فأعطوهن مهورهن.\n• فالمراد بالاستمتاع هنا الاستمتاع الشرعي (الزواج) وليس نكاح المتعة ويدل عليه حديث (وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج).\n• والاستمتاع: طلب المتعة والتلذذ بما فيه منفعة ولذة، والمراد بقوله أُجُورَهُنَّ أي: مهورهن لأنها في مقابلة الاستمتاع فسميت أجرًا.\n• قال ابن كثير: وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعًا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك، وقد روى عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك، والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب قال: نهى رسول اللّه -ﷺ- عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أنه كان مع رسول اللّه -ﷺ- (يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع\nمن النساء، وإن اللّه قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كانت عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا).","vol":"5","page":3},{"text":"• قال الشنقيطي: وهذا المعنى تدل عليه آيات من كتاب الله.\nكقوله تعالى (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ) فإفضاء بعضهم إلى بعض المصرح بأنه سبب لاستحقاق الصداق كاملًا هو بعينه الاستمتاع المذكور هنا في قوله (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ).\nوكقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).\n• فإن قيل: التعبير بلفظ الأجور يدل على أن المقصود الأجرة في نكاح المتعة، لأن الصداق لا يسمى أجرًا.\nفالجواب: أن القرآن جاء فيه تسمية الصداق أجرًا كما في قوله تعالى (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: مهورهن بلا نزاع.\nومثله قوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي: في مهورهن.\n• استدل بالآية من قال بإباحة نكاح المتعة، قالوا: إن التعبير بالاستمتاع، ولفظ الأجور يدل على أن المراد نكاح المتعة، وهذا استدلال باطل من وجوه ثلاثة:\nالأول: أن لفظ الأجور جاء في الصداق، قال تعالى (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: مهورهن بلا نزاع.\nالثاني: أن الأدلة قاطعة بتحريم نكاح المتعة إلى يوم القيامة، وهي أصرح بكثير من هذا الفهم.\nعن الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) رواه مسلم\nالثالث: لو سلمنا جدلًا أن الآية في نكاح المتعة، فإنها منسوخة.\n• والأجر هو المهر، وسمي المهر أجرًا لأنه في مقابل الاستمتاع بمنفعة البضع.\n(فَرِيضَةً) أي: مفروضة.\n(وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) أي: لا حرج عليكم ولا إثم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة من زيادة في المهر بعد تسميته وفرضه، أو نقص منه، فللزوج أن يزيد في المهر إذا كان ذلك عن رضى منه، وللزوجة أن تعفو عن شيء من المهر بعد فرضه، وتبرئ الزوج منه، أو تهبه له أو بعضه، أو تأذن له بتأخيره إذا كان عن رضى منها وطيب نفس.","vol":"5","page":4},{"text":"(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) وقد ذيل - سبحانه - الآية الكريمة بقوله إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا لبيان أن ما شرعه هو بمقتضى علمه الذي أحاط بكل شيء، وبمقتضى حكمته التي تضع كل شيء في موضعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1496>الفوائد:</span>\n١ - تحريم نكاح المرأة المتزوجة، كأن يتزوجها وهي في عدة الغير.\n٢ - أن النساء المسبيات يكنّ أرقاء بمجرد السبي.\n٣ - إثبات الرق.\n٤ - وجوب الالتزام بما فرض الله.\n٥ - أن المحللات أكثر من المحرمات.\n٦ - وجوب المال في النكاح لقوله (بأموالكم) فاشترط المال للنكاح.\n٧ - تسمية المهر أجرًا.\n٨ - وجوب إتيان النساء مهورهن.\n٩ - إذا تراضى الزوج والزوجة على زيادة أو نقص أو إسقاط فلا حرج. (الثلاثاء: ٥/ ٢/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1497>(وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٥».</span> [النساء: ٢٥].\n<hr><s0>\n\n(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا) أي: من لم يستطع منكم أيها المسلمون - والمراد الأحرار - طولًا: أي: غنى وسعة وزيادة\n(أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) أي: من لم يستطع أن ينكح المحصنات المؤمنات، والمراد بالمحصنات الحرائر بقرينة قوله تعالى (فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ).\n• وسميت الحرائر محصنات، لأنهن أحصن بالحرية عما تكون عليه الأمة من كونها خرّاجة ولاّجة متبذلة ونحو ذلك، أما الحرة فإنها مصونة محصنة.\n• قال الرازي: المراد بالمحصنات في قوله (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ المحصنات) هو الحرائر، ويدل عليه أنه تعالى أثبت عند تعذر نكاح المحصنات نكاح الإماء، فلا بد وأن يكون المراد من المحصنات من يكون كالضد للاماء، والوجه في تسمية الحرائر بالمحصنات على قراءة من قرأ بفتح الصاد: أنهن أحصن بحريتهن عن الأحوال التي تقدم عليها الإماء، فإن الظاهر أن الأمة تكون خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة، والحرة مصونة محصنة من هذه النقصانات، وأما على قراءة من قرأ بكسر الصاد، فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهن. أ هـ\n(فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: فلينكح التي ملكت أيمانكم وهي الإماء، والمراد أمَةَ غيرهِ، لأنه لا يجوز للمالك أن يتزوج أمة نفسه (مملوكته) لأن مملوكة الرجل تحل له بعقد الملكية، وهو أقوى من عقد الزواج.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم) أي فَلْيَتَزَوّج بأَمَة الغير، ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له أن يتزوّج أَمَةَ نفسه؛ لتعارض الحقوق واختلافها.\n(مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) أي: فلابد أن تكون الأمَة مؤمنة، فالكافرة في هذا المقام ولو يهودية أو نصرانية لا يصح.\n• قال الرازي: الآية دالة على التحذير من نكاح الإماء، وأنه لا يجوز الإقدام عليه إلا عند الضرورة، والسبب فيه وجوه:\nالأول: أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، فإذا كانت الأم رقيقة علق الولد رقيقا، وذلك يوجب النقص في حق ذلك الإنسان وفي حق ولده.\nوالثاني: أن الأمة قد تكون تعودت الخروج والبروز والمخالطة بالرجال وصارت في غاية الوقاحة، وربما تعودت الفجور، وكل ذلك ضرر على الأزواج.\nالثالث: أن حق المولى عليها أعظم من حق الزوج، فمثل هذه الزوجة لا تخلص للزوج كخلوص الحرة، فربما احتاج الزوج إليها جدًا ولا يجد إليها سبيلًا لأن السيد يمنعها ويحبسها.","vol":"5","page":6},{"text":"الرابع: أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول: بيع الأمة طلاقها، تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى، وعلى\nقول من لا يرى ذلك فقد يسافر المولى الثاني بها وبولدها، وذلك من أعظم المضار.\nالخامس: أن مهرها ملك لمولاها، فهي لا تقدر على هبة مهرها من زوجها، ولا على إبرائه عنه، بخلاف الحرة، فلهذه الوجه ما أذن الله في نكاح الأمة إلا على سبيل الرخصة.\n(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ) أي: ليس لكم إلا الظاهر، أما الباطن فعلمه إلى الله تعالى، فإذا كانت الأمة مؤمنة في الظاهر جاز نكاحها، وباطنها إلى الله تعالى.\n• قال القرطبي: المعنى أن الله عليم ببواطن الأُمور ولكم ظواهرها، وكلّكم بنو آدم وأكرمكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكِفُوا من التزوّج بالإماء عند الضرورة، وإن كانت حديثةَ عهدٍ بِسِباء، أو كانت خرساء وما أشبه ذلك.\nففي اللفظ تنبيه على أنه ربّما كان إيمان أَمَة أفضل من إيمان بعض الحرائر. (تفسير القرطبي).\n(بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي: كلكم سواء في البشرية والإنسانية الأحرار والأرقاء، وكلكم من آدم وآدم من تراب كما قال تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).\n• قال القرطبي: قوله تعالى (بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ) ابتداء وخبر؛ كقولك زيد في الدار.\nوالمعنى أنتم بنو آدم، وقيل: أنتم مؤمنون.\nوقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ المعنى: ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصناتِ المؤمناتِ فلْينكِح بعضُكم من بعض: هذا فتاة هذا، وهذا فتاة هذا.\nفبعضكم على هذا التقدير مرفوع بفعله وهو فلينكح.\nوالمقصود بهذا الكلام تَوْطِئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأَمَة وتُعيّره وتُسمِّيه الهَجِين، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له، وإنما انحطت الأَمَة فلم يجز للحرّ التزوّج بها إلا عند الضرورة؛ لأنه تسبب إلى إرقاق الولد، وأن الأَمَة لا تَفرُغ للزّوج على الدوام، لأنها مشغولة بخدمة المَوْلَى.\n(فَانْكِحُوهُنَّ) الخطاب لمن لم يجد الطوْل لنكاح الحرائر.\n(بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) أي: برضى مالكيهن وأسيادهن، لأن ولي الأمَة هو مالكها وسيدها، فهو الذي يملكها ويملك منافعها، وليس لأحد عليها ولاية سواه، لا أبوها ولا غيره.","vol":"5","page":7},{"text":"• قال الرازي: اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل، ويدل عليه القرآن والقياس.\nأما القرآن فهو هذه الآية فإن قوله تعالى (فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) يقتضي كون الإذن شرطا في جواز النكاح، وإن لم يكن النكاح واجبا.\nوأما القياس: فهو أن الأمة ملك للسيد، وبعد التزوج يبطل عليه أكثر منافعها، فوجب أن لا يجوز ذلك إلا بإذنه.\n(وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: وأعطوهن مهورهن، وسمي المهر أجرًا، لأنه في مقابلة منفعة البضع\n• والمهر إنما يعطى لسيد الأمة، وإنما أضيف إليهن إضافة اختصاص لا إضافة تمليك، كما يقال: سرج الدابة، أو لأنهن السبب في حصول هذه المهور لأسيادهن، لأن الأمَة لا تملك.\n• قوله تعالى (بالمعروف) عادة عند الناس من حيث كونه مثل مهر أمثالهن من الإماء، وعن طيب نفس منكم من غير منٍّ ولا مماطلة أو بخس منه، استهانة بهن لكونهن إماءً مملوكات، فتقول هذه أمَة فتماطل بمهرها أو تمنَّ به عليها.\n(محْصَنَاتٍ) أي: متعففات بالزواج الشرعي عن الزنا، لأن الله ذكر مقابل هذا (غير مسافحات) وذكر قبله (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) فصح حمل معنى (محصنات) على المعنيين العفة والزواج الشرعي.\n(غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) أي: غير زانيات، وسبق لماذا سمي الزنا سفاحًا.\n(وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) أي: ولا حال كونهن متخذات أخدان (متخذات) أي: جاعلات (أخدان) جمع خِدْن، وهو الصديق والخليل والصاحب في السر، تتخذه المرأة يزني بها سرًا دون غيره.\n(فَإِذَا أُحْصِنَّ) الصحيح من أقوال أهل العلم أن معنى (فَإِذَا أُحْصِنَّ) أي: تزوجن، فحصنّ أنفسهن وحصنهن أزواجهن بذلك، وقيل: بمعنى (فَإِذَا أُحْصِنَّ) أي: أسلمن.\n• قال ابن كثير: والأظهر - والله أعلم - أن المراد بالإحصان ههنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول ﷾ (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ)، والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله (فَإِذَا أُحْصِنَّ) أي: تزوجن كما فسره ابن عباس ومن تبعه.\n(فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ) أي: ارتكبن وفعلن الفاحشة، والمراد بها هنا الزنا، لأنه مما يستفحش شرعًا وعرفًا عند المسلمين، والقرينة الدالة على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا قوله تعالى (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ).\n(فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) أي: فعيهن نصف ما على الحرائر الأبكار من العذاب وهو الحلد حدًا وهو مائة جلدة لقوله تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ).","vol":"5","page":8},{"text":"• وإنما خصت المحصنات - هنا - بالحرائر الأبكار دون الثيبات، لأن الأبكار حدهن الجلد، وهو يتنصف بخلاف الثيبات، فإن حدهن الرجم، والرجم لا يتنصف.\n• وعلى هذا فإذا تزوجت الأمَة، وأتت بفاحشة فعليها حدًا خمسون جلدة.\n• وإنما نقص حد الإماء عن حد الحرائر، لأن العقوبة على قدر النعمة.\n(ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) أي: إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليه الصبر عن الجماع، وعن بسبب ذلك.\n• إذًا يجوز للحر أن يتزوج الأمة بشرطين:\nالشرط الأول: لا يجد قدرة على نكاح الحرة.\nالشرط الثاني: إذا خاف على نفسه الوقوع في الزنا.\n(وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أي: الصبر على العزبة خير من نكاح الأمة لأنه يفضى إلى إرقاق الولد والغض من النفس والصبر على مكارم الأخلاق أولى من البذالة.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وأن تصبروا خير لكم) أي: إذا استطعتم الصبر مع المشقّة إلى أن يتيسّر له نكاح الحرّة فذلك خير، لئلا يوقع أبناءه في ذلّ العبودية المكروهة للشارع لولا الضرورة، ولئلا يوقع نفسه في مذّلة تصرّف الناس في زوجة.\n(وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين \"الغفور والرحيم\" لكون هذه الأحكام رحمةً بالعباد وكرمًا وإحسانًا إليهم فلم يضيق عليهم، بل وسع غاية السعة.\nولعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات، يغفر الله بها ذنوب عباده كما ورد بذلك الحديث. وحكم العبد الذكر في الحد المذكور حكم الأمة لعدم الفارق بينهما. (تفسير السعدي).","vol":"5","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1498>الفوائد:</span>\n١ - الحث على تزويح الحرائر المؤمنات، لأن الله لم يرخص في الإماء إلا للحاجة والعذر.\n٢ - يحرم على الحر أن يتزوج أمة إلا بالشروط التي ذكرها الله: ألا بجد طول حرة مؤمنة، وخوف العنت.\n٣ - اختلف العلماء لو قدر على مهر حرة كتابية؟ هل يتزوجها أم يتزوج أمة؟ قيل: أنه يتزوج أمة، لأن هذا هو ظاهر القرآن، وقيل: بل يتزوج حرة كتابية، قالوا: لأن أولاد الحرة الكتابية ينشؤون على أنهم أحرار وأولاد الأمَة المؤمنة ينشؤون على أنهم أرقاء مملوكين، ورجح الشيخ ابن عثيمين الأول.\n٤ - نقص مرتبة الرق عن الحرية.\n٥ - عموم علم لكل شيء حتى ما كان خافيًا بالقلوب.\n٦ - اشتراط إذن الأهل في تزويج الإماء.\n٧ - لا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها.\n٨ - جمهور العلماء على أن مهر الأمَة لسيدها.\n٩ - تحريم اتخاذ الأخدان، ولذلك نهت الشريعة الإسلامية عن الخلوة بالمرأة، ونهت المرأة أن تخضع بالقول خوفًا من الفتنة.\n١٠ - أن الأمة إذا زنت فإنها تحد، نصف حد الحرة.\n١١ - أن الصبر على عدم نكاح الأمة أولى.\n١٢ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم. (السبت: ٩/ ٢/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1499>(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (٢٨».</span> [النساء: ٢٦ - ٢٨].\n<hr><s0>\n\n(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أي: يريد الله كي يبين لكم.\nالمراد يبين كل ما يحتاجون إليه، ومن ذلك بيان ما أحله لهم وما حرمه عليهم في هذه الآيات وغيرها.\n• والله ﷿ بيّن للعباد الآيات والأحكام، وفصلها لهم غاية البيان والتفصيل لفظًا ومعنى.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أي: ليبيّن لكم أمرَ دينكم ومصالح أمرِكم، وما يحلّ لكم وما يحرمُ عليكم.\n• وقال السعدي: قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أي: جميع ما تحتاجون إلى بيانه من الحق والباطل، والحلال والحرام\n(وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: ويدلكم ويوفقكم (سنن) أي طريقة الذين من قبلكم من الرسل والأنبياء وأتباعهم الصالحين من أهل الكتاب وغيرهم من الأمم الذين أرسل الله إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب.\n• والمراد بسننهم: ما كانوا عليه من أصول الشرائع التي تتفق عليها جميع الشرائع.\n• قال أبو حيان: اختلفوا في قوله (سنن الذين من قبلكم) هل ذلك على ظاهره من الهداية لسننهم؟ أو على التشبيه؟ أي: سننًا مثل سنن الذين من قبلكم.\nفمن قال بالأول أراد أنّ السنن هي ما حرم علينا وعليهم بالنسب والرضاع والمصاهرة.\nوقيل: المراد بالسنن ما عنى في قوله تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا).\nوقيل: المراد بها ما ذكره في قوله تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا).\nوقيل: طرق من قبلكم إلى الجنة.\nوقيل: مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين، والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم، وهذا قريب مما قبله.\nوعلى هذا القول فيكون الذين من قبلكم المراد به الأنبياء وأهل الخير.\nوقيل: المراد بقوله سنن طرق أهل الخير والرشد والغي، ومن كان قبلكم من أهل الحق والباطل، لتجتنبوا الباطل، وتتبعوا الحق\n(وَيتوبَ عَلَيْكُمْ) أي: ويريد أن يوفقكم للتوبة، وهي الرجوع من المعصية إلى الطاعة، ويقبلها منكم.\nلأن توبة الله على العبد نوعان:\nأحدهما: توفيق الله للعبد للتوبة كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) بمعنى وفقهم للتوبة ليتوبوا.\nالثاني: قبولها من العبد إذا تاب، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ).\n(واللَّهُ عَلِيمٌ) بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم.\n(حَكِيمٌ) في كل أقواله وأحكامه وأفعاله، وحكمته أن شرع هذه الأحكام، وبيّن ما أحل من النساء وما حرم منهن، وأباح نكاح الإماء بشروط.\n(واللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) هذا توكيد لقوله (ويتوب عليكم).","vol":"5","page":11},{"text":"(ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ) أي: ويريد أتباع الشهوات عمومًا من أهل الكفر والفسوق والفجور والعصيان.\n• قال القرطبي: اختلف في تعيين المتَّبِعين للشهوات؛ فقال مجاهد: هم الزناة.\nوقال السّدِّي: هم اليهود والنصارى.\nوقالت فرقة: هم اليهود خاصّةً؛ لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب.\nوقال ابن زيد: ذلك على العموم، وهو الأصح. (تفسير القرطبي).\n• والشهوات جمع شهوة، وهي ما يغلب على النفس محبته وهواه، والشهوة قد تكون شهوة فرج وبطن تدفع الإنسان إلى استباحة ما حرم الله من الفروج والمآكل، وقد تكون شهوة فكر وقلب تحمل المرء على رد الحق وقبول الباطل.\n(أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) أي: أن تنحرفوا عما يريد الله لكم من الاستقامة على هدى الله وسلوك طريق الحق، وتسلكوا طريق الباطل.\n(يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) أي: يريد الله أن يخفف عنكم وييسر عليكم فيما شرعه لكم في أوامره ونواهيه\n• التخفيف ضد التشديد والتثقيل، وقد خفف الله عن هذه الأمة فقال تعالى (يرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وقال تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).\nفأباح التيمم عند فقد الماء، وأباح قصر الصلاة في السفر تخفيفًا عليهم، وأباح الفطر في رمضان للمسافر والمريض وغيرها ذلك من التخفيفات.\n(وخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) أي: ضعيفًا في جسمه، ضعيفًا في علمه، ضعيفًا في عزمه وإرادته، ضعيفًا أمام نوازع النفس وغرائزها، ضعيفًا في كل أموره وأحواله.\n• قال ابن القيم: فإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في صبب الحدور، فبالاضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين فإن الهلاك أقرب إليه من نفسه.\nقال طاوس (وخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) أي: في أمر النساء، وقال وكيع: يذهب عقله عندهن.\n• قال ابن الجوزي: في المراد بـ (ضعْف الإنسان) ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه الضعف في أصل الخلقة، قال الحسن: هو أنه خُلق من ماءٍ مهين.\nوالثاني: أنه قلة الصبر عن النساء، قاله طاوس، ومقاتل.\nوالثالث: أنه ضعف العزم عن قهر الهوى، وهذا قول الزجّاج، وابن كيسان. (زاد المسير).\nولكن القاعدة المهمة في تفسير القرآن الكريم أنه كلما كان من الممكن حمل معاني القرآن على العموم والشمول كان أقرب إلى الصواب؛ وأن الأقوال إذا لم تكن متناقضة، وأمكن حمل الآية عليها جميعها كان أوفق في التفسير.","vol":"5","page":12},{"text":"• وقال ابن عطية: المقصد الظاهر بهذه الآية أنها في تخفيف الله تعالى ترك نكاح الإماء بإباحة ذلك، وأن إخباره عن ضعف الإنسان إنما هو في باب النساء، أي: لمَّا علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء، وكذلك قال مجاهد وابن زيد طاوس، ثم بعد هذا المقصد تخرج الآية في مخرج التفضل؛ لأنها تتناول كل ما خفف الله تعالى عن عباده، وجعله الدين يسرًا، ويقع الإخبار عن ضعف الإنسان عامًا، حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في الأغلب.\n• وقال في التسهيل: قوله تعالى (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا) قيل: معناه: لا يصبر على النساء، وذلك مقتضى سياق الكلام، واللفظ أعم من ذلك.\n• وقال القرطبي: قوله تعالى (وَخَلَقَ الإنسان ضَعِيفًا) نصب على الحال؛ والمعنى أن هواه يستميله وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشدّ الضعف فاحتاج إلى التخفيف، وقال طاوس: ذلك في أمر النساء خاصة.\nوروي عن ابن عباس أنه قرأ (وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفًا) أي: وخلق الله الإنسان ضعيفًا، أي لا يصبر عن النساء.\nقال ابن المسيِّب: لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أَعشُو بِالأُخرى وصاحبي أعمى أصَمّ يعني ذكره وإني أخاف من فتنة النساء. (تفسير القرطبي).\n• وقال ابن القيم ﵀ - بعد أن ذكر بعض أقوال السلف في تفسير الآية: والصواب أَن ضعفه يعم هذا كله، وضعفه أَعظم من هذا وأَكثر: فَإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أَسرع من السيل في الحدور.\n• ومن هذا نستفيد:\nأولًا: أن يعرف الإنسان قدر نفسه فلا يتكبر.\nثانيًا: أن يطلب الإنسان القوة من القوي العزيز ﵎، بالاعتصام بحبله، والالتجاء إليه، والتوكل إليه.\nثالثًا: الالتجاء إلى الله، وسؤاله الثبات.\nرابعًا: الابتعاد عن مواطن الفتن، فمن عرض نفسه للفتن وقع فيها، وفي الحديث (من سمع بالدجال فلينأ عنه).\nفمن عرف ضعف نفسه هرب من الفتن خوف الوقوع فيها.","vol":"5","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1500>الفوائد:</span>\n١ - سعة رحمة الله لعباده حيث أراد أن يبين لهم ما يحتاجونه.\n٢ - كمال هذه الشريعة.\n٣ - إن الله يحب التوابين.\n٤ - كرم الله، حيث يحثنا على التوبة.\n٥ - إثبات عموم علم الله لكل شيء.\n٦ - على الإنسان أن يقتنع بأحكام الله، لأنها صادرة عن علم وحكمة.\n٧ - علم الله بما في القلوب لقوله تعالى (ويريد الذين يتبعون الشهوات).\n٨ - الحذر من الذين يتبعون الشهوات.\n٩ - أن أهل الكفر والمعاصي يعملون كل ما في وسعهم لإضلال العباد.\n١٠ - خطر الشهوات على المجتمع.\n١١ - في الآية تحذير لمن يبيع المجلات الهابطة وأشرطة الأغاني وغيرها من آلات اللهو.\n١٢ - أن الله يريد التخفيف على العباد.\n١٣ - أن الله يحب أن تؤتى رخصه.\n١٤ - ضعف الإنسان، ويتفرع على هذه الفائدة الالتجاء إلى الله والاعتماد عليه، وعدم تعرضه للفتن. (الأحد: ١٠/ ٢/ ١٤٣٤ هـ)","vol":"5","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1501>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠»</span> [النساء: ٢٩ - ٣٠].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) سبق فائدة تصدير الخطاب بهذا.\n(لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ينهى ﵎ عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضًا بالباطل: أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، والغش، والكذب، والنجش، والتدليس، وسائر المعاملات المخالفة للشرع.\nوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: \" مَا هَذَا يَا صَاحِبَ اَلطَّعَامِ؟ \" قَالَ: أَصَابَتْهُ اَلسَّمَاءُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. فَقَالَ: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ اَلطَّعَامِ; كَيْ يَرَاهُ اَلنَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي - رَوَاهُ مُسْلِمٌ وفي الرواية الأخرى (من غشنا) واللفظ الأول أعم، والغش: المراد به هنا: كتم عيب المبيع أو الثمن.\nوَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- اَلرَّاشِي وَالْمُرْتَشِيَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n(الراشي) هو دافع الرشوة (والمرتشي) هو آخذها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1502>مفاسد الرشوة:</span>\nأولًا: أن فيها فساد الخلق.\nثانيًا: أنها سبب لتغيير حكم الله ﷿.\nثالثًا: أن فيها ظلمًا وجَورًا.\nرابعًا: أن فيها أكلًا للمال بالباطل.\nخامسًا: أن فيها ضياع الأمانات.\nوكذلك النجش:\nعَنْ ابن عمر (نَهَى -ﷺ- عَنِ النَّجْشِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوكذلك الربا:\nقال الله تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).\nوقال ﷾ (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ).\nوقال ﷿ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ).\nوعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- آكِلَ اَلرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: \" هُمْ سَوَاءٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوحديث أبي جحيفة رواه البخاري ولفظه (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ).","vol":"5","page":15},{"text":"• قوله تعالى (لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ) أضاف الأموال إلى الجميع ولم يقل: لا يأكل بعضكم مال بعض، تنبيهًا على وجوب تكافل المؤمنين في حقوقهم ومصالحهم.\nكما قال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).\n• قوله تعالى (لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) خص الأكل بالنهي - مع أن أخذ الأموال بالطرق المحرمة لأي غرض كان من وجوه الانتفاع بها كله باطل - لأن الأكل هو كسوة البطن، وهو الهدف الأهم.\n• قال الرازي: إنه تعالى خص الأكل ههنا بالذكر وإن كانت سائر التصرفات الواقعة على الوجه الباطل محرمة، لما أن المقصود الأعظم من الأموال: الأكل، ونظيره قوله تعالى (إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْمًا).\n(إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) قال ابن كثير: هو استثناء منقطع كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال. (عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) أي: صادرة عن تراض من البائع والمشتري.\n(وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) لما نهى عن أكل المال بالباطل صيانة للأموال أتبع ذلك بالنهي عن القتل صيانة للأنفس والأبدان فقال (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يقتل أحدكم نفسه، لأن النفس وديعة عند الإنسان، يجب أن يوردها مورد السلامة، ويجنبها موارد الهلاك والعطب في دينها ودنياها.\nوأيضًا لا يقتل بعضكم بعضًا، لأن قتل المسلم لأخيه بمثابة قتله لنفسه، كقوله تعالى (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: ليسلك بعضكم على بعض. وكقوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يلمز بعضكم بعضًا.\nوأيضًا لا تقتلوا أنفسكم بارتكاب محارم الله وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل.\n• قال القرطبي: وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1503>فقتل الإنسان لنفسه كبيرة من الكبائر:</span>\nعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) متفق عليه.\nوعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ (لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِى الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلاَّ قِلَّةً وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ، مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ) متفق عليه.","vol":"5","page":16},{"text":"وعن جندب. قال: قال -ﷺ- («إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَكَأَهَا فَلَمْ يَرْقَأ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَبُّكُمْ قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) متفق عليه. وفي رواية البخاري (قال الله ﷿: بادرني عبدي بنفسه).\n• وكذلك قتل الغير بغير حق كبيرة من الكبائر:\nقال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا).\nوقال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).\nعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ). قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ (الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) متفق عليه.\nوعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله (أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) رواه البخاري.\nوعن بريدة قال: قال رسول الله (لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) رواه النسائي.\nوكذلك ارتكاب معاصي الله وترك أوامره قتل لنفس لأنه عرضها لغضب الله.\nكما قال تعالى (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال حذيفة وابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس: المعنى: لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة.\nوأخرج أبو داود والترمذي وصححه، وابن حبان عن أبي أيوب الأنصار قال (نزلت الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سرًا: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منا، فأنزل الله يرد علينا …).","vol":"5","page":17},{"text":"فكانت التهلكة الإقامة على أموالنا وصلاحها وتركنا الغزو.\n• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) فيه خمسة أقوال:\nأحدها: على ظاهره، وأن الله حرم على العبد قتل نفسه، وهذا الظاهر.\nوالثاني: أن معناه: لا يقتل بعضكم بعضًا، وهذا قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير.\n• ثم ذكر الأقوال وقال:\nالخامس: لا تقتلوها بارتكاب المعاصي.\n• قال الشوكاني: قوله (وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ) أي: لا يقتل بعضكم أيها المسلمون بعضًا إلا بسبب أثبته الشرع، أو لا تقتلوا أنفسكم باقتراف المعاصي، أو المراد النهي عن أن يقتل الإنسان نفسه حقيقة، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني، ومما يدل على ذلك احتجاج عمرو بن العاص بها حين لم يغتسل بالماء البارد حين أجنب في غزاة ذات السلاسل، فقرّر النبي -ﷺ- احتجاجه، وهو في مسند أحمد، وسنن أبي داود وغيرهما.\n(إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) الجملة تعليل للنهي عن أكل الأموال بالباطل وقتل الأنفس، قال الطبري: ومن رحمته بكم كفّ بعضكم عن قتل بعض أيها المؤمنون بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها.\n• وقال ابن كثير: قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فيما أمركم به ونهاكم عنه.\n• وقال أبو حيان: قوله تعالى (إن الله كان بكم رحيمًا) حيث نهاكم عن إتلاف النفوس، وعن أكل الحرام، وبين لكم جهة الحل التي ينبغي أن يكون قوام الأنفس، وحياتها بما يكتسب منها، لأنّ طيب الكسب ينبني عليه صلاح العبادات وقبولها.\n• وقال السعدي: ومن رحمته، أن صان نفوسكم وأموالكم، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها، ورتب على ذلك ما رتبه من الحدود.\nعن عمرو بن العاص. قال (احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمتُ على رسول الله -ﷺ- ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صَلَّيت بأصحابك وأنت جُنُبٌ! قال: قلت يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلكَ، فذكرت قول الله ﷿ (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله -ﷺ- ولم يقل شيئًا) رواه أبو داود.","vol":"5","page":18},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1504> في قصة عمرو بن العاص فوائد:</span>\nأ- جواز التيمم إذا خاف الإنسان من شدة البرد إذا استعمل الماء، ويدل على ذلك أيضًا:\nقوله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وقوله سبحانه (ولا تقتلوا أنفسكم).\nب- جواز إمامة المتيمم بالمتوضئين، وهذا مذهب الجمهور.\nج-أن إقرار النبي -ﷺ- دليل يعمل به.\nد-أنه لا يلزمه الإعادة فيما بعد، لأن النبي -ﷺ- لم يأمره بالإعادة، لأنه أتى بما أمر به.\n(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) الإشارة إلى ما نهى عنه في الآية السابقة من أكل الأموال بالباطل وقتل الأنفس.\n• اختلفوا في قوله تعالى (وَمَن يَفْعَلْ ذلك) إلى ماذا يعود؟\nفقيل: إنه خاص في قتل النفس المحرمة، لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات.\nوقيل: قال الزجاج: إنه عائد إلى قتل النفس وأكل المال بالباطل لأنهما مذكوران في آية واحدة.\n(عُدْوَانًا) أي: تجاوزًا لما حده الله، واعتداء على الآخرين عن قصد وعمد بأكل أموالهم أو قتلهم.\n(وَظُلْمًا) لنفسه بهذا التعدي على الغير، أو ظلمًا لها خاصة.\n(فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا) أي: فسوف ندخله نارًا نغمره فيها من جميع جهاته، تحرقه ويصلاه حرها.\n(وَكَانَ ذَلِكَ) أي: إصلاؤه النار.\n(عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) أي: سهلًا، لأن الله لا يعجزه شيء كما قال تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1505>الفوائد:</span>\n١ - تحريم أكل أموال الناس بالباطل من ربا أو رشوة أو غش أو غيرها.\n٢ - أن أكل أموال الناس بالباطل من علامات نقص الإيمان.\n٣ - أن عدم أكل أموال الناس بالباطل من علامات قوة الإيمان.\n٤ - جواز التجارة.\n٥ - من شروط البيع التراضي بين الطرفين.\n٦ - حرص الإسلام على حفظ حقوق أموال الناس.\n٧ - تحريم قتل الإنسان نفسه، وأنه كبيرة من الكبائر.\n٨ - تحريم قتل المسلم وأنه من الكبائر كما سيأتي إن شاء الله.\n٩ - إثبات صفة الرحمة لله تعالى.\n١٠ - أن فعل هذه المنهيات من كبائر الذنوب، لأن الله توعد عليها بالنار.","vol":"5","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1506>(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا (٣١».</span> [النساء: ٣١].\n<hr><s0>\n\n(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها.\n(نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) أي: إذا اجتنبتم الكبائر فإن الله يستر ويكفّر عنكم الصغائر ويسترها ويمحوها ويتجاوز عنها.\n(وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) أي: وندخلكم إدخالًا كريمًا، وهي الجنة دار السلام، ومعنى كريمًا: أي كثير الخير والفضل والإحسان طيبًا حسنًا مرضيًا خاليًا من الآفات والعاهات والهموم والأحزان والأكدار.\n• قوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا) الاجتناب: ترك الشيء جانبًا والابتعاد عنه.\n• وقوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا) أبلغ من قول (حرمت عليكم الكبائر) لأن معنى اجتناب الشيء، البعد عنه وعما يؤدي إليه، كما قال تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى) أي: ابتعدوا عن الزنا وما يؤدي إليه من النظر المحرّم والخلوة بالأجنبية ونحو ذلك.\n• قوله تعالى (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) دليل على أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر.\nوهذا بنص القرآن والسنة وإجماع السلف [قاله ابن القيم].\nقال تعالى (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ).\nوقال تعالى (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ).\nوالجمهور على أن المراد بـ (اللمم) ما دون الكبائر وهي صغائر الذنوب.\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.\n• قوله تعالى (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) جمع سيئة، والمراد بالسيئة هنا الصغيرة، والدليل على ذلك، أنها جاءت في مقابلة الكبائر، وإلا فالأصل أن السيئة عامة للكبيرة وللصغيرة.\n• من بلاغة القرآن أن يعرف معنى الكلمة بذكر ما يقابلها، ومن ذلك قوله تعالى (فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا) فمعنى ثبات: فرادى، والدليل أنه قوبل بقوله (أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا). (الشيخ ابن عثيمين).","vol":"5","page":20},{"text":"• قوله تعالى (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فبه أن اجتناب الكبائر مكفرة للصغائر.\nفمن اتقى الكبائر والموبقات، غفر الله له ما بين ذلك من اللمم.\nقال الله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا).\nوقال سبحانه (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَاد بِاللَّمَمِ مَا ذَكَرَهُ اللَّه فِي قَوْله تَعَالَى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) وَهُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ. وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فَيُؤْخَذ مِنْ الْآيَتَيْنِ أَنَّ اللَّمَم مِنْ الصَّغَائِر وَأَنَّهُ يُكَفَّر بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِر.\nوذكر النووي ﵀ كلام الخطابي ثم قال: هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي تَفْسِير اللَّمَم، وَقِيلَ: أَنْ يُلِمّ بِالشَّيْءِ وَلا يَفْعَلهُ، وَقِيلَ: الْمَيْل إِلَى الذَّنْب. وَلا يُصِرّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ. وَأَصْل اللَّمَم وَالإِلْمَام الْمَيْل إِلَى الشَّيْء وَطَلَبَهُ مِنْ غَيْر مُدَاوَمَة.\nقال في تحفة الأحوذي: اخْتَلَفَت أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ اللَّمَمِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ صَغَائِرُ الذُّنُوبِ … وَهو الظَّاهِرُ الرَّاجِحُ.\nوقال القرطبي ﵀: (إلا اللمم) وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه.\n• اختلف في تحديد الكبيرة على أقوال.\nفقيل: الكبيرة كل ما نص على أنها من الكبائر.\nكقوله في أكل أموال اليتامى (إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) وقوله -ﷺ- (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين ..) واختاره الطبري.\nوقيل: الكبيرة: ما ترتب عليه عقوبة خاصة دينية أو دنيوية أو أخروية، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.\nفالعقوبة الدينية كقوله -ﷺ- (ليس منا من لطم الخدود ..) وقوله (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).","vol":"5","page":21},{"text":"العقوبة الدنيوية: كقتل القاتل، ورجم الزاني المحصن، وجلد الزاني غير المحصن، وقطع السارق.\nوقيل: ما فيه حد، وهذا ضعيف، لأن بعض الكبائر - كالربا - لا حد فيها.\nوقيل: ما اتفقت الشرائع على تحريمه. وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن شرب الخمر والفرار من الزحف والتزوج ببعض المحارم ليس من الكبائر.\nوقيل: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن الذنوب لا تنقسم إلى صغائر وكبائر.\nوقيل: سبعة عشر.\nوقيل: ما ترتب عليه حد، أو تُوُعد عليه بالنار أو اللعنة، ويرجح هذا القول أمور:\nأ - أنه المأثور عن السلف.\nب - أن هذا الضابط يمكن التفريق به بين الكبائر والصغائر.\nج- أن الله تعالى قال (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم …) فلا يستحق هذا الوعد الكريم من أوعد بغضب الله ولعنته وناره.\nذ- أن هذا الضابط يسلم من القوادح الواردة على غيره.\n• قال الرازي: من الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر، … واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه:\nالحجة الأولى: هذه الآية، فإن الذنوب لو كانت بأسرها كبائر لم يصح الفصل بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر.\nالحجة الثانية: قوله تعالى (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ) وقوله (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا).\nالحجة الثالثة: ان الرسول -ﷺ- نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، كقوله (الكبائر: الإشراك بالله واليمين الغموس وعقوق الوالدين وقتل النفس) وذلك يدل على أن منها ما ليس من الكبائر.","vol":"5","page":22},{"text":"الحجة الرابعة: قوله تعالى (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان) وهذا صريح في أن المنهيات أقسام ثلاثة: أولها: الكفر، وثانيها: الفسوق، وثالثها: العصيان، فلا بد من فرق بين الفسوق وبين العصيان ليصح العطف، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق بين الصغائر وبين الكبائر، فالكبائر هي الفسوق، والصغائر هي العصيان.\n• قال ابن الجوزي: وقيل كلُّ ما عُصي الله به، روي عن ابن عباس، وعبيدة، وهو قول ضعيف.\n• وها هنا ثلاثة أمور ينبغي الالتفات إليها والتفطن لها:\nأولها: أن الإصرار على الصغيرة قد يجعلها كبيرة.\nقال ابن القيم ﵀: الإصرار على الصغيرة قد يساوي إثمه إثم الكبيرة أو يربى عليها.\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إذا أصر الإنسان على الصغيرة وصار هذا ديدنه صارت كبيرة بالإصرار لا بالفعل، مكالمة المرأة على وجه التلذذ حرام وليس بكبيرة، ولكن إذا أصر الإنسان عليه وصار ليس له هم إلا أن يشغل الهاتف على هؤلاء النساء ويتحدث إليهن صار كبيرة، فالإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة من حيث الإصرار؛ لأن إصراره على الصغيرة يدل على تهاونه بالله ﷿، وأنه غير مبال بما حرم الله.\nثانيها: أن الاستهانة بالصغائر مهلكة.\nفقد روى أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا: كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا).\n• والسيئة سميت بذلك: لأنها سيئة بنفسها وقبيحة، ولأنها تسوء صاحبها حالًا ومآلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1507>الفوائد:</span>\n١ - وجوب اجتناب الكبائر والابتعاد عنها وعن كل سبب يؤدي إليها.\n٢ - أن الصغائر تقع مكفّرة إذا اجتنبت الكبائر.\n٣ - سعة فضل الله ورحمته.","vol":"5","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1508>(وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢».</span> [النساء: ٣٢].\n<hr><s0>\n\nعن أم سلمة قالت (يا رسول الله! تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) رواه الترمذي.\n(وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: لا تطمعوا فيما زاد الله به بعضكم على بعض من الأمور الدينية والدنيوية، سواء كان ذلك في الأمور المتعذرة وغير الممكنة كأن تتمنى النساء شيئًا من خصائص الرجال التي فضلهم الله بها كالجهاد ومضاعفة الميراث ونحو ذلك، أو في الأمور الممكنة التي يتعسر نيلها كأن يتمنى البعض ما فضل الله به البعض الآخر عليه من العلم والمال ونحو ذلك.\nقال ابن عباس: لا يتمنى الرجل فيقول: ليت لو أن لي مال فلان وأهله، فنهي الله عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله.\n• قال ابن رجب: قوله تعالى (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) فقد فُسِّرَ ذلك بالحسد، وهو تمنِّي الرجل نفس ما أُعطي أخوه من أهلٍ ومال، وأنْ ينتقل ذلك إليه، وفُسِّرَ بتمني ما هو ممتنع شرعًا أو قدرًا، كتمني النِّساءِ أنْ يكنَّ رجالًا، أو يكون لهن مثلُ ما للرجالِ من الفضائلِ الدينية كالجهاد، والدنيوية كالميراثِ والعقلِ والشهادةِ ونحو ذلك، وقيل: إنَّ الآية تشمل ذلك كُلَّه.\nومع هذا كُلِّه، فينبغي للمؤمن أنْ يحزنَ لفواتِ الفضائل الدينية، ولهذا أُمِرَ أنْ ينظر في الدين إلى مَنْ فوقَه، وأنْ يُنافِسَ في طلب ذلك جهده وطاقته، كما قال تعالى (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمتَنَافِسُونَ).\n• قال السعدي: قوله تعالى (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) ينهى تعالى المؤمنين عن أن يتمنى بعضهم ما فضل الله به غيره من الأمور الممكنة وغير الممكنة، فلا تتمنى النساء خصائص الرجال التي بها فضلهم على النساء، ولا صاحب الفقر والنقص حالة الغنى والكمال تمنيا مجردًا لأن هذا هو الحسد بعينه، تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك ويسلب إياها، ولأنه يقتضي السخط على قدر الله والإخلاد إلى الكسل والأماني الباطلة التي لا يقترن بها عمل ولا كسب، وإنما المحمود أمران:\nأن يسعى العبد على حسب قدرته بما ينفعه من مصالحه الدينية والدنيوية، ويسأل الله تعالى من فضله، فلا يتكل على نفسه ولا على غير ربه.","vol":"5","page":24},{"text":"• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) عطف على جملة (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم) والمناسبة بين الجملتين المتعاطفتين: أنّ التمنّي يحبّب للمُتمنّي الشيء الذي تمنّاه، فإذا أحبّه أتْبَعَه نفسه فرام تحصيله وافتُتن به، فربما بعثه ذلك الافتتان إلى تدبير الحيل لتحصيله إن لم يكن بيده، وإلى الاستئثار به عن صاحب الحقّ فيغمض عينه عن ملاحظة الواجب من إعطاء الحقّ صاحبه وعن مناهي الشريعة التي تضمّنتها الجمل المعطوف عليها.\nفالنهي عن التمنّي وتطلّع النفوس إلى ما ليس لها جاء في هذه الآية عامّا، فكان كالتذييل للأحكام السابقة لسدّ ذرائعها وذرائع غيرها، فكان من جوامع الكلم في درء الشرور.\nوقد كان التمنّي من أعظم وسائل الجرائم، فإنّه يفضي إلى الحسد، وقد كان أوّل جرم حصل في الأرض نشأ عن الحسد.\nولقد كثر ما انتهبت أموال، وقتلت نفوس للرغبة في بسطة رزق، أو فتنة نساء، أو نوال مُلك، والتاريخ طافح بحوادث من هذا القبيل.\nوالذي يبدو أنّ هذا التمنّي هو تمنّي أموال المثرين، وتمنّي أنصباء الوارثين، وتمنّي الاستئثار بأموال اليتامى ذكورهم وإناثهم، وتمنّي حرمان النساء من الميراث ليناسب ما سبق من إيتاء اليتامى أموالهم.\nوإنصاف النساء في مُهورهنّ، وترك مضارّتهنّ إلجاء إلى إسقاط. (تفسير ابن عاشور).\n• وهذا النهي للتحريم.\n• والتمني: هو الطمع في طلب ما يعلم عدم حصوله لتعذره واستحالته، أو ما يغلب على الظن عدم حصوله لتعسره، فمن الأول قول الشاعر:\nألا ليت الشباب يعود يومًا … فأخبره بما فعل المشيب.\nومن الثاني: قول الفقير: ليتني غنيًا، وقول الجاهل: ليتني عالمًا.\n• قال ابن عاشور: التمنّي هو طلب حصول ما يعسر حصوله للطالب.\n• قوله تعالى (مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) التفضيل الزيادة.\n• وإنما نهى تعالى عن تمني ما فضل الله به البعض على البعض الآخر، لأن هذا هو الحسد المذموم، وفي الحسد مفاسد كثيرة من الاعتراض على قضاء الله وقدره وحكمته فيما قسم بين عباده.\n• قال ابن كثير: ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملتُ مثله، فهما في الأجر سواء) فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حضّ على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا.","vol":"5","page":25},{"text":"(لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) أي: كل له جزاء على عمله بحسبه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.\nوقيل: لكل من الرجال والنساء حظ ونصيب مما قسمه الله من الميراث، ولكل منهم حظ مما قدره الله وخصه به من الأعمال، فللرجال الجهاد والجمع والجماعات والولاية ونحو ذلك، وللنساء حفظ البيوت وتربية الأولاد وطاعة الزوج وخدمته، ولكل منهم حظ من جزاء وثمرة سعيه وما قدم من عمل ديني أو دنيوي.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ …) وهذه الجملة مسوقة مساق التعليل للنهي عن التمنّي قطعًا لعذر المُتمَنّين، وتأنيسًا بالنهي.\n(وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) أي: لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، وعليكم السعي والاكتساب، واسألوا الله يعطكم\nمن فضله ما فيه صلاح أمركم ودنياكم.\n• ففيه الأمر بسؤال الله تعالى والنهي عن سؤال الخلق.\nكما قال تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).\nوقال -ﷺ- (سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل).\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (كُنْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامِ! إنِّي أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك، إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ …) رواه الترمذي.\nوفي الترمذي عن أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (من لم يسأل الله يغضب عليه).\nواستحق الغضب لأمرين:\nالأول: لأنه ترك محبوبًا لله، فإن الله يحب أن يسأل، ذكر ذلك المناوي.\nوالثاني: لأن ترْك الدعاء دليل على الاستغناء عن الله، ذكر ذلك المباركفوي.\nوفي النهي عن سؤال المخلوق أحاديث كثيرة أيضًا، وقد بايع النبي -ﷺ- جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا منهم: أبو بكر، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته فلا يسأل أحدًا أن يناوله.\n• واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلًا وشرعًا وذلك من وجوه متعددة:\nمنها: أن السؤال فيه بذل لماء الوجه وذلة للسائل، وذلك لا يصلح إلا لله وحده، وهذا هو حقيقة العبادة الني يختص بها الإله الحق.","vol":"5","page":26},{"text":"كان الإمام أحمد يقول في دعائه: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك.\nولهذا كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم كما ثبت في الصحيحين، لأنه أذهب عز وجهه وصيانته وماءه في الدنيا، فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه الحسي، فيصير عظمًا بغير لحم، ويذهب جماله وبهاؤه المعنوي، فلا يبقى له عند الله وجاهة.\nومنها: أن في سؤال الله عبودية عظيمة، لأنها إظهار للافتقار إليه، واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم، لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضر عنها، فكيف يقدر على ذلك لغيره.\nقال بعض السلف: إني لأستحي من الله أن أسأله الدنيا وهو يملكها فكيف أسألها ممن لا يملكها؟ يعني المخلوق.\nومنها: أن الله يحب أن يُسأل، ويغضب على من لا يسأل، فإنه سبحانه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه، ويحب الملحين في الدعاء، والمخلوق غالبًا يكره أن يُسأل لفقره وعجزه.\nقال أبو العتاهية:\nالله يغضب إن تركتَ سؤاله … وبُنيّ آدم حين يسأل يغضب\nفاجعل سؤالك للإله فإنما … في فضل نعمة ربنا نتقلب\nقال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: ويحك، تأتي من يُغلقُ عنك بابَه، ويُظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه بنصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه ويقول: ادعني أستجب لك.\n• قال ابن تيمية: سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد:\nالأولى: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي نوع من الشرك.\nوالثانية: مفسدة إيذاء المسؤول وهي نوع من ظلم الخلق.\nوالثالثة: فيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة.","vol":"5","page":27},{"text":"• قال السعدي في قوله -ﷺ- (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله).\nوهاتان الجملتان متلازمتان، فإن كمال العبد في إخلاصه لله رغبة ورهبة وتعلقا به دون المخلوقين. فعليه أن يسعى لتحقيق هذا الكمال، ويعمل كل سبب يوصله إلى ذلك، حتى يكون عبدا لله حقا حرا من رق المخلوقين، وذلك بأن يجاهد نفسه على أمرين: انصرافها عن التعلق بالمخلوقين بالاستعفاف عما في أيديهم، فلا يطلبه بمقاله ولا بلسان حاله، ولهذا قال -ﷺ- لعمر: «ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك» فقطع الإشراف في القلب والسؤال باللسان، تعففا وترفعا عن منن الخلق، وعن تعلق القلب بهم، سبب قوي لحصول العفة.\nوتمام ذلك: أن يجاهد نفسه على الأمر الثاني: وهو الاستغناء بالله والثقة بكفايته، فإنه من يتوكل على الله فهو حسبه، وهذا هو المقصود، والأول وسيلة إلى هذا، فإن من استعف عما في أيدي الناس وعما يناله منهم، أوجب له ذلك أن يقوى تعلقه بالله، ورجاؤه وطمعه في فضل الله وإحسانه، ويحسن ظنه وثقته بربه، والله تعالى عند حسن ظن عبده به، إن ظن خيرًا فله، وإن ظن غيره فله، وكل واحد من الأمرين يمد الآخر فيقويه، فكلما قوي تعلقه بالله ضعف تعلقه بالمخلوقين وبالعكس.\nومن دعاء النبي -ﷺ- (اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى) فجمع الخير كله في هذا الدعاء، فالهدى: هو العلم النافع، والتقى: هو العمل الصالح، وترك المحرمات كلها، هذا صلاح الدين.\nوتمام ذلك بصلاح القلب، وطمأنينته بالعفاف عن الخلق، والغنى بالله، ومن كان غنيا بالله فهو الغني حقا، وإن قلت حواصله، فليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى القلب، وبالعفاف والغنى يتم للعبد الحياة الطيبة، والنعيم الدنيوي، والقناعة بما آتاه الله.\n• وقال ابن رجب ﵀: وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي -ﷺ- بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سأل الناس ما بأيديهم، كرهوه وأبغضوه، لأن المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبونه، كرهوه لذلك.\nوكان عمر يقول في خطبته: إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه.\n• وقال ابن تيمية: سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه،\n• وقال ابن القيم: يستعين الإنسان على التجرد من الطمع والفزع؟ بالتوحيد والتوكل والثقة بالله، وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، وأن الأمر كله لله، ليس لأحد مع الله شيء.\nقال أعرابيٌّ لأهل البصرة: من سيِّدُ أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن. قال: بما سادهم؟ قالوا: احتاجَ الناسُ إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم.","vol":"5","page":28},{"text":"وقال ابن القيم: أعظم الناس خذلانًا من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت.\nوقال الحسن ﵀: لا تزالُ كريمًا على الناس ما لم تَعاطَ ما في أيديهم، فإذا فعلتَ ذلك استخفُّوا بكَ، وكرهوا حديثك، وأبغضوك.\n• قال حكيم: إذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه الطاعة وألزمه القناعة وأكساه العفاف.\n(إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ) من الأشياء صغرت أو عظمت.\n(عَلِيمًا) به، لا يخفي عليه شيء ولا يغيب عنه مثقال ذرة،\n• قال ابن كثير: أي هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه.\n• وقال ابن جرير: يعني جل ثناؤه: أن الله كان بما يصلح عباده فيما قسم لهم من خير، ورفع بعضهم فوق بعض درجات في الدين والدنيا وبغير ذلك من قضائه وأحكامه فيهم (عليمًا) ذا علم، فلا تتمنوا غير الذي قضى لكم، ولكن عليكم بطاعته والتسليم لأمره، والرضى بقضائه ومسألته من فضله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1509>الفوائد:</span>\n١ - تحريم أن يتمنى الإنسان ما فضل الله به غيره عليه.\n٢ - التحذير من الحسد.\n٣ - حكمة الله في العطاء والمنع، فعطاؤه ومنعه كله صادر عن علم وحكمة.\n٤ - لا بأس للإنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره عليه.\n٥ - عظم كرم الله، حيث يفرح بسؤال عباده له.\n٦ - فضل الدعاء.\n٧ - حكمة الله وسعة علمه في التفريق بين الجنسين، فلكل جنس ما يناسبه ويلائمه.\n٨ - وجوب مراقبة الله، لأنه سبحانه عليم بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء، فعلى المسلم أن يضمر الخير. انتهى شريط: ٢١","vol":"5","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1510>(وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣».</span> [النساء: ٣٣].\n<hr><s0>\n\n(وَلِكُلٍّ) أي: ولكل إنسان.\n(جَعَلْنَا مَوَالِيَ) أي: جعلنا ورثة يلون تركته من بعده.\n• كلمة (موالي) تطلق على معان:\nمنها: الناصر، كقوله تعالى (وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ).\nومنها: الذي يتولى على غيره، كقوله تعالى (وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).\nومنها: العتيق: كقوله -ﷺ- (مولى القوم من أنفسهم).\nومنها: الوارث، كما في هذه الآية.\n(مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) أي: مما تركه والداه وأقربوه، وعلى هذا يكون الوالدان والأقربون مورِّثين\n• قال ابن كثير: ويعني بقوله (مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ) من تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام: ولكلكم -أيها الناس-جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له.\nويحتمل: أن يكون (الوالدان) خبرًا لمبتدأ محذوف (والأقربون) معطوف عليه، والتقدير: هم الوالدان والأقربون، ويكون الوقف على قوله (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ) والتقدير: ولكل جعلنا موالي يرثون مما تركه، هم الوالدان والأقربون، وعلى هذا يكون الوالدان والأقربون وارثين.\n(وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: والذين تعاهدتم وتحالفتم وإياهم بالأيْمان والمواثيق المؤكدة، وقد كانوا في الجاهلية يتعاقدون،\nكما قال ابن عباس: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر.\nعن ابن عباس (ولكل جعلنا موالي) قال: ورثة (والذين عقدت أيمانكم) قال: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي -ﷺ- بينهم، فلما نزلت (ولكل جعلنا موالي) نسخت، ثم قال (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له. رواه البخاري.\n• المراد بالعقد العهد، وسمي العهد عقدًا لما فيه من التوثيق والتوكيد.\n• أيمانكم: جمع يمين وهو الحلف.","vol":"5","page":30},{"text":"(فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) أي: فأعطوهم نصيبهم من الميراث حسب ما اتفقتم عليه في عقد اليمين.\nلأن هذا من الوفاء بالعهد، وقد قال تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا).\n• وهذا الحكم منسوخ، قال ابن كثير: وكان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة.\n• قال القرطبي: بيّن تعالى أن لكل إنسان ورثةً وَموالي؛ فلينتَفِع كلُّ واحدٍ بما قسَم الله له من الميراث، ولا يتمنى مالَ غيره.\nوروى البخاري في كتاب الفرائض من رواية سعيد بن جُبير عن ابن عباس (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) قال: كان المهاجرون حين قدِموا المدينة يرث الأنصاري المهاجريُّ دون ذوي رحِمِه؛ للأخوة التي آخى رسول الله -ﷺ- بينهم، فلما نزلت (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) قال: نسختها (والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ).\nقال أبو الحسن بن بطّال: وقع في جميع النسخ (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) قال: نسختها (والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ).\nوالصواب أن الآية الناسخة (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) والمنسوخة (والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)، وكذا رواه الطبري في روايته.\nوروي عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله (والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) قوله تعالى في \"الأنفال\" (وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ).\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) هذه الآية تدل على أن إرث الحلفاء من حلفائهم، وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى (وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ).\nوالجواب أن هذه الآية ناسخة لقوله (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) الآية، ونسخها لها هو الحق خلافًا لأبي حنيفة ومن وافقه في القول بإرث الحلفاء اليوم إن لم يكن له وارث.\nوقد أجاب بعضهم بأن معنى (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) أن من الموالاة والنصرة وعليه فلا تعارض بينهما والعلم عند الله.\n(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) أي: أن الله على كل شيء صغيرًا كان أو كبيرًا، ظاهرًا أو خفيًا مطلع مراقب.\nوفي الآية تهديد لمن لم يف بالعهد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1511>الفوائد:</span>\n١ - إثبات الإرث.\n٢ - كمال الشريعة بإيجاب الوفاء بالعهود والعقود.\n٣ - وقوع النسخ في الشريعة.\n٤ - التحذير من مخالفة الله، لأن الله شاهد عليه مطلع.","vol":"5","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1512>(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤».</span> [النساء: ٣٤].\n<hr><s0>\n\n(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) أي: الرجل قيّم على المرأة، وهو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها، ومؤدبها إذا اعوجت.\n• قال القرطبي: دّلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءَهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرّجل عِشرتها.\nو(قَوّام) فعّال للمبالغة؛ من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد.\nفقيام الرّجال على النساء هو على هذا الحد؛ وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز وأنْ عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية؛ وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل والقوّة في أمر الجهاد والميراث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n(بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) الباء سببية، أي: بسبب الذي فضل الله به بعضهم على بعض.\n• قال ابن الجوزي: … وفضل الرجل على المرأة بزيادة العقل، وتوفير الحظ في الميراث، والغنيمة، والجمعة، والجماعات، والخلافة، والإمارة، والجهاد، وجعل الطلاق إليه إلى غير ذلك.\n• فبسبب ما زاد الله به الرجال على النساء من القوى الظاهرة والباطنة، فالظاهرة: كقوة البدن، ومن القوة الباطنة: العقل، والذكاء، والشجاعة، والحزم، والصبر، والتحمل، ولهذا خصهم الله وفضلهم بأن جعل الرسالة والنبوة والولاية فيهم، وخصهم بكثير من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع والجماعات، وبكون شهادة الرجل بشهادة امرأتين، وميراثه مثل نصيب الأنثيين إلى غير ذلك من الخصائص التي هي تابعة لكمال استعدادهم الفطري.\n• وفي قوله (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) دون أن يقول: بما فضلهم الله عليهن تنبيهًا على أن الرجل من المرأة والمرأة من الرجل، وأن كل واحد منهما بالنسبة للآخر كأعضاء الجسد، فلا ينبغي أن يتكبر أحدهما على الآخر، وإن كان بعض الأعضاء أفضل من بعض.\nكما أن فيه تنبيهًا على أن التفضيل إنما هو بالنسبة للجنس، أي: جنس الرجال أفضل من جنس النساء، لا بالنسبة للأفراد، فكم من امرأة خير من زوجها، بل من عشرات الرجال في العلم والدين والخلق.\n(وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) الباء سببية، أي: وبسبب إنفاقهم من أموالهم، من المهور والنفقات التي أوجبها الله للنساء على الرجال في الكتاب والسنة.\n• قال ابن كثير: فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيمًا عليها، كما قال تعالى (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ).","vol":"5","page":32},{"text":"• جعل الله القوامة للرجال على النساء لسببين:\nالأول: وهبي وهبهم الله إياه، وهو تفضيلهم عليهن.\nالثاني: كسبي اكتسبوه وهو إفضالهم عليهن بالإنفاق.\n• قال ابن عاشور: قوله (وبما أنفقوا) جيء بصيغة الماضي للإيماء إلى أنّ ذلك أمر قد تقرّر في المجتمعات الإنسانية منذ القدم، فالرجال هم العائلون لنساء العائلة من أزواج وبنات، وأضيفت الأموال إلى ضمير الرجال لأنّ الاكتساب من شأن الرجال، فقد كان في عصور البداوة بالصيد وبالغارة وبالغنائم والحرث، وذلك من عمل الرجال،\n• قال القرطبي: فَهِم العلماء من قوله تعالى (وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قوّامًا عليها، وإذا لم يكن قَوّامًا عليها كان لها فسخ العقد؛ لزوال المقصود الذي شُرع لأجله النكاح.\nوفيه دلالة واضحةٌ من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة؛ وهو مذهب مالك والشافعي.\nوقال أبو حنيفة؛ لا يفسخ؛ لقوله تعالى (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ) وقد تقدّم القول في هذا في هذه السورة.\n(فَالصَّالِحَاتُ) أي: فالنساء الصالحات، والصالحات: هن اللاتي قمن بحقوق الله وحقوق أزواجهن.\nوفي الحديث (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة).\n(قَانِتَاتٌ) أي: مطيعات مداومات على طاعة الله، والقنوت: دوام الطاعة.\n(حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ) أي: حافظات لما يجب حفظه في غياب أزواجهن من حفظ أنفسهن وحفظ بيوتهم وأموالهم، وأيضًا: حافظات لما غاب عن الناس مما يكون في بيوتهن من أمور وأحوال، وما يجري بينهن وبين أزواجهن.\nوفي الحديث (خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك).\n(بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) أي: حافظات للغيب بحفظ الله لهن وتوفيقه وعونه وتيسيره، وقيل: حافظات للغيب بما حفظ الله: أي: بما حفظ الله لهن من حقوق على أزواجهن وقيل: بما حفظ لهن من الثواب العظيم إذا هنّ حفظن غيب أزواجهن.\n• قال السعدي: قوله تعالى (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) لهن وتوفيقه لهن، لا من أنفسهن، فإن النفس أمارة بالسوء، ولكن من توكل على الله، كفاه ما أهمه من أمر دينه ودنياه.\n• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (بما حفظ الله) قرأ الجمهور برفع اسم «الله» وفي معنى الكلام على قراءتهم ثلاثة أقوال:\nأحدها: بحفظ الله إِياهن، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، ومقاتل.\nوالثاني: بما حفظ الله لهن مهورهن، وإيجاب نفقتهن، قاله الزجاج.\nوالثالث: أن معناه: حافظات للغيب بالشيء الذي يحفظ به أمر الله، حكاه الزجاج. وقرأ أبو جعفر بنصب اسم الله. والمعنى: بحفظهن الله في طاعته.","vol":"5","page":33},{"text":"• ثم ذكر تعالى القسم الثاني من النساء فقال:\n(وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) أي: والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن.\n• والنشوز لغة: مأخوذ من النشز وهو المكان المرتفع من الأرض، واصطلاحًا: معصية الزوجة الزوج فيما فرض الله عليها من طاعته.\n• ذكر الله تعالى علاج المرأة الناشز فقال:\n(فَعِظُوهُنَّ) بأن يذكرها بما يلين قلبها، ويصلح عملها من ثواب وعقاب، يخوفها بالله ﷾ وأليم عقابه، ويذكرها بما أعد الله للمرأة العاصية لزوجها من أليم عقابه:\nمثل قوله -ﷺ- (إذا دعا الرجل زوجته إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح) رواه مسلم.\nومثل: قوله -ﷺ- (لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) رواه أبو داود.\nفإذا لم ينفع هذا العلاج ينتقل إلى الأمر الثاني وهو:\n(وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) هذا العلاج الثاني من علاج نشوز المرأة، وهو هجرها في المضجع.\nلقوله تعالى (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ).\n• وتركها في المضجع على ثلاثة أوجه:\nأولًا: أن لا ينام في حجرتها، وهذا أشد شيء.\nثانيًا: أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الأول.\nثالثًا: أن ينامع معها في الفراش، ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا أهونها.\nويبدأ بالأهون فالأهون، لأن ما كان المقصود به المدافعة فالواجب البداءة بالأسهل فالأسهل.\n• ويهجرها ماء شاء حتى ترتدع وترجع.\n(وَاضْرِبُوهُنَّ) أي: فإن لم ترتدع ولم ينفع معها الوعظ والهجر، ضربها.\n• وهذا الضرب يشترط أن يكون غير مبرح أي: غير شديد.\nلقوله -ﷺ- (إن لكم عليهن أن لا يُوطِئنَ فُرُشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلنَ فاضربوهن ضربًا غير مبرح) رواه مسلم.\nلأن المقصود التأديب والزجر والإصلاح، لا الإيذاء والضرر والانتقام، ويتقي الوجه والمقاتل.\n• هذه المراتب إذا كان الزوج قائمًا بالحقوق، أما إذا لم يقم بحقوق الزوجة فلا يحل له أن يسلك هذه المراتب.\n(فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) أي: فإذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريد منها، مما أباحه الله له منها.\n• قال الرازي: أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب.","vol":"5","page":34},{"text":"(فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) أي: فلا تطلبوا وتلتمسوا عليهن طريقًا لإيذائهن لا بقول ولا بفعل، ولا بهجر ولا ضرب ولا غير ذلك، فمادمن أطعن، وتركن النشوز، فلا ينبغي معاتبتهن على الأمور الماضية، والتنقيب عنها، بل ينبغي ترك ما مضى وتناسيه كأنه لم يكن، لأن التذكير بذلك يؤدي إلى استمرار النشوز والمعصية.\n(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا) أي: له العلو المطلق بجميع الوجوه والاعتبارات، علو الذات وعلو القدر وعلو القهر الكبير الذي لا أكبر منه ولا أجل ولا أعظم، كبير الذات والصفات.\n• العلي اسم من أسماء الله تعالى، يدل على إثبات صفة العلو لله، فهو سبحانه عال بذاته فوق جميع مخلوقاته، وعليّ القدر، وعلي القهر.\n• وعلو الله ينقسم إلى ثلاثة أقسم:\nعلو ذات (أن الله فوق سمواته مستو على عرشه بائن من خلقه)، وعلو القدر (أي قدره وشأنه عال)، وعلو القهر والغلبة والسلطان.\nعلو القهر والقدر: متفق عليه بين أهل السنة وأهل البدعة (فكلهم يؤمنون بأن الله تعالى عال علوًا معنويًا).\nوأما العلو الذاتي، فيثبته أهل السنة والجماعة، ولا يثبته أهل البدع، والحق مذهب أهل السنة وأن الله عال بذاته والأدلة كثيرة جدًا على علوه ﷾، من الكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع.\nأما أدلة الكتاب والسنة فقد تنوعت دلالتهما بطرق كثيرة:\nأحدها: التصريح بالفوقية.\nكقوله تعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ).\nوكقوله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).\nالثاني: التصريح بالعروج إليه.\nكقوله تعالى (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ).\nوقوله -ﷺ- (يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم.).\nالثالث: التصريح بالصعود إليه.\nكقوله تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ).\nالرابع: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه.\nكقوله تعالى (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ).\nوقوله تعالى (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ).\nالخامس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو.\nكقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).\nوقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).\nوقوله تعالى (إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ).\nوقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كبيرًا).\nالسادس: التصريح بنزيل الكتاب منه.\nكقوله تعالى (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم).\nوقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).\nوقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).\nوقوله تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ).\nوقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ).","vol":"5","page":35},{"text":"السابع: التصريح بأن الله تعالى في السماء.\nكقوله تعالى (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ).\nوقال الرسول -ﷺ- (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.\nالثامن: التصريح بالاستواء على العرش.\nكقوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).\nالتاسع: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى.\nكقوله -ﷺ-: (إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا).\nوالقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع.\nالعاشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم، إنما يكون من علو إلى أسفل.\nالحادي عشر: الإشارة إليه حسًا إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وبما يجب له، لما كان بالجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: (أنتم مسؤولون عني، فما ذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد\nبلغت وأديت ونصحت. فرفع إصبعه الكريمة إلى السماء، رافعًا لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء، قائلًا: اللهم اشهد).\nالثاني عشر: التصريح بلفظ (الأين) كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم بيانًا عن المعنى الصحيح، بلفظ لا يوهم باطلًا بوجه: (أين الله).\nالثالث عشر: شهادته -ﷺ- لمن قال: إن ربه بالسماء بالإيمان.\nالرابع عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى، فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السموات، فقال: (يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا) فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني، ومن أثبتها فهو موسوي محمدي.\nالخامس عشر: إخباره -ﷺ- أنه تردد بين موسى -﵇- وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة.\nمن العقل:\nأن العلو صفة كمال والسفل صفة نقص، فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده.\nوأما الفطرة:\nقال شارح الطحاوية: وأما ثبوته بالفطرة فإن الخلق جميعًا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله.\nوأما الإجماع:\nفقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله فوق سمواته مستو على عرشه.","vol":"5","page":36},{"text":"(كَبِيرًا) الكبير اسم من أسماء الله يدل على أنه تعالى كبير الذات والصفات كما قال تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) وأن له الكبرياء والعظمة كما قال تعالى (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).\n• قال ابن القيم: فالله سبحانه أكبر من كل شيء ذاتًا وقدرًا وعزة وجلالة، فهو أكبر من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله.\n• قال ابن كثير: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كبيرًا) تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليهن، وهو ممن ظلمهن وبغى عليهن.\n• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (إن الله كان عليًا كبيرًا) تذييل للتهديد، أي إنّ الله عليٌّ عليكم، حاكم فيكم، فهو يعدل بينكم، وهو كبير، أي قويّ قادر، فبوصف العلوّ يتعيّن امتثال أمره ونهيه، وبوصف القدرة يُحذر بطشه عند عصيان أمره ونهيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1513>الفوائد:</span>\n١ - فضل الرجال على النساء، حيث جعلهم قوامين على النساء.\n٢ - فضل الإنفاق، وأن المنفِق له فضل على المنفَق عليه.\n٣ - لا يجوز للمرأة أن تتولى على الرجال لا بإمارة ولا قضاء.\n٤ - فضل المرأة الصالحة وفي الحديث (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة).\n٥ - الثناء على المرأة التي تحفظ زوجها في غيبته.\n٦ - يحرم على المرأة أن تفشي سر زوجها وبيتها.\n٧ - تحريم نشوز المرأة على زوجها وتكرهها لخدمته.\n٨ - بيان عقوبة المرأة الناشز.\n٩ - التدرج في التأديب.\n١٠ - المكافأة بالمثل لقوله (فإن أطعنكم …).\n١١ - التغاضي عما مضى.\n١٢ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العلي والكبير .... انتهى الشريط/ ٢٢ …","vol":"5","page":37},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1514>(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥».</span> [النساء: ٣٥].\n<hr><s0>\n\n(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) أي: وإذا أيقنتم وعلمتم استمرا الشقاق بين الزوجين، والشقاق: هو الخلاف والعداوة.\n• قال القرطبي: الجمهور من العلماء على أن المخاطب بقوله: \"وَإنْ خِفْتُمْ\" الحُكّامُ والأُمراء.\nوقيل: الخطاب للأولياء.\n(فَابْعَثُوا) أي: أرسلوا، والخطاب للحكام (القضاة).\n(حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) أي: فالحاكم حينئذ يقيم حكمين أحدهما من أقارب الزوج والآخر من أقارب الزوجة.\n• والسر في اختيار كل واحد من الحكمين من أقارب الآخر: لأنهما أدرى بحالهما وأعلم ببواطن الأمور، لأن الزوجين يفشيان لأقاربهما ما لا يفشيان لغيرهم.\n• قال الآلوسي: وخص الأهل لأنهم أطلب للصلاح وأعرف بباطن الحال وتسكن إليهم النفس فيطلعون على ما في ضمير كلّ من حب وبغض وإرادة صحبة أو فرقة.\n• اختلف العلماء في الرجلين المبعوثين هل هما حكمان أم وكيلان للزوجين على قولين:\nأحدهما: أنهما وكيلان. والثاني: أنهما حكمان، وهذا هو الصحيح.\nورجح هذا القول بان القيم وقال: العجب كل العجب ممن يقول: هما وكيلان لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما حكمين.\nوعلى هذا القول فإنها يلزمان الزوج بدون إذنهما ما يريان فيه المصلحة من طلاق أو خلع.\nلأن الله سمى كلًا منهما حكمًا، والحكم هو الحاكم، ومن شأن الحاكم أن يلزم بالحكم، وقد روى ابن أبي شيبة هذا القول عن عثمان، وعلي، وابن عباس، والشعبي، وسعيد بن جبير، وهو قول مالك، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: إنه الأصح، لأن الوكيل ليس بحَكَم، ولا يحتاج فيه إلى أمر الأئمة، ولا يشترط أن يكون من الأهل.\nوالله تعالى قال (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا) والوكيلان لا إرادة لهما، وإنما يتصرفان بإذن موكليها، ولأن الوكيل لا يسمى حكمًا في لغة القرآن ولا في لسان العرب.\n• وعلى الحكمين المذكورين تقوى الله ﷾ والنظر فيما يصلح شأنهما ودراسة قضيتهما من جميع الجوانب، وبعد ذلك يقرران ما يريانه من جمع أو تفريق.\n(إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا) الضمير في قوله (يريدا) يعود للحكمين - وهذا قول الجمهور - وقيل: على الزوجين، والأول أصح، لأن الحكمين هما اللذان يريدان أن يحكما، فنية الإصلاح تكون منهما، أما الزوجان فالخلاف قائم بينهما، وكل واحد يريد الانتصار لنفسه.","vol":"5","page":38},{"text":"• قال القرطبي: قوله تعالى (إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ) يعني الحكمين؛ في قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما.\nأي إن يرد الحكمان إصلاحًا يُوفّق الله بين الزوجين.\nوقيل: المراد الزوجان؛ أي إن يرد الزوجان إصلاحًا وصِدقًا فيما أخبرا به الحكمين (يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ).\n• قوله تعالى (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا) وجوب الإخلاص والنية السليمة في نية الإصلاح.\n(يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) أي: يوفق الله بين الحكمين، فإذا أراد كل من الحكمين وأحب الإصلاح بنية سليمة فإن الله يوفقهما بالوصل لحل يكون فيه إزالة الشقاق والخلاف بين الزوجين.\n• فعلى الحكمين أن يقصدا الإصلاح ويخلصا النية.\n(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا) بكل شيء، بالظاهر والباطن، وبما ينفع وبما يضر.\n(خَبِيرًا) اسم من أسماء الله ومعناه: المطلع على بواطن الأمور.\n• وإذا اجتمع العليم والخبير كما في هذه الآية، حمل (العليم) على العلم بالظواهر، و(الخبير) على العلم بالبواطن.\n• قال الرازي: المراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق.\n\n<span data-type='title' id=toc-1515>الفوائد:</span>\n١ - وجوب عناية ولاة الأمور بالمجتمع.\n٢ - أن المبعوثين حكمان وليسا وكيلين.\n٣ - الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الحاكم عالمًا بأحوال من يحكم فيهم.\n٤ - أهمية حسن النية في الحكم.\n٥ - أن النية الطيبة سبب لصلاح العمل.\n٦ - إثبات صفتي العلم والخبرة.","vol":"5","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1516>(وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦».</span> [النساء: ٣٦].\n<hr><s0>\n\n(واعْبُدُوا اللَّهَ) أي: اخضعوا وذلوا لله ﷾.\n• وأصل العبادة في لغة العرب: الذل والخضوع، وقيل للعبد (عبد) لذله وخضوعه لسيده، فالعبادة: الذل والخضوع على وجه المحبة خاصة، فلا تكفي المحبة دون الذل والخضوع، ولا يكفي الذل والخضوع دون المحبة، لأن الإنسان إذا كان ذله متجردًا عن محبة الله يُبغض الذي هو يذل له، ومن أبغض ربه هلك، وإذا كانت محبةً خالصة لا خوف معها، فإن المُحب الذي لا يُداخله خوف يحمله الدلال على أن يسيء الأدب، ويرتكب أمورًا لا تنبغي، والله ﷿ لا يليق به شيء من ذلك (قاله الشنقيطي).\n• فالعبادة تطلق على معنيين: احدهما: التعبد: يعني التذلل لله، كما سبق.\nوتطلق على المتعبد به (بالنسبة لأفعال العباد) وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية. (ذكر ذلك ابن تيمية).\n• في هذه الآية وجوب عبادة الله ﷿، وقد جاءت النصوص الآمرة بذلك:\nقال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).\nوقال تعالى (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا).\nوقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).\nوقال تعالى (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ).\nوقال تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ).\nوأمر تعالى بعبادته حتى الموت. فقال تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).\nبل الناس ما خلقوا إلا لعبادة الله تعالى كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).\nوأمر الله بها جميع رسله:\nكما قال نوح لقومه (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، وكذلك قال هود، وصالح، وشعيب، وغيرهم.\nوأخبر الله أنه أرسل في كل أمة رسولًا لهذا الغرض.\nقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).","vol":"5","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1517>ووصف ملائكته بذلك:</span>\nفقال تعالى (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله تعالى.\n(وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) نهي عن الشرك وهو نهي تحريم بالاتفاق.\n• والشرك: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.\n• قوله تعالى (شَيْئًا) نكرة في سياق النهي فتعم كل شيء: أي: لا تشركوا به شيئًا من الأشياء، صغيرًا كان أو كبيرًا.\n• قوله تعالى (وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) فيه أن الإثبات المحض لا يدل على التوحيد، لأن الله لما أمر بالعبادة (واعبدوا الله) قال (وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) فلا بد من إثبات ونفي.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1518> خطر الشرك:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1519>أولًا: المشرك حرام عليه الجنة.</span>\nقال تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).\nعن ابن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال (من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار) رواه البخاري.\nولمسلم عن جابر -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار).\n\n<span data-type='title' id=toc-1520>ثانيًا: الشرط سبب لحبوط العمل.</span>\nقال تعالى (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\nوقال تعالى (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1521>ثالثًا: هو أعظم الظلم.</span>\nقال تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).\nوالظلم وضع الشيء في غير موضعه، فمن عبد غير الله فقد وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها وذلك أعظم الظلم.","vol":"5","page":41},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1522> لأن الظلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:</span>\nالأول: الشرك.\nوهو أعظم الظلم وأشده.\nكما قال تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).\nوقال تعالى (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) أي: من المشركين.\nقال ابن رجب: فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، فعبده وتألهه، فوضع الأشياء في غير موضعها، وأكثر ما ذكر في القرآن من وعيد الظالمين، إنما أريد به المشركون كما قال الله تعالى (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ).\nوالثاني: ظلم العبد نفسه بالمعاصي.\nكما قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ).\nوالثالث: ظلم العبد لغيره.\nكما في الحديث (قال الله تعالى: إني حرمت الظلم وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- في خطبته في حجة الوداع (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه.\nوعن ابن عمر. قال: قال -ﷺ- (الظلم ظلمات يوم القيامة) متفق عليه.\nرابعًا: هو أعظم الذنوب.\nقال -ﷺ- لما سئل أي الذنب أعظم؟ - قال (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) متفق عليه.\n• فالشرك أعظم الذنوب، وإنما كان كذلك:\nأولًا: لأن مضمونه تنقيص رب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره.\nوثانيًا: ولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق تعالى في خصائص الإلهية من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع.\nخامسًا: لا يغفر الله لصاحبه إذا مات من غير توبة.\nقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا).\nسادسًا: هو أكبر الكبائر.\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ). قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَي؟ قَالَ: (ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ). قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ: (ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) متفق عليه.\nوعن أبي بكرة قَالَ (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ - ثَلَاثًا - الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ». وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَمَازَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ) متفق عليه.","vol":"5","page":42},{"text":"وعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الْكَبَائِرِ قَالَ (الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَقَوْلُ الزُّورِ) رواه البخاري.\n• وقد أثنى الله على الأنبياء بتوحيدهم وسلامتهم من الشرك:\nقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\nوقال تعالى (والذين هم بربهم لا يشركون).\n\n<span data-type='title' id=toc-1523>فائدة:</span> جاء في الحديث (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)، فسئل عنه فقال: (الرياء). (رواه أحمد بسند حسن عن محمود بن لبِيد).\n•<span data-type='title' id=toc-1524> هذا الحديث فيه مسائل:</span>\nأولًا: أن الشرك ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر.\nالأكبر: هو أن يسوي غير الله بالله في ما هو من خصائص الله.\nوالأصغر: هو ما أتى في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الأكبر.\nوقيل: هو جعل شيء من حقوق الله لغيره لا يخرج به العبد من الملة.\nوقيل: هو كل وسيلة تكون ذريعة إلى الشرك الأكبر، قاله السعدي.\nوقيل: ما ثبت شرعًا إطلاق اسم الشرك أو الكفر عليه، وعُلم من دلالات الشرع عدم خروج صاحبه من الدين.\nثانيًا: فيه التصريح بالخوف من الشرك.\nثالثًا: قوله (الشرك الأصغر) قد يفهم بعض الناس أنه سُميَ بذلك لقلة أهميته، وليس كذلك، ولكن لما كان بمقابل الأكبر سُميَ أصغر، وإلا فهو أعظم من الكبائر.","vol":"5","page":43},{"text":"رابعًا: شدة الخوف من الوقوع في الشرك الأصغر، وذلك من وجهين:\nأ-الرسول -ﷺ- تخوف من وقوعه تخوفًا شديدًا.\nب-أنه -ﷺ- تخوف من وقوعه في الصالحين الكاملين فمن دونهم من باب أولى.\nخامسًا: وفيه الخوف من الرياء، وأنه أخوف ما يخاف على الصالحين، لأن النفوس مجبولة على حب الرياسة والمنزلة في قلوب الخلق إلا من سلمه الله وعصمه.\nسادسًا: قوله (الرياء) هذا من باب المثال لا من باب الحصر، إذ الشرك الأصغر أنواعه متعددة كالحلف بغير الله، وإنما اقتصر على الرياء لكثرة وقوعه ومشقة دفعه.\n(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أي: أحسنوا بالوالدين إحسانًا، وهذا هو الحق الثاني في الآية، وهو حق الوالدين، وقد عطفه الله على حقه لعظم حق الوالدين، كما قال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).\n• قال ابن كثير: ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله سبحانه جعلهما سببًا لخروجك من العدم إلى الوجود.\n• وقال القرطبي: قال العلماء: فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزامِ البِرّ والطاعةِ له والإذعانِ مَن قَرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان؛ فقال تعالى (أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ).\nوعن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله -ﷺ- (رِضَى الرَّبِّ في رضى الوالدَيْن وسُخْطُه في سُخْط الوالدين).\n• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (وبالوالدين إحسانًا) اهتمام بشأن الوالدين إذ جعل الأمر بالإحسان إليهما عقب الأمر بالعبادة، كقوله (أن اشكر لى ولوالديك)، وقوله (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه).\n• كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين عبادته والإحسان إلى الوالدين.\nكما قال تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).\nوقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).\nوقال تعالى (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).\nوقال تعالى (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).\nوقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).","vol":"5","page":44},{"text":"• وأوصى تعالى بالوالدين إحسانًا:\nقال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا).\nوقال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ).\nوعن ابن مسعود قَالَ: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا). قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ). قُلْتُ ثُمَّ أَي؟ قَالَ: (ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي) متفق عليه.\nوعن عبد الله بن عمرو قال (جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) متفق عليه.\nولمسلم (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتَهما).\nولحديث أبي هريرة. (أن رجلًا قال يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك؟ قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك).\nكيفية الإحسان لهما: بالقول والفعل:\nفي حياتهما: بالبر والطاعة والإكرام والتوقير والتواضع لهما.\nبعد موتهما: الدعاء لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما.\n• وللإحسان ضدان: الإساءة وهي أعظم جرمًا، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول. (قاله السعدي)\n• ومن الإحسان ألا يجاهد إلا بإذنهما.\nللحديث السابق.\n• وقد أثنى الله على يحيي بوصفه برًا بوالديه:\nقال تعالى (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا).","vol":"5","page":45},{"text":"• وكذلك عيسى ﵇ فيذكر الله في كتابه قوله:\n(وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا).\n• نماذج من سلف الأمة:\nعن محمد بن المنكدر أنه كان يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه: قومي ضعي قدمك على خدي.\nوعن ابن عون المزني: أن أمه نادته فأجابها، فعلا صوته صوتها فأعتق رقبتين.\nقال ابن الجوزي: بلغنا عن عمر بن ذر، أنه لما مات ابنه قيل له: كيف كان بره بك؟ قال: ما مشى معي نهارًا إلا كان خلفي، ولا ليلًا إلا كان أمامي، ولا رقد على سطح أنا تحته.\nكان أبو هريرة إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمِّه فقال: السلام عليك - يا أماه - ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام - يا ولدي - ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحِمَك الله كما ربيتني صغيرًا، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيرًا.\nوعن الزهري قال: كان الحسن بن علي لا يأكل مع أمه، وكان أبرَّ الناس بها، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن آكل معها، فتسبق عينها إلى شيء من الطعام وأنا لا أدري فآكله، فأكون قد عققتها.\n(وَبِذِي الْقُرْبَى) أي: وأحسنوا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب، والقربى بمعنى القرابة.\n• قال الآلوسي: قوله تعالى (وَبِذِي القربى) أي بصاحب القرابة من أخ وعم وخال وأولاد كل ونحو ذلك.\n(وَالْيَتَامَى) أي: وأحسنوا إلى اليتامى (وسبق ما يتعلق باليتامى).\n(وَالْمَسَاكِينِ) أي: وأحسنوا إلى المساكين، والمساكين جمع مسكين، وهو المعدم الذي لا يجد شيئًا من المال، أو لا يجد ما يكفيه.\n• ويدخل في المساكين هنا: الفقراء، لأن كلًا منهما يطلق على الآخر إذا انفرد كل واحد منهما، لكن إذا ذكرا معًا كما في قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) كان لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.\n• وسمي المعدم مسكينًا، لأن الفقر أسكنه وأذله، فلا يطمع أن يصل إلى مرتبة الأغنياء.\n(وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) أي: وأحسنوا إلى الجار ذي القربى، والجار هو من كان منزله قريبًا من منزلك، وذي القربى: أي: ذي القرابة نسبًا، والمعنى: والجار الذي منزله قريب من منزلك، وهو أيضًا قريب منك نسبًا.","vol":"5","page":46},{"text":"(وَالْجَارِ الْجُنُبِ) أي: وأحسنوا إلى الجار الجنب، الجار: هو من منزله بجوار منزلك كما سبق، والجنُب: بمعنى البعيد منك نسبًا، أي: الذي ليس بينك وبينه قرابة، والمعنى: أي: الجار القريب منزلًا البعيد نسبًا، فله حق الجوار.\n• قال الطبري: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى (الجنب) في هذا الموضع: الغريبُ البعيد، مسلمًا كان أو مشركًا، يهوديًا كان أو نصرانيًا، لما بينا قبل من أن (الجار ذي القربى)، هو الجار ذو القرابة والرحم، والواجب أن يكون (الجار ذو الجنابة)، الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران قريبهم وبعيدهم.\nوبعد، فإن (الجُنب)، في كلام العرب: البعيد.\n• وقال ابن عاشور: والجار هو النزيل بقرب منزلك، ويطلق على النزيل بين القبيلة في جوارها، فالمراد بـ (الجار ذي القربى) الجار النسيب من القبيلة، وبـ (الجار الجنب) الجار الغريب الذي نزل بين القوم وليس من القبيلة، فهو جُنُب، أي بعيد، مشتقّ من الجَانب.\nوقد جاءت الأحاديث في عظم حق الجار.\nقال -ﷺ- (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه).\nوالإحسان إلى الجار يكون بأنواع الإحسان، من السلام والزيارة والنصح والإرشاد والمساعدة والهدية والدعوة إلى الطعام وغير ذلك من وجوه الإحسان مع كف الأذى.\n(وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) أي: وأحسنوا بالصاحب بالجنب، وهو الذي يصاحبك في جنبك.\nوقد اختلف فيه:\nفقيل: هو الزوجة.\nوقيل: هو الصديق.\nوقيل: هو الصاحب في السفر، ويمكن حمل الصاحب بالجنب على هذا كله.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (والصاحب بالجنب) أي الرفيق في السفر، وقال عليّ وابن مسعود وابن أبي لَيْلَى (والصاحب بالجنب) الزوجة، وقال ابن جُريج: هو الذي يصحبك ويلزمك رجاءَ نفعك، والأوّل أصح، وقد تتناول الآية الجميع بالعموم.\n• وقال الطبري: والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى (الصاحب بالجنب) الصاحب إلى الجنب، كما يقال: فلان بجَنب فلان، وإلى جنبه، وهو من قولهم: جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا، إذا كان لجنبه، ومن ذلك: جَنَب الخيل، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض، وقد يدخل في هذا: الرفيقُ في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه، وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب.","vol":"5","page":47},{"text":"(وَابْنِ السَّبِيلِ) أي: وأحسنوا إلى ابن السبيل، وهو المسافر، وسمي المسافر ابن سبيل لملازمته له.\n• فابن السبيل له حق على المقيمين أن يحسنوا إليه في سفره بمساعدته بما يحتاج إليه من مال أو دلالة أو تسهيل مهمة.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وابن السبيل) قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك مارًّا.\nوالسبيل الطريق، فنُسِب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه، ومن الإحسان إليه إعطاؤه وإرفاقه وهدايته ورشده.\n• وقال الطبري: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.\nفقال بعضهم: ابن السبيل هو المسافر الذي يجتاز مارًا، وقال آخرون: هو الضيف.\nوالصواب من القول في ذلك: أن (ابن السبيل) هو صاحب الطريق، والسبيل: هو الطريق، وابنه: صاحبه الضاربُ فيه فله الحق على من مرّ به محتاجًا منقطَعًا به، إذا كان سفره في غير معصية الله، أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان.\n• قال ابن عاشور: والوصاية به لأنّه ضعيف الحيلة، قليل النصير، إذ لا يهتدي إلى أحوال قوم غير قومه، وبلد غير بلده.\n(وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: وأحسنوا إلى ما ملكت أيمانكم من بني آدم من الأرقاء ومن الحيوان.\n• قال الرازي: واعلم أن الإحسان إليهم من وجوه:\nأحدها: أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به.\nوثانيها: أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة،\nوثالثها: أن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه.\nوكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء، وهو الكسب بفروجهن وبضوعهن.","vol":"5","page":48},{"text":"• وقد جاءت النصوص بالإحسان إلى المماليك.\nقال -ﷺ- عند موته (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) رواه ابن ماجه.\nوقال -ﷺ- (للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه) متفق عليه.\n(إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) أي: لا يحب سبحانه من اتصف بالاختيال والفخر.\nالمختال: في هيئته ومشيته معجبًا بنفسه متكبرًا، والفخور: بلسانه يعدد مناقبه تطاولًا غليهم.\nوالمعنى: أنه ﷿ لا يحب من كان ذا اختيال على الناس، وتكبر بنفسه بفعله، بهيئته ومشيته.\n• قال القرطبي: خص هاتين الصفتين بالذكر هنا لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة من القريب الفقير والجار الفقير وغيرهما ممن ذكر في الآية، فيضيع أمر الله بالإحسان إليهما.\nوقيل: إنما ختم هذه الآية بقول (إن اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) لئلا يقع في نفس المحسن للأصناف المذكورة زهو واختيال وافتخار بما عمل من هذا الإحسان، كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى).\n\n<span data-type='title' id=toc-1525>الفوائد:</span>\n١ - وجوب عبادة الله.\n٢ - تحريم الشرك.\n٣ - أن الشرك بأنواعه، صغيره وكبيره، خفيه وجليه، كله محرم.\n٤ - في الآية معنى (لا إله إلا الله)، لأن التوحيد نفي وإثبات، النفي في قوله (ولا تشركوا) والإثبات في قوله (اعبدوا الله)،\nففيه إثبات العبادة لله وحده وبنفي عبادة ما سواه.\n٥ - أن أعظم حقوق البشر حق الوالدين.\n٦ - تحريم الإساءة للوالدين.\n٧ - الأمر بالإحسان إلى القرابة.\n٨ - الأمر بالإحسان إلى اليتامى.\n٩ - الأمر بالإحسان إلى الجار سواء قريبًا أم بعيدًا.\n١٠ - الأمر بالإحسان إلى الصاحب بالجنب.\n١١ - الأمر بالإحسان إلى ابن السبيل.\n١٢ - الأمر بالإحسان إلى المماليك.\n١٣ - حرص الإسلام على التآلف والتحاب.\n١٤ - اهتمام الإسلام بحق الضعفاء.\n١٥ - الحث على الإحسان بكل أنواعه.\n١٦ - الحث على الكرم وذم البخل.\n١٧ - إثبات المحبة لله.\n١٨ - تحريم الكبر والخيلاء\nانتهى شريط/ ٢٣.","vol":"5","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1526>(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (٣٧».</span> [النساء: ٣٧].\n<hr><s0>\n\n(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) البخل: الامتناع من أداء ما أوجب الله.\n(وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) أي: ومع ذلك يأمرون غيرهم بالبخل.\nاختلف في من نزلت هذه الآية:\nفقيل: نزلت في اليهود، واختاره الطبري، وقال: وإنما قلنا هذا القول أولى التأويل، لأن الله جل ثناؤه وصفهم بأنهم يأمرون الناس بالبخل، ولم يبلغنا عن أمة من الأمم أنها كانت تأمر الناس بالبخل ديانة ولا تخلقًا، بل ترى ذلك قبيحًا وتذم فاعله، .... ولذاك قلنا: إن بخلهم الذي وصفهم الله به، إنما كان بخلًا بالعلم الذي كان آتاهموه فبخلوا بتبييته للناس وكتموه.\nوقيل: المراد من يبخل بماله عمومًا ورجحه ابن كثير وقال: وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد -ﷺ-، وكتمانهم ذلك، والظاهر من السياق أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلًا في ذلك بطريق الأولى، فإن سياق الكلام في الإنفاق على الأقارب والضعفاء وكذلك الآية التي بعدها، وهي قوله (والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ) فَذَكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذي يقصدون بإعطائهم السمعة، وأن يُمدَحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله.\n• وفي الآية ذم البخل، وهو من الصفات القبيحة والمذمومة؟\nأولًا: أنه سبب لتعسير أموره.\nقال تعالى (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى).\nثانيًا: أنه من صفات المنافقين.\nقال تعالى (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ).\nثالثًا: أن الله لا يحب الله من يبخل.\nقال تعالى (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).\nرابعًا: أن من وقي شح نفسه فقد أفلح.\nفقال تعالى (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).","vol":"5","page":50},{"text":"خامسًا: أن من بخل فقد على نفسه.\nقال تعالى (فمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ).\nسادسًا: وهو من صفات أهل النار.\nقال -ﷺ- (إن أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع) رواه أحمد.\nسابعًا: وهو شر ما في الرجل.\nقال -ﷺ- (شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع) رواه أحمد.\nثامنًا: استعاذ النبي -ﷺ- منه.\nعن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ (اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَات) رواه مسلم.\nوعَنْ زَيْد بْن أَرْقَم قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِى تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) رواه مسلم.\nتاسعًا: سماه النبي -ﷺ- داء.\nقال رسول الله -ﷺ-: (من سيدكم يا بني سلمة؟ قلنا: جدُّ بن قيس إلا أنا نُبخِّله، قال: وأي داءٍ أدْوأ من البخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح) رواه البخاري في الأدب المفرد.\nعاشرًا: الملائكة تدعو على الممسك.\nقال -ﷺ- (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) متفق عليه.\nالحادي عشر: هو من تصديق الشيطان.\nقال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا).\nالثاني عشر: هو سبب للظلم.\nقال -ﷺ- (اتقوا الظلم … واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) متفق عليه.\n• من كلام الحكماء: الرزق مقسوم، والحريص محروم، والحسود مغموم، والبخيل مذموم.\nوقال علي -﵁-: البخل جلباب المسكنة، وربما دخل السخي بسخائه الجنة.\nوقال ابن عبد البر: أجمعت الحكماء على أربع كلمات: وهي لا تحمل قلبك ما لا يطيق، ولا تعمل عملًا ليس لك فيه منفعة، ولا تثقن بامرأة، ولا تغتر بمال وإن كثر.","vol":"5","page":51},{"text":"وقال الماوردي: قد يحدث عن البخل من الأخلاق المذمومة- وإن كان ذريعة إلى كل مذمة- أربعة أخلاق ناهيك بها ذما، وهي: الحرص، والشره، وسوء الظن، ومنع الحقوق، وإذ آل البخيل إلى ما وصفنا من هذه الأخلاق المذمومة والشيم اللئيمة لم يبق معه خير موجود ولا صلاح مأمول. (أدب الدنيا والدين).\nوقال محمد بن المنكدر: كان يقال: إذا أراد الله بقومٍ شرًا أمَّر عليهم شرارهم وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم.\nوقال بعض الحكماء: البخيل ليس له خليل.\nوقال آخر: البخيل حارس نعمته وخازن ورثته.\nوقال يحيى بن معاذ: ما في القلب للأسخياء إلا حب ولو كانوا فجارًا، وللبخلاء إلا بغض ولو كانوا أبرارًا.\n(وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: ويكتمون ويخفون نعته -ﷺ- الموجود في التوراة، وهذا على اختيار الطبري، وعلى القول الثاني: يخفون ما عندهم من المال والغني.\n• اخفاء وكتم المال يكون بالقول والفعل، بالقول يقول أنا فقير، وليس عندي شيء، وبالفعل: يكون عليه ملابس وآثار المحتاجين.\n(وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) أي: وهيأنا للكافرين - الذين ستروا نعمة الله - عذابًا مؤلمًا شديدًا.\n• لأن الكفر باللغة الستر، ومنه سمي الليل كافرًا لأنه يستر الكون بظلامه، وسمي الزارع كافرًا لأنه يستر الزرع، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1527>الفوائد:</span>\n١ - ذم البخل، وهو أنواع.\n٢ - ذم من يكتم ما آتاه الله من فضله.\n٣ - فضل الكرم.\n٤ - أن النعم من الله.\n٥ - إثبات وجود النار.\n(السبت: ٢٣/ ٢/ ١٤٣٤ هـ)\nانتهى شريط/ ٢٤.","vol":"5","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1528>(وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِم عَلِيمًا (٣٩».</span> [النساء: ٣٨ - ٣٩].\n<hr><s0>\n\n(وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ) لما ذكر تعالى في الآية السابقة الممسكين المذمومين، ذكر تعالى الباذلين المرائين الذين يقصدون بإعطائهم وإنفاقهم السمعة وأن يُمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله تعالى.\n• قال القرطبي: قال الجمهور نزلت في المنافقين لقوله تعالى (رِئَآءَ الناس) والرئاء من النفاق.\nوقد جاء التهديد في الإنفاق لغير الله.\nقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).\nأي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله وإنما قصده مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه.\n• قال ابن الجوزي: وهذا مثل ضربه الله تعالى للمرائي بنفقته، لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء مما أنفق.\n• قال ابن القيم: وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها، فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن إيمان بالله واليوم الآخر بالحجر لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به، وتضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذي علق بذلك الحجر والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها كما يذهب الوابل التراب الذي على الحجر فيتركه صلدًا فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله، وفيه معنى آخر وهو: أن المنفق لغير الله هو في الظاهر عامل عملا يرتب عليه الأجر ويزكو له كما تزكو الحبة التي إذا بذرت في التراب الطيب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، ولكن وراء هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه كما أن تحت التراب حجرًا يمنع من نبات ما يبذر من الحب فيه فلا ينبت ولا يخرج شيئًا.","vol":"5","page":53},{"text":"• قال -ﷺ- (إن أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِي النَّارِ) رواه مسلم.\n• في هذه الآية خطر الرياء وأنه محبط للعمل.\nقال ابن حجر: الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد وهو مشتق من الرؤية والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشتقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر.\nعن جندب عند البخاري مسلم (مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّه بِهِ، ومَنْ يُرَاَئِي اللَّه يُراَئِي بِهِ» متفقٌ عليه وَرَواهُ مُسْلِمٌ أيضًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.\n• قال النووي (سَمَّعَ) بتَشْدِيدِ المِيمِ، وَمَعْنَاهُ: أشْهَرَ عمَلَهُ للنَّاس ريَاءً (سَمَّعَ اللَّه بِهِ) أيْ: فَضَحَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ومَعْنى: «منْ رَاءَى» أيْ: مَنْ أَظْهَرَ للنَّاسِ الْعَمَل الصَّالحَ لِيَعْظُمَ عِنْدهُمْ «رَاءَى اللَّه بِهِ» أيْ: أظْهَرَ سَرِيرَتَهُ عَلى رُؤوس الخَلائِقِ.\n• التحذير من الرياء وصية ربانية: الله حذرنا من الرياء في الأقوال والأفعال وذلك في كثير من آيات القرآن الكريم، وبين لنا سبحانه أن الرياء يحبط الأعمال الصالحة.\nقال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ\nالْآخِرِ …).\nوقال سبحانه (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا)\nقال ابن كثير: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيرًا عن الصلاة\nالتي لا يُرون فيها غالبًا كصلاة العشاء في وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس.\nوهو من صفات المنافقين.\nقال تعالى في المنافقين (يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا).","vol":"5","page":54},{"text":"وقال ﷾ (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا).\nقال ابن كثير في قوله تعالى (فليعمل عملًا صالحًا) أي: ما كان موافقًا لشرع الله، وقوله (ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) وهو الذي يُراد به وجه الله تعالى وحده لا شريك له.\nوقال جل شأنه (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ).\nقال مجاهد في معنى هذه الآية: عملوا أعمالًا توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات.\nوقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، هذه آيتهم وقصتهم.\nوقال سبحانه موضحًا عقوبة المرائين يوم القيامة (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).\nوقد تقدم حديث أَبِى هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِي النَّارِ) رواه مسلم.\nعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله -ﷺ-: (بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب). رواه احمد وابن حبان.\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: (من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة). رواه أبو داود","vol":"5","page":55},{"text":"وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك). رواه الترمذي وابن ماجه\nوعن أبي سعيد مرفوعًا (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل). رواه أحمد.\n• قال ابن قدامة: اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فُصل رجع إلى ثلاثة أصول:\nأولًا: حب لذة الحمد.\nثانيًا: الفرار من ألم الذم.\nثالثًا: الطمع فيما في أيدي الناس.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1529> من أقوال السلف:</span>\nعن شداد بن أوس قال عند موته: إن أخوف ما أخاف عليكم: الرياء، الشهوة الخفية.\nقال سهل: لا يعرف الرياء إلا مخلص.\nوقال ابن القيم: وكل ما لم يكن لله فبركته منزوعة.\nوكان عكرمة يقول: أكثروا من النية الصالحة فإن الرياء لا يدخل النية.\nوكان الثوري يقول: كل شيء أظهرته من عملي فلا أعده شيئًا.\nوعن عبدة قال: إن أقرب الناس من الرياء آمنهم منه.\nوقال الربيع بن خثيم: كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل.\nوقال بشر بن الحارث: قد يكون الرجل مرائيًا بعد موته، يحب أن يكثر الخلق بعد موته.\nقال ابن رجب: ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق .. المرائي يزور التواقيع على اسم الملك ليأخذ البراطيل لنفسه ويوهم أنه من خاصة الملك وهو ما يعرفه بالكليه … نقش المرائي على الدرهم الزائد اسم الملك ليروج والبهرج ما يجوز إلا على غير الناقد.","vol":"5","page":56},{"text":"قال ابن القيم: أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص.\nوقال: كل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله، فهو حسرة على العبد في معاده، ووقفة له في طريق سيره، أو نكسة إن استمر، أو حجاب إن انقطع به\n• قال ابن القيم: قال يحيى بن معاذ عجبت من ثلاث:\nرجل يرائي بعمله مخلوقًا مثله ويترك أن يعمله لله.\nورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه فلا يقرضه منه شيئًا.\nورجل يرغب في صحبة المخلوقين ومودتهم والله يدعوه إلى صحبته ومودته.\nوقال ابن قدامة: واعلم أن أكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم، فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس، رجاء المدح، وخوفًا من الذم، وذلك من المهلكات.\nوقال: ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي، يجتهدون في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة، ويحرصون على إخفائها أعظم ما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم، كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم ليجازيهم الله تعالى في القيامة بإخلاصهم.\nوقال: ومن الدواء النافع (في علاج الرياء) أن يعود نفسه إخفاء العبادات، وإغلاق الأبواب دونها، كما نغلق الأبواب دون الفواحش، فإنه لا دواء في الرياء مثل إخفاء الأعمال.\nقال ابن الجوزي في صيد الخاطر: ثم تأملت العلماء والمتعلمين، فرأيت القليل من المتعلمين عليه أمارة النجابة؛ لأن أمارة النجابة طلب العلم للعمل به، وجمهورهم يطلب منه ما يصيره شبكة للكسب إما ليأخذ قضاء مكان، أو ليصير قاضي بلد، أو قدر ما يتميز به عن أبناء جنسه، ثم يكتفي.\nوقال ابن رجب: ومن علامات العلم النافع أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وأعظمها الرئاسة والشهرة والمدح فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العلم النافع.\nفإذا وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته بحيث أنه يخشى أن يكون مكرًا واستدراجًا كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته.\nوقال الذهبي: ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت، وإن أعجبه الصمت فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه فإنها تحب الظهور والثناء.","vol":"5","page":57},{"text":"وحكى الذهبي - رحمه الله تعالى - عن أبى الحسن القطان - رحمه الله تعالى - قوله: أُصبت ببصري، وأظن أنى عوقبت بكثرة كلامي أيام الرحلة.\nقال الذهبي: صدق والله، فقد كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالبًا يخافون من الكلام، وإظهار المعرفة، واليوم يكثرون الكلام مع نقص العلم، وسوء القصد ثم إن الله يفضحهم، ويلوح جهلهم وهواهم واضطرابهم فيما علموه فنسأل الله التوفيق والإخلاص.\nوقال أبو قلابة لأيوب السختياني: يا أيوب إذا أحدث الله لك علمًا فأحدث لله عبادة، ولا يكونن همك أن تحدث به الناس.\nوفي ترجمة ابن جريج: قال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جريج: لمن طلبتم العلم؟!! كلهم يقول: لنفسي. غير أنَّ ابن جريج فإنَّه قال: طلبته للناس.\nقال الذهبي - ﵀ - تعليقًا على هذا الخبر: \" قلت: ما أحسن الصدق، واليوم تسأل الفقيه الغبي لمن طلبت العلم؟ فيبادر ويقول: طلبته لله، ويكذب إنَّما طلبه للدنيا، ويا قلة ما عرف منه.\nوقال عبد الله بن المعتز: علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله.\nقال عمر بن الخطاب: من خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله.\nوكان من دعاء عمر: اللهم اجعل عملي كله صالحًا واجعله لوجهك خالصًا ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.\nوقال ابن القيم: العمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم: لا يكون من عارف بهم البتة، بل جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله.\nوقال: إن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده، وقع في باطل مُقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده، حتى في الأعمال، من رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فرغب عن العمل لمن ضَره ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده، فابتليَ بالعمل لمن لا يملك له شيئًا من ذلك.\nوكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتُليَ بإنفاقه لغير الله وهو راغم.\nوقال: الوقوف عند مدح الناس وذمهم: علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه.\n• قال حامد اللفاف: إذا أراد الله هلاك امرئ عاقبه بثلاثة أشياء.\nأولها: يرزقه العلم ويمنعه عن عمل العلماء.\nوالثانى: يرزقه صحبة الصالحين ويمنعه عن معرفة حقوقهم.\nوالثالث: يفتح عليه باب الطاعة ويمنعه الإخلاص.\nوإنما يكون ذلك المذكور لخبث نيته وسوء سريرته، لأن النية لو كانت صحيحة لرزقه الله منفعة العلم، ومعرفة حقوقهم وإخلاص العمل.\n(وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) الإيمان بالله: معناه التصديق بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته مع عمل الجوارح بمقتضى ذلك.","vol":"5","page":58},{"text":"(وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) وهو يوم القيامة، فلا يوقنون بلقاء الله.\n• وسمي اليوم الآخر بهذا الاسم، لأنه بعد انقضاء هذه الدنيا بأيامها ولياليها، فآخر ليلة منها صبيحتها ذلك اليوم الطويل ولا ليل بعده.\n• وكثيرًا ما يقرن الله ﷿ بين الإيمان به وبين الإيمان باليوم الآخر، وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم الحوافز التي تدفع الإنسان للعمل الصالح، حيث الجزاء على الأعمال في ذلك اليوم، فهو أعظم دافع إلى العمل الصالح، وهو أعظم رادع\nعن التمادي في الباطل لمن وفقه الله.\nوقد روي عن عمر أنه قال (لولا الإيمان باليوم الآخر لرأيت من الناس غير ما ترى) أي: لتنكّر الناس بعضهم لبعض وتهالكوا في الشرور، واعتدى بعضهم على بعض ونحو ذلك.\n(وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) أي: ومن كان الشيطان صاحبًا له وخليلًا يعمل بأمره فساء هذا القرين والصاحب\n• فالذي حملهم على هذا الفعل القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان، فإنه سول لهم وأملى عليهم، وقارنهم فحسن لهم القبائح.\n• والمراد بالشيطان الجنس، لأن كل واحد من الناس له قرين، فالمراد الشيطان الذي هو القرين السوء.\n• وقد أخبر تعالى أن ترك ذكر الله قيض له شيطانًا كما قال تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ).\nوقال تعالى (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) ومعنى (قيضنا) هيأنا لهم.\nفهو يحب أن يحزن المؤمن كما قال تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) وأحب شيء إلى الشيطان: أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه.\nوهو يخوف المؤمنين بالأعداء.\nكما قال تعالى (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: يخوفكم بأوليائه.\n• ويخوف بالفقر.","vol":"5","page":59},{"text":"كما قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) فيخوف المسلم من الفقر وذلك لأمور:\nأولًا: ليُمسك عن الصدقة فيحرمه أجرها وثوابها العظيم.\nثانيًا: ليصيبه بالقلق والحزن.\nثالثًا: ليشك بوعد الله (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه).\nرابعًا: ليقدم على أكل الحرام خوفًا من الفقر كما قال تعالى (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين).\n• ويحث على الرياء في الإنفاق والتبذير.\nقال تعالى (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا).\nوكما قال تعالى (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا).\n• ومن أعماله: الدعوة إلى الكفر والارتداد عن الدين.\nكما قال تعالى (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).\nوقال تعالى عن الهدهد (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ).\nوقال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ).\n• ومن أعماله: زرع العداوة والبغضاء بين الناس.\nكما قال تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).\nوقال تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ\nمُنْتَهُونَ).","vol":"5","page":60},{"text":"وقال تعالى عن يعقوب (قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ).\nوقال تعالى (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا).\n• ومن تزيينه تسمية المعاصي بأسماء محببة لكي يخفي خبثها.\nكما قال لآدم (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى).\nقال ابن القيم: وقد ورّث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تُحِبُ النفوسُ مسمياتها، فسموا الخمر بأم الأفراح.\nوفي عصرنا يسمون الربا بالفائدة، والتبرج الفاضح بحرية المرأة، والمغنية الفاسقة بالفنانة.\n(وَمَاذَا عَلَيْهِمْ) أي: وأي شيء يكرثُهم هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.\n(لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) لو صدقوا بأن الله واحد لا شريك له، وأخلصوا له التوحيد، وأيقنوا بالعبث بعد الموت\n(وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ) أي: وأنفقوا أموالهم في الوجه التي يحبها الله ويرضهاها، ولم ينفقوها رئاء الناس، التماس الذكر والفخر والمحمدة عند الناس.\n(وَكَانَ اللَّهُ) بهؤلاء الذين وصف صفتهم.\n(بِهِمْ عَلِيمًا) أي: ذا علم بهم وبأعمالهم، وما يقصدون ويريدون بإنفاقهم ما ينفقون من أموالهم، وأنهم يريدون بذلك الرياء والسمعة والمحمدة عند الناس، وهو حافظ عليهم أعمالهم، لا يخفى عليه شيء منها، حتى يجازيهم بها جزاءهم عند معادهم إليه.\n• قال ابن الجوزي: تهديد لهم على سوء مقصدهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1530>الفوائد:</span>\n١ - تحريم الرياء.\n٢ - خطر الرياء على النفوس، ولذلك خافه النبي -ﷺ- على الصحابة.\n٣ - أن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله بإنفاق المال على وجه لا خير فيه، فمن عدل عن المشروع ابتلي بالممنوع.\n٤ - أن سبب الرياء نقص في الإيمان بالله وباليوم الآخر.\n٥ - وجوب الإخلاص في الإنفاق.\n٦ - الحذر من مقارنة الشيطان.\n٧ - توبيخ من لم يؤمن بالله واليوم الآخر.\n٨ - فضيلة الإنفاق في سبيل الله.\n٩ - إثبات علم الله بأحوال عباده.\n١٠ - الحذر من أمراض القلوب لأن الله مطلع عليها.\n(الأحد: ٢٤/ ٢/ ١٤٣٤ هـ)\nانتهى شريط ٢٥.","vol":"5","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1531>(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠».</span> [النساء: ٤٠].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) أي: إن الله لا يبخس أحدًا من ثواب عمله ولا يزيد في عقابه شيئًا مقدار ذرة.\nكما قال تعالى (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فلا ينقص من ثوابهم شيئًا، ولا يزاد في عذابهم، ولا يعاقبون بجريرة غيرهم.\nوقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) ظلمًا: أي: زيادة في السيئات (ولا هضمًا) أي نقصًا في الحسنات.\nوقال تعالى (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).\n• فالله ﷿ لا يظلم أحدًا لكمال عدله لا لعجزه عن الظلم.\n• والذرة النملة الصغيرة، وهذا مثل ضربه الله تعالى لأقل الأشياء، والمعنى: أن الله تعالى لا يظلم أحدًا شيئًا قليلًا ولا كثيرًا.\n• قوله تعالى (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) أي: زنة ذرة، والذرة يضرب بها المثل في التحقير، وإلا فإن الله لا يظلم مثقال ذرة ولا دونها، [وما جيء به على سبيل التحقير أو التكثير فلا مفهوم له].\nوقد جاءت آيات كثيرة في معنى هذه الآية:\nقال تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).\nوقال تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) وقال تعالى (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ. وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ).\n(وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً) أي: وإن تك الفعلة التي يفعلها الإنسان حسنة.\n(يُضَاعِفْهَا) أي: يجزي أكثر منها.\n• والمضاعفة قد تكون إلى عشر أضعاف، وقد يكون إلى سبعمائة ضعف، وأحيانًا أكثر من ذلك.\nفالتضعيف إلى عشرة أضعاف فلقوله تعالى (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا).\nوالتضعيف إلى سبعمائة ضعف فلقوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) أي: حسب إخلاصه.\n• وفي هذا سعة رحمة الله، وأن رحمته سبقت غضبه.","vol":"5","page":62},{"text":"(وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ) أي: من عنده.\n(أَجْرًا) أي: ثوابًا.\n(عَظِيمًا) ذا عظمة كثيرة لا يتصورها الإنسان، وهو الجنة وما فيها من النعيم ورؤية العزيز الحكيم، مما لا يقدر قدر عظمته إلا من وصفه بأنه عظيم، كما قال تعالى (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\nوعن أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1532>الفوائد:</span>\n١ - تنزيه الله عن الظلم لكمال عدله.\n٢ - إثبات علم الله تعالى الكامل.\n٣ - أن الله تعالى يضاعف الحسنات.\n٤ - أن رحمة الله سبقت غضبه.","vol":"5","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1533>(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢».</span> [النساء: ٤١ - ٤٢].\n<hr><s0>\n\n(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) الاستفهام للتعجب والتوبيخ، أي: يخبر تعالى عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه، فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة حين يجيء من كل أمة بشهيد - يعني الأنبياء ﵈ -؟\nكما قال تعالى (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).\nوقال تعالى (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ).\nفالرسول -ﷺ- يشهد على أمته بأنه بلغ رسالة ربه.\n• وهناك شهادة عامة، وهي شهادة هذه الأمة على من قبلها من الأمم، كما قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).\n• قوله تعالى (من كل أمة) الأمة تطلق في القرآن على أربع معان:\nالأمة بمعنى جماعة من الناس، كقوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).\nوالأمة بمعنى الملة والدين، كما قال تعالى (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ).\nوالأمة بمعنى الإمامة في الدين، كقوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\nوالأمة بمعنى الزمن، كقوله تعالى (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ).\n(وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) أي: وجئنا بك يا محمد شهيدًا على أمتك.\nقيل: المراد كفار قريش، وقيل: هذه الأمة، وهذا الصحيح، لقوله قبل ذلك (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء …). أمة الدعوة.\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ، قَالَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ «إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي». فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) رَفَعْتُ رَأْسِي أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ) متفق عليه.\n(يَوْمَئِذٍ) أي: في ذلك اليوم الرهيب العظيم، يوم نأتي من كل أمة بشهيد، وبك شهيدً على هؤلاء.","vol":"5","page":64},{"text":"(يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: جحدوا ما وجب الإيمان به والإقرار به.\n(وَعَصَوُا الرَّسُولَ) أي: خالفوا أمره، فلم يمتثلوا الأمر، ولم يجتنبوا النهي، لأن المعصية تشمل: التفريط في الأمر وفعل النهي.\n(لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) أي: لو انشقت وبلعتهم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ.\n• قال الرازي: ذكروا في تفسير قوله (لوْ تسوى بِهِمُ الأرض) وجوهًا:\nالأول: لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى.\nوالثاني: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء.\nالثالث: تصير البهائم ترابا فيودون حالها كقوله (يا ليتني كُنتُ ترابًا).\n• قال القرطبي: المعنى لو يسوّي الله بهم الأرض، أي يجعلهم والأرضَ سواء.\nومعنى آخر: تَمنّوا لو لم يبعثهم الله وكانت الأرض مستوية عليهم؛ لأنهم من التراب نقلوا.\n• وقال الشنقيطي: قوْلُهُ تَعَالَى (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) عَلَى الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثِ مَعْنَاهُ\nأَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ أَنَّ يَسْتُوُوا بِالْأَرْضِ، فَيَكُونُوا تُرَابًا مِثْلَهَا عَلَى أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ، وَيُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا).\n(وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) قال ابن كثير: أخبر تعالى بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئًا.\nقيل: المعنى يودّ لو أن الأرض سوّيت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثًا؛ لأنه ظهر كذبهم.\nوقيل: أن قوله (ولا يكتمون الله حديثًا) كلام مستأنف لا يتعلق بقوله: لو تسوى بهم الأرض، هذا قول الفرّاء، والزجاج، ومعنى: لا يكتمون الله حديثًا: لا يقدرون على كتمانه، لأنه ظاهر عند الله.","vol":"5","page":65},{"text":"• فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين)؟\nفالجواب:\nقيل: إن عدم الكتم المذكور هو باعتبار إخبار أيديهم وأرجلهم بكل ما عملوا عند الختم على أفواههم، كما قال تعالى (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).\nوقيل: إن مواطن القيامة كثيرة، فموطن لا يتكلمون فيه وهو قوله (فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) وموطن يتكلمون فيه كقولهم (واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فيكذبون في موطن، وفي مواطن أخرى يعترفون على أنفسهم بالكفر ويسألون الرجعة وهو قولهم (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1534>الفوائد:</span>\n١ - بيان عظمة هذه الشهادة.\n٢ - أن الناس يوم القيامة تقام عليهم الأشهاد.\n٣ - أن كل رسول يشهد على قومه بأنه بلغهم.\n٤ - بيان حال ما تؤول إليه حال الكفرة العاصين للرسول -ﷺ-.\n٥ - الحذر من معصية الرسول.\n٦ - شدة حسرة أولئك الكفار يوم القيامة. (الثلاثاء: ٢٧/ ٢/ ١٤٣٤ هـ) … انتهى الشريط/ ٢٦ …","vol":"5","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1535>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣».</span> [النساء: ٤٣].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم فائدة تصدير النداء بهذا.\n(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) قال ابن كثير: ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان محلها وهي المساجد للجنب.\n• فالمراد بالصلاة عند كثير من العلماء: الهيئة المخصوصة من قراءة وقيام وركوع وسجود، والمراد بقربها: القيام إليها والتلبس بها، إلا أنه - سبحانه - نهى عن القرب منها مبالغة في النهى عن غشيانها وهم بحالة تتنافى مع جلالها والخشوع فيها، ومن العلماء من يرى أن المراد بالصلاة هنا: مواضعها وهي المساجد.\n• قال الرازي: قوله تعالى (لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ) في لفظ الصلاة قولان:\nأحدهما: المراد منه المسجد، وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن، وإليه ذهب الشافعي.\nواعلم أن إطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل، ويدل عليه وجهان:\nالأول: أنه يكون من باب حذف المضاف، أي لا تقربوا موضع الصلاة، وحذف المضاف مجاز شائع، والثاني: قوله: (لَّهُدّمَتْ صوامع وَبِيَعٌ وصلوات) والمراد بالصلوات مواضع الصلوات، فثبت أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد به المسجد جائز.\nوالقول الثاني: وعليه الأكثرون: أن المراد بالصلاة في هذه الآية نفس الصلاة، أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.\n• قال (لا تقربوا) ولم يقل (لا تصلوا وأنتم سكارى) مبالغة في النهي.\n• الصلاة يشمل فرضها ونفلها.\n• السكارى جمع سكران وهو: من زال عقله بالخمر على سبيل اللذة والنشوة والطرب، وقيل: سكارى من النوم، وهذا قول ضعيف.\n• قال القرطبي: والجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء على أن المراد بالسكر سكر الخمر؛ إلا الضحاك فإنه قال: المراد سكر النوم؛ لقوله -ﷺ- (إذا نعس أحدكم في الصلاة فلْيرقُدْ حتى يذهب عنه النوم، فإنه لا يدري لعلّه يستغفر فيَسبّ نفسه)","vol":"5","page":67},{"text":"وقال عَبيدة السّلمانِيّ (وَأَنْتُمْ سُكَارَى) يعني إذا كنت حاقنًا؛ لقوله -ﷺ- (لا يصلِّيَنَّ أحدكم وهو حاقن) في رواية (وهو ضام بين فخذيه).\nقلت: وقول الضحاك وعَبيدة صحيح المعنى؛ فإن المطلوب من المصلِّي الإقبالُ على الله تعالى بقلبه وترك الالتفات إلى غيره، والخلُّو عن كل ما يشوِّش عليه من نوم وحُقنة وجوع، وكل ما يشغَل البال ويغيّر الحال، قال -ﷺ- (إذا حضر العَشاء وأُقيمت الصلاة فابدئوا بالعَشاء) فراعى -ﷺ- زوال كلِّ مشوّش يتعلّق به الخاطر، حتى يُقبل على عبادة ربّه بفراغ قلبه وخالص لُبِّه، فيخشع في صلاته.\n• قال الرازي: المراد من (وَأَنتُمْ سُكَارَى) السكر من الخمر وهو نقيض الصحو، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، … ثم قال بعد أن ذكر القول الثاني، واعلم أن الصحيح هو القول الأول، ويدل عليه وجهان:\nالأول: أن لفظ السكر حقيقة في السكر من شرب الخمر، والأصل في الكلام الحقيقة، فأما حمله على السكر من العشق، أو من الغضب أو من الخوف، أو من النوم، فكل ذلك مجاز، وإنما يستعمل مقيدًا.\nالثاني: أن جميع المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب الخمر وقد ثبت في أصول الفقه أن الآية إذا نزلت في واقعة معينة ولأجل سبب معين، امتنع أن لا يكون ذلك السبب مرادًا بتلك الآية.\n(حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (حنى) للغاية والتعليل.\nللغاية: أي: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى إلى أن تصحوا وتعلموا ما تقولون.\nوللتعليل: أي: لأجل أن تعلموا ما تقولون.\nفلا يجوز للسكران أن يقرب الصلاة حتى يصحو، ولأجل أن يعلم ما يقول.\n• الخطاب في الآية للصاحين لا للسكارى، وهذا قبل نزول تحريم الخمر.\n• هذه الآية تمثل مرحلة من مراحل التشريع الإسلامي في التدرج في تحريم الخمر، فكان التحريم فيها مؤقتًا بوقت الصلاة، وكانوا يشربونها في غير أوقات الصلاة، ثم نزل بعد ذلك التحريم النهائي والقطعي للخمر.","vol":"5","page":68},{"text":"قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:\nالتدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال، كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه وألفوه، وكان من الصعب عليهم أن\nيجابهوا بالمنع منه منعًا باتًا، فنزل في شأنه أولا قوله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)، فكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمه، حيث إن العقل يقتضي أن لا يمارس شيئًا إثمه أكبر من نفعه.\nثم نزل ثانيًا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)، فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات، وهي أوقات الصلوات.\nثم نزل ثالثًا قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ).\nفكان في هذه الآيات المنع من الخمر منعًا باتًا في جميع الأوقات، بعد أن هيئت النفوس، ثم مرنت على المنع منه في بعض الأوقات.\n• قال السعدي: ويؤخذ من المعنى منع الدخول في الصلاة في حال النعاس المفرط، الذي لا يشعر صاحبه بما يقول ويفعل، بل لعل فيه إشارة إلى أنه ينبغي لمن أراد الصلاة أن يقطع عنه كل شاغل يشغل فكره، كمدافعة الأخبثين والتوق لطعام ونحوه كما ورد في ذلك الحديث الصحيح.\nوقد جاء في الحديث عن عائشة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّومُ، فإِنَّ أحدكم إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَه) متفق عليه.","vol":"5","page":69},{"text":"(وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) الواو عاطفة، أي: ولا تقربوها - مواضع الصلاة - وأنتم جنب إلا في حال كونكم مجتازين مارين بها مرورًا دون اللبث (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) أي: إلى أن تغتسلوا.\n• قال ابن جرير: … ولا تقربوها أيضًا - أي المساجد - جنبًا حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل.\n• وقال ابن كثير: ينهى تعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر … وعن قربان محلها وهي المساجد للجنب إلا أن يكون مجتازًا من باب إلى باب من غير مكث.\n• قال ابن الجوزي: قوله تعالى: (وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) فيه قولان:\nأحدهما: أن المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إِلا أن تكونوا مسافرين غير واجدين للماء فتتيمموا، وتُصلُّوا.\nوهذا المعنى مروي عن علي -﵁-، ومجاهد، والحكم، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل، والفراء، والزجاج.\nوالثاني: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد وأنتم جنب إِلا مجتازين، ولا تقعدوا.\nوهذا المعنى مروي عن ابن مسعود، وأنس بن مالك، والحسن، وسعيد بن المسيّب، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبي الضحى، وأحمد، والشافعي، وابن قتيبة. وعن ابن عباس، وسعيد ابن جبير، كالقولين.\nفعلى القول الأول: (عابر السبيل) المسافر، و(قربان الصلاة) فعلها، وعلى الثاني: (عابر السبيل) المجتاز في المسجد، و(قربان الصلاة) دخول المسجد الذي تفعل فيه الصلاة.\n• والجنب: من وجب عليه غسل بإحتلام أو جماع، وسمي بذلك: لأن الماء (المني) انتقل من محله، وقيل: لأن الجنب يجتنب العبادات من صلاة وقراءة قرآن وغيرها.\n• والاغتسال: صب الماء على الجسد.\n• قال ابن كثير: قوله تعالى (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي: أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم إن عدم الماء.\n• ثم ذكر تعالى الحالات التي لا يجب فيها الغسل، بل يغني عنه التيمم.\n(وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) والمريض: من به علة، وأطلق الله هنا المرض، والمراد به المرض الذي يخاف من استعمال الماء معه التلف على نفسه، أو تلف عضو من أعضائه، أو يخاف باستعمال الماء زيادة المرض أو تأخر البرء، فكل مريض يضره استعمال الماء جاز له التيمم.","vol":"5","page":70},{"text":"(أَوْ عَلَى سَفَرٍ) أي: مسافرين، والسفر: هو الضرب في الأرض والسير فيها، وسمي بذلك، لأنه خروج من البلد إلى حيث السفر والنور، فسمي السفر بذلك، لأن الناس ينكشفون عن أماكنهم، وقيل: لأنه يسفر عن أخلاق الرجال.\n• والسفر هنا مطلق، لكنه مقيد بعدم وجود الماء لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا).\n• فذكر السفر في الآية الكريمة مبني على الغالب، أن السفر مظنة فقد الماء، أما السفر نفسه فليس عذرًا يبيح التيمم.\n(أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) (أو) بمعنى الواو، والتقدير: وإن كنتم مرضى أو على سفر، وجاء أحد منكم من الغائط، لأن المجيء من الغائط ليس قسيمًا للمرض والسفر، ولا نوعًا منهما.\n• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) (أو) بمعنى الواو، لأنها لو لم تكن كذلك، لكان وجوب الطهارة على المريض والمسافر غير متعلق بالحدث.\n• وقال القرطبي: و(أو) بمعنى الواو، أي: إن كنتم مرضى أو على سفر، وجاء أحد منكم من الغائط فتيمموا، فالسبب الموجب للتيمم على هذا هو الحدث لا المرض والسفر.\n• والغائط المكان المنخفض من الأرض، عبر به عن الخارج المستقذر من البول والغائط، لأن الناس فيما سبق كانوا يقصدون هذه الأماكن لقضاء الحاجة تسترًا عن أعين الناس، فسميَ به الخارج من الإنسان من تسمية الشيء باسم مكانه.\n• في الآية أن البول والغائط من نواقض الوضوء.\nلهذه الآية (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ).\nولحديث صفوان بن عسال (أمرنا رسول الله -ﷺ- إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا إلا من جنابة، ولكن من بول وغائط ونوم) رواه الترمذي.\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ). متفق عليه\nقال ابن قدامة: الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعًا.\n(أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) اختلف العلماء في المراد بالملامسة هنا على قولين:\nالقول الأول: أنه مجرد اللمس باليد.\nالقول الثاني: أنه الجماع.\nوهذا قول قابن عباس، واختاره ابن جرير في تفسيره.\nوقد ورد في القرآن الكريم التعبير عن الجماع بالمس في غير ما آية:","vol":"5","page":71},{"text":"قال تعالى (لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً).\nوقال تعالى: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ).\nوقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا).\nثم الآية عند التأمل تدل على هذا القول (أن المراد بالملامسة فيها الجماع) وبيان ذلك: أن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) فهذه طهارة بالماء أصليّة صغرى. ثم قال (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا) فقوله (فَتَيَمَّمُواْ) هذا البدل، وقوله (أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ) هذا بيان سبب الصغرى، قوله (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء) هذا بيان سبب الكبرى، ولو حملناه على المس الذي هو الجسُّ باليد، كانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت الله عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ) وهذا خلاف البلاغة القرآنية، وعليه فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء) أي: جامعتم ليكون الله تعالى ذكر السببين الموجبين للطهارة. (الشرح الممتع)\n• في هذا أن الجنب إذا لم يجد الماء يتيم، ويدل ذلك حديث عمران بن حصين (أن رسول الله -ﷺ- رأى رجلًا معتزلًا لم يصلّ في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم؟ قال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك) متفق عليه\n• قال النووي: ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا أحد من السلف إلا ما جاء عن عمر وعبد الله بن مسعود، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي التابعي، وقيل إن عمر وعبد الله رجعا عنه.","vol":"5","page":72},{"text":"(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) أي: فلم تجدوا الذي تتطهرون به، وذلك بعد طلبه.\n• قال ابن تيمية: فقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) يتعلق بقوله تعالى (على سفر) لا بالمرض، والمريض يتيمم وإن وجد الماء، والمسافر إنما يتيمم إذا لم يجد الماء.\n(فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) أي: اقصدوا عند عدم وجود الماء التراب الطاهر فتطهروا به.\nوالتيمم لغة: القصد، قال تعالى (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) أي: ولا تقصدوا الرديء منه تنفقون.\nوشرعًا: ضرب اليدين بوجه الأرض ومسح الوجه واليدين بهما.\n• قال السعدي: الحاصل، أن الله تعالى أباح التيمم في حالتين، حال عدم الماء، وهذا مطلقًا في الحضر والسفر، وحال المشقة باستعماله بمرض ونحوه.\n(فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) هذه صفة التيمم، أي: فامسحوا وجوهكم وأيديكم بذلك التراب.\n• قوله تعالى (صَعِيدًا) الصعيد وجه الأرض، لأنه صاعد ظاهر، سواء كان ترابًا أو رملًا أو حجارة أو غير ذلك.\n• قوله تعالى (طَيِّبًا) قيل: طاهرًا، وقيل: حلالًا، وقيل: غير ذلك، والصحيح الأول.\nمباحث التيمم:\nأولًا: فيه مشروعية التيمم عند فقد الماء.\nفإذا كان غير واجد للماء لا في بيته، ولا في رحله إن كان مسافرًا، ولا ما قرب منه؛ فإنه يشرع له التيمم\nلهذه الآية.\nعن حُذَيْفَةَ. قال: قال -ﷺ- (وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ اَلْمَاءَ) رواه مسلم.\nوَعَنْ عَلِيٍّ. قال: قال -ﷺ- (وَجُعِلَ اَلتُّرَابُ لِي طَهُورًا) رواه أحمد.\nوعن أبي ذر. قال: قال -ﷺ- (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير) رواه الترمذي.\nثانيًا: وهو من خصائص هذه الأمة.\nعن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّه أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِى أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) متفق عليه.","vol":"5","page":73},{"text":"ثالثًا: وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.\nلهذه الآية التي معنا.\nوللأحاديث السابقة.\nوأجمعت الأمة على جواز التيمم من حيث الجملة. (نقل الإجماع النووي وابن قدامة).\nرابعًا: وجوب طلب الماء.\nفيجب عليه قبل التيمم أن يبحث ويطلب الماء، في رحله وبقربه وبدلالة.\nلقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) ولا يقال: لم يجد الماء إلا بعد الطلب.\nخامسًا: أنه إذا وجد الماء بطل التيمم.\n• ووجود الماء للمتيمم له أحوال:\nالحالة الأولى: أن يجد الماء قبل الصلاة، ففي هذه الحالة يجب عليه أن يتوضأ ويبطل تيممه.\nقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من تيمم كما أمر، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، أن طهارته تنتقض وعليه أن يعيد الطهارة ويصلي.\nالحالة الثانية: أن يجد الماء بعد خروج وقت الصلاة، فلا إعادة عليه بالإجماع.\nقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت، أن لا إعادة عليه.\nالحالة الثالثة: أن يجد الماء بعد الصلاة وقبل خروج الوقت، فلا إعادة عليه عند جماهير العلماء.\nلحديث أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ (خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ اَلصَّلَاةَ -وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ- فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا اَلْمَاءَ فِي اَلْوَقْتِ. فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا اَلصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ اَلْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: \"أَصَبْتَ اَلسُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ\" وَقَالَ لِلْآخَرِ: \"لَكَ اَلْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيّ.\nوقال عطاء والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزهري: يعيد الصلاة.\nالحالة الرابعة: أن يجد الماء أثناء الصلاة، فهذه موضع خلاف بين العلماء:\nالقول الأول: أنه يبطل تيممه، ويجب أن يتوضأ ويعيد الصلاة.\nوبهذا قال أبو حنيفة والإمام أحمد وبه قال الثوري واختاره ابن عبد البر.\nأ-لقوله تعالى (فلم تجدوا ماءً فتيمموا …) وهذا وجد الماء.\nب-ولحديث (… فَإِذَا وَجَدَ اَلْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اَللَّهَ، وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ) وهذا وجد الماء.\nج - ولأن من وجد الماء في أثنائها قد قدر على استعمال الماء فبطل تيممه كالخارج من الصلاة.","vol":"5","page":74},{"text":"القول الثاني: أنه يكمل صلاته ولا يقطعها.\nوبهذا قال مالك، والشافعي، وداود الظاهري، ورجحه ابن المنذر.\nلقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم).\nوالراجح القول الأول.\nسادسًا: أنه لابد للتيمم من النية.\nلقوله (فتيمموا).\nقال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في أن التيمم لا يصح إلا بنية.\nسابعًا: ما الحكم إذا وجد الماء لكن بثمن زائد؟\nقيل: يعدل إلى التيمم ولو معه قيمته.\nوعللوا ذلك بأن هذه الزيادة تجعله في حكم المعدوم.\nوقيل: إن كان قادرًا على شرائه لوجود ثمنه عنده؛ فإنه يشتريه إذا لم يكن عليه ضرر.\nلأن الله يقول (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) والماء هنا موجود، وهذا القول هو الصحيح.\nثامنًا: ما الحكم لو وجد ماء يكفي بعض طهره؟ (مثال: إنسان عنده ماء يكفي لغسل الوجه واليدين فقط).\nفقيل: يجب أن يستعمل الماء أولًا ثم يتيمم.\nلقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا).\nولقوله -ﷺ- (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه.\nوليصدق عليه أنه عادم للماء إذا استعمله قبل التيمم.\nوقيل: يتيمم ولا يلزم استعماله، والأول أرجح.\nتاسعًا: صفة التيمم.\nهو أن تضرب بيديك الأرض ضربة واحدة بلا تفريج للأصابع وتمسح وجهك بكفيك، ثم تمسح الكفين بعضهما ببعض.\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: كيفية التيمم: أن يضرب الأرض الطاهرة بيديه ضربة واحدة يمسح بهما جميع وجهه، ثم يمسح كفيه بعضهما ببعض.\nعاشرًا: هل التيمم يكون إلى الكوع أو إلى المرفقين؟\nاختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال، والصحيح أن المسح يكون إلى الكوع.\nوهذا مذهب مكحول وعطاء والأوزاعي وأحمد، قال ابن المنذر: وبه أقول.\nوحكاه الخطابي عن عامة أصحاب الحديث.\nلحديث عمار (وفيه … إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا\" ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ اَلْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ اَلشِّمَالَ عَلَى اَلْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَه) متفق عليه.","vol":"5","page":75},{"text":"الحادي عشر: فروض التيمم.\nأولًا: النية.\nقال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في أن التيمم لا يصح إلا بنية.\nثانيًا: مسح الوجه واليدين.\nلقوله تعالى (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ).\nولحديث الباب (وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ اَلْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْه).\nالثاني عشر: حكم الترتيب في التيمم في الحدث الأصغر؟\nالراجح أنه واجب، وهو أن يبدأ بالوجه ثم باليدين.\nأ-لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) فبدأ بالوجه قبل اليدين، وقد قال النبي -ﷺ-: (أبدأ بما بدأ الله به)\nب- ولحديث عمار السابق، حيث فعل التيمم مرتبًا.\nج-ولأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والترتيب فرض فيها (وقد تقدم أن الترتيب واجب في الوضوء).\n(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا) العفو سم من أسماء الله تعالى، يدل على إثبات صفة العفو الواسع لله ﷿ ومعناه: المتجاوز عن ذنوب عباده، فيمحوها ولا يعاقبهم عليها.\nقال ابن القيم:\nوهو العفو بعفوه وسع الورى لولا غار الأرض بالسكان.\nوعفوه ﷾ عفو كامل مع القدرة على العقوبة، بخلاف عفو المخلوق فقد يكون عن ضعف وعدم قدرة، ولهذا قرن الله ﷿ عفوه بالقدرة فقال (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا).\nومن كمال عفوه سبحانه، أنه مهما أسرف العبد على نفسه ثم تاب ورجع غفَرَ له جميع جرمه كما قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).\nولولا كمال عفوه، وسعة حلمه سبحانه ما ترك على الأرض من دابة تدب ولا نفس تطرُف (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ).\nوقد حث سبحانه عباده على العفو والصفح وقبول الأعذار من رعاياهم وأصدقائهم مرة بعد مرة كما قال تعالى (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقد نزلت في الصديق حين حلف ألا يُنفق على مِسْطَح وهو من ذوي رحمه، بعد أن خاض مع الخائضين في حديث الإفك، ونزل القرآن ببراءة الصّدّيقة.","vol":"5","page":76},{"text":"وقال تعالى (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).\nوقال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).\nوقال سبحانه مخاطبًا نبيه -ﷺ- (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ).\nومدح بذلك عباده المؤمنين فقال (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).\nوقال -ﷺ- (… وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا) رواه مسلم\n(غَفُورًا) الغفور اسم من أسماء الله متضمن للمغفرة الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).\nوالمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته.\nوإذا اجتمع العفو مع الغفور - كما في هذه الآية - حمل العفو على العفو عن ترك الواجب، والغفور عن ارتكاب المحرم، وإذا انفرد العفو عن الغفور كما في قوله تعالى (فإن الله كان عفوًا قديرًا) أو انفرد الغفور عن العفو كما في قوله (وربك الغفور ذو الرحمة) حمل كل منهما على التجاوز عن الذنوب كلها من ترك واجب أو فعل محرّم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1536>الفوائد:</span>\n١ - الحث على الاتصاف بوصف الإيمان.\n٢ - أن الخمر حين نزول الآية كان حلالًا.\n٣ - أن حد السكر أن لا يعلم ما يقول.\n٤ - تحريم الصلاة مع السكر، وأنها لا تصح.\n٥ - ينبغي للمصلي الخشوع والإقبال على الله.\n٦ - أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد.\n٧ - أنه يجوز للجنب للمرور والاجتياز بالمسجد.\n٨ - أنه إذا اغتسل الجنب جاز له اللبث في المسجد.\n٩ - جواز التيمم للمريض الذي يشق عليه استعمال الماء.\n١٠ - جواز التيمم للمسافر إذا لم يجد الماء.\n١١ - أن البول والغائط ناقضان من نواقض الوضوء.\n١٢ - أن الجماع موجب للغسل.\n١٣ - أن التيمم يشرع عند فقد الماء.\n١٤ - وجوب طلب الماء والبحث عنه قبل التيمم.\n١٥ - أن وجوب الماء مبطل للتيمم.\n١٦ - اشتراط النية للتيمم.\n١٧ - أنه لا يصح التيمم بالصعيد النجس.\n١٨ - إثبات هذين الاسمين لله تعالى وهما: العفو والغفور. (السبت: ٣٠/ ٢/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1537>(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥».</span> [النساء: ٤٤ - ٤٥].\n<hr><s0>\n\n(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ) يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، أنهم يشترون الضلالة بالهدى ويعرضون عما أنزل الله على رسوله -ﷺ- ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأولين في صفة محمد -ﷺ- ليشتروا به ثمنًا قليلًا من حطام الدنيا.\n• قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ ..) الاستفهام هنا للتقرير، أي: يقرر الله سبحانه ذلك على وجه المشاهدة، والخطاب يحتمل أن يكون للرسول -ﷺ-، ويحتمل أن يكون لكل من يتوجه الخطاب إليه.\n• قال الرازي: الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب: هم اليهود، ويدل عليه وجوه:\nالأول: أن قوله بعد هذه الآية (منَ الذين هَادُواْ) متعلق بهذه الآية.\nالثاني: روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود، كانا يأتيان رأس المنافقان عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطونهم عن الإسلام.\nالثالث: أن عداوة اليهود كانت أكثر من عداوة النصارى بنص القرآن، فكانت إحالة هذا المعنى على اليهود أولى.\n• وقد وصفهم - سبحانه - بأنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب، ولم يؤتوا الكتاب كله، لأنهم نسوا حظًا كبيرًا مما ذكروا به، ولم يبق عندهم من علم الكتاب إلا القليل، وهذا القليل لم يعملوا به بل حرفوه وبدلوه وأخضعوا تفسيره لأهوائهم وشهواتهم.\n(يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ) أي: بالهدى، كما قال تعالى في آية أخرى (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا\nكَانُوا مُهْتَدِينَ).\nأي: يختارون (الضَّلالَةَ) وهي هنا كتمان العلم، وهو تكذيب النبي -ﷺ- وكتم صفته التي في كتبهم (بِالْهُدَى) وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به واتباعه وتصديقه.\nفمعنى (يشترون) يختارون، ولكنه عبر بهذا، لأن المشتري طالب راغب في السلعة، فكان هؤلاء - والعياذ بالله - طالبون راغبون في الضلالة بمنزلة المشتري.\n• قال السعدي: قوله تعالى (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ) أي: يحبونها محبة عظيمة ويؤثرونها إيثار من يبذل المال الكثير في طلب ما يحبه، فيؤثرون الضلال على الهدى، والكفر على الإيمان، والشقاء على السعادة.\n• قال الشوكاني: قوله تعالى (يَشْتَرُونَ) جملة حالية، والمراد بالاشتراء: الاستبدال، وقد تقدم تحقيق معناه. والمعنى: أن اليهود استبدلوا الضلالة، وهي: البقاء على اليهودية، بعد وضوح الحجة على صحة نبوّة نبينا محمد -ﷺ-.","vol":"5","page":78},{"text":"(وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ) أي: يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع.\nكما قال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً).\nوقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ).\nوقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ) ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ مَعَ اشْتِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ يُرِيدُونَ إِضْلَالَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا.\nوَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ كَثِيرٌ، وَأَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ رِدَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ السَّبَبَ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْحَسَدُ وَأَنَّهُمْ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمُ الْحَقَّ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ).\nوَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ هَذَا الْإِضْلَالَ الَّذِي يَتَمَنَّوْنَهُ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَقَعُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْهُمْ أَعْنِي الْمُتَمَنِّينَ الضَّلَالَ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون).\n• قال الرازي: واعلم أنك لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين أعني الضلال والإضلال.\n(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) أي: هو يعلم بهم ويحذركم منهم.\n(وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا) أي: كفى به وليا لمن لجأ إليه.\nوَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) أي: ونصيرًا لمن استنصره.\n• قال السعدي: ينصرهم على أعدائهم ويبين لهم ما يحذرون منهم ويعينهم عليهم، فولايته تعالى فيها حصول الخير، ونصره فيه زوال الشر.\n• وقال الشوكاني: فاكتفوا بولايته ونصره، ولا تتولوا غيره، ولا تستنصروه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1538>الفوائد:</span>\n١ - أن من الناس من يؤتى الكتاب ويرزق العلم ولكنه لا ينتفع به.\n٢ - الاستعاذة من علم لا ينفع.\n٣ - أن من لم ينتفع بعلمه فهو شبيه باليهود.\n٤ - الحذر من فتن الدنيا وحب المال والرياسة والمنصب.\n٥ - التحذير من اليهود وغيرهم من الكفار.\n٦ - إثبات علم الله تعالى.\n٧ - كمال علم الله تعالى.\n٨ - تهديد للمشركين.\n٩ - الثناء على الله بالكفاية.\n(١٤/ ٣/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1539>(مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (٤٦».</span> [النساء: ٤٦].\n<hr><s0>\n\n(مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ) في متعلق قوله (مِنَ الذين) وجوه:\nالأول: أن يكون بيانًا للذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، والتقدير: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من الذين هادوا.\nوالثاني: أن يتعلق بقوله (نَصِيرًا) والتقدير: وكفى بالله نصيرًا من الذين هادوا، وهو كقوله (ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا).\nوالثالث: قيل هي مستأنفة، معناه: من الذين هادُوا مَنْ يُحرِّفون، كقوله تعالى (وما مِنَّا إلا له مقامٌ معلوم) أي: مَنْ له مقام معلوم، يُريدُ: فريق. … (تفسير البغوي، تفسير الرازي).\n• قال ابن كثير: (من) هذه لبيان الجنس كقوله (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ).\n(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) أي: يتأولون على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله ﷿، قصدًا منهم وافتراء.\n• قال البغوي: يعني صفة محمد -ﷺ-.\n• اختلف العلماء هل التحريف معنوي أو لفظي؟\nوالعلماء متفقون على وقوع التحريف من أهل الكتاب في معاني التوراة والإنجيل، فإن تحريفهم المعاني لا ينكر، وإنما النزاع هل حرّفت الألفاظ أم لا؟\nفقيل: أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر.\nوهذا نسب لبعض العلماء.\nوقيل: أن بعض ألفاظ التوراة والإنجيل وليس أكثرها قد أصابها التحريف.\nقال بهذا: ابن تيمية، وابن القيم، وكثير من علماء المسلمين.\n• قال ابن تيمية: أما تغيير بعض ألفاظها، ففيه نزاع بين المسلمين، والصواب الذي عليه الجمهور، أنه بدّل بعض ألفاظها.\n• وقال ابن كثير: وأما ما بأيديهم من التوراة المعربة فلا يشك عاقل في تبديلها وتحريف كثير من ألفاظها، وتغيير القصص والألفاظ والزيادات والنقص البين الواضح، وفيها من الكذب البين والخطأ الفاحش شيء كثير جدًا، فأما ما يتلونه بلسانهم ويكتبونه بأقلامهم، فلا اطلاع لنا عليه، والمظنون بهم أنهم كذبة خونة يكثرون الفرية على الله ورسله وكتبه.\nوقيل: أن ألفاظ التوراة والإنجيل لم تُحرّف، وأن التحريف واقع في المعاني فقط.\nقال البخاريّ في (صحيحه) يحرفون يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله، ولكنهم يتأولونه على غير تأويله.\nوهو اختيار الرازيّ أيضًا، وهو ظاهر اختيار ابن عبد البر، ويُنسب لابن عباس، وقد نفى ابن حجر نسبة هذا القول لابن عباس.","vol":"5","page":80},{"text":"واستدل هؤلاء بما يلي:\nأ-أن الله أمر نبيه -ﷺ- أن يأمر اليهود بأن يأتوا بالتوراة، ليحتج عليهم بها، كما في قوله تعالى (قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ولو كانت محرفة لما صح الاحتجاج عليهم بها.\nب- ما جاء عن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ (أُتِىَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لِلْيَهُودِ «مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا». قَالُوا نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا. قَالَ «(فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)». فَجَاءُوا فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ يَا أَعْوَرُ اقْرَأْ. فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى عَلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. قَالَ «ارْفَعْ يَدَكَ». فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ. وَلَكِنَّا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا. فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، فَرَأَيْتُهُ يُجَانِئُ عَلَيْهَا الْحِجَارَةَ) متفق عليه.\nقال ابن عبد البر: وفي ذلك دليل على أن التوراة صحيحة بأيديهم، ولولا ذلك، ما سألهم رسول الله -ﷺ- عنها.\nج- قالوا: إذا كان التبديل قد وقع في ألفاظ التوراة والإنجيل قبل مبعث محمد لم يُعلم الحق من الباطل، فسقط الاحتجاج بهما ووجوب العمل بهما على أهل الكتاب، فلا يُذمون حينئذ على ترك اتباعهما، والقرآن قد ذمهم على ترك الحكم بما فيهما، واستشهد بهما في مواضع.\n(وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) أي: يقولون سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه، هكذا فسره مجاهد وابن زيد، وهو المراد، وهذا أبلغ في عنادهم وكفرهم، أنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه، وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة. (ابن كثير)\n• قال السعدي: أي سمعنا قولك، وعصينا أمرك، وهذا غاية الكفر والعناد، والشرود عن الانقياد.\n• قيل: أنهم يقولون في الظاهر: سمعنا، ويقولون في أنفسهم: وعصينا.\nوقيل: أنهم كانوا يظهرون قولهم: سمعنا وعصينا، إظهارًا للمخالفة، واستحقارًا للأمر.\n(وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) أي: اسمع ما نقول، لا سمعت.\nوقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك، قال ابن جرير: والأول أصح. وهو كما قال. وهذا استهزاء منهم واستهتار، عليهم لعنة الله.\nفاليهود - عليهم لعائن الله - يقصدون به الدعاء به على الرسول -ﷺ-: أي لا أسمعك الله، وهو دعاء بالصمم أو بالموت.\n(وَرَاعِنَا) أي: ويقولون في أثناء خطابهم: (راعنا) أي: يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم (راعنا) وإنما يريدون الرعونة، وهي الحمق.\n• لا ينبغي للإنسان أن يتكلم بالعبارات الموهمة.\n(لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) أي: فتلًا وتحريفًا عن الحق إلى الباطل.\n(وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) أي: قدحًا في الإسلام.\n• قال الشوكاني: أي يطعنون في الدين بقولهم: لو كان نبيًا لعلم أنا نسبه، فأطلع الله سبحانه نبيه -ﷺ- على ذلك.\n• قال ابن عطية: وهذا موجود حتى الآن في اليهود، وقد شاهدناهم يربّون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير.\n(وَلَوْ أَنَّهُمْ) أي: اليهود.","vol":"5","page":81},{"text":"(قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) عوضًا عن قولهم: (سمعنا وعصينا).\n(وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا) عوضًا عن قولهم (غير مسمع وراعنًا).\n(لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ) أي: لكان ذلك القول خيرًا لهم عند الله وأعدل وأصوب، وذلك لما تضمنه هذا الكلام من حسن الخطاب والأدب اللائق في مخاطبة الرسول، والدخول تحت طاعة الله والانقياد لأمره، وحسن التلطف في طلبهم العلم بسماع سؤالهم، والاعتناء بأمرهم، فهذا هو الذي ينبغي لهم سلوكه، ولكن لما كانت طبائعهم غير زكية، أعرضوا عن ذلك، وطردهم الله بكفرهم وعنادهم. (تفسير السعدي).\n(وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) أي: ولكن الله أبعدهم عن الهدى وعن رحمته بسبب كفرهم السابق.\nقال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: الله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب: سلب الهدى والعلم النافع كقوله (وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليهم بكفرهم).\n(فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا) قيل: فلا يؤمن منهم إلا قليل، وهم عبد الله بن سلام ومن تبعه، قال القرطبي: وهذا بعيد، وقيل: فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1540>الفوائد:</span>\n١ - أن اليهود حرفوا وكتموا صفة النبي -ﷺ-.\n٢ - أن المحرفين للكلم عن مواضعه يشبهون اليهود.\n٣ - شدة عناد اليهود.\n٤ - شدة حقد اليهود على النبي -ﷺ-.\n٥ - أن الطعن في الدين من صفات اليهود.\n٦ - أن الكفر سبب للعن.\n٧ - خطر المعاصي.\n٨ - قلة إيمان هؤلاء اليهود (منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون).","vol":"5","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1541>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧».</span> [النساء: ٤٧].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا) يقول تعالى - آمرًا أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد -ﷺ- من الكتاب العظيم - وهو القرآن.\n• قوله تعالى (نَزَّلْنَا) لأنه نزل شيئًا فشيئًا.\n(مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) التصديق لما معهم له معنيان:\nأولًا: أنه شاهد لها بالصدق، وقد شهد القرآن أن التوراة والإنجيل كليهما من عند الله.\nثانيًا: أنه جاء مطابقًا لما أخبرت به.\n(مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) الطمس: أصله استئصال أثر الشيء وإزالته بالكلية.\n• قال السعدي: وهذا جزاء من جنس ما عملوا، كما تركوا الحق، وآثروا الباطل وقلبوا الحقائق، فجعلوا الباطل حقًا والحق باطلًا جوزوا من جنس ذلك بطمس وجوههم كما طمسوا الحق، وردها على أدبارها، بأن تجعل في أقفائهم وهذا أشنع ما يكون.\n• اختلف العلماء في معنى ذلك:\nفقيل: هو على حقيقته، فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين.\nوقيل: هو عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسلبهم التوفيق.\nوعلى القول الأول - وهو الصحيح - فالمراد بقوله (فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) نجعلها قفا، أي: نذهب بآثار الوجه وتخطيطه حتى يصير على هيئة القفا.\nوقيل: إنه بعد الطمس يردها إلى موضع القفا، والقفا إلى مواضعها، وهذا ألصق بالمعنى الذي يفيده قوله (فنردها على أدبارها).\nقال الطبري: أي: من قبل أن نطمس أبصارها ونمحو آثارها فنسويها كالأقفاء، فنجعل أبصارها في أدبارها فيمشون القهقرى.\n• وأصحاب هذا القول: منهم من يرى أن هذه العقوبة تكون في آخر الزمان، ومنهم من يرى هذه العقوبة تكون في الآخرة، ومنهم من قال بأن هذه العقوبة مقيدة بعدم إيمان أحد منهم، وقد آمن بعضهم كعبد اللّه بن سلام وغيره.\n• وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية، فسمع رجلًا من أهلها حزينًا، وهو يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) الآية. قال كعب: يا رب آمنت، يا رب، أسلمت، مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين.\n• فإن قيل: لم يؤمنوا ولم يقع الطمس؟ قيل: لما آمن بعضهم رفع الطمس عنهم.\n(أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ) أي: نطردهم من رحمتنا، ونوقع بهم من النكال والعقوبة ما وقع لأصحاب السبت، والذي وقع لأصحاب السبت هو أنهم قيل لهم (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فكانوا وانقلبوا قردة ذليلين حقيرين مطرودين من رحمة الله، لما تحايلوا على الاصطياد يوم السبت، (والحيلة: التوصل إلى أمر محرم بفعلٍ ظاهره الإباحة).\nقال تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).","vol":"5","page":83},{"text":"وقال تعالى (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).\n• وقد جاءت القصة مبسوطة في سورة الأعراف، قال تعالى (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).\n• قال الشنقيطي: القردة: جمع قرد، وهو الحيوان المعروف، وهو من أخس الحيوانات، والدليل على أنه من أخس الحيوانات أن الله مسخ في صورته من أراد إذلالهم وإهانتهم وصغارهم، وهذا معروف، أن القرد من أخس الحيوانات.\n• فالمسخ من أكبر أنواع الطرد والإبعاد، فالمراد باللعن هنا اللعن الخاص وهو مسخهم قردة، وإلا فكل اليهود لعنوا.\n(وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) أي: إذا أمر بأمر، فإنه لا يُخالَف ولا يُمانَع.\n\n<span data-type='title' id=toc-1542>الفوائد:</span>\n١ - وجوب الإيمان بمحمد -ﷺ-، وأن من سمع به ولم يؤمن فهو كافر، وقد قال -ﷺ- (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار) رواه مسلم.\n٢ - إقامة الحجة على أهل الكتاب، حيث أن الكتاب الذي بأيديهم فيه صفة النبي محمد -ﷺ-.\n٣ - إثبات علو الله لقوله (بما نزلنا) والنزول لا يكون إلا من علو.\n٤ - أن القرآن مصدق للكتب السابقة.\n٥ - تهديد هؤلاء إن لم يؤمنوا.\n٦ - وجوب الحذر من غضب الله ولعنته.\n٧ - شدة عقوبة الله للمكذبين، حيث عاقب أصحاب السبت ولعنهم وجعلهم قردة. (الأحد: ١٥/ ٣/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1543>(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨».</span> [النساء: ٤٨].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) أي: أن الله لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به.\n• وسبق أن المغفرة هي: ستر الذنب والتجاوز عنه.\n• ففي هذه الآية: أن من مات على الشرك الأكبر، فإن الله لا يغفر له:\nقال تعالى (إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ....).\nوقد قال -ﷺ- (حينما سئل أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) متفق عليه.\nوعن ابن مسعود -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ) متفق عليه.\n• وعَنْ جَابِرٍ قَالَ (أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: (مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ) رواه مسلم.\n• … قال الشوكاني ﵀: لا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركه لم يكن من أهل المغفرة التي تفضل الله بها على غير أهل الشرك حسبما تقتضيه مشيئته، وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين فداخلون تحت المشيئة يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.\n• قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْمًا عَظِيمًا).\nذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء، وأن من أشرك به فقد افترى إثمًا عظيمًا.\nقال وذكر في مواضع أخر: أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك، فإن تاب غفر له.\nكقوله (إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا) الآية فإن الاستثناء راجع لقوله (وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَامًا).\nوقوله (قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ).\nوذكر في موضع آخر: أن من أشرك بالله فقد ضل ضلالًا بعيدًا عن الحق، وهو قوله في هذه السورة الكريمة أيضًا (إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا).\nوصرح بأن من أشرك بالله فالجنة عليه حرام ومأواه النار بقوله (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة وَمَأْوَاهُ النار).\nوقوله (ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين).\nوذكر في موضع آخر: أن المشرك لا يرجى له خلاص، وهو قوله (وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء فَتَخْطَفُهُ الطير أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ).","vol":"5","page":85},{"text":"وصرح في موضع آخر: بأن الإشراك ظلم عظيم بقوله عن لقمان مقررًا له (إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).\nوذكر في موضع آخر: أن الأمن التام والاهتداء، إنما هما لمن لم يلبس إيمانه بشرك، وهو قوله (الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولئك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ) وقد صح عنه -ﷺ- أن معنى بظلم بشرك. (أضواء البيان).\n• والشرك ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر. (وقد تقدمت مباحث ذلك).\n• والشرك: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله تعالى.\nقال الذهبي: وهو أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، وتعبد معه غيره من حجر أو بشر أو شمس أو قمر أو نبي أو شيخ أو غير ذلك.\nوهو أعظم ذنب عصي الله به،، وأي ذنب أعظم من أن يجعل مع الله شريك في ألوهيته أو ربوبيته أو أسمائه وصفاته، وهو هضم للربوبية وتنقص للألوهية، وسوء ظن برب العالمين، وهو أقبح المعاصي، لأنه تسوية المخلوق الناقص بالخالق الكامل من جميع الوجوه.\n(وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) أي: من الذنوب.\n• المراد بقوله (ما دون ذلك) أي: ما هو أقل من الشرك، وليس: ما سوى الشرك.\n(لِمَنْ يَشَاءُ) من عباده.\n• قال السعدي: فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابًا كثيرة، كالحسنات الماحية والمصائب المكفرة في الدنيا، والبرزخ ويوم القيامة، وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وبشفاعة الشافعين. ومن فوق ذلك كله رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد.\n• قال ابن الجوزي: في قوله (لمن يشاء) نعمة عظيمة من وجهين:\nأحدهما: أنها تقتضي أن كل ميّت على ذنب دون الشرك لا يقطع عليه بالعذاب، وإِن مات مصرًا.\nوالثاني: أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين، وهو أن يكونوا على خوف وطمع.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة.","vol":"5","page":86},{"text":"(وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) أي: ومن أشرك بالله فقد اختلق إثمًا عظيمًا.\n• قال السعدي: أي افترى جرمًا كبيرًا، وأي ظلم أعظم ممن سوى المخلوق -من تراب الناقص من جميع الوجوه الفقير بذاته من كل وجه الذي لا يملك لنفسه- فضلًا عمن عبده -نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا- بالخالق لكل شيء، الكامل من جميع الوجوه، الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، الذي بيده النفع والضر والعطاء والمنع، الذي ما من نعمة بالمخلوقين إلا فمنه تعالى فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟\nولهذا حتم على صاحبه بالخلود بالعذاب وحرمان الثواب (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ).\n• وقال الطبري: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) يعني بذلك جل ثناؤه: \"ومن يشرك بالله\" في عبادته غيره من خلقه \"فقد افترى إثما عظيما\"، يقول: فقد اختلق إثما عظيمًا، وإنما جعله الله تعالى ذكره (مفتريًا) لأنه قال زورًا وإفكًا بجحوده وحدانية الله، وإقراره بأن لله شريكًا من خلقه وصاحبة أو ولدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1544>الفوائد:</span>\n١ - عظم الشرك.\n٢ - أن ما دون الشرك تحت المشيئة.\n٣ - وجوب توحيد الله.\n٤ - أن المشرك مفترٍ على الله.","vol":"5","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1545>(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انظر كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا (٥٠».</span> [النساء: ٤٩ - ٥٠].\n<hr><s0>\n\n(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) نزلت هذه الآية في اليهود، حيث زكوا أنفسهم ومدحوها:\nبقولهم (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ).\nوقولهم (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ).\nوقولهم (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً).\n• قال القرطبي: التزكية: التطهير والتبرية من الذنوب.\n• قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ …) الاستفهام للتعجب والإنكار، والخطاب للرسول -ﷺ- ولكل من يصح خطابه.\n• فلا يجوز للإنسان أن يزكي نفسه لقوله تعالى (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) فمن زكى نفسه ومدحها فقد تشبه باليهود.\n(بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) أي: المرجع في ذلك إلى الله ﷿، لأنه عالم بحقائق الأمور وغوامِضها.\n• قال الشوكاني: قوله تعالى (بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء) أي: ذلك إليه سبحانه، فهو العالم بمن يستحق التزكية من عباده، ومن لا يستحقها، فليدع العباد تزكية أنفسهم، ويفوضوا أمر ذلك إلى الله سبحانه، فإن تزكيتهم لأنفسهم مجرد دعاوى فاسدة تحمل عليها محبة النفس، وطلب العلوّ والترفع والتفاخر ومثل هذه الآية قوله تعالى (فَلَا تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى).\n(وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) أي: لا يُترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل.\n• الفتيل: ما يكون في شق النواة، وقيل: هو ما فتلت بين أصابعك.\n• والمراد من الآية أن الله لا يظلم أحدًا شيئًا، وضرب المثل بالفتيل للقلة.\n• فالله لا يظلم أحدًا لكمال عدله، والقاعدة: أن النفي إذا جاء منفيًا عن الله فلا بد من إثبات ضده، وإلا فالنفي المحض لا كمال فيه.\nكقوله تعالى (ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) لكمال عدله.\nوقوله سبحانه (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) لكمال حياته وقيوميته.\n(انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) هذا تعجب من افترائهم وكذبهم، أي: انظر يا محمد كيف يختلقون الكذب في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه.\n(وكفى به) أي: وكفى بهذا الافتراء.\n(إثمًا مبينًا) ذنبًا وافتراء ظاهرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1546>الفوائد:</span>\n١ - الإنكار على من يزكي نفسه.\n٢ - النهي عن تزكية النفس، لأن الله تعالى أنكر ذلك (فلا تزكوا أنفسكم).\n٣ - أن الأمر إلى الله في تزكية الإنسان.\n٤ - أنه يجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله في طلب التزكية.\n٥ - نفي الظلم عن الله تعالى.\n٦ - تعظيم الكذب على الله. (الأربعاء: ١٨/ ٣/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1547>(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا (٥١) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢»</span> [النساء: ٥١ - ٥٢].\n<hr><s0>\n\n(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) الاستفهام للتعجب والمراد بهم أيضًا اليهود أعْطوا حظًا من التوراة.\n• قال ابن عاشور: أعيد التعجيب من اليهود، الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، بما هو أعجب من حالهم التي مرّ ذكرها في قوله (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة) فإنّ إيمانهم بالجبت والطاغوت وتصويبهم للمشركين تباعد منهم عن أصول شرعهم بمراحل شاسعة، لأنّ أوّل قواعد التوراة وأولى كلماتها العشر هي (لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالًا منحُوتًا، لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ).\n(يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) أي: يعتقدون صدقهما. (ابن تيمية).\nوقد اختلف العلماء في معناهما:\nقال عمر بن الخطاب: الجبت: هو السحر، وقيل: الشيطان، وقيل: الصنم، والصحيح أنه عام لكل صنم أو سحر أو كهانة أو ما أشبه ذلك.\nوَالطَّاغُوتِ: قيل هو الشيطان، والصحيح أنه ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.\nواختار ابن جرير اسمان لكل ما يعبد ويعظم من دون الله تعالى.\nفقال ﵀: والصواب من القول في تأويل يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ أن يقال: يصدقون بمعبودين من دون اللّه، ويتخذونهما إلهين، وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون اللّه أو طاعة أو خضوع له، كائنا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان.\n• قال في التسهيل: (يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت) قال ابن عباس: الجبت هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، وقال عمر بن الخطاب: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وقيل الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر، وبالجملة هما كل ما عبد وأطيع من دون الله\n(وَيَقُولُونَ) أي: اليهود.\n(لِلَّذِينَ كَفَرُوا) من كفار قريش.\n(هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) أي: أنتم أهدى سبيلًا من محمد وأصحابه.\n• قال ابن كثير: يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم وقلة دينهم وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم.\nعن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه؟ يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية! قال: أنتم خير، قال فنزلت (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) ونزل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا\nنَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) إلى (نَصِيرًا) رواه أحمد.\n(أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) أي: الذين طردهم وأبعدهم من رحمته.\n(وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) أي: ومن يطرده الله من رحمته فلا ناصر له من عذاب الله، لأن الله إذا أراد بقوم سوءًا فلا مرد له.\n\n<span data-type='title' id=toc-1548>الفوائد:</span>\n١ - التعجب من حال هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، ومع ذلك ينكرون ما دل عليه الكتاب.\n٢ - بيان قبح صنيعهم.\n٣ - بيان حقد اليهود على المؤمنين.\n٤ - الإشارة إلى أن السحر متلقى من اليهود.\n٥ - أن اليهود أهل حسد.\n٦ - اللعنة على اليهود.\n٧ - أن من لعنه الله فلا ناصر له.\n٨ - التحذير من التعرض للعنة الله.","vol":"5","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1549>(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥».</span> [النساء: ٥٣ - ٥٥].\n<hr><s0>\n\n(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ) هذا استفهام إنكار، أي: ليس لهم نصيب من الملك.\n• (أم) ههنا منقطعة وغير متصلة بما قبلها ألبتة، كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل لهم نصيب من الملك، وهذا الاستفهام استفهام بمعنى الإنكار، يعني ليس لهم شيء من الملك ألبتة.\nثم وصفهم بالبخل فقال:\n(فَإِذًا) يعني: لو كان لهم نصيب من الملك.\n(لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) أي: لو كان لهم نصيب من الملك فإذًا لا يؤتون أحدًا مقدار نقير لفرط جهلهم، ولا سيما محمد -ﷺ- شيئًا، ولا ما يملأ النقير، وهو النقطة التي تكون في النواة.\n• فاليهود من أشد الناس بخلًا، وأشدهم طمعًا وحرصًا على المال.\nوهذا كقوله تعالى (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ) أي: خوف أن يذهب ما بأيديكم، مع أنه لا يتصور نفاده، وإنما هو من بخلكم وشحكم ولهذا قال (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) أي: بخيلًا.\n• قال في التسهيل: النقير هي النقرة في ظهر النواة وهو تمثيل، وعبارة عن أقل الأشياء، والمراد وصف اليهود بالبخل لو كان لهم نصيب من الملك، وأنهم حينئذٍ يبخلون بالنقير الذي هو أقل الأشياء، ويبخلون بما هو أكثر منه من باب أولى.\n• والنقير: النقرة التي على ظهر النواة، يضرب بها المثل للقلة.\n(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) قال ابن عباس: حسدوا النبي -ﷺ- على النبوة، وحسدوا أصحابه على الإيمان، والمعنى: أبل يحسدون النبي -ﷺ- والمؤمنين على النبوة التي فضّل الله بها محمدًا وشرّف بها العرب ويحسدون المؤمنين على\nازدياد العز والتمكين؟\n• قال في التسهيل: والمقصود بالآية الردّ على اليهود في حسدهم لسيدنا محمد -ﷺ-، ومعناها إلزام لهم بما عرفوه من فضل الله تعالى على آل إبراهيم، فلأي شيء تخصون محمدًا -ﷺ- بالحسد دون غيره ممن أنعم الله عليهم.\n• فالمراد بالناس هنا محمد -ﷺ- وأصحابه، وعليه فهذا عام مخصوص.\n• قال الرازي: في المراد بلفظ (الناس) قولان:\nالأول: وهو قول ابن عباس والأكثرين إنه محمد -ﷺ-، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في الجمع العظيم، ومن هذا يقال: فلان أمة وحده، أي يقوم مقام أمة، قال تعالى (إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتًا).\nوالقول الثاني: المراد ههنا هو الرسول ومن معه من المؤمنين، وقال من ذهب إلى هذا القول: إن لفظ الناس جمع، فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد","vol":"5","page":90},{"text":"• والمراد بالفضل هنا النبوة، وهذا قول الأكثر.\n• قال الطبري: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، قولُ قتادة وابن جريج الذي ذكرناه قبل: أن معنى (الفضل) في هذا الموضع: النبوّة التي فضل الله بها محمدًا، وشرّف بها العرب، إذ آتاها رجلًا منهم دون غيرهم لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية، تدلّ على أنها تقريظٌ للنبي -ﷺ- وأصحابه رحمة الله عليهم، على ما قد بينا قبل. وليس النكاح وتزويجُ النساء وإن كان من فضْل الله جل ثناؤهُ الذي آتاه عباده بتقريظ لهم ومدح.\n• وحسدهم للنبي -ﷺ- لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل.\n• والحسد: تمني زوال نعمة الله على الغير، وهذا قول الأكثر، واختار ابن تيمية ﵀ أن الحسد كراهة ما أنعم الله به على غيره. (وهذا القول أعم من الأول).\n• قال الرازي: … ووصفهم (أي: اليهود) في هذه الآية بالبخل والحسد، فالبخل هو أن لا يدفع لأحد شيئًا مما آتاه الله من النعمة، والحسد هو أن يتمنى أن لا يعطي الله غيره شيئًا من النعم، فالبخل والحسد يشتركان في أن صاحبه يريد منع النعمة من الغير، فأما البخيل فيمنع نعمة نفسه عن الغير، وأما الحاسد فيريد أن يمنع نعمة الله من عبادة.\n(فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ) أي: فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل - الذين هم من ذرية إبراهيم - النبوة، وأنزلنا عليهم الكتب.\n• فالمراد بالكتب هنا عموم الكتب التي نزلت على آل إبراهيم قبل نبينا محمد -ﷺ- كصحف إبراهيم، وكصحف موسى ومنها التوراة والإنجيل، وكذلك الزبور والإنجيل.\n• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (فقد آتينا آل إِبراهيم الكتاب) يعني: التوراة، والإِنجيل، والزبور، كله، كان في آل إِبراهيم، وهذا النبي من أولاد إِبراهيم.\n(وَالْحِكْمَةَ) أي: وحكموا فيهم بالسنن - وهي الحكمة -.\n• والحكمة: ما أوحاه الله إلى أنبيائه من آل إبراهيم ولم يكن كتابًا مقروءًا، وأيضًا هي وضع الأمور في مواضعها.\nوَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) وجعلنا فيهم الملوك، فقد كان داود -﵇- ملكًا، وكان سليمان -﵇- قد أعطي ملكًا عظيمًا.\n• والمراد من الآية الرد على اليهود في حسدهم للنبي -ﷺ- وإلزامهم لهم بما عرفوه من فضل الله على آل إبراهيم.\n• قال القرطبي: والحسد مذموم وصاحبه مغموم، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.","vol":"5","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1550>مباحث الحسد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1551>أولًا: تعريف الحسد:</span>\nهو تمني زوال نعمة المحسود وإن لم يحصل للحاسد مثلها، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود.\n\n<span data-type='title' id=toc-1552>ثانيًا: خطر الحسد:</span>\nالأول: أنه من صفات اليهود.\nكما في هذا الآية (… حسدًا من عند أنفسهم).\nوكما في قوله تعالى (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ).\nالثاني: أنه من الإيذاء وتعد على المسلم.\nقال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).\nالثالث: أن النبي -ﷺ- نهى عنه.\nقال -ﷺ- (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا) متفق عليه.\nالرابع: أنه اعتراض على قضاء الله وقدره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1553>ثالثًا: فضل السلامة من الحسد:</span>\nالأول: أن تركه من علامة كمال الإيمان.\nفقد سئل رسول الله -ﷺ-: أي المؤمنين أفضل؟ قال (المؤمن النقي القلب، ليس فيه غل ولا حسد) رواه ابن ماجه.\nالثاني: أن الله أثنى على الأنصار بذلك.\nقال تعالى (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أوتوا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1554>رابعًا: من أقوال السلف في الحسد:</span>\nقال علي -﵁-: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له.\nوقيل: الحسود غضبان على القدر.\nويقال: ثلاثة لا يهنأ لصاحبها عيش: الحقد، والحسد، وسوء الخلق.\nوقيل لبعضهم: ما بال فلان يبغضك؟ قال: لأنه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة، فذكر جميع دواعي الحسد.\nوقال أعرابي: الحسد داء منصف، يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود، قاتل الله الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله.\nقال الأصمعي: رأيت أعرابيًا أتى عليه مائة وعشرين سنة، فقلت له: ما أطول عمرك. فقال: تركتُ الحسد فبقيت.\nوقال معاوية: كل إنسان أقدر على أن أرضيه إلا الحاسد، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة.\nوقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من الحاسد: غم دائم، ونفس متتابع.\nقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ فِي خِصَالِ الشَّرِّ أَعْدَلُ مِنْ الْحَسَدِ، يَقْتُلُ الْحَاسِدَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَحْسُودِ.\nوقال لابنه: يا بني! إياك والحسد، فإنه يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك.","vol":"5","page":92},{"text":"وعن سفيان بن دينار قال: قلت لأبي بشر: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا ويؤجرون كثيرًا، قال: قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم.\nوقيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: لا أم لك، أنسيت إخوة يوسف، لكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه.\nوقال ابن سيرين: ما حسدت أحدًا على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار.\nقال الشاعر:\nكل العداواة قد تُرجَى إماتتها … إلا عداوةَ من عاداك من حسدِ.\nوقال الخليل بن أحمد: لا شيء أشبه بالمظلوم من الحاسد.\nوقال الأصمعي: سمعت أعرابيًا، يقول: ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم، ونفس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي.\nوقال عون بن عبد الله: إياك والكبْر، فإن أول ذنب عصيَ الله به ثم قرأ (وإذ قلنا للملائكة …)، وإياك والحرص، فإنه أخرج آدم من الجنة ثم قرأ (اهبطوا منها)، وإياك والحسد، فإنما قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق).\nقال بعض العلماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه:\nأولها: قد أبغض كل نعمة قد ظهرت على غيره، والثاني: سخط لقسمته كأنه يقول لربه: لم قسمت هكذا؟، والثالث: أنه ضن بفضله، يعني أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله، والرابع: خذل ولي الله، لأنه يريد خذلانه وزوال النعمة عنه، والخامس: أعان عدوه يعني إبليس لعنه الله.","vol":"5","page":93},{"text":"قال بعض العلماء: ليس شيء من الشر أضر من الحسد، لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه:\nأولها: غم لا ينقطع.\nوالثاني: مصيبة لا يؤجر عليها.\nوالثالث: مذمة لا يحمد عليها.\nوالرابع: يسخط عليه الرب.\nوالخامس: تغلق عليه أبواب التوفيق.\nوقال عبد الله بن مسعود: لا تُعادُوا نِعم الله، قيل له: ومَن يعادي نِعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.\nيقول الله تعالى في بعض الكتب: الحسود عدوّ نعمتي، متسخط لقضائي، غيرُ راضٍ بقسمتي.\nولمنصور الفقيه:\nألَا قُلْ لمن ظَلّ لي حاسدًا … أتدرِي على مَن أسأتَ الأدَبْ\nأسأتَ على اللَّه في حكمه … إذا أنتَ لم ترض لي ما وَهَبْ\nولقد أحسن من قال:\nاصبر على حسدِ الحسود … فإن صبرك قاتلُه\nفالنار تأكل بعضها … إن لم تجد ما تأكُله.\nقال بعض الحكماء: الحاسدُ يضرُّ نفسه ثلاث مضرات:\nإحداها: اكتساب الذنوب؛ لأن الحسد حرام. الثانية: سوء الأدب مع الله تعالى فإنَّ حقيقة الحسد: كراهية إنعام الله على غيره، واعتراض على الله في فعله.\nالثالثة: تألم قلبه وكثرة همه وغمه.\n(فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) قيل: بمحمد -ﷺ-، وقيل: بهذا الإيتاء وهذا الإنعام وهذا أصح.\n(وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) أي: كفر به وأعرض عنه، أي: ومع ذلك - ومع ما أعطيناهم من الملك والنعم - فقد كذب فريق من ذرياتهم وأممهم ولم يشكروا نعمة الله عليهم إذ جعل النبوة في أجدادهم، بل كفروا النعمة وعصوا الرب.\n• قال الرازي: اختلفوا في معنى (به) فقال بعضهم: بمحمد -ﷺ-، والمراد أن هؤلاء القوم الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب آمن بعضهم وبقي بعضهم على الكفر والإنكار.","vol":"5","page":94},{"text":"وقال آخرون: المراد من تقدم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمعنى أن أولئك الأنبياء مع ما خصصتهم به من النبوة والملك، جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن به وبعضهم بقوا على الكفر، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء القوم، فإن أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت، وذلك تسلية من الله ليكون أشد صبرًا على ما ينال من قبلهم.\n(وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.\n• قال الطبري: ويعني بقوله (وكفى بجهنم سعيرًا) وحسبكم، أيها المكذبون بما أنزلت على محمد نبيي ورسولي (بجهنم سعيرًا) يعني: بنار جهنم، تُسعَر عليكم أي: تُوقدُ عليكم. أ\n• وقال الطبري: وفي هذه الآية دلالة على أن الذين صدّوا عما أنزل الله على محمد -ﷺ-، من يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالَيْ مُهاجَر رسول الله -ﷺ-، إنما رَفعَ عنهم وعيدَ الله الذي توعِّدهم به في قوله: (آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا) في الدنيا، وأخرت عقوبتهم إلى يوم القيامة، لإيمان من آمن منهم، وأن الوعيدَ لهم من الله بتعجيل العقوبة في الدنيا، إنما كان على مقام جميعهم على الكفر بما أنزل على نبيه محمد -ﷺ-. فلما آمن بَعضُهم، خرجوا من الوعيد الذي توعَّده في عاجل الدنيا، وأخرت عقوبةُ المقيمين على التكذيب إلى الآخرة، فقال لهم: كفاكم بجهنم سعيرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1555>الفوائد:</span>\n١ - بيان ما كان عليه اليهود من الحسد.\n٢ - إنكار الحسد.\n٣ - بيان ما منّ الله به على آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك العظيم.\n٤ - أن الناس ينقسمون فيما يعطيهم الله إلى قسمين.\n٥ - تعظيم إحراق النار.\n(الأحد: ٢٢/ ٣/ ١٤٣٤ هـ)","vol":"5","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1556>(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦».</span> [النساء: ٥٦].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا) أي: أنكروها وجحدوها، والمراد بالآيات هنا الآيات الشرعية، ويشمل أيضًا الآيات الكونية [وسبق معنى الكفر بالآيات الكونية والشرعية].\n(سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا) أي: سوف ندخلهم نار جهنم ونجعلهم يصلونها حتى تحرقهم.\n• قال الرازي: قوله تعالى (نُصْلِيهِمْ) أي ندخلهم النار، لكن قوله (نُصْلِيهِمْ) فيه زيادة على ذلك فإنه بمنزلة شويته بالنار،\nيقال شاة مصلية أي مشوية.\n• ثم ذكر تعالى نوعًا من أنواع عذابهم:\n(كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) أي: كلما أحرقت جلودهم بُدلوا جلودًا غيرها ليدوم ألم العذاب.\n• اختلف العلماء في المراد بتبديل الجلود هنا على أقوال:\nقيل: المراد بتبديل الجلود في الآخرة أنها تبدل جلودًا أخرى.\nروي هذا عن معاذ، وابن مسعود، وكعب الأحبار.\nوبه قال الحسن، وقتادة، وهو قول جمهور المفسرين.\nوقيل: المراد بذلك: أي أعدْنا الجلد الأول بعينه جديدًا على صورة أخرى، فتكون الغيرية عائدة على الصفة لا إلى الذات.\nوبهذا قال السمرقندي، والواحدي، والرازي.\nوقيل: المراد بتبديل الجلود استعارة عن دوام العذاب وعدم انقطاعه.\nوالراجح مذهب الجمهور.\nلقوله تعالى (غيرها) والغيرية تقتضي أن يكون الجلد المبدل غير الأول.\nولأن التبديل يقتضي المغايرة، ولا صارف للفظ عن حقيقته فيبقى معناه.","vol":"5","page":96},{"text":"• قال القرطبي: والمعنى في الآية: تبدّل الجلود جلودًا أُخر.\nفإن قال من يطعن في القرآن من الزنادقة: كيف جاز أن يعذّب جلدًا لم يَعصِه؟ قيل له: ليس الجلد بمعذّب ولا معاقب، وإنما الألم واقع على النفوس؛ لأنها هي التي تُحس وتعرف فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس.\nيدل عليه قوله تعالى (لِيَذُوقُواْ العذاب) وقوله تعالى (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا). (تفسير القرطبي).\nفالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح.\n(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا) لا يغالب ويمتنع أن يمسه أحد بسوء.\n(حَكِيمًا) في شرعه وأفعاله وفي جميع تصرفاته، ومن ذلك تعذيب من يعذبه.\n• قال ابن عطية: وحسن الاتصاف بعد هذه المقدمات بالعزة والإحكام، لأن الله لا يغالبه مغالب إلا غلبه الله، ولا يفعل شيئًا إلا بحكمة وإصابة، لا إله إلا هو ﵎.\n• في هذه الآية نوع من أنواع عذاب الكفار في النار، ومن عذابهم:\nقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ. وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ).\nوقال تعالى (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ. لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُون).\nوقال تعالى (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ. رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).\nوقال تعالى (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ).\nوقال تعالى (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى. نَزَّاعَةً لِلشَّوَى. تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى).\nوقال تعالى (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ).\nوقال تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ. قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ).","vol":"5","page":97},{"text":"وقال تعالى (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا. وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا. لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا).\nوقال تعالى (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ).\nوقال تعالى (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا).\nوقال تعالى (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ. لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ).\nوقال تعالى (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ).\nوقال -ﷺ- (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِى النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِى الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ).\nوعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- «تَدْرُونَ مَا هَذَا». قَالَ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ (هَذَا حَجَرٌ رُمِىَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِى فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا).\nوعَنْ سَمُرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ (إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى عُنُقِهِ) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِى مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِى الْمِرْجَلُ مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (يُرْسَلُ الْبُكَاءُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، فَيَبْكُونَ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ يَبْكُونَ الدَّمَ حَتَّى يَصِيرَ فِي وُجُوهِهِمْ كَهَيْئَةِ الأُخْدُودِ، لَوْ أُرْسِلَتْ فِيهِ السُّفُنُ لَجَرَتْ) رواه ابن ماجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1557>الفوائد:</span>\n١ - الوعيد لمن كفر بالله تعالى.\n٢ - أن النار مأوى للكافرين.\n٣ - تمام قدرة الله تعالى.\n٤ - شدة عذاب أهل النار فيها.\n٥ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم.","vol":"5","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1558>(وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا (٥٧».</span> [النساء: ٥٧].\n<hr><s0>\n\n(وَالَّذِينَ آمَنُواْ) بقلوبهم.\n• الإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وبكل ما يجب الإيمان به.\n(وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) أي: وعملوا الأعمال الصالحات من واجبات ومستحبات، والعمل الصالح لا يكون صالحًا إلا بشرطين:\nالشرط الأول: أن يكون خالصًا لله، قال -ﷺ- (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه.\nالشرط الثاني: أن يكون متابعًا للنبي -ﷺ-، لقوله -ﷺ- (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم.\nفمن عمل عملًا أشرك به مع الله غيره ولو يسير الرياء كان عمله غير صالح، ومن أخلص لله لكن على غير شريعة رسول الله -ﷺ- كان عمله غير صالح.\n• قال السعدي: ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.\n• ودائمًا يقرن الله العمل بالصالح، لأنه ليس كل عمل يقبل إلا إذا كان صالحًا.\nقال تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ …).\nوقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ....).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا).\nوقال تعالى (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى).","vol":"5","page":99},{"text":"(سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ) أي: يكون جزاؤهم دخول الجنان.\n• أن الإيمان والعمل الصالح سبب لدخول الجنة، وقد جاء في آيات كثيرة.\nقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)\nوقال تعالى (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ).\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)\n• والجنات جمع جنة، والجنة في لغة العرب: البستان، لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه، وجاء إطلاق الجنة على البستان في القرآن في قوله (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) أي البستان، وفي قوله (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ).\nوأما في الاصطلاح: فهي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\n- قوله تعالى (جنات) دليل على أن الجنات أنوع، كما قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ثم قال تعالى (ومن دونهما جنتان) وقال -ﷺ- (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما).\n• قال الشيخ ابن عثيمين: (جنات) بالجمع، وأحيانًا يقال بالإفراد (جنة)، فإذا كانت بالإفراد فالمراد بها مطلق الجنس، وإذا قيلت بالجمع فالمراد بها أنواع الجنات.\n(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي من تحت أشجارها، قال ابن الجوزي: أي من تحت شجرها لا من تحت أرضها.\n• قال ابن عاشور: وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر لأن في الماء طبيعة الحياة، ولأن الناظر يرى منظرًا بديعًا وشيئًا لذيذًا.\n• قال ابن القيم: وهذا يدل على أمور:\nأحدها: وجود الأنهار فيها. الثاني: أنها جارية لا واقفة. الثالثة: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا.\n• وهذه الأنهار جاء تسميتها في قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً).","vol":"5","page":100},{"text":"• وهذه الأنهار لا تنضب ولا تنقص، وتجري من غير أخدود.\nقال ابن القيم في النونية:\nأنهارها في غير أخدود جرت … سبحان ممسكها عن الفيضانِ\n(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) أي: مقيمين فيها إقامة أبدية لا تحول ولا تزول، فلا يموتون ولا يفنون ولا يخرجون منها.\n• قال النسفي: الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع.\n• وقال ابن الجوزي: والخلود: البقاء الدائم الذي لا انقطاع له.\n• قال ابن عاشور: وقوله (وهم فيها خالدون) احتراس مِن تَوَهُّم الانقطاع بما تعودوا من انقطاع اللذات في الدنيا لأن جميع اللذات في الدنيا معرضة للزوال وذلك ينغصها عند المنعم عليه كما قال أبو طيب:\nأشدُّ الغم عندي في سرور … تحقَّقَ عنه صاحبُه انتقالًا.\n• وذكر من نعيم الجنة الخلود، لأنه أعظم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غمًا، كما قال بعض الشعراء:\nأحب ليالي الهجر لا فرحًا بها عسى الدهر يأتي بعدها بوصال\nوأبغضُ أيام الوصال لأنني أرى كل وصل معقبًا بزوالِ\nفالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي -ﷺ- يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك النعميم فتتكدر غبطتهم.\n• وجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة:\nفقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).\nوقال -ﷺ- (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداُ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدًا) رواه مسلم.","vol":"5","page":101},{"text":"وقال -ﷺ- (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت …) متفق عليه.\n(لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ) الأزواج جمع زوج، وهو شامل للأزواج من الحور العين، ومن نساء الدنيا.\n(مُّطَهَّرَةٌ) يشمل طهارة الظاهر وطهارة الباطن، فهي مطهرة من الأذى، ومن القذر، لا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس، مطهرة من كل شيء حسي، مطهرة أيضًا من الأقذار الباطنة، كالغل، والحسد، والكراهية، والبغضاء وغير ذلك.\n• في هذا إثبات الزوجات في الجنة وأنهن مطهرات من كل دنس، من صفات نساء الجنة:\nأولًا: مطهرات. كما في هذه الآية.\nثانيًا: كواعب أترابًا.\nقال تعالى (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا. حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا. وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا).\nالكاعب: المرأة الجميلة التي برز ثديها، والأتراب: المتقاربات في السن.\nثالثًا: أبكارًا.\nقال تعالى (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا).\nأبكارًا: يعني أنه لم ينكحهن قبلهم أحد، العرب: المتحببات لأزواجهن.\nرابعًا: جميلات غاية الجمال.\nقال تعالى (وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ).\nوقال -ﷺ- (ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحًا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري.\nحور: جمع حوراء، وهي التي يكون بياض عينها شديد البياض وسواده شديد السواد.\nعين: جمع عيناء، وهي واسعة العين، المكنون: المخفي المصان، النصيف: الخمار.\nخامسًا: قاصرات الطرف.\nقال تعالى (حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ).\nوقال تعالى (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ).\nوقاصرات الطرف: هن اللواتي قصرن بصرهن على أزواجهن، فلم تطمح أنظارهن لغير أزواجهن.\n(وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا) أي: ظلًا دائمًا لا تنسخه الشمس ولا حر فيه ولا برد.\n• قال ابن كثير: أي: ظلًا عميقًا كثيرًا غزيرًا طيبًا أنيقًا.\n• قال الشنقيطي: وصف في هذه الآية الكريمة ظل الجنة بأنه ظليل، ووصفه في آية أخرى بأنه دائم، وهي قوله (أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا) ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود وهي قوله (وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ) وبين في موضع آخر أنها ظلال متعددة وهو قوله (إِنَّ المتقين فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ).\n• وقال أبو عبد الله الرازي: وإنما قال ظل ظليلًا لأن بلاد العرب في غاية الحرارة، فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة، ولهذا المعنى جعل كناية عن الراحة ووصفه بالظليل مبالغة في الراحة.","vol":"5","page":102},{"text":"• قال ابن الجوزي: سؤال: فإن قيل: أفي الجنة برد أو حر يحتاجون معه إلى ظل؟\nفالجواب: لا، وإنما خاطبهم بما يعقلون مثله، كقوله (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًا).\nوجواب آخر: وهو أنه إِشارة إِلى كمال وصفها، وتمكين بنائِها، فلو كان البرد أو الحرّ يتسلط عليها، لكان في أبنيتها وشجرها ظل ظليل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1559>الفوائد:</span>\n١ - أنه لا يتم دخول الجنة إلا بالإيمان.\n٢ - أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا.\n٣ - تعظيم الله تعالى.\n٤ - بيان شيء من نعيم الجنة.\n٥ - أن الجنة أنواع وليست نوعًا واحدًا.\n٦ - الثناء على الأزواج في الجنة.\n(الثلاثاء: ٢٤/ ٣/ ١٤٣٤ هـ)","vol":"5","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1560>(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨».</span> [النساء: ٥٨].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) هذا خطاب لجميع المكلفين، والمعنى: يأمركم الله أيها المؤمنون بأداء الأمانات إلى أربابها.\n• قال ابن كثير: يأمر تعالى بأداء الأمانات إلى أهلها وهو يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله تعالى على عباده من الصلاة والزكاة والصيام، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغيرها.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات) هذه الآية من أمّهات الأحكام تضمنّت جميع الدَّين والشرع وقد اختُلِف مَن المخاطب بها؛ فقال علي بن أبي طالب وزيد بن أسلم: هذا خطاب لولاة المسلمين خاصَّة، فهي للنبي -ﷺ- وأُمَرائه، ثم تتناول من بعدهم.\nوقال ابن عباس: الآية في الولاة خاصة في أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ويردُوهن إلى الأزواج.\nوالأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد الظلامات والعدل في الحكومات، وهذا اختيار الطبري.\nوتتناول مَن دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرّز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة مّا ونحوه؛ والصلاةُ والزكاةُ وسائرُ العبادات أمانة الله تعالى.\nوممن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب قالوا: الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع، وقال ابن عباس: لم يرخّص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة.\nقلت: وهذا إجماع.\nوأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرارِ منهم والفجار؛ قاله ابن المنذر. (تفسير القرطبي).\n• وقال ابن عاشور: واعلم أن معاملة الإنسان إما أن تكون مع ربه أو مع سائر العباد، أو مع نفسه، ولا بد من رعاية الأمانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة.\nوقال ﵀: وجملة (إنّ الله يأمركم) صريحة في الأمر والوجوب، مثل صراحة النهي في قوله في الحديث (إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم).","vol":"5","page":104},{"text":"(وإنّ) فيها لمجرد الاهتمام بالخبَر لظهور أنّ مثل هذا الخبر لا يقبل الشكّ حتّى يؤكّد لأنّه إخبار عن إيجاد شيء لا عن وجوده، فهو والإنشاء سواء.\nوالخطاب لكلّ من يصلح لتلقّي هذا الخطاب والعمل به من كلّ مؤتمن على شيء، ومن كلّ من تولّى الحكم بين الناس في الحقوق. … (التحرير والتنوير).\n(وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) هذا أمر من الله تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، في الحكام وغيرهم.\n• قال القرطبي: وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميعُ الخلق كما ذكرنا في أداء الأمانات.\nومن الأدلة على وجوب العدل:\nقوله تعالى (إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان).\nوقال (وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى).\nوقال (ياداوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً في الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق).\nوعن الحسن قال: ان الله أخذ على الحكام ثلاثا: أن لا يتبعوا الهوى، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا.\nومما يدل على وجوب العدل الآيات الواردة في مذمة الظلم:\nكقوله تعالى (احشروا الذين ظَلَمُواْ وأزواجهم).\nوقال تعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون).\nوقال تعالى (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1561> فضائل العدل:</span>\nأولًا: أن الله أمر به.\nفقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ....).\nثانيًا: أن الله يحب أهله.\nقال سبحانه (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).\nثالثًا: على منابر من نور.\nقال -ﷺ- (إن المقسطين عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) رواه مسلم\nرابعًا: في ظل الله يوم القيامة.\nقال -ﷺ- (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل …) متفق عليه.\n(إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) أي: نِعم الشيء الذي يعظكم به.","vol":"5","page":105},{"text":"(إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا) لأقوالكم.\n• وسمع الله ينقسم إلى قسمين:\nأولًا: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظاهر.\nقال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي …).\nهذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.\nوقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).\nوقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.\nثانيًا: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.\nومنه قول إبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.\nومنه قول المصلي (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.\nومنه كقوله -ﷺ- (اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع) أي: من دعاء لا يستجاب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1562> آثار الإيمان بهذا الاسم:</span>\nأولًا: مراقبة الله تعالى فيما يقوله اللسان، سواء أسر أو جهر به، وسواء كان ذلك في جماعة أو في خلوة.\nثانيًا: اللجوء إلى الله وسؤاله سبحانه من حاجات الدنيا والآخرة، فهو السميع لدعاء عباده سرهم ونجواهم، وهذا المعنى من معاني السميع (المجيب) يسكب في القلب الطمأنينة والأنس بالله وحسن الظن به سبحانه، والرجاء فيما عنده، وعدم الملل من دعائه.\nوقد دعا الأنبياء والصالحون ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم:\nفإبراهيم وإسماعيل قالا (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).","vol":"5","page":106},{"text":"وامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصًا لله لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nودعا زكريا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).\nودعا يوسف -﵇- ربه أن يصرف عنه كيد النسوة (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nوأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن، قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).\n(بَصِيرًا) بأفعالكم.\nوالبصير: اسم من أسماء الله متضمن لصفة البصر، قال السعدي: الذي يُبصر كلَّ شيء وإن رقَّ وصغُر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السماوات السبع.\nقال ابن القيم:\nوهو البصيرُ يرى دبيبَ النملةِ الـ … سوداءِ تحت الصخرِ والصَّوَانِ\nويرى مجاري القوت في أعضائها … ويَرى عُروق بياضِها بعيانِ\nويرى خيانات العيون بِلْحظِها … ويرى كذلك تقلبَ الأجفانِ\n• وصفة البصر من صفات الكمال كصفة السمع، فالمتصف بها أكمل ممن لا يتصف بذلك، قال تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ).\nوقد أنكر إبراهيم على أبيه عندما عَبَد ما لا يبصر ولا يسمع (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا).\n• والله بصير بأحوال عباده خبير بها، بصير بمن يستحق الهداية منهم ممن لا يستحقها، بصير بمن يصلح حاله بالغنى والمال، وبمن يفسد حاله بذلك (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ).","vol":"5","page":107},{"text":"• وهو بصير بالعباد شهيد عليهم، الصالح منهم والطالح، المؤمن والكافر (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا\nتَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا).\n• ومن علم أن الله مطلع عليه استحى أن يراه على معصية أو فيما لا يحب، ومن علم أنه يراه أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها لربه وخشع، فقد جاء في حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي -ﷺ- عن الإحسان فقال -ﷺ- (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تن تراه فإنه يراك).\n\n<span data-type='title' id=toc-1563>الفوائد:</span>\n١ - عظمة الله.\n٢ - وجوب حفظ الأمانات.\n٣ - سمو الشريعة الإسلامية.\n٤ - أنه يجب على المؤتمن أن يؤديها إلى أهلها.\n٥ - وجوب الحكم بين الناس بالعدل.\n٦ - التعبير بالعدل دون المساواة.\n٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والبصير.","vol":"5","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1564>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩».</span> [النساء: ٥٩].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ) يأمر الله تعالى بطاعته، والطاعة فعل الأمر واجتناب النهي.\n(وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) أي: خذوا بسنته.\n• قال القرطبي: وحقيقة الطاعة امتثال الأمر، كما أن المعصية ضدّها وهي مخالفة الأمر، والطاعة مأخوذة من أطاع إذا انقاد، والمعصية مأخوذة من عصى إذا اشتد.\n• قال -ﷺ- (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه) متفق عليه.\n• الفائدة من تكرار الأمر بالطاعة للرسول بعد الأمر بطاعته سبحانه؟\nقيل: أن الفائدة من تكرار الأمر بالطاعة مع أن المطاع في الحقيقة هو الله، تأكيد لوجوب طاعة الرسول -ﷺ-.\nوبه قال الطبري، والسعدي.\nوقيل: إن الفائدة من تكرار الأمر بالطاعة للرسول -ﷺ- لبيان الدلالتين، فالكتاب يدل على أمر الله تعالى، والسنة تدل على أمر الرسول -ﷺ-، فكأن المعنى: أطيعوا الله فيما قضى عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بيّن لكم من القرآن، وما ينصه عليكم من السنة.\nوبه قال الرازي، وابن حجر.\nقال ابن حجر: وَالنُّكْتَة فِي إِعَادَة الْعَامِل فِي الرَّسُول دُونَ أُولِي الْأَمْر مَعَ أَنَّ الْمُطَاع فِي الْحَقِيقَة هُوَ اللَّه تَعَالَى كَوْن الَّذِي يُعْرَف بِهِ مَا يَقَع بِهِ التَّكْلِيف هُمَا الْقُرْآن وَالسُّنَّة، فَكَأَنَّ التَّقْدِير أَطِيعُوا اللَّه فِيمَا نَصَّ عَلَيْكُمْ فِي الْقُرْآن، وَأَطِيعُوا الرَّسُول فِيمَا بَيَّنَ لَكُمْ مِنْ الْقُرْآن وَمَا يَنُصّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ السُّنَّة، أَوْ الْمَعْنَى أَطِيعُوا اللَّه فِيمَا يَأْمُركُمْ بِهِ مِنْ الْوَحْي الْمُتَعَبَّد بِتِلَاوَتِهِ، وَأَطِيعُوا الرَّسُول فِيمَا يَأْمُركُمْ بِهِ مِنْ الْوَحْي الَّذِي لَيْسَ بِقُرْآنٍ.\nوقيل: إن الفائدة من تكرار الطاعة الرسول -ﷺ- اعتناء بشأنه وقطعًا لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن.","vol":"5","page":109},{"text":"(وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) فيما يأمروكم به في غير معصية الله، وقد اختلف في المراد بهم على قولين:\nالقول الأول: أنهم الأمراء.\nالقول الثاني: العلماء.\n• قال ابن القيم: والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير الآية، والصحيح أنها متناولة للصنفين جميعًا، فإن العلماء والأمراء ولاة الأمر الذي بعث الله به رسوله، فان العلماء ولاته حفظًا وبيانًا وذبًا عنه، وردًا على من ألحد فيه وزاغ عنه، وقد وكلهم الله بذلك فقال تعالى (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) فيالها من وكالة أوجبت طاعتهم والانتهاء إلى أمرهم وكون الناس تبعًا لهم، والأمراء ولاته قيامًا وعناية وجهادًا وإلزامًا للناس به، وأخذهم على يد من خرج عنه، وهذان الصنفان هما الناس وسائر النوع الإنساني تبع لها ورعية.\n• قال ابن كثير: والظاهر - والله أعلم - أن الآية عامة في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء.\n• وقد جاءت الأدلة الكثيرة في وجوب طاعة ولي الأمر في غير معصية الله:\nعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) متفق عليه.\nوعن ابن عمر. قال: قال رسول الله -ﷺ- (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) متفق عليه.\nوعن أبي ذر. قال: قال رسول الله -ﷺ- (إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف) رواه مسلم، وعند البخاري (ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة).\nوعن ابن عباس. قال: قال رسول الله -ﷺ- (من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات فميتته جاهلية) متفق عليه.\nوعن عوف بن مالك. قال: قال رسول الله -ﷺ- (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، فقلنا يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا الصلاة فيكم، ألا من وليَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصيته فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدًا من طاعة) رواه مسلم.\n• قوله تعالى (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ولم يقل (وأطيعوا أولي الأمر …) وأعاده في الرسول، إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة، وأما ولاة الأمر فلا يطاعون استقلالًا، وإنما يطاعون تبعًا لطاعة الله، ولذلك إذا أمروا بمعصية فلا يطاعون.\n(فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) هذا أمر من الله ﷿ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)، فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال.","vol":"5","page":110},{"text":"• قوله (إِلَى اللَّهِ) أي: إلى شريعته.\n• قوله (ورسوله) إن كان حيًا فإلى شخصه، وأما بعد موته إلى سنته.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول) أي: رُدّوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته -ﷺ-؛ هذا قول مجاهد والأعمش وقَتادة، وهو الصحيح.\n(إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فردوا الأمر إلى الله ورسوله.\n• والغرض من هذا الحض والحث على التمسك بالكتاب والسنة.، كما يقول القائل: إن كنت ابني فلا تخالفني.\n• والإيمان بالله: معناه التصديق بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته مع عمل الجوارح بمقتضى ذلك.\n• واليوم الآخر: هو يوم القيامة، ومعناه: الإيمان بما بعد الموت من البعث والحساب والجزاء على الأعمال على الأعمال وما في ذلك من الأهوال والجنة والنار وغير ذلك.\n• وسمي اليوم الآخر بهذا الاسم، لأنه بعد انقضاء هذه الدنيا بأيامها ولياليها.","vol":"5","page":111},{"text":"• وكثيرًا ما يقرن الله ﷿ بين الإيمان به ﷿ وبين الإيمان باليوم الآخر، وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم الحوافز التي تدفع الإنسان للعمل الصالح، حيث الجزاء على الأعمال في ذلك اليوم، فهو أعظم دافع إلى العمل، وهو أعظم رادع عن التمادي في الباطل لمن وفقه الله تعالى.\n(ذَلِكَ) أي: الرجوع إلى الكتاب والسنة.\n(خَيْرٌ) لكم في الحال والحاضر.\n(وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) أي: وأحسن مآلًا وعاقبة ومرجعًا، فعاقبته حميدة، لأن الناس إذا رجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله حصل خير عظيم، وانتشر العدل بينهم.\n• قال ابن القيم: ثم قال تعالى (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) أي: هذا الذي أمرتكم به من طاعتي وطاعة رسولي وأولياء الأمر ورد ما تنازعتم فيه إلىَّ وإلى رسولي خير لكم في معاشكم ومعادَكم، وهو سعادتكم في الدارين، فهو خير لكم وأحسن عاقبة، فدل هذا على أن طاعة الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله هو سبب السعادة عاجلا وآجلًا، ومن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه، علم أن كل شر في العالم سببه مخالفة الرسول والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فانه بسبب طاعة الرسول.\n\n<span data-type='title' id=toc-1565>الفوائد:</span>\n١ - وجوب طاعة الله.\n٢ - وجوب طاعة الرسول استقلالًا.\n٣ - الرد على من كفر بالسنة.\n٤ - وجوب طاعة ولي الأمر.\n٥ - أن طاعة ولي الأمر من طاعة الله. (السبت: ٢٨/ ٣/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1566>(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣».</span> [النساء: ٦٠ - ٦٣].\n<hr><s0>\n\n(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) هذا إنكار من الله، ﷿ على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية: أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود\nتخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف، وقيل: في جماعة من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا، ولهذا قال (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ). (تفسير ابن كثير).\n• قال الرازي: قال كثير من المفسرين: نازع رجل من المنافقين رجلًا من اليهود فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف، والسبب في ذلك أن الرسول -ﷺ- كان يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة، وكعب بن الأشرف كان شديد الرغبة في الرشوة، واليهودي كان محقًا، والمنافق كان مبطلًا، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم إلى الرسول، والمنافق كان يريد كعب بن الأشرف.\n• قال السعدي: يعجب تعالى عباده من حالة المنافقين (الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ) مؤمنون بما جاء به الرسول وبما قبله، ومع هذا.","vol":"5","page":113},{"text":"(يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) وهو كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت، والحال أنهم (قد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) فكيف يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمَنْ زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك، وهذا من إضلال الشيطان إياهم.\n(وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا) أي: أن الشيطان يريد أن يصد هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى، فيضلهم عنها ضلالًا بعيدًا يعني: فيجور بهم عنها جورًا شديدًا.\n• الخطاب للنبي -ﷺ-، والمراد بالطاغوت هنا: كل ما خالف الشرع.\n• قوله تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) هذا محل التعجب.\n• قوله تعالى (بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) وهو القرآن.\n• والطاغوت: ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو معبود أو مطاع، كما ذكره ابن القيم، ويدخل في ذلك التحاكم إلى الهيئات والمنظمات التي تحكم بغير شرع الله، وكذلك التحاكم إلى القوانين الوضعية.\n(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) الضمير يعود إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وهم المنافقون من أهل الكتاب.\n(تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ) قال الطبري: ألم تر يا محمد إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك من المنافقين، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من أهل الكتاب يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله، يعني بذلك: وإذا قيل لهم تعالوا هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه، وإلى الرسول ليحكم بيننا رأيت المنافقين يصدون عنك، يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم: صدودًا.\n(رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) أي: رأيت المنافقين يصدون عنك، يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم (صدودًا).\nبخلاف أهل الإيمان الذين قال الله فيهم (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون).\n(فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك.","vol":"5","page":114},{"text":"(ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) أي: يتعذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقادًا منا صحة تلك الحكومة.\n• قال ابن عاشور: قوله تعالى (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) تفريع على قوله (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) لأنّ الصدود عن ذلك يوجب غضب الله عليهم، فيوشك أن يصيبهم الله بمصيبة من غير فعل أحد، مثل انكشاف حالهم للمؤمنين فيعرفوا بالكفر فيصبحوا مهدّدين، أو مصيبة من أمر الله ورسوله والمؤمنين بأن يظهروا لهم العداوة، وأن يقتلوهم لنفاقهم فيجيئوا يعتذرون بأنّهم ما أرادوا بالتحاكم إلى أهل الطاغوت إلاّ قصد الإحسان إليهم وتأليفهم إلى الإيمان والتوفيق بينهم وبين المؤمنين.\n(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإن الله عالم بظواهرهم وبواطنهم، ولهذا قال:\n(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) يعني عن معاقبتهم، وعن شغل البال بهم، وعن قبول أيمانهم الكاذبة في قوله (يحلفون) وليس بالإعراض الذي هو القطيعة والهجر، فإن قوله (وعظهم) يمنع من ذلك. (تفسير ابن عطية).\n(وَعِظْهُمْ) أي: وانههم على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر.\n(وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم.\nقيل: أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولًا بليغًا، وإن الله يعلم ما في قلوبكم فلا يغني عنكم إخفاؤه، فطهروا قلوبكم من النفاق وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شرًا من ذلك وأغلظ.\nوقيل: قل لهم في أنفسهم خاليًا بهم ليس معهم غيرهم على سبيل السر، لأن النصحية على الملأ تقريع وفي السر محض المنفعة.","vol":"5","page":115},{"text":"• قال الآلوسي: قوله تعالى (وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ) أي قل لهم خاليًا لا يكون معهم أحد، لأنه أدعى إلى قبول النصيحة، ولذا قيل: النصح بين الملأ تقريع، أو قل لهم في شأن أنفسهم ومعناها.\n• قال ابن الجوزي: وقد تكلم العلماء في حدّ (البلاغة) فقال بعضهم: البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وقيل: البلاغة حسن العبارة مع صحة المعنى وقيل: البلاغة: الإِيجاز مع الإِفهام، والتصرّف من غير إِضجار.\nقال خالد بن صفوان: أحسن الكلام ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، وخيرُ الكلام ما شوّق أوّله إِلى سماع آخره، وقال غيره: إِنما يستحق الكلام اسم البلاغة إِذا سابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه إِلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1567>الفوائد:</span>\n١ - ذم النفاق.\n٢ - خبث المنافقين.\n٣ - وجوب التحاكم إلى شرع الله.\n٤ - وجوب الإيمان بما أنزل إلى الرسول.\n٥ - إثبات علو الله.\n٦ - أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت.\n٧ - وجوب الكفر بالطاغوت.\n٨ - أن للشيطان إرادة.\n٩ - عداوة الشيطان للإنسان.\n١٠ - أن الله لا يخفى عليه ما في الصدور.\n١١ - التذكير ووعظ المنافقين.\n(الأحد: ٢٩/ ٣/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1568>(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (٦٤».</span> [النساء: ٦٤].\n<hr><s0>\n\n(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: فرضت طاعته على من أرسله إليهم.\n• واللام للتعليل، فالحكمة من إرسال الرسل طاعتهم، كما قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).\nقال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله).\n• قال ابن عطية: تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك.\n• قوله تعالى (بِإِذْنِ اللَّهِ) قال مجاهد: أي: لا يطيع أحد إلا بإذني، يعني: لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك.\n• قوله تعالى (بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بسبب إذنه - سبحانه - في طاعة رسوله، لأنه هو الذي أمر بهذه الطاعة لرسله.\nويجوز أن يراد بقوله بِإِذْنِ اللَّهِ أي بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده.\n• قال السعدي: وفي هذا إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه، لأن الله أمر بطاعتهم مطلقًا، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقًا.\n(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) هذا إرشاد من الله للمذنبين العاصين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان، ووقع بينهم خصومة ونزاع.\n(جَاءُوكَ) أي: إلى الرسول -ﷺ-، ومن المعلوم أن المراد جاءوك في حال حياتك، ويدل لهذا (واستغفر لهم الرسول)، لأنه بعد موته لا يمكن أن يستغفر لهم.\n(فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) عما وقع منهم من ظلم.\n(وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) تأكيدًا لذلك.\n(لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا) التواب اسم من أسماء الله، يتوب على التائبين مهما عظمت ذنوبهم.\n(رَحِيمًا) ومن رحمته أن يتوب على التائبين، بل ويفرح بتوبة عبده كما في الحديث (لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة).\n\n<span data-type='title' id=toc-1569>الفوائد:</span>\n١ - إثبات الحكمة من إرسال الرسل.\n٢ - إثبات تعليل أفعال الله.\n٣ - ثبوت الإذن لله تعالى.\n٤ - أنه يجب على الإنسان أن يبادر إلى التوبة والاستغفار.\n٥ - أن من تاب بصدق فإن الله يقبل توبته.","vol":"5","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1570>(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (٦٥».</span> [النساء: ٦٥].\n<hr><s0>\n\n(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ …) أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أن هؤلاء لا يؤمنون حقيقة حتى يجعلوك حكمًا فيما وقع بينهم من نزاع في حياتك، ويتحاكموا إلى سنتك بعد مماتك، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما انتهى إليه حكمك، وينقادوا مع ذلك انقيادًا تامًا، مع الرضا والتسليم.\n• قال ابن كثير: يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحكم الرسول -ﷺ- في جميع الأمور، فما حكم فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير مانعة ولا مدافعة ولا منازعة.\n• وقال ابن القيم: وأقسم سبحانه بأنه لا يؤمن من لم يحكمه في كل ما تنازعه فيه هو وغيره، ثم يرضى بحكمه، ولا يجد في نفسه حرجًا مما حكم به، ثم يسلم له تسليمًا، وينقاد له انقيادًا، وقال تعالى (وَمَا كَانَ لمؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).\n• وقال الشوكاني: وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود وترجف له الأفئدة، فإنه أولًا أقسم سبحانه بنفسه مؤكدًا لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله -ﷺ-، ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) فضم إلى التحكيم أمرًا آخر، وهو عدم وجود حرج: أي: حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيًا حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان وانثلاج قلب وطيب نفس، ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضم! إليه قوله (ويسلموا) أي: يذعنوا وينقادوا ظاهرًا وباطنًا، ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد فقال (تسليمًا) فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه، ويسلم لحكم الله وشرعه تسليمًا لا يخالطه ردّ ولا تشوبه مخالفة.","vol":"5","page":118},{"text":"• وقال الشنقيطي: أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسوله -ﷺ- في جميع الأمور، ثم ينقاد لما حكم به ظاهرًا وباطنًا، ويسلمه تسليمًا كليًا من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة، وبيّن في آية أخرى أن قول المؤمنين محصور في هذا التسليم الكلي، والانقياد التام ظاهرًا وباطنًا لما حكم به -ﷺ- وهي قوله تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).\n• وقد قيل في سبب نزولها قصة اليهودي والأنصاري في القصة المتقدمة، واختاره الرازي.\nوقيل: نزت في قصة الأنصاري الذي خاصم الزبير في ماء يسقي به النخل … واختاره القرطبي.\nعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلزُّبَيْرِ «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ». فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؛ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ قَالَ «يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ». فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا) متفق عليه.\nواختار الطّبريّ أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي.\n• ولذلك كان السلف من الصحابة ومن بعدهم متمسكين بطاعة الرسول -ﷺ- ويتشددون على من يردها:\nعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ (لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا». قَالَ فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَقَالَ أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَتَقُولُ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ.\nوعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (أَنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ - قَالَ - فَنَهَاهُ وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الْخَذْفِ وَقَالَ «إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ». قَالَ فَعَادَ. فَقَالَ أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْهُ ثُمَّ تَخْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1571>الفوائد:</span>\n١ - وجوب تحكيم الشريعة في كل شيء مع الرضا والتسليم.\n٢ - أن المؤمن الحقيقي لا يرضى إلا بشرع الله.\n٣ - تحريم تحكيم غير شرع الله.\n٤ - وجوب التسليم لأوامر الله تعالى ورسوله.","vol":"5","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1572>(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (٦٨».</span> [النساء: ٦٦ - ٦٨].\n<hr><s0>\n\n(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ …) يخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس والخروج من الديار لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد، ولا يشق فعلها، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات، لتخف عليه العبادات، ويزداد حمدًا وشكرًا لربه. (السعدي).\n• جاء في التفسير الوسيط: فإن الآية الكريمة تدل على أن اللّه تعالى لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه سبحانه لو كلف الناس جميعًا بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجيء لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعًا.\nوالمراد: أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذي كتبناه عليهم هو طاعة الرسول -ﷺ- والخضوع لحكمه في الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته في السر والعلن.\nفالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل اللّه على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة اللّه تعالى.\n• قال الشوكاني: المعنى: أن الله سبحانه لو كتب القتل والخروج من الديار على هؤلاء الموجودين من اليهود ما فعله إلا القليل منهم - ولذلك لإيثارهم الدنيا على الآخرة - أو لو كتب ذلك على المسلمين ما فعله إلا القليل منهم.\n• رجح ابن كثير أن الآية في عموم الناس.\n• قال ابن كثير: وهذا من علمه - ﵎ - بما لم يكن لو كان فكيف كان يكون.\n(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ) ثم أخبر أنهم لو فعلوا ما يوعظون به أي: ما وُظِّف عليهم في كل وقت بحسبه، فبذلوا هممهم، ووفروا نفوسهم للقيام به وتكميله، ولم تطمح نفوسهم لما لم يصلوا إليه، ولم يكونوا بصدده، وهذا هو الذي ينبغي للعبد، أن\nينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة، وحصول الكسل وعدم النشاط.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: الأحكام الشرعية مواعظ، ولهذا سمى الله القرآن موعظة فقال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).","vol":"5","page":120},{"text":"(لَكَانَ) ذلك.\n(خَيْرًا لَهُمْ) في الحال والمآل.\n(وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) أي: حصول التثبيت والثبات وزيادته، فإن الله يثبت الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان، الذي هو القيام بما وعظوا به، فيثبتهم في الحياة الدنيا عند ورود الفتن في الأوامر والنواهي والمصائب، فيحصل لهم ثبات يوفقون لفعل الأوامر وترك الزواجر التي تقتضي النفس فعلها، وعند حلول المصائب التي يكرهها العبد، فيوفق للتثبيت بالتوفيق للصبر أو للرضا أو للشكر، فينزل عليه معونة من الله للقيام بذلك، ويحصل له الثبات على الدين، عند الموت وفي القبر.\nوأيضا فإن العبد القائم بما أمر به، لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها ويشتاق إليها وإلى أمثالها، فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات. (تفسير السعدي).\n• قال السدي: أي وأشد تصديقًا، وقيل: أشد تثبيتًا لإيمانهم.\n• وقال الشوكاني: وأشد تثبيتًا لأقدامهم على الحق فلا يضطربون في أمر دينهم.\n(وَإِذًا) لو أنهم فعلوا ما يوعظون به.\n(لَآتَيْنَاهُمْ) أي: أعطيناهم.\n(مِنْ لَدُنَّا) أي: من عندنا.\n(أَجْرًا عَظِيمًا) أي: ثوابًا عظيمًا في كميته وفي قدره.\nأي: سنعطيهم ثوابًا عظيمًا لا يقدر عظمته إلا الله، وهو الحنة، وما فيها من النعيم ورؤية العزيز الحكيم، مما لا يقدر عظمته إلا من وصفه بأنه عظيم، كما قال تعالى (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، قال رسول الله -ﷺ- (قال تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرؤوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) متفق عليه.\n• قال السعدي: أي: في العاجل والآجل الذي يكون للروح والقلب والبدن، ومن النعيم المقيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\n• سمي الثواب أجرًا: لأنه سبحانه التزم على نفسه أن يجزي به كالتزام المستأجر بدفع الأجرة للأجير.","vol":"5","page":121},{"text":"(وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) أي: في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا: يهديهم لسلوك الطريق المستقيم السالم من الشرك والبدعة، وفي الآخرة: كما في قوله تعالى (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ …) فالله يهديهم إلى الصراط وعلى الصراط وعند الحساب وإلى الجنة، وإلى منازلهم في الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1573>الفوائد:</span>\n١ - بيان ضعف الإنسان.\n٢ - قال أبو حيان: وفي الآية دليل على صعوبة الخروج من الديار، إذ قرنه الله تعالى بقتل الأنفس، وقد خرج الصحابة\nالمهاجرون من ديارهم وفارقوا أهاليهم حين أمرهم الله تعالى بالهجرة.\n٣ - أن الناجي من العباد قليل.\n٤ - رحمة الله بعباده.\n٥ - أن طاعة الله سبب لكل خير.\n٦ - أن الأحكام الشرعية مواعظ.\n٧ - أن الإنسان بحاجة إلى دعاء الله ليثبته.","vol":"5","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1574>(وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠».</span> [النساء: ٦٩ - ٧٠].\n<hr><s0>\n\n(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) كلام مستأنف لبيان فضل طاعة الله ورسوله.\n• وطاعة الله ورسوله: العمل بما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى عنه الله ورسوله.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: الطاعة موافقة الأمر تركًا للمنهي وفعلًا للمأمور.\n• قوله تعالى (والرسول) يحتمل أن (أل) في الرسول للعهد، والمراد به محمد -ﷺ-، ويحتمل أن المراد الجنس، أي: الرسول الذي أرسله سواء كان محمدًا أم غيره.\n(فَأُولَئِكَ) الإشارة إلى المطيعين.\n(مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) بدخول الجنة، والوصول إلى ما أعد الله لهم.\n• قال ابن كثير: فإن الله ﷿ يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقًا لهؤلاء الصفوة.\n• وقال القرطبى: أي هم معهم في دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم، لا أنهم يساوونهم في الدّرجة؛ فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدّنيا والاقتداء، وكلّ مَن فيها قد رزق الرضا بحاله، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول، قال الله تعالى (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ).\n(مِنَ النَّبِيِّينَ) ويشمل الرسل، لأن كل رسول نبي، فإذا قيل (من النبيين) دخل فيهم بالأولى الرسل.\n• والنبي: جمع نبي، وهو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه (وهذا قول الجمهور).\n• والجمهور على أن الرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه والنبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بالتبيلغ.\n• وهذه المرتبة أعلى المراتب وهي اصطفاء (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).\n• خصهم الله تعالى بالوحي (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ).\n(وَالصِّدِّيقِينَ) جمع صديق، وهي صيغة مبالغة، وهو من كمُل تصديقه، كثير الصدق.\n• والصدق يكون:\nفي الأقوال: ومعناه: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها.\nوفي الأعمال: ومعناه: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد.\nوفي الأحوال: ومعناه: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص.","vol":"5","page":123},{"text":"• قال القرطبي: والصدِّيق فعيل، المبالغ في الصدق أو في التصديق، والصدّيق هو الذي يحقق بفعله ما يقوله بلسانه.\nوقيل: هم فضلاء أتباع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق كأبي بكر الصدّيق.\n• قال ابن القيم ﵀: فالصديق هو الذي صدق في قوله وفعله، وصدق الحق بقوله وعمله، فقد انجذبت قواه كلها للانقياد لله ولرسوله.\n• قال ابن القيم: فأما مراتب الكمال فأربع: النبوة والصديقية والشهادة والولاية.\nوقد ذكرها الله سبحانه في قوله (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليمًا) … والمقصود أنه ذكر فيها المراتب الأربعة الرسالة والصديقية والشهادة والولاية فأعلى هذه المراتب النبوة والرسالة، ويليها الصديقية، فالصديقون هم أئمة اتباع الرسل ودرجتهم أعلى الدرجات بعدالنبوة.\n• قال ابن تيمية: فالصدق أصل كل خير، … وَلِهَذَا يُذْكَرُ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّبَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ لَهُمْ ذُنُوبٌ كَثِيرَةٌ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ: أَنَا آمُرُك بِخَصْلَةِ وَاحِدَةٍ فَاحْفَظْهَا لِي؛ وَلَا آمُرُك السَّاعَةَ بِغَيْرِهَا الْتَزِمْ الصِّدْقَ وَإِيَّاكَ وَالْكَذِبَ وَتَوَعَّدَهُ عَلَى الْكَذِبِ بِوَعِيدِ شَدِيدٍ فَلَمَّا الْتَزَمَ ذَلِكَ الصِّدْقَ دَعَاهُ إلَى بَقِيَّةِ الْخَيْرِ وَنَهَاهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْفَاجِرَ لَا حَدَّ لَهُ فِي الْكَذِبِ. … (مجموع الفتاوى: ١٥/ ٢٤٦).\n• وقال ابن القيم: فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤة الصدق وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤة الكذب والله تعالى يعاقب الكذاب بأن ويقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا مفاسدها ومضارهما بمثل الكذب قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).\nوقال ﵀: الصادق مطلوبه رضى ربه، وتنفيذ أوامره وتتبع محابه فهو متقلب فيها يسير معها أينما توجهت ركائبها، ويستقل معها أينما استقلت مضاربها فبينا هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو ثم في حج ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع المنافع.\n• وقال ابن تيمية: الصديقية: كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهرًا وباطنًا. (ابن تيمية).\nوقال ابن تيمية: الصِّدْقُ أَسَاسُ الْحَسَنَاتِ وَجِمَاعُهَا وَالْكَذِبُ أَسَاسُ السَّيِّئَاتِ وَنِظَامُهَا وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:\nأَحَدُهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ حَيٌّ نَاطِقٌ فَالْوَصْفُ الْمُقَوِّمُ لَهُ الْفَاصِلُ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الدَّوَابِّ هُوَ الْمَنْطِقُ وَالْمَنْطِقُ قِسْمَانِ: خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ وَالْخَبَرُ صِحَّتُهُ بِالصِّدْقِ وَفَسَادُهُ بِالْكَذِبِ فَالْكَاذِبُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْبَهِيمَةِ الْعَجْمَاءِ.\nالثَّانِي: أَنَّ الصِّفَةَ الْمُمَيِّزَةَ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالْمُتَنَبِّئِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ الصَّادِقُ الْأَمِينُ وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ. وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).","vol":"5","page":124},{"text":"الثَّالِثُ: أَنَّ الصِّفَةَ الْفَارِقَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ هُوَ الصِّدْقُ فَإِنَّ أَسَاسَ النِّفَاقِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبُ وَعَلَى كُلِّ خُلُقٍ يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ لَيْسَ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ).\nالرَّابِعُ: أَنَّ الصِّدْقَ هُوَ أَصْلُ الْبِرِّ وَالْكَذِبَ أَصْلُ الْفُجُورِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ …).\nالْخَامِسُ: أَنَّ الصَّادِقَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَالْكَاذِبَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ كَمَا قَالَ تَعَالَى (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ).\nالسَّادِسُ: أَنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَبَيْنَ الْمُتَشَبَّهِ بِهِمْ مِنْ الْمُرَائِينَ وَالْمُسْمِعِينَ وَالْمُبْلِسِينَ هُوَ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ.\nالسابع: أَنَّ الْمَشَايِخَ الْعَارِفِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَسَاسَ الطَّرِيقِ إلَى اللَّهِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْإِخْلَاصُ كَمَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ:\n• من أراد أن يصل لهذه الدرجة فليجتهد في الصدق ويتحراه.\nقال -ﷺ- (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا).\n• وقال بعض العلماء: أجمع الفقهاء والعلماء على ثلاث خصال أنها إذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها إلا ببعض: الإسلام الخالص عن البدعة والهوى، والصدق لله في الأعمال، وطيب المطعم.\n• الصدق فضله عظيم ومنزلته عالية، وأنها سبب لرفعة العمل وعلوه.\nقال -ﷺ- (من سأل الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه).\nذكر للإمام أحمد الصدق والإخلاص، فقال: بها ارتفع القوم.","vol":"5","page":125},{"text":"(وَالشُّهَدَاءِ) جمع شهيد، وهو من قتل شهيدًا في المعركة مع الكفار.\n• هذه الآية فيها دلالة واضحة على فضل الشهادة، وللشهادة فضائل كثيرة:\nأولًا: من أسباب دخول الجنة.\nكما قال -ﷺ- (انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِى سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ إِيمَانٌ بِى وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِى أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّى أُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَل) متفق عليه\nوقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).\nوعن جابر. قال (قال رجل للنبي -ﷺ- يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل) متفق عليه\nثانيًا: الحياة بعد الاستشهاد مباشرة.\nقال تعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُون).\nوقال تعالى (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).\nثالثًا: مغفرة الذنوب وتكفير السيئات.\nقال تعالى (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).\nوقال -ﷺ- (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (إن للشهيد عند الله ست خصال يغفر له عند أول دفعة من دمه ....) رواه الترمذي.\nرابعًا: تمني الرجوع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى بل عشر مرات.\nعن أنس. قال: قال -ﷺ- (ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما\nيرى من فضل الشهادة، فإنه يسرهُ أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى وفي رواية: لما يرى من الكرامة) متفق عليه.","vol":"5","page":126},{"text":"خامسًا: الشهيد في الفردوس الأعلى.\nوعن أنس (أن أم حارثة أتت النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول الله ألا تحدثني عن حارثة، وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه بالبكاء، فقال رسول الله: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) متفق عليه.\nسادسًا: الملائكة تظل الشهيد بأجنحتها.\nعن جابر قال (جيء بأبي إلى النبي -ﷺ- وقد مثّل به ووضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع صوت نائحة، فقيل: ابنة عمرو - أو أخت عمرو - فقال: لم تبكي أو لا تبكي، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها). متفق عليه\nسابعًا: الشهداء لا يفتنون في قبورهم:\nعن المقداد بن معد يكرب. قال: قال رسول الله -ﷺ- (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- لما سئل لماذا الشهداء لا يسألون في قبورهم؟ قال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) رواه النسائي.\nقال ابن النحاس: ولا شك بأن من وقف للقتال ورأى السيوف تلمع وتقطع، والأسنة تبرق وتخرق، والسهام ترشق وتمرق، والرؤوس تندر، والدماء تثعب، والأعضاء تتطاير، وجاد بنفسه لله تعالى إيمانًا به وتصديقًا بوعده ووعيده، فيكفيه هذا امتحانًا لإيمانه واختبارًا له وفتنة، إذ لو كان عنده شك أو ارتياب لولى الدبر، وذهل عما هو واجب عليه من الثبات، وداخله الشك والارتياب\nثامنًا: الشهيد لا يشعر بألم القتل.\nعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة) رواه الترمذي.\nقال علي: إن لم تقتلوا تموتوا، والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش","vol":"5","page":127},{"text":"قال ابن تيمية: وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَمْ يَرِدْ فِي ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَفَضْلِهَا مِثْلُ مَا وَرَدَ فِيهِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ فَإِنَّ نَفْعَ الْجِهَادِ عَامٌّ لِفَاعِلِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَمُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِخْلَاصِ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَتَسْلِيمِ النَّفْسِ وَالْمَالِ لَهُ وَالصَّبْرِ وَالزُّهْدِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَعْمَالِ: عَلَى مَا لَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عَمَلٌ آخَرُ. وَالْقَائِمُ بِهِ مِنْ الشَّخْصِ وَالْأُمَّةِ بَيْنَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ دَائِمًا. إمَّا النَّصْرُ وَالظَّفَرُ وَإِمَّا الشَّهَادَةُ وَالْجَنَّةُ. فَإِنَّ الْخَلْقَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مَحْيَا وَمَمَاتٍ فَفِيهِ اسْتِعْمَالُ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ فِي غَايَةِ سَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِي تَرْكِهِ ذَهَابُ السَّعَادَتَيْنِ أَوْ نَقْصُهُمَا؛ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَرْغَبُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّدِيدَةِ فِي الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا مَعَ قِلَّةِ مَنْفَعَتِهَا فَالْجِهَادُ أَنْفَعُ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ عَمَلٍ شَدِيدٍ وَقَدْ يَرْغَبُ فِي تَرْفِيهِ نَفْسِهِ حَتَّى يُصَادِفَهُ الْمَوْتُ، فَمَوْتُ الشَّهِيدِ أَيْسَرُ مِنْ كُلِّ مِيتَةٍ وَهِيَ أَفْضَلُ الْمِيتَاتِ.\nتاسعًا: دم الشهيد أحب شيء إلى الله.\nعن أبي أمامة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة من دموع في خشية الله، وقطرة دم تهرق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله) رواه الترمذي.\nعاشرًا: الشهيد يشفع في أهل بيته.\nعن أم الدرداء قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) رواه الترمذي.\nالحادي عشر: لا يشترط للشهيد أعمال صالحة قبل الشهادة.\nعن البراء بن عازب قال (أتى النبي -ﷺ- رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله -ﷺ-: عمل قليل وأجر كثير) رواه البخاري.\nفائدة: سمي الشهيد بذلك:\nقال النووي: \" قال النضر بن شميل: لأنه حي، فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار الإسلام وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة \".\nوقال ابن الأنباري: \" إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة \".\nوقيل: لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى له من الثواب والكرامة.\nوقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه.\nوقيل: لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله.\nوقيل: لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا وهو الدم.","vol":"5","page":128},{"text":"(وَالصَّالِحِينَ) جمع صالح، وهو الذي أدى حق الله وحق الناس.\n• قال ابن الجوزي: وأما الصالحون فهم اسم لكل من صلحت سريرته وعلانيته.\n• قال ابن تيمية: وهذه الأربعة هي مراتب العباد: أفضلهم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون.\n(وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) أي: ونعمت رفقة هؤلاء وصحبتهم، وحسن رفيق أولئك الأبرار، عن عائشة ﵂ قالت: سمعت النبي -ﷺ- في شكواه التي قبض فيها يقول (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) فعلمت أنه خير.\n(ذَلِكَ الْفَضْلُ) الذي نالوه.\n(مِنَ اللَّهِ) لا من غيره، فهو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم عليه، وأعطاهم من الثواب ما لا تبلغه أعمالهم.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (ذلك الفضل مِنَ الله) أخبر تعالى أنهم لم ينالوا الدرجة بطاعتهم بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمه.\n• سؤال: فإن قال قائل: أو ليس بالطاعة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فضله؟\nقيل له: إنهم لم يطيعوه في الدنيا إلا بفضله الذي تفضل به عليهم، فهداهم به لطاعته، فكل ذلك فضل منه تعالى ذكره. (تفسير الطبري)\nكما قال -ﷺ- (قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بعَمَلِهِ» قالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «وَلَا أنا إلاَّ أنْ يَتَغَمَّدَني الله برَحمَةٍ مِنهُ وَفَضْل) متفق عليه.\nوزكريا لما دخل على مريم (… وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ. فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ).\n(وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) يعلم أحوال عباده، ومَنْ يستحق منهم الثواب الجزيل، بما قام به من الأعمال الصالحة، التي تواطأ عليها القلب والجوارح. [تفسير السعدي].\n\n<span data-type='title' id=toc-1575>الفوائد:</span>\n١ - الحث على طاعة الله ورسوله.\n٢ - أن طاعة الرسول من طاعة الله.\n٣ - أن النبي أفضل من الصديق، والصديق أفضل من الشهيد، والشهيد أفضل من الصالح.\n٤ - الثناء على هؤلاء الأصناف الأربعة.\n٥ - بيان نعمة الله على هؤلاء الأصناف.\n٦ - أن ما يحصل للإنسان من فضل فهو من الله.\n٧ - بيان سعة علم الله تعالى.\n(الأحد: ٧/ ٤/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1576>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا (٧١».</span> [النساء: ٧١].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) يأمر تعالى عباد المؤمنين بأخذ الحذر من أعدائهم الكافرين.\n• قال السعدي: وهذا يشمل الأخذ بجميع الأسباب التي بها يستعان على قتالهم، ويستدفع مكرهم وقوتهم، من استعمال الحصون والخنادق، وتعلم الرمي والركوب، وتعلم الصناعات التي تعين على ذلك، وما به يعرف مداخلهم ومخارجهم، ومكرهم.\nقال ابن عاشور: والحذْرُ: هو توقّي المكروه.\n(فَانْفِرُوا) النفير: الخروج إلى الجهاد.\n(ثُبَاتٍ) أي: أخرجوا إلى قتال عدوكم متفرقين.\n(أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) أي: أخرجوا إلى قتالهم مجتمعين.\n• والكلمة يعرف معناها بضدها، فعلمنا أن معنى (ثباتٍ) متفرقين من قوله (أو انفروا جميعًا) حيث قوبلت بهذا.\n• قال السعدي في الآية: كل هذا تبع للمصلحة والنكاية والراحة للمسلمين في دينهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1577>الفوائد:</span>\n١ - وجوب أخذ الحذر من الأعداء.\n٢ - أنه يجب على الإنسان أن يكون كيسًا فطنًا.\n٣ - وجوب الجهاد.","vol":"5","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1578>(وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣».</span> [النساء: ٧٢ - ٧٣].\n<hr><s0>\n\n(وَإِنَّ مِنْكُمْ) (من) للتبعيض، والمراد بهم المنافقون، جعلوا من المؤمنين باعتبار زعمهم وباعتبار الظاهر\n• قال البغوي: وإنما قال (مِنْكُم) لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية والنسبِ وإظهارِ الإسلام، لا في حقيقة الإيمان\n• قال ابن عاشور: قوله (وإنَّ مِنكم لمن ليبطّئنّ) أي: من جماعتكم وعدادكم، والخبر الوارد فيهم ظاهر منه أنَّهم ليسوا بمؤمنين في خلوتهم، لأنّ المؤمن إن أبطأ عن الجهاد لا يقول (قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيدًا)، فهؤلاء منافقون، وقد أخبر الله عنهم بمثل هذا صراحة في آخر هذه السورة بقوله (بشّر المنافقين بأنّ لهم عذابًا أليمًا) إلى قوله (الذين يتربّصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين).\nوقيل: أريد بهم ضعفة المؤمنين يتثاقلون عن الخروج إلى أن يتّضح أمر النصر، قال الرازي: وهذا اختيار جماعة من المفسرين.\nوقيل: المراد بقوله (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ) بعض المؤمنين؛ لأن الله خاطبهم بقوله (وَإِنَّ مِنْكُمْ) وقد فرَق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله (وَمَا هُم مِّنكُمْ) وهذا يأباه مسَاق الكلام وظاهره.\nوإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بيّنا لا من جهة الإيمان، هذا قول الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، ويدلّ عليه قوله (فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ) أي قَتْلٌ وهزيمة (قَالَ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ) يعني بالقعود، وهذا لا يصدر إلا من منافق؛ لا سيّما في ذلك الزمان الكريم، بعيد أن يقوله مؤمن.\n(لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) أي: ليتخلفن عن الجهاد.\nقال ابن كثير: ويحتمل أن يكون المراد أنه يتبأطأ هو بنفسه، ويبطئ غيره عن الجهاد، كما كان عبد الله بن أبيّ بن سلول - قبحه الله - يفعل، يتأخر عن الجهاد، ويثبّط الناس عن الخروج فيه.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ) يعني المنافقين، والتّبطِئة والإبطاء التأخّر، تقول: ما أبطأك عنا؛ فهو لازم، ويجوز بطأت فلانًا عن كذا أي أخرته؛ فهو متعد، والمعنيان مراد في الآية، فكانوا يقعدون عن الخروج ويُقعِدون غيرهم، والمعنى إن من دخلائكم وجنسكم وممن أظهر إيمانه لكم، فالمنافقون في ظاهر الحال من أعداد المسلمين بإجراء أحكام المسلمين عليهم.\n• قال ابن تيمية: الإعراض عن الجهاد، فإنه من خصال المنافقين، قال النبي -ﷺ-: \"من مات ولم يغزُ ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق \"رواه مسلم. وقد أنزل الله \" سورة براءة \" التي تسمى الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين.","vol":"5","page":131},{"text":"ولهذا أخبر تعالى عن المنافق أنه يقول إذا تأخر عن الجهاد:\n(فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) أي: قتل وشهادة وغلب العدو لكم، لما لله في ذلك الحكمة.\n(قال) ذلك المتخلف.\n(قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) أي: قد تفضل الله عليّ إذ لم أشهد الحرب معهم فأُقتل ضمن من قتلوا.\n• قال ابن كثير: يعد ذلك من نعم الله عليه، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر، أو الشهادة إذا قتل.\n• قال السعدي: رأى من ضعف عقله وإيمانه أن التقاعد عن الجهاد الذي فيه تلك المصيبة نعمة، ولم يدر أن النعمة الحقيقية هي التوفيق لهذه الطاعة الكبيرة، التي بها يقوى الإيمان، ويسلم بها العبد من العقوبة والخسران، ويحصل له فيها عظيم الثواب، ورضا الكريم الوهاب، وأما القعود فإنه وإن استراح قليلًا، فإنه يعقبه تعب طويل وآلام عظيمة، ويفوته ما يحصل للمجاهدين.\n• قال تعالى عن قوم مؤمنين (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُون) فهؤلاء بكوا لأنهم لم يقدروا عن الجهاد.\n(وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ) أي: نصر وظفر وغنيمة.\n(لَيَقُولَنَّ) هذا المتخلف.\n(كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) أي: كأنه ليس من أهل دينكم.\n(يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه، وهو أكبر قصده وغاية مراده\n\n<span data-type='title' id=toc-1579>الفوائد:</span>\n١ - أن التكاسل عن الخير والتباطؤ فيه من أسباب النفاق.\nقال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا)\nوقال تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ).\nوقال -ﷺ- (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا) متفق عليه.\n٢ - ذم النفاق.\n٣ - أن المنافق لا يؤمن بوعد الله ولقائه، ولذلك يتحسر على فوات الدنيا، ويفرح بقدوم الدنيا عليه.","vol":"5","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1580>(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤».</span> [النساء: ٧٤].\n<hr><s0>\n\n(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا أمر بالجهاد في سبيل الله.\nوفي هذا التنبيه على أن يكون الجهاد في سبيل الله ولتكون كلمة الله هي العليا.\nعَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً أَىُّ ذَلِكَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّه) متفق عليه.\n(الَّذِينَ يَشْرُونَ) أي: يبيعون.\n(الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) أي: يبيعون الدنيا رغبة عنها بالآخرة رغبة فيها.\n• قال ابن عطية: هذا أمر من الله ﷿ للمؤمنين الذين وصفهم بالجهاد في سبيل الله، و(يشرون) معناه: يبيعون في هذا الموضع، وإن جاء في مواضع: يشترون، فالمعنى هاهنا يدل على أنه بمعنى \" يبيعون \" ثم وصف الله ثواب المقاتل في سبيل الله، فذكر غايتي حالتيه، واكتفى بالغايتين عما بينهما، وذلك أن غاية المغلوب في القتال أن يقتل، وغاية الذي يقتل ويغنم أن يتصف بأنه غالب على الإطلاق.\n(وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) بأن يكون جهادًا قد أمر الله به ورسوله، ويكون العبد مخلصًا لله فيه، قاصدًا وجه الله.\n(فَيُقْتَلْ) أي: يستشهد.\n(أَوْ يَغْلِبْ) أي: ينتصر\n• قال البيضاوي: وإنما قال (فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ) تنبيهًا على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة حتى يعز نفسه بالشهادة أو الدين، بالظفر والغلبة وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاء الحق وإعزاز الدين.\n(فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) فهو غانم في كل حال، إن قُتِل قُتل شهيدًا، وإن غلب غلب سعيدًا كما قال تعالى (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) وهما إما الشهادة أو النصر والغلبة (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ).\nعن أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ الله -ﷺ- قال (تكفّل الله تعالى لمن جاهد في سبيله لا يُخرِجُه إلا جهادٌ في سبيله وتصديقُ كلمتِه أن يُدخِلَه الجنةَ أو يُرجِعَه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة) متفق عليه.\n• قال ابن تيمية: القائم به من الشخص أو الأمّة بين إحدى الحسنيين دائمًا، إمّا النصر والظفر، وإمّا الشهادة والجنة\nمن كلمات ابن تيمية في الجهاد وفضله:","vol":"5","page":133},{"text":"وقال: الجهاد في سبيل الله مقصوده أن يكون الدين كلّه لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا.\nوقال: نفع الجهاد عامٌ لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتملٌ من محبة الله تعالى، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله، وسائر أنواع العمل: على ما لا يشتمل عليه عملٌ آخر.\nوقال: .... ولمّا كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلاّ بالشجاعة والكرم: بيّن سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، فقال (يا أيها الذين آمنوا! ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض؟ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاّ قليل. إلاّ تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضرّوه شيئًا، والله على كلّ شيء قدير). وقال تعالى (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم لفقراء وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم). وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل السابقين، فقال (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد الله الحسنى). وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله، ومدحه في غير آية من كتابه، وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه، فقال (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين).\nوقال: الأمر بالجهاد، وذكر فضائله في الكتاب والسنة: أكثر من أن يحصر. ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة، ومن الصلاة التطوع، والصوم التطوع، كما دلّ عليه الكتاب والسنة.\nوقال: لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه.\nوقال ﵀: الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، قال الله تعالى في كتابه (قل هل تربصون بنا إلاّ إحدى الحسنيين) يعني: إمّا النصر والظفر، وإمّا الشهادة والجنة. فمن عاش من المجاهدين كان كريمًا له ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة.","vol":"5","page":134},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1581> فضائل الجهاد في سبيل الله:</span>\nأولًا: أن الروحة في سبيل الله خير من الدنيا بما فيها.\nلقوله -ﷺ- (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها).\nثانيًا: أنه من أفضل الأعمال.\nعن أبي ذر قال: (قلت يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله). متفق عليه\nثالثًا: أن المجاهد أفضل الناس.\nعن أبي سعيد الخدري قال: (أتى رجل رسول الله -ﷺ- فقال: أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله). متفق عليه\nرابعًا: الجهاد لا يعدله شيء.\nعن أبي هريرة -﵁- قال: (قيل: يا رسول الله، ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا كل ذلك يقول: لا تستطيعونه، ثم قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم، القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله). متفق عليه\nخامسًا: للمجاهدين مائة درجة في الجنة.\nقال -ﷺ-: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض) رواه البخاري\nسادسًا: الجهاد سبب للنجاة من النار.\nقال -ﷺ-: (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار). رواه البخاري\nقال الحافظ ابن حجر: وفي ذلك إشارة إلى عظم قدر التصرف في سبيل الله، فإذا كان مجرد مسّ الغبار للقدم يحرم عليها النار، فكيف بمن سعى وبذل جهده واستنفذ وسعه؟","vol":"5","page":135},{"text":"سابعًا: من أسباب دخول الجنة.\nقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).\nوقال -ﷺ- (إن الجنة تحت ظلال السيوف) متفق عليه.\nثامنًا: المجاهد يكون الله في عونه.\nقال -ﷺ-: (ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف). رواه أحمد\nتاسعًا: الجهاد ذروة سنام الإسلام.\nقال -ﷺ-: (وذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله). رواه الترمذي\nذروة الشيء: أعلاه.\nعاشرًا: نفى سبحانه التسوية بين المؤمنين المجاهدين وغير المجاهدين.\nقال تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا).\nالحادي عشر: أن الجهاد سبب لمغفرة الذنوب.\nقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). (الثلاثاء: ٩/ ٤/ ١٤٣٤ هـ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1582>الفوائد:</span>\n١ - الأمر بالجهاد في سبيل الله.\n٢ - التنبيه على الإخلاص في الجهاد في سبيل الله.\n٣ - أن الإنسا إذا آمن بوعد الله وبجنته قاده ذلك للجهاد والتضحية في سبيل الله.\n٤ - أن من يرغب بالدنيا ومتاعها الزائل فإنه يتكاسل عن الجهاد.\n٥ - أن المقاتل في سبيل الله ناجح على كل حال.","vol":"5","page":136},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1583>(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (٧٥».</span> [النساء: ٧٥].\n<hr><s0>\n\n(وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تحريض على الجهاد في سبيل الله، وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة\nالمشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، وسيفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده. [قاله القرطبي].\n• الاستفهام للحث والتحريض على الجهاد.\n(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) عطف على اسم الله والمعنى، ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله، وفي سبيل استنقاذ المستضعفين من الأسر، ويحتمل: أن يكون منصوبًا على الاختصاص، أي: ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وأخص المستضعفين فإنهم من أعظم ما يصدق عليهم سبيل الله، وعلى هذا القول يكون استنقاذ المستضعفين أحد الأسباب التي من أجلها يقوم الجهاد.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (والمستضعفين) عطف على اسم الله ﷿، أي وفي سبيل المستضعفين، فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله، وهذا اختيار الزَجّاج وقاله الزُّهري.\nوقال محمد بن يزيد: أختارُ أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على السبيل؛ أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم؛ فالسبيلان مختلفان.\n• قال القرطبي: ويعني بالمستضعفين من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم، قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين.\n• وقال ابن عاشور: و(المستضعفون) الذين يعدّهم الناس ضعفاء، وأراد بهم من بقي من المؤمنين بمكة من الرجال الذين منعهم المشركون من الهجرة بمقتضى الصلح الذي انعقد بين الرسول -ﷺ- وبين سفير قريش سهيل بن عمرو؛ إذ كان من الشروط التي انعقد عليها الصلح: أنّ من جاء إلى مكة من المسلمين مرتدًا عن الإسلام لا يردّ إلى المسلمين، ومن جاء إلى المدينة فارًّا من مكة مؤمنًا يردّ إلى مكة، ومن المستضعفين الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة.","vol":"5","page":137},{"text":"وأمّا النساء فهنّ ذوات الأزواج أو ولايى الأولياء المشركين اللائي يمنعهنّ أزواجهنّ وأولياؤهنّ من الهجرة: مثل أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، وأمّ الفضل لبابَة بنت الحارث زوج العباس، فقد كنّ يؤذَيْن ويحقَّرْن.\nوأمّا الوِلدَانُ فهم الصغار من أولاد المؤمنين والمؤمنات، فإنّهم كانوا يألَمون من مشاهدة تعذيب آبائهم وذويهم وإيذاء أمّهاتهم وحاضناتهم، وعن ابن عباس أنّه قال: كنتُ أنا وأميّ من المستضعفين.\nوالقتال في سبيل هؤلاء ظاهر، لإنقاذهم من فتنة المشركين، وإنقاذ الولدان من أن يشبّوا على أحوال الكفر أو جهل الإيمان.\n(الَّذِينَ يَقُولُونَ) أي: الذين يدعون ربهم لكشف الضر عنهم قائلين:\n(رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) القرية هنا مكة بإجماع [قاله القرطبي]. والمراد بظلم أهل مكة، إشراكهم بالله تعالى، والعدوان على هؤلاء المستضعفين.\n• قال الرازي: أجمعوا على أن المراد امن هذه القرية الظالم أهلها مكة، وكون أهلها موصوفين بالظلم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا مشركين قال تعالى (إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) وأن يكون لأجل أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره.\n(وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) أي: ويقولون أيضًا: اجعل لنا من لدنك وليًا، أي من عندك وليًا، يعني يتولانا ويتولى أمورنا.\n(وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) أي: ناصرًا ينصرنا على عدونا.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: اعلم أن الولي والنصير إذا اجتمعا صار الولي فيما ينفع، والنصير في دفع ما يضر، وأما إذا أفرد أحدهما شمل الآخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1584>الفوائد:</span>\n١ - الحث والتحريض على القتال في سبيل الله.\n٢ - توبيخ من تكاسل عن الجهاد.\n٢ - وجوب تخليص الأسير المسلم من أسره وقد قال -ﷺ- (فكوا العاني).\n٤ - وجوب الدفاع عن المستضعفين من المسلمين.","vol":"5","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1585>(الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦».</span> [النساء: ٧٦].\n<hr><s0>\n\n(الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا ترغيب للمؤمنين وتنشيط لهم بأن قتالهم لهذا المقصد لا لغيره.\n• في سبيل الله: في طاعته وشرعه لإعلاء كلمة الله، لا من أجل التراب أو الوطن أو القبيلة.\n(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) أي: وأما الكافرون بالله فيقاتلون في سبيل الطاغوت.\n• قيل: المراد بالطاغوت هنا الشيطان.\n• قال أبو حيان: والطاغوت هنا الشيطان لقوله (فقاتلوا أولياء الشيطان).\nوقد يقال إن الطاغوت هنا كل من قاتل في غير سبيل الله، لأنه في مقابلة من يقاتل في سبيل الله.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: وقد ذكرنا قاعدة مفيدة: أن الشيء قد يعرف بمعرفة مقابله.\n• قال السعدي: في سبيل الطاغوت: الذي هو الشيطان، وفي ضمن ذلك عدة فوائد:\nمنها: أنه بحسب إيمان العبد يكون جهاده في سبيل الله وإخلاصه ومتابعته.\nومنها: أن الذي يقاتل في سبيل الله ينبغي له ويحسن منه الصبر والجلد ما لا يقوم به غيره، فإذا كان أولياء الشيطان يصبرون ويقاتلون وهم على باطل، فأهل الحق أولى بذلك كما قال تعالى في هذا المعنى (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ).\nومنها: أن الذي يقاتل في سبيل الله معتمد على ركن وثيق، وهو الحق، والتوكل على الله، فصاحب القوة والركن الوثيق يطلب منه من الصبر والثبات والنشاط ما لا يطلب ممن يقاتل عن الباطل، الذي لا حقيقة له ولا عاقبة حميدة.\n(فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ) أي: يا من تقاتلون في سبيل الله، قاتلوا أولياء الشيطان وهم كل من أطاعه واتبعه، وهم الذين يقاتلون لا لتكون كلمة الله هي العليا.\n(إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) الكيد: سلوك الطرق الخفية في ضرر العدو، فالشيطان وإن بلغ مكره مهما بلغ، فإنه في غاية الضعف، الذي لا يقوم لأدنى شيء من الحق، ولا لكيد الله لعباده المؤمنين. [قاله السعدي].\n• قال ابن عاشور: والمراد بكيد الشيطان تدبيره، وهو ما يظهر على أنصاره من الكيد للمسلمين والتدبير لتأليب الناس عليهم، وأكّد الجملة بمؤكّدين (إنّ) (وكان) الزائدة الدالة على تقرّر وصف الضعف لكيد الشيطان.\n• قال ابن عطية: هذه الآية تقتضي تقوية قلوب المؤمنين وتحريضهم، و(الطاغوت) كل ما عبد واتبع من دون الله، وتدل قرينة ذكر الشيطان بعد ذلك على أن المراد ب (الطاغوت) هنا الشيطان، وإعلامه تعالى بضعف (كيد الشيطان) تقوية لقلوب المؤمنين، وتجرئة لهم على مقارعة الكيد الضعيف، فإن العزم والحزم الذي يكون على حقائق الإيمان يكسره ويهده، ودخلت كان دالة على لزوم الصفة.","vol":"5","page":139},{"text":"• العقبات التي يريد الشبيطان أن يوقع بها بني آدم:\nالعقبة الأولى: عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه، وبصفات كماله.\nفإن نجا منها ببصيرة الهداية طلبه على:\nالعقبة الثانية: وهي عقبة البدعة.\nفإن قطع هذه العقبة، وخلص منها بنور السنة.\nالعقبة الثالثة: وهي عقبة الكبائر.\nفإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله، أو بتوبة نصوح تنجيه منها طلبه على:\nالعقبة الرابعة: وهي عقبة الصغائر.\nالعقبة الخامسة: وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها، فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات، وعن الاجتهاد في التزود لمعاده.\nفإن نجا من هذه العقبة طلبه العدو على:\nالعقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبًا وربحًا، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية.\nوقال في موضع آخر في المرتبة السادسة: وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة، ويفوته ثواب العمل الفاضل، فيأمره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له، إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه، وقَلّ من يتنبه لهذا من الناس، فإنه إذا رأى فيه داعيًا قويًا ومحركًا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة فإنه لا يكاد يقول إن هذا الداعي من الشيطان، فإن الشيطان لا يأمر بخير ويرى أن هذا خير فيقول هذا الداعي من الله وهو معذور، ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين بابًا من أبواب الخير، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر، وإما ليفوّت بها خيرًا أعظم من تلك السبعين بابًا وأجل وأفضل.\nوهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله تعالى ولرسوله\nولكن أين أصحاب هذه العقبة؟ فهم الأفراد في العالم، والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول.\n\n<span data-type='title' id=toc-1586>الفوائد:</span>\n١ - بيان أن الإيمان يحمل على الإخلاص.\n٢ - بيان أن من قاتل في غير سبيل الله فيه خصلة من خصال الكفر.\n٣ - أن الكفار المحاربين من أولياء الشيطان.\n٤ - بيان ضعف كيد الشيطان.\n٥ - أن الشيطان يكيد للإنسان.\n(الإربعاء: ١٠/ ٤/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1587>(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧».</span> [النساء: ٧٧].\n<hr><s0>\n\n(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصلاة ....) اختلف العلماء في هذه الآية.\nفقيل: هم جماعة من الصحابة أمروا بترك القتال في مكة بعد أن تسرعوا إليه، فلما كتب عليهم بالمدينة تثبطوا عن القتال من غير شك في الدين بل خوفًا من الموت وفرقًا من هول القتل.\nوقيل: إنها نزلت في اليهود.\nوقيل: في المنافقين أسلموا قبل فرض القتال، فلما فرض كرهوه ورجح هذا القرطبي وقال:\nوهذا أشبه بسياق الآية لقوله (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال …) ومعاذ الله أن يصدر هذا القول عن صحابي كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرًا من المقام في الدار العاجلة، ثم قال ﵀: اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدمه، ولا انشرح بالإسلام جنانه، فإن أهل الإيمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص.\n- قال الرازي: واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين.\nفالأول: أنه تعالى قال في وصفهم (يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى.\nوالثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا (ربنا لم كتبت علينا القتال) والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار والمنافقين.\nالثالث: أنه تعالى قال للرسول (قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والآخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى) وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة، وذلك من صفات المنافقين. (تفسير الرازي).\nوالذي يظهر أنها في طائفة من المؤمنين تشوفوا للجهاد.","vol":"5","page":141},{"text":"• قال ابن كثير: كان المؤمنون في ابتداء الإسلام -وهم بمكة -مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النُّصُب، لكن كانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة، منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقا. فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة، لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه جَزع بعضهم منه وخافوا من مواجهة الناس خوفا شديدًا (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: لو ما أخرت فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويُتْم الأبناء، وتأيّم النساء، وهذه الآية في معنى قوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةُ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونُ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فِإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ).\nوذكره السعدي في تفسيره وقال: كان المسلمون - إذ كانوا بمكة - مأمورين بالصلاة والزكاة، أي: مواساة الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النصب والشروط، فإنها لم تفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء لعدة فوائد:\nمنها: أن من حكمة الباري أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم، ويبدأ بالأهم فالأهم والأسهل فالأسهل.\nومنها: أنه لو فرض عليهم القتال - مع قلة عددهم وعُدَدهم وكثرة أعدائهم - لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فروهي جانب المصلحة العظمى على ما دونها، ولغير ذلك من الحكم.\n(كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ) أي: عن القتال.\n(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أي: أدوها على وجه مستقيم بشروطها وأركانها ومستحباتها كما جاء عن رسول الله -ﷺ-.\n• قال الشيخ السعدي: لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون الصلاة، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقام الصلاة، إقامتها ظاهرًا بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها، وإقامتها باطنًا بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها.","vol":"5","page":142},{"text":"• لم يأمر الله بالصلاة إلا بلفظ الإقامة، كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) وقوله تعالى (والمقيمين الصلاة).\n• إقامة الصلاة ليس مجرد أداؤها، وإنما المراد إقامتها بإدائها بتدبر وحضور قلب وخشوع، وهذه هي الصلاة التي قال الله عنها (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).\nفإن الله في هذه الآية علق حكم نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر بشرط إقامتها وليس فقط أداؤها، (والحكم المعلق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصه) فعلى قدر إقامة العبد لصلاته على قدر ما تؤثر فيه فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وبهذا يزول الإشكال الذي يورده البعض: وهو أن كثير من المصلين لا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر.\n• قوله تعالى (ويقيمون الصلاة) يشمل صلاة الفرض والنفل.\n• قوله تعالى (ويقيمون الصلاة) فيه دليل على أهمية الصلاة وعظيم منزلتها وأنها من أعظم صفات المتقين، ومما يدل على عظيم منزلتها:\nأنها فرضت في أعلى مكان (في السماء ليلة الإسراء والمعراج).\nوفرضت خمس صلوات في اليوم والليلة، وأول ما فرضت خمسين ثم خففت إلى خمس في العدد، وهذا يدل على محبة الله لها، وعنايته بها سبحانه.\nأن تاركها كافر يحشر مع فرعون وقارون وأبي بن خلف، وأعظم العبادات بعد الشهادتين، وهي عمود الدين\n(وَآتُوا الزَّكَاةَ) أي: وأعطوا الزكاة لمستحقيها.\n• الإيتاء: هو الإعطاء قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ).\n• الزكاة: هي: قدر واجب في مال مخصوص، لطائفة أو جهة مخصوصة.\nوسميت بذلك: لأنها تزكي المال، وتزكي صاحب المال، كما قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ)، بل وتزكي المجتمع كله، فتنتشر المحبة والوئام والإخاء.\n• قوله تعالى (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) كثيرًا ما يقرن الله ﵎ بين الصلاة والإنفاق [الزكاة] كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة).\nقيل: إن الصلاة حق الله وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده، والإنفاق هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وسعادة العبد دائرة بين الأمرين: إخلاصه لمعبوده، وسعيه في نفع الخلق.\nوقيل: الصلاة رأس العبادات البدنية، والزكاة رأس العبادات المالية.\nوقيل: الصلاة طهارة للنفس والبدن، والزكاة طهارة للمال.","vol":"5","page":143},{"text":"(فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ) أي: فرض عليها القتال بالمدينة.\n(إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ) أي: طائفة من المؤمنين (على القول بأنها في طائفة من المؤمنين).\n(يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ) أي: يخافون من الناس كخشتهم لله.\n(أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) قالت فرقة (أو) بمعنى الواو، وفرقة: هي بمعنى (بل) وفرقة: هي للتخيير، وفرقة: على بابها في الشك في حق المخاطب، وفرقة: هي على جهة الإبهام على المخاطب.\n(وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ) أي: قالوا جزعًا من الموت ربنا لم فرضت علينا القتال، وفي هذا تضجر واعتراض على الله، وكان الذي ينبغي عكس ذلك، وهو التسليم لأمر الله، والصبر على أوامره.\n• قال ابن عاشور: إنّما هو قولهم في نفوسهم على معنى عدم الاهتداء لحكمة تعليل الأمر بالقتال وظنِّهم أنّ ذلك بلوى.\n• كتبت: الكتب الفرض.\n(لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: لوما أخرتَ فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويتم الأبناء، وتأيم النساء.\nوهذه الآية كقوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ).\n• قال السعدي: قوله تعالى (لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: هلا أخرت فرض القتال مدة متأخرة عن الوقت الحاضر، وهذه الحال كثيرًا ما تعرض لمن هو غير رزين واستعجل في الأمور قبل وقتها، فالغالب عليه أنه لا يصبر عليها وقت حلولها ولا ينوء بحملها، بل يكون قليل الصبر.","vol":"5","page":144},{"text":"• قال ابن عاشور: (والأجلُ القريب) مدّة متأخّرة ريثما يتمّ استعدادهم، مثل قوله (فيقول ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصدّق)، وقيل: المراد من (الأجل) العمر.\n• قال ابن تيمية: وَإِنَّمَا هُوَ عَزْمٌ عَلَى الرِّضَا وَإِنَّمَا الرِّضَا مَا يَكُونُ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ هَذَا عَزْمًا فَالْعَزْمُ قَدْ يَدُومُ وَقَدْ يَنْفَسِخُ وَمَا أَكْثَرُ انْفِسَاخِ الْعَزَائِمِ خُصُوصًا عَزَائِمَ الصُّوفِيَّةِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: بِمَاذَا عَرَفْت رَبَّك؟ قَالَ: بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وَنَقْضِ الْهِمَمِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) وَقَالَ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) وَفِي التِّرْمِذِيِّ (أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالُوا لِلنَّبِيِّ -ﷺ- لَوْ عَلِمْنَا أَيَّ الْعَمَلِ أَحَبّ إلَى اللَّهِ لَعَمِلْنَاهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) الْآيَةَ. فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى الْجِهَادِ وَأَحَبُّوهُ لَمَّا اُبْتُلُوا بِهِ كَرِهُوهُ وَفَرُّوا مِنْهُ؟\nوَمِثْلُ هَذَا مَا يَذْكُرُونَهُ عَنْ سمنون الْمُحِبِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:\nوَلَيْسَ لِي فِي سِوَاك حَظٌّ … فَكَيْفَمَا شِئْت فَاخْتَبِرْنِي\nفَأَخَذَهُ الْعُسْرُ مِنْ سَاعَتِهِ: أَيْ حَصَرَهُ بَوْلُهُ؛ فَكَانَ يَدُورُ عَلَى الْمَكَاتِبِ وَيُفَرِّقُ الْجَوْزَ عَلَى الصِّبْيَانِ وَيَقُولُ: اُدْعُوا لِعَمِّكُمْ الْكَذَّابِ.\n(قُلْ) أي تزهيدًا لهم فيما يؤملونه بالقعود عن القتال والتأخير إلى الأجل المقدر من المتاع الفاني وترغيبًا فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي.\n(مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) المتاع: ما يتمتع به ويزول، فمتاع هذه الدنيا قليل من حيث نوعه ومن حيث مدته، فمتاع الدنيا يزول، أو أنت تزول عنه، وكذلك نعيمه فهو قليل بالنسبة لنعيم الآخرة.","vol":"5","page":145},{"text":"• قال ابن عاشور: والجواب بقوله (قل متاع الدنيا قليل) جواب عن قولهم (لولا أخرتنا إلى أجل قريب) سواء كان قولهم\nلسانيًا وهو بيّن، أم كان نفسيًا، ليعلموا أنّ الله أطْلَع رسوله على ما تضمره نفوسهم، أي أنّ التأخير لا يفيد والتعلُّق بالتأخير لاستبقاء الحياة لا يوازي حظّ الآخرة، وبذلك يبطل ما أرَادوا من الفتنة بقولهم (لولا أخرتنا إلى أجل قريب).\n• قال القرطبي: وسماه قليلًا لأنه لا بقاء له.\n• قوله تعالى (الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) هي هذه الحيلة التي نعيشها التي قبل الآخرة، وسميت لدنيا لسببين:\nالسبب الأول: لأنها قبل الآخرة في الزمن.\nالسبب الثاني: لدناءتها وحقارتها بالنسبة للآخرة. كما قال تعالى (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) وقال -ﷺ- (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء) رواه الترمذي، وقال -ﷺ- (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري.\n• ففي هذه الآية حقارة الدنيا وخستها.\nكما قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).\nوقال تعالى (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا).\nوقال ﷾ عن مؤمن فرعون أنه قال لقومه (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ).\nوقال القرطبي: متاع: أي يتمتع بها قليل ثم تنقطع وتزول. ودار الآخرة هي دار الاستقرار والخلود.\nقال ابن رجب: وقال الله تعالى عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار) والمتاع: هو ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع ويفنى.\nفما عيبت الدنيا بأكثر من ذكر فنائها وتقلب أحوالها، وهو أدل دليل على انقضائها وزوالها، فتتبدل صحتها بالسقم، ووجودها بالعدم، وشبيبتها بالهرم، ونعيمها بالبؤس، وحياتها بالموت، فتفارق الأجسام النفوس وعمارتها بالخراب واجتماعها بفرقة الأحباب وكل ما فوق التراب تراب قال بعض السلف في يوم عيد وقد نظر إلى كثرة الناس وزينة لباسهم: هل ترون إلا خرقا تبلى أو لحما يأكله الدود غدا كان الإمام أحمد ﵁ يقول: يا دار تخربين ويموت سكانك.","vol":"5","page":146},{"text":"وقال -ﷺ- (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه …) رواه الترمذي.\nوقال -ﷺ- (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) رواه مسلم.\nوقال -ﷺ- (ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي.\nوقال النبي -ﷺ- (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) رواه مسلم\nقال النووي ﵀: ما للدنيا بالنسبة للآخرة في قصر مدتها وفناء لذاتها ودوام الآخرة ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر.\nوقال -ﷺ- لابن عمر (يا ابن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) رواه البخاري وفي رواية (وعد نفسك من أهل القبور).\nهذه وصية النبي -ﷺ- لابن عمر، وهي في الواقع وصية له وللأمة من بعده ﵁ وأرضاه، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور، قال الإمام النووي ﵀ في معنى الحديث (لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنا،\nولا تحدّث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه).\n\n<span data-type='title' id=toc-1588>من أقوال السلف:</span>\nوقال موسى -﵇-: الدنيا قنطره فاعبروها ولا تعمروها.\nوقال عيسى ﵇ لأصحابه: من ذا الذي يبني على موج البحار دارًا تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا.\nوقال: مثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا حتى يقتله.\nوقد خرج أبو الدرداء على أهل الشام ورآهم في ترف فقال لهم: مالي أراكم تجمعون ما لا تأخذون، وتبنون ما لا تسكنون، وتؤمّلون ما لا تأخذون، لقد جمعت الأقوام التي قبلكم وأمّنتْ، فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بورًا، وأملهم غرورًا، وبيوتهم قبورًا، فجعل الناس يبكون حتى سمع نشيجهم من خارج المسجد.\nوقال أبو داود وهو من تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل: ما رأيت الإمام أحمد بن حنبل ذكر الدنيا.\nوقال ابن القيم: لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة.\nوقال: الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج، والسير في طلبها كالسير في أرض مسبعة - أي كثيرة السباع - السباحة فيها كالسباحة في غدير التمساح.\nقال -ﷺ- (مَثَلي ومثَلُ الدنيا كراكبٍ قال قَيْلُولة تحت شجرة ثم راح وتركها).\nقال -ﷺ- (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها).\nوقال تعالى (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا).\nوقال تعالى (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ).\n(وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) أي: آخرة المتقي خير من دنياه. كما قال تعالى (بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى).","vol":"5","page":147},{"text":"• قال الآلوسي (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ) من ذلك المتاع القليل لكثرته وعدم انقطاعه وصفائه عن الكدورات، وفي اختلاف الأسلوب ما لا يخفى.\n• وقال ﵀: وإنما قال سبحانه (لِمَنِ اتقى) حثًا لهم وترغيبًا على الاتقاء والإخلال بموجب التكليف.\n• وقال الشيخ ابن عثيمين: قوله (لمن اتقى) قيد لابد منه، لأن الآخرة ليست خيرًا لغير المتقين، بل هي شر\n• قال الرازي: وإنما قلنا: إن الآخرة خير لوجوه:\nالأول: أن نعم الدنيا قليلة، ونعم الآخرة كثيرة.\nوالثاني: أن نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة.\nوالثالث: أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره، ونعم الآخرة صافية عن الكدرات.\nوالرابع: أن نعم الدنيا مشكوكة فإن أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني، ونعم الآخرة يقينية، وكل هذه الوجوه تجب رجحان الآخرة على الدنيا، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله: ﴿لِمَنِ اتقى﴾ وهذا هو المراد من قوله -ﷺ- (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر).\n(وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) أي: من أعمالكم، بل توفونها أتم الجزاء، والفتيل: هو الخيط الذي يكون في بطن النواة.\n• والإنسان يوم القيامة لا يظلم شيئًا، فلا ينقص من حسناته ولا يزاد عليه من سيئات غيره.\nقال تعالى (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).\nوقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا).\n• قال ابن كثير: وهذه تسلية لهم عن الدنيا، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد.\n• قال الشوكاني: وإذا كنتم توفرون أجوركم ولا تنقصون شيئًا منها، فكيف ترغبون عن ذلك وتشغلون بمتاع الدنيا مع قلته وانقطاعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1589>الفوائد:</span>\n١ - أن الإنسان قد يتعجل الشيء، فإذا نزل به نكص عنه.\n٢ - ينبيغي على الإنسان أن يلتجأ إلى الله أن يثبته في جميع أموره.\n٣ - خطر باب الدعاوى.\n٤ - وجوب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.\n٥ - ذم من يخشى الناس كخشية الله.\n٦ - وجوب خشية الله وحده.\n٧ - وجوب الجهاد، والأصل فيه أنه فرض كفاية، ويتأكد في مواضع ذكرها العلماء.\n٨ - ذم من اعترض على قضاء الله.\n٩ - التزهيد في الدنيا.\n(السبت: ١٣/ ٤/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1590>(أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩».</span> [النساء: ٧٨ - ٧٩].\n<hr><s0>\n\n(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) أي: أنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد منكم، في أي زمان، وفي أي مكان.\nكما قال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).\n• فالقتال في سبيل الله لا يقرّب أجلًا ولا يباعده:\nكما قال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ …).\nوقال تعالى (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا).\nوقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ).\nوقال تعالى (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).\n• قال الشوكاني: وفي هذا حث لمن قعد عن القتال خشية الموت، وبيان لفساد ما خالطه من الجبن وخامره من الخشية.\n• قال الرازي: المقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال، فقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت) فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة، فإذا كان لا بد من الموت، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبًا للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك، ونظير هذه الآية قوله (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ\nقَلِيلًا).\nوقال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُون).\n(وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) أي: حصون منيعة عالية رفيعة، والمعنى أي: ولو تحصنتم بالحصون المنيعة الرفيعة العالية، فلا يغني حذر وتحصن من الموت.\n• قال السعدي: وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله، تارة بالترغيب في فضله وثوابه، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودهم، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك وقصرها.\n• قوله تعالى (فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) المراد بها الحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، وهذا قول الأكثر [قاله القرطبي].\nوقيل: المراد بالبروج بروج مبنية في السماء، لكن هذا القول ضعيف، لأن الله قال (مشيّدة) وهذا الوصف لا يكون أبدًا للبروج السماوية، وإنما يكون للقصور العالية. [قاله الشيخ ابن عثيمين].\n• فلا مفر من الموت.","vol":"5","page":149},{"text":"كما قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) يخبر تعالى إخبارًا عامًا يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت.\n• قال السعدي: هذه الآية الكريمة، فيها التزهيد في الدنيا بفنائها، وعدم بقائها، وأنها متاع الغرور، تفتن بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار من خير وشر.\nقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ).\nوقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).\nوقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).\nوقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ).\nوقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).\nوقال تعالى (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا).\nوقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ).\nفهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولًا.\nكما كان -ﷺ- يقول (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَليْك تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ. اللَّهُمَّ أعُوذُ بعزَّتِكَ؛ لا إلهَ إلاَّ أَنْتَ أنْ تُضلَّني، أَنْتَ الحَيُّ الَّذِي لَا تَمُوتُ، وَالجِنُّ والإنْسُ يَمُوتُون) مُتَّفَقٌ عَلَيه.\nكل ابن أنثى وإن طالت سلامته … يومًا على آلة حدباء محمولُ\nالموت: لا يرحم صغيرًا، ولا يوقر كبيرًا، ولا يخاف عظيمًا، لا يستأذن على الملوك، ولا يلج من الأبواب.\nتزود من الدنيا فإنك لا تدري … إذا جن ليل هل تبقى إلى الفجر\nالموت: يموت الصالحون ويموت الطالحون، ويموت المجاهدون ويموت القاعدون، يموت مريدوا الآخرة، ويموت مريدوا الدنيا.\nهو الموت ما منه ملاذ ومهرب … متى حط عن نعشه ذاك يركب\nإنه جدير بمن الموت مصرعُه، والتراب مضجعه، والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره، والقيامة\nموعده، والجنة أو النار موعده، أنْ لا يكون له فكر إلا في الموت، ولا ذكر إلا له، ولا استعداد إلا لأجله، ولا تدبير إلا فيه، ولا تطلع إلا إليه، ولا تأهب إلا له.","vol":"5","page":150},{"text":"قال الحسن: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي عقل عقلا\nقال بعض العلماء لأحد إخوانه: احذر الموت في هذه الدنيا قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده\nقال أبو الدرداء: إذا ذكرت الموت فعد نفسك أحدهم\nقال الدّقاق: من أكثر من ذكر الموت أُكرمَ بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة).\nقالت عائشة لامرأة: أكثري ذكر الموت يرق قلبك.\nوقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن عرف أن منطقه من عمله قل كلامه.\nوقال ثابت البناني: ما أكثر أحد ذكر الموت إلا رؤي ذلك في عمله.\nوقال ابن عجلان: من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا.\nوقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله.\nوقال الحسن: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا.\nوقال الحسن: ما ألزم عبد ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عنده.\nوقال أبو الدرداء: من أكثر ذكر الموت قل فرحه وقل حسده.\nوقال سعيد بن جبير: لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد عليّ قلبي.\nوقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير.\nوقال الثوري: لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون ما أكلتم منها سمينًا.\nوقال الحسن بن عبد العزيز: من لم يردعه القرآن والموت، فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.\nوقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لم يُنتفع به أيامًا.\nوقال بعضُ السَّلف: ما نمتُ نومًا قط، فحدثتُ نفسي أنِّي أستيقظ منه.\nوكان حبيبٌ أبو محمد يُوصي كُلَّ يومٍ بما يوصي به المحتضِرُ عند موته من تغسيله ونحوه، وكان يبكي كلَّما أصبح أو أمسى، فسُئِلَت امرأته عن بكائه، فقالت: يخاف - والله - إذا أمسى أنْ لا يُصبح، وإذا أصبح أنْ لا يُمسي.\nوكان محمد بن واسع إذا أراد أنْ ينام قال لأهله: أستودعكم الله، فلعلَّها أنْ تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا دأبه إذا أراد النوم.\nوقال بكر المزني: إنِ استطاع أحدُكم أن لا يبيت إلا وعهدُه عند رأسه مكتوبٌ، فليفعل، فإنَّه لا يدري لعله أنْ يبيتَ في أهلِ الدُّنيا، ويُصبح في أهلِ الآخرة.","vol":"5","page":151},{"text":"وكان أويسٌ إذا قيل له: كيف الزمانُ عليك؟ قال: كيف الزمانُ على رجل إنْ أمسى ظنَّ أنَّه لا يُصبحُ، وإنْ أصبح ظنَّ أنَّه لا يمسي فيبشر بالجنة أو النار؟\nتزود من الدنيا فإنك لا تدري … إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر\nفكم من صحيح مات من غير علة … وكم من سقيم عاش حينا من الدهر\nوكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا … وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري\nوكم من صغار يرتجى طول عمرهم … وقد أدخلت أجسامهم ظلمة القبر\nوكم من عروس زينوها لزوجها … وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر\nفمن عاش ألفًا وألفين … فلا بد من يوم يسير إلى القبر\nقال العلماء: تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهون المصائب فيها\nونظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها، فبكى وقال: والله لولا الموت لكنت بكِ مسرورًا.\nالموت بابٌ وكلُ الناس داخلُه … يا ليت شعري بعد البابِ ما الدارُ\nقال الشاعر:\nهو الموتُ ما منه ملاذ ومهرب … متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ.\nوقال الآخر:\nالموت بابٌ وكل الناس داخله … ياليت شعري بعد الموت ما الدارُ.","vol":"5","page":152},{"text":"• لقد دعانا النبي -ﷺ- إلى الإكثار من ذكر الموت فقال -ﷺ-: (أكثروا ذكر هاذم اللذات).\nلأن الإكثار من ذكره: يزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة، ويحث على العمل والاجتهاد، يرضى بالقليل من الدنيا\nيريح القلب من همّ الدنيا، ويقصر الأمل، يهون على العبد مصائب الدنيا، يمنع من الأشر والبطر والتوسع من الدنيا، يحث على التوبة والاستدراك، يرق القلب، يدعو إلى التواضع وترك الكبر والظلم،\nقال الحسن: من أكثر من ذكر الموت هانت عليه الدنيا.\n• وينبغي الاستعداد للموت بالعمل الصالح\nقال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).\nقال -ﷺ- (اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، وصحتك قبل مرضك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك) رواه الحاكم.\nوقال ابن عمر: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) رواه البخاري.\nلحديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّة) رواه مسلم.\nوقد نقل النووي تفسير جملة (أو خاصة أحدكم) بأنها الموت يأتي فيحول بين المرء وبين العمل حتى يتمنى المرء أن يرجع إلى الدنيا ليتمكن من عمل صالح طالما أعرض عنه في دار الدنيا.\nقال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).\nوقال تعالى (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).\nوقال عونُ بنُ عبد الله: ما أنزل الموتَ كُنْهَ منْزلته مَنْ عدَّ غدًا من أجله. كم من مستقبل يومًا لا يستكمِلُه، وكم من مؤمِّل لغدٍ لا يُدرِكُه، إنَّكم لو رأيتم الأجلَ ومسيرَه، لأبْغَضتُم الأمل وغُرورَه، وكان يقولُ: إنَّ من أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنَّه\nلا يدرك آخره.","vol":"5","page":153},{"text":"وكانت امرأةٌ متعبدة بمكة إذا أمست قالت: يا نفسُ، الليلةُ ليلتُك، لا ليلةَ لكِ غيرها، فاجتهدت، فإذا أصبحت، قالت: يا نفس اليومُ يومك، لا يومَ لك غيره فاجتهدت.\nوقال بكرٌ المزنيُّ: إذا أردت أنْ تنفعَك صلاتُك فقل: لعلِّي لا أُصلِّي غيرها، وهذا مأخوذٌ مما رُوي عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال (صلِّ صلاة مودِّع).\nوأقام معروفٌ الكرخيّ الصّلاةَ، ثم قال لرجل: تقدَّم فصلِّ بنا، فقال الرجل: إنِّي إنْ صليتُ بكم هذه الصلاة، لم أُصلِّ بكم غيرَها، فقال معروف: وأنتَ تحدِّث نفسك أنّك تُصلِّي صلاةً أخرى؟ نعوذُ بالله من طولِ الأمل، فإنَّه يمنع خيرَ العمل\nوطرق بعضُهم بابَ أخٍ له، فسأل عنه، فقيل له: ليس هو في البيت، فقال: متى يرجع؟ فقالت له جارية من البيت: من كانت نفسُه في يد غيره، لا يعلم متى يرجِعُ.\nولأبي العتاهية من جملة أبيات:\nوما أدري وإن أَمَّلْتُ عُمرًا … لَعَلِّي حِينَ أُصبحُ لَستُ أُمسِي\nألم تَرَ أنَّ كلَّ صباحِ يومٍ … وعُمرُكَ فيه أَقصَرُ مِنهُ أَمسِ\nوهذا البيت الثاني أخذه مما روي عن أبي الدرداء والحسن أنَّهما قالا: ابنَ آدم، إنَّك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطتَ من بطن أمك، ومما أنشد بعضُ السَّلف:\nإنَّا لنفرحُ بالأيَّامِ نقطعُها … وكُلُّ يومٍ مضى يُدني من الأجل\nفاعمَلْ لِنَفسِكَ قبلَ الموتِ مُجتهدًا … فإنَّما الرِّبْحُ والخُسرانُ في العَمَلِ\nقال تعالى (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).\nنَسيرُ إلى الآجالِ في كلِّ لحظةٍ … وأيّامُنا تُطوى وهُنَّ مَراحِلُ\nولم أرَ مثلَ الموتِ حقًا كأنَّه … إذا ما تخطَّتْه الأمانيُّ باطِلُ\nوما أقبحَ التَّفريطَ في زمنِ الصِّبا … فكيف به والشَّيبُ للرَّأس شامِلُ\nترحَّل من الدُّنيا بزادٍ من التُّقى … فعُمْرُكَ أيامٌ وهُنَّ قَلائِلُ\nوقال -ﷺ- (يتبع الميت ثلاثة أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله) متفق عليه.\nقال رجل يوصي آخر: يا أخي! احذر الموت في هذه الدار من قبل أن تصير إلى دار تتمنى بها الموت فلا تجده.\nوقال ابن السماك: إن الموتى لم يبكوا من الموت ولكنهم يبكون من حسرة الفوت، فاتتهم والله دار لم يتزودوا منها، ودخلوا دارًا لم يتزودوا لها.\nوقال إبراهيم النخعي: كانوا يشهدون الجنازة فيُرى ذلك أيامًا كأن فيهم الفكرة في الموت وفي حال الميت.","vol":"5","page":154},{"text":"ولذلك لما علم أهل الفضل بأن الموت قريب وأنه آتٍ، عملوا لذلك واستعدوا له قبل وقوعه.\nإن لله عبادًا فطنا … طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا\nنظروا إليها فلما علموا … أنها ليست لحي وطنا\nجعلوها لجة واتخذوا … صالح الأعمال فيها سفنا\nوبمثل هذا أوصى النبي -ﷺ- ابن عمر فقال له: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور.\nفكان ابن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح\nفرحم الله امرءًا أخذ من نفسه لنفسه، وأعد العدة لأوان رمسه، وتأهب للرحيل قبل غروب شمسه فما الحياة إلا كان ثم بان\nعن البراء بن عازب. قال (كنا مع النبي -ﷺ- إذ أبصر بجماعة فقال: علام اجتمع هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه؟ قال: ففزع رسول الله -ﷺ- فذهب مسرعًا حتى انتهى إلى القبر، فبكى حتى بل الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: أي إخواني لمثل هذا فأعدوا؟).\n(وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) أي: خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك.\n(يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: إن تصب هؤلاء المنافقين حسنة، من نصر وغنيمة وشبه ذلك، يقولوا هذه من جهة الله ومن تقديره، لما علم فينا من الخير.\n(وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أي: قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو نتاج أو غير ذلك.\n(يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) أي: من قِبَلِك وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك.\nكما قال تعالى (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ).\nوقال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ).\nقال ابن كثير: هكذا قال المنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهرًا وهم كارهون له في نفس الأمر.\n(قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البرّ والفاجر، والمؤمن والكافر.","vol":"5","page":155},{"text":"• ثم قال تعالى منكرًا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم:\n(فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) أي: ما شأنهم لا يفقهون أن الأشياء كلها بيد الله؟ وهذا توبيخ لهم على قلة الفهم.\n(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) الخطاب لجنس الإنسان، أي: ما أصابك أيها الإنسان من فضل ورزق وصحة ونعم وغير ذلك من النعم فمن رحمة الله ولطفته كما قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ).\n• اختلف في المخطاب بهذه الآية، فقيل: الخطاب للرسول -ﷺ-، وقيل: لجنس الإنسان.\n(وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ) المراد بالسيئة هنا ضد الحسنة، أي: وما أصابك ما يسؤوك من قدر الله من خسارة أو موت أو نحوها.\n(فَمِنْ نَفْسِكَ) أي: فمن قِبَلك، ومن عملك أنت.\nكما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). قال الحسن: أي: بذنبك.\nوقال تعالى (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ).\n• قال ابن تيمية: حين سئل عَنْ قَوْلِ عَلِيٍّ -﵁-: لَا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَخَافَنَّ إلَّا ذَنْبَهُ مَا مَعْنَى ذَلِكَ؟\nفَأَجَابَ:\nالْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا الْكَلَامُ يُؤْثَرُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْكَلَامِ وَأَبْلَغِهِ وَأَتَمِّهِ؛ فَإِنَّ الرَّجَاءَ يَكُونُ لِلْخَيْرِ وَالْخَوْفَ يَكُونُ مِنْ الشَّرِّ وَالْعَبْدُ إنَّمَا يُصِيبُهُ الشَّرُّ بِذُنُوبِهِ.\nكَمَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ).","vol":"5","page":156},{"text":"وَقَالَ تَعَالَى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا. مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ).\nوَإِنَّمَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ النِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).\nوقَوْله تَعَالَى (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ).\nوقَوْله تَعَالَى (إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا).\nوقَوْله تَعَالَى (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ) وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا كَثِيرٌ.\nوَهَذِهِ الْآيَةُ ذَمَّ اللَّهُ بِهَا الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَنْكُلُونَ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ فَإِذَا نَالَهُمْ رِزْقٌ وَنَصْرٌ وَعَافِيَةٌ قَالُوا (هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وَإِنْ نَالَهُمْ فَقْرٌ وَذُلٌّ وَمَرَضٌ قَالُوا (هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) - يَا مُحَمَّدُ - بِسَبَبِ الدِّينِ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِمُوسَى: وَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) وَكَمَا قَالَ الْكُفَّارُ لِرُسُلِ عِيسَى (إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ) فَالْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ إذَا أَصَابَتْهُمْ الْمَصَائِبُ بِذُنُوبِهِمْ تَطَيَّرُوا بِالْمُؤْمِنِينَ فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْحَسَنَةَ مِنْ اللَّهِ يُنْعِمُ بِهَا عَلَيْهِمْ وَأَنَّ السَّيِّئَةَ إنَّمَا تُصِيبُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).\nفَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ مُسْتَغْفِرًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ يَمْحُو الذَّنْبَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْعَذَابِ فَيَنْدَفِعُ الْعَذَابُ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَه عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- أنه قال (مَنْ أَكْثَرَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)\nوَقَدْ قَالَ تَعَالَى (أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّهَ إنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ).\nوقال تعالى (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ).\nفَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ وَحَّدَهُ وَاسْتَغْفَرَهُ مَتَّعَهُ مَتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَمَنْ عَمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرًا زَادَهُ مِنْ فَضْلِهِ.\nوَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) (فَلَوْلَا إذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) أَيْ: فَهَلَّا إذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا، فَحَقُّهُمْ عِنْدَ مَجِيءِ الْبَأْسِ التَّضَرُّعُ وَقَالَ تَعَالَى (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ).\nقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إلَّا بِذَنْبِ وَلَا رُفِعَ إلَّا بِتَوْبَةِ.\nفَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ -﵁- لَا يَخَافَنَّ عَبْدٌ إلَّا ذَنْبَهُ. وَإِنْ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَخْلُوقٌ فَمَا سُلِّطَ عَلَيْهِ إلَّا بِذُنُوبِهِ فَلْيَخَفْ اللَّهَ وَلْيَتُبْ مِنْ ذُنُوبِهِ الَّتِي نَالَهُ بِهَا مَا نَالَهُ كَمَا فِي الْأَثَرِ (يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا اللَّهُ مَالِكُ الْمُلُوكِ قُلُوبُ الْمُلُوكِ وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِي مَنْ أَطَاعَنِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَمَنْ عَصَانِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِ نِقْمَةً فَلَا تَشْتَغِلُوا بِسَبِّ الْمُلُوكِ وَأَطِيعُونِي أُعَطِّفْ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكُمْ). (مجموع الفتاوى).\nقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)\nقال -ﷺ- (وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء).","vol":"5","page":157},{"text":"(وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) أي: تبلغهم شرائع الله، وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه.\n• فإن قيل: ألا يكفي قوله (وأرسلناك للناس) عن قوله (رسولًا) فالجواب: بلى، لكن كلمة (رسولًا) أبلغ مما لو اقتصر على الفعل، وأيضًا ذكرها يفيد بأنه أهل للرسالة، كما تقول لشخص: وكلتك بائعًا، يعني: لأنك أهل للوكالة لكونك عارفًا بالبيع قادرًا عليه.\n• وفي هذا البيان لعموم رسالته -ﷺ- إلى الجميع.\nكما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ).\nوقال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا).\nوقال تعالى (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) أَيْ: وَأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ.\nوَقَال تعالى (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا).\nوَقَالَ تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).\nوَقَالَ -ﷺ- (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، … وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّة) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (وأرسلت إلى الخلق كافة) رواه مسلم.\nوَقَالَ -ﷺ- (لَا يَسْمَعُ بِي رَجُلٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا دَخَلَ النَّار) رواه مسلم.\n(وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) أي: على أنه أرسلك وهو شهيد أيضًا بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم، وبما يردون عليك من الحق كفرًا أو عنادًا.","vol":"5","page":158},{"text":"وقد شهد الله لنبيه -ﷺ- بأنه رسوله حقًا بشهادتين:\nشهادة قولية، وشهادة فعلية.\nأما الشهادة القولية: ففي قوله تعالى (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا).\nوأما الشهادة الفعلية: فهي تمكينه من إبلاغ الرسالة، ونصره على أعدائه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1591>الفوائد:</span>\n١ - أنه لا مفر من الموت.\n٢ - الحث والترغيب في الجهاد في سبيل الله.\n٣ - أنه يجب على الإنسان أن يستعد للموت.\n٤ - أن الحصون ولا غيرها لا تغني عن الموت.\n٥ - تلبيس أعداء الرسل على العامة بما يقدر الله من البلاء والامتحان.\n٦ - أن الحسنات والسيئات كلها من الله.\n٧ - ذم من لا فقه عنده.\n٨ - أن ما يصيب الإنسان من النعم فهو فضل من الله.\n٩ - عموم رسالة النبي -ﷺ- للناس.\n(الأحد/ ١٤/ ٤/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":159},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1592>(مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠».</span> [النساء: ٨٠].\n<hr><s0>\n\n(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد -ﷺ- بأنه من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (منْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله) أعلم الله تعالى أن طاعة رسوله -ﷺ- طاعةٌ له.\nوقد جاء في الحديث قال -ﷺ- (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله) متفق عليه.\nوطاعة الرسول -ﷺ- سبب لمحبة الله كما قال تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ).\nوطاعة الرسول سبب للهداية كما قال تعالى (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا).\n• قال الشوكاني: فيه أن طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذا من النداء بشرف رسول الله -ﷺ- وعلو شأنه وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه، ووجهه أن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه.\n• وقال السعدي: كل مَنْ أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه (فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) تعالى لكونه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه ووحيه وتنزيله، وفي هذا عصمة الرسول -ﷺ-، لأن الله أمر بطاعته مطلقًا، فلولا أنه معصوم في كل ما يُبَلِّغ عن الله لم يأمر بطاعته مطلقًا، ويمدح على ذلك، وهذا من الحقوق المشتركة فإن الحقوق ثلاثة:\nحق لله تعالى لا يكون لأحد من الخلق، وهو عبادة الله والرغبة إليه، وتوابع ذلك.\nوقسم مختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير والنصرة.\nوقسم مشترك، وهو الإيمان بالله ورسوله ومحبتهما وطاعتهما، كما جمع الله بين هذه الحقوق في قوله: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا) فمَنْ أطاع الرسول فقد أطاع الله، وله من الثواب والخير ما رتب على طاعة الله.\n• قال ابن تيمية: قال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) فالطاعة لله ولرسله المبلغين عنه، وأما الخشية والتقوى فلله وحده.","vol":"5","page":160},{"text":"وقال ﵀: وَذَكَرَ طَاعَةَ الرَّسُولِ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ مَوْضِعًا مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) وَقَالَ تَعَالَى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) وَقَالَ تَعَالَى (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وَقَالَ تَعَالَى (إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وقال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) فَجَعَلَ الطَّاعَةَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَجَعَلَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ. كَمَا قَالَ (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) وَقَالَ (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) وَقَالَ: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) وَقَالَ (إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وَقَالَ تَعَالَى (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) وَقَالَ تَعَالَى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ).\nوَقَالَ -ﷺ- (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).\nوَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ إلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ: لَا يَا عُمَرُ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْك مِنْ نَفْسِك فَقَالَ: فَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي قَالَ: الْآنَ يَا عُمَرُ).\nفَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ حُقُوقَ الرَّسُولِ مِنْ الطَّاعَةِ لَهُ وَمَحَبَّتِهِ وَتَعْزِيرِهِ وَتَوْقِيرِهِ وَنَصْرِهِ وَتَحْكِيمِهِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ وَالتَّسْلِيمِ لَهُ وَاتِّبَاعِهِ وَالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَرَدِّ مَا يُتَنَازَعُ فِيهِ إلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ.\nوَأَخْبَرَ أَنَّ طَاعَتَهُ طَاعَتُهُ فَقَالَ (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وَمُبَايَعَتَهُ مُبَايَعَتُهُ فَقَالَ: (إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) وَقَرَنَ بَيْنَ اسْمِهِ وَاسْمِهِ فِي الْمَحَبَّةِ فَقَالَ: (أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ). وَفِي الْأَذَى فَقَالَ: (إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وَفِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فَقَالَ: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وَفِي الرِّضَا فَقَالَ: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) فَهَذَا وَنَحْوُهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي.\nفَأَمَّا الْعِبَادَةُ وَالِاسْتِعَانَةُ فَلِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ كَمَا قَالَ (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).","vol":"5","page":161},{"text":"(وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ كَقَوْلِهِ (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ).؟؟؟ بداية الآية\nوَقَوْلِهِ (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) وَقَوْلِهِ (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).\nوَكَذَلِكَ التَّوَكُّلُ كَمَا قَالَ (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) وَقَالَ (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).\nوَقَالَ (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ). وَالدُّعَاءُ لِلَّهِ وَحْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ دُعَاءَ الْعِبَادَةِ أَوْ دُعَاءَ الْمَسْأَلَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) (قُلْ إنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا) وَقَالَ تَعَالَى: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) وَقَالَ: (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) وَقَالَ: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).\n• قال أبو السعود: والتعبيرُ عنه ﵊ بالرسول دون الخطابِ للإيذان بأن مناطَ كونِ طاعتِه ﵊ طاعةً له تعالى ليس خصوصيةَ ذاتِه ﵊ بل من حيثية رسالتِه، وإظهارُ الجلالةِ لتربية المهابةِ وتأكيدِ وجوبِ الطاعةِ بذكر عنوانِ الألوهية.\n(وَمَنْ تَوَلَّى) أي: أعرض عن طاعتك.","vol":"5","page":162},{"text":"(فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) أي حافظًا تحفظ أعمالهم وأقوالهم، وإنما عليك البلاغ فمن تبعط فقد سعد ونجا، ومن تولى عنك خاب وخسر، وليس عليك من أمره شيء.\nكما قال تعالى (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ) وقال تعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) وقال تعالى (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1593>الفوائد:</span>\n١ - وجوب طاعة الرسول.\n٢ - أن طاعة الرسول طاعة لله.\n٣ - فضل طاعة الرسول.\n٤ - الاحتجاج بالسنة.\n٥ - تهديد من تولى وأعرض عن طاعة الرسول.","vol":"5","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1594>(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١».</span> [النساء: ٨١].\n<hr><s0>\n\n(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ) يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة.\n• قال القرطبي: وهذا في المنافقين في قول أكثر المفسرين؛ أي يقولون إذا كانوا عندك: أمْرُنا طاعَةٌ، أو نطيع طاعةً.\n(فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ) أي: خرجوا وتواروا عنك.\n(بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) أي: استسروا ليلًا فيما بينهم بغير ما أظهروه.\n• قال البغوي: قال قتادة والكلبي: بيّت، أي: غيّر وبدّل الذي عهِد إليهم النبي -ﷺ-، ويكون التبييت بمعنى التبديل.\nوقال أبو عبيدة: معناه قالوا وقدروا ليلًا غير ما أعطوك نهارًا، وكل ما قدّر بليل فهو تبييت.\n(غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) قيل: غير الذي تقول أنت يا محمد، أنت أمرهم بالطاعة فهم بيتوا المخالفة والمعصية، وقيل: غير الذي\nتقول هذه الطائفة عندك، فهذه الطائفة قالت لك يا محمد طاعة، فإذا خرجوا بيتوا شيئًا غير الذي قالوه.\n• وإسناد هذا التبييت إلى طائفة منهم، لبيان أنهم هم المتصدون له بالذات، أما الباقون فتابعون لهم في ذلك، لا أنهم ثابتون على الطاعة.\n(وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ) أي: يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين، الذين هم موكلون بالعباد، يعلمون ما تفعلون، والمعنى في هذا التهديد، أنه تعالى أخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلًا من مخالفة الرسول وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: الجملة هذه خبريه تفيد أمرين:\nأولًا: تهديد هؤلاء الذين يبيتون غير ما يقول الرسول -ﷺ-.\nثانيًا: تسلية الرسول -ﷺ-، وأن أمرهم لا يخفى على الله، فقد يعاجلهم بالعقوبة وقد يؤخرهم.\n(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) أي: اصفح عنهم واحلم عنهم ولا تشتغل بهم، لأنه قد طمست قلوبهم، والله يتولى أمرهم.\n(وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) أمر بالتوكل على الله، والتوكل على الله: هو: صدقالاعتماد على الله مع الثقة به مع فعل الأسباب.","vol":"5","page":164},{"text":"• وهذا من سبل دفع الشر:\nمنها: الإعراض عنه.\nومنها: التوكل على الله.\nومنها: الصبر على أذاهم.\nكما قال تعالى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).\nومنها: الاستعانة بالصلاة والدعاء.\nكما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).\nقال الإمام ابن رجب: وحقيقة التوكل هو: صدق اعتماد القلب على الله ﷿ في استجلاب المنافع ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه.\n• وقال الشيخ السعدي ﵀: وحقيقة التوكل على الله: أن يعلم أن الأمر كله لله، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1595> فضل التوكل على الله وجزاء المتوكلين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1596>١. أهل التوكل هم أهل محبة الله ﷿.</span>\nقال تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين).\n\n<span data-type='title' id=toc-1597>٢. التوكل من شيم أنبياء الله ورسله وأوليائه (فبهداهم اقتده).</span>\nقال تعالى في نوح: (يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت).\nوقال تعالى عن هود: (إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها).\n\n<span data-type='title' id=toc-1598>٣. أهل التوكل هم أهل الإيمان.</span>\nقال تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون)\n\n<span data-type='title' id=toc-1599>٤. أهل التوكل هم أهل الجنة يدخلونها بغير حساب ولا عذاب.</span>\nقال -ﷺ-: (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير). رواه مسلم\nحكى النووي في هذا الحديث: أن المراد بهؤلاء القوم هم المتوكلون.\nوصح عنه -ﷺ- أنه يدخل الجنة من أمته سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب، فلما سئل عن صفة هؤلاء قال: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون).","vol":"5","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1600>٥. التوكل على الله مجلبة للرزق.</span>\nعن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح\nبطانًا). رواه الترمذي\n\n<span data-type='title' id=toc-1601>٦. المتوكلون ليس عليهم للشيطان سبيل.</span>\nقال تعالى: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون).\n\n<span data-type='title' id=toc-1602>٧. المتوكلون الله حسبهم وكافيهم.</span>\nقال تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه).\n\n<span data-type='title' id=toc-1603>٨. أهل التوكل على الله هم أهل العزة والاستعلاء.</span>\nقال تعالى: (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم).\nقال في الإحياء: \" أي عزيز لا يذل من استجار به، ولا يضيع من لاذ بجنابه والتجأ إلى زمامه وحماه، وحكيم لا يقصر عن تدبير أمر من توكل على تدبيره \".\n(وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) أي: كفى به وليًا وناصرًا ومعينًا لمن توكل عليه وأناب إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1604>الفوائد:</span>\n١ - ذم النفاق والمنافقين.\n٢ - التحذير من النفاق.\n٣ - إثبات الملائكة كتب الأعمال.\n(الأربعاء: ١٧/ ٤/ ١٤٣٤ هـ).؟؟؟","vol":"5","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1605>(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢».</span> [النساء: ٨٢].\n<hr><s0>\n\n(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) الهمزة للاستفهام، ومعناه التوبيخ، والتدبر: التأمل والتفكر في الشيء وإطالة النظر فيه إقبالًا وإدبارًا\nوالمعنى: أفلا يتدبرون القرآن، أي: يتأملون ويتفكرون فيه ويتفهمونه ويتبعونه لفظًا ومعنى وعلمًا وعملًا.\nفإنهم لو تدبروه لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية، ولبيّن لهم الطريق الموصلة إلى الله، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها.\n• ففي الآية الحث على تدبر كتاب الله.\nقال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).\nفي هذه الآية بين الله - تعالى - أن الغرض الأساس من إنزال القرآن هو التدبر والتذكر لا مجرد التلاوة على عظم أجرها.\nوقال تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).\n• قال ابن كثير: يقول الله تعالى آمرًا عباده بتدبر القرآن وناهيًا لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه\nالبليغة: أفلا يتدبرون القرآن، فهذا أمر صريح بالتدبر والأمر للوجوب.\nوقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).\nوقال تعالى (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ).\nوقال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ).\nقال ابن مسعود: والذي نفسي بيده! إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله.\nوقال الشوكاني: يتلونه: يعملون بما فيه، ولا يكون العمل به إلا بعد العلم والتدبر.\nوقال تعالى (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا).\nقال ابن كثير: وترك تدبره وتفهمه من هجرانه.","vol":"5","page":167},{"text":"وقال ابن القيم: هجر القرآن أنواع … الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة (أنه صلى مع النبي -ﷺ- ذات ليلة فكان يقرأ مترسلًا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ).\nفهذا تطبيق نبوي عملي للتدبر ظهر أثره بالتسبيح والسؤال والتعوذ.\nوعن أبي ذر -﵁- قال (صلى رسول الله -ﷺ- ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم).\nفهذا رسول الله -ﷺ- يقدم التدبر على كثرة التلاوة، فيقرأ آية واحدة فقط في ليلة كاملة\n• قال ابن القيم: ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده من تدبر القرآن وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها وعلى طرقاتهما وأسبابهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله.\n• قال السعدي: وكلما ازداد العبد تأملا فيه ازداد علمًا وعملًا وبصيرة، لذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن، كما قال تعالى (كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ) وقال تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).\nومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضًا، ويوافق بعضه بعضًا، فترى الحكم والقصة والإخبارات تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضا، فبذلك يعلم كمال القرآن وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور، فلذلك قال تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) أي: فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلًا.\n• في هذه الآية الحث على تدبر القرآن، والتحذير من عدم تدبره وتفهمه.","vol":"5","page":168},{"text":"• جاء الأمر بتدبر القرآن في آيات كثيرة:\nكقوله تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).\nوقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).\nوقال -ﷺ- (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رواه البخاري.\nدواء القلوب في خمسة أشياء …، منها: تدبر القرآن.\nوقال مالك بن دينار: ما زرع القران في قلوبكم يا أهل القرآن؟ إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض.\n• قال ابن القيم: إذا أردت الانتفاع بالقرآن فأجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله. …\n• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الشيطان يريد بوساوسه أن يشغل القلب عن الانتفاع بالقرآن، لأن قراءة القرآن على الوجه المأمور به تورث القلب الإيمان العظيم وتزيده يقينًا وطمأنينة وشفاء.","vol":"5","page":169},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1606> أهمية تدبر القرآن تأتي من وجوه:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1607>أولًا: بركة القرآن.</span>\nكما قال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) أي: كثير الخير والبركة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1608>ثانيًا: حاجة القلب إلى تدبر القرآن.</span>\nإن في القلب حاجة لا يسدها إلا ذكر الله، والتلذذ بكريم خطابه، وإن فيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بكتابه، وإن فيه قلقًا وخوفًا لا يؤمنه إلا السكون إلى ما بشر الله به عباده، وإنه لعلى حيرة واضطراب لا ينجيه منها ويهديه إلى سواء الصراط إلا الاهتداء بنور ربه وبرهان كتابه العزيز (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).\nوإن العبد المؤمن مهما بلغ من العلم مكانة، ومن التقوى منزلًا، فإنه لا يستغني عن القرآن مثبتًا وهاديًا ومعينًا، ولذلك قال ابن تيمية: وحاجة الأمة ماسة إلى فهم القرآن.\nفالتدبر حال سماع القلب يزيد القلب نورًا وإيمانًا\n\n<span data-type='title' id=toc-1609>ثالثًا: الثناء على من تدبر القرآن وتأثر به.</span>\nقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).\nوقال تعالى (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا. وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1610>رابعًا: ذم من ترك تدبر القرآن.</span>\nقال تعالى (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).\nوقال تعالى (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).\nوقال تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا).\nوقال تعالى (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ).\nوقال تعالى (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا).\nوفي وصف الخوارج (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) أي: أنهم يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه وهم لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مقاصده.","vol":"5","page":170},{"text":"قال ابن حجر: قال النووي: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم، لا يصل إلى حلوقهم فضلًا عن أن يصل إلى قلوبهم، لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1611> صوارف تحول دون التدبر:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1612>أولًا: أمراض القلوب والإصرار على الذنوب.</span>\nقال تعالى (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) قال ابن كثير أي: سأمنع فهم الحجج.\nقال سفيان بن عُيَينة في قوله (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) قال: أنزع عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن آياتي.\nقال الزركشي: اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي، ولا يظهر له أسراره وفي قلبه بدعة أو كِبْر أو هوى أو حب الدنيا أو هو مصر على ذنب … وهذه كلها حجب وموانع بعضها آكد من بعض.\n\n<span data-type='title' id=toc-1613>ثانيًا: انشغال القلب.</span>\nقال الحسن: يا ابن آدم! كيف يرق قلبك وإنما همتك في آخر السورة.\nقال ابن القيم: فاذا حصل المؤثر وهو القرآن والمحل القابل وهو القلب الحي ووجد الشرط وهو الاصغاء وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه الي شيء آخر حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر.","vol":"5","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1614>أمثلة تطبيقية لتدبر القرآن:</span>\nتقول عائشة (ما صلى رسول الله -ﷺ- بعد أن أنزلت عليه (إذا جاء ..) إلا يقول: سبحانك ربنا وبحمدك، الهم اغفر لي) متفق عليه.\nعن انس قال (كان أبو طلحة أكثر الأنصار مالًا، وكانت أحب أمواله بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، فلما نزلت الآية (لن تنالوا البر ..) قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله: إن الله يقول (لن تنالوا البر ..) وان أحب أموالي بيرحاء وإنها صدقة\nلله …) رواه مسلم.\nعن عائشة قالت (لما نزل الله براءتي، قال أبو بكر - وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره - والله لا أنفق على مِسْطح شيئًا أبدًا، فأنزل الله (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) قال أبو بكر: بلى والله، إني أحب أن يغفر لي، فرجع في نفقته على مسطح). رواه البخاري\nوردد ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - (… رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا).\n• وردد سيد التابعين سعيد بن جبير قوله تعالى (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ..).\n• وقال عثمان بن عفان -﵁- لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا.\nوقتل شهيدًا مظلومًا ودمه على مصحفه.\n• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين.\n• ورحم الله ابن القيّم ما أصدقَ قولَه: إذا قسا القلب؛ قحطت العين.\nقال ابن تيمية: وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء: أحدها: تدبر القرآن. والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآيات التي تبين أنه حق. الثالث: العمل بموجب العلم.\nوقال: مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى مِنْهُ تَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقُ الْحَقِّ.\n• قال ابن القيم: الرب ﵎ يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين:\nأحدهما: النظر في مفعولاته، والثاني: التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة.\nفالنوع الأول كقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ …).","vol":"5","page":172},{"text":"وقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) وهو كثير في القرآن.\nوالثاني كقوله (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) وقوله (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) وقوله (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ).\n(وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ) أي: لو كان مفتعلًا مختلقًا كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم.\n(لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) أي: اضطرابًا وتضادًا كثيرًا، أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله، كما قال تعالى (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ).\nوكما قال تعالى مخبرًا عن الراسخين في العلم حيث قالوا (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) أي: محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح الراسخين في العلم وذم الزائعين.\n• فالمراد بقوله (اخْتِلافًا كَثِيرًا) أي: أنه يناقض بعضه بعضًا ويكذب بعضه بعضًا، ونسبه ابن الجوزي للجمهور.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) أي: تفاوتًا وتناقضًا.\n• قال البيضاوي: قوله تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله) أي ولو كان من كلام البشر كما تزعم الكفار (لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا) من تناقض المعنى وتفاوت النظم، وكان بعضه فصيحًا وبعضه ركيكًا، وبعضه يصعب معارضته وبعضه يسهل، ومطابقة بعض أخباره المستقبلة للواقع دون بعض، وموافقة العقل لبعض أحكامه دون بعض، على ما دل عليه الاستقراء لنقصان القوة البشرية، ولعل ذكره ها هنا للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس لتناقض في الحكم بل لاختلاف الأحوال في الحكم والمصالح.\n\n<span data-type='title' id=toc-1615>الفوائد:</span>\n١ - الحث على تدبر القرآن.\n٢ - توبيخ من لم يتدبر القرآن.\n٣ - عظمة القرآن الكريم، حيث لا اختلاف فيه ولا تناقض.\n٤ - إثبات أن القرآن كلام الله.","vol":"5","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1616>(وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا (٨٣».</span> [السناء: ٨٣].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) قال ابن كثير: إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة.\n• قال السعدي: هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه،\n• والمراد بالأمر هنا: الخبر الذي يكون له أثر إذا أشيع وأذيع.\nوالمعنى: أن هؤلاء الذين في قلوبهم مرض إذا سمعوا شيئًا من الأخبار التي تتعلق بأمن المسلمين أو خوفهم أذاعوها وأظهروها قبل\nأن يقفوا على حقيقتها.\n• قال الآلوسي: والكلام مسوق لبيان جناية أخرى من جنايات المنافقين، أو لبيان جناية الضعفاء أثر بيان جناية المنافقين، وذلك أنهم كانوا إذا غزت سرية من المسلمين قالوا عنها:\nأصاب المسلمون من عدوهم كذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا من غير أن يكون النبي ﷺ هو الذي يخبرهم به، وقيل: كان الضعفاء يسمعون من أفواه المنافقين شيئًا من الخبر عن السرايا مظنون غير معلوم الصحة فيذيعونه قبل أن يحققوه فيعود ذلك وبالًا على المؤمنين.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (أَذَاعُواْ بِهِ) أي: أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته.\n• قال الآلوسى: (وَإِذَا جَاءهُمْ) أي: المنافقين كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك وأبي معاذ، أو ضعفاء المسلمين كما روي عن الحسن وذهب إليه غالب المفسرين أو الطائفتين كما نقله ابن عطية.\n• وقال ابن عطية: قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن) الآية، قال جمهور المفسرين: الآية في المنافقين حسبما تقدم من ذكرهم، والآية نازلة في سرايا رسول الله -ﷺ- وبعوثه، والمعنى: أن المنافقين كانوا يشرهون إلى سماع ما يسوء النبي في سراياه، فإذا طرأت لهم شبهة أمن للمسلمين أو فتح عليهم، حقروها وصغروا شأنها وأذاعوا بذلك التحقير والتصغير، وإذا طرأت لهم شبهة خوف المسلمين أو مصيبة عظموها وأذاعوا ذلك التعظيم، و(أذاعوا به) معناه: أفشوه، وهو فعل يتعدى بحرف جر وبنفسه أحيانًا، تقول أذاعت كذا وأذعت به.\nوفي الحديث قال -ﷺ- (كفى بالمرء كذبًا أن يُحدث بكل ما سمع) رواه مسلم في المقدمة.\nوعن المغيرة. (أن رسول الله -ﷺ- نهى عن قيل وقال) متفق عليه، قال ابن كثير: أي: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر ولا تبيّن.","vol":"5","page":174},{"text":"(وَلَوْ رَدُّوهُ) أي: ذلك الأمر الذي جاءهم.\n(إِلَى الرَّسُولِ) -ﷺ-.\n(وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ) المراد بأولى الأمر: كبار الصحابة البصراء بالأمور. وقيل المراد بهم: الولاة وأمراء السرايا.\nأي: وسكتوا فلم يذيعوا ما جاءهم من الخبر، حتى يكون رسول الله -ﷺ- أو ذوو أمرهم، هم الذين يتولون الخبر عن ذلك، بعد أن تثبت عندهم صحته أو بطوله، فيصححونه إن كان صحيحًا أو يبطلوه إن كان باطلًا.\n(لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي: لعلموا ما ينبغي أن يفشى منه وما ينبغي أن يكتم.\nوالمعنى: لو أنهم فعلوا ذلك لعلموا من جهة الرسول ومن جهة كبار أصحابه حقيقة تلك الأخبار، وما يجب عليهم نحوها من كتمان أو إذاعة.\n• وفيه أنه يجب التثبت بالأخبار.\nكما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1617> آثار عدم التثبت أو عدم التبين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1618>أولًا: اتهام الأبرياء من الناس زورًا وبهتانًا.</span>\nفقد اتهمت أم المؤمنين عائشة زورًا وبهتانًا بما لم يقع منها في الجاهلية فكيف بعد أن أعزها بالإسلام.\nوكان سبب هذا الاتهام هو عدم التثبت، حتى قال: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ\nمُّبِينٌ).\nوقال تعالى: (أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1619>ثانيًا: الحسرة والندم.</span>\nفإن بعض الصحابة الذين خاضوا في الإفك وطاروا به من غير تثبت ولا تبين، أصابتهم الحسرة والندم لما نزل الوحي من السماء ببراءة عائشة.","vol":"5","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1620>ثالثًا: التعرض للغضب الإلهي.</span>\nفمن تجرد من التثبت أو التبين، كثرت أخطاؤه وتضاعفت عثراته، ومن ثَمَّ يستوجب غضب الله وسخطه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1621>رابعًا: فقد ثقة الناس مع النفور والكراهية.</span>\nفمن عرف عنه العجلة في الرأي والحكم، أو عدم التثبت أو التبين ينظر إليه الناس على أنه أرعن أحمق، ومثل هذا يسحب الناس ثقتهم به، بل وينفرون منه.\n• وقد عدد الفخر الرازي المضار التي تعود على الأمة بسبب إذاعة الأخبار بدون تثبت فقال:\nوكان سبب الضرر من إذاعة هذه الأخبار من وجوه:\nالأول: أن مثل هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير.\nالثاني: أنه إذا كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة. فإذا لم توجد فيه تلك الزيادات، أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول ﷺ لأن المنافقين كانوا يروون هذه الإرجافات عن الرسول ﷺ.\nوإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الإرجافات سببا للفتنة من هذا الوجه.\nالثالث: أن الإرجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام. وذلك سبب لظهور الأسرار. وذلك مما لا يوافق المصلحة.\nالرابع: أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار. فكل ما كان أمنًا لأحد الفريقين كان خوفًا للفريق الثاني. فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم. أرجف المنافقون بذلك، فوصل الخبر إلى الكفار فأخذوا في التحصن من المسلمين. وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك وزادوا فيه. فظهر من ذلك أن ذلك الإرجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه. ولما كان الأمر كذلك ذم اللّه - تعالى - تلك الإذاعة وذلك التشهير ومنعهم منه.\n• فإن قيل: إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله (وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ)؟\nقلنا: إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر، لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون، ونظيره قوله تعالى (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ) وقوله (مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ).\n(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) أي: لولا ما تفضل الله به عليكم من إرسال رسوله، وإنزال كتابه لاتبعتم الشيطان، فبقيتم على كفركم إلا قليلًا منكم، أو إلا اتباعًا قليلًا منكم.\nوقيل: المعنى: أذاعوا به إلا قليلًا منهم، فإنه لم يذع ولم يفش. قاله الكسائي، والأخفش، والفراء، وأبو عبيدة، وأبو حاتم، وابن جرير.","vol":"5","page":176},{"text":"وقيل: المعنى لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلًا منهم، قاله الزجاج.\nقال الطبري: ولولا إنعام الله عليكم أيها المؤمنون، بفضله ورحمته وتوفيقه، فأنقذكم مما ابتلى به هؤلاء المنافقين الذين يقولون لرسول الله -ﷺ- إذا أمرهم بأمر (طاعة) فإذا برزوا من عنده بيت طائفة منهم غير الذي يقول، لكنتم مثلهم، فاتبعتم الشيطان إلا قليلًا كما اتبعه هؤلاء الذين وصف صفتهم.\nفالطبري اختار أن القليل مستثنى من الإذاعة، أي: لأذعتموه إلا قليلًا منكم لم يذع هذا الأمر.\nوقيل: إن هذا من المقدم والمؤخر، فالمعنى: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلًا منهم، ولو فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان كلكم ولم ينج منكم قليل ولا كثير.\n• قال السعدي: وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ، وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لا فيحجم عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1622>الفوائد:</span>\n١ - الحرص على عدم إذاعة الشيء إلا بعد التيقن من معناه.\n٢ - أن الله إذا نهى عن شيء بيّن شيئًا مباحًا.\n٣ - التحذير من التعجل في نشر الخير.\n٤ - التعمق في التثبت.\n٥ - اللجوء إلى الله في طلب الفضل.\n٦ - ذم من اتبع الشيطان.\n(السبت: ٤/ ٥/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1623>(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا (٨٤».</span> [النساء: ٨٤].\n<hr><s0>\n\n(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) يأمر تعالى عبده ورسوله محمدًا -ﷺ- أن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عليه فلا عليه منه، ولهذا قال: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ.\n• قال القرطبي: لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين ولو لوحدك، لأنه وعد بالنصر.\n(وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عنده،\nكما قال رسولُ الله -ﷺ- يوم بدر «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماوَاتُ وَالأرْضُ» قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بن الحُمَامِ الأنْصَارِيُّ -﵁-: يَا رسولَ اللهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّماوَاتُ وَالأرْضُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: بَخٍ بَخٍ؟ فَقَالَ رسولُ الله -ﷺ-: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَولِكَ بَخٍ بَخٍ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِلاَّ رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أهْلِهَا، قَالَ: «فَإنَّكَ مِنْ أهْلِهَا» فَأخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَييتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هذِهِ إنّهَا لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ». رواه مسلم\nوقد ورد أحاديث كثيرة في الترغيب في الجهاد سبقت.\nقال -ﷺ- (لَغَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا).\nوقال -ﷺ- (إنَّ في الجنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ).\nعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِىِّ -ﷺ- مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﷿ قَالَ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ». قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ». وَقَالَ فِى الثَّالِثَةِ «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) متفق عليه.\n(عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم.\n• وعسى من الله واجبة، وقد تحقق ذلك يوم بدر وفي فتح مكة.","vol":"5","page":178},{"text":"• قال الشيخ ابن عثيمين: (عسى) من الله واجبة، فليست للترجي، لأن الله تعالى لا يترجى، إذ إن الرجاء في مقابل الشيء الصعب، والله على كل شيء قدير، ولهذا قيل: (عسى) من الله واجبة، أي: واقعًا حتمًا، لكن الله يجعلها على هذه الصيغة حتى لا يأمن الإنسان مكر الله.\n(وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) أي: والله أشد قوة وسطوة، وأعظم عقوبة وعذابًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1624>الفوائد:</span>\n١ - وجوب القتال في سبيل الله.\n٢ - وجوب الإخلاص في الجهاد.\n٣ - أنه لا يُكلف أحد على هداية أحد.\n٤ - تحريض المؤمنين على الجهاد في بيان فضائله وعظم منزلته.","vol":"5","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1625>(مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا (٨٥».</span> [النساء: ٨٥].\n<hr><s0>\n\n(مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) أي: من سعى في أمر فترتب عليه خير كان له نصيب من ذلك.\n• قال القاسمي: أي يتوسط في أمر فيترتب عليه خير من دفع ضر، أو جلب نفع، ابتغاء لوجه الله تعالى، ومنه حمل المؤمنين على قتال الكفار.\n• قال ابن عاشور: والمقصود مع ذلك الترغيب في التوسّط في الخير والترهيب من ضدّه.\nوالشفاعة: الوساطة في إيصال خير أو دفع شرّ، سواء كانت بطلب من المنتفع أم لا، وفي الحديث (اشفعوا فلْتؤجروا).\nوما ذكره ابن كثير هو أحد الأقوال في المسألة، لأن العلماء اختلفوا في معنى (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا).\n• قال القرطبي: واختلف المتأوّلون في هذه الآية؛ فقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم؛ فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كِفْل.\nوقيل: الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة، والسيئة في المعاصي.\nفمن شَفَع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الأجر، ومن سعى بالنميمة والغِيبة أثم، وهذا قريب من الأوّل.\nوقيل: يعني بالشفاعة الحسنة الدعاءَ للمسلمين، والسيئةِ الدعاءَ عليهم.\nوقيل: المعنى من يكن شَفْعًا لصاحبه في الجهاد يكن له نصيبه من الأجر، ومن يكن شفعًا لآخرَ في باطل يكن له نصيبه من\nالوِزر. (تفسير القرطبي)\nوقال ابن العربي: اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:\nالْأَوَّلُ: مَنْ يَزِيدُ عَمَلًا إلَى عَمَلٍ.\nالثَّانِي: مَنْ يُعِينُ أَخَاهُ بِكَلِمَةٍ عِنْدَ غَيْرِهِ فِي قَضَاءِ حَاجَةٍ.\nقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- (اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ).\nالثَّالِثُ: قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي مَعْنَاهُ: مَنْ يَكُنْ يَا مُحَمَّدُ شَفِيعًا لِوِتْرِ أَصْحَابِكَ فِي الْجِهَادِ لِلْعَدُوِّ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْأَجْرِ.\nوَمَنْ يَشْفَعْ وِتْرًا مِنْ الْكُفَّارِ فِي جِهَادِكَ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْإِثْمِ.\nوَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَقَدْ تَكُونُ الشَّفَاعَةُ غَيْرَ جَائِزَةٍ، وَذَلِكَ فِيمَا كَانَ سَعْيًا فِي إثْمٍ أَوْ فِي إسْقَاطِ حَدٍّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ شَفَاعَةً سَيِّئَةً. (أحكام القرآن).\nواختار هذا القول ابن جرير حيث قال: من يَصِر يا محمد شفعًا لوتر أصحابك، فيشفع في جهاد عدوهم وقتالهم في سبيل الله، وهو الشفاعة الحسنة (يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) يكن له من شفاعته تلك نصيب، وهو الحظ من ثواب الله وجزيل كرامته.","vol":"5","page":180},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1626> في الآية فضل الشفاعة في الخير:</span>\nعَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَب) متفق عليه.\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِى، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ- لِعَبَّاسٍ «يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا». فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ- «لَوْ رَاجَعْتِهِ». قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِى قَالَ «إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ». قَالَتْ لَا حَاجَةَ لِى فِيه) رواه البخاري.\nقال ابن القيم: هذه شفاعة من سيد الشفعاء لمحب إلى محبوبه وهي من أفضل الشفاعات وأعظمها أجرا عند الله فإنها تتضمن اجتماع محبوبين على ما يحبه الله ورسوله ولهذا كان أحب ما لإبليس وجنوده التفريق بين هذين المحبوبين وتأمل قوله تعالى في الشفاعة الحسنة (يكن له نصيب منها) وفي السيئة (يكن له كفل منها) فإن لفظ الكفل يشعر بالحمل والثقل ولفظ النصيب يشعر بالحظ الذي ينصب طالبه في تحصيله وإن كان كل منهما يستعمل في الأمرين عند الانفراد ولكن لما قرن بينهما حسن اختصاص حظ الخيز بالنصيب وحظ الشر بالكفل.\nكان ابن عباس - ﵄ - معتكفًا في مسجد رسول الله -ﷺ- فجاءه رجل يستعين به على حاجة له، فخرج معه، وقال: \" سمعتُ صاحب هذا القبر -ﷺ- يقول: من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيرًا من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاءَ وجه الله جعلَ الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق، كل خندق أبعد مما بين الخافقين).\nوقال سفيان بن عيينة: ليس أقول لكم إلا ما سمعت: قيل لابن المنكدر: أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن.\nوقيل: أي الدنيا أحب إليك؟ قال: الإفضال على الإخوان.\nوقال الحسن البصري - ﵀ -: لأنْ أقضي حاجةً لأخ أحبُّ إليَّ من أن أعتكف سنة.\nوفي الأثر: صنائع المعروف تقي ميتة السوء.\nوقال جعفر بن محمد: إن الحاجة تعرض للرجل قِبَلي فأبادر بقضائها مخافةَ أن يستغني عنها، أو تأتيه وقد استبطأها، فلا يكون لها عنده موقع.\nوقال البيجاني - ﵀ -: وإذا أراد الله بعبد خيرًا جعل قضاء الحوائج على يديه.","vol":"5","page":181},{"text":"• الشافع مأجور قُبِلت شفاعته أم لم تُقبَل:\nفعلى الشافع أن يُحسن نيته، ويبتغي بذلك الأجرَ والثواب من رب الأرباب، وليتأسَّ بمَن مَدَحهم الله - ﷾ - بقوله (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا).\nفالأعمال بالنيات؛ وبقدر صِدْق المرء وإخلاصه واتِّباعه للسنة، وبقدْرِ نَصَبه وعنائه في أي أمر من الأمور الحسنة؛ يكون أجره وثوابه، فكذلك الأمر للشافع.\n(وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا) أي: ومن يشفع شفاعة مخالفة للشرع يكن له نصيب من الوزر بسببها.\nالكفل: الحمل الثقيل - والنصيب: ما يعمل من أجله ويحصله.\nقال ابن عادل: والكفل: النَّصِيب، إلا أنَّ استعماله في الشَّرِّ أكثر، عكس النصيب، وإنْ كان قد استُعْمِل الكِفْلُ في الخَيْرِ، قال تعالى (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ) وأصلُه قالوا: مُسْتَعَارٌ مِنْ كِفْلِ البَعير، وهو كساء يُدَارُ حَوْلَ سِنَامِهِ ليُرْكَبَ، سُمِّي بِذَلِك؛ لأنَّه لم يَعُمَّ ظهرهَ كُلَّه بل نَصِيبًا منه، ولغلبةِ استِعْمَالِه في الشَّرِّ، واستعمال النَّصِيب في الخير، غاير بَيْنَهُمَا في هذه الآيَة الكَريمة؛ إذ أتى بالكِفْل مع السَّيِّئَة، والنَّصِيب مع الحَسَنة\nمثال: كمن يشفع لأناس قد وجب عليهم الحد أن لا يقام عليهم، قال تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).\nعن عائشة ﵂: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا","vol":"5","page":182},{"text":"• قال بعض العلماء: فالتعبير بالنصيب في الشفاعة الحسنة، وبالكفل في الشفاعة السيئة للتفنن.\nوفرق بينهما بعض المحققين بأن النصيب يشمل الزيادة، والكفل هو المثل المساوي، فاختيار النصيب أولًا لأن جزاء الحسنة يضاعف؛ والكفل ثانيًا لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها، ففي الآية إشارة إلى لطف الله تعالى بعباده.\nوقال بعضهم: إن الكفل وإن كان بمعنى النصيب إلا أنه غلب في الشر وندر في غيره كقوله تعالى (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ) فلذا خص بالسيئة تطرية وهربًا من التكرار.\n(وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا) قيل: حسيبًا، وقيل: حفيظًا، وقيل: شهيدًا، وقيل: مقتدرًا ورجحه ابن جرير.\n\n<span data-type='title' id=toc-1627>الفوائد:</span>\n١ - الحث على الشفاعة الحسنة.\n٢ - الحث على التعاون على البر والتقوى.\n٣ - التحذير من الشفاعة السيئة.\n٤ - أن من شارك في عمل سيء كان له نصيب منه.\n٥ - قدرة الله تعالى.","vol":"5","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1628>(وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦».</span> [النساء: ٨٦].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) أي: إذا سلم عليكم المسلم، فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم به، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة.\nوقد جاء عن عمران بن حصين (أن رجلًا جاء إلى النبي -ﷺ- فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس فقال: عشر، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: عشرون، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه ثم جلس، فقال: ثلاثون) رواه أبو داود.\n• قوله تعالى (بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (أو) هنا للتنويع.\n• قال الرازي: واعلم أنه تعالى قال (فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) فقال العلماء: الأحسن هو أن المسلم إذا قال السلام عليك زيد في جوابه الرحمة، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعادها في الجواب.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ) رد الأحسن أن يزيد فيقول: عليك السَّلام ورحمة الله؛ لمن قال: سلام عليك، فإن قال: سلام عليك ورحمة الله؛ زدت في ردّك: وبركاته، وهذا هو النهاية فلا مزيد.\nقال الله تعالى مخبرًا عن البيت الكريم (رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ).\nفإن انتهى بالسلام غايته، زدت في ردّك الواو في أول كلامك فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.\nوالردّ بالمثل أن تقول لمن قال السلام عليك: عليك السَّلام، إلاَّ أنه ينبغي أن يكون السَّلام كلّه بلفظ الجماعة، وإن كان المُسَلّم عليه واحدًا.\nروى الأعمشُ عن إبراهيم النَّخَعيّ قال: إذا سلّمت على الواحد فقل: السَّلام عليكم، فإن معه الملائكة.\n• قال القرطبي: والصحيح أن التحية هاهنا السلام؛ لقوله تعالى (وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله) وعلى هذا جماعة المفسرين.","vol":"5","page":184},{"text":"وإذا ثبت هذا وتقرّر ففِقهُ الآية أن يُقال: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سُنّة مرغّب فيها، وردُّه فريضة؛ لقوله تعالى (فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ).\n• قال ابن عاشور: وهذه الآية من آداب الإسلام: علّم الله بها أن يَردّوا على المسلّم بأحسنَ من سلامه أو بما يماثله، ليبطل ما كان بين الجاهلية من تفاوت السادة والدهماء.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1629> مباحث السلام:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1630>الأول: فضائله:</span>\nأولًا: من أسباب المحبة بين المسلمين.\nقال -ﷺ- (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا …).\nثانيًا: أنه من خير خصال الإسلام.\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو م أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) متفق عليه.\nقال العلماء: جعل السلام على الجميع لمن يعرف ومن لا يعرف حتى يكون خالصًا لله تعالى، بريئًا من حظ النفس، والتصنع، لأنه شعار الإسلام، فحق كل مسلم فيه شائع.\nثالثًا: من أسباب دخول الجنة.\nقال -ﷺ- (يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، … تدخلوا الجنة بسلام). رواه الترمذي.\nرابعًا: من علامات الإيمان.\nقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ.\nقال العلامة ابن القيم في شرح هذه الكلمات:\nوقد تضمنت هذه الكلمات أصول الخير وفروعه:\nفإن الإنصاف يوجب عليه أداء حقوق الله كاملة موفّرة، وأداء حقوق الناس كذلك، وألا يطالبهم بما ليس له، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوا به، ويحكم لهم وعليهم بما يحكم به لنفسه وعليها، ويدخل في هذا: إنصافه نفسه من نفسه، فلا يدعي لها ما ليس لها، ويُنميها ويرفعها بطاعة الله (تعالى) وتوحيده، وحبّه وخوفه.","vol":"5","page":185},{"text":"وبذل السلام للعالم يتضمن: تواضعه وأنه لا يتكبر على أحد، بل يبذل السلام للصغير والكبير، والشريف والوضيع، ومن يعرفه ومن لا يعرفه …\nوأما الإنفاق مع الإقتار فلا يصدر إلا عن قوة ثقة بالله، وأن الله يُخلفه ما أنفقه، وعن قوة يقين، وتوكل، ورحمة، وزهد في الدنيا، ووثوق بوعد مَنْ وعده مغفرة منه وفضلًا، وتكذيبًا بوعد من يعده الفقر ويأمره بالفحشاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1631>الثاني: ابتداء السلام سنة.</span>\nوهذا قول جماهير العلماء، بل حكاه بعضهم إجماعًا.\nقال -ﷺ- (حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم ستٌّ: إِذَا لَقيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجبْهُ، وإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْه) رواه مسلم.\nونقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن ابتداء السلام واجب في أحد القولين في مذهب أحمد، وهو ظاهر ما نقل عن الظاهرية عندالمالكية (في غير المشهور) أن الابتداء بالسلام من الواحد فرض.\nوعلى قول الجمهور هو سنة على الكفاية فإن كانوا جماعة فسلم واحد منهم كفى عن جميعهم ولو سلم كلهم كان أفضل وأكمل، فعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدكم ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدكم» أخرجه أبو داود.\n\nا<span data-type='title' id=toc-1632> لثالث: رد السلام واجب.</span>\nلهذه الآية (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا).\nقال -ﷺ- (حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ المَريض، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَة، وتَشْميتُ العَاطِس) متفق عليه.\nالأمر للوجوب فهو واجب عينًا على المسلَّم عليه إذا كان واحدًا، وواجب على الكفاية إذا كانوا مجموعة، وإن ردوا جميعًا فهو أفضل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1633>الرابع: إذا لم يسمعوا السلام.</span>\nعن أنسٍ -﵁-: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا تكلم بِكَلِمَةٍ أعَادَهَا ثَلاثًَا حَتَّى تُفهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سلم عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا. رواه البخاري.\nقال النووي: وهذا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الجَمْعُ كَثِيرًا.","vol":"5","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1634>الخامس: يسلم الراكب على الماشي.</span>\nقال -ﷺ- (يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَليلُ عَلَى الكَثِير) متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية للبخاري (والصغيرُ عَلَى الكَبير).\n\n<span data-type='title' id=toc-1635>السادس: يسن السلام على الصبيان.</span>\nعن أنس -﵁-: أنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وقال: كَانَ رسول الله -ﷺ- يَفْعَلُهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) أي: سيحاسب العباد على كل شيء من أعمالهم الصغيرة والكبيرة.\nوالحساب: هو اطلاع الله عباده على أعمالهم، وتقريرهم عليها.\n• وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.\nقال تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).\nوقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا).\nوأما من السنة:\nفقد كان النبي -ﷺ- يقول في بعض صلاته: (… اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا) فقالت عائشة: (ما الحساب اليسير؟ قال: (أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه). رواه أحمد، وقال الألباني: \" إسناده جيد \".\nوأجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة.","vol":"5","page":187},{"text":"• يستثنى من الذين لا يحاسبون من يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.\nكما جاء في الصحيحين. أن النبي -ﷺ- قال (عرضت عليّ الأمم .... الحديث وفيه: ورأيت أمتي ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون).\n• يشمل الحساب حتى الجن.\nلأنهم مكلفون مأمورون كالإنس.\nولذلك الجني الكافر يدخل النار بالاتفاق.\nكما قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ …).\nوقال تعالى (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ).\n• وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله: الصلاة.\nلحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله). رواه الترمذي\n• وأول ما يقضى فيه بين الناس في الدماء.\nلقوله -ﷺ-: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء). متفق عليه من حديث ابن مسعود.\n\n<span data-type='title' id=toc-1636>الفوائد:</span>\n١ - وجوب رد التحية.\n٢ - أن رد التحية يكون على وجهين، مجزئ وأفضل، فالمجزئ مأخوذ من قوله (أو ردوها) والأكمل والأفضل من قوله\n(بأحسن منها).\n٣ - أنه لا يجزئ الرد بغير السلام.\n٤ - إثبات الحساب.","vol":"5","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1637>(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧».</span> [النساء: ٨٧].\n<hr><s0>\n\n(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات، ونضمن قسمًا لقوله:\n(لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) خبر وقسم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله.\n• في هذا إثبات الحشر والجمع يوم القيامة.\nقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ).\nوقال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).\nوقال تعالى (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ).\nوقال تعالى (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).\nوقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).\nوقال تعالى (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ).\nوقال -ﷺ-: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفْراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد) متفق عليه.\n• ويحشر كل شيء حتى البهائم، كما قال تعالى (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ)، وقال تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1638> وسمي يوم القيامة بذلك:</span>\nأولًا: لقيام الناس من قبورهم.\nكما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).\nثانيًا: لقيام الأشهاد.\nكما قال تعالى (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).\nثالثًا: لقيام الروح والملائكة.\nكما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا).\n(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) الإستفهام للنفي، والمعنى: لا أحد اصدق منه في حديثه وخبره، ووعده ووعيده.\n\n<span data-type='title' id=toc-1639>الفوائد:</span>\n١ - انفراد الله تعالى بالألوهية.\n٢ - إثبات يوم القيامة.\n٣ - إثبات جمع الناس يوم القيامة.\n٤ - وجوب الإيمان باليوم الآخر.\n٥ - أن كلام الله وخبره صدق لا كذب فيه. (الأحد: ١٩/ ٥/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1640>(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨».</span> [النساء: ٨٨].\n<hr><s0>\n\n(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ) عن زيد بن ثابت (أن رسول الله -ﷺ- خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحابُ رسول الله -ﷺ- فيهم فرقتين، فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل الله: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ، فقال -ﷺ-: إنها طيبة، وإنها تنفي الخَبَث كما تنفي النار خبث الفضة) رواه مسلم.\n• والمراد بهؤلاء المنافقين: عبدالله بن أبيّ ومن معه، رجعوا بثلث الجيش يوم غزوة أحد.\nوالمعنى: أي مالكم أيها المؤمنون أصبحتم فرقتين في شأن المنافقين، بعضكم يقول نقتلهم وبعضكم يقول: لا نقتلهم، والحال: أنهم منافقون.\n• والاستفهام لإنكار خلافهم في شأن المنافقين ولوم المؤمنين الذين أحسنوا الظن بالمنافقين مع أن أحوال هؤلاء المنافقين تدعو إلى سوء الظن بهم.\nوالمعنى: لقد سقت لكم - أيها المؤمنون - من أحوال المنافقين ما يكشف عن خبثهم ومكرهم، وبينت لكم من صفاتهم ما يدعو إلى الحذر منهم وسوء الظن بهم، وإذا كان هذا هو حالهم فما الذي سوغ لكم أن تختلفوا في شأنهم إلى فئتين؟ فئة تحسن الظن بهم وتدافع عنهم، وفئة أخرى صادقة الفراسة، سليمة الحكم لأنها عند ما رأت الشر قد استحوذ على المنافقين أعرضت عنهم، واحتقرتهم، وأخذت حذرها منهم، وحكمت عليهم بالحكم الذي رضيه اللّه - تعالى.\nوالآن - أيها المؤمنون - بعد أن ظهر الحق، وانكشف حال أولئك المنافقين، عليكم أن تتركوا الخلاف في شأنهم، وأن تتفقوا جميعا على أنهم قوم بعيدون عن الحق والإيمان ومنغمسون في الضلال والبطلان.\n• قال ابن عاشور: فتكون الآية لبيان أنّه ما كان ينبغي التردّد في أمرهم.\nقال القرطبي: والمعنِيّ بالمنافقين هنا عبد الله بن أُبيّ وأصحابه الذين خذلوا رسول الله -ﷺ- يوم أُحُد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا؛ كما تقدّم في آل عمران.\nوقال ابن عباس: هم قوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة، قال الضحاك: وقالوا إن ظهر محمد -ﷺ- فقد عرفنا، وإن ظهر قومنا فهو أحبّ إلينا.\nفصار المسلمون فيهم فئتين قوم يتولَّوْنهم وقوم يتبرّؤون منهم؛ فقال الله ﷿ (فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ).","vol":"5","page":190},{"text":"وذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أنها نزلت في قوم جاءوا إلى المدينة وأظهروا الإسلام، فأصابهم وَباءُ المدينة وحُمَّاها؛ فأرْكِسوا فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحاب النبيّ -ﷺ- فقالوا: ما لكم رجعتم؟ فقالوا: أصابنا وباء المدينة فاجتويناها؛ فقالوا: ما لكم في رسول الله -ﷺ- أُسْوَة؟ فقال بعضهم: نافقوا.\nوقال بعضهم: لم ينافقوا، هم مسلمون؛ فأنزل الله ﷿ (فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كسبوا) حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا رسول الله -ﷺ- إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتَّجرون فيها، فاختلف\nفيهم المؤمنون فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون؛ فبيّن الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأمر بقتلهم.\nقلت: وهذان القولان يَعْضُدهُما سياق آخر الآية من قوله تعالى (حَتَّى يُهَاجِرُوا) والأوّل أصح نقلًا، وهو اختيار البخاريّ.\n• قال الطبري: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله -ﷺ- في قوم كانوا ارتدُّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة.\nوإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأنّ اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على قولين: أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة، على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة.\nوفي قول الله تعالى ذكره (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا)، أوضح الدّليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة. لأنّ الهجرة كانت على عهد رسول الله -ﷺ- إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر. فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرضُ هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنُه ومُقامه.\n(وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ بسبب نفاقهم وعصيانهم.\n• قال ابن العربي: أَخْبَرَ اللَّهُ ﷾ أَنَّ اللَّهَ رَدَّ الْمُنَافِقِينَ إلَى الْكُفْرِ، وَهُوَ الْإِرْكَاسُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى الْحَالَةِ الْمَكْرُوهَةِ، كَمَا قَالَ فِي الرَّوْثَةِ إنَّهَا رِجْسٌ، أَيْ رَجَعَتْ إلَى حَالَةٍ مَكْرُوهَة.\n• قال ابن عاشور: وقد جعل الله ردّهم إلى الكفر جزاء لسوء اعتقادهم وقلّة إخلاصهم مع رسوله -ﷺ- فإنّ الأعمال تتوالد من جنسها، فالعمل الصالح يأتي بزيادة الصالحات، والعمل السيّيء يأتي بمنتهى المعاصي، ولهذا تكرّر في القرآن الإخبار عن كون العمل سببًا في بلوغ الغايات من جنسه.","vol":"5","page":191},{"text":"• وفي هذا دليل أن الإنسان يعاقب بمعصيته وجرمه.\nكما قال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ).\nوقال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ...... فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ).\n(أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ) أي: أتريدون هداية من أضله الله، والإستفهام للإنكار والتوبيخ.\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى (أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا).\nأنكر تعالى في هذه الآية الكريمة على من أراد أن يهدي من أضله الله، وصرح فيها بأن من أضله الله لا يوجد سبيل إلى هداه، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله (وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئًا أولئك الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ) وقوله (مَن يُضْلِلِ الله فَلَا هَادِيَ لَهُ) ويؤخذ من هذه الآيات أن العبد ينبغي له كثرة التضرع والابتهال إلى الله تعالى: أن يهديه ولا يضله، فإن من هداه الله لا يضل، ومن أضله لا هادي له، ولذا ذكر عن الراسخين في العلم أنهم يقولون (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا).\n(وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) أي: لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه.\n• وفي هذا دليل أن المهتدي من هداه الله.\nقال تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).\nوقال تعالى (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا).\nوقال تعالى (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ).\nوقال تعالى (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).\nوقال تعالى (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).\nوقال تعالى عن أهل الإيمان يوم القيامة (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ).","vol":"5","page":192},{"text":"وكذلك الإضلال:\nقال تعالى (فيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).\nوقال تعالى (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا).\nوقال تعالى (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).\nوفي الحديث القدسي (كلكم ضال إلا من هديته).\nويقول الرسول -ﷺ- (والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا) متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1641>الفوائد:</span>\n١ - الإنكار على المؤمنين في الاختلاف في المنافقين.\n٢ - أن الإنسان يذم ويركس ويُرد على الوجه المذموم بسبب عمله.\n٣ - إثبات الأسباب.\n٤ - أن الهداية بيد الله.\n٥ - أنه لا أحد يستطيع أن يهدي من أراد الله إضلاله.\n٦ - الالتجاء والتضرع بسؤال الهداية من الله.","vol":"5","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1642>(وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠».</span> [النساء: ٨٩ - ٩٠].\n<hr><s0>\n\n(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالهم في أنفسهم.\nأي: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم.\n• قال القرطبي: أي تمنّوا أن تكونوا كَهُم في الكفر والنفاق.\n• وقال ابن الجوزى: أخبر الله ﷿ المؤمنين بما في ضمائِر تلك الطائِفة، لئلا يحسنوا الظن بهم، ولا يجادلوا عنهم، وليعتقدوا عداوتهم.\n• وقال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) يَعْنِي هَذِهِ الطَّائِفَةُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ ضَمَائِرِهِمْ وَاعْتِقَادَاتهمْ لِئَلَّا يُحْسِنَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِمْ الظَّنَّ وَلِيَعْتَقِدُوا مُعَادَاتِهِمْ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ.\n• أهل الكفر والضلال دائمًا يريدون إضلال أهل الإيمان.\nقال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)\nوقوله تعالى (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء).\nوقال تعالى (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ)\nوقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)\nوقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ).\nوقال تعالى (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ)\nوقال تعالى (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا).\nوقال تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).\nوقال تعالى (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ).","vol":"5","page":194},{"text":"وقال تعالى (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).\n• قال ابن عطية: الضمير في (ودوا) عائد على المنافقين، وهذا كشف من الله لخبث معتقدهم، وتحذير للمؤمنين منهم. والمعنى تمنوا كفركم، وهي غاية المصائب بكم، وهذا الود منهم يحتمل أن يكون عن حسد منهم لهم على ما يرون للمؤمنين من ظهور في الدنيا، فتجري الآية مع ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم ويحتمل أمر المنافقين أن يكون أنهم رأوا المؤمنين على غير شيء فودوا رجوعهم إلى عبادة الأصنام، والأول أظهر.\n(فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) يوالونكم وتوالونهم، لأنهم أعداء، والله يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ).\n• وهذا يستلزم عدم محبتهم، ويستلزم أيضًا بغضهم وعداونهم.\n(حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (حتى) هنا للغاية، يعني استمروا في عداوتهم حتى يهاجروا في سبيل الله.\nإن قيل: كيف قال: حتى يهاجروا في سبيل الله، وعبد الله بن أبي بن سلول كان بالمدينة، ومن المعلوم أنه لا هجرة في المدينة؟\nقيل: أن المراد بالهجرة هنا هجرة أخرى، وهي هجرة صحيحة تحقق إيمانهم، وذلك بالخروج مع رسول الله -ﷺ- للقتال في سبيل الله مخلصين صابرين محتسبين.\nوقيل: أن الآية في طوائف من المنافقين ممن كانوا خارج المدينة ولم يهاجروا إليها، وقد تعالى (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ).\n• قال ابن عاشور: وعليه فقوله (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله) إن حمل على ظاهر المهاجرة لا يناسب إلاّ ما تقدّم في سبب النزول عن مجاهد وابن عباس، ولا يناسب ما في (الصحيح) عن زيد بن ثابت، فتعيّن تأويل المهاجرة بالجهاد في سبيل الله، فالله نهى المسلمين عن ولايتهم إلى أن يخرجوا في سبيل الله في غزوة تقع بعد نزول الآية لأنّ غزوة أُحد، التي انخزل عنها عبد الله بن أبَيّ وأصحابه، قد مضت قبل نزول هذه السورة.","vol":"5","page":195},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1643> فالهجرة أنواع:</span>\nهجرة المعاصي والذنوب.\nلحديث عبد الله بن عمرو. قال: قال -ﷺ- (… والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) رواه البخاري.\nومن ذلك الهجرة من النفاق إلى الإيمان.\nهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهجرة من النفاق إلى الإيمان.\nوكانت مفروضة من مكة قبل فتحها.\n• قوله (في سبيل الله) تنبيه لخطر الهجرة لغرض دنيوي، وفي الحديث (إنما الأعمال بالنيات …).\n• قال القرطبي: والهجرة أنواع: منها الهجرة إلى المدينة لنُصرة النبيّ -ﷺ-، وكانت هذه واجبة أوّل الإسلام حتى قال: \" لا هجرة بعد الفتح \" وكذلك هجرة المنافقين مع النبيّ -ﷺ- في الغزوات، وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة.\nوهجرة المسلم ما حرّم الله عليه؛ كما قال -ﷺ- (والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه) وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن.\nوهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبًا لهم فلا يُكَلَّمون ولا يخالَطون حتى يتوبوا؛ كما فعل النبيّ ﷺ مع كعب وصاحبيْه.\n(فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الهجرة في سبيل الله والإيمان بالله ورسوله.\n(فَخُذُوهُمْ) أي: أسرى.\n(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) أي: فخذوهم أيها المؤمنون واقتلوهم حيث وجدتموهم.\n(وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) أي: لا توالوهم وتستنصروا بهم على الأعداء ما داموا كذلك.","vol":"5","page":196},{"text":"• ثم استثنى الله سبحانه من هؤلاء فقال:\n(إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) أي: إلا الذين لجؤوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة أو عقد ذمة، فاجعلوا حكمهم كحكمهم.\n• قال البغوي: هذا الاستثناء راجع للقتل، لا إلى الموالاة، لأن موالاة الكفار والمنافقين لا تجوز بحال.\n• فالله قد استثنى من هؤلاء الذين أمركم بأخذهم وقتلهم أناسا التجأوا واستندوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان، لأنهم بهذا الالتجاء قد صار حكمهم كحكم من لجئوا إليهم من حيث الأمان وعدم الاعتداء.\n• قال القرطبي: (إِلاَّ الذين يَصِلُونَ) أي يتَّصلون بهم ويدخلون فيما بينهم من الجوار والحلف؛ المعنى: فلا تقتلوا قومًا بينهم وبين مَن بينكم وبينهم عهدٌ فإنهم على عهدهم ثم انتسخت العهود فانتسخ هذا.\nهذا قول مجاهد وابن زيد وغيرهم، وهو أصح ما قيل في معنى الآية.\n(أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ) هؤلاء قوم آخرون من المسْتثْنيْن عن الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف وهم حصرة صدورهم، أي: ضيقة صدورهم مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضًا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم.\n• … (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) معنى حصرت: ضاقت وانقبضت.\n• قال الرازي: قوله تعالى (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) معناه ضاقت صدورهم عن المقاتلة فلا يريدون قتالكم لأنكم مسلمون، ولا يريدون قتالهم لأنهم أقاربهم.\n• فأنت ترى أن الاستثناء في قوله إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ قد أخرج من الأخذ والقتل فريقين من الناس:\nالفريق الأول: هو الذي ترك المحاربين من الأعداء، والتجأ إلى القوم الذين بينهم وبين المسلمين عهد أمان، فإنه بهذا الالتجاء قد صار حكمه كحكم من التجأ إليهم في الأمان.\nوالفريق الثاني: هو الذي جاء إلى المؤمنين، مسالمًا وترك قومه، إلا أنه في الوقت نفسه يكره أن يقاتل المسلمين لحبه لهم، ويكره أن يقاتل قومه لأنهم قومه وعشيرته وأهله أو لأنه لو قاتلهم للحقه الضرر في ماله أو ذريته.\n(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) قال الطبري: أي: ولو شاء الله لسلط هؤلاء الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون في جوارهم، والذين يجيئوكم قد حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم عليكم، أيها المؤمنون، فقاتلوكم مع\nأعدائكم من المشركين ولكن الله كفّهم عنكم.","vol":"5","page":197},{"text":"• قال القرطبي: قوله تعالى (وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) تسليط الله تعالى المشركين على المؤمنين هو بأن يُقدرهم على ذلك ويقوّيهم إمّا عقوبةً ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي، وإما ابتلاء واختبارًا كما قال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) وإما تمحيصًا للذنوب كما قال تعالى (وَلِيُمَحِّصَ الله الذين آمَنُواْ).\nولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء.\n(فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ) فسرها بقوله:\n(فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ) فلم يتعرضوا لكم بقتال.\n(وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) أي: المسالمة.\n(فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) أي: فليس لكم أن تقتلوهم مادامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي -ﷺ- عن قتل العباس وأمر بأسره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1644>الفوائد:</span>\n١ - شدة عداوة الكفار وبغضهم للمسلمين.\n٢ - محبة الكفار لإضلال المسلمين.\n٣ - التحذير من موالاة الكفار.\n٤ - أن من لم يهاجر في سبيل الله فهذا دليل على نقص إيمانه.\n٥ - الإشارة إلى الإخلاص.\n٦ - تمام وفاء الإسلام بالعهد.\n٧ - إثبات مشيئة الله.\n٨ - أن من ألقى السلام وجب الكف عنه.","vol":"5","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1645>(سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (٩١».</span> [النساء: ٩١].\n<hr><s0>\n\n(سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا) أي: ستجدون قومًا آخرين من المنافقين يريدون أن يأمنوكم بإظهار الإيمان، ويأمنوا قومهم بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم (كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا) أي: كلما دعوا إلى الكفر أو قتال المسلمين عادوا إليه وقُلبوا فيه على أسوأ شكل، فهم شر من كل عدو شرير.\n• قال ابن كثير: هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء منافقون يظهرون للنبي -ﷺ- ولأصحابه الإسلام، ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) وقال هاهنا (كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا) أي: انهمكوا فيها.\nوقال السدّي: الفتنة هاهنا: الشرك. وحكى ابن جرير، عن مجاهد: أنها نزلت في قوم من أهل مكة، كانوا يأتون النبي صلى الله\nعليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا. (تفسير ابن كثير).\n• وقال السعدي: وهؤلاء في الصورة، كالفرقة الثانية، وفي الحقيقة مخالفة لها، فإن الفرقة الثانية، تركوا قتال المؤمنين، احترامًا لهم، لا خوفًا على أنفسهم، وأما هذه الفرقة فتركوه خوفًا لا احترامًا، بل لو وجدوا فرصة في قتال المؤمنين، فإنهم سيقدمون لانتهازها.\n• قال الرازي: قال المفسرون: هم قوم من أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا، وغرضهم أن يأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم (كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة) كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين (أُرْكِسُواْ فِيِهَا) أي: ردوا مغلوبين منكوسين فيها، وهذا استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين لأن من وقع في شيء منكوسًا يتعذر خروجه منه.","vol":"5","page":199},{"text":"• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ) هؤلاء فريق آخر لا سَعْيَ لهم إلاّ في خُوَيْصْتِهِم، ولا يعبأون بغيرهم، فهم يظهرون المودّة للمسلمين ليأمنوا غزوهم، ويظهرون الودّ لقومهم ليأمنوا غائلتهم، وما هم بمخلصين الودّ لأحد الفريقين، ولذلك وصفوا بإرادة أن يأمنوا من المؤمنين ومن قومهم، فلا هَمّ لهم إلاّ حظوظ أنفسهم، يلتحقون بالمسلمين في قضاء لبانات لهم فيظهرون الإيمانَ، ثم يرجعون إلى قومهم فيرتدّون إلى الكفر، وهو معنى قوله (كُلَّما رُدّوا إلى الفتنة أُرْكسُوا فيها).\nوقد مر بيان معنى (أركسوا) قريبًا.\n(فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ) أي: فإن لم يجتنبوكم.\n(وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) أي: يستسلموا إليكم.\n(وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ) أي: عن القتال.\n(فَخُذُوهُمْ) أسراء\n(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ) أي: أين لقيتموهم.\n(وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا) أي: جعلنا لكم على أخذهم وقتلهم حجة واضحة وبرهانًا بيّنًا بسبب غدرهم وخيانتهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1646>الفوائد:</span>\n١ - علم الله بالغيب.\n٢ - أنه لا يمكن الجمع بين الولاية والعداوة.\n٣ - التحذير من الوقوع في الفتن.\n٤ - وجوب قتال من قاتلنا.\n٥ - أن المنافقين أنواع.\n(السبت: ٢٥/ ٥/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1647>(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢».</span> [سورة النساء: ٩٢].\n<hr><s0>\n\n(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا) قال ابن كثير: يقول تعالى: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه.\n• قوله (مؤمن) نكرة في سياق النفي، يعم كل مؤمن، سواء كان قوي الإيمان أو ناقص الإيمان.\n• المراد بالمؤمن هنا يشمل حتى المسلم، لأنه إذا انفرد لأحدهما فإنه يراد به كلا المعنيين.\n• والقتل: هو إزهاق الروح بأي وسيلة كانت، وبأي نوع من أنواع القتل.\n(إِلَّا خَطَأً) هذا إستثناء منقطع، والتقدير: ما كان له أن يقتله البتة، لكن إن قتله خطًا فعليه كذا وكذا.\n• ونظيره في القرآن كثير:\nقال تعالى (لَا تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة) وقال (الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم). وقال (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلاَّ قِيلًا سلاما سلاما).\n• قال ابن عطية: قال جمهور المفسرين: معنى هذه الآية: وما كان في إذن الله وفي أمره للمؤمن أن يقتل مؤمنًا بوجه، ثم استثنى منقطعًا ليس من الأول، وهو الذي تكون فيه إلا بمعنى لكن، والتقدير لكن الخطأ قد يقع.\n• فيه أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قتل عمد، وقتل شبه عمد، وقتل خطأ.\nوعلى هذا التقسيم أكثر العلماء.\nالعمد: أن يقصد من يعلمه آدميًا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به.\n• من صور القتل العمد:\nأن يضربه بمحدد: وهو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين.\nأن يضربه بحجر كبير ونحوه: أي بمثقل، لا بحجر صغير، لأن الحجر الصغير لا يقتل غالبًا.\nأن يلقيه من شاهق أو في نار أو يلقي عليه حائط.\nأن يخنقه بحبل.\nأو يقتله بسحر يقتل غالبًا، قال في المغني (فيلزمه القود لأنه قتله بما يقتل غالبًا فاشبه ما لو قتله بسكين).\nأن يقتله بسم: بأن يطعمه السم.\nقتل شبه العد: أن يقصد جناية لا تقتل غالبًا في غير مقتل.\nكمن ضربه في غير مقتل بسوط أو عصا صغيرة.\n• قلنا (في غير مقتَل) لأن الضرب بمقتل ولو كان بشيء صغير حقير فإنه يعتبر قتل عمد كالقلب أو من النخاع.\n• سمي بذلك: لتردده بين هذين النوعين (الخطأ والعمد).","vol":"5","page":201},{"text":"• فالفرق بين القتل العمد وشبه العمد:\nأنهما يشتركان في قصد الجناية، ويختلفان في الآلة التي حصلت الجناية بها.\nقتل الخطأ وهو: أن يفعل ماله فعله، مثل أن يرمي صيدًا أو هدفًا فيصيب آدميًا معصومًا لم يقصده فيقتله.\nبمباشرة: كأن يرمي صيدًا فيصيب آدميًا.\nبسبب: كأن يحفر حفرة في طريق الناس فيقع فيها إنسان.\n• ثم بين تعالى حكم من قتل مؤمنًا خطأ:\n(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا) سواء كان كبيرًا أم صغيرًا، ذكرًا أو أنثى، عاقلًا أو مجنونًا.\n(خَطَأً) أي: قتْلًا خطأ.\n(فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: فعليه تحرير رقبة.\n• معنى (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أي: تخليص رقبة مؤمنة من الرق.\n• والمراد بالرقبة في الآية النفس الكاملة، وإنما عبر عن النفس بالرقبة، لأن الجسد لا يمكن أن يقوم بدونها، ولو قطعت رقبته لمات.\n• (مؤمنة) فيشترط أن تكون الرقبة مؤمنة.\n(وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) الواو حرف عطف، أي: وعليه دية (مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) أي: مؤداة مدفوعة إلى ورثته الذين يرثون ما خلف، ومن ذلك ديته.\n• والدية: ما يعطى عوضًا عن دم القتيل إلى أوليائه جبرًا لقلوبهم، وعوضًا عما فاتهم من قريبهم.\n(إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) أي: يعفوا عن الدية فتسقط.\n• وإنما سمي العفو عن الدية وإسقاطها تصدقًا ترغيبًا فيه.\n• قال الآلوسى: قوله تعالى (إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ) أي: يتصدق أهله عليه، وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه.","vol":"5","page":202},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1648> مباحث قتل الخطأ:</span>\nتعريفه: هو أن يفعل ماله فعله، مثل أن يرمي صيدًا أو هدفًا فيصيب آدميًا معصومًا لم يقصده فيقتله.\nبمباشرة: كأن يرمي صيدًا فيصيب آدميًا.\nبسبب: كأن يحفر حفرة في طريق الناس فيقع فيها إنسان.\n• القتل الخطأ يوجب أمران:\nالأول: الكفارة على القاتل.\nالثاني: الدية وتكون على عاقلته.\n• الكفارة: هي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجدها أو لم يجد ثمنها فعليه صيام شهرين متتابعين.\n• يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة، لأن الآية نص في ذلك.\n• هذه الكفارة على الترتيب.\n• الراجح من أقوال العلماء: أنه إذا لم يجد عتق رقبة، ولم يستطع صيام شهرين متتابعين، فإنه لا يطعم، لأن ذلك لم يذكر في الآية.\n• مما يجب في قتل الخطأ الدية، وتكون على عاقلة القاتل بالإجماع.\nولأن الخطأ يكثر وقوعه، فلو أوجبنا الدية على الجاني لأجحف ذلك في ماله.\nوالعاقلة: وهم عصبته والمراد بالعصبة بالنفس، فيدخل فيهم: آباؤه وأبناؤه وإخوته وعمومتهم وبنوهم.\nوسميت بذلك: لأن الإبل تجمع فتعقل بفناء أولياء المقتول لتسلم إليهم، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، إبلًا أو نقدًا، وقيل سموا عاقلة لأنهم يمنعون عن القاتل من أن يعتيد عليه أحد.\n• ويشمل القريب والبعيد منهم، فكلهم يشتركون في العقْل.\n• وحاضرهم وغائبهم.\n• ولا عقل على رقيق:\nأولًا: لأنه ليس من أهل النصرة، ثانيًا: أنه لا مال له، لأن مال المملوك لسيده.\n• ولا على غير مكلف كالصغير والمجنون.\nلقوله -ﷺ- (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق) رواه أبو داود.\nولأنهما ليسا من أهل النصرة.\n• ولا على فقير.\nلأنه ليس عنده مال.\n• ولا على أنثى.\nلأنها ليست من أهل النصرة.","vol":"5","page":203},{"text":"• ويجتهد الحاكم في تحميل كل منهم ما يناسبه، فيحمل الأقرب أكثر من الأبعد، والغني أكثر ممن دونه وهكذا، ولو اتفقت العاقلة فيما بينهم على تقدير معين جاز، لأن الأمر راجع إليهم.\nوالمذهب: أن الجاني ليس عليه شيء من الدية ولو كان غنيًا، والقول الآخر في المذهب: أنه يحمل مع العاقلة، لأنهم حملوا بسببه، ولا ينافي ذلك أن الشارع جعل الدية على العاقلة، فإنها من باب التحمل، وهذا اختيار الشيخ السعدي ﵀.\n(فَإِنْ كَانَ) المقتول.\n(مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) أي: من قوم أعداء لكم، وهم الكفار المحاربون.\n(وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي: والحال أنه مؤمن.\n(فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: فعليه تحرير رقبة مؤمنة.\nوالمعنى: وإذا كان القتيل من قوم كفار محاربين فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة فقط، ولم يذكر الدية هنا، لأنه لا دية على القاتل، لأن أهل المقتول كفار محاربون، لا عهد لهم ولا ذمة.\n• إن كان أولياء القتيل كفار فلا يصح أن تدفع إليهم لأمرين:\nالأمر الأول: أنهم قد يتقوون بها على حرب المسلمين.\nالأمر الثاني: أنه هو مؤمن وهم كفار، والكافر لا يرث المؤمن.\n(وَإِنْ كَانَ) المقتول.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ) هذا في الذمِّي والمعاهد يقتل خطأ فتجب الدية والكفارة؛ قاله ابن عباس والشَّعْبِيّ والنَّخَغِيّ والشافعيّ.\nواختاره الطبريّ قال: إلا أن الله ﷾ أبهمه ولم يقل وهو مؤمن، كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب.\nوإطلاقه ما قيّد قبلُ يدلّ على أنه خلافه.\n(مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) أي: بينكم أيها المؤمنون (وبينهم) أي: هؤلاء الكفار (ميثاق) أي: عهد موثق.\n• وسمي العهد ميثاقًا، لأنه بمنزلة الحبل، يوثق به المأسور ويربط به.\n(فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) أي: فعلى القاتل دية مسلمة إلى أهل المقتول.\n• ولم يقل هنا (إلا أن يصدقوا) لأن الصدقة إنما هي معتبرة من أهل الإيمان، وأيضًا فإنه لا ينبغي أن يذل المؤمن ويكون عليه منّة من أهل الكفر، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، لكن لو عفا أهل المقتول فلهم ذلك.\n(وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) وتحرير وتخليص رقبة بشرط أن تكون مؤمنة.","vol":"5","page":204},{"text":"(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي: لم يجد الرقبة، بأن تكون معدومة، وإما أن يكون ثمنها معدومًا.\n(فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أي: فعليه صيام شهرين متتابعين بحيث لا يفطر بينهما ولا يقطعهما بإفطار يوم أو اكثر في اثنائها من غير عذر شرعي.\n• وسواء بدأ الصيام من أول الشهر أو من وسطه أو من آخره ويحسب شهرين متتابعين، فإن أفطر بينهما من غير عذر شرعي استأنف.\n(تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) قال الطبري: أي: تجاوزًا من الله لكم إلى التيسير عليكم بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين.\n• والتوبة: الرجوع إلى الله من المعصية إلى الطاعة.\n(وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1649>الفوائد:</span>\n١ - امتناع قتل المؤمن للمؤمن عمدًا.\n٢ - حكمة الشرع في التفريق بين القتل الخطأ والعمد.\n٣ - أن القتل أنواع.\n٤ - فضل العتق وعلو منزلته.\n٥ - اشتراط الإيمان في عتق الرقاب.\n٦ - جواز إعتاق الذكر والأنثى في كفارة القتل.\n٧ - تعظيم القتل.\n٨ - وجوب الدية في قتل الخطأ.\n٩ - أنه يجب على من وجب عليه الدية أن يصلها إلى أهله.\n١٠ - أن العفو عن الدية من الصدقة.\n١١ - وجوب الكفارة في قتل من بيننا وبينهم ميثاق إن كانوا غير مسلمين.\n١٢ - أن من لم يجد الرقبة أو ثمنها فعليه صيام شهرين متتابعين. (السبت/ ٢٥/ ٥/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1650>(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣».</span> [النساء: ٩٣].\n<hr><s0>\n\n(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا) هذا تهديد شديد ووعد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله، في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه ي سورة (الفرقان) (وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلّا بِالْحَق) الآية، وقال تعالى (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا) الآية، والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدًا. (ابن كثير).\n(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا) يعم كل مؤمن، سواء كان ذكرًا أو أنثى حرًا أم عبدًا.\n(مُتَعَمِّدًا) أي: قتل عن عمد، وذلك بأن يكون قاصدًا القتل، وبآلة تقتل غالبًا، كالسيف، والحجر الكبير، والخنق، والسحر، والإلقاء من شاهق.\nوهذا النوع الثاني من أنواع القتل، وهو قتل العمد.\n(فَجَزَاؤُهُ) أي: عقوبته التي يجازى بها.\n(جَهَنَّمُ) أي: نار جهنم، سميت بذلك لجهمتها وظلمتها وبعد قعرها.\n(خَالِدًا فِيهَا) أي: خالدًا في جهنم، وسيأتي الجواب عن المراد بهذا الخلود، وأن المراد بها المكث الطويل.\n(وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) الغضب أبلغ من العقوبة، لأن الله إذا غضب فإنه لا يكلم من غضب عليه، ولا يرحمه كما يرحم غيره، وينتقم منه بما يقتضيه ذنبه لقوله تعالى (فلما آسفونا انتقمنا منهم) أي: لما أغضبونا انتقمنا منهم.\n(وَلَعَنَهُ) أي: وطرده وأبعده عن رحمته.\n(وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) أي: هيأ له عذابًا عظيمًا، لا يعلم مقدار عظمته سوى الله.\n• في الآية عظم ذنب القتل العمد.\nوقتل العمد ذنب عظيم وجرم كبير.\nقال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).","vol":"5","page":206},{"text":"وقال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ).\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ …).\nوقال -ﷺ- (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).\nعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ). قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) متفق عليه.\nوعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: سُئِلَ النَّبِىُّ -ﷺ- عَنِ الْكَبَائِرِ قَالَ (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّور). رواه البخاري\nوعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- (أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى الدِّمَاء) متفق عليه.\nوعن جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِىُّ -ﷺ- فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ: اسْتَنْصِتِ النَّاسَ. ثُمَّ قَالَ (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) متفق عليه.\nوعَبْدُ اللَّهِ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قَالَ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قَالَ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ تَصْدِيقَهَا (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) متفق عليه.\n• معنى قوله تعالى (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).\nقيل: المعنى من قتل نبيًا أو إمام عادل فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعًا.\nوقيل: من قتل نفسًا واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعًا.\nوقيل: المعنى فكأنما قتل الناس جميعًا عند المقتول، ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعًا عند المستنقذ، وقيل غير ذلك.\nقال ابن القيم: إن هذا تشبيه ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبه مثل المشبه به في كل شيء، فإن من المعلوم قطعًا أن إثم من قتل مائة أعظم من إثم من قتل نفسًا واحدة، فليس المراد التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة وإنما كون كل منهما:\nعاص لله ولرسوله، مخالف لأمره متعرض لعقوبته.","vol":"5","page":207},{"text":"أنهما سواء في استحقاق القصاص.\nأنهما سواء في الجرأة على سفك الدم الحرام.\nأن كلًا منهما يسمى فاسقًا عاصيًا بقتله نفسًا واحدة.\n• القاتل عمد مسلم وليس بكافر، لكنه مسلم ناقص الإيمان، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.\nلقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) والشاهد قوله (من أخيه) فأثبت الله له وصف الأخوة وهي الأخوة الإيمانية مع أنه قاتل.\nوقال تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ....) فسمى الله الفئة العادلة والفئة الباغية مؤمنين.\n• فإن قيل ما الجواب عن قوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)؟\nفالجواب:\nقيل: إن الآية على ظاهرها، لكن قد يوجد مانع يمنع من ذلك.\nوهذا اختيار النووي وابن تيمية وابن القيم والسفاريني والسعدي.\nوقيل: إن هذا جزاؤه إن جازاه.\nوهذا اختيار الطبري، والشنقيطي، واستحسنه ابن كثير.\nقال الطبري: وَأَوْلَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ إِنْ جَزَاهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا، وَلَكِنَّهُ يَعْفُو أَوْ يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، فَلَا يُجَازِيهِمْ بِالْخُلُودِ فِيهَا، وَلَكِنَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ إِمَّا أَنْ يَعْفُوَ بِفَضْلِهِ فَلَا يُدْخِلُهُ النَّارَ، وَإِمَّا أَنْ يُدْخِلَهُ إِيَّاهَا ثُمَّ يُخْرِجَهُ مِنْهَا بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ لِمَا سَلَفَ مِنْ وَعْدِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).\nوقيل: إن هذا وعيد، وإخلاف الوعيد لايذم بل يمدح.\nوذهب إلى هذا الواحدي.\nوقيل: حمل الآية على عمومها، وتفسير الخلود بمعنى: المكث الطويل، اعتمادًا على ما ورد في كلام العرب من إطلاق الخلود على غير معنى التأبيد، كقولهم: لأخلدن فلانًا في السجن، وقولهم: خلد الله ملكه.\nورجح هذا القول ابن حزم، ومحمد رشيد رضا، وابن عثيمين، وذهب إليه الرازي، وأبو السعود.\nوقيل: إن الآية للتشديد والتخويف والتغليظ في الزجر عن قتل المؤمن.\nوقيل: إن هذه الآية في القاتل المستحل.\nوقال بهذا عكرمة.","vol":"5","page":208},{"text":"• هل للقاتل عمدًا توبة أم لا؟\nجماهير أهل العلم على أن له توبة كغيره من الذنوب.\nقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه إن جزاه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضَّل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إيّاها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى\nأَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).\nوقال ابن كثير: والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه ﷿، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملًا صالحًا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته.\nوقال النووي: هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدًا، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس.\nلقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).\nقال ابن كثير: فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك.\nوقال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).\nقالوا: فهذا عام في جميع الذنوب، من كفر، وشرك، ونفاق، وقتل، وفسق وغير ذلك، كل من تاب من أي ذنب تاب الله عليه.","vol":"5","page":209},{"text":"وعن أبي سعيد أنّ نَبِيَّ الله -ﷺ- قَالَ (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ. فقال: إنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلهُ فَكَمَّلَ بهِ مئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلى أرضِ كَذَا وكَذَا فإِنَّ بِهَا أُناسًا يَعْبُدُونَ الله تَعَالَى فاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، ولَا تَرْجِعْ إِلى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذَابِ. فَقَالتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا، مُقْبِلًا بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَمًا - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الأرضَينِ فَإلَى أيّتهما كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلى الأرْضِ التي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحمةِ). مُتَّفَقٌ عليه\nوفي رواية في الصحيح (فَكَانَ إلى القَريَةِ الصَّالِحَةِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجُعِلَ مِنْ أهلِهَا).\nوفي رواية في الصحيح (فَأَوحَى الله تَعَالَى إِلى هذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وإِلَى هذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وقَالَ: قِيسُوا مَا بيْنَهُما، فَوَجَدُوهُ إِلى هذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ). وفي رواية: (فَنَأى بصَدْرِهِ نَحْوَهَا).\nقالوا: وإذا كان هذا في بني إسرائيل، فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم.\nوقالوا: إذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر - وهما أعظم إثمًا من القتل - فكيف تقصر عن محو أثر القتل.\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:\n\" فإن قلت: ماذا تقول فيما صح عن ابن عباس ﵄: أن القاتل ليس له توبة؟!\nفالجواب: من أحد الوجهين:\nإما أن ابن عباس ﵄ استبعد أن يكون للقاتل عمدا توبة، ورأى أنه لا يوفق للتوبة، وإذا لم يوفق للتوبة، فإنه لا يسقط عنه الإثم، بل يؤاخذ به.\nوإما أن يقال: إن مراد ابن عباس: أن لا توبة له فيما يتعلق بحق المقتول. (مجموع الفتاوى).\nوقد صح عن ابن عباس - أيضا - أن له توبة؛ فروى الطبري (٩/ ٦٧) عنه قال: \" ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله \".\nقال الشيخ الألباني ﵀: \" أخرجه ابن جرير بسند جيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1651>الفوائد:</span>\n١ - أن قتل المؤمن عمدًا من كبائر الذنوب.\n٢ - أن قاتل المؤمن متعمدًا جرمه وذنبه كبير.\n٣ - إثبات الغضب لله تعالى.\n٤ - عظم عذاب النار.","vol":"5","page":210},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1652>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).</span> [سورة النساء: ٩٤].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بقلوبهم وعملوا بجوارحهم.\n(إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: إذا سافرتم في الأرض للجهاد في سبيل الله.\n(فَتَبَيَّنُوا) وفي قراءة أخرى (فتثبتوا) والمعنى: لا تعجلوا وتبينوا حتى ينبين لكم المؤمن من الكافر.\n(وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس قال: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله: عرض الحياة الدنيا.\n• قوله تعالى (أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ) وفي قراءة (السلم) أي: الإسلام.\n• قوله تعالى (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) والمراد الغنيمة، وسمي متاع الدنيا عرضًا لأنه يزول ويذهب.\n(فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) أي: خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام وأظهر إليكم الإيمان، فتغافلتم عنه واتهمتوه بالمصانعة والتقية، لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من مال هذا.\n• أن الأحكام على الناس تجري على الظاهر وأما باطنهم فإلى الله.\n• قال الشوكاني ﵀: والمراد هنا: لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمنًا فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل هما بمعنى الإسلام: أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال السلام عليكم: لست مؤمنًا والمراد نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذًا وتقية.\nوقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - (فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى: فتبينوا ولو كان لا يقتل إذا قالها للتثبت معنى، إلى أن يقول: (وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك.\nعن أسامة. (قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِى نَفْسِى مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ». قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ. قَالَ «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا». فَمَازَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَىَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّى أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذ). متفق عليه","vol":"5","page":211},{"text":"قال النووي: وقوله -ﷺ- (… أفلا شققت عن قلبه ..) فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر. ا. هـ.\nوقال ابن حجر في فتح الباري: وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر.\nوَكَذَا قال ابن عبد الْبَرِّ في التَّمْهِيدِ: أَجْمَعُوا أَنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا على الظَّاهِرِ وَأَنَّ أَمْرَ السَّرَائِرِ إلَى اللَّهِ\nوقال -ﷺ- (إِنِّى لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُم) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله).\nوالشاهد من الحديث قوله (وحسابهم على الله).\nقال ابن رجب: وأما في الآخرة فحسابه على الله ﷿، فإن كان صادقًا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار.\nوقال الحافظ في الفتح: أي أمر سرائرهم … وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر.\nوقال الإمام البغوي: وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضًا إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن من أظهر شعار الدين أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون فيما بين قتلى غلف، عزل عنهم في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد المسلمين حكم بإسلامه.\nوأما في الآخرة فالأحكام تجري على ما في القلوب.\nقال تعالى (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ).\nوقال تعالى (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ. وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ).\nفلذلك على الإنسان أن يعتني بعمل القلب أكثر مما يعتني بعمل الجوارح.\n(كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) قيل: كنتم تخفون إيمانكم من المشركين كما استخفى هذا الراعي بإيمانه، وها اختيار ابن جرير، وقيل: كنتم مشركين ولم تكونوا مؤمنين.","vol":"5","page":212},{"text":"• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (كذلك كنتم من قبل) فيه ثلاثة أقوال.\nأحدها: أن معناه: كذلك كنتم تأمنون من قومكم المؤمنين بهذه الكلمة، فلا تُخيفوا من قالها، رواه أبو صالح عن ابن عباس.\nوالثاني: كذلك كنتم تُخفون إِيمانكم بمكة كما كان هذا يخفي إِيمانه، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.\nوالثالث: كذلك كنتم من قبل مشركين، قاله مسروق، وقتادة، وابن زيد.\n(فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بإظهار دينه وإعزاز أهله.\n(فَتَبَيَّنُوا) تأكيد للأمر الأول.\n(إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) فلا يخفى عليه شيء.\nوالخبير: العليم ببواطن الأمور.\n\n<span data-type='title' id=toc-1653>الفوائد:</span>\n١ - وجوب التثبت بالأمور.\n٢ - أن الواجب علينا معاملة الخلق بالظاهر.\n٣ - علم الله ﷾ ببواطن الأمور.\n٤ - وجوب مراقبة الله.","vol":"5","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1654>(لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (٩٦».</span> [النساء: ٩٥ - ٩٦].\n<hr><s0>\n\n(لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) أي: لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان وبرسوله، المؤثرون الدعة والخفض والقعود في منازلهم على مقاساة حُزُونة الأسفار والسير في الأرض، ومشقة ملاقاة أعداء الله بجهادهم في ذات الله، وقتالهم في طاعة الله، إلا أهل العذر منهم بذهاب أبصارهم وغير ذلك من العلل التي لا سبيل لأهلها - للضرر الذي بهم - إلى قتالهم وجهادهم في سبيل الله.\n(وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ومنهاج دينه، لتكون كلمة الله هي العليا، المستفرغون طاقتهم في قتال أعداء الله وأعداء دينهم.\n(بِأَمْوَالِهِمْ) انفاقًا لها فيما أوهَن كيد أعداء أهل الإيمان بالله\n(وَأَنْفُسِهِمْ) مباشرة بها قتالهم، بما تكون به كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السافلة.\n• وفي هذه الآية فضل عظيم للمجاهدين في سبيل الله، وقد تقدمت أحاديث كثيرة في فضله:\nففي هذه الآية نفى ﷾ التسوية بين المؤمنين المجاهدين وغير المجاهدين.\nقال -ﷺ- (لَغَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- (إنَّ في الجنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ).\nعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِىِّ -ﷺ- مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﷿ قَالَ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ». قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ». وَقَالَ فِى الثَّالِثَةِ «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) متفق عليه.","vol":"5","page":214},{"text":"وعن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ (كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ رَجُلٌ مَا أُبَالِى أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإِسْلَامِ إِلاَّ أَنْ أُسْقِىَ الْحَاجَّ. وَقَالَ آخَرُ مَا أُبَالِى أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإِسْلَامِ إِلاَّ أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. وَقَالَ آخَرُ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ …). رواه مسلم\n• قوله تعالى (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) روى البخاري من حديث سهل بن سعد أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله -ﷺ- أملى عليه (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فجاء ابن أم مكتوم وهو يُملها عليّ قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى - فأنزل الله على رسول الله -ﷺ- وفخذُه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن تُرض فخذي، ثم سُري فأنزل الله: غير أولي الضرر).\n• والضرر بينه الله تعالى في قوله تعالى (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج).\n• قوله تعالى (بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ) في كثير من الآيات يقدم الله الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس.\nكما قال تعالى (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).\nوقال تعالى (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).\nوقال تعالى (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا).\nوقال تعالى (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ\nبَعْضٍ …).","vol":"5","page":215},{"text":"إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم).\n• من حِكَمِ تقديم المال على النفس في أقوال العلماء:\nقال بعض العلماء لسببين:\nالسبب الأول: أنه أهون على الإنسان.\nالسبب الثاني: قد يكون نفعه أكثر.\nوقال الآلوسي - ﵀ - لعل تقديم الأموال على الأنفس لِمَا أن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعًا، وأتم دفعًا للحاجة؛ حيث لا يُتصَوَر المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال، وقيل: ترتيب هذه المتعاطفات في الآية على حسب الوقوع؛ فالجهاد بـ (المال) لنحو التأهب للحرب، ثم الجهاد بالنفس.\nوقال ابن حيان - ﵀ - تقديم الأموال على الأنفس؛ لأن المجاهد بائع، فأخَّر ذكرها تنبيهًا على أنَّ المضايقة فيها أشد؛ فلا يرضى ببذلها إلا في آخِر المراتب، والمشتري قُدِّمت له النفس تنبيهًا على أنَّ الرغبة فيها أشد، وإنما يرغب أولًا في الأَنْفَسِ الغالي.\nوقال صاحب البرهان - ﵀ - وجه التقديم أن الجهاد يستدعي تقديم إنفاق الأموال أولًا؛ فهو من باب السبق بالسببية.\nوقال ابن القيم - ﵀ - في حكمة تقديم المال على النفس:\nأولًا: هذا دليل على وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، فإذا دهم العدو وجب على القادر الخروج بنفسه، فإن كان عاجزًا وجب عليه أن يكتري بماله.\nومن تأمَّل أحوال النبي -ﷺ- وسيرته في أصحابه -﵁- وأَمْرَهم بإخراج أموالهم في الجهاد، قطع بصحة هذا القول. والمقصود: تقديم المال في الذكر، وأن ذلك مشعِرٌ بإنكارِ وَهْمِ مَنْ يتوهم أن العاجز بنفسه إذا كان قادرًا على أن يغزو بماله لا يجب عليه شيء؛ فحيث ذكر الجهاد قدَّم ذكر المال؛ فكيف يقال: لا يجيب به؟\nولو قيل: إن وجوبه بالمال أعظم وأقوى من وجوبه بالنفس، لكان هذا القول أصحَّ من قول من قال: لا يجب بالمال، وهذا بَيِّن، وعلى هذا فتظهر الفائدة في تقديمه في الذكر.\nوفائدة ثانية: على تقدير عدم الوجوب؛ وهي أن المال محبوب النفس ومعشوقها التي تبذل ذاتَها في تحصيله وترتكب الأخطار وتتعرض للموت في طلبه، وهذا يدل على أنه هو محبوبها ومعشوقها، فندب الله - تعالى - محبِّيه المجاهدين في سبيله إلى بذل معشوقهم ومحبوبهم في مرضاته؛ فإن المقصود أن يكون الله هو أحب شيء إليهم، ولا يكون في الوجود شيء أحبَّ إليهم منه، فإذا بذلوا محبوبهم في حبه نقلهم إلى مرتبة أخرى أكمل منها؛ وهي بذل نفوسهم له؛ فهذا غاية الحب؛ فإن الإنسان لا شيء أحبَّ إليه من نفسه، فإذا أحب شيئًا بذل له محبوبه من نفسه وماله، فإذا آل الأمر إلى بَذْلِ نفسه ضنَّ بنفسه وآثرها على محبوبه.","vol":"5","page":216},{"text":"• قال الزمخشرى: فإن قلت: معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، فما فائدة نفي الاستواء؟\nقلت: معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته، ونحوه (هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لَا يَعْلَمُونَ) أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم، ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم.\n• وفي هذا دليل على أن أهل الأعذار لهم من الفضل - إن حسنت نواياهم - مثل من باشر الجهاد والعمل ويدل لذلك:\nقوله -ﷺ- (إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم حبسهم المرض) رواه مسلم.\n• قال الشنقيطي: قوله في هذه الآية الكريمة (غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ) يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة يحصل ثواب المجاهد.\nوهذا المفهوم صرح به النَّبي -ﷺ- في حديث أنس الثابت في الصحيح أن رسول الله -ﷺ- قال: \" إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واديًا إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم حبسهم العذر.\n(فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً) المراد بالدرجة المنزلة العالية والفضيلة الكبرى.\n(وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) أي: وكلًا من المجاهدين والقاعدين وعدهم الله الجزاء الحسن في الآخرة.\n• والحسنى الجنة كما فسر ذلك النبي في قوله تعالى (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة).\n• وهذا احتراز حتى لا يتوهم متوهم أن القاعد لا أجر له:\nوهذا كقوله (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى).\nوكقوله تعالى (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا).","vol":"5","page":217},{"text":"وكقوله (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير).\n• قال ابن كثير: وفي هذا أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية.\n(وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) المراد بالقاعدين هنا: القاعدون من غير أولي الضرر، والمعنى: فضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين بغير عذر بالثواب الوافر العظيم.\nكما قال -ﷺ- (أعد الله للمجاهدين في سبيله مائة درجة …) رواه البخاري.\n(دَرَجَاتٍ مِنْهُ) أي: منازل بعضها أعلى من بعض.\n(وَمَغْفِرَةً) أي: مغفرة للذنوب.\n(وَرَحْمَةً) أي: تيسيرًا للمطلوب، وباجتماع المغفرة زالرحمة يزول المرهوب ويحصل المطلوب.\n(وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا) يغفر الزلات والخطيئات مهما عظمت وكثرت.\n(رَحِيمًا) ومن رحمته أنه يقبل التوبة، ويغفر الزلة، ويفرح بتوبة التائبين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1655>الفوائد:</span>\n١ - نفي التساوي بين الناس.\n٢ - فضل المجاهدين في سبيل الله.\n٣ - أن من قعد عن الجهاد لعذر، فإنه له أجر الجهاد.\n٤ - البشارة العامة للمؤمنين من القاعدين والمجاهدين بالحسنى.\n٥ - الجهاد فرض كفاية.\n٦ - الحث على الجهاد في سبيل الله.\n٧ - إثبات هذين الاسمين وهما: الغفور والرحيم. … (٣/ ٦/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1656>(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩».</span> [النساء: ٩٧ - ٩٩].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ) أي: تقبض أرواحهم.\n• قال الشنقيطي: أَسْنَدَ هُنَا - جَلَّ وَعَلَا - التَّوَفِّيَ لِلْمَلَائِكَةِ فِي قَوْلِهِ (تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ) وَأَسْنَدَهُ فِي (السَّجْدَةِ)، لِمَلَكِ الْمَوْتِ فِي قَوْلِهِ (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ)، وَأَسْنَدَهُ فِي (الزُّمَرِ) إِلَى نَفْسِهِ - جَلَّ وَعَلَا - فِي قَوْلِهِ (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا (دَفْعَ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ) فِي سُورَةِ «السَّجْدَةِ»: أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِسْنَادُهُ التَّوَفِّي لِنَفْسِهِ; لِأَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا)، وَأَسْنَدَهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ; لِأَنَّ لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَعْوَانًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَنْزِعُونَ الرُّوحَ مِنَ الْجَسَدِ إِلَى الْحُلْقُومِ فَيَأْخُذُهَا مَلَكُ الْمَوْتِ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.\n(ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي: بترك الهجرة.\n• قال القرطبي: المراد بها جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي -ﷺ- الايمان به، فلما هاجر النبي -ﷺ- أقاموا مع قومهم وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار، فنزلت الآية. وقيل: إنهم لما استحقروا عدد المسلمين دخلهم شك في دينهم فارتدوا فقتلوا على الردة، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا على الخروج فاستغفروا لهم، فنزلت الآية. والأول أصح.\n(قَالُواْ) أي: الملائكة.\n(فِيمَ كُنتُمْ) أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؟\n(قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ) أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض.\n(قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا) هذا الاستفهام للتوبيخ والتقرير، يعني: أرض الله واسعة، فلماذا لا تهاجروا؟\n• والهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.\n(فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ) أي: مصيرهم.\n(جَهَنَّمُ) أي: النار.\n(وَسَاءتْ مَصِيرًا) أي: ساءت مردًا ومرجعًا.","vol":"5","page":219},{"text":"• وحكم الهجرة ينقسم إلى أقسام:\nالأول: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبة.\nالثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين بها ومعاونتهم وجهاد الكفار والراحة من رؤية المنكر بينهم.\nالثالث: عاجز بعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة.\n(إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ) أي: الذين أصابهم الضعف من الرجال والنساء والولدان.\n(لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) أي: لا يستطيعون الخلاص\n(وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) أي: ولا يهتدون الطريق الموصل لدار الهجرة.\n(فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ) قال البغوي: يتجاوز عنهم، وعسى من الله واجب، لأنه للإطماع، والله تعالى إذا أطمع عبدًا أوصله إليه.\n• ومن هؤلاء المستضعفين: ابن عباس وأمه.\nعن ابْنَ عَبَّاسٍ - ﵄ - قال (كُنْتُ أَنَا وَأُمِّى مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ، وَأُمِّى مِنَ النِّسَاءِ) رواه البخاري.\nوفي رواية (كنت أنا وأمي ممن عذر).\nومنهم عياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد.\nفعن أبي هريرة. قَالَ (كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- يَدْعُو فِى الْقُنُوتِ: اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِنِى يُوسُف). متفق عليه\nوالعفو: التجاوز عن الذنب، ولا يكون ممدوحًا إلا مع القدرة.\n(وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا) اسم من أسماء الله تعالى.\nمعناه: العفو التجاوز عن عباده في ترك واجب وفعل مرم.\n• ومن كمال عفوه: أنه مهما أسرف الإنسان على نفسه ثم تاب إليه ورجع غفر له قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).\n• ولولا كمال عفوه، وسعة حلمه ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب ولا نفس تطرف (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ).\n• وعفو الله عفو كامل لأنه مقرون بالقدرة كما قال هنا (عفوًا قديرًا) بخلاف عفو غيره فقد يكون للعجز، أي: العجز عن الأخذ بالثأر.","vol":"5","page":220},{"text":"• وقد حث تعالى على العفو كما تقدم:\nمنها: قوله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).\nوقوله تعالى (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).\nوقوله تعالى (فمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).\nوقوله تعالى (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).\nوقال -ﷺ- (وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) رواه مسلم.\nقال النووي في معناه:\nأحدهما: أنه على ظاهره، وأن من عُرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه وإكرامه.\nوالثاني: أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك\n(غَفُورًا) الغفور: ذو مغفرة واسعة كما قال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) وقال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ).\n• قال السعدي: الغفور: الذي لم يزل يغفر الذنوب ويتوب على كل من يتوب.\n• قال ابن القيم:\nوهو الغفور فلو أتى بقرابها من غير شرك بل من العصيان\nلأتاه بالغفران ملء قرابها سبحانه هو واسع الغفران\nوالمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله -ﷺ- قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه - ﷿ - حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم.\nومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام.","vol":"5","page":221},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1657> الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:</span>\nأولًا: محبة الله وحمده وشكره على رحمته لعباده وغفرانه لذنوبهم.\nثانيًا: فتح باب الرجاء والمغفرة للشاردين عن الله تعالى والمسرفين على أنفسهم، فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك واسع المغفرة)، وقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى)، بل من فضله وجود وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).\nثالثًا: الإكثار من الأعمال الصالحة والحسنات لأنها من أسباب الحصول على مغفرة الله للسيئات السالفة، قال سبحانه (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى).\nرابعًا: أن كونه سبحانه غفورًا وغفارًا للذنوب لا يعني أن يسرف المسلم في الخطايا والذنوب ويتجرأ على معصية الله تعالى بحجة أن الله غفور رحيم، لأن المغفرة لا تكون إلا بشروطها وانتفاء موانعها قال سبحانه (إنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا).\nخامسًا: سؤال الله ﷿ بهذا الاسم الكريم مغفرة الذنوب ووقاية شرها، لأنه سبحانه وحده الذي يملك غفران الذنوب، ولا يملك ذلك أحد سواه.\nسادسًا: مجاهدة النفس على التخلق بخلق الصفح عن الناس وستر أخطائهم وعوراتهم والاهتداء بهدي القرآن الكريم الذي يأمر بالعفو عن الناس ومقابلة السيئة بالحسنة، قال سبحانه في وصف المتقين (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1658>الفوائد:</span>\n١ - إثبات الملائكة.\n٢ - أن لكل ملك وظيفة.\n٣ - وجوب الهجرة من ديار الشرك لمن لا يقدر على إقامة دينه.\n٤ - أن وجوب الهجرة مشروط بالقدرة.\n٥ - أن التخلف عن الهجرة الواجبة من كبائر الذنوب.\n٦ - عفو الله عن هؤلاء الصنف من الناس في تركهم للهجرة.\n٧ - أن الدين الإسلامي دين اليسر والسهولة.\n٨ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العفو والغفور.\n(الأحد: ٤/ ٦/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1659>(وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٠٠».</span> [النساء: ١٠٠].\n<hr><s0>\n\n(وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن يه.\n• فمن هاجرفي سبيل الله: ويكون في سبيل الله بشرطين: الهجرة لله إخلاصًا لا لهدف آخر، ويكون متابعًا للرسول -ﷺ-.\n(يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا) قيل: المراغم التحول من أرض إلى أرض، وقيل: متزحزحًا عما يكره.\n• قال ابن كثير: وهذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه.\n• وقال السعدي: هذا في بيان الحث على الهجرة والترغيب، وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادق في وعده أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته، أنه يجد مراغمًا في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، والسعة على مصالح الدنيا.\n• قال ابن كثير: قوله تعالى (مُرَاغَمًا كَثِيرًا) والظاهر - والله أعلم - أنه التمنع الذي يُتحصن به، ويراغم به الأعداء.\n• وقال القرطبي: وهذا كله تفسير بالمعنى، وكله قريب بعضه من بعض؛ فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا، وهو أن يرغِم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده؛ فكأن كفار قريش أرغموا أُنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أُنوف قريش لحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة.\nوقال: وهو مشتق من الرِّغام، ورَغِم أنف فلان أي لَصِق بالتراب، وراغمت فلانًا هجرته وعاديته، ولم أُبالِ إن رغِم أنفه.\n• وقال الرازي: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سببًا لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية، وذلك لأن من فارق وذهب إلى بلدة أجنبية فإذا استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك، وحمل اللفظ على هذا أقرب من حمله على ما قالوه، والله أعلم.\n(وَسَعَةً) يعني الرزق.\nقيل: أي في الرزق، وقال قتادة: المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العَيْلَة إلى الغنى.\nوقال مالك: السعة سعة البلاد.","vol":"5","page":223},{"text":"• قال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ أن من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطرَبًا ومتَّسعًا. وقد يدخل في\"السعة\"، السعة في الرزق، والغنى من الفقر، ويدخل فيه السعة من ضيق الهمِّ والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني\"السعة\"، التي هي بمعنى الرَّوْح والفرَج من مكروهِ ما كره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظَهْري المشركين وفي سلطانهم. ولم يضع الله دِلالة على أنه عنى بقوله: \"وسعة\"، بعض معاني\"السعة\"\nالتي وصفنا. فكل معاني\"السعة\" التي هي بمعنى الرَّوح والفرج مما كانوا فيه من ضيق العيش، وغم جِوار أهل الشرك، وضيق الصدر بتعذّر إظهار الإيمان بالله وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة، داخلٌ في ذلك.\n• وقال لرازي: كأنه قيل: يا أيها الإنسان إنك كنت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفًا من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر، فلا تخف فإن الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة والمراتب العظيمة في مهاجرتك ما يصير سببًا لرغم أنوف أعدائك، ويكون سببًا لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج الإنسان الذي يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم عليه بدولته من حيث إنها تصير سببًا لرغم أنوف الأعداء، أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سببًا لسعة العيش عليه.","vol":"5","page":224},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1660> فضائل الهجرة:</span>\nأولًا: أنه الله يعوضه مراعما وسعة.\nكما في هذه الآية.\nثانيًا: أن الله يخلفه.\nقال تعالى (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا. وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا).\n• قوله (لسانًا) أي ذكرًا حسنًا، واللسان في القرآن يطلق ثلاث إطلاقات:\nالأول: يطلق ويراد به الجارحة.\nكما قال تعالى (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ).\nالثاني: يطلق ويراد به اللغة.\nكما في قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).\nوقوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ).\nالثالث: يطلق ويراد به الذكر والثناء الحسن.\nكما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ).\nثالثًا: ينالون رحمة الله.\nقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم).\n• قال السعدي: هذه الأعمال الثلاثة، هي عنوان السعادة، وقطب رحى العبودية، وبها يعرف ما مع الإنسان من الربح والخسران، فأما الإيمان فلا تسأل عن فضيلته …، وأما الهجرة فهي مفارقة المحبوب والمألوف لرضا الله تعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله وأهله وخلانه تقربًا إلى الله ونصرة لدينة، وأما الجهاد فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله وقمع دين الشيطان. وهو ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه أفضل الجزاء. فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجين رحمة الله؛ لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة.\nرابعًا: تكفير للسيئات ودخول الجنان.\nقال تعالى (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَابًا مّن عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).","vol":"5","page":225},{"text":"• قال ابن كثير: أي تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران … وقوله (ثَوَابًا مّن\nعِندِ اللَّهِ) إضافة إليه ونسبة إليه ليدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلًا كثيرًا.\n• وقال السعدي: فجمعوا بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال طلبًا لمرضاة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله.\nخامسًا: قال تعالى (وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى الدُّنْيَا حَسَنَة وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ).\n• قال ابن جرير: يقول تعالى: والذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم إلى آخرين غيرهم (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ) يقول: من بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكاره في ذات الله (لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى الدُّنْيَا حَسَنَة) يقول: لنسكننهم في الدنيا مسكنًا يرضونه صالحًا. وقوله: (وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) يقول: ولثواب الله إياهم على هجرتهم فيه في الآخرة أكبر؛ لأن ثوابه إياهم هنالك الجنة التي يدوم نعيمها ولا يبيد.\n• وقال ابن كثير: يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان، رجاء ثواب الله وجزائه.","vol":"5","page":226},{"text":"• وقال السعدي: يخبر تعالى بفضل المؤمنين الممتحنين (وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى اللَّهِ) أي: في سبيله، وابتغاء مرضاته (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ) بالأذية والمحنة من قومهم، الذين يفتنونهم ليردوهم إلى الكفر والشرك، فتركوا الأوطان والخلان، وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن فذكر لهم ثوابين، ثوابًا عاجلًا في الدنيا من الرزق الواسع والعيش الهنيئ الذي رأوه عيانًا بعدما هاجروا وانتصروا على أعدائهم، وافتتحوا البلدان، وغنموا منها الغنائم العظيمة فتمولوا، وآتاهم الله في الدنيا حسنة، (وَلأَجْرُ الآخِرَةِ) الذي وعدهم الله على لسان رسوله خير، و(أَكْبَرُ) من أجر الدنيا … (لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) أي: لو كان لهم علم ويقين بما عند الله من الأجر والثواب لمن آمن به وجاهد في سبيله، لم يتخلف عن ذلك أحد.\nقال -ﷺ- لعمرو بن العاص (أما عملت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟! وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟! وأن الحج يهدم ما كان قبله؟).\nقال النووي: فيه عظيم موقع الإسلام والهجرة والحج، وأن كل واحد منها يهدم ما كان قبله من المعاصي.\nسادسًا: ومن فضلها أنّها تدحر الشّيطان الرّجيم، حتّى قرنها النبيّ -ﷺ- بالإسلام والجهاد في سبيل الله تعالى.\nروى الإمام أحمد والنّسائي عن سَبْرَةَ بنِ أبي فَاكِهٍ -﵁- قال: سمعت رسولَ اللهِ -ﷺ- يقول:\n(إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ: فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ؟ فَعَصَاهُ، فَأَسْلَمَ. ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟! فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ. ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ؟ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ؟! فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ ﷿ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ ﷿ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ).\nقوله -ﷺ- لأبي فاطمة الضمري (عليك بالهجرة فإنه لا مثل لها).\nقوله -ﷺ- (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنًا).","vol":"5","page":227},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1661> مقاصد الهجرة:</span>\nأولًا: تكثير المسلمين.\nثانيًا: أن البقاء بينهم ذريعة إلى موافقتهم.\nثالثًا: تيسير الجهاد على أهل الإسلام.\nرابعًا: هجر المكان الذي يكفر فيه.\n(وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا) أي: ومن خرج من منزله بنية الهجرة.\n(إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) لا لهدف آخر من أهداف الدنيا.\n(ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ) أي: يموت وهو في أثناء الطريق.\n(فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) أي: فقد ثبت أجره وثوابه على الله، وحصل له أجر الهجرة، كما قال -ﷺ- (إنما الأعمال بالنيات …).\n• قال ابن كثير: وهذا عام في الهجرة وفي كل الأعمال: ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم أكمل بعد ذلك العابد المائة، ثم سأل عالمًا: هل له من توبة …).\n(وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1662>الفوائد:</span>\n١ - فضل الهجرة في سبيل الله.\n٢ - يجب أن تكون الهجرة لله تعالى لا لغرض دنيوي آخر.\n٣ - أن من ترك شيئًا عوضه الله خيرًا منه.\n٤ - أن الهجرة في سبيل الله سبب للرزق والقوة.\n٥ - الحث على الإخلاص في جميع الأعمال.\n٦ - أن من مات وهو في طريقه لطاعة كتبت له.\n٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم.","vol":"5","page":228},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1663>(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا).</span> [النساء: ١٠١].\n<hr><s0>\n\n(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أي: سافرتم في البلاد كما قال تعالى (علم أن سيكون منكم مرضى ةآخرون يضربون في الأرض).\nسمي السفر ضربًا: لأنه يضرب الأرض برجله في سيره كضربه بيده، ولذلك سُمِّيَ السفر في الأرض ضَرْبًا.\n(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) أي: فليس عليكم جناح ولا إثم أن تخففوا من الصلاة فتجعلوا الرباعية ثنائية.\n• قوله تعالى (أن تقصروا من الصلاة) ولم يقل أن تقصروا الصلاة فيه فائدتان:\nإحداهما: أنه لو قال أن تقصروا الصلاة لكان القصر غير منضبط بحد من الحدود، فربما ظن أنه لو قصر معظم الصلاة وجعلها ركعة واحدة لأجزأ، فإتيانه بقوله: (مِنَ الصَّلاةِ) ليدل ذلك على أن القصر محدود مضبوط، مرجوع فيه إلى ما تقرر من فعل النبي ﷺ وأصحابه.\nالثانية: أن (من) تفيد التبعيض ليعلم بذلك أن القصر لبعض الصلوات المفروضات لا جميعها، فإن الفجر والمغرب لا يقصران وإنما الذي يقصر الصلاة الرباعية من أربع إلى ركعتين [قاله السعدي].\n(إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: يصدوكم عن دينكم.\n(إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) المعنى أن العداوة الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة، والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين وازدادت عداوتهم، وبسبب شدة العداوة أقدموا على محاربتكم وقصد إتلافكم إن قدروا، فإن طالت صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم، فعلى هذا رخصت لكم في قصر الصلاة [مفاتيح الغيب:].","vol":"5","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1664>الفوائد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1665>١ - مشروعية قصر الصلاة الرباعية في السفر.</span>\n•<span data-type='title' id=toc-1666> مباحث تتعلق بقصر الصلاة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1667>أولًا: في الآية مشروعية قصر الصلاة للمسافر. (فلا قصر إلا للمسافر).</span>\n• قال تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا).\nوظاهر الآية أن القصر مقيد بحال الخوف، إلا أن السنة بينت المراد من الآية، وهو أن القصر مشروع في الأمن والخوف في حال السفر، ففي صحيح مسلم عن يعلى بن أمية قال: (قلت لعمر: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله -ﷺ- عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته). رواه مسلم\nعن ابن عمر قال (إصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِى السَّفَرِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).\nوعن ابن عمر قال (صحبت رسول الله -ﷺ- فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك). متفق عليه\nوأجمع أهل العلم على مشروعية القصر في السفر الطويل.\nأن النبي -ﷺ- لم يتم في سفره قط.\nقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما في السفر فقد سافر رسول الله -ﷺ- قريبًا من ثلاثين سفرة، وكان يصلي ركعتين في أسفاره، ولم ينقل عنه أحد من أهل العلم أنه صلى في السفر أربعًا قط، حتى في حجة الوداع، وهي آخر أسفاره كان يصلي بالمسلمين بمنى ركعتين ركعتين، وهذا من العلم العام المستفيض المتواتر الذي اتفق على نقله جميع أصحابه، ومن أخذ العلم عنهم.\nوقال ابن القيم ﵀: وكان يَقصُر الرُّبَاعية، فيصليها ركعتين مِن حين يخرُج مسافرًا إلى أن يرجع إلى المدينة، ولم يثبُت عنه أنه أتمَّ الرُّباعية في سفره البتة.\n• قال السعدي: ويدل على أفضلية القصر على الإتمام أمران:\nأحدهما: ملازمة النبي -ﷺ- على القصر في جميع أسفاره.\nوالثاني: أن هذا من باب التوسعة والترخيص والرحمة بالعباد، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته.\n\n<span data-type='title' id=toc-1668>ثانيًا: وظاهر الآية أنه لا يجوز القصر إلا عند الخوف، لكن جاءت السنة تبين أن هذا ليس بشرط.</span>\nففي صحيح مسلم عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1669>ثالثًا: حكم القصر: سنة.</span>\nوهذا قول أكثر العلماء، أن القصر سنة مؤكدة لفعل النبي -ﷺ-، فإنه -ﷺ- كان في أسفاره يقصر الرباعية ولا يتمها.","vol":"5","page":230},{"text":"لقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا)، قالوا إن نفي الجناح يفيد أنه رخصة.\nولحديث عمر السابق: (صدقة تصدق الله بها عليكم).\nوقال بعض العلماء: إن القصر واجب، وهذا مذهب أبي حنيفة، ونصره ابن حزم، واختاره الصنعاني.\nلقول عائشة (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ\nوَلِلْبُخَارِيِّ: (ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ عَلَى اَلْأَوَّلِ) فهذا يدل على أن صلاة السفر مفروضة ركعتين.\nقال الشوكاني: وهو دليل ناهض على الوجوب، لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين، لم يجز الزيادة عليها، كما أنها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.\nولحديث يعلى ابن أمية السابق، وفيه: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) فقوله: (فاقبلوا) هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.\nوتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: إن القصر سنة، والإتمام مكروه، لأنه خلاف هدي النبي -ﷺ- الدائم.\nقال ابن تيمية: المسلمون نقلوا بالتواتر أن النبي -ﷺ- لم يصلّ في السفر إلا ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعًا قط.\n\n<span data-type='title' id=toc-1670>رابعًا: إذا علمنا أن القصر مشروع كما سبق، فهناك حالات يتم بها المسافر:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1671>الحالة الأولى: إذا ذكر صلاة حضر في سفر.</span>\nمثال: رجل مسافر، وفي أثناء السفر تذكر أنه صلى الظهر في بلده من غير وضوء، فإنه يجب أن يعيدها أربعًا.\nقال ابن قدامة: بالإجماع حكاه الإمام أحمد، وابن المنذر، لأن الصلاة تعين عليه فعلها أربعًا، فلم يجز له النقصان من عددها\n\n<span data-type='title' id=toc-1672>الحالة الثانية: إذا صلى المسافر خلف المقيم.</span>\nقال ابن قدامة: المسافر متى ائتم بمقيم وجب عليه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة أو ركعة، أو أقل.\nإذا صلى المسافر خلف المقيم.","vol":"5","page":231},{"text":"قال ابن قدامة: المسافر متى ائتم بمقيم وجب عليه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة أو ركعة، أو أقل.\nأ- لما روي عن ابن عباس: (أنه قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد، وأربعًا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة). رواه أحمد، وأصله في مسلم بلفظ: (كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام، فقال: ركعتين، سنة أبي القاسم -ﷺ-.\nب- وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين.\nج- لأن هذه صلاة مردودة من أربع إلى ركعتين فلا يصليها خلف من يصلي الأربع كالجمعة.\nد- لأنه اجتمع ما يقتضي القصر والتمام فغلب التمام كما لو أحرم بها في السفر ثم أقام.\nوهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-1673>الحالة الثالثة: إذا نوى الإقامة أكثر من أربع أيام،</span> (وهذه مسألة خلافية) فأكثر العلماء إذا نوى إقامة أربعة أيام فأكثر انقطع ترخصه.\nوهذا مذهب جماهير العلماء، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة، ورجحه الشيخ ابن باز ﵀.\nلحديث أنس، حيث أن النبي -ﷺ- قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في يوم الثامن ثم خرج إلى منى.\nقالوا: فيجوز لمن كانت إقامته كإقامة النبي -ﷺ- أن يقصر الصلاة، وقالوا: وإقامة النبي -ﷺ- بالأبطح في عام حجة الوداع معلومة البداية والنهاية.\nوعلى هذا القول: لو سافر شخص للرياض وهو ينوي أن يجلس أسبوعًا، فإنه لا يقصر ولا يترخص برخص السفر.\nوذهب بعض العلماء: أن مرجع ذلك إلى العرف، فإنه يقصر ولو طالت المدة ما لم يجمع الإقامة.\nورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: \"للمسافر القصر والفطر ما لم يجمع على الإقامة والاستيطان، والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معلومة يقيمها ليس هو أمرًا معلومًا لا بشرع ولا عرف\".\nورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀، ولا شك أن قول الجمهور أحوط وأبرأ للذمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1674>خامسًا: القصر ليس له إلا سبب واحد وهو السفر.</span>\nقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: \"القصر ليس له إلا سبب واحد فقط وهو السفر، فغير المسافر لا يقصر، حتى المريض مرضًا شديدًا لا يمكن أن يقصر إلا إذا كان في غير بلده\".","vol":"5","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1675>سادسًا: ويقصر المسافر إذا خرج من بنيان بلده.</span>\nلقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) ولا يكون ضاربًا في الأرض حتى يخرج، وقبل مفارقته لا يكون ضاربًا فيها.\nولأن النبي -ﷺ- إنما كان يقصر إذا ارتحل.\nقال أنس: (صليت مع النبي -ﷺ- الظهر بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين). متفق عليه\nولحديث أَنَسٍ -﵁- قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَال أَوْ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nقال النووي: وأما حديث أنس فليس معناه أن غاية سفره كانت ثلاثة أميال، بل معناه أنه كان إذا سافر سفرًا طويلًا فتباعد ثلاثة أميال قصر \".\nفهذا دليل على أنه لا يجوز القصر حتى يفارق بنيان بلده.\nوهذا مذهب جماهير العلماء: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1676>سابعًا: الصلوات التي تقصر الصلوات الرباعية،</span> وقد نقل الإجماع في ذلك ابن حزم في المحلى، وابن قدامة في المغني نقلًا عن ابن المنذر.\nفالمغرب لا تقصر لأنها وتر النهار، فلو قصرت منها ركعة لم يبق منها وترًا، ولو قصرت ركعتان فإنه إجحاف بها بذهاب أكثرها، وأما الصبح فتبقى على ما هي عليه، لأن قصرها إلى واحدة إجحاف بها.\nعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ أَحْمَدُ: (إِلَّا اَلْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا وِتْرُ اَلنَّهَارِ، وَإِلَّا اَلصُّبْحَ، فَإِنَّهَا تَطُولُ فِيهَا اَلْقِرَاءَةُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1677>ثامنًا: إذا أذن المؤذن وهو في البلد، ثم سافر، هل يقصر أم لا؟</span>\nالجواب: نعم يقصر ويجمع، لأن العبرة بفعل الصلاة لا بالوقت.","vol":"5","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1678>تاسعًا: قوله تعالى (وإذا ضربتم في الأرض) اختلف العلماء في قصر الصلاة في سفر المعصية؟</span>\nاختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: يجوز له القصر.\nوهذا مذهب أبي حنيفة، واختاره ابن تيمية.\nقال النووي: وذهب الحنفية والثوري والأوزاعي والمزني من أصحاب الشافعي بجواز القصر في سفر المعصية وغيره.\nقالوا: لأن فرض السفر ركعتان، ولأنه داخل تحت النصوص المطلقة.\nالقول الثاني: لا يجوز له القصر.\nوهذا مذهب الجمهور: مالك والشافعي وأحمد.\nلأن الترخيص شرع للإعانة على تحصيل المقصد المباح توصلًا للمصلحة، فلو شرع هنا لشرع إعانة على المحرّم تحصيلًا للمفسدة، والشرع منزه عن هذا.\nقال السعدي: فإن الرخصة سهولة من الله لعباده إذا سافروا أن يقصروا ويفطروا، والعاصي بسفره لا يناسب حاله التخفيف.\nوالراجح القول الأول.\n\n<span data-type='title' id=toc-1679>٢ - بيان تيسير الله على عباده.</span>\n<span data-type='title' id=toc-1680>٣ - مشروعية القصر في السفر.</span>\n<span data-type='title' id=toc-1681>٤ - حرص الكفار على فتن المؤمنين.</span>\n<span data-type='title' id=toc-1682>٥ - وجوب الحذر من الكفار.</span>\n<span data-type='title' id=toc-1683>٦ - أن الكفار أعداء لنا.</span>\n(السبت: ١٠/ ٦/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1684>(وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (١٠٢) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (١٠٣».</span> [سورة النساء: ١٠٢ - ١٠٣].\n<hr><s0>\n\n(وإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) هذا الخطاب للرسول -ﷺ- ولمن بعده من أهل الأمر حكمه، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وشذ أبو يوسف وإسماعيل بن علية فقالا: لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي -ﷺ-، لأن هذا الخطاب خاص برسول الله -ﷺ-، وهذا مدفوع فقد أمرنا الله باتباع رسوله التأسي به، وقد قال -ﷺ- (صلوا كما رأيتموني) والصحابة ﵃ أعرف بمعاني القرآن، وقد صلوها بعد موته -ﷺ- غير مرّة.\n• قال القرطبي: وهذه الآية خطاب للنبيّ -ﷺ-، وهو يتناول الأُمراء بعده إلى يوم القيامة، ومثله قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) هذا قول كافة العلماء.\nوشذ أبو يوسف وإسماعيل بن عُلَيَّة فقالا: لا نصلّي صلاة الخوف بعد النبيّ -ﷺ-؛ فإن الخطاب كان خاصًا له بقوله تعالى (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ) وإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم؛ لأن النبيّ -ﷺ- ليس كغيره في ذلك، وكلهم كان يحب أن يأتمّ به ويصلّي خلفه، وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه، والناس بعده تستوي أحوالهم وتتقارب؛ فلذلك يصلّي الإمام بفريق ويأمر من يصلّي بالفريق الآخر، وأما أن يصلوا بإمام واحد فل.\nوقال الجمهور: إنا قد أمرنا باتباعه والتأسِّي به في غير ما آية وغير حديث، فقال تعالى (فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) وقال -ﷺ- \" صلّوا كما رأيتموني أُصلّي \" فلزم اتباعه مطلقًا حتى يدلّ دليل واضح على الخصوص؛ ولو كان ما\nذكروه دليلًا على الخصوص للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ كان يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها؛ ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين اطرحوا توهّم الخصوص في هذه الصَّلاة وعَدَّوْه إلى غير النبيّ -ﷺ-، وهم أعلم بالمقال وأقعد بالحال.\nوقد قال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) وهذا خطاب له، وأمّته داخلة فيه، ومثله كثير.\nوقال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) وذلك لا يوجب الاقتصار عليه وحده، وأن مَن بعده يقوم في ذلك مقامه؛ فكذلك في قوله (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ).","vol":"5","page":235},{"text":"ألا ترى أن أبا بكر الصدّيق في جماعة الصحابة -﵃- قاتلوا من تأوّل في الزكاة مثل ما تأوّلتموه في صلاة الخوف.\nقال أبو عمر: ليس في أخذ الزكاة التي قد استوى فيها النبيّ -ﷺ- ومن بعده من الخلفاء ما يشبه صلاة من صلّى خلف النبيّ -ﷺ- وصلّى خلف غيره؛ لأن أخذ الزكاة فائدتها توصيلها للمساكين، وليس فيها فضل للمعطي كما في الصَّلاة فضل للمصلّي خلفه.\n(فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) أي: أردت أن تصلي بهم إمامًا كقوله تعالى (وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ..) وكقوله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).\n(فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) يعني بعد أن تجعلهم طائفتين، طائفة بإزاء العدو، وطائفة تقوم منهم معك في الصلاة.\n(وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) أي: الطائفة التي تصلي معه، وقيل: الضمير راجع إلى الطائفة التي بإزاء العدو، والأول أظهر، لأن الطائفة القائمة بإزاء العدو لابد أن تكون قائمة بأسلحتها، وإنما يحتاج إلى الأمر بذلك من كان في الصلاة، لأنه يظن أن ذلك ممنوع منه حال الصلاة فأمره الله بأن يكون آخذًا لسلاحه، أي: غير واضع له، وليس المراد الأخذ باليد، بل المراد أن يكونوا حاملين لسلاحهم ليتناولوه من قرب إذا احتاجوا إليه، وليكون ذلك أقطع لرجاء عدوهم من إمكان فرصته فيهم.\n(فَإِذَا سَجَدُوا) أي: القائمون في الصلاة، والمعنى: أتموا الركعة تعبيرًا بالسجود عن جميع الركعة أو عن جميع الصلاة.\n• وعبر بالسجود عن الصلاة، لأنه ركن فيها، بل هو أعظم أركانها، وبه تنتهي الركعة.\n(فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) أي: من خلفكم تجاه العدو، أي: فلينصرفوا بعد الفراغ إلى مقابلة العدو للحراسة.\n(وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا) وهي القائمة في مقابلة العدو التي لم تصل.\n(فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) أي: ما بقي من صلاتك، وهو ركعة بعد انصراف الطائفة الأولى، وهذا دليل على أن الإمام يبقى.\n(وَلْيَأْخُذُوا) أي: هذه الطائفة الأخرى\n(حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) أي: وليأخذوا تيقظهم واحترازهم مع أسلحتهم، لما عسى أن يحدث من العدو.","vol":"5","page":236},{"text":"• في هذا الحديثين صفة صلاة الخوف إذا كان العدو في غير جهة القبلة:\nعَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، - عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ ذَاتِ اَلرِّقَاعِ صَلَاةَ اَلْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ اَلْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ اِنْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ اَلْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ اَلطَّائِفَةُ اَلْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ اَلرَّكْعَةَ اَلَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.\nوصفتها: أن يقسم الإمام الجند طائفتين، طائفة تصلي معه، وأخرى تحرس المسلمين عن هجوم العدو، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا قام إلى الركعة الثانية أتموا لأنفسهم (والإمام قائم) ثم يذهبون ويقفون أمام العدو، وتأتي الطائفة التي كانت تحرس وتدخل مع الإمام في الركعة الثانية، فيصلي بهم الركعة التي بقيت له، ثم يجلس للتشهد قبل أن يسلم الإمام تقوم الطائفة الثانية وتكمل الركعة التي بقيت لها وتدرك الإمام في التشهد فيسلم بهم.\nأ- في هذا الحديث العدو في غير جهة القبلة، وهي أقرب الصفات، وهذا الحديث اختاره الإمام أحمد ﵀:\nأولًا: لأنه أشبه بكتاب الله (هي الموافقة لظاهر القرآن).\nثانيًا: وأحوط بجند الله.\nثالثًا: وأسلم للصلاة من الأفعال، وهذه صلاته -ﷺ- بذات الرقاع.\nقال القرطبي: وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور.\nب-من شرط تطبيق هذه الصفة: أن تكون الطائفة التي في وِجَاه العدو قادرة على حفظ الطائفة التي تصلي.\nج-خالفت هذه الصفة الصلاة من أوجه:\nأولًا: انفراد الطائفة الأولى عن الإمام قبل سلامه، لكنه لعذر.\nثانيًا: الطائفة الثانية قضت ما فاتها قبل سلام الإمام.\nثالثًا: أن الركعة الثانية كانت أطول من الأولى.\nقال بعض العلماء: ولو فعل هذه الصفة والعدو اتجاه القبلة لجاز، ولكن الصحيح أنها لا تجوز، ولذلك لأن الناس يرتكبون فيها ما لا يجوز بلا ضرورة.\nد-في هذه الصفة: حصل للطائفة الثانية التسليم مع النبي -ﷺ- كما حصل للطائفة الأولى فضيلة التحريم معه.\nقال بعض العلماء: ولو فعل هذه الصفة والعدو اتجاه القبلة لجاز، ولكن الصحيح أنها لا تجوز، ولذلك لأن الناس يرتكبون فيها ما لا يجوز بلا ضرورة.","vol":"5","page":237},{"text":"(وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) أي: تمنّى وأحبّ الكافرون غفلتكم عن أخذ السّلاح لِيَصلوا إلى مقصودهم؛ فبين الله تعالى بهذا وجَه الحكمة في الأمر بأخذ السلاح، وذكر الحِذْر في الطائفة الثانية دون الأولى لأنها أوْلى بأخذ الحِذْر، لأن العدّو لا يؤخّر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة؛ وأيضًا يقول العدّو قد أثقلهم السلاح وكَلّوا.\n• وفي هذه الآية أدلّ دليل على تعاطي الأسباب، واتخاذ كل ما يُنجي ذوي الألباب، ويوصّل إلى السّلامة، ويبلغ دار الكرامة. [قاله القرطبي].\n• ومعنى (مَّيْلَةً وَاحِدَةً) مبالغة، أي مستأصلة لا يُحتاج معها إلى ثانية\n(وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ) أى: لا إثم عليكم في حالة المطر أو المرض، أن لا تحملوا أسلحتكم اذا ضعفتم عنها.\n(وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) أي كونوا متيقظين، وضعتم السلاح أو لم تضعوه وهذا يدل على تأكيد التأهّب والحذر من العدوّ في كل الأحوال وترك الاستسلام؛ فإن الجيش ما جاءه مَصابٌ قطّ إلا من تفريط في حذر. [قاله القرطبي]\nوقال الرازي: والمعنى أنه لما رخص لهم في وضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم مرة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر، لئلا يجترئ العدو عليهم احتيالًا في الميل عليهم واستغنامًا منهم لوضع المسلمين أسلحتهم.\n(إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) من العذاب المهين ما أمر الله به حزبه المؤمنين وأنصار دينه الموحدين من قتلهم وقتالهم حيثما ثقفوهم، ويأخذوهم ويحصروهم، ويقعدوا لهم كل مرصد، ويحذروهم في جميع الأحوال، ولا يغفلوا عنهم، خشية أن ينال الكفار بعض مطلوبهم فيهم.\nفلله أعظم حمد وثناء على ما مَنَّ به على المؤمنين، وأيَّدَهم بمعونته وتعاليمه التي لو سلكوها على وجه الكمال لم تهزم لهم راية،\nولم يظهر عليهم عدو في وقت من الأوقات.\n(فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ) أي: فإذا انتهيتم من صلاة الخوف.\n(فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) قال القرطبي: ذهب الجمهور إلى أن هذا الذّكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف؛ أي إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله بالقلب واللسان، على أي حال كنتم (قِيَامًا وَقُعُودًا وعلى جُنُوبِكُمْ) وأديموا ذكره بالتكبير والتهليل والدعاء بالنصر لا سيما في حال القتال، ونظيره (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).","vol":"5","page":238},{"text":"• وقال الآلوسي (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة) أي فإذا أديتم صلاة الخوف على الوجه المبين وفرغتم منها (فاذكروا الله قياما وَقُعُودًا وعلى جُنُوبِكُمْ) أي فداوموا على ذكره سبحانه في جميع الأحوال حتى في حال (المسابقة) والمقارعة والمراماة، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال عقب تفسيرها: لم يعذر الله تعالى أحدًا في ترك ذكره إلا المغلوب على عقله.\n• وقال ابن كثير: أمر تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف، وإن كان مشروعًا مرغبًا فيه أيضًا بعد غيرها، ولكن هنا آكد لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب، وغير ذلك مما ليس يوجد غيرها كما قال تعالى (في الأشهر الأحرم) (فَلَا تَظْلمواْ فِيهِنّ أَنفُسَكُمْ) وإن كان هذا منهيًا عنه في غيرها، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمها.\n• وقال القاسمي: أي: فداوموا على ذكره تعالى في جميع الأحوال، فإن ما أنتم عليه من الخوف واحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه.\n(فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ) أي أمنتم وذهب الخوف، والطمأنينة سكون النفس من الخوف.\n(فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أي: فأتوها بأركانها وبكمال هيئتها في السفر، وبكمال عددها في الحَضَر.\nوقيل في معنى الآية: أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مسافرًا بل يصير مقيمًا، وعلى هذا التقدير يكون المراد: فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة.\n(إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا) أي: فرضًا.\n(مَوْقُوتًا) أي: مؤقتة بأوقات محددة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1685>الفوائد:</span>\n١ - وجوب صلاة الجماعة على الرجال.\nقال السعدي: وهذه الآية تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين من وجهين:\nأحدهما: أن الله تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة، وقت اشتداد الخوف من الأعداء وحذر مهاجمتهم، فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن من باب أَوْلَى وأحرى.\nوالثاني: أن المصلين صلاة الخوف يتركون فيها كثيرا من الشروط واللوازم، ويعفى فيها عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة، لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب، فلولا وجوب الجماعة لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها.\n٢ - مشروعية صلاة الخوف على الكيفية الواردة.\n٣ - لا يجوز تأخي الصلاة عن وقتها حتى ولا في حالة الحرب.\n٤ - فضل السجود وعظم منزلته، حيث خصه من بين أركان الصلاة، وأنه قد يعبر به عن جميع الصلاة.\n٥ - وجوب أخذ المؤمنين المقاتلين حذرهم من عدوهم الكافر.\n٦ - أن الكافرين يتربصون الدوائر بالمسلمين، ويتحينون الفرصة للوقيعة بهم.\n٧ - مشروعية ذكر الله بعد الانتهاء من الصلاة.\n٨ - مشروعية ذكر الله على كل حال.\n٩ - أهمية الذكر وعظم منزلته.\n١٠ - أنه إذا زال الخوف وجب إقامة الصلاة على ما كانت عليه حال الأمن.\n١١ - أن الصلاة فرض على المؤمنين.\n١٢ - أن الصلاة مؤقتة بأوقات محددة معلومة يجب أداؤها فيها.","vol":"5","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1686>(وَلَا تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤».</span> [النساء: ١٠٤].\n<hr><s0>\n\n(وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم، بل جُدوا فيهم وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد.\n(إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ) أي: كما يصيبكم الجراح والقتل، كذلك يحصل لهم كما قال (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ).\n• قال الرازي: والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم، فلما لم يصر خوف الألم مانعًا لهم عن قتالكم فكيف صار مانعًا لكم عن قتالهم.\n(وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ) أي: أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد، وهم لا يرجون شيئًا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأشد رغبة في إقامة كلمة الله وإعلائها.\nقوله تعالى (وترجون من الله) أي: من الثواب والوعد الذي وعدهم من النصر والثواب الجزيل على الجهاد والقتال.\n• قال ابن عاشور: وزادهم تشجيعًا على طلب العدوّ بأنّ تَألّم الفريقين المتحاربين واحد، إذ كلٌ يخشى بأس الآخر، وبأنّ للمؤمنين مزية على الكافرين، وهي أنّهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكفّار، وذلك رجاء الشهادة إن قتلوا، ورجاء ظهور دينه على أيديهم إذا انتصروا، ورجاء الثواب في الأحوال كلّها.\n• ففي الآية تعليل للنهي وتشجيع لهم، وتهوين الأعداء في قلوب المسلمين.\n• قال السعدي: أي لا تضعفوا ولا تكسلوا في ابتغاء عدوكم من الكفار، أي: في جهادهم والمرابطة على ذلك، فإن وَهَن القلب مستدع لوَهَن البدن، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء. بل كونوا أقوياء نشيطين في قتالهم.\nثم ذكر ما يقوي قلوب المؤمنين، فذكر شيئين:\nالأول: أن ما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ذلك فإنه يصيب أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك، لأن العادة الجارية لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على الدوام، لا من يدال مرة، ويدال عليه أخرى.\nالأمر الثاني: أنكم ترجون من الله ما لا يرجون، فترجون الفوز بثوابه والنجاة من عقابه، بل خواص المؤمنين لهم مقاصد عالية وآمال رفيعة من نصر دين الله، وإقامة شرعه، واتساع دائرة الإسلام، وهداية الضالين، وقمع أعداء الدين، فهذه الأمور توجب للمؤمن المصدق زيادة القوة، وتضاعف النشاط والشجاعة التامة، لأن من يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي إن ناله، ليس\nكمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية، والفوز برضوان الله وجنته، فسبحان من فاوت بين العباد وفرق بينهم بعلمه وحكمته","vol":"5","page":240},{"text":"• وقال الآلوسي: (وَلَا تَهِنُواْ فِى ابتغاء القوم) أي لا تضعفوا ولا تتوانوا في طلب الكفار بالقتال (إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لَا يَرْجُونَ) تعليل للنهي وتشجيع لهم أي ليس ما ينالكم من الآلام مختصًا بكم بل الأمر مشترك بينكم وبينهم، ثم إنهم يصبرون على ذلك، فما لكم أنتم لا تصبرون مع أنكم أولى بالصبر منهم، حيث أنكم ترجون وتطمعون من الله تعالى ما لا يخطر لهم ببال من ظهور دينكم الحق على سائر الأديان الباطلة، ومن الثواب الجزيل والنعيم المقيم في الآخرة.\n(وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا) مبالغًا في العلم فيعلم مصالحكم وأعمالكم ما تظهرون منها وما تسرون.\n(حَكِيمًا) فيما يأمر وينهى فجدوا في الامتثال لذلك فإن فيه عواقب حميدة وفوزًا بالمطلوب.\n• قال الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: ولم يزل الله (عليمًا) بمصالح خلقه (حكيمًا) في تدبيره وتقديره. ومن علمه، أيها المؤمنون، بمصالحكم عرّفكم عند حضور صلاتكم وواجب فرض الله عليكم، وأنتم مواقفو عدوكم ما يكون به وصولكم إلى أداء فرض الله عليكم، والسلامة من عدوكم. ومن حكمته بصَّركم ما فيه تأييدكم وتوهينُ كيد عدوكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1687>الفوائد:</span>\n١ - تشجيع المسلمين على الجهاد في سبيل الله.\n٢ - ينبغي طلب القوة ضد الأعداء وعدم الضعف.\n٣ - إثبات اسمين من أسماء الله.","vol":"5","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1688>(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٠٦».</span> [النساء: ١٠٥ - ١٠٦].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) يقول تعالى مخاطبًا لرسوله محمد -ﷺ- (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)\n• المراد بالكتاب القرآن وسمي القرآن كتابًا:\nأولًا: لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ: كما قال تعالى (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ).\nثانيًا: لأنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة: قال تعالى (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ).\nثالثًا: لأنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا، ونقرؤه من هذه الكتب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1689> من أسماء القرآن:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1690>أولًا: الفرقان.</span>\nكما قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) وقال تعالى (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ).\nوسمي بذلك: قيل: لأنه يفرق بين الحق والباطل، والخير والشر، وقيل: لأنه نزل متفرقًا في حين أن سائر الكتب نزلت جملة واحدة، وقيل: الفرقان هو النجاة، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة، وكل هذه الأقوال صحيحة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1691>ثانيًا: القرآن.</span>\nكما قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) وقال تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1692>ثالثًا: الكتاب،</span> كما في هذه الآية.\n<span data-type='title' id=toc-1693>رابعًا: الذكر.</span>\nكما قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وقال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).","vol":"5","page":242},{"text":"قال ابن جرير في وجه تسميته بالذكر: إنه محتمل معنيين:\nأحدهما: أنه ذكر من الله جل ذكره، ذكّر به عباده، فعرفهم فيه حدوده وفرائضه، وسائر ما أودعه من حكمه.\nوالآخر: أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به وصدق بما فيه، كما قال جل ثناؤه (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) يعني أنه شرف به شرف له ولقومه.\n• وقوله (بالحق) الباء للملابسة وللتعدية: أي أن القرآن نفسه نزل حقًا من عند الله لا من عند غيره، وتكون للتعدية: بمعنى أن الكتاب نزل بالحق أي: أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حق، فعلى الوجه يكون المراد بقوله: بالحق تأكيد أنه نزل من عند الله، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى: أن كل ما اشتمل عليه القرآن من أوامر ونواهي وأخبار فهو حق.\nوكلا المعنيين صحيح، فهي حق من عند الله، وما جاءت به من الشرائع والأخبار فهو حق.\n(لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) في الخصومات، وفي بيان الأحكام الشرعية.\n(بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) أي: بما أراك الله من الآيات البينات في كتابه الكريم، وبما أفهمك من استنباط لبعض الأحكام من الآيات، مما ليس فيه نص صريح.\nروي عن عمر أنه قال: لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله، فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه -ﷺ-، ولكن ليجتهد رأيه، لأن الرأي من رسول الله -ﷺ- مصيب، لأن الله يريه إياه وهو منا الظن والتكلف.\nوقال ابن عباس: إياكم والرأي، قال الله تعالى لنبيه -ﷺ- (لتحكم بين الناس بما أراك الله) ولم يقل بما رأيت.\n• قال القرطبي: معناه على قوانين الشرع؛ إمّا بوَحْيٍ ونَص، أو بنظر جارٍ على سنن الوَحي.\nوهذا أصل في القياس؛ وهو يدل على أن النبي ﷺ إذا رأى شيئًا أصاب؛ لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العِصْمَة؛ فأما أحدنا إذا رأى شيئًا يظنه فلا قطع فيما رآه، ولم يُرد رؤية العين هنا؛ لأن الحكم لا يرى بالعين.\n(وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) الواو استئنافية، والخائنين جمع خائن، والخيانة: هي الغدر في موضع الأمانة، وهي صفة ذم بكل حال، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)، وهي من صفات المنافقين قال تعالى (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).\nوالمعنى: أي: لا تكن مخاصمًا لهم، ومدافعًا عنهم، بل كن عليهم خصيمًا.\nقال الطبري: ولا تكن لمن خان مسلمًا ومعاهدًا في نفسه أو ماله خصيمًا تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقه الذي خان فيه.\n• قال ابن عاشور: والخطاب للنبيء -ﷺ- والمراد الأمّة، لأنّ الخصام عن الخائنين لا يتوقّع من النبي -ﷺ- وإنّما المراد تحذير الذين دفعتهم الحميّة إلى الانتصار لأبناء أبيرق.","vol":"5","page":243},{"text":"• قال القرطبي: قال العلماء: ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاقُ قومُ أن يُجادل فريق منهم فريقًا عنهم ليحموهم ويدفعوا\nعنهم؛ فإن هذا قد وقع على عهد النبي -ﷺ- وفيهم نزل قوله تعالى (وَلَا تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا) وقوله (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ).\nوالخطاب للنبي -ﷺ- والمرادُ منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين:\nأحدهما: أنه تعالى أبان ذلك بما ذكره بعدُ بقوله (هَا أَنْتُمْ هؤلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحياة الدنيا).\nوالآخر: أن النبي -ﷺ- كان حكمًا فيما بينهم، ولذلك كان يُعتَذر إليه ولا يَعتذِر هو إلى غيره، فدلّ على أن القصد لغيره.\n(وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) أي: اطلب من الله المغفرة.\n• قال القرطبي: ذهب الطبري إلى أن المعنى، استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين؛ فأمره بالاستغفار لما همّ بالدفع عنهم وقطع يد اليهودي، وهذا مذهب من جوّز الصغائر على الأنبياء، صلوات الله عليهم.\n• قال ابن عطية: وهذا ليس بذنب؛ لأن النبي -ﷺ- إنما دافع على الظاهر وهو يعتقد براءتهم.\nوالمعنى: واستغفر الله للمذنبين من أمتك والمتخاصمين بالباطل؛ ومحلك من الناس أن تسمع من المُتَداعيينْ وتَقضي بنحو ما تَسمع، وتستغفر للمذنب.\nوقيل: هو أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كالرجل يقول: أستغفر الله؛ على وجه التسبيح من غير أن يقصد توبة من ذنب.\nوقيل: الخطاب للنبي -ﷺ- والمراد بنو أُبيرِق، كقوله تعالى (يا أَيُّهَا النبي اتق الله) (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ).","vol":"5","page":244},{"text":"• قال ابن عاشور: والأمرُ باستغفار الله جرى على أسلوب توجيه الخطاب إلى الرسول، فالمراد بالأمر غيره، أرشدهم إلى ما هو أنفع لهم وهو استغفار الله ممّا اقترفوه، أو أراد: واستغفر الله للخائنين ليلهمهم إلى التوبة ببركة استغفارك لهم فذلك أجدر من دفاع المدافعين عنهم، وهذا نظير قوله (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا لله) وليس المراد بالأمر استغفار النبي لنفسه، كما أخطأ فيه مَن تَوهَّم ذلك، فركَّب عليه أنّ النبي -ﷺ- خَطر بباله مَا أوجب أمره بالاستغفار، وهو هَمُّه أن يجادل عن بني أبيرق، مع علمه بأنّهم سرقوا، خشية أن يفتضحوا، وهذا من أفهام الضعفاء وسوء وضعهم الأخبار لتأييد سقيم أفهامهم.\n(إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا) يغفر السيئات مهمت عظمت.\n(رَحِيمًا) بعباده المؤمنين، وسعت رحمته كل شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1694>الفوائد:</span>\n١ - بيان عظمة الرب تعالى.\n٢ - علو الله تعالى.\n٣ - أن القرآن كلام الله غير مخلوق.\n٤ - منقبة عظيمة للنبي -ﷺ-.\n٥ - أن القرآن حق وما جاء به حق.\n٦ - نهي النبي -ﷺ- أن يكون مخاصمًا للخائنين.\n٧ - وجوب استغفار الله دومًا وأبدًا.\n٨ - أن النبي -ﷺ- قد يقع منه الذنب.\n٩ - كل أحد يحتاج للاستغفار.","vol":"5","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1695>(وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧».</span> [النساء: ١٠٧].\n<hr><s0>\n\n(وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) أي: لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم، وسمي ذلك خيانة لأنفسهم لأن ضرر معصيتهم راجع إليهم.\n• قال البقاعي: (ولا تجادل) أي في وقت ما (عن الذين يختانون) أي يتجدد منهم تعمد أن يخونوا (أنفسهم) بأن يوقعوها في الهلكة بالعصيان فيما اؤتمنوا عليه من الأمور الخفية، والتعبير بالجمع - مع أن الذي نزلت فيه الآية واحد - للتعميم وتهديد من أعانه من قومه.\n• قال الرازي: وإنما قال تعالى لطعمة ولمن ذب عنهم: إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية قفد حرم نفسه الثواب وأوصلها إلى العقاب، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه، ولهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره: إنه ظلم نفسه.\n• قال ابن عاشور: والخطاب في قوله (ولا تجادل) للرسول، والمراد نهي الأمّة عن ذلك، لأنّ مثله لا يترقّب صدوره من الرسول ﵊ كما دلّ عليه قوله تعالى (ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا).\n• قوله تعالى (ولا تجادل ..) المجادلة: مماراة الخصم من أجل الظهور عليه، قال الشوكاني: مأخوذة من الجدل وهو فتل الحبل وإحكامه، لأن المجادل يحكم حجته، وإما من الجَدَالة وهي الأرض، لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها.\n• وفي الآية تحريم العمل بالمحاماة للدفاع عن الظلمة.\nوقد قال تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).\n(إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) الخوان: كثير الخيانة، والإثيم: كثير الإثم.\n• قال الرازي: إن قيل: لم قال (خَوَّانًا أثيمًا) مع أن الصادر عنه خيانة واحدة وإثم واحد.","vol":"5","page":246},{"text":"قلنا: علم الله تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة والإثم الكثير، فذكر اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في طبعه من الميل إلى ذلك، ويدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات، ومن كان خاتمته كذلك لم يشك في خيانته، وأيضًا طلب من النبي ﵊ أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي، وهذا يبطل رسالة الرسول، ومن حاول إبطال رسالة الرسول وأراد إظهار كذبه فقد كفر، فلهذا المعنى وصفه الله بالمبالغة في الخيانة والإثم.\nوقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.\n• وقال القرطبي: وخوّانًا أبلغ؛ لأنه من أبنية المبالغة؛ وإنما كان ذلك لعظم قدر تلك الخيانة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1696>الفوائد:</span>\n١ - النهي عن معاونة الآثم.\n٢ - أن الخائن لغيره خائن في الحقيقة لنفسه.\n٣ - إثبات محبة الله.\n٤ - أن الخيانة من كبائر الذنوب.\n٥ - التحذير من الخيانة.","vol":"5","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1697>(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩».</span> [النساء: ١٠٧ - ١٠٩].\n<hr><s0>\n\n(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها، لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال (وَهُوَ مَعَهُمْ).\n(إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) أي: يديرون الرأي بينهم في الخفاء من رمي البريء وشهادة الزور والحلف الكاذب.\nوالذي لا يرضاه الله من القول هو أن طعمة قال: أرمي اليهودي بأنه هو الذي سرق الدرع وأحلف أني لم أسرقها، فيقبل الرسول يميني لأني على دينه ولا يقبل يمين اليهودي.\n• سماه تبييتًا لأن الغالب أن تكون إدارة الرأي بالليل.\n• قال السعدي: وهذا من ضعف الإيمان، ونقصان اليقين، أن تكون مخافة الخلق عندهم أعظم من مخافة الله، فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة على عدم الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم.\nوهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم، خصوصًا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول، من تبرئة الجاني، ورمي البريء بالجناية، والسعي في ذلك للرسول -ﷺ- ليفعل ما بيتوه.\nفقد جمعوا بين عدة جنايات، ولم يراقبوا رب الأرض والسماوات، المطلع على سرائرهم وضمائرهم.\n(وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) تهديد ووعيد لهم.\n(هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: ها أنتم يا معشر القوم دافعتم عن السارق والخائنين في الدنيا.\n(فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله، الذي يعلم السر وأخفى؟ ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ في ترويج دعواهم؟ أي: لا أحد يكون يؤمئذ لهم وكيلًا، ولهذا قال:\n(أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) أي: من يتولى الدفاع عنهم ونصرتهم من بأس الله وانتقامه؟\n• قال السعدي: وفي هذه الآية إرشاد إلى المقابلة بين ما يتوهم من مصالح الدنيا المترتبة على ترك أوامر الله أو فعل مناهيه، وبين ما يفوت من ثواب الآخرة أو يحصل من عقوباتها.\nفيقول من أمرته نفسه بترك أمر الله ها أنت تركت أمره كسلًا وتفريطًا فما النفع الذي انتفعت به؟ وماذا فاتك من ثواب الآخرة؟ وماذا ترتب على هذا الترك من الشقاء والحرمان والخيبة والخسران؟","vol":"5","page":248},{"text":"وكذلك إذا دعته نفسه إلى ما تشتهيه من الشهوات المحرمة قال لها: هبك فعلت ما اشتهيت، فإن لذته تنقضي ويعقبها من الهموم والغموم والحسرات، وفوات الثواب وحصول العقاب، ما بعضه يكفي العاقل في الإحجام عنها، وهذا من أعظم ما ينفع العبدَ تدبرُه، وهو خاصة العقل الحقيقي. بخلاف الذي يدعي العقل، وليس كذلك، فإنه بجهله وظلمه يؤثر اللذة الحاضرة والراحة الراهنة، ولو ترتب عليها ما ترتب. والله المستعان. (تفسير السعدي).\n\n<span data-type='title' id=toc-1698>الفوائد:</span>\n١ - ذم من يخشى الناس أكثر من خشية الله.\n٢ - إثبات رضا الله تعالى.\n٣ - إثبات معية الله تعالى.\n٤ - إحاطة الله بكل شيء.\n٥ - تهديد للخونة.\n٦ - تهديد من يخون بلقاء الله يوم القيامة.\n٧ - أن يوم القيامة لا أحد ينفع أو يدافع عن أحد.\n٨ - أن الناس في الدنيا قد يتناصرون بالباطل.\n٩ - إثبات يوم القيامة.\n(السبت: ١٧/ ٦/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1699>(وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (١١٠) وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (١١٢».</span> [النساء: ١١٠ - ١١٢].\n<hr><s0>\n\n(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) أحسنُ ما قيل في تفسير هذه الآية: أنّ عمل السوء أريد به عمل السوء مع الناس، وهو الاعتداء على حقوقهم، وأنّ ظلم النفس هو المعاصي الراجعة إلى مخالفة المرء في أحواله الخاصّة ما أمر به أو نُهيَ عنه. (تفسير ابن عاشور).\nوقيل: السوء الذنب الصغير، وظلم النفس الذنب الكبير.\nوقيل: من يعمل سوءًا بذنب دون الشرك، أو يظلم نفسه بالشرك.\n(ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّه) بالتوبة الصادقة ولو قبل الموت بيسير.\n(يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا) ممحيًا للزلات والهفوات.\n(رَحِيمًا) ومن رحمته قبول توبة عباده ومحوها.\nوفي الحديث قال -ﷺ- (قال تعالى: من تقرب مني شبرًا تقربت منه باعًا …).\n(وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا) أي: ذنبًا من الذنوب.\n(فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) لأن وباله راجع عليه، إذ الله له بالمرصاد، فهو مجازيه على ذلك لا محالة غير حامل لشيء من إثمه على غيره، كما أنه غير حامل لشيء من إثم غيره عليه، فليحترز عن تعريضها للعقاب والوبال، والكسب: فعل ما يجر نفعًا أو يدفع ضرًا.\n• قال القرطبي: لأنه عاقبته عائدة عليه.\nولما كان هذا لا يكون إلا مع العلم والحكمة قال تعالى:\n(وكان الله) أي الذي له كمال الإحاطة أزلًا وأبدًا.\n(عليمًا) أي بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله، فلا يترك شيئًا منه.\n• قال بعض العلماء: وختمها بصفة العلم، لأنه يعلم جميع ما يكسب، لا يغيب عنه شيء من ذلك.\n(حكيمًا) فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه، وإذا أراد شيئًا وضعه في أحكم مواضعه فلا يمكن غيره شيء من نقضه.\n• قال أبو حيان: وختمها بصفة العلم، لأنه يعلم جميع ما يكسب، لا يغيب عنه شيء من ذلك.\nثم بصفة الحكمة، لأنه واضع الأشياء مواضعها، فيجازي على ذلك الإثم بما تقتضيه حكمته.","vol":"5","page":250},{"text":"(وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا) ذكروا في الخطيئة والإثم وجوهًا:\nالأول: أن الخطيئة هي الصغيرة، والإثم هو الكبيرة.\nوثانيها: الخطيئة هي الذنب القاصر على فاعلها، والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل.\nوثالثها: الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو بالخطأ، والإثم ما يحصل بسبب العمد.\nورابعها: هما بمعنى واحد كرر لاختلاف اللفظ تأكيدًا.\n• قال ابن عاشور: وذكر الخطيئة والإثمِ هنا يدلّ على أنّهما متغايران، فالمراد بالخطيئة المعصية الصغيرة، والمراد بالإثم الكبيرة.\n(ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا) أي: يقذفُ بما جناه بريئًا منه.\nفإن قيل: الخطيئة والإِثم اثنان، فكيف قال: به، فعنه أربعة أجوبة.\nأحدها: أنه أراد: ثم يرم بهما، فاكتفى بإعادة الذكر على الإثم من إِعادته على الخطيئة، كقوله (انفضّوا إِليها) فخصّ التجارة، والمعنى للتجارة واللّهو.\nوالثاني: أن الهاء تعودُ على الكسب، فلما دلّ ب \"يكسب\" على الكسب، كنى عنه.\nوالثالث: أن الهاء راجعة على معنى الخطيئة والإِثم، كأنه قال: ومَن يكسب ذنبًا، ثم يرم به.\nذكر هذه الأقوال ابن الأنباري.\nوالرابع: أن الهاء تعود على الإِثم خاصة، قاله ابن جرير الطبري. [قاله ابن الجوزي].\n(فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) أي: فقد تحمّل جرمًا وذنبًا واضحًا.\n• قال القرطبي: والبُهتان من البَهْت، وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه بريء.","vol":"5","page":251},{"text":"وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبيّ -ﷺ- قال (أتدرون ما الغِيبة\"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: ذِكْرُك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته) وهذا نَصٌّ؛ فرمي البريء بهت له.\n• قال ابن عاشور: ودُلّ على عظم هذا البهتان بقوله (احتمل) تمثيلًا لحال فاعله بحال عناء الحامل ثِقلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1700>الفوائد:</span>\n١ - أن من استغفر وتاب من ذنوبه تاب الله عليه.\n٢ - أن فعل المعاصي ظلم للنفس.\n٣ - سعة مغفرة الله ورحمته.\n٤ - أن الله لا يظلم أحدًا.\n٥ - أن معصية العاصي تضره وحده.\n٦ - علم الله بكل شيء.\n٧ - تهديد من يتجرأ على المعاصي ويستمر عليها، بأن الله عليم بكل شيء.\n٨ - إثبات حكمة الله الكاملة.\n٩ - عظم جرم من يرم بريئًا بجرم وهو برئ منه.","vol":"5","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1701>(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣»</span> [النساء: ١١٣].\n<hr><s0>\n\n(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ) لولا: حرف امتناع لوجود، فامتنع همهم أن يضلوه لوجود فضل الله، والفضل: في الأصل هو الزيادة في العطاء، والرحمة: أعم من الفضل، فبسببها يكون الفضل، وهو حصول المطلوب وزوال المرهوب.\nوالمعنى: ولولا فضل الله عليك ورحمته بأن أراك وجه الصواب في هذه القصة.\n(لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) أي: أضمرت وقصدت فرقة منهم - وهم قوم السارق الذين أرادوا تبرئة صاحبهم من السرقة وإلصاقها بغيره - بإضلالك ويبعدونك عن إصابة الحق في الحكم في هذه القضية.\n• قال القرطبي (لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) عن الحق؛ لأنهم سألوا رسول الله -ﷺ- أن يبرئ ابن أُبَيرِق من التُّهمَة ويُلحقها اليهوديَّ، فتفضل الله ﷿ على رسوله -﵇- بأن نبّهه على ذلك وأعلمه إياه.\n(وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) أي: وما يضلون فيما حاولوا من التلبيس على النبي -ﷺ- والدفاع عن صاحبهم واتهامهم غيره إلا أنفسهم في الحال والمآل، لأن ضرر ذلك عائد إليهم، حيث سعوا في تبرئة السارق حقًا واتهام غيره.\n• قال القرطبي: لأنهم يعملون عمل الضالين، فوباله لهم راجع عليهم.\n(وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) الخطاب للنبي -ﷺ-، والمعنى: أنهم ما يمكن أن يضرونك بشيء أبدًا لفضل الله عليك ورحمته بك وعصمته لك وبيانه الحق.\n• قال الطبري: وما يضرك هؤلاء الذين هموا لك أن يزلُّوك عن الحق في أمر هذا الخائن من قومه وعشيرته (من شيء)، لأن الله مثبِّتك ومسدِّدك في أمورك، ومبيِّن لك أمر من سعوا في إضلالك عن الحق في أمره وأمرهم، ففاضِحُه وإياهم.\n• قال ابن الجوزي: فإن قيل: كيف قال (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهَمَّت طائفة) وقد همت بإضلاله؟\nفالجواب: أنه لولا فضل الله عليك ورحمته، لظهر تأثير ما همّوا به.\n(وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) الخطاب للنبي -ﷺ-، والمراد بالكتاب القرآن.\n(وَالْحِكْمَةَ) قيل: السنة، كما قال تعالى (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) وقيل: معرفة حكم واسرار الشريعة، ولا مانع من حمل الآية على المعنيين.","vol":"5","page":253},{"text":"• قال الطبري: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة، يقول: ومن فضل الله عليك، يا محمد، مع سائر ما تفضَّل به عليك من نعمه، أنه أنزل عليك\"الكتاب\"، وهو القرآن الذي فيه بيان كل شيء وهدًى وموعظة، والحكمة، يعني: وأنزل عليك مع الكتاب الحكمة، وهي ما كان في الكتاب مجملا ذكره، من حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، وأحكامه، ووعده ووعيده.\n(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) أي: من قبل نزول ذلك عليك.\nكقوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ\nعِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).\nوقوله تعالى (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ).\nوقوله تعالى (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ).\nوقوله تعالى (وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى) وقوله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ).\n• قال الطبري: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) من خبر الأولين والآخرين، وما كان وما هو كائن، فكل ذلك من فضل الله عليك، يا محمد، مُذْ خلقك، فاشكره على ما أولاك من إحسانه إليك، بالتمسك بطاعته، والمسارعة إلى رضاه ومحبته، ولزوم العمل بما أنزل إليك في كتابه وحكمته، ومخالفة من حاول إضلالك عن طريقه ومنهاج دينه.","vol":"5","page":254},{"text":"• قال ابن الجوزي: وفي قوله (وعلمك ما لم تكن تعلم) ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الشرع، قاله ابن عباس ومقاتل، والثاني: أخبار الأولين والآخرين، قاله أبو سليمان، والثالث: الكتاب والحكمة، ذكره الماوردي.\n(وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) هذا كالتوكيد لقوله (ولولا فضل الله عليك ورحمته)، والمعنى: فضل الله عليك يا محمد بالغًا غاية كبيرة جدًا في العظم، لأنه فضل وعطاء من العظيم، الذي لا أعظم منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1702>الفوائد:</span>\n١ - عظم فضل الله على نبيه.\n٢ - من ضل وعصى فإنما يضل على نفسه.\n٣ - أن القرآن منزل.\n٤ - إثبات علو الله تعالى.\n٥ - من نعم الله على نبيه إنزال الكتاب والحكمة.\n٦ - فضل العلم.\n٧ - أن الإنسان يشرف بالعلم.","vol":"5","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1703>(لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤».</span> [النساء: ١١٤].\n<hr><s0>\n\n(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ) أي: في كلام الناس.\n• قال السعدي: أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه خير، فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة كالكلام المحرم بجميع أنواعه.\n• قال ابن عاشور: علم من مفهوم الصفة أنّ قليلًا من نجواهم فيه خير، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع.\n(إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) أي: إلا نجوى من قال ذلك.\nالأولى: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ: أي: أمر غيره بالصدقة.\nبصدقة: بتنيكر صدقة: لتشمل الصدقة القليلة والكثيرة، والواجب والمستحب منها.\nوالمراد بالصدقة هنا: الإحسان بالمال، لأن الله ذكر (المعروف) بعدها.\nالثانية: أَوْ مَعْرُوفٍ: أي: أو أمر بمعروف.\nقال الطبري: والمعروف هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير.\nالثالثة: أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ: أي: أو أمر بإصلاح بين الناس.\nالإصلاح بين الناس: إزالة الفساد والقضاء على أسباب الفرقة والاختلاف بينهم وفض خصوماتهم وإنهاؤها\nومعنى الآية: لا خير في كثير مما يتناجى فيه الناس إلا ما كان من أعمال الخير، وذَكَر الله منها هذه الأقسام الثلاثة.\n• وهذا عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين، وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى.","vol":"5","page":256},{"text":"وفي الخبر: \" كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكرٍ لله تعالى \" فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال الثواب.\n• قال الرازي: هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة، والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير، ثم إنه تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع: الأمر بالصدقة، والأمر بالمعروف، والاصلاح بين الناس.\n• قال الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيرًا من مناجاة الناس فيما بينهم لا خير فيه.\nونهى في موضع آخر عن التناجي بما لا خير فيه، وبين أنه من الشيطان ليحزن به المؤمنين وهو قوله تعالى (ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَّمَا النجوى مِنَ الشيطان لِيَحْزُنَ الذين آمَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون).\nوقوله في هذه الآية الكريمة (أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ الناس) لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون دون الكفار أو لا.\nولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى (إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ). وقوله (وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَ) فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر، وكقوله تعالى (فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ).\n• قال بعض العلماء: وخص الصدقة والإصلاح بين الناس بالذكر من بين ما شمله هذا العام إيذانًا بالاعتناء بهما لما في الأول: من بذل المال الذي هو شقيق الروح، وما في الثاني: من إزالة فساد ذات البين وهي الحالقة للدين كما في الخبر، قال رسول الله -ﷺ- (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى قال: إصلاح ذات البين).","vol":"5","page":257},{"text":"(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) أي: مخلصًا في ذلك محتسبًا ثواب ذلك عند الله ﷿؟\n(فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) أي: ثوابًا كثيرًا واسعًا.\n• قال الطبري: فسوف نعطيه جزاء لما فعل من ذلك عظيمًا، ولا حدّ لمبلغ ما سمى الله - عظيمًا - يعلمه سواه.\n• قال البقاعي: وهذه الآية من أعظم الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال القلب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض دنيوي، فإن كان رياء انقلبت فصارت من أعظم المفاسد\n• قال السعدي: فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى ويخلص العمل لله في كل وقت وفي كل جزء من أجزاء الخير، ليحصل له بذلك الأجر العظيم، وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أم لا لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل.\n• في الآية فضل الصدقة. وللصدقة فضائل كثيرة منها:\nأولًا: أنها برهان على صحة الإيمان.\nكما في قال -ﷺ- (والصدقة برهان) رواه مسلم.\nقال ابن رجب: وأما الصدقة فهي برهان، … فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان.\nثانيًا: أنها تطهير للنفس.\nقال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ).\nثالثًا: أنها تغفر الذنوب.\nقال -ﷺ- (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه الترمذي.\nرابعًا: أن الصدقة تزيد المال.\nقال -ﷺ- (ما نقصت صدقة من مال) رواه مسلم.","vol":"5","page":258},{"text":"خامسًا: أنها تظلل صاحبها يوم القيامة.\nقال -ﷺ- (العبد في ظل صدقته يوم القيامة) رواه أحمد.\nوقال -ﷺ- (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: … ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).\nسادسًا: أنها وقاية النار.\nقال -ﷺ- (اتقوا النار ولو بشق تمرة) متفق عليه.\nوقال -ﷺ- للنساء (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاِسْتِغْفَارَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) متفق عليه.\nسابعًا: دعاء الملائكة.\nكما قال -ﷺ- (ما من صباح إلا وينزل ملكا: يقول أحدهما اللهم أعط منفقًا خلفًا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) متفق عليه\nثامنًا: أن فيها علاجًا من الأمراض.\nروي عنه -ﷺ- أنه قال (داووا مرضاكم بالصدقة).\nقال ابن شقيق (سمعت ابن المبارك وسأله رجل: عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال: اذهب فأحفر بئرًا في مكان حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرًا).\nتاسعًا: أن الله يدفع بالصدقة أنواعًا من البلاء.\nكما في وصية يحيى ﵇ لبني إسرائيل (وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم).\nفالصدقة لها تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجرٍ أو ظالمٍ، بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم وأهل الأرض مقرون به لأنهم قد جربوه. (الوابل الصيب).\nعاشرًا: أنه لا يبقى لصاحب المال من ماله إلا ما تصدق به.\nكما في قوله تعالى (ومَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُم).\nولما سأل النبي -ﷺ- عائشة عن الشاة التي ذبحوها ما بقى منها: قالت: ما بقى منها إلا كتفها، قال (بقي كلها غير كتفها) رواه الترمذي.\nالحادي عشر: أن يضاعف للمتصدق أجره.\nكما في قوله ﷿ (إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيم).\nوقال تعالى (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون).\nوقال تعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ).","vol":"5","page":259},{"text":"وقال -ﷺ- (إن الله يربي الصدقة كما يربي أحدكم فلوه) متفق عليه.\nعن أبي هُرَيْرَةَ قال. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ - إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ) متفق عليه.\nالثاني عشر: أن فيها انشراحًا للصدر.\nعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدَيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ حَتَّى تُغَشِّىَ أَنَامِلَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا) متفق عليه.\nفالمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه، فكلمَّا تصدَّق اتسع وانفسح وانشرح، وقوي فرحه، وعظم سروره، ولو لم يكن في الصَّدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبدُ حقيقيًا بالاستكثار منها والمبادرة إليها وقد قال تعالى (ومَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُون).\nالثالث عشر: الفضل الكبير.","vol":"5","page":260},{"text":"عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَال (بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ. فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلَانٌ. لِلاِسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لاِسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا قَالَ أَمَّا إِذَا قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَه) رواه مسلم.\nالرابع: صاحب الصدقة موعود بالخلف.\nكما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) أي يخلفه عليكم في الدنيا بالبذل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب.\n• أفضل وقت للصدقة: وقت الصحة والقوة.\nعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ فَقَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَان) متفق عليه.\nقال النووي ﵀: قَالَ الخطابي: فَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الشُّحّ غَالِب فِي حَال الصِّحَّة، فَإِذَا شَحّ فِيهَا وَتَصَدَّقَ كَانَ أَصْدَقَ فِي نِيَّته وَأَعْظَم لأَجْرِهِ، بِخِلَافِ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْت وَآيَسَ مِنْ الْحَيَاة وَرَأَى مَصِير الْمَال لِغَيْرِهِ فَإِنَّ صَدَقَته حِينَئِذٍ نَاقِصَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَة الصِّحَّة، وَالشُّحّ رَجَاء الْبَقَاء وَخَوْف الْفَقْر .. فَلَيْسَ لَهُ فِي وَصِيَّته كَبِير ثَوَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَدَقَة الصَّحِيح الشَّحِيح.\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: وَفِي الْحَدِيث أَنَّ تَنْجِيز وَفَاء الدَّيْن وَالتَّصَدُّق فِي الْحَيَاة وَفِي الصِّحَّة أَفْضَل مِنْهُ بَعْد الْمَوْت وَفِي الْمَرَض، وَأَشَارَ -ﷺ- إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: \" وَأَنْتَ صَحِيح حَرِيص تَأْمُل الْغِنَى الخ \" لأَنَّهُ فِي حَال الصِّحَّة يَصْعُب عَلَيْهِ إِخْرَاج الْمَال غَالِبًا لِمَا يُخَوِّفهُ بِهِ الشَّيْطَان وَيُزَيِّن لَهُ مِنْ إِمْكَان طُول الْعُمْر وَالْحَاجَة إِلَى الْمَال كَمَا قَالَ تَعَالَى (الشَّيْطَان يَعِدكُمْ الْفَقْر) الآيَة.","vol":"5","page":261},{"text":"وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء مَرْفُوعًا قَالَ: مَثَل الَّذِي يُعْتِق وَيَتَصَدَّق عِنْد مَوْته مِثْل الَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ \"، وَهُوَ يَرْجِع إِلَى مَعْنَى حَدِيث الْبَاب.\nوَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا \" لأَنْ يَتَصَدَّق الرَّجُل فِي حَيَاته وَصِحَّته بِدِرْهَمٍ خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّق عِنْد مَوْته بِمِائَة.\nفائدة:\nقال السمرقندي: عليك بالصدقة بما قلّ أو كثر، فإن في الصدقة عشر خصال محمودة خمس في الدنيا وخمس في الآخرة:\nأما التي في الدنيا:\nفأولها: تطهير المال كما قال النبي -ﷺ- (ألا إن البيع يحضره اللغو والحلف والكذب، فشوبوه بالصدقة).\nوالثاني: أن فيها تطهير البدن من الذنوب، كما قال الله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ …).\nوالثالث: أن فيها دفع البلاء والأمراض، كما قال النبي -ﷺ- (داووا مرضاكم بالصدقة).\nوالرابع: أن فيها إدخال السرور على المساكين، وأفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمنين.\nوالخامس: أن فيها بركة في المال وسعة في الرزق، كما قال تعالى (ومَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ).\nوأما الخمس التي في الآخرة:\nفأولها: أن تكون الصدقة ظلًا لصاحبها في شدة الحر.\nوالثاني: أن فيها خفة الحساب.\nوالثالث: أنها تثقل الميزان.\nوالرابع: جواز على الصراط.\nوالخامس: زيادة الدرجات في الجنة.\n• وفي الآية الحث على فعل المعروف بأنواعه.","vol":"5","page":262},{"text":"قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).\nوقال تعالى (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).\nقال -ﷺ- (لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق).\nوقال -ﷺ- (مامن مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان …).\nوقال -ﷺ- (كل معروف صدقة).\nقال الضحاك في قوله تعالى (إنا نراك من المحسنين) - في قصة يوسف ﵇ - كان إحسانه إذا مرض رجل في السجن قام عليه، وإذا ضاق عليه المكان وسع له إذا احتاج جمع سأل له.\nوقيل لابن المنكدر أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن. قيل أي الدنيا أحب إليك؟ قال الإفضال على الإخوان، أي التفضل عليهم والقيام بخدمتهم.\nوقال وهب بن منبه: إن أحسن الناس عيشًا من حسن عيش الناس في عيشه وإن من ألذ اللذة الإفضال على الإخوان.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1704> ثمرات فعل المعروف:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1705>أولًا: صرف البلاء.</span>\nقال -ﷺ- (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) رواه مسلم.\nوقال خديجة للنبي -ﷺ- لما جاءها وهو يقول زملوني قالت (كلا والله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق).\nوفي الحديث (صنائع المعروف تقي مصارع السوء) رواه الطبراني.\n\n<span data-type='title' id=toc-1706>ثانيًا: دخول الجنة.</span>\nقال -ﷺ- (لَقدْ رَأيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ في شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَرِيقِ كَانَتْ تُؤذِي المُسْلِمِين) رواه مسلم.","vol":"5","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1707>ثالثًا: مغفرة الذنوب والنجاة من أهوال الآخرة.</span>\nوعن أَبي هريرة -﵁-: أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- قَال (كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، وَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ أنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ فَتَجَاوَزَ عَنْه) متفقٌ عَلَيْهِ.\nوقال -ﷺ- (بَينَما رَجُلٌ يَمشي بِطَريقٍ اشْتَدَّ عَلَيهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشربَ، ثُمَّ خَرَجَ فإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبُ مِنَ العَطَشِ مِثلُ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أمْسَكَهُ بفيهِ حَتَّى رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ الله لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ) متفق عليه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1708> آداب صنع المعروف:</span>\nوَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَعْرُوفِ شُرُوطًا لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا، وَلَا يَكْمُلُ إلَّا مَعَهَا:\n• من ذلك: إخلاصه.\nكما في هذه الآية.\nوكما قال تعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا).\nوقال تعالى (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).\nوفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله (… ورجل تصدق بصدقة فأخفاها …).\n• ومِنْ ذَلِكَ: سَتْرُهُ عَنْ إذَاعَةٍ يَسْتَطِيلُ لَهَا، وَإِخْفَاؤُهُ عَنْ إشَاعَةٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا.\nقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إذَا اصْطَنَعَتْ الْمَعْرُوفَ فَاسْتُرْهُ، وَإِذَا صُنِعَ إلَيْ فَانْشُرْهُ.\nعَلَى أَنَّ سَتْرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ ظُهُورِهِ، وَأَبْلَغَ دَوَاعِي نَشْرِهِ؛ لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنْ إظْهَارِ مَا خُفِّي وَإِعْلَانُ مَا كُتِمَ.\n• وَمِنْ شُرُوطُ الْمَعْرُوفِ: تَصْغِيرُهُ.\nلِئَلَّا يَصِيرَ بِهِ مُدِلًّا بَطِرًا وَمُسْتَطِيلًا أَشِرًا.\nوقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -﵁-: لَا يَتِمُّ الْمَعْرُوفُ إلَّا بِثَلَاثٍ خِصَالٍ: تَعْجِيلُهُ وَتَصْغِيرُهُ وَسَتْرُهُ، فَإِذَا عَجَّلْتَهُ هَنَّأْتَهُ، وَإِذَا صَغَّرْتَهُ عَظَّمْتَهُ، وَإِذَا سَتَرْتَهُ أَتْمَمْتَهُ.\n• وَمِنْ شُرُوطِ الْمَعْرُوفِ: مُجَانَبَةُ الِامْتِنَانِ بِهِ وَتَرْكُ الْإِعْجَابِ بِفِعْلِهِ.\nلِمَا فِيهِمَا مِنْ إسْقَاطِ الشُّكْرِ، وَإِحْبَاطِ الْأَجْرِ.\nوَسَمِعَ ابْنُ سِيرِينَ رَجُلًا يَقُولُ لِرَجُلٍ: فَعَلْتُ إلَيْك وَفَعَلْتُ، فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: اُسْكُتْ فَلَا خَيْرَ فِي الْمَعْرُوفِ إذَا أُحْصِيَ.","vol":"5","page":264},{"text":"وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْمَنُّ مَفْسَدَةُ الصَّنِيعَةِ.\nوَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: كَدَّرَ مَعْرُوفًا امْتِنَانٌ وَضَيَّعَ حَسَبًا امْتِهَانٌ.\nوَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ مَنَّ بِمَعْرُوفِهِ أَسْقَطَ شُكْرِهِ، وَمَنْ أُعْجِبَ بِعَمَلِهِ أُحْبِطَ أَجْرُهُ.\n• وَمِنْ شُرُوطِ الْمَعْرُوفِ: أَنْ لَا يَحْتَقِرَ مِنْهُ شَيْئًا.\nوَإِنْ كَانَ قَلِيلًا نَزْرًا إذَا كَانَ الْكَثِيرُ مَعُوزًا وَكُنْت عَنْهُ عَاجِزًا، فَإِنَّ مَنْ حَقَّرَ يَسِيرَهُ فَمَنَعَ مِنْهُ أَعْجَزَهُ كَثِيرُهُ فَامْتَنَعَ عَنْهُ، وَفِعْلُ قَلِيلِ الْخَيْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ.\n• شكر صاحب المعروف.\nقال -ﷺ- (من لا يشكر الناس لا يشكر الله).\nوقال -ﷺ- (من صنع إليكم معروفًا فكافئوه).\n\n<span data-type='title' id=toc-1709>الفوائد:</span>\n١ - أن كثيرًا من كلام الناس ليس فيه خير.\n٢ - فضيلة الصدقة.\n٣ - حث الإنسان على فعل المعروف.\n٤ - فضل الإصلاح بين الناس.\n٥ - وجوب الإخلاص في جميع الإعمال.\n٦ - عظم ثواب من فعل ذلك ابتغاء وجه الله.","vol":"5","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1710>(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (١١٥».</span> [النساء: ١١٥].\n<hr><s0>\n\n(وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ) أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول -ﷺ-، فصار في شق والشرع في شق.\n• والمشاقة: هي المخالفة والمحادة والمعاداة، مأخوذة من الشق وهو الجانب، لأن المشاق يأخذ جانبًا غير جانب صاحبه، أو يفعل ما يشق على صاحبه.\n(مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) أي: من بعد ما ظهر له الحق وتبين واتضح له، بالدلائل القرآنية، والبراهين النبوية.\n(وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: ويتبع ويسلك في منهجه طريقًا مغايرًا ومخالفًا لطريق المؤمنين.\n(نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) أي: نتخلى عنه ونتركه وشأنه، ونكله إلى ما تولى فيهلك، لأن من تعلق شيئًا وكل إليه.\n• قال ابن كثير: ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك، بأن نحسنها في صدره ونزينها له - استدراجًا له - كما قال تعالى (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) وقال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) وقوله تعالى (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).\n(وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) أي: ندخله ونغمره ونحرقه فيها، وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ). وقال تعالى (وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا).\n(وَسَاءَتْ مَصِيرًا) أي: قبحت جهنم مصيرًا ومآلًا ومرجعًا.\n• قال ابن تيمية: قال العلماء: من لم يكن متبعًا سبيلهم كان متبعًا غير سبيلهم، فاستدلوا بذلك على اتباع سبيلهم واجب، فليس لأحد أن يخرج عما أجمعوا عليه.\n• وقال ﵀: فعلق الوعيد بمشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، مع العلم بأن مجرد مشاقة الرسول توجب الوعيد،\nولكن هما متلازمان، فلهذا علقه بهما، كما يعلقه بمعصية الله ورسوله، وهما متلازمان أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1711>الفوائد:</span>\n١ - تحريم مشاقة الرسول.\n٢ - أن الإجماع حجة.\n٣ - أن ما جاء به النبي هو الهدى والنور.\n٤ - عقوبة من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين.","vol":"5","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1712>(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦».</span> [النساء: ١١٦].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء) تقدم شرحها.\nوَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا) أي: فقد سلك غير طريق الحق، وضل عن الهدى وبعُد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة.\n• قال ابن عاشور: وقال في هذه (فقد ضل ضلالًا بعيدًا) وإنّما قال في السابقة (فقد افترى إثمًا عظيمًا) لأنّ المخاطب فيها أهل الكتاب بقوله (يا أيّها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مصدّقًا لما معكم) فنبّهوا على أنّ الشرك من قبيل الافتراء تحذيرًا لهم من الافتراء وتفظيعًا لجنسه.\nوأمّا في هذه الآية فالكلام موجه إلى المسلمين فنبّهوا على أنّ الشرك من الضلال تحذيرًا لهم من مشاقة الرسول وأحوال المنافقين فإنها من جنس الضلال.\n\n<span data-type='title' id=toc-1713>الفوائد:</span>\n١ - تحريم الشرك وعظم جرمه.\n٢ - أن من مات على الشرك فالجنة عليه حرام.\n٣ - أن الشرك أعظم الذنوب.\n٤ - أن من مات على غير الشرك فإنه لا يخلد في النار.","vol":"5","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1714>(إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا (١١٧) لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (١١٨) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢٠) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢».</span> [النساء: ١١٧ - ١٢٢].\n<hr><s0>\n\n(إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا) إن بمعنى (ما) أي: ما يدعون من دون الله إلا إناثًا.\n• قال الرازي: (إن) ههنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى (وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) و(يَدْعُونَ) بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئًا فإنه يدعوه عند احتياجه إليه.\n• وقال القرطبي: قوله تعالى (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ) أي من دون الله (إِلاَّ إِنَاثًا)؛ نزلت في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام.\nو(إِنٍ) نافية بمعنى (مَآ)، و(إناثًا) أصنامًا، يعني اللاّت والعُزَّى ومَنَاة.\n• وقد اختلف العلماء في معنى ذلك:\nقيل: أن المراد هو الأوثان، وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم: الّلات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، واللات تأنيث الله، والعزى تأنيث العزيز.\n• قال السعدي: قوله تعالى (إلا إناثًا) أي: أوثانًا وأصناما مسميات بأسماء الإناث كـ (العزى) و(مناة) ونحوهما، ومن المعلوم أن الاسم دال على المسمى. فإذا كانت أسماؤها أسماء مؤنثة ناقصة، دل ذلك على نقص المسميات بتلك الأسماء، وفقدها لصفات الكمال، كما أخبر الله تعالى في غير موضع من كتابه، أنها لا تخلق ولا ترزق ولا تدفع عن عابديها بل ولا عن نفسها؛ نفعًا ولا ضرًا، ولا تنصر أنفسها ممن يريدها بسوء، وليس لها أسماع ولا أبصار ولا أفئدة، فكيف يُعبد من هذا وصفه ويترك الإخلاص لمن له الأسماء الحسنى والصفات العليا والحمد والكمال، والمجد والجلال، والعز والجمال، والرحمة والبر والإحسان، والانفراد بالخلق والتدبير، والحكمة العظيمة في الأمر والتقدير؟ \" هل هذا إلا من أقبح القبيح الدال على نقص صاحبه، وبلوغه من الخسة والدناءة أدنى ما يتصوره متصور، أو يصفه واصف؟\nومع ذلك فعبادتهم إنما صورتها فقط لهذه الأوثان الناقصة\nوقيل: إناثًا: أي إلا أمواتًا لا روح فيها.","vol":"5","page":268},{"text":"وفي تسمية الأموت إناثًا وجهان: الأول: أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى، تقول: هذه الأحجار تعجبني: كما تقول: هذه المرأة تعجبني، الثاني: أن الأنثى أخس من الذكر، والميت أخس من الحي، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات.\nوقيل: إن المشركين كانوا يزعمون أن الملائكة إناث، فيكون المعنى (إلا إناثًا) بزعمهم.\nوقيل: لا يدعون إلا شيئًا مثل الإناث لا يدفع عن نفسه فكيف يدفع عن غيره؟\nوقيل: إن مع كل صنم جنيّة.\n(وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا) الدعاء هنا بمعنى العبادة، أي: وما يعبدون إلا الشيطان.\nوالعبادة بمعنى الطاعة، لأنه هو الذي أمرهم بذلك وحسنه لهم وزينه، وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر.\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا)\nالمراد في هذه الآية، بدعائهم الشيطان المريد عبادتهم له ونظيره قوله تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان) الآية. وقوله عن خليله إبراهيم مقررًا له (يا أبت لَا تَعْبُدِ الشيطان). وقوله عن الملائكة بل كانوا يعبدون الجن الآية\n• قوله تعالى (وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا) يريد إبليس؛ لأنهم إذا أطاعوه فيما سوّل لهم فقد عبدوه؛ ونظيره في المعنى (اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله) أي: أطاعوهم فيما أمروهم به؛ لا أنهم عبدوهم.\n(لَعَنَهُ اللَّهُ) أي: طرده وأبعده من رحمته وأخرجه من جواره.\n• قال الشيخ ابن عثيمين: وهذا يتعين أن يكون خبرًا، لأنه من الله، والله يفعل، ولا يدعو على أحد، فالله يخبر أنه لعنه كما قال تعالى (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين).\n(وَقَالَ) أي: الشيطان.","vol":"5","page":269},{"text":"(لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) أي: لأتخذن من عبادك الذين أبعدتني من أجلهم نصيبًا أي: حظًا مقدرًا معلومًا\nأدعوهم إلى طاعتي من الكفرة والعصاة.\nفكما أبعده الله من رحمته، يسعى في إبعاد العباد عن رحمة الله (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ).\n• فالشيطان يزين لهم طريق الضلالة ويدعوهم إلى طاعته، ويغويهم ويصرفهم عن سواء السبيل، فمن اتبعه وأطاعه فهو من حظه ونصيبه كما في الحديث (يقول تعالى: يا آدم! أخرج بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون)\n• قال الشنقيطي: ولم يبين هنا الفريق السالم من كونه من نصيب إبليس ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله (وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين) وقوله (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ) إلى غير ذلك من الآيات.\nولم يبين هنا هل نصيب إبليس هذا هو الأكثر أو لا ولكنه بين في مواضع أخر أنه هو الأكثر كقوله (ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يُؤْمِنُونَ) وقوله (وَمَآ أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) وقوله (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض يُضِلُّوكَ) وقوله (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأولين).\nوقد ثبت في الصحيح أن نصيب الجنة واحد من الألف والباقي في النار.\n(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ) أي: عن الحق، وقد أخبر تعالى عنه أنه أقسم كما في سورة الأعراف (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ).","vol":"5","page":270},{"text":"(وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) أي: أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم، وغيرها من الأماني، ومنها: إن الله غفور رحيم.\n• قال الآلوسي: (وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) الأماني الباطلة وأقول لهم: ليس وراءكم بعث، ولا نشر، ولا جنة، ولا نار، ولا ثواب ولا عقاب، فافعلوا ما شئتم، وقيل: أمنيهم بطول البقاء في الدنيا فيسوفون العمل، وقيل: أمنيهم بالأهواء بالباطلة الداعية إلى المعصية وأزين لهم شهوات الدنيا وزهراتها وأدعو كلًا منهم إلى ما يميل طبعه إليه فأصده بذلك عن الطاعة.\n• قال الرازي: وطلب الأماني يورث شيئين: الحرص والأمل، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان قال -ﷺ- (يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان الحرص والأمل) والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقًا في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة.\n(وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ) قال قتادة والسدي: يعني تشقيقها، وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة.\nأي: لآمرنهم بالشرك وعبادة غير الله من الأوثان، حتى يذبحوا للأوثان ويسكنوا لها ويحرموا منها ويحللوا ما شاءوا بأنفسهم، ويعمدوا إلى آذان بعض هذه الأنعام فيشققونها ويقطعونها كدليل على أنها موقوفة للأصنام متقرب بها إليهم.\n• البتك القطع، وسيف باتك أي قاطع، والتبتيك التقطيع، يبتكن، فهم يقطعونها كدليل على أنها محرّمة.\n• قال الواحدي: التبتيك هاهنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرًا، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها.\n• والأنعام: هي الإبل والبقر والغنم.\n(وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) أي: ولآمرنهم بتغيير خلق الله تعالى كخصاء العبيد والوشم والنمص والوشر.\nوفي الحديث (لعن رسول الله -ﷺ- النامصات والمتنمصات والواشمات والمستوشمات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله). متفق عليه","vol":"5","page":271},{"text":"ويدخل في ذلك تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها فيغييرون فطرة الخلق من التوحيد إل الشرك، ومن اليقين إلى الشك كما قال تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون).\n• قال الرازي: وللمفسرين هاهنا: قولان: الأول: أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة، وفي تقرير هذا القول وجهان: الأول: أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذا معنى قوله -ﷺ- (كل مولود يولد على الفطرة \" ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)\nالقول الثاني: حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر، كالنمص والوشر.\n(وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان وليًا لنفسه وترك ولاية الله تعالى.\n(فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مبينًا) أي: فقد خسر الدنيا والآخرة، وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها.\n(يَعِدُهُمْ) بالباطل.\n(وَيُمَنِّيهِمْ) المحال، والأمنيات غالبًا تكون بالأشياء المستبعدة الوقوع أو يستحيل وقوعها.\nكما قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) فإنه يعدهم إذا أنفقوا في سبيل الله افتقروا، ويخوفهم إذا جاهدوا بالقتل وغيره كما قال تعالى (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين).\n(وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) الغرور: كل شيء ظاهره مستحسن وباطنه يضر، فالشيطان يزين له معصية الله.\nوالشيطان يخذل أولياءه:\nكما قال تعالى مخبرًا عن إبليس يوم المعاد (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).\nوقال تعالى (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ).\nوقال تعالى (فلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ).\n(أُولَئِكَ) أي: المستجيبون له فيما وعدهم ومناهم.\n(مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) أي: مصيرهم ومآلهم يوم حسابهم إلى جهنم.\n(وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا) أي: ليس عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص ولا مناص، بل هم خالدون فيها أبد الآباد.\n(وَالَّذِينَ آمَنُوا) بقلوبهم، بما يجب الإيمان به.\n(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) بجوارحهم، وتقدم شرحها.","vol":"5","page":272},{"text":"(سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، تقدم شرحها.\n(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) بلا زوال ولا انتقال.\n(وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) أي: هذا وعد من الله، ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة.\n(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) أي: لا أحد أصدق منه قولًا وخبرًا، وكان -ﷺ- يقول في خطبته (إن أصدق الحديث كتاب الله،\nوخير الهدي هدي محمد -ﷺ-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة).\n\n<span data-type='title' id=toc-1715>الفوائد:</span>\n١ - بيان حقيقة الأصنام، وأنها من الجنس الضعيف.\n٢ - أن عبادة الشيطان دعاء.\n٣ - أن عبادة الشيطان طاعته.\n٤ - أن الشيطان يغوي ابن آدم.\n٥ - أن الله لعن الشيطان.\n٦ - أن الشيطان أقسم أن يتخذ من عباد الله نصيبًا مفروضًا.\n٧ - تحريم قطع آذان الأنعام إذا كانت على الوجه الذي يستعمله أهل الجاهلية.\n٨ - تحريم تغيير خلق الله، وأن ذلك من تلاعب الشيطان.\n٩ - التحذير من اتخاذ الشيطان وليًا.\n١٠ - أن مرجع الطائعين للشيطان جهنم.\n١١ - إثبات جهنم.","vol":"5","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1716>(لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣»</span> [النساء: ١٢٣].\n<hr><s0>\n\n(لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) قيل: إن المخاطبين في الآية هم المسلمون، وقيل: هم المشركون، حيث قالت قريش: لن نبعث ولن نعذب فنزلت الآية، واختاره ابن جرير، قال: لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله (ليس بأمانيكم) وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان المفروض.\nوالمعنى: ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصل بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، وإنما يحصل بالإيمان والعمل الصالح.\n• قال ابن كثير: والمعنى في الآية: أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، وليس كل من ادعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال (إنه هو المحق) سمِع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان، ولهذا قال تعالى (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله، واتباع ما شرعه على ألسنة رسله الكرام.\n• قال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل، إن قومًا آلهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم.\nوقد جاء في الحديث (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني). رواه الترمذي\n• قال السعدي (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: (لَيْسَ) الأمر والنجاة والتزكية (بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) والأماني: أحاديث النفس المجردة عن العمل، المقترن بها دعوى مجردة لو عورضت بمثلها لكانت من جنسها، وهذا عامّ في كل أمر، فكيف بأمر الإيمان والسعادة الأبدية؟!\nفإن أماني أهل الكتاب قد أخبر الله بها أنهم قالوا (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) وغيرهم ممن ليس ينتسب لكتاب ولا رسول من باب أولى وأحرى.\nوكذلك أدخل الله في ذلك من ينتسب إلى الإسلام لكمال العدل والإنصاف، فإن مجرد الانتساب إلى أي دين كان، لا يفيد شيئا إن لم يأت الإنسان ببرهان على صحة دعواه، فالأعمال تصدق الدعوى أو تكذبها ولهذا قال تعالى (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) وهذا شامل لجميع العاملين، لأن السوء شامل لأي ذنب كان من صغائر الذنوب وكبائرها، وشامل أيضًا لكل جزاء قليل أو كثير، دنيوي أو أخروي.","vol":"5","page":274},{"text":"• قال الشنقيطى: قوله تعالى (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب) لم يبين هنا شيئًا من أمانيهم، ولا من أماني أهل الكتاب، ولكنه أشار إلى بعض ذلك في مواضع أخر كقوله في أماني العرب الكاذبة (وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) وقوله عنهم (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) ونحو ذلك من الآيات، وقوله في أماني أهل الكتاب (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) الآية. وقوله (وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ) الآية. ونحو ذلك من الآيات.\nوما ذكره بعض العلماء من أن سبب نزول الآية أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النَّبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله فأنزل الله (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) الآية. لا ينافي ما ذكرنا. لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.\n(مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) قيل: المراد كل من عمل سوءًا صغيرًا أو كبيرًا من مؤمن أو كافر، فمن يعمل السوء والشر يناله عقابه عاجلًا أو آجلًا.\nكما قال تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).\nقال القرطبي: السوء هاهنا الشرك، قال الحسن: هذه الآية في الكافر، وقرأ (وَهَلْ يُجَازَى إلاَّ الْكَفُورُ).\nوقال الضحاك: يعني اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب.\nوقال الجمهور: لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجاز بعمله السوء، فأما مجازاة الكافر فالنار؛ لأن كفره أوْبَقَه، وأما المؤمن فبنكبات الدنيا، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: \" لما نزلت (مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ) بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال رسول الله -ﷺ- (قارِبوا وسَدِّدوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة يُنْكبها والشوكة يشاكها).\n(وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) تقدم شرح الولي والنصير.\n• قال السعدي: وقوله (وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) لإزالة بعض ما لعله يتوهم أن من استحق المجازاة على عمله قد يكون له ولي أو ناصر أو شافع يدفع عنه ما استحقه، فأخبر تعالى بانتفاء ذلك، فليس له ولي يحصل له المطلوب، ولا نصير يدفع عنه المرهوب، إلا ربه ومليكه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1717>الفوائد:</span>\n١ - أن التمني لا يجدي شيئًا.\n٢ - التهديد لمن عمل سوءًا.\n٣ - كمال قوة الله وسلطانه.\n٤ - أن المصائب في الدنيا كفارات.","vol":"5","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1718>(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤».</span> [النساء: ١٢٤].\n<hr><s0>\n\n(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) أي: من الأعمال الصحات.\nوالعمل الصالح ما توفر فيه شرطان: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة للشريعة\nدليل الأول قوله -ﷺ- (إنما الأعمال بالنيات …) ودليل الثاني قوله -ﷺ- (من عمل عملًا ليس عليه …).\n• وقد تقدم أن الله دائما يقرن العمل بالصالح، لأن العمل إذا لم يكن صالحًا لم يقبل.\n• فيجب على الإنسان أن يجتهد كل الاجتهاد في أن يكون عمله صالحًا.\n(وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وهذا شرط لجميع الأعمال، لا تكون صالحة ولا تقبل ولا يترتب عليها الثواب ولا يندفع بها العقاب إلا بالإيمان، فالأعمال بدون الإيمان كأغصان شجرة قطع أصلها وكبناء بني على موج الماء، فالإيمان هو الأصل والأساس والقاعدة التي يبنى عليه كل شيء، وهذا القيد ينبغي التفطن له في كل عمل أطلق، فإنه مقيد به.\n• فالإيمان شرط لقبول الأعمال وصحتها.\nكما في هذه الآية.\nوكما قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\nوقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا).\nوقال تعالى (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب).\n• فأعمال الكافر مردودة غير مقبولة.\nقال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).\nوقال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ).","vol":"5","page":276},{"text":"(فَأُولَئِكَ) أي: الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.\n(يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) المشتملة على ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.\n(وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) أي: لا قليلًا ولا كثيرًا مما عملوه من الخير، بل يجدونه كاملًا موفرًا، مضاعفًا أضعافًا كثيرة.\n• النقير: النقرة التي في ظهر نواة التمر.\nكما قال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا).\nوقال تعالى (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب).\n\n<span data-type='title' id=toc-1719>الفوائد:</span>\n١ - فضل الإيمان.\n٢ - بيان شروط قبول العمل، وهي الإيمان والإخلاص والمتابعة.\n٣ - فضل العمل الصالح.\n٤ - ينبغي الاجتهاد أن يكون عمل الإنسان صالحًا.\n٥ - الحذر من الرياء وطلب المحمدة.\n٦ - أن المؤمن مأواه الجنة.\n٧ - تنزيه الله عن الظلم.\n٨ - كمال عدل الله تعالى.","vol":"5","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1720>(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥».</span> [النساء: ١٢٥].\n<hr><s0>\n\n(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا) أي: لا أحد أحسن دينًا.\n• والمراد بالدين هنا العمل، لأن الدين يطلق على بمعنى الجزاء كقوله تعالى (مالك يوم الدين) وبمعنى العمل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى (لكم دينكم ولي دين) وكقوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم).\n(مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه بالعبادة.\n• قال ابن عاشور: وإسلام الوجه كناية عن تمام الطاعة والاعتراف بالعبودية، وهو أحسن الكنايات، لأنّ الوجه أشرف الأعضاء، وفيه ما كان به الإنسان إنسانًا، وفي القرآن (فقُل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعني).\n(وَهُوَ مُحْسِنٌ) الإحسان هنا: الموافقة للشريعة، فيكون في الآية دليل على شرطي العبادة، وهما الإخلاص والمتابعة.\n• قال ابن كثير: قوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) أخلص العمل لربه ﷿، فعمل إيمانًا واحتسابًا (وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي: اتبع في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق.\nوهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما، أي: يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متبعًا للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمن فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمن فقد الإخلاص كان منافقًا، وهم الذين يراءون الناس، ومن فقد المتابعة كان ضالًا جاهلًا، ومتى جمعهما فهو عمل المؤمنين (الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ)\n• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ).\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا أحد أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله في حال كونه محسنًا. لأن استفهام الإنكار مضمن معنى النفي، وصرح في موضع آخر: أن من كان كذلك فقد استمسك بالعروة الوثقى، وهو قوله تعالى (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى) ومعنى إسلام وجهه لله إطاعته وإذعانه، وانقياده لله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نهيه في حال كونه محسنًا أي: مخلصًا عمله لله لا يشرك فيه به شيئًا مراقبًا فيه لله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فالله تعالى يراه، والعرب تطلق إسلام الوجه، وتريد به الإذعان والانقياد التام.","vol":"5","page":278},{"text":"(وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) أي: واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن.\nكما قال تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\nوقال تعالى (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).\n• والحَنَف: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، والحنيفُ: المائل والجنف: ضده.\nوالأحنف: مَنْ في رجله ميل سمي بذلك تفاؤلًا، وقيل لمجرد الميل.\nقال ابن كثير: الحنيف: المنحرف قصدًا عن الشرك إلى التوحيد.\nوقد كان ذلك من إبراهيم حتى عُدَّ إمام الحنفاء الموحدين، قال تعالى: (ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ) وقال: (ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ) وهكذا فليكن أولياء الله.\n• والحنيفية لها في الشرع معنيان: أحدهما: الإسلام، والثاني: خاص: وهو الإقبال على الله بالتوحيد بالميل عن ما سواه.\nوهي دين الأنبياء جميعًا، وخصت بالإضافة إلى إبراهيم، لأن إبراهيم أكمل الخلق تحقيقًا لها مع تقدمه أبوةً على نبينا محمد المشارك له في كمال التحقيق للحنيفية.\n• صفات إبراهيم ﵇:\nالصفة الأولى: أمة.\nقال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ..).\nقيل معناها هنا: الرجل الجامع لخصال الخير حتى يقوم مقام أمة من الناس، وهذا هو المقصود في حق إبراهيم، وهذه تدلنا على عظيم ما كان يتصف به إبراهيم من عبادة ودعوة وخلق.\nوقيل أن المقصود بالأمة هنا: أي الإمام، أي قدوة يقتدى به في الخير، وممن قال به ابن جرير الطبري وابن كثير.\nالصفة الثانية: قانت.","vol":"5","page":279},{"text":"قال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا).\nوالقنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع.\nالصفة الثالثة: حنيفًا.\nوالحَنَف: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، والحنيفُ: المائل والجنف: ضده.\nوالأحنف: مَنْ في رجله ميل سمي بذلك تفاؤلًا، وقيل لمجرد الميل.\nقال ابن كثير: الحنيف: المنحرف قصدًا عن الشرك إلى التوحيد.\nوقد كان ذلك من إبراهيم حتى عُدَّ إمام الحنفاء الموحدين، قال تعالى (ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ) وقال (ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ) وهكذا فليكن أولياء الله.\nالصفة الرابعة: شاكر.\nقال تعالى (شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ) أي قائمًا بشكر نعم الله عليه.\nنعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافًا، وعلى قلبه: شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه: انقيادًا وطاعة.\nبالقلب، قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ).\nوباللسان، قال تعالى (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ).\nوبالجوارح، قال تعالى (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).\nالصفة الخامسة: الحلم.\nقال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).\nوالحلم: ضبط النفس والطبع عن الهيجان عند الاستثارة.\nوالحليم: الكثير الحلم وموقف إبراهيم من مقالة أبيه (لأَرْجُمَنَّكَ).\nومن العتاة قوم لوط حينما مرت به الملائكة وأخبرته بما أمرت بها قال (فلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وجَاءَتْهُ البُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).\nولم يكن حلم إبراهيم ذريعة يتذرع للسكوت عن المنكر بل كان يعلن الحق وينكر الباطل (وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ).","vol":"5","page":280},{"text":"الصفة السادسة: أوّاه.\nقال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).\nوالذي يتحقق من معنى الأوّاه أنه الخاشع الدعّاء المتضرع، وكثرة تأوّه إبراهيم وتضرعه بين يدي ربه قد ذكرت في آيات كثيرة تدل على تحقيق إبراهيم (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وإلَيْكَ أَنَبْنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ) وجدير بمن سلك طريق الدعوة أن يجعل تعجيل الإنابة من أبرز سماته ليكسب عون ربه وتسديده ومحبته.\nالصفة السابعة: السخاء.\nقال تعالى (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ * إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ).\nفذكر أن الضيف مكرمون لإكرام إبراهيم لهم، ولم يذكر استئذانهم ليدل على أنه قد عرف بإكرام الضيفان، مع أنهم قوم منكرون لا يعرفهم فقد ذبح لهم عجلًا واستسمنه، ولم يعلمهم بذلك بل راح: أي ذهب خفية حتى لا يُشعر به، تجاوبًا لضيافة، فدل على أن ذلك كان معدًا عندهم مهيئًا للضيفان، وخدمهم بنفسه، فجاء به ومرّ به إليهم ولم يقربهم إليه، وتلطف مبالغة في الإكرام فقال (أَلا تَأْكُلُونَ).\nالصفة الثامنة: الصبر.\nكان إبراهيم مثلًا يحتذى في الصبر حتى استحق أن يكون من أولي العزم الذين أمر رسولنا -ﷺ- أن يصبر كصبرهم (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).\nوكان صبر إبراهيم شاملًا لابتلاءات كثيرة، سيأتي بيان جملة منها بإذن الله.\nالصفة التاسعة: شجاعته.\nواجه إبراهيم قومه ولم يخش كيدهم وقال مقسمًا (وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) وقوله لهم (أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ..).\nالصفة العاشرة: تحقيقه الكامل لعقيدة الولاء والبراء.\nقال تعالى (وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إلاَّ الَذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ).\nفكل عدو لله وإن قربه النسب تجب البراءة منه، وكل ولي لله وإن باعدت به الأوطان والأزمان تجب موالاته ومحبته وقد أمرنا أن نتأسى بإبراهيم في ذلك (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ ..).\nالصفة الحادية عشرة: سلامة القلب.\nقال تعالى (وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ * إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).\nوسلامة القلب نوعان: كلاهما داخل في مضمون الآية، أحدهما: في حق الله وهو سلامة قلبه من الشرك، وإخلاصه العبودية لله، وصدق التوكل عليه.","vol":"5","page":281},{"text":"والثاني: في حق المخلوقين بالنصح لهم وإيصال الخير إليهم، وسلامة القلب من الحقد والحسد وسوء الظن والكبر وغير ذلك.\n(وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) قال القاسمي: أي صفيًّا خالص المحبة له، وإظهاره -﵇- في موضع الإضمار، لتفخيم شأنه\nوالتنصيص على أنه الممدوح، وسر هذه الجملة الترغيب في اتباع ملته -﵇-، فإن من بلغ من الزلفى عند الله تعالى مبلغًا مصححًا لتسميته خليلًا، حقيق بأن يكون اتّباع طريقته أهم ما يمتد إليه أعناق الهمم، وأشرف ما يرمق نحوه أحداق الأمم، فإن درجة الخلة أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه [صفه] به في قوله (وَإِبْرَاهِيمَ الّذِي وَفّى).\nقال كثير من علماء السلف: أي: قام بجميع ما أمر به، وفي كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير، وقال تعالى (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلماتٍ فَأَتَمّهُنّ) الآية، وقال تعالى (إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلم يَكُ مِنَ المشْرِكِينَ)\n• قال ابن القيم: الخُلَّة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، بحيث لا يبقى في القلب سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجهٍ ما، وهذا المنصب خاص للخليلين صلوات الله وسلامه عليهما: إبراهيم ومحمد، كما قال -ﷺ-: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا).\nوفي الصحيح عنه -ﷺ- أنه قال (لو كنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله) وفي حديث آخر (إني أبرأ إلى كل خليل من خلته).","vol":"5","page":282},{"text":"ولما سأل إبراهيم -﵇- الولد، فأُعْطِيه، فتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة، غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمر بذبحه، وكان الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاءً وامتحانًا، ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه، ليخلص القلب للرب، فلما بادر الخليل ﵊ إلى الامتثال، وقدم محبة الله على محبة ولده، حصل المقصود، فرفع الذبح وفدي بذبح عظيم، فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأسًا، بل لا بد أن يبقى بعضه أو بدله، كما أبقى شريعة الفداء، وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمس الصلوات بعد رفع الخمسين، وأبقى ثوابها، وقال (مَا يُبَدّلُ الْقَوْلُ لَدَيّ)، هي خمس في الفعل وخمسون في الأجر.\nثم قال ابن القيّم: وأما ما يظنه بعض الظانين؛ أن المحبة أكمل من الخلة وأن إبراهيم خليل الله ومحمد -ﷺ- حبيب الله، فمن جهله، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، والخلة نهاية المحبة، وقد أخبر النبي -ﷺ- أن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم.\nوأيضًا فإن الله سبحانه (يُحِب التّوّابِينَ) (وَيُحِبّ المتَطَهّرِينَ)، و(يُحِبّ الصّابِرِينَ) و(يُحِبّ المحْسِنِينَ) و(يُحِبّ المتّقِينَ) و(يُحِبّ المقْسِطِينَ) وخلته خاصة بالخليلين عليهما الصلاة والسلام، والشاب التائب حبيب الله، وإنما هذا عن قلة العلم والفهم عن الله ورسوله -ﷺ-.\n\n<span data-type='title' id=toc-1721>الفوائد:</span>\n١ - الحث على الإخلاص لله تعالى.\n٢ - الحث على المتابعة.\n٣ - فضيلة إبراهيم حيث أمرنا باتباعه.\n٤ - فضل تحقيق التوحيد.\n٥ - منقبة عظيمة لإبراهيم حيث اتخذه الله خليلًا.\n٦ - أن الخلة أعلى من المحبة.\n(٢٦/ ٦/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1722>(وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا (١٢٦».</span> [النساء: ١٢٦].\n<hr><s0>\n\n(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: كل ما في السماوات والأرض له ﷾ خلقًا وملكًا وتدبيرًا.\n• قال ابن جرير: أي أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون آلهة ومعبود.\n• وقال ابن كثير: إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.\n• وقال أبو بكر الجزائري: خلقًا وملكًا وتصرفًا.\nوقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على هذا العموم:\nقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).\nوقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا).\nوقال تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).\n• وهذه الجملة تؤيد تفرده سبحانه بالألوهية، وذلك من جانبين:\nالأول: حيث إن الجميع عبيد له ﷻ، وليس للعبد أن يعبد غير مالكه، أو يُشرِك غيره معه في العبادة، وقد نهاه عن ذلك.\nالثاني: وحيث إن الجميع عبيد له، فكيف يُعبد مملوك - كائنًا من كان - ويُترك المالك، أو يُشرَك مملوك في العبادة مع المالك، وقد نهى عن ذلك.\n• والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد فائدتين عظيمتين:\nالفائدة الأولى: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضًا فلا تعترض، ولو قضى عليك فقرًا فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء ..\nيدل لذلك ما أمرنا الله به أن نقول عند المصيبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).\nويدل لذلك أيضًا ما بينّه النبي -ﷺ- لابنته التي أشرف ابنها على الموت، حينما أرسلت إليه ليأتي، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب).\nالفائدة الثانية: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه.\nالفائدة الثالثة: أن كل ما في الكون ملك لله الأحد ﷾ من غير شريك، فما لدينا من مال ومتاع وجاه ليس ملكًا لنا بل هو ملك لله، وإنما نحن مستخلفون فيه للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).\nوقال -ﷺ- (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون ..) رواه مسلم.\n(وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) علمًا وقدرة، وسمعًا وبصرًا، وتدبيرًا وغير ذلك معاني ربوبيته تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1723>الفوائد:</span>\n١ - عموم ملك الله تعالى.\n٢ - أن السموات ذوات عدد.\n٣ - إحاطة الله بكل شيء.","vol":"5","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1724>(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧».</span> [النساء: ١٢٧].\n<hr><s0>\n\n(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ) أي: ويسألونك عما يجب عليهم في أمر النساء.\n• والإفتاء: هو الإخبار عن حكم شرعي.\n• قال القرطبي: نزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغير ذلك؛ فأمر الله نبيه ﵇ أن يقول لهم: الله يفتيكم فيهن؛ أي يبيّن لكم حكم ما سألتم عنه.\nوهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم: إن الله يفتيكم فيهن.\n(قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) أي: قل لهم يا محمد: يبين الله لكم ما سألتم في شأنهن.\n(وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) أي: ويبين لكم ما يتلى في القرآن من أمر ميراثهن.\n• قال القرطبي: والمعنى: والقرآن يفتيكم فيهن، وهو قوله (فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء).\n• قال الشنقيطي: لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم في الكتاب ما هو، ولكنه بينه في أول السورة وهو قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء) الآية. كما قدمناه عن أم المؤمنين عائشة - ﵂ - فقوله هنا (وَمَا يتلى) في محل رفع معطوفًا على الفاعل الذي هو لفظ الجلالة، وتقرير المعنى قل الله يفتيكم فيهن، ويفتيكم فيهن أيضًا (وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يَتَامَى النسآء) الآية. وذلك قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى) الآية.\nمضمون ما أفتى به هذا الذي يتلى علينا في الكتاب هو تحريم هضم حقوق اليتيمات فمن خاف أن لا يقسط في اليتيمة التي في حجره فليتركها ولينكح ما طاب له سواها، وهذا هو التحقيق في معنى الآية كما قدمنا، وعليه فحرف الجر المحذوف في قوله (وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ) هو عن أي: ترغبون عن نكاحهن لقلة مالهن وجمالهن. أي: كما أنكم ترغبون عن نكاحهن لقلة مالهن وجمالهن. أي: كما أنكم ترغبون عن نكاحهن إن كن قليلات مال وجمال فلا يحل لكم نكاحهن إن كن ذوات مال وجمال إلا بالإقساط إليهن في حقوقهن كما تقدم عن عائشة - ﵂.","vol":"5","page":285},{"text":"(فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) عن عائشة في قوله (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها قد شَركته في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية) متفق عليه.\nوعن عائشة (إن الناس استفتوا رسول الله -ﷺ- بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ ..) قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال الله (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ....).\n• قال ابن كثير: والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله ﷿، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون للرجل فيها رغبة لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله أن يُعضلها عن الأزواج خشية أن يَشركوه في ماله الذي بينه وبينها.\n• قوله تعالى (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) يحتمل (ترغبون [في] نكاحهن، ويحتمل: وترغبون [عن] نكاحهن.\n(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ) أي: ويفتيكم في المستضعفين الصغار أن تعطوهم حقوقهم.\n(وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) أي: وأجب عليكم أن تقوموا لليتامى بالقسط، أي: العدل.\nففي هذا وجوب العدل في اليتامى في كل شيء، قال سعيد بن جبير: كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات جمال ولا مال فانكحها واستأثر بها.\nاليتامى: جمع يتيم: وهو من مات أبوه وهو صغير.\n• قال الشنقيطي: ولم يبين هنا هذا القسط الذي أمر به لليتامى، ولكنه أشار له في مواضع أخر كقوله (وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ) وقوله (قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح) وقوله: (فَأَمَّا اليتيم فَلَا تَقْهَرْ) وقوله (وَآتَى المال على حُبِّهِ ذَوِي القربى واليتامى) الآية. ونحو ذلك من الآيات فكل ذلك فيه القيام بالقسط لليتامى.\n(وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) قليل أو كثير.\n(فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) فيجازيكم عليه، واقتصر على ذكر الخير لأنه الذي رغب فيه، وفي ذلك إشارة إلى أن الشر مما لا ينبغي أن يقع منهم أو يخطر ببال.\n\n<span data-type='title' id=toc-1725>الفوائد:</span>\n١ - حرص الصحابة على معرفة الأحكام الشرعية.\n٢ - اهتمام الشريعة الإسلامية باليتيم وبكل ضعيف.\n٣ - الرجوع إلى ما في القرآن.\n٤ - وجوب الاهتمام بالضعفاء.\n٥ - وجوب العدل خاصة مع الضعفاء كاليتيمة.\n٦ - يجوز للولي أن يتزوج اليتيم بشرط أن يعدل معها.\n٧ - أن كل ما يعلمه الإنسان من خير فإنه الله يعلمه.\n٨ - الحث على فعل الخير.","vol":"5","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1726>(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨».</span> [النساء ١٢٨].\n<hr><s0>\n\n(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) يقول تعالى مخبرًا ومشرعًا عن حال الزوجين: تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة عن حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها.\nفالحالة الأولى: ما إذا خافت من زوجها أن ينفر عنها، أو يعرض عنها، فلها أن تسقط حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا جناح عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها.\nوقد فعلت ذلك: سودة:\nفعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ أَكُونَ فِى مِسْلَاخِهَا مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ قَالَتْ فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِعَائِشَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِى مِنْكَ لِعَائِشَةَ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ\nيَوْمَيْنِ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ) متفق عليه.\n• فعلت سودة ذلك لأمور:\nالأمر الأول: جاء عند البخاري (تبتغي بذلك رضا رسول الله -ﷺ-.\nالأمر الثاني: عند مسلم كما في الحديث السابق (لما كبرت سودة جعلت يومها لعائشة).\nالأمر الثالث: خوفها أن يطلقها رسول الله -ﷺ-، قالت عائشة (كان رسول الله -ﷺ- لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكْثِه عندنا، … ولقد قالت سودة حين أسنت، وفرقت أن يفارقها رسول الله -ﷺ-: يا رسول الله! يومي لعائشة، فقَبِل رسول الله -ﷺ- منها) رواه أبو داود.\nوقد جاء عند ابن سعد في الطبقات أوضح من هذا (قالت للرسول -ﷺ-: إني أريد أن أبقى معك لأجل أن أبعث مع أزواجك يوم القيامة وإن يومي وهبته لعائشة).","vol":"5","page":287},{"text":"• تصرفها يدل على أمرين:\nالأول: على فقهها، لأن الرسول -ﷺ- لو طلقها لم تبقى من أمهات المؤمنين ولم تكن من أزواجه في الدار الآخرة.\nالثاني: وكونها اختارت عائشة بالذات، هذا يدل على محبتها للرسول -ﷺ- وشفقتها عليه، لأنها تعلم أن عائشة أحب نسائه إليه، فكان اهداء قسْمها لعائشة مما يسر النبي -ﷺ-.\nولهذا قال ابن جرير (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا) يَقُولُ: عَلِمَتْ مِنْ زَوْجِهَا (نُشُوزًا) يَعْنِي اسْتِعْلَاءً بِنَفْسِهِ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، أَثَرَةً عَلَيْهَا، وَارْتِفَاعًا بِهَا عَنْهَا، إِمَّا لِبُغْضَةٍ، وَإِمَّا لِكَرَاهَةٍ مِنْهُ بَعْضَ أَسْبَابِهَا، إِمَّا دَمَامَتُهَا، وَإِمَّا سِنُّهَا وَكِبَرُهَا، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهَا. (أَوْ إِعْرَاضًا) يَعْنِي: انْصِرَافًا عَنْهَا بِوَجْهِهِ أَوْ بِبَعْضِ مَنَافِعِهِ، الَّتِي كَانَتْ لَهَا مِنْهُ. (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) يَقُولُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا، يَعْنِي: عَلَى الْمَرْأَةِ الْخَائِفَةِ نُشُوزَ بَعْلِهَا أَوْ إِعْرَاضَهِ عَنْهَا، أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا، وَهُوَ أَنْ تَتْرُكَ لَهُ يَوْمَهَا، أَوْ تَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ الْوَاجِبِ لَهَا مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِ، تَسْتَعْطِفُهُ بِذَلِكَ، وَتَسْتَدِيمُ الْمَقَامَ فِي حِبَالِهِ، وَالتَّمَسُّكَ بِالْعَقْدِ الَّذِي بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مِنَ النِّكَاحِ، يَقُولُ (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) يَعْنِي: وَالصُّلْحُ بِتَرْكِ بَعْضِ الْحَقِّ اسْتِدَامَةً لِلْحُرْمَةِ، وَتَمَاسُكًا بِعَقْدِ النِّكَاحِ، خَيْرٌ مِنْ طَلَبِ الْفُرْقَةِ وَالطَّلَاقِ.\n(خافت) أي: توقعت وظنت بما يظهر لها من القرائن.\n(من بعلها) أي: زوجها، كما قال تعالى عن امرأة إبراهيم (ءألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخًا).\n(وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) من الفراق، قال ابن جرير: يعني والصلح بترك بعض الحق استدامة للحرمة وتمسكًا بعقد النكاح خير من طلب الفرقة والطلاق.\n• قال ابن كثير: والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النبي -ﷺ- سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة، ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه\nوقد جاء في البخاري عن عائشة (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، فتقول له: أمسكني ولا تطلقني ثم تزوج غيري فأنت في حلٍّ من النفقة عليّ والقسمة لي، فلذلك قوله تعالى (فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا)\n• والصلح خير في كل شيء، في الأمور الزوجية وغيرها.\n• قال القرطبي (والصلح خَيْرٌ) لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير\nعلى الإطلاق.","vol":"5","page":288},{"text":"ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وَطْء أو غير ذلك (خَيْرٌ) أي: خير من الفرقة؛ فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر، \" وقال ﵇ في البِغْضة: \"إنها الحالقة\" \" يعني حالقة الدِّين لا حالقة الشعر.\n(وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) أي: وجبلت الأنفس على الشح.\n• والشح: أشد البخل، واختار ابن جرير أن المعنى هو أحضرت أنفس النساء الشح بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة.\n• قال الشنقيطي: ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأنفس أحضرت الشح أي: جعل شيئًا حاضرًا لها كأنه ملازم لها لا يفارقها. لأنها جبلت عليه.\nوأشار في موضع آخر: أنه لا يفلح أحد إلا إذا وقاه الله شح نفسه وهو قوله تعالى (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون) ومفهوم الشرط أن من لم يوق شح نفسه لم يفلح وهو كذلك، وقيده بعض العلماء بالشح المؤدي إلى منع الحقوق التي يلزمها الشرع، أو تقتضيها المروءة، وإذا بلغ الشح إلى ذلك، فهو بخل وهو رذيلة والعلم عند الله.\n• الشح: أشد من البخل، فالبخل غالبًا يطلق على منع المال، وأما الشح فهو يتعلق بمنع الحق الواجب من المال، وبغير ذلك من أوجه الخير والإحسان والمعروف، بل ويحمل على الاعتداء على حقوق الناس وأموالهم كما قال -ﷺ- (اتقوا الشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح …). وقال -ﷺ- (إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا) رواه أبو داود.\nفهو مُنافٍ للإيمان.\nولهذا قال النبي -ﷺ- (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا) رواه النسائي.\nوالشُّح يُهلك صاحبه، وإذا شاع في المجتمعات مزقها وأهلكها.\nقال -ﷺ- (… وأما المهكات: فشحٌ مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء بنفسه) رواه أحمد.\nولهذا حذر النبي -ﷺ- من هذا الخُلق الذميم؛ لأنه يؤدي إلى شيوع الظلم، وقطيعة الرحم، وسفك الدماء، وأكل الأموال.\nفعن عبد اله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله -ﷺ- (إياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا …) رواه أبوداود.\nوقال -ﷺ- (شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع) رواه أبو داود.\nوقال -ﷺ- (يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، ويكثر الهرج).\n• فالشح يؤدي إلى قطيعة الرحم، والظلم والبغي، والعدوان على الناس وغير ذلك.","vol":"5","page":289},{"text":"• وإضافتُهُ إلى النفسِ لأنَّه غريزةٌ فيها مقتضيةٌ للحرصِ على المنعِ الذي هو البخلُ، ولهذا قال تعالى (وأحضرت الأنفس الشح)\n• قال ابن عاشور: وأضيف في هذه الآية إلى النفس لذلك فهو غريزة لا تسلم منها نفس.\n(وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) أي: وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتقسموا لهن أسوة أمثالهن فإن الله عالم بذلك، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء.\n• قال أبو حيان: ندب تعالى إلى الإحسان في العشرة على النساء وإن كرهن مراعاة لحق الصحبة، وأمر بالتقوى في حالهن، لأنّ الزوج قد تحمله الكراهة للزوجة على أذيتها وخصومتها لا سيما وقد ظهرت منه أمارات الكراهة من النشوز والإعراض،\nوقد وصى النبي -ﷺ- بهنّ \" فإنهنّ عوان عند الأزواج \".\n• قوله تعالى (وأن تحسنوا) الإحسان: هو إتقان العمل\n• قوله تعالى (وتتقوا) بترك المحظور والمنهيات.\nقوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) قال أبو حيان: وختم آخر هذه بصفة الخبير وهو علم ما يلطف إدراكه ويدق، لأنه قد يكون بين الزوجين من خفايا الأمور ما لا يطلع عليه إلا الله تعالى، ولا يظهران ذلك لكل أحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1727>الفوائد:</span>\n١ - حرص الشريعة على الإصلاح.\n٢ - أنه يجوز الاصطلاح بين الزوجين على ما يتفقا بينهما.\n٣ - للزوجة أن تسقط بعض حقها لكي لا يطلقها زوجها.\n٤ - أن الصلح خير في كل شيء.\n٥ - ذم الشح.\n٦ - فضل الكرم.\n٧ - الحث على الإحسان والتقوى.\n٨ - عموم علم الله تعالى.","vol":"5","page":290},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1728>(وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٢٩) وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠»</span> [النساء: ١٢٩ - ١٣٠].\n<hr><s0>\n\n(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) أي: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب ولو حرصتم عى العدل.\n• قال القرطبي: أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض.\n• وقال الشنقيطي: هذا العدل الذي ذكر الله تعالى هنا أنه لا يستطاع، هو العدل في المحبة والميل الطبيعي، لأنه ليس تحت قدرة البشر، بخلاف العدل في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع.\n• وقال ابن كثير: أي: ولن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة.\n• وقال الرازي: المعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل.\nوقد جاء في الحديث (أن النبي -ﷺ- كان يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك).\n(فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية.\n• قال ابن عاشور: أي لا يُفْرط أحدكم بإظهار الميل إلى أحداهنّ أشدّ الميل حتّى يسوء الأخرى بحيث تصير الأخرى كالمعلّقة.\n(فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) أي: فتبقى هذه الأخرى معلقة، قال بعض العلماء: أي: لا ذات زوج ولا مطلقة.\n(وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا) أي: وإن أصلحتم في أموركم وقسمتم بالعدل فيما تملكون واتقيتم الله في جميع الأحوال غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض.\n(فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) تقدم شرحها.\n(وَإِنْ يَتَفَرَّقَا) أي: وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه.","vol":"5","page":291},{"text":"(يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) الزوجة يرزقها بزوج صالح، والزوج يرزقه الله بزوجة صالحة.\n• قال القرطبي: أي: وإن لم يصطلحا بل تفرّقا فليحسنا ظنهما بالله، فقد يقيّض للرجل امرأة تقرّ بها عينه، وللمرأة من يوسِّع عليها.\n• قال الماوردي: يحتمل ثلاثة أوجه:\nأحدها: يغني الله كل واحد منهما بالقناعة والصبر عن صاحبه.\nوالثاني: يغني الله كل واحد منهما عن صاحبه بمن هو خير منه.\nوالثالث: يغني الله كل واحد منهما بمال يكون أنفع له من صاحبه.\n(وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا) قال ابن جرير: واسع يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير.\nوقال الخطابي: الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه.\nوقال السعدي: الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة، والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم.\nفالله ﷿ واسع العطاء، كثير الإفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وفضله، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.\nوالله واسع المغفرة.\nومن سعة مغفرته: أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه.\nقال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). وقال حملة العرش عن ربهم ﵎ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).\nوالله واسع العلم:\nكما قال تعالى (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا).\nوالله واسع الرحمة:\nكما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، وقال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).\n(حَكِيمًا) يضع الأمور في مواضعها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1729>الفوائد:</span>\n١ - وجوب العدل بين الزوجات فيما يستطيعه الإنسان.\n٢ - لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\n٣ - على الإنسان أن يجتهد أن يعدل بقدر استطاعته.\n٤ - رحمة الله بالزوجين.\n٥ - أن الله واسع حكيم.\n(الأحد: ٢/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1730>(وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣». [١٣١ - ١٣٢].</span>\n<hr><s0>\n\n(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) تقدم شرحها، فلا يتعذر عليه الإغناء بعد الفرقة، ولا الإيناس بعد الوحشة ولا ولا وفيه من التنبيه على كمال سعته وعظم قدرته ما لا يخفى.\nقال بعض العلماء: أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين بيّن أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى أعمال العباد، لأن مالك السماوات والأرض كيف يعقل أن يكون محتاجًا إلى عمل الإنسان مع ما هو عليه من الضعف والقصور، بل إنما أمر بها رعاية لما هو الأحسن لهم في دنياهم وأخراهم.\n(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا) أي: عهدنا.\nوالوصية: هي العهد بالشيء مع التأكيد.\n(الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) كاليهود والنصارى وغيرهم ممن أوتوا الكتاب، لأن كل رسول معه كتاب كما قال تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ).\n(وَإِيَّاكُمْ) أي: وصيناكم بما وصيناهم به.\n(أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) أي: اتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه [وقد تقدمت مباحث التقوى].\nوفي الحديث عن العرباض بن سارية: وَعَظَنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله: كأنَّهَا موعظة مُوَدّعٍ فأوْصِنا، قال: \"أوصيكم بتقوى الله ﷿ والسمع والطاعة) رواه الترمذي.\n• قال القرطبي: والمراد بالآية أن الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ ولا تبديل، بل هو وصية الله في الأولين والآخرين.\n• قال ابن عاشور: والإخبارْ بأنّ الله أوصى الذين أوتوا الكتاب من قبل بالتقوى مقصود منه إلْهاب همم المسلمين للتهمّم بتقوى الله لئلاّ تفضلهم الأمم الذين من قبلهم من أهل الكتاب، فإنّ للائتساء أثرًا بالغًا في النفوس، كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم).\n(وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: وإن تكفروا فلا يضره تعالى كفركم، لأنه مستغن عن العباد.\nكما قال تعالى (فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).\nوقال تعالى (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ).","vol":"5","page":293},{"text":"وقال تعالى (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ).\nوقال تعالى (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا).\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ).\n• قال ابن عاشور: بيَّن بها عدم حاجته تعالى إلى تقوى الناس، ولكنّها لصلاح أنفسهم، كما قال (إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم ولا يرضى لعباده الكفر).\n(وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا) عن جميع عباده، فالله غني عن كل ما سواه، غني في نفسه لكثرة ما عنده، غني عن خلقه، كما قال تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) له ملك السموات والأرض، وخزائن السموات والأرض كلها بيده، كما قال تعالى (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وقال تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)، فخزائنه ﷿ ملأ، لايغيضها كثرة الإنفاق، وليس بحاجة إلى خلقه، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، وكل شيء فقير إليه.\n• قال ابن القيم: هو الغني بذاته الذي كل ما سواه محتاج إليه، وليس به حاجة إلى أحد.\n• وقال السعدي: هو الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق، من جميع الوجوه، والاعتبارات لكماله، وكمال صفاته، فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنيًا، لأن غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا خالقًا قادرًا رازقًا محسنًا فلا يحتاج إلى أحد بوجه من الوجوه، فهو الغني الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة، المغني جميع خلقه غنى عامًا.\nقال: ومن كمال غناه: أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ولا شريكًا في الملك، ولا وليًا من الذل.\nوقال الخطابي: الغني: هو الذي استغنى عن الخلق وعن نصرتهم وتأييدهم لمُلكه، فليست به حاجة إليهم، وهم إليه فقراء محتاجون.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1731> الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:</span>\nأولًا: إفراد الله تعالى بالعبادة، لأنه سبحانه هو الغني الغنى المطلق المطلق، والغنى وصف له سبحانه ذاتي وما سواه من الخلائق مفتقر إليه، فالأمر كله له والملك كله له، وجميع الخلق مربوبون مملوكون، فكيف يتخذ منهم معبودًا مع الله تعالى؟\nثانيًا: الافتقار التام إلى الله ﷿، لأن الفقر صفة ذاتية ملازمة للعبد في جميع أحيانه ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، ولا يستغني عن ربه سبحانه طرفة عين، لأنه سبحانه الغني ذو الغنى المطلق الذي لا يحتاج إلى أحد، وكل أحد محتاج إليه.\nثالثًا: أن هذا الاسم يثمر في قلب المؤمن الغنى القلبي كما في الحديث (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى القلب) وهذا يثمر الاستغناء بالله تعالى وحده عن الناس وعزة النفس، والتعفف والزهد بما في أيدي الناس، وعدم التذلل لهم وعدم التعلق بأعطياتهم وإعانتهم، بل يجرد العبد تعلقه وقضاء حوائجه وطلب رزقه بالله الغني الحميد الكريم الوهاب الذي لا تفنى خزائنه.","vol":"5","page":294},{"text":"رابعًا: أن الله غني عن عباده، ومع ذلك فهو محسن إليهم، رحيم بهم، وهذا من كمال غناه وكرمه ورحمته.\nأما العباد فإنهم يحسنون إلى بعضهم البعض لتعلق مصالحهم بذلك إما عاجلًا وإما آجلًا.\n• فغنى الله يتضمن شيئين: الأول: الغنى الذاتي، لكثرة ما يملكه، إذ كل شيء ملكه، والثاني: الغنى عن الغير، فلا يحتاج إلى أحد وغيره محتاج إليه.\n(حَمِيدًا) اسم من أسماء الله، قال ابن جرير: أي محمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه، وبسط لهم من فضله.\n• وقال الخطابي: الحميد: هو المحمود الذي استحق الحمد بأفعاله.\n• وقال ابن كثير: أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وقدره لا إله إلا هو ولا رب سواه.\n• وقال السعدي: وأما الحميد فهو من أسماء الله تعالى الجليلة الدال على أنه [هو] المستحق لكل حمد ومحبة وثناء وإكرام، وذلك لما اتصف به من صفات الحمد، التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النِّعم الجزال، فهو المحمود على كل حال.\n• وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الصحيح أنها بمعنى المحمود والحامد، فالله سبحانه حامدٌ من يستحق الحمد، وما أكثر الثناء على من يستحقون الثناء في كتاب الله، وهو كذلك محمود على كمال صفاته، وتمام إنعامه.\n• وغنى الله مقرون بحمده كما في هذه الآية، وقال تعالى في آية أخرى (الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فهو غني يحمد على غناه، لأنه يجود به على غيره.\nفالله ذو الغنى الواسع. كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).\nوقال تعالى (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).\nوقال تعالى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).\nقال الشيخ ابن عثيمين: وليس كل غني يحمد على غناه، فالغني البخيل كالفقير تمامًا، بل أردأ من الفقير وأسوأ حالًا، لأن الغني يذم، والفقير لا يذم.","vol":"5","page":295},{"text":"(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) تقدم شرحها.\n• قال القرطبي: إن قال قائل: ما فائدة هذا التكرير؟ فعنه جوابان\nأحدهما: أنه كرر تأكيدًا؛ ليتنبه العباد وينظروا ما في ملكوته وملكه وأنه غني عن العالمين.\nالجواب الثاني: أنه كرر لفوائد: فأخبر في الأوّل أن الله تعالى يغني كلا من سعته، لأن له ما في السموات وما في الأرض فلا تنفذ خزائنه.\n• وقال البغوي: فإن قيل: فأي فائدة في تكرار قوله تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ).\nقيل: لكلّ واحد منهما وجه.\nأمّا الأول: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض وهو يُوصيكم بالتقوى فاقبلوا وصيتَه.\nوأمّا الثاني فيقول: فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيًّا أي: هو الغني وله الملك فاطلبوا منه ما تطلبون.\nوأمّا الثالث فيقول (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا) أي: له الملك فاتخذوه وكيلًا ولا تتوكلوا على غيره.\n• وقال الشيخ ابن عثيمن: هذه تكرار، لكنه تكرار مهم، ففي الأول بيان غناه ﷿ عن خلقه، وفي الثاني: بيان مراقبته لخلقه، فالآية الأخيرة تتضمن التحذير من المخالفة، والأولى تتضمن الأمر بالموافقة.\n(وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) لمن توكل عليه واعتمد عليه سبحانه.\n(إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه.\nكما قال تعالى (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).\nوقال تعالى (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ).\n• قال القرطبي: قوله تعالى: (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) يعني بالموت (أَيُّهَا الناس) يريد المشركين والمنافقين (وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) يعني بغيركم.\nولما نزلت هذه الآية ضرب رسول الله -ﷺ- على ظهر سلمان وقال: \" هم قوم هذا \" وقيل: الآية عامة، أي وإن تكفروا يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم.\nوهذا كما قال في آية أُخرى (وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يكونوا أَمْثَالَكُم).\nوفي الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورياسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالمًا فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يُذهبه ويأتيَ بغيره.","vol":"5","page":296},{"text":"• قال الشنقيطي: (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) الآية ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه إن شاء أذهب الناس الموجودين وقت نزولها، وأتى بغيرهم بدلًا منهم، وأقام الدليل على ذلك في موضع آخر، وذلك الدليل هو أنه أذهب من كان قبلهم وجاء بهم بدلًا منهم وهو قوله تعالى (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ).\nوذكر في موضع آخر: أنهم إن تولوا أبدل غيرهم وأن أولئك المبدلين لا يكونون مثل المبدل منهم بل يكونون خيرًا منهم، وهو قوله تعالى (وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يكونوا أَمْثَالَكُم).\nوذكر في موضع آخر: أن ذلك هين عليه غير صعب وهو قوله تعالى (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ) أي: ليس بممتنع ولا صعب.\n(وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا) القدرة، وصف يتمكن به القادر من الفعل بلا عجز، فالقدرة ضدها العجز، قال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1732>الفوائد:</span>\n١ - عموم ملك الله تعالى.\n٢ - اختصاص الملك العام لله.\n٣ - أهمية تقوى الله تعالى.\n٤ - أن الله لا يضره شيء.\n٥ - غنى الله الكامل.\n٦ - فقر العباد لربهم.\n٧ - كمال مراقبة الله لعبادة.\n٨ - إثبات المشيئة.\n٩ - بيان قدرة الله تعالى.\n١٠ - تهديد لمن يخالف أمر الله تعالى.","vol":"5","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1733>(مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤».</span> [النساء: ١٣٤].\n<hr><s0>\n\n(مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) قال ابن كثير: أي: يا من ليس همه إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك كما قال تعالى (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).\nوقال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ).\nوقال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا. وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا).\nوقيل: الآية في المنافقين.\n• قال القرطبي: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) أي: من عمل بما افترضه الله عليه طلبًا للآخرة أتاه الله ذلك في الآخرة، ومن عمل طلبًا للدنيا أتاه بما كتب له في الدنيا وليس له في الآخرة من ثواب؛ لأنه عمل لغير الله كما قال تعالى (وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ) وقال تعالى (أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار) وهذا على أن يكون المراد بالآية المنافقون والكفار، وهو اختيار الطبري.\nواختار ابن كثير المعنى الأول وقال: … فإن قوله (فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة، أي: بيده هذا وهذا، فلا يقْتَصِرَنَّ قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة بين الناس، وعدل بينهم فيما علمه فيهم، ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا؛ ولهذا قال (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا).\n• قال أبو حيان: والذي يظهر أنّ جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه، والتقدير: من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه، وليطلب الثوابين، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة.","vol":"5","page":298},{"text":"• وقال الراغب: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة تبكيت للإنسان حيث اقتصر على أحد السؤالين مع كون المسؤول مالكًا للثوابين، وحث على أن يطلب منه تعالى ما هو أكمل وأفضل من مطلوبه، فمن طلب خسيسًا مع أنه يمكنه أن يطلب نفيسًا فهو دنيء الهمة.\n(وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا) والسميع: اسم من أسماء الله تعالى، متضمن لصفة السمع لله تعالى، فهو سبحانه يسمع جميع الأقوال والأصوات، السر والجهر عنده سواء.\nكما قال تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).\nوقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).\nوقال تعالى (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).\nوقال تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ).\n• وسمع الله ينقسم إلى قسمين:\nأولًا: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظاهر.\nقال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي …).\nهذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.\nوقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).\nوقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.\nثانيًا: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.\nومنه قول إبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.\nومنه قول المصلي (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.\nومنه كقوله -ﷺ- (اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع) أي: من دعاء لا يستجاب.","vol":"5","page":299},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1734> آثار الإيمان بهذا الاسم:</span>\nأولًا: مراقبة الله تعالى فيما يقوله اللسان، سواء أسر أو جهر به، وسواء كان ذلك في جماعة أو في خلوة.\nثانيًا: اللجوء إلى الله وسؤاله سبحانه من حاجات الدنيا والآخرة، فهو السميع لدعاء عباده سرهم ونجواهم، وهذا المعنى من معاني السميع (المجيب) يسكب في القلب الطمأنينة والأنس بالله وحسن الظن به سبحانه، والرجاء فيما عنده، وعدم الملل من دعائه.\nوقد دعا الأنبياء والصالحون ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم:\nفإبراهيم وإسماعيل قالا (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nوامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصًا لله لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nودعا زكريا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).\nودعا يوسف -﵇- ربه أن يصرف عنه كيد النسوة (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nوأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن، قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).\n(بَصِيرًا) البصير: اسم من أسماء الله متضمن لصفة البصر.\n• قال السعدي: الذي يُبصر كلَّ شيء وإن رقَّ وصغُر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السماوات السبع.\nقال ابن القيم:\nوهو البصيرُ يرى دبيبَ النملةِ الـ … سوداءِ تحت الصخرِ والصَّوَانِ\nويرى مجاري القوت في أعضائها … ويَرى عُروق بياضِها بعيانِ.\nويرى خيانات العيون بِلْحظِها … وويرى كذلك تقلبَ الأجفانِ.","vol":"5","page":300},{"text":"• وصفة البصر من صفات الكمال كصفة السمع، فالمتصف بها أكمل ممن لا يتصف بذلك، قال تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ).\nوقد أنكر إبراهيم على أبيه عندما عَبَد ما لا يبصر ولا يسمع (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا).\n• والله بصير بأحوال عباده خبير بها، بصير بمن يستحق الهدايى منهم ممن لا يستحقها، بصير بمن يصلح حاله بالغنى والمال، وبمن يفسد حاله بذلك (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ).\n• وهو بصير بالعباد شهيد عليهم، الصالح منهم والطالح، المؤمن والكافر (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا).\n• ومن علم أن الله مطلع عليه استحى أن يراه على معصية أو فيما لا يحب، ومن علم أنه يراه أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها لربه وخشع، فقد جاء في حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي -ﷺ- عن الإحسان فقال -ﷺ- (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تن تراه فإنه يراك).\n\n<span data-type='title' id=toc-1735>الفوائد:</span>\n١ - أن خير الدنيا والآخرة كله عند الله.\n٢ - ذم من يطلب الدنيا فقط.\n٣ - انحطاط رتبة الدنيا على الآخرة.\n٤ - إثبات اسمين من أسماء الله: وهما السميع والبصير.","vol":"5","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1736>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِ</span>ن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥». [النساء: ١٣٥].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي: بالعدل، فلا يعدلوا عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف.\n• قال القرطبي: قوله تعالى (قوامين) بناء مبالغة، أي ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم، وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها.\nثم ذكر الوالدين لوجوب بِرِّهما وعِظم قدرِهما، ثم ثنّى بالأقربين إذ هم مظنة المودّة والتعصب؛ فكان الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه، فجاء الكلام في السورة في حفظ حقوق الخلق في الأموال.\n• وقال ابن عاشور: وصيغة (قوّامين) دالّة على الكثرة المراد لازمها، وهو عدم الإخلال بهذا القيام في حال من الأحوال، والقِسط العدل، وقد تقدّم عند قوله تعالى (قائمًا بالقسط) في سورة آل عمران.\n(شُهَدَاءَ لِلَّهِ) كما قال تعالى (وأقيموا الشهادة لله) أي: ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقًا، خالية من التحريف والتبديل والكتمان.\n(وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سُئلت عن الأمر فقل الحق فيه وإن كان مضرة عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من كل أمر يضيق عليه.\n(أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تُراعهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد، وهو مقدم على كل أحد.\n(إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) أي: لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما.\n• قال الرازي: أي إن يكن المشهود عليه غنيًا أو فقيرًا فلا تكتموا الشهادة، إما لطلب رضا الغنى أو الترحم على الفقير، فالله أولى بأمورهما ومصالحهما.\n• قال القرطبي: في الكلام إضمار وهو اسم كان؛ أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنِيًا فلا يُراعى لغناه ولا يُخاف منه، وإن يكن فقيرًا فلا يُراعى إشفاقًا عليه (فالله أولى بِهِمَا) أي فيما اختار لهما من فقر وغِنى.\n• قال ابن عاشور: والمقصود من ذلك التحذير من التأثّر بأحوال يَلتبس فيها الباطل بالحقّ لما يحفّ بها من عوارض يتوهّم أنّ رعيها ضرب من إقامة المصالح، وحراسة العدالة، فلمّا أبطلت الآية التي قبلها التأثّر للحميّة أعقبت بهذه الآية لإبطال التأثّر\nبالمظاهر التي تستجلب النفوسَ إلى مراعاتها فيتمحّض نظرها إليها، وتُغضي بسببها عن تمييز الحقّ من الباطل، وتذهل عنه، فمن النفوس من يَتوهّم أنّ الغنى يربأ بصاحبه عن أخذ حقّ غيره، يقول في نفسه: هذا في غنية عن أكل حقّ غيره، وقد أنعم الله عليه بعدم الحاجة.","vol":"5","page":302},{"text":"ومن الناس من يميل إلى الفقير رقّة له، فيحسبه مظلومًا، أو يحسب أنّ القضاء له بمال الغنيّ لا يضرّ الغنيّ شيئًا؛ فنهاهم الله عن هذه التأثيرات بكلمة جامعة وهي قوله (إن يكن غنيًا أو فقيرًا فالله أولى بهما).\n• قال السعدي: والقيام بالقسط من أعظم الأمور وأدل على دين القائم به، وورعه ومقامه في الإسلام، فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يهتم له غاية الاهتمام، وأن يجعله نُصْب عينيه، ومحل إرادته، وأن يزيل عن نفسه كل مانع وعائق يعوقه عن إرادة القسط أو العمل به.\nوأعظم عائق لذلك اتباع الهوى، ولهذا نبه تعالى على إزالة هذا المانع بقوله:\n(فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغْضَة الناس إليكم، على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).\n(فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) أي: كراهة أن تعدلوا.\n• قال ابن عاشور: فجعل الميل نحو الموالي والأقارب من الهوى، والنظر إلى الفقر والغنى من الهوى.\n• وقال القرطبي: قوله تعالى (فَلَا تَتَّبِعُواْ الهوى) نهي، فإن اتباع الهوى مُرْدٍ، أي مهلك؛ قال الله تعالى (فاحكم بَيْنَ الناس بالحق وَلَا تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله) فاتباع الهوى يحمل على الشهادة بغير الحق، وعلى الجور في الحكم، إلى غير ذلك.\n• وقال الشعبيّ: أخذ الله ﷿ على الحكام ثلاثة أشياء: ألاّ يتّبعوا الهوى، وألاّ يخشَوا الناسَ ويخشوه، وألاّ يشتروا بآياته ثمنًا قليلًا.\n(وَإِنْ تَلْوُوا) أي: تحرفوا الشهادة وتغيروها، و(اللي) هو التحريف وتعمد الكذب.\n(أَوْ تُعْرِضُوا) الإعراض هو كتمان الشهادة وتركها، قال الله تعالى (ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ).\n(فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) وعيد شديد، أي: وسيجازيكم بذلك.\n• قال السعدي: أي: محيط بما فعلتم، يعلم أعمالكم خفيها وجليها، وفي هذا تهديد شديد للذي يلوي أو يعرض، ومن باب أولى وأحرى الذي يحكم بالباطل أو يشهد بالزور، لأنه أعظم جرمًا، لأن الأولين تركا الحق، وهذا ترك الحق وقام بالباطل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1737>الفوائد:</span>\n١ - وجوب إقامة الشهادة.\n٢ - وجوب العدل فيها.\n٣ - وجوب العدل في الشهادة.\n٤ - الإشارة إلى الإخلاص في أداء الشهادة.\n٥ - وجوب الإقرار على من عليه الحق.\n٦ - تحريم المحاباة للوالدين أو الأقربين.\n٧ - خطر الهدى وتحريمه.\n٨ - تهديد من خالف أمر الله وظلم.\n(الأحد: ٨/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1738>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦».</span> [النساء: ١٣٦].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ) والإيمان بالله يتضمن: الإيمان بوجوده وبربوبيته وبألوهيته وبأسمائه وصفاته.\n• فإن قيل: كيف يأمر هم الله بالإيمان وهم متصفون بذلك؟\nقيل: المراد المداومة على ذلك والثبات عليه وتكميل النقائص.\n• قال ابن كثير: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشُعَبهِ وأركانه ودعائمهِ، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه.\n• وقال السعدي: اعلم أن الأمر إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه، فهذا يكون أمرًا له في الدخول فيه، وذلك كأمر من ليس بمؤمن بالإيمان، كقوله تعالى (يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ).\nوإما أن يوجه إلى من دخل في الشيء، فهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه ويحصل ما لم يوجد، ومنه ما ذكره الله في هذه الآية من أمر المؤمنين بالإيمان، فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق، وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات، ويقتضي أيضا الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله، فإنه كلما وصل إليه نص وفهم معناه واعتقده فإن ذلك من الإيمان المأمور به.\n• وقال الماوردي: قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ) فإن قيل فكيف قيل لهم (ءَامِنُواْ) وحُكِي عنهم أنهم آمنوا؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة:\nأحدها: يا أيها الذين آمنواْ بمن قبل محمد من الأنبياء آمنواْ بالله ورسوله ويكون ذلك خطابًا ليهود والنصارى.\nالثاني: معناه يا أيها الذين آمنوا بأفواههم أمنواْ بقلوبكم، وتكون خطابًا للمنافقين.\nوالثالث: معناه يا أيها الذين آمنوا داومواْ على إيمانكم، ويكون هذا خطابًا للمؤمنين، وهذا قول الحسن.\n• وقال الآلوسي: قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ) خطاب للمسلمين كافة فمعنى قوله تعالى (ءامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ والكتاب الذى نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ) أثبتوا على الإيمان بذلك وداوموا عليه، وروي هذا عن الحسن واختاره الجبائي.\nوقيل: الخطاب لهم، والمراد ازدادوا في الإيمان طمأنينة ويقينًا، أو: آمنوا بما ذكر مفصلًا بناءًا على أن إيمان بعضهم إجمالي، وأيًا مّا كان فلا يلزم تحصيل الحاصل، وقيل: الخطاب للمنافقين المؤمنين ظاهرًا فمعنى (ءامَنُواْ) أخلصوا الإيمان، واختاره الزجاج وغيره.\n(وَرَسُولِهِ) أي: محمد -ﷺ-.","vol":"5","page":304},{"text":"(وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ) يعني: القرآن.\n(وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة.\n• قال ابن كثير: قال في القرآن (نزّل) لأنه نزل مفرقًا منجمًا على الوقائع، بحسب ما يحتاج العباد إليه في معادهم ومعاشهم، وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة.\n• وقال ابن عاشور: وجاء في صلة وصف الكتاب (الذي نَزّل على رسوله) بصيغة التفعيل، وفي صلة الكتاب (الذي أنزل من قبل) بصيغة الإفعال تفنّنا، أو لأنّ القرآن حينئذٍ بصدد النزول نجومًا، والتوراة يومئذٍ قد انقضى نزولها.\nومن قال: لأنّ القرآن أنزل منجّمًا بخلاف غيره من الكتب فقد أخطأ إذ لا يعرف كتاب نزل دَفْعَة واحدة.\n(وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا) وأي ضلال أبعد من ضلال من ترك طريق الهدى المستقيم، وسلك الطريق الموصلة له إلى العذاب الأليم؟\nواعلم أن الكفر بشيء من هذه المذكورات كالكفر بجميعها، لتلازمها وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض.\n\n<span data-type='title' id=toc-1739>الفوائد:</span>\n١ - وجوب الثبات على الإيمان.\n٢ - وجوب تكميل الإيمان.\n٣ - أن القرآن منزل.\n٤ - أن القرآن الكريم نزل منجمًا مفرقًا.\n٥ - وجوب الإيمان بالكتب السابقة.\n٦ - التحذير من الكفر.","vol":"5","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1740>(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧».</span> [النساء: ١٣٧].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه ثم رجع، واستمر على ضلاله وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجًا ولا مخرجًا، ولا طريقًا إلى الهدى.\n• قال ابن عطية: واختلف المتأولون في المراد بقوله تعالى (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا).\nفقالت طائفة منهم قتادة وأبو العالية: الآية في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا بمحمد ﷺ، ورجح الطبري هذا القول.\nوقال الحسن بن أبي الحسن: الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره).\nوقال مجاهد وابن زيد: الآية في المنافقين، فإن منهم من كان يؤمن ثم يكفر، ثم يؤمن ثم يكفر، يتردد في ذلك، فنزلت هذه الآية فيمن ازداد كفرًا بأن تم على نفاقه حتى مات.\nقال القاضي: وهذا هو القول المترجح، وقول الحسن بن أبي الحسن جيد محتمل، وقول قتادة وأبي العالية وهو الذي رجح الطبري قول ضعيف، تدفعه ألفاظ الآية، وذلك أن الآية إنما هي في طائفة يتصف كل واحد منها بهذه الصفة من التردد بين الكفر والإيمان، ثم يزداد كفرًا بالموافاة، واليهود والنصارى لم يترتب في واحد منهم إلا إيمان واحد وكفر واحد، وإنما يتخيل فيهم\nالإيمان والكفر مع تلفيق الطوائف التي لم تتلاحق في زمان واحد، وليس هذا مقصد الآية.\n• قال أبو حيان: قوله تعالى (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا) لما أمر بالأشياء التي تقدم ذكرها، وذكر أنّ من كفر بها أو بشيء منها فهو ضال، أعقب ذلك بفساد، وطريقة من كفر بعد الإيمان، وأنه لا يغفر له على ما بين.\nوالظاهر أنها في المنافقين إذ هم المتلاعبون بالدين، فحيث لقوا المؤمنين (قالوا آمنا) وإذا لقوا أصحابهم (قالوا إنا مستهزئون) ولذلك جاء بعده بشر المنافقين، فهم مترددون بين إظهار الإيمان والكفر باعتبار من يلقونه.\nومعنى ازداد كفرًا بأن تم على نفاقه حتى مات، وقيل: ازدياد كفرهم هو اجتماعهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حرب المسلمين، وإلى هذا ذهب: مجاهد وابن زيد.\nوقال الحسن: هي في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت (آمنوا وجه النهار واكفروا آخره) قصدوا تشكيك المسلمين وازدياد كفرهم هو أنهم بلغوا في ذلك إلى حدّ الاستهزاء والسخرية بالإسلام.","vol":"5","page":306},{"text":"وقال قتادة وأبو العالية وطائفة، ورجحه الطبري: هي في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد ﷺ، وضعف هذا القول ابن عطية.\n(لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) إذا ماتوا على كفرهم.\nفالجمهور على تقدير محذوف أي: ثم ازدادوا كفرًا وماتوا على الكفر، لأنه معلوم من هذه الشريعة أنه لو آمن وكفر مرارًا ثم تاب عن الكفر وآمن ووافى تائبًا، أنه مغفور له ما جناه في كفره السابق وإن تردد فيه مرارًا.\n(وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) أي: طريقًا إلى الخير.\n\n<span data-type='title' id=toc-1741>الفوائد:</span>\n١ - أن من لم يستقر الإيمان في قلبه يكون مآله إلى الردة.\n٢ - أن من مات على الكفر لا يغفر الله له.","vol":"5","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1742>(بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا (١٣٩».</span> [النساء: ١٣٨ - ١٣٩].\n<hr><s0>\n\n(بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي: أخبر المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر (بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي: عابًا مؤلمًا موجعًا حسًا ومعنى.\n• قوله تعالى (بشر) التبشير في الأصل الإخبار بما يسر، وقد يطلق على الشر - كما هنا - تهكمًا كما قال تعالى (ذق إنك أنت العزيز الكريم) وقال تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).\n• قال ابن عاشور: … ولمّا كان التظاهر بالإيمان ثم تعقيبه بالكفر ضربًا من التهكّم بالإسلام وأهله، جيء في جزاء عملهم بوعيد مناسب لتهكّمهم بالمسلمين، فجاء به على طريقة التهكّم إذ قال (بشر المنافقين)، فإنّ البشارة هي الخبر بما يَفرحَ المخبَر به، وليس العذاب كذلك.\nكما قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا).\n(الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) قال ابن كثير: بمعنى أنهم معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون، أي: بالمؤمنين في إظهارنا لهم بالموافقة.\n• قال تعالى منكرًا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكفار:\n(أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) أي: أيطلبون بموالاة الكفار القوة والغلبة؟ والإستفهام إنكاري، أي: إن الكفار لا عزة لهم فكيف تُبتغى منهم.\n(فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) أي: إن العزة لله ولأوليائه، كما قال تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) وقال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ).\n• قال ابن كثير: والمقصود من هذا: التهييج على طلب العزة من جناب الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1743>الفوائد:</span>\n١ - تهديد المنافقين بالعذاب الأليم.\n٢ - وجوب الحذر من صفات المنافقين.\n٣ - خطر المنافقين.\n٤ - أن من أقبح صفات المنافقين موالاة الكفار.\n٥ - أن من تولى الكفار ففيه نفاق.\n٦ - أن من ابتغى العزة من دون الله فهو ذليل.\n٧ - وجوب تعليق القلب بالله تعالى.","vol":"5","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1744>(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١»</span> [النساء: ١٤٠ - ١٤٣].\n<hr><s0>\n\n(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) أي: في القرآن، والفاعل هو الله ﷿.\n(أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ) المراد بآيات الله هنا الشرعية، وهي ما جاءت به الرسل، ولكن لا مانع أنها تشمل الآيات الكونية.\n(يُكْفَرُ بِهَا) الكفر بآيات الله الشرعية بتكذيبها أو بمخالفتها، والكفر بآيات الله الكونية، بنسبتها إلى غير الله، أو جعْل شريك مع الله، أو أن لله معاونًا.\n(وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا) أي: تتخذ سخرية وهزوًا، كأن يسخر بآيات الله الشرعية (القرآن) أو بأحكامه أو فيما أخبر به من الحوادث، مثل أن يسخر بيوم القيامة، أو يسخر بآدم، أو بقصص الأنبياء.\n(فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ) أي: فلا تمكثوا معهم.\n(حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) أي: لا تجلسوا مع الكافرين الذين يستهزئون بآيات الله حتى يتحدثوا بحديث آخر ويتركوا الخوض في القرآن.\n• (حتى) هنا تفيد الغاية، بمعنى إلى أن يخوضوا في حديث غيره، وتأتي (حنى) للتعليل مثل قوله تعالى (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) (حتى) للتعليل، والمعنى: (لا تنفقوا) لأجل أن ينفضوا.\n• قال الجصاص: قوْله تَعَالَى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا) فِيهِ نَهْيٌ عَنْ\nمُجَالَسَةِ مَنْ يُظْهِرُ الْكُفْرَ وَالِاسْتِهْزَاءَ بِآيَاتِ اللَّهِ، فَقَالَ تَعَالَى (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) وَ\" حَتَّى \" هَهُنَا تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَصِيرُ غَايَةً لِحَظْرِ الْقُعُودِ مَعَهُمْ حَتَّى إذَا تَرَكُوا إظْهَارَ الْكُفْرِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِ اللَّهِ زَالَ الْحَظْرُ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ.\nوَالثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا رَأَوْا هَؤُلَاءِ أَظْهَرُوا الْكُفْرَ وَالِاسْتِهْزَاءَ بِآيَاتِ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ لِئَلَّا يُظْهِرُوا ذَلِكَ وَيَزْدَادُوا كُفْرًا وَاسْتِهْزَاءً بِمُجَالَسَتِكُمْ لَهُمْ؛ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.\nثم قال: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ عَلَى فَاعِلِهِ وَأَنَّ مِنْ إنْكَارِهِ إظْهَارُ الْكَرَاهَةِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ إزَالَتُهُ وَتَرْكُ مُجَالَسَةِ فَاعِلِهِ وَالْقِيَامُ عَنْهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ وَيَصِيرَ إلَى حَالٍ غَيْرِهَا.","vol":"5","page":309},{"text":"(إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيت الجلوس معهم في المكان الذي بكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، ولهذا قال (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) أي: في الماثم، كما جاء في الحديث (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر).\n• والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام وهي مكية (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)\n• قال القرطبي: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضِي فعلهم، والرّضا بالكفر كفر؛ قال الله ﷿ (إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ) فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكِر عليهم يكون معهم في الوِزر سواء، وينبغي أن ينكِر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعمِلوا بها؛ فإن لم يقدر على النكِير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.\nوإذا ثبت تجنّب أصحاب المعاصي كما بيّنا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى.\n• وقال ابن الجوزي: وقد نبّهت الآية على التحذير من مجالسة العصاة، قال إِبراهيم النخعي: إِن الرجل ليجلس في المجلس فيتكلم بالكلمة، فيرضى الله بها، فتصيبُه الرحمة فتعمُّ من حوله، وإِن الرجل ليجلس في المجلس، فيتكلم بالكلمة، فيسخط الله بها، فيصيبه السخط، فيعم من حوله.\n• وقال ابن عاشور: وفي النهي عن القعود إليهم حكمة أخرى: وهي وجوب إظهار الغضب لله من ذلك كقوله (تُلْقُونَ إليهم بالمودّة وقد كَفروا بما جاءكم من الحقّ).\n• قال البغوي: قوله تعالى تعالى (حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة، وقال الحسن: لا يجوز القعود معهم وإن خاضوا في حديث غيره، لقوله تعالى (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) والأكثرون على الأول. وآية الأنعام مكية وهذه مدنية والمتأخر أوْلَى.\n(إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) وذلك يوم القيامة.\n• وفي الآية أن المنافقين أشد من الكفار، لأن الله بدأ بهم، وكذلك بدأ بهم في قوله تعالى (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ)، فجميع الآيات التي فيها الجمع بين المنافقين والكفار يقدم الله فيها المنافقين، إلا في آية واحدة وهي قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) وذلك لأن جهاد الكفار يكون بالسلاح علنًا، وجهاد المنافقين يكون بالعلم والبيان وليس بالقتال.","vol":"5","page":310},{"text":"(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفر عليهم، وذهاب ملتهم.\n• التربص الانتظار كقوله تعالى (يتربصن بأنفسهم) أي: ينتظرن.\n(فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ) أي: نصر وتأييد وظفَر وغنيمة.\n(قَالُوا) أي: الذين آمنوا نفاقًا لكم أيها المؤمنون.\n(أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة، أي: فأعطونا من الغنيمة.\n(وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ) أي: إداة على المؤمنين في بعض الأحيان كما وقع يوم أحد، فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة.\n(قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) أي: ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم.\n(وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بأن ثبطناهم عنكم، وتَوَاَنَيْنَا في مظاهرتهم حتى انتصرتم عليهم، وإلا لكنتم نهبة للنوائب.\n• قال الرازي: وفي تفسير هذه الآية وجهان:\nالأول: أن يكون بمعنى ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئًا من ذلك ونمنعكم من المسلمين بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم وتوانينا في مظاهرتهم عليكم فهاتوا لنا نصيبًا مما أصبتم.\nالثاني: أن يكون المعنى أن أولئك الكفار واليهود كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام، ثم إن المنافقين حذروهم عن ذلك وبالغوا في تنفيرهم عنه وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد وسيقوى أمركم، فإذا اتفقت لهم صولة على المسلمين قال المنافقون: ألسنا غلبنانكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وقلنا لكم بأنه سيضعف أمره ويقوى أمركم، فلما شاهدتم صدق قولنا فادفعوا إلينا نصيبًا مما وجدتم.\nوالحاصل أن المنافقين يمنون على الكافرين بأنا نحن الذين أرشدناكم إلى هذه المصالح، فادفعوا إلينا نصيبًا مما وجدتم.\n• قال الرازي: فإن قيل: لم سمي ظفر المسلمين فتحًا وظفر الكفار نصيبًا؟ قلنا: تعظيمًا لشأن المؤمنين واحتقارًا لحظ الكافرين، لأن ظفر المؤمنين أمر عظيم تفتح له أبواب السماء حتى تنزل الملائكة بالفتح على أولياء الله، وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء ينقضي ولا يبقى منه إلا الذم في الدنيا والعقوبة في العاقبة.","vol":"5","page":311},{"text":"• وقال ابن عاشور: وجُعل ما يحصل للمسلمين فتحًا لأنّه انتصار دائم، ونُسب إلى الله لأنّه مُقدّره ومريده بأسباب خفيّة ومعجزات بينّة.\n(فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: بما يعلمه منكم - أيها المنافقون - من البواطن الرديئة، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرًا في الحياة الدنيا، لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم، بل هو يوم تبلى السرائر ويُحصّل ما في الصدور.\n• قال الشوكاني: قوله تعالى فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة) بما انطوت عليه ضمائرهم من النفاق والبغض للحق وأهله، ففي هذا اليوم تنكشف الحقائق، وتظهر الضمائر، وإن حقنوا في الدنيا دماءهم، وحفظوا أموالهم بالتكلم بكلمة الإسلام نفاقًا.\n(وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) اختلف العلماء فيها:\nفقيل: هذا يوم القيامة.\nوقيل: إن الله لا يجعل لهم سبيلًا يمحو به دولة المؤمنين، ويُذهب آثارهم ويستبيح بَيْضَتهم.\n• قال ابن كثير: وذلك باستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة ولن يُسلّطوا عليهم استيلا\nواختاره السعدي حيث قال: أي: تسلطًا واستيلاء عليهم، بل لا تزال طائفة من المؤمنين على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، ولا يزال الله يحدث من أسباب النصر للمؤمنين، ودفعٍ لتسلط الكافرين، ما هو مشهود بالعيان. حتى إن [بعض] المسلمين الذين تحكمهم الطوائف الكافرة، قد بقوا محترمين لا يتعرضون لأديانهم ولا يكونون مستصغرين عندهم، بل لهم العز التام من الله، فله الحمد أوّلا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1745>الفوائد:</span>\n١ - أن القرآن منزل.\n٢ - تحريم الجلوس مع الذين يستهزؤن بآيات الله\n٣ - أن الحكم معلق بالسماع.\n٤ - أن المشارك لفاعل المنكر كفاعل المنكر.\n٥ - وجوب مغادرة المكان الذي يكفر فيه بآيات الله.\n٦ - تحريم التعاون على الإثم والعدوان.\n٧ - الحذر من جلساء السوء.\n٨ - بيان شدة عداوة المنافقين للمؤمنين.\n٨ - إثبات الجزاء والحكم بين الناس.\n٩ - أنه ليس للكفار سبيل على المؤمن.\n(الإثنين: ١٠/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1746>(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٤٢) مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاء وَلَا إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣».</span> [النساء: ١٤٢ - ١٤٣].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ) يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يخادعون الله، وأنهم يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر.\n(وَهُوَ خَادِعُهُمْ) ﷾، فالله تعالى يخدع من يخدعه.\n• قال ابن كثير: ولا شك أن الله تعالى لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم، يعتقدون أن أن أمرهم كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرًا فكذلك يكون حكمهم يوم القيامة عند الله، وأن أمرهم يروج عنده كما أخبر عنهم تعالى أنهم يوم القيامة يحلفون له: أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده فقال (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ).\n(وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى) وهذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة، إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية، كما قال تعالى (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ).\nوقال -ﷺ- (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا).\n• قال الرازي: يعني وإذا قاموا إلى الصلاة مع المسلمين قاموا كسالى، أي متثاقلين متباطئين وهو معنى الكسل في اللغة،\nوسبب ذلك الكسل: أنهم يستثقلونها في الحال ولا يرجون بها ثوابًا ولا من تركها عقابًا، فكان الداعي للترك قويًا من هذه الوجوه، والداعي إلى الفعل ليس إلا خوف الناس، والداعي إلى الفعل متى كان كذلك وقع الفعل على وجه الكسل والفتور.\n• قال -ﷺ- ذامًّا لمن أخّر الصلاة (تلك صلاة المنافقين ثلاثًا يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان أو على قرني الشيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا).\n• قال ابن عاشور: والكسل في الصلاة مؤذن بقلّة اكتراث المصلّي بها وزهده في فعلها.\n• فالكسل في الطاعة من صفات المنافقين، لأنهم لا يؤمنون بما عند الله، ولذلك قال -ﷺ- (.. ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا ..) ولذلك استعاذ النبي -ﷺ- منه كما في حديث أنس أنه -ﷺ- كان يقول (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والعجز).","vol":"5","page":313},{"text":"(يُرَاؤُونَ النَّاسَ) هذه صفة بواطنهم الفاسدة (يُرَاؤُونَ النَّاسَ) أي: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الصلاة تقية من الناس ومصانعة لهم، ولهذا يتخلفون كثيرًا عن الصلاة التي لا يُرون غالبًا فيها كصلاة العشاء والصبح كما ثبت في الصحيحين قال -ﷺ- (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا ....). وفي رواية (… والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم أنه يجد عرْقًا سمينًا أو مرْماتين حسنتين، لشهد الصلاة ..).\n• والرياء: العمل من أجل أن يراه الناس، وهو محبط للعمل، دال على قلة الإيمان وقلة تعظيم الله وتعظيم المخلوق.\n• بعض صفات المنافقين:\nأولًا: الكذب والتكذيب لله ولرسوله -ﷺ-.\nقال تعالى (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وقال تعالى (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).\nثانيًا: أذى الرسول -ﷺ- أو عيبه أو لمزه.\nقال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ).\nثالثًا: التولي والإعراض عن حكم الله ورسوله.\nقال تعالى (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ).\nرابعًا: مظاهرة الكافرين ومعاونتهم على المؤمنين.\nقال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا).\nخامسًا: المسرة بانخفاض دين الرسول أو الكراهية لانتصار دينه.\nقال تعالى (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ).\nسادسًا: الرياء.\nقال تعالى (يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا).\nسابعًا: ثقل العبادة عليهم.\nقال تعالى (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى).\nثامنًا: يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.\nقال تعالى (والْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).","vol":"5","page":314},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1747> مباحث الرياء:</span>\nقال ابن حجر: الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد وهو مشتق من الرؤية والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشتقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر\nعن جندب عند البخاري مسلم (مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّه بِهِ، ومَنْ يُرَاَئِي اللَّه يُرَئِي بِهِ» متفقٌ عليه وَرَواهُ مُسْلِمٌ أيضًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.\n• قال النووي (سَمَّعَ) بتَشْدِيدِ المِيمِ، وَمَعْنَاهُ: أشْهَرَ عمَلَهُ للنَّاس ريَاءً (سَمَّعَ اللَّه بِهِ) أيْ: فَضَحَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ومَعْنى: «منْ رَاءَى» أيْ: مَنْ أَظْهَرَ للنَّاسِ الْعَمَل الصَّالحَ لِيَعْظُمَ عِنْدهُمْ «رَاءَى اللَّه بِهِ» أيْ: أظْهَرَ سَرِيرَتَهُ عَلى رُؤوس الخَلائِقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1748>خطر الرياء:</span>\nأولًا: الرياء يحبط الأعمال الصالحة.\nقال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).\nقال ابن كثير: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة، ليُشكر بين الناس أو يُقال إنه كريم جواد ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية ولهذا قال سبحانه (ولا يؤمن بالله واليوم الآخر).\nثانيًا: هو من صفات المنافقين.\nكما في هذه الآية (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا).\nثالثًا: تهديد أهل الرياء.\nقال تعالى (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ).\nقال مجاهد في معنى هذه الآية: عملوا أعمالًا توهموا أنها حسنات، فإذا هي سيئات.\nوقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، هذه آيتهم وقصتهم.\nوقال سبحانه موضحًا عقوبة المرائين يوم القيامة (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).","vol":"5","page":315},{"text":"عن أبي هريرة -﵁- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِى النَّارِ) رواه مسلم.\nوعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله -ﷺ- (بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب). رواه احمد وابن حبان\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: (من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم\nيجد عرف الجنة يوم القيامة). رواه أبو داود\nوعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول (إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك). رواه الترمذي وابن ماجه\nوعن أبي سعيد مرفوعًا: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل). رواه أحمد.","vol":"5","page":316},{"text":"• قال ابن قدامة:<span data-type='title' id=toc-1749> اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فُصل رجع إلى ثلاثة أصول:</span>\nأولًا: حب لذة الحمد.\nثانيًا: الفرار من ألم الذم.\nثالثًا: الطمع فيما في أيدي الناس.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1750> من أقوال السلف:</span>\nعن شداد بن أوس قال عند موته: إن أخوف ما أخاف عليكم: الرياء، الشهوة الخفية.\nقال سهل: لا يعرف الرياء إلا مخلص.\nوقال ابن القيم: وكل مالم يكن لله فبركته منزوعة.\nوكان عكرمة يقول: أكثروا من النية الصالحة فإن الرياء لا يدخل النية.\nوكان الثوري يقول: كل شيء أظهرته من عملي فلا أعده شيئًا.\nوعن عبدة قال: إن أقرب الناس من الرياء آمنهم منه.\nوقال الربيع بن خثيم: كل ما لا يراد به وجه يضمحل.\nوقال بشر بن الحارث: قد يكون الرجل مرائيًا بعد موته، يحب أن يكثر الخلق بعد موته.\nقال ابن رجب: ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق .. المرائي يزور التواقيع على اسم الملك ليأخذ البراطيل لنفسه ويوهم أنه من خاصة الملك وهو مايعرفه بالكليه … نقش المرائي على الدرهم الزائد اسم الملك ليروج والبهرج ما يجوز إلا على غير الناقد.\nقال ابن القيم: أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص.\nوقال ابن القيم: كل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله، فهو حسرة على العبد في معاده، ووقفة له في طريق سيره، أو نكسة إن استمر، أو حجاب إن انقطع به\n• قال ابن القيم:\nقال يحيى بن معاذ عجبت من ثلاث:\nرجل يرائي بعمله مخلوقًا مثله ويترك أن يعمله لله.\nورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه فلا يقرضه منه شيئًا.\nورجل يرغب في صحبة المخلوقين ومودتهم والله يدعوه إلى صحبته ومودته.\nقال ابن قدامة:: واعلم أن أكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم، فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس، رجاء المدح، وخوفًا من الذم، وذلك من المهلكات.\nوقال: ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي، يجتهدون في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة، ويحرصون على إخفائها\nأعظم ما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم، كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم ليجازيهم الله تعالى في القيامة بإخلاصهم.","vol":"5","page":317},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1751>علاج الرياء وتحقيق الإخلاص:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1752>أولًا: أن يعود نفسه إخفاء الأعمال.</span>\nقال ابن قدامة: ومن الدواء النافع (في علاج الرياء) أن يعود نفسه إخفاء العبادات، وإغلاق الأبواب دونها، كما نغلق الأبواب دون الفواحش، فإنه لا دواء في الرياء مثل إخفاء الأعمال.\nقال تعالى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ).\nوقال -ﷺ- (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله … وذكر منهم: وذكر ذكر الله خليًا ففاضت عيناه).\n\n<span data-type='title' id=toc-1753>ثانيًا: علمك بأنك عبد.</span>\nقال ابن القيم: ومما يخلصه من طلب العوض علمه بأنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضًا ولا أجرة، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته.\n\n<span data-type='title' id=toc-1754>ثالثًا: أن يحاسب نفسه دون فتور.</span>\nقال الذهبي: ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحُسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت، فإن أعجبه الصمت فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه، فإنها تحب الظهور والثناء.\nومن ذلك: تعظيم الله ﷿ في القلوب.\nقال تعالى (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا).\nوأيضًا: علمه بأن من علامات العلم النافع أن يقود إلى الهرب من الرياء وإخفاء العمل.\nقال ابن رجب: ومن علامات العلم النافع أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وأعظمها الرئاسة والشهرة والمدح، فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العلم النافع، فإذا وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته بحيث أنه يخشى أن يكون مكرًا واستدراجًا كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته.\nوعليه: بالدعاء والتضرع إلى الله بالإخلاص والتوفيق.\nكان من دعاء النبي -ﷺ-: لا، ومقلب القلوب.\nوكان من دعاء عمر: اللهم اجعل عملي كله صالحًا واجعله لوجهك خالصًا ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.\nوعليه: أن يعلم بأن الناس لن يقدموا لك شيئًا ولو مدحوك، وأن طلب مدحهم مرض خطير في القلب.\nقال ابن القيم: الوقوف عند مدح الناس وذمهم: علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه.\n• حكى الذهبي - رحمه الله تعالى - عن أبى الحسن القطان - رحمه الله تعالى - قوله: أُصبت ببصري، وأظن أنى عوقبت بكثرة كلامي أيام الرحلة.\nقال الذهبي: صدق والله، فقد كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالبًا يخافون من الكلام، وإظهار المعرفة. واليوم يكثرون الكلام مع نقص العلم، وسوء القصد ثم إن الله يفضحهم، ويلوح جهلهم وهواهم واضطرابهم فيما علموه فنسأل الله التوفيق والإخلاص. أهـ\nوقال أبو قلابة لأيوب السختياني: يا أيوب إذا أحدث الله لك علمًا فأحدث لله عبادة، ولا يكونن همك أن تحدث به الناس.","vol":"5","page":318},{"text":"وفي ترجمة ابن جريج: قال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جريج: لمن طلبتم العلم؟!! كلهم يقول: لنفسي. غير أنَّ ابن جريج فإنَّه قال: طلبته للناس.\nقال الذهبي - ﵀ - تعليقًا على هذا الخبر: \" قلت: ما أحسن الصدق، واليوم تسأل الفقيه الغبي لمن طلبت العلم؟\nيبادر ويقول: طلبته لله، ويكذب إنَّما طلبه للدنيا، ويا قلة ما عرف منه.\nوقال عبد الله بن المعتز: علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله.\nوقال ابن القيم: العمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم: لا يكون من عارف بهم البتة، بل جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله.\n(وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) وهذا من أعظم صفاتهم.\nوهذه الصفة فيها الدلالة العظيمة على فضل ذكر الله، حيث أن الإكثار من ذكر الله أمان من النفاق.\n• قال الرازي: قوله تعالى (وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) فيها وجوه:\nالأول: المراد بذكر الله الصلاة، والمعنى أنهم لا يصلون إلا قليلًا، لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لم يصلوا، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس.\nالثاني: أن المراد بذكر الله أنهم كانوا في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلًا، وهو الذي يظهر مثل التكبيرات، فأما الذي يخفى مثل القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها.\nالثالث: المراد أنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات سواء كان ذلك الوقت وقت الصلاة أو لم يكن وقت الصلاة إلا قليلًا نادرًا.\n(مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ) يعني: المنافقين متحيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكافرين ظاهرًا وباطنًا، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك.\n• قال القرطبي: المذَبْذَب: المتردّد بين أمرين؛ والذَبذبة الاضطراب، يقال: ذَبْذَبْته فتذبذب فهؤلاء المنافقون متردّدون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين الإيمان ولا مصرَّحين بالكفر، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي -ﷺ- (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تَعِير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى).\n(ومَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) لعدم استعداده للهداية والتوفيق.\n(فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) طريقًا موصلًا إلى الحق والصواب فضلًا عن أن تهديه إليه، والخطاب لكل من يصلح له وهو أبلغ في التفظيع.\n\n<span data-type='title' id=toc-1755>الفوائد:</span>\n١ - أن المنافقين أهل خداع ومكر.\n٢ - أن الله يخدع من يخادعه.\n٣ - أن من صفات المنافقين ثقل الصلاة عليهم.\n٤ - أن المنافق لا يذكر الله إلا قليلًا.\n٥ - فضل الإكثار من ذكر الله، وأن ذلك أمان من النفاق.\n٦ - تحريم الرياء، وأنه من صفات المنافقين.\n٧ - أن المنافق دائمًا مضطرب متردد.\n٨ - أن من أضله الله فلن يستطيع أحد أن يهديه.\n٩ - سؤال الله الهداية.\n(الثلاثاء: ١٠/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"5","page":319},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1756>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (١٤٤».</span> [النساء: ١٤٤].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ينهى تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم.\n• قوله تعالى (الكافرين) جمع كافر، والكفر لغة الستر والتغطية والجحود، وشرعًا: جحود وحدانية اله وشريعته، وهو ضد الإيمان، وهو إنكار وجود الله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.\n• (أولياء) جمع ولي، وهو الذي يتولى غيره بالنصرة والمعونة.\n• وهذا النهي في الآية للتحريم، فيحرم موالاة الكفار وجعلهم أنصارًا وأعوانًا وأخلاء.\nقال تعالى (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).\nقال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) \".\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).\nوقال تعالى (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) فنهى ﷾ المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء وأصحابًا من دون المؤمنين، وأخبر أن من فعل ذلك فليس من الله في شيء.\n• قال ابن جرير (فليس من الله في شيء) يعني فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر.\n• وقال القرطبي: أي: ليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء، وهو إذًا من حزب الشيطان وأنصاره.","vol":"5","page":320},{"text":"وقال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)، يقول تعالى لنبيه محمد -ﷺ- يا محمد بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني أولياء، يعني أنصارًا وأخلاء من دون المؤمنين، تاركين موالاة المؤمنين معرضين عنها، يطلبون عند هؤلاء الكفار المنعة والقوة والنفوذ، وما علم أولئك\nالسفهاء البلهاء أن العزة لله جميعًا\nوقال تعالى (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).\nفبين ﷾ أن الإيمان الحقيقي بالله وبنبيه -ﷺ- محمد -ﷺ- مرتبط بعدم موالاة الكفار وتوليهم، فثبوت موالاة الكفار موجب لعدم الإيمان أو نقصه.\nففي هذه الآيات أشد التهديد والوعيد وأعظم الزجر عن موالاة الكافرين.\n(أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) الإستفهام للإنكار، أي: أتريدون أن تصيروا الله عليكم حجة بينة واضحة تستوجبون بها سخطه ونقمته وعقوبته لكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1757>الفوائد:</span>\n١ - تحريم اتخاذ الكفار أولياء.\n٢ - وجوب موالاة المؤمنين.","vol":"5","page":321},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1758>(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦».</span> [النساء: ١٤٥ - ١٤٧].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) أي: يوم القيامة جزاء على كفرهم الغليظ.\n• قال ابن عباس: أي في أسفل النار.\n• وذلك لأنهم جمعوا مع الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله، والنار دركات كما أن الجنة درجات.\n• أن المنافق عذابه أعظم من الكافر.\n• قال القرطبي: فالمنافق في الدرك الأسفل وهي الهاوية؛ لغلظ كفره وكثرة غوائله وتمكُّنه من أذى المؤمنين.\n• قال الرازي: لما كان المنافق أشد عذابًا من الكافر لأنه مثله في الكفر، وضم إليه نوع آخر من الكفر، وهو الاستهزاء بالإسلام وبأهله، وبسبب أنهم لما كانوا يظهرون الإسلام يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين ثم يخبرون الكفار بذلك فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين، فلهذه الأسباب جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار.\n• قال ابن القيم: النفاق نفاقان:\nنفاق اعتقاد ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن، وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار، ونفاق العمل كقوله -ﷺ- في الحديث الصحيح (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان).\nوفي الصحيح أيضًا (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وإذا ائتمن خان).\nفهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لايكون إلا منافقًا خالصًا، وكلام الإمام أحمد يدل على هذا\n- فإن قيل ما وجه الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) فالجواب:\nأولًا: أن يكون جميعهم في العذاب الشديد.\nثانيًا: يمكن أن يُقال إن الدرك الأسفل من النار دركات هو الآخر، فيكونون في الجملة في الدرك الأسفل لكن لا يمنع أن يكون هناك تفاوت في العذاب في الدرك الأسفل أيضًا.","vol":"5","page":322},{"text":"(وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب.\n(إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ) أي: عن النفاق.\n• والتوبة لغة: الرجوع، وشرعًا: الرجوع من المعصية إلى الطاعة، والمراد بالتوبة هنا الرجوع من الرياء والنفاق إلى الإخلاص لله تعالى.\n(وَأَصْلَحُواْ) أعمالهم، وأخلصوها لله، وأصلحوا ما أفسدوه.\n(وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ) أي: تمسكوا بكتاب الله ودينه.\n(وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ) فبدلوا الرياء بالإخلاص، فينفعهم الصالح وإن قل.\n• وفي هذا أن التوبة باللسان فقط لا تكفي كما قال تعالى (فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وقال تعالى (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا).\n(فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: في زمرتهم يوم القيامة.\n(وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) أي: وسوف يُعطي الله هؤلاء - الذين هذه صفتهم على توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم له وعلى إيمانهم - ثوابًا عظيمًا، وذلك درجات في الجنة، كما أعطى الذين ماتوا على النفاق منازل في النار وهي السفلي منها. [ابن جرير].\n\n• وهذا فيه فضل الإيمان،<span data-type='title' id=toc-1759> وللإيمان فضائل:</span>\nأولًا: الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة.\nكما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا).\nثانيًا: الأجر العظيم.\nقال تعالى (وسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا).\nثالثًا: استغفار الملائكة وحملة العرش لهم.\nقال تعالى (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا\nرابعًا: موالاة الله لهم، ولا يُذَل من والاه الله.\nقال تعالى (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ).\nخامسًا: أمر الملائكة بتثبيتهم.\nقال تعالى (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ).","vol":"5","page":323},{"text":"سادسًا: العزة.\nقال تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).\nسابعًا: معية الله لهم.\nقال تعالى (وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ).\nثامنًا: الرفعة في الدنيا والآخرة.\nقال تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).\nتاسعًا: أن القرآن إنما هو هدى لهم وشفاء.\nقال تعالى (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء).\nعاشرًا: الود الذي يجعله الله سبحانه لهم.\nقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1760>الفوائد:</span>\n١ - أن المنافقين من أهل النار.\n٢ - شدة عذاب المنافقين.\n٣ - أن المنافقين أشد كفرًا من بعض الكفار الأصليين.\n٤ - أن المنافق تقبل توبته إذا تاب توبة صادقة مخلصة.\n٥ - فضل الإيمان.","vol":"5","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1761>(مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧».</span> [النساء: ١٤٧].\n<hr><s0>\n\n(مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ) أي: أيّ منفعة له سبحانه في عذابكم؟ أيتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثأر، أم يدفع به الضر ويستجلب النفع وهو الغني عنكم؟\n• قال القرطبي: استفهام بمعنى التقرير للمنافقين، والتقدير: أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم؛ فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن، وأنّ تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه.\n(وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا) فالله هو الشكور.\nكقوله تعالى (ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) وقوله تعالى (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ)\n• ومعنى شكر الله لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، وإذا ترك له شيئًا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا ردّه عليه أضعافًا مضاعفة.\nلما عقر سليمان الخيل غضبًا له إذ شغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح.\nولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته، أعاضهم عنها أن ملّكهم الدنيا وفتحها عليهم.\nولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.\n(عَلِيمًا) بكل شيء لا تخفي عليه خافية. [سبق مباحث العلم].\n\n<span data-type='title' id=toc-1762>الفوائد:</span>\n١ - أن الله غني عن عذاب الحلق إذا قاموا بالشكر والإيمان.\n٢ - أن من لم يشكر الله فإنه عرضه للانتقام.\n٣ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الشاكر والعليم.","vol":"5","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1763>(لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨».</span> [النساء: ١٤٨ - ١٤٩].\n<hr><s0>\n\n(لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ) اختلف العلماء بالمراد بالسوء من القول على أقوال:\nقيل: أن المراد بذلك الدعاء على الأشخاص، فلا يحب الله سبحانه أن يجهر أحد على أحد بالدعاء إلا مظلوم يدعو على ظالمه بقدر مظلمته.\nوقيل: أن الآية في عموم المظلومين، فلهم أن ينتصروا ممن ظلمهم بقدر مظلمتهم، وذلك بالتكلم في حقهم والنيل من أعراضهم بقدر مظالمهم، (كأن يقول فلان مطلني وهكذا).\nوقيل: إنه الضيف ينزل على رجل فلا يُقدم له ما ينبغي للضيف، فللضيف حينئذ أن يتكلم بما كان من بَخسه حق ضيافته.\nوجمع ابن جرير فقال: لا يحب الله - أيها الناس - أن يجهر أحد لأحد بالسوء من القول (إلا من ظلم) بمعنى إلا من ظلم، فلا حرج عليه أن يخبر بما أسيء عليه، وإذا كان ذلك معناه، دخل فيه من لم يُقْرَ، أو أسيء قراءه، أو نيل بظلم في نفسه أو ماله، وكذلك دعاؤه على من ناله بظلم، أن ينصره الله عليه، لأن في دعائه عليه إعلامًا منه لمن سمع دعاءه عليه بالسوء له.\n• قال الماوردي: قوله ﷿ (لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ) فيه أربعة تأويلات:\nأحدها: يعني إلا أن يكون مظلومًا فيدعو على من ظلمه، وهذا قول ابن عباس.\nوالثاني: إلا أن يكون مظلومًا فيجهر بظلم من ظلمه، وهذا قول مجاهد.\nوالثالث: إلا من ظلم فانتصر من ظالمه، وهذا قول الحسن، والسدي.\nوالرابع: إلا أن يكون ضيفًا، فينزل على رجل فلا يحسن ضيافته، فلا بأس أن يجهر بذمه، وهذه رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n• أجاز الله وأباح الانتصار من الظالم، وأشار ﷾ إلى أن العفو أفضل وذلك في عدة مواطن:\nقال تعالى (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ).","vol":"6","page":1},{"text":"فقوله تعالى (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) عدل وقوله تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) إرشاد إلى الإحسان والعفو.\nوقال تعالى (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) فالإحسان هنا العفو على رأي كثير من العلماء.\nوقال تعالى (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).\nوقال تعالى (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ) هذا عدل وقوله (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) فيه إرشاد إلى العفو.\n(وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا» اسم من أسماء الله متضمن لصفة السمع لله تعالى، فهو سبحانه يسمع جميع الأقوال والأصوات، السر والجهر عنده سواء.\nكما قال تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).\nوقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).\nوقال تعالى (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).\nوقال تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1764> وسمع الله ينقسم إلى قسمين:</span>\nأولًا: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظهر.\nقال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي …).\nهذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.\nوقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).\nوقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.\nثانيًا: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.\nومنه قول إبراهيم: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.\nومنه قول المصلي: (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.\n• وسمع الله ليس كسمع أحد من خلقه، فإن الخلق وإن وصفوا بالسمع والبصر كما في قوله تعالى (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)، لكن هيهات أن يكون سمعهم وبصرهم كسمع وبصر خالقهم جل شأنه، قد نفى الرب سبحانه المشابهة عن نفسه بقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) لأن سمع الله وبصره مستغرق لجميع المسموعات والمرئات، لا يعزب عن سمعه مسموع وإن دق وخفي سرًا كان أو جهرًا.","vol":"6","page":2},{"text":"• والله هو السميع الذي يسمع المناجاة ويجيب الدعاء عند الضطرار ويكشف السوء ويقبل الطاعة، وقد دعاء الأنبياء والصالحون ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم، فإبراهيم وإسماعيل قالا (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nوامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصًا لله لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nودعاء زكريال ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).\nودعاء يوسف -﵇- ربه أن يصرف عنه كيد النسوة (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).\nوأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).\n(عَلِيمًا) بكل شيء، وفيه تهديد ووعيد للظالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1765>الفوائد:</span>\n١ - إثبات المحبة لله تعالى.\n٢ - عدالة الإسلام.\n٣ - إثبات هذين الاسمين وهما: السميع والعليم.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1766>(إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩».</span> [النساء: ١٤٩].\n<hr><s0>\n\n(إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) أي: إن تظهروا - أيها الناس - خيرًا أو أخفيتموه، أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم.\n• قال الطبري: (إِن تُبْدُواْ) أيها الناس (خَيْرًا) يقول: إن تقولوا جميلًا من القول لمن أحسن إليكم، فتظهروا ذلك شكرًا\nمنكم له على ما كان من حسن إليكم (أَوْ تُخْفُوهُ) أو تتركوا إظهار ذلك فلا تبدوه (أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ) أو تصفحوا لمن أساء إليكم عن إساءته، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي قد أذنت لكم أن تجهروا له به (فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا) أي: لم يزل ذا عفو عن خلقه، يصفح عمن عصاه وخالف أمره (قَدِيرًا) أي: ذا قدرة على الانتقام منهم.\nوالمعنى: فأنتم أيها الناس فاعفوا عمن أتى إليكم ظلمًا، كما يعفو ربكم مع قدرته على عقابكم، وأنتم تعصونه وتخالفون أمره.\nقال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).\nولما كان الناس عند مقابلة الأذى ثلاثة أقسام:\nظالم يأخذ فوق حقه، ومقتصد يأخذ بقدر حقه، ومحسن يعفو ويترك حقه، ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية فأولها للمقتصدين، ووسطها للسابقين، وآخرها للظالمين.\nمن أسباب العفو: أن يشهد العبد حسن الثواب الذي وعده الله لمن عفى وصبر.\nوإذا شهد مع ذلك فوت الأجر بالانتقام والاستيفاء سهل عليه الصبر والعفو.\nمنها: أن يشهد أنه إذا عفى وأحسن أورثه ذلك من سلامة القلب لإخوانه، ونقائه من الغش، والغل، وطلب الانتقام، وإرادة الشر، وحصل له من حلاوة العفو ما يزيد لذته ومنفعته عاجلًا وآجلا على المنفعة الحاصلة له بالإنتقام أضعافًا مضاعفة، ويدخل في قوله تعالى (والله يحب المحسنين) فيصير محبوبًا لله، ويصير حاله حال من أخذ منه دراهم فعوض عنها الوفا من الدنانير، فحينئذ يفرح بما من الله عليه أعظم ما يكون فرحًا.\nالخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحد قط لنفسه إلا أورثه ذلك ذلًا وجده في نفسه، فإذا عفى أعزه الله.\nوهذا مما أخبر به الصادق المصدوق ﵊ حيث يقول (ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا)\nفالعز الحاصل له بالعفو أحب إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالانتقام، فإن هذا عز في الظاهر وهو يورث في الباطن ذلًا، والعفو ذل في الظاهر وهو يورث العز باطنًا وظاهرًا.","vol":"6","page":4},{"text":"السادس: وهي من أعظم الفوائد- أن يشهد أن الجزاء من جنس العمل وأنه نفسه ظالم مذنب، وأن من عفى عن الناس عفى الله عنه، ومن غفر غفر الله له.\nفإذا شهد أن عفوه عنهم وصفحه وإحسانه مع إساءتهم إليه، سبب لأن يجزيه الله كذلك من جنس عمله فيعفو عنه ويصفح ويحسن إليه على ذنوبه، سهل عليه عفوه وصبره ويكفي العاقل هذه الفائدة.\n(عفوًا) اسم من أسماء الله تعالى.\nمعناه: العفو التجاوز عن عباده في ترك واجب وفعل محرم.\n• ومن كمال عفوه: أنه مهما أسرف الإنسان على نفسه ثم تاب إليه ورجع غفر له قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).\n• ولولا كمال عفوه، وسعة حلمه ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب ولا نفس تطرف (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ).\n• وعفو الله عفو كامل لأنه مقرون بالقدرة كما قال هنا (عفوًا قديرًا) بخلاف عفو غيره فقد يكون للعجز، أي: العجز عن الأخذ بالثأر.\n• وقد حث تعالى على العفو كما تقدم:\nمنها: قوله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا\nوَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).\nوقوله تعالى (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).\nوقوله تعالى (فمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).\nوقوله تعالى (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).\nوقال -ﷺ- (وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) رواه مسلم.","vol":"6","page":5},{"text":"قال النووي في معناه:\nأحدهما: أنه على ظاهره، وأن من عُرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه وإكرامه.\nوالثاني: أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك.\n(قَدِيرًا) فلا يعجزه شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1767>الفوائد:</span>\n١ - عموم علم الله تعالى.\n٢ - الحث على فعل الخير.\n٣ - الحث على العفو والصفح.\n٤ - من عفا عفا الله عنه.\n٥ - من أسماء الله العفو المتضمن لصفة العفو.\n٦ - أن الله على كل شيء قدير.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1768>(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٥٢».</span> [النساء: ١٥٠ - ١٥٢].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ) لمّا ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب، اليهود والنصارى؛ إذ كفروا بمحمد -ﷺ-، وبيّن أن الكفر به كفر بالكل؛ لأنه ما من نبيّ إلا وقد أمر قومه بالإيمان بمحمد -ﷺ- وبجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\n(وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ) أي بين الإيمان بالله ورسله؛ فنص سبحانه على أن التفريق بين الله ورسله كفر؛ وإنما كان كفرًا، لأنّ الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردّوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أُمروا بالتزامها؛ فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية.\nوكذلك التفريق بين رسله في الإيمان بهم كفر.\n(وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) وهم اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد.\n(وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) أي: طريقًا وسطًا بين الكفر والإيمان ولا واسطة بينهما.\n(أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) قال الطبري: أي: أيها الناس هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم هم أهل الكفر بي المستحقون عذابي والخلود في ناري حقًا.\n(وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) أي: كما استهانوا بمن كفروا به.\n(وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ) يعني بذلك أمة محمد -ﷺ- فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله كما قال تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).","vol":"6","page":7},{"text":"(وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ) بأن يؤمنوا ببعض ويكفروا بآخرين كما فعل الكفرة\n(أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) أي: قد أعد لهم الثواب الجزيل والعطاء الجميل.\n(وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) تقدم شرحها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1769>الفوائد:</span>\n١ - تحريم الكفر بالله ورسله.\n٢ - تحريم التفريق بين الله ورسله.\n٣ - وجوب الإيمان بجميع الرسل.\n٤ - أن الكفر ببعض الرسل كفر بالجميع.\n٥ - أن الله وعد بمن لم يفرق بين رسله بالأجر العظيم.\n٦ - تمام منّة الله سبحانه على العباد، حيث سمى الثواب أجرًا.\n٧ - إثبات اسمين من أسماء الله: الغفور والرحيم.","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1770>(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا (١٥٣».</span> [النساء: ١٥٣].\n<hr><s0>\n\n(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ) المراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة، بدليل سياق الآيات الكريمة التي ذكرت أوصافًا تنطبق عليهم، وبدليل ما ذكر في سبب نزول الآيات.\n(أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ) اعلم أن هذا هو النوع الثاني من جهالات اليهود، فإنهم قالوا: إن كنت رسولًا من عند الله فائتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح.\nوقيل: طلبوا أن ينزل عليهم كتابًا من السماء إلى فلان وكتابًا إلى فلان بأنك رسول الله.\nوقيل: كتابًا نعاينه حين ينزل.\nوإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت لأن معجزات الرسول كانت قد تقدمت، وحصلت فكان طلب الزيادة من باب التعنت.\n• قال ابن كثير: وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك كما هو مذكور في سورة (سبحان) (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا).\n(فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ) وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى -﵇- وهم النقباء السبعون، لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومشاكلين لهم في التعنت.\nأى: أن حاضر هؤلاء اليهود الذين يعيشون معك يا محمد كماضى آبائهم الأقدمين، وأخلاق الأبناء صورة من أخلاق الآباء، وجميعهم لا يبغون من سؤالهم الاهتداء إلى الحق وإنما يبغون إعنات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - والإساءة إليهم.\n(فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً) أي: عيانًا، أي: حتى نراه جهارًا أي عيانًا رؤية منكشفة بينة.\nوهؤلاء هم السبعون الذين اختارهم موسى، فجاءوا لميقات الله، وسمعوا الله يكلم موسى، ومع ذلك قالوا (فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً) يعني وإلا فلست بصادق.\n(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) أي: بطغيانهم وبغيهم، وعتوهم وعنادهم، حيث اعتدوا في الدعاء، كما قال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).\nوالصاعقة: كما يقول ابن جرير: كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتًا كان ذلك أو نارًا أو زلزلة أو رجفة.\nقال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).","vol":"6","page":9},{"text":"• قال الشوكاني: قوله تعالى (بِظُلْمِهِمْ) الباء في قوله (بِظُلْمِهِمْ) للسببية، أي: بسبب ظلمهم في سؤالهم الباطل لامتناع الرؤية عيانًا في هذه الحالة، وذلك لا يستلزم امتناعها يوم القيامة، فقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة. ومن استدل بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة، فقد غلط غلطًا بينًا.\n(وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) قيل: ينظر بعضهم إلى بعض يقع ميتًا حتى ماتوا عن آخرهم، وهذا اختيار ابن جرير، وقيل: صعق بعضهم والبعض الآخر ينظر، ثم بعث الذين صعقوا، وصعق الآخرون.\n(ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) أي أحييناكم، وفي هذا دليل على أن صعقهم كان موتًا حقيقيًا.\n• قال ابن الجوزي: ومن الدليل على أنهم ماتوا قوله تعالى (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ) هذا قول الأكثرين، وزعم قوم أنهم لم يموتوا، واحتجوا بقوله تعالى (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) وهذا قول ضعيف، لأن الله تعالى فرق بين الموضعين، فقال هناك (فلما أفاق) وقال هاهنا (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ) والإفاقة للمغشي عليه، والبعث للميت.\n• وفي هذا إثبات البعث.\n(ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ) إلهًا والمعنى بيان كمال جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم فإنهم ما اكتفوا بعد نزول التوراة عليهم بطلب الرؤية جهرة، بل ضموا إليه عبادة العجل وذلك يدل على غاية بعدهم عن طلب الحق والدين.\nقال السامري لهم (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ).\nوقال تعالى (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ).\n(مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) كاليد والعصا وفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وإنجاؤهم من عدوهم.\n• قوله تعالى (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ) بيان لفرط ضلالهم وانطماس بصيرتهم، لأنهم لم يعبدوا العجل عن جهالة، وإنما عبدوه من بعد ما وصلت إلى أسماعهم وعقولهم الدلائل الواضحة وعلى وحدانية اللّه، وعلى أن عبادة العجل لا يقدم عليها إنسان فيه شيء من التعقل وحسن الإدراك.\n• قال ابن كثير: قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى -﵇- في بلاد مصر وما كان من إهلاك عدو الله فرعون وجميع جنوده في اليمّ، فما جاوزوه إلا يسيرًا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ. قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ\nمُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة \"الأعراف\"، وفي سورة \"طه\" بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله، ﷿، ثم لما رجع وكان ما كان، جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه: أن يقتُلَ من لم يعبد العجل منهم من عبده، فجعل يقتل بعضهم بعضا ثم أحياهم الله، ﷿، فقال الله ﷿ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا).","vol":"6","page":10},{"text":"• وقال الرازي: أنهم إنما عبدوا العجل من بعد أن شاهدوا معجزات موسى ﵇ التي كان يظهرها في زمان فرعون، وهي العصا واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها من المعجزات القاهرة، والمقصود من ذلك الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتابًا من السماء، فاعلم يا محمد أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عنادًا ولجاجًا، فإن موسى قد أنزل الله عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات القاهرة، ثم أنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق.\n(فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ) أى: عفونا عن اتخاذهم العجل إلها بعد أن تابوا وأقلعوا عن عبادته، لأن التوبة تجب ما قبلها.\nأمروا بالتوبة فتاوبوا، لكنها توبة شديدة قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).\n(وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا.) الحجّة البيّنة، قال ابن عباس: اليد والعصا، وقال غيره: الآيات التسع.\n• قال ابن عاشور: أي حجّة واضحة عليهم في تمرّدهم، فصار يزجرهم ويؤنّبهم، ومن سلطانه المبين أن أحرق لهم العجل الذي اتّخذوه إلهًا.\n• وقال الشوكاني: قوله تعالى (وآتينا موسى سلطانًا مبينًا) أي: حجة بينة وهي: الآيات التي جاء بها، وسميت سلطانًا؛ لأن من جهر بها قهر خصمه، ومن ذلك أمر الله سبحانه له بأن يأمرهم بقتل أنفسهم توبة عن معصيتهم، فإنه من جملة السلطان الذي قهرهم به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1771>الفوائد:</span>\n١ - تعنت أهل الكتاب.\n٢ - تسلية للرسول -ﷺ-.\n٣ - أن سؤال الإنسان أن يرى الله جهرة من أكبر العدوان.\n٤ - بيان قدرة الله حيث أهلكهم جميعًا.\n٥ - أن الله لا يظلم الناس شيئًا.\n٦ - أن الظلم سبب للعقوبة.","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1772>(وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤».</span> [النساء: ١٥٤].\n<hr><s0>\n\n(وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ) قال ابن كثير: وذلك أنهم حين امتنعوا عن الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاء به موسى - ﵇ - رفع اللّه على رءوسهم جبلًا، ثم ألزموا فالتزموا، وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى ما فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم. كما قال تعالى (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ).\n• وقد اختلف في معنى (بِمِيثَاقِهِمْ):\nالأول: أنهم أعطوا الميثاق على أن لا يرجعوا عن الدين.\nثم رجعوا عنه وهموا بالرجوع، فرفع الله فوقهم الطور حتى يخافوا فلا ينقضوا الميثاق.\nالثاني: أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله الجبل فوقهم حتى قبلوا، وصار المعنى: ورفعنا فوقهم الطور لأجل أن يعطوا الميثاق بقبول الدين.\nالثالث: أنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله يعذبهم بأي نوع من أنواع العذاب أراد، فلما هموا بترك الدين أظل الله الطور عليهم وهو المراد من قوله (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم).","vol":"6","page":12},{"text":"(وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا) أي: وقلنا لهم على لسان أنبيائهم ادخلوا باب القرية التي أمرناكم بدخولها ساجدين للّه، أى: ادخلوها متواضعين خاضعين للّه، شاكرين له فضله وكرمه، ولكنهم خالفوا ما أمرهم اللّه مخالفة تامة.\nوالمراد بالقرية التي أمرهم اللّه بدخول بابها ساجدين: قيل: هي بيت المقدس وقيل: إيلياء، وقيل: أريحاء. وقد أبهمها اللّه تعالى لأنه لا يتعلق بذكرها مقصد أو غرض، ولم يرد في السنة الصحيحة بيان لها.\nوقد تحدث القرآن عن قصة أمرهم بدخول هذه القرية ساجدين بصورة أكثر تفصيلا في سورتي البقرة والأعراف.\nفقال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا، وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا، وَقُولُوا حِطَّةٌ، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِين. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُون).\n(وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ) أي: لا تعتدوا باصطياد الحيتان يوم السبت فخالفوا واصطادوا.\n(وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) أي: شديدًا فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب مناهي الله تعالى، وتحايلوا على استحلال محارمه.\n• ووصف سبحانه الميثاق الذي أخذه عليهم بالغلظ أى: بالشدة والقوة لأنه كان قويًا في معناه وفي موضوعه وفي كل ما اشتمل عليه من أوامر ونواه وأحكام، ولأن نفوسهم كانت منغمسة في الجحود والعناد فكان من المناسب لها تأكيد العهد وتوثيقه لعلها ترعوى عن ضلالها وفسوقها عن أمر اللّه.\nوقصة اعتداء اليهود على محارم اللّه في يوم السبت قد جاء ذكرها في كثير من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ. فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ).\n(فَجَعَلْنَاهَا) اختلف في مرجع الضمير على أقوال: قيل: العقوبة، وقيل: القردة، وقيل: القرية، ورجحه ابن كثير، وقال:\nوالصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي فجعل الله هذه القرية والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم.\n• وقال تعالى في سورة الأعراف (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).","vol":"6","page":13},{"text":"• قال الشنقيطي: القردة: جمع قرد، وهو الحيوان المعروف، وهو من أخس الحيوانات، والدليل على أنه من أخس الحيوانات أن الله مسخ في صورته من أراد إذلالهم وإهانتهم وصغارهم، وهذا معروف أن القرد من أخس الحيوانات.\n\n<span data-type='title' id=toc-1773>الفوائد:</span>\n١ - بيان قدرة الله تعالى.\n٢ - أن اليهود أهل مكر وخداع.\n٣ - أن لله تعالى أن يبتلي عباده بما شاء.\n٤ - تحريم الحيل.\n٥ - أن الحيل من صفات اليهود.\n٦ - وجوب الوفاء بالميثاق.","vol":"6","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1774>(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨».</span> [النساء: ١٥٥ - ١٥٨].\n<hr><s0>\n\n(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ …) أي: بسبب نقضهم الميثاق لعناهم، كما قال تعالى في سورة المائدة (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)، وعلى هذا يكون الجار والمجرور متعلقًا بمحذوف يفسره ما جاء في سورة المائدة.\nاختلف العلماء هل هذا متصل بما قبله أو منفصل عنه؟\nفقيل: إنه متصل بما قبله، فالمعنى: فأخذتهم الصاعقة بظلمهم وبنقضهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف.\nوقيل: ليس بمتصل بما قبله، بل المعنى: فبنقضهم ميثاقهم وكفرهم … بسبب ذلك كله طبع الله على قلوبهم، واختار هذا الطبري وقال: معنى الكلام: فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله، وبكذا وكذا، لعناهم وغضبنا عليهم، فترك ذكر (لعناهم) لدلالة قوله (بل طبع الله عليها بكفرهم) على معنى ذلك، إذ كان من طبع على قلبه فقد لُعِن وسُخط عليه.\n(وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ) حيث لم يؤمنوا بالقرآن الكريم.\n(وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ) فلا كفر أعظم من هذا، إنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء الله بغير الحق.\n• فقد قتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من رسل اللّه تعالى ولا شك أن قتل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يدل على شناعة جريمة من قتلهم وعلى توغله في الجحود والعناد والفجور إلى درجة تعجز العبارات عن وصفها، لأنه بقتله للدعاة إلى الحق، لا يريد للحق أن يظهر ولا للفضيلة أن تنتشر، ولا للخير أن يسود، وإنما يريد أن تكون الأباطيل والرذائل والشرور هي السائدة في الأرض.\nوقوله (بِغَيْرِ حَقٍّ) ليس قيدًا، لأن قتل النبيين لا يكون بحق أبدًا، وإنما المراد من قوله (بِغَيْرِ حَقٍّ) بيان أن هؤلاء القاتلين قد بلغوا النهاية في الظلم والفجور والتعدي. لأنهم قد قتلوا أنبياء اللّه بدون أى مسوغ يسوغ ذلك، وبدون أية شبهة تحملهم على ارتكاب ما ارتكبوا، وإنما فعلوا ما فعلوا لمجرد إرضاء أحقادهم وشهواتهم وأهوائهم.","vol":"6","page":15},{"text":"• وقال القرطبي: قوله تعالى (بِغَيْرِ الحق) تعظيم للشُّنْعة والذّنب الذي أتوه.\nفإن قيل: هذا دليل على أنه قد يصح أن يُقتلوا بالحق، ومعلوم أن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يُقتلون به، قيل له:\nليس كذلك؛ وإنما خرج هذا مخرج الصفة لقتلهم أنه ظُلم وليس بحق؛ فكان هذا تعظيمًا للشُّنعة عليهم؛ ومعلوم أنه لا يُقتل نبيّ بحق، ولكن يُقتل على الحق؛ فصرّح قوله (بِغَيْرِ الحق) عن شُنعة الذنب ووضوحه؛ ولم يأت نبيّ قط بشيء يوجب قتله.\n• وقال السعدي (بغير الحق) زيادة شناعة، وإلا فمن المعلوم أن قتل النبيين لا يكون بحق، لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم.\n• عن ابن مسعود. أن رسول الله -ﷺ- قال (أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبيًا وإمام ضلالة وممثل من الممثلين) رواه أحمد.\n• قال القرطبي: فإن قيل: كيف جاز أن يخلّى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟\nقيل: ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم؛ كمثل من يُقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك بُخذلان لهم.\nوقال ابن عباس والحسن: لم يُقتل نبيّ قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلُّ مَن أمر بقتال نُصِر.\n• قال السعدي: واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأمة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين وقت نزول القرآن، وهذه الأفعال المذكورة خوطبوا بها وهي فعل أسلافهم، ونسبت لهم لفوائد عديدة:\nمنها: أنهم كانوا يتمدحون ويزكون أنفسهم، ويزعمون فضلهم على محمد ومن آمن به، فبين الله من أحوال سلفهم التي قد تقررت عندهم، ما يبين به لكل أحد منهم أنهم ليسوا من أهل الصبر ومكارم الأخلاق، ومعالي الأعمال، فإذا كانت هذه حالة سلفهم، مع أن المظنة أنهم أولى وأرفع حالة ممن بعدهم فكيف الظن بالمخاطبين؟","vol":"6","page":16},{"text":"ومنها: أن نعمة الله على المتقدمين منهم، نعمة واصلة إلى المتأخرين، والنعمة على الآباء، نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها، لأنها نعم تشملهم وتعمهم.\nومنها: أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم، مما يدل على أن الأمة المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها، حتى كان متقدمهم ومتأخرهم في وقت واحد، وكان الحادث من بعضهم حادثًا من الجميع.\nلأن ما يعمله بعضهم من الخير يعود بمصلحة الجميع، وما يعمله من الشر يعود بضرر الجميع.\nومنها: أن أفعالهم أكثرها لم ينكروها، والراضي بالمعصية شريك للعاصي، إلى غير ذلك من الحِكَم التي لا يعلمها إلا الله.\n(وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ) (وَقَالُوا) أي: اليهود، إذا دعوا إلى الحق. (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) اختلف العلماء في معنى ذلك على قولين:\nالقول الأول: أي: في أكنّة لا تفقه. قال ابن القيم: وهذا قول أكثر المفسرين.\nوالقول الثاني: أي: قلوبنا ممتلئة علمًا لا تحتاج إلى علم محمد، وهذا على القراءة الشاذة (قلوبنا غُلُف) والأول أصح لتكرر نظائره في القرآن كقولهم (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ) وقوله تعالى (الَذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي).\n(بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) هذا رد من الله عليهم، أي: ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة. بل لعنهم الله بسبب (كُفْرِهِمْ) بالله تعالى، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. كما قال تعالى (بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بكفرهم).\n• والطبع معناه: إحكام الغلق على الشيء وختمه بحيث لا ينفذ إليه شيء آخر.\n• بل هنا للإضراب الإبطالي، يعني: بل ليس في قلوبهم غلاف، ولكن لعنهم الله بكفرهم.\n• قال ابن القيم: وجه الإضراب أنهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه، فكيف تقوم به عليهم الحجة؟ وكأنهم ادعوا أن قلوبهم خلقت في غلف فهم معذورون في عدم الإيمان فأكذبهم الله وقال (قَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا). فأخبر سبحانه أن الطبع\nوالإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم وآثروه على الإيمان، فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة، والمعنى لم نخلق قلوبهم غلفًا لا تعي ولا تفقه، ثم نأمرهم بالإيمان وهم لا يفهمونه ولا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالًا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها.","vol":"6","page":17},{"text":"(فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا) فقيل: فقليل من يؤمن منهم، وهذا أمر مشاهد، فاليهود قليل منهم من يسلم.\nوقيل: فقليل إيمانهم، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد -ﷺ-.\nوقيل: لا يؤمنون أبدًا، وأن مثل هذا التعبير جار في لسان العرب، فهو نفي للكل، قال الكسائي: تقول العرب: مررنا بأرض قليلًا ما تنبت، يريدون ولا تنبت شيئًا.\nوالآية تعم الجميع، لأننا القاعدة في التفسير: أنه متى احتملت الآية أكثر من معنى بدون أن يكون هناك تناقض فإنها تحمل على كل المعاني.\n\n<span data-type='title' id=toc-1775>الفوائد:</span>\n١ - أن نقض الميثاق سبب للعنة الله.\n٢ - خطر الذنوب والمعاصي وأنها سبب لحرمان الخير.\n٣ - عتوا بني إسرائيل حيث قتلوا أنبياء الله.\n٤ - أن من طبع على قلبه فلا يمكن أن يؤمن أبدًا.","vol":"6","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1776>(وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨».</span> [النساء: ١٥٦ - ١٥٧ - ١٥٨].\n<hr><s0>\n\n(وَبِكُفْرِهِمْ) قيل: معطوف على (قولهم) وإعادة الجار لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذا التكرير لإفادة أنهم كفروا كفرًا بعد كفر، وقيل: إن المراد بهذا الكفر: كفرهم بالمسيح، فحذف لدلالة ما بعده عليه بعيسى.\n(وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) يعني أنهم رموها بالزنا. كما قال تعالى (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا)، وزاد بعضهم بأنها وهي حائض لعنهم الله.\nوالبهتان: الكذب المفرط الذي يتعجب منه. (الشوكاني).\n(وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ) هذا يدل على كفر عظيم منهم لأنهم قالوا فعلنا ذلك، وهذا يدل على أنهم كانوا راغبين في قتله مجتهدين في ذلك، فلا شك أن هذا القدر كفر عظيم.\n• اختلف لماذا سمي عيسى بالمسيح؟\nفقيل: لكونه ممسوح أسفل القدمين لا أخمص له، وقيل: لمسح زكريا إياه، وقيل: لمسحه الأرض أي قطعها.\nوقيل: أنه لم يمسح ذا عاهة إلا برئ.\n• فإن قيل: اليهود كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة، فكيف قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله؟\nوالجواب عنه من وجهين:\nالأول: أنهم قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) وكقول كفار قريش لمحمد -ﷺ- (وَقَالُواْ يا أيها الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ).\nوالثاني: أنه يجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعًا لعيسى -﵇- عما كانوا يذكرونه به.\nوالثالث: أنهم قالوه على حسب اعتقاد المسلمين فيه كأنهم قالوا رسول الله عندكم أو بزعمكم.\nوالرابع: أنه من قول الله لا من قولهم فيوقف قبله، وفائدة تعظيم ذنبهم وتقبيح قولهم إنا قتلناه.","vol":"6","page":19},{"text":"(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ) اعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود أنهم زعموا أنهم قتلوا عيسى -﵇-، فالله تعالى كذبهم في هذه الدعوى وقال (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ) أي: رأوا شبهه فظنوه إياه.\nوالصلب: أن توضع خشبة على طول جسد المصلوب.\n• قال ابن الجوزي: وفيمن أُلقي عليه شبهه قولان:\nأحدهما: أنه بعض من أراد قتله من اليهود.\nروى أبو صالح عن ابن عباس: أن اليهود لما اجتمعت على قتل عيسى، أدخله جبريل خوخة لها رَوزنة، ودخل وراءه رجل منهم، فألقى الله عليه شبه عيسى، فلما خرج على أصحابه، قتلوه يظنونه عيسى، ثم صلبوه، وبهذا قال مقاتل، وأبو سليمان.\nوالثاني: أنه رجُلٌ من أصحاب عيسى، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن عيسى خرج على أصحابه لما أراد الله رفعه، فقال: أيكم يُلقى عليه شبهي، فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب، فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم أعاد القول، فقام الشاب، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد، فقال الشاب: أنا، فقال: نعم أنت ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى، وجاء اليهود، فأخذوا الرجل، فقتلوه، ثم صلبوه، وبهذا القول قال وهب بن منبه، وقتادة، والسدي.\n• واختار الطبري أن الشبه ألقي على جميع من كان مع عيسى فقال: قال الطبرى: وأولى هذه الأقوال بالصواب، أحدُ القولين اللذين ذكرناهما عن وهب بن منبه: من أن شَبَه عيسى ألقي على جميع من كان في البيت مع عيسى حين أحيط به وبهم، من غير مسألة عيسى إياهم ذلك، ولكن ليخزي الله بذلك اليهود، وينقذ به نبيه ﵇ من مكروهِ ما أرادوا به من القتل، ويبتلي به من أراد ابتلاءه من عباده في قِيله في عيسى، وصدق الخبر عن أمره. أو: القول الذي رواه عبد الصمد عنه.\n• وقال البغوي: وذلك أن الله تعالى ألقى شَبَه عيسى ﵇ على الذي دلّ اليهودَ عليه، وقيل: إنهم حبسوا عيسى ﵇ في بيت وجعلوا عليه رقيبًا فألقىَ الله تعالى شبه عيسى ﵇ على الرقيب فقتلوه، وقيل غير ذلك، كما ذكرنا في سورة آل عمران.\n(وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ) يعني في قتل عيسى وهم اليهود.","vol":"6","page":20},{"text":"(لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ) وذلك أن اليهود قتلوا ذلك الشخص المشبه بعيسى وكان قد ألقي الشبه على وجه ذلك الشخص دون جسده، فلما قتلوه نظروا إلى جسده فوجدوه غير جسد عيسى فقالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره فهذا هو اختلافهم فيه.\nوقيل: إن اليهود لما حبسوا عيسى وأصحابه في البيت دخل عليه رجل منهم ليخرجه إليهم، فألقى الله شبه عيسى على ذلك الرجل فأخذ وقتل ورفع الله ﷿ عيسى إلى السماء وفقدوا صاحبهم فقالوا: إن كنا قتلنا المسيح فأين صاحبنا؟ وإن كنا قتلنا صاحبنا فأين المسيح عيسى؟ فهذا هو اختلافهم فيه وقيل إن الذين اختلفوا فيه هم النصارى فبعضهم يقول إن القتل وقع على ناسوت عيسى دون لاهوته وبعضهم يقول وقع القتل عليهما جميعًا وبعضهم يقول رأيناه قتل وبعضهم يقول رأيناه رفع السماء\nفهذا هو اختلافهم فيه.\n(مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ) يعني أنهم قتلوا من قتلوا على شك منهم فيه ولم يعرفوا حقيقة ذلك المقتول هل هو عيسى أو غيره.\n(إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ) يعني لكن يتبعون الظن في قتله ظنًا منهم أنه عيسى لا عن علم وحقيقة.\n(وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين.\n(بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ) ردٌّ وإنكار لقتله، وإثبات لرفعه، أي: اليقين إنما هو في رفعه إليه.\n• رفع عيسى -﵇- إلى السماء ثابت بهذه الآية، ونظير هذه الآية قوله في آل عمران (إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُوا).","vol":"6","page":21},{"text":"ولأهمية معرفة المسلم لعقيدته في عيسى أذكر ما يتعلق بذلك على شكل نقاط:\nأولًا: أن يؤمن ويعتقد أنه عبد الله [ليس بإله] ورسوله [فليس بكذاب أو أنه ولد بغي].\nكما في حديث عبادة. قال: قال رسول الله (منْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَىِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ).\nوقال تعالى عنه (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه.\nوقال تعالى (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ).\nوقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).\nوقال تعالى عنه (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ).\nوقال تعالى (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلَا الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ).\nوقال تعالى (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ).\nثانيًا: أنه من أم بلا أب.\nكما قال تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).\nوقال تعالى (فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا).\nثالثًا: أنه ليس له شيء من حقوق الربوبية، فليس إلهًا.\nقال تعالى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوْا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا).\nوقال تعالى (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ).\nرابعًا: أنه لم يقتل ولم يصلب بل رفعه الله إليه وسينزل في آخر الزمان.\nقال تعالى (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ … بل رفعه إليه).\nوقال تعالى (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ).\nوقال -ﷺ- (يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا ....).","vol":"6","page":22},{"text":"خامسًا: أنه أحد أولي العزم من الرسل [وقد ذكرهم الله في موضعين]:\nالموضع الأول/ في سورة الأحزاب.\nقال تعالى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا).\nالموضع الثاني/ في سورة الشورى.\nقال تعالى (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ).\nسادسًا: أنه من قال أنه قتل فهو كافر لأنه مكذب للقرآن.\nبطلان قول اليهود في عيسى أنه ولد بغي لعنهم الله.\n• قوله تعالى (ابن مريم) أن عيسى ينسب إلى أمه دائمًا وذلك لحكمتين:\nالحكمة الأولى: بيان أنه مولود والله لم يولد.\nالحكمة الثانية: نسبته إلى مريم، بأنه ابنها ليس هو ابن الله.\n• الحكمة من نزله في آخر الزمان دون غيره من الأنبياء:\nقيل: الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه.\nوقيل: أن عيسى وجد في الإنجيل فضل أمة محمد -ﷺ- فدعا الله أن يجعله فيهم، فاستجاب الله دعاءه.\nوقيل: أن نزول عيسى -﵇- من السماء لدنو أجله، ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها.\nورجح الحافظ ابن حجر القول الأول.","vol":"6","page":23},{"text":"• فإن قيل: ما الجواب عن قوله تعالى (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ).\nفقيل: المراد بالوفاة هنا النوم.\nوهذا قول الربيع بن أنس، والحسن وغيرهم، وعزاه ابن كثير والشوكاني للأكثرين.\nقال ابن كثير: وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النوم.\nواستدلوا:\nبقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ).\nوقوله تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).\nوكان -ﷺ- إذا قام من النوم يقول (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) رواه البخاري.\nوقوله تعالى (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا).\nقال ابن كثير: والضمير في قوله (قبل موته) عائد على عيسى، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة.\nوقيل: إن الوفاة هنا بمعنى: القبض، أي: قابضك من الأرض، فرافعك إليّ.\nوهذا قول جمهور المفسرين.\nواستدلوا:\nبقوله تعالى (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).\nقال البغوي: أي قبضتني إلى السماء وأنا حي، لأن قومه إنما تنصروا بعد رفعه إلى السماء لا بعد موته.","vol":"6","page":24},{"text":"قال الشنقيطي: لوجه الثالث: أنّ (مُتَوَفِّيكَ) اسم فاعل توفاه إذا قبضه وحازه إليه ومنه قولهم: (توفّى فلان دينه) إذا قبضه إليه .. فيكون معنى (مُتَوَفِّيكَ) على هذا قابضك منهم إلي حيا، وهذا القول هو اختيار بن جرير، … ثم قال ﵀: وأما الجمع بأنه توفّاه ساعات أو أياما ثم أحياه فالظاهر أنه من الإسرائليات، وقد نهى -ﷺ- عن تصديقها وتكذيبها.\nوقيل: إن الوفاة في الآية بمعنى الموت، وهذا مروي عن ابن عباس.\nوهذا القول يحتمل وجهين:\nالوجه الأول: أن الله توفاه ثم رفعه بعد ذلك إلى السماء.\nالوجه الثاني: أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا فيكون المعنى: إني رافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا، وهذا من المقدم الذي معناه التأخير.\n• قال السمرقندي: قوله تعالى (إِذْ قَالَ الله ياعيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ) ففي الآية تقديم وتأخير، ومعناه إني رافعك من الدنيا إلى السماء، ومتوفّيك بعد أن تنزل من السماء على عهد الدجال.\nوقد ضعف ابن جرير الوجه الأول فقال: ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله، لم يكن بالذي يميته ميتة أخرى، فيجمع عليه ميتتين، لأن الله إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يميتهم ثم يحييهم.\n• وقال القرطبي - بعد أن أورد الوجه الأول - وهذا فيه بعد، فإنه صح في الأخبار عن النبي -ﷺ- نزوله وقتله الدجال.\nوقيل: أن الوفاة هنا بمعنى: مستوفي أجلك، ومتم عمرك، وذلك بعصمتك من قتل أعدائك، ومؤخرك إلى أجلك المقدر، ومميتك بعد ذلك لا قتلًا بأيديهم.\nوهذا اختيار الزمخشري، وأبي السعود، والقاسمي.\nوقيل: أن الوفاة هنا بمعنى: متقبل عملك، وقد أورد هذا المعنى ابن عطية وضعفه فقال: وهذا ضعيف من جهة اللفظ.\n(وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا) منيع الجناب لا يرام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه.\n(حَكِيمًا) في كل ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1777>الفوائد:</span>\n١ - إثبات الأسباب.\n٢ - أن الكفر سبب للشر واللعن.\n٣ - أن اليهود باءوا بإثم قتل المسيح أخذًا بإقرارهم.\n٤ - أن عيسى رسول الله.\n٥ - أن عيسى من أم بلا أب.\n٦ - كفر من قال إن عيسى قد قتل.\n٧ - أن عيسى رفع.\n٨ - إثبات علو الله تعالى.\n٩ - أن عيسى حي.","vol":"6","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1778>(وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩».</span> [النساء: ١٥٩].\n<hr><s0>\n\n(وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) يعني وما من أحد من أهل الكتاب.\n(إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) أي: بعسيى، وهذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم. (تفسير البغوي).\n(قَبْلَ مَوْتِهِ) اختلف العلماء في مرجع الضمير؟\nفقيل: (قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل موت عيسى ﵇.\nواختار هذا القول ابن جرير وابن كثير وغيرهما.\n• قال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصحة والصواب قول من قال: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى.\n• ورجحه ابن كثير وقال: ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير ﵀ هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة - التي سنوردها إن شاء الله قريبا - فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية - يعني: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف - فأخبرت هذه الآية الكريمة أن يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم؛ ولهذا قال (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل موت عيسى، الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب.\n• وقال الخازن: وذهب جماعة من أهل التفسير إلى أن الضمير يرجع إلى عيسى السلام وهو رواية عن ابن عباس أيضًا والمعنى وما من أحد من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتابين إلاّ من آمن بعيسى حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام.\n• وقال الشوكاني: وقد اختار كون الضميرين لعيسى ابن جرير، وقال به جماعة من السلف، وهو الظاهر، والمراد الإيمان به عند نزوله في آخر الزمان، كما وردت بذلك الأحاديث المتواترة.","vol":"6","page":26},{"text":"القول الثاني: قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعِكرِمة: المعنى ليؤمِننّ بالمسيح (قبل موته) أي الكتابيّ؛ فالهاء الأُولى عائدة على عيسى، والثانية على الكتابيّ.\nوذلك أنه ليس أحد من أهل الكتاب اليهودِ والنصارى إلا ويؤمن بعيسى -﵇- إذا عاين الملك، ولكنه إيمان لا ينفع؛ لأنه إيمان عند اليأس وحين التلبس بحالة الموت؛ فاليهوديّ يقِرّ في ذلك الوقت بأنه رسول الله، والنصرانيّ يقرّ بأنه كان رسول.\nونسبه الخازن للأكثر فقال: فقال ابن عباس وأكثر المفسرين إن الضمير يرجع إلى الكتابي والمعنى وما من أحد من أهل الكتاب إلاّ آمن بعيسى قبل موت ذلك الكتابي ولكن يكون ذلك الإيمان عند الحشرجة حين لا ينفعه إيمانه\n(وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) يشهد على اليهود بالتكذيب له، وعلى النصارى بالغلوّ فيه حتى قالوا هو ابن الله.\nكما قال تعالى عنه (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1779>الفوائد:</span>\n١ - إثبات أن الكتابي قد يؤمن إيمان اضطرار.\n٢ - ثبوت نزول عيسى في آخر الزمان.\n٣ - أن عيسى ينزل في آخر الزمان ويموت كما يموت البشر.\n٤ - أن الرسل يشهدون على أممهم. (السبت/ ٢٢/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"6","page":27},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1780>(فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢».</span> [النساء: ١٦٠ - ١٦٢].\n<hr><s0>\n\n(فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) يخبر تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة، حرّم عليهم طيبات كان أحلها لهم، (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ).\n• قال السعدي: وهذا تحريم عقوبة، بسبب ظلمهم واعتدائهم، وصدهم الناس عن سبيل الله، ومنعهم إياهم من الهدى، وبأخذهم الربا، وقد نهوا عنه، فمنعوا المحتاجين ممن يبايعونه عن العدل، فعاقبهم الله من جنس فعلهم، فمنعهم من كثير من الطيبات.\n• وهذه ليست العقوبة الوحيدة، بل هي مضافة إلى عقوبات أخر، فقد مسخ قوم منهم قردة وخنازير، وقد لعن منهم أصحاب السبت.\n• فالله تعالى حرم عليهم بعض الطيبات كما قال تعالى في سورة الأنعام (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ).\n[كُلَّ ذِي ظُفُرٍ] المراد: كل ما رجلاه أو قدماه غير مشقوقة - يعني الذي لم تشق رجله - مثل الإبل والنعام، يعني: الذي ليس له اصابع ولا شقت قدمه.\n(وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا) أي: وصدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق.\n• قال ابن كثير: وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلْقًا من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.\n• ومن صور صدهم عن سبيل الله:\nافتراؤهم الكاذب وقولهم الباطل على الله.\nتحريف كتاب ربهم بالزيادة وفيه والنقصان.\nتأويلهم الكتاب على غير معانيه الصحيحة عن تعمد منهم.\nتشكيكهم في كتاب الله وفي رسول الله قال تعالى (وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).\nكتمانهم صفة محمد -ﷺ- وجحودهم نبوته ﵊.\n(وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا) أي: وتعاطيهم الربا.","vol":"6","page":28},{"text":"• ولم يقل (وأكلهم الربا) لأن الأخذ أعم (قاله الشيخ ابن عثيمين ﵀).\n• والربا لغة: الزياة، واصطلاحًا: الزيادة في أشياء مخصوصة. بينها النبي -ﷺ- في قوله (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والملح بالملح والشعير بالشعير والتمر بالتمر مثلًا بمثل سواء سواء) متفق عليه.\nويقاس عليها ما كان مثلها في العلة.\n(وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ) وقد حرمه الله عليهم في التوراة، فتناولوه وأخذوه، واحتالوا عليه بأنواع الحيل وصنوف من الشبه.\n(وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) أي: بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة.\n• فالباطل: فكل ما خالف الشرع فهو باطل، فكل ما أخذ بغير حق.\n• ومن صور أكلهم المال بالباطل:\nخيانة الأمانات كما قال تعالى (ومِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا).\nأكل الأموال مقابل تحريف التوراة والتزوير فيها قال تعالى (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ).\nومن ذلك تعاملاتهم الربوية، كما قال تعالى (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ).\nومن ذلك قبولهم الرشوة كما قال تعالى (وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).\n(وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي: وهيأنا لمن كفر من هؤلاء اليهود العذاب المؤلم الموجع.\nقال المفسرون: إنما قال (منهم) لأن الله علم أن قومًا منهم سيؤمنون فيأمنون من العذاب.\n(لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ) قال الطبري: هم الذين رسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه، وأتقنوا ذلك، وعرفوا حقيقته.\nوالراسخ هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه، والرّسوخ الثبوت.\n• قال ابن عاشور: والراسخ حقيقته الثابت القدم في المشي، لا يتزلزل؛ واستعير للتمكّن من الوصف مثل العلم بحيث لا تغرّه الشبه.\n• كعبد الله بن سلام.","vol":"6","page":29},{"text":"(وَالْمُؤْمِنُونَ) قيل: من أهل الكتاب، وقيل: من المهاجرين والأنصار.\n• قال ابن عاشور: والمراد بالمؤمنين في قوله (والمؤمنون) الذين هداهم الله للإيمان من أهل الكتاب، ولم يكونوا من الراسخين في العلم منهم، مثل اليهودي الذي كان يخدم رسول الله -ﷺ- وآمنَ به.\n(يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ) وهو القرآن\n(وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) أي: ويؤمنون بالكتب التي أنزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل.\n(وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) قيل: هو مخفوض عطفا على قوله (بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ) يعني: وبالمقيمين الصلاة.\nوكأنه يقول: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة، وهذا اختيار ابن جرير، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالملائكة، وفي هذا نظر.\nقال ابن جرير: فيكون تأويل الكلام (وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ) يا محمد من الكتاب (وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) من كتبي (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) أي: بالملائكة الذين يقيمون الصلاة.\n(وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) لأهلها كما في قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).\n• وقد اشتملتا (الصلاة والزكاة) على الإخلاص للمعبود، والإحسان إلى العبيد.\n(وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) بوجوده وربوبيته وألوهيته واسمائه وصفاته.\n(وَالْيَوْمِ الآخِرِ) أي: ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها، وصف بذلك لأنه لا يوم بعده.\n(أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) أي: ثوابًا عظيمًا، لأنهم جمعوا بين العلم والإيمان، والعمل الصالح، والإيمان بالكتب، والرسل السابقة واللاحقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1781>الفوائد:</span>\n١ - إثبات الأسباب.\n٢ - أن الظلم والمعاصي سبب لمنع الخير.\n٣ - أن الأمر إلى الله تحريمًا وتحليلًا.\n٤ - التحذير من الصد عن سبيل الله.\n٥ - تحريم الربا.\n٦ - أن من يأكل الربا ففيه شبه من اليهود.\n٧ - أن الحجة لا تقوم إلا بعد بلوغها.\n٨ - تحريم أكل أموال الناس بالباطل.\n٩ - تمام عدل الله تعالى.\n١٠ - فضيلة الرسوخ في العلم.\n١١ - أن من أهل الكتاب من هو مؤمن.\n١٢ - أن القرآن كلام الله.\n١٣ - علو الله تعالى.\n١٤ - فضيلة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.\n١٥ - فضيلة الإيمان بالله واليوم الآخر.","vol":"6","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1782>(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥».</span> [النساء: ١٦٣ - ١٦٥].\n<hr><s0>\n\n(إنا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ) ذكر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد -ﷺ- كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدمين.\n• قال القرطبي: فأعلم تعالى أن أمر محمد -ﷺ- كأمر من تقدّمه من الأنبياء.\n• وقال السعدي: يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله من الشرع العظيم والأخبار الصادقة ما أوحى إلى هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وفي هذا عدة فوائد:\nمنها: أن محمدا -ﷺ- ليس ببدع من الرسل، بل أرسل الله قبله من المرسلين العدد الكثير والجم الغفير فاستغراب رسالته لا وجه له إلا الجهل والعناد.\nومنها: أنه أوحى إليه كما أوحى إليهم من الأصول والعدل الذي اتفقوا عليه، وأن بعضهم يصدق بعضًا ويوافق بعضهم بعضًا.\nومنها: أنه من جنس هؤلاء الرسل، فليعتبره المعتبر بإخوانه المرسلين، فدعوته دعوتهم؛ وأخلاقهم متفقة؛ ومصدرهم واحد؛ وغايتهم واحدة، فلم يقرنه بالمجهولين؛ ولا بالكذابين ولا بالملوك الظالمين.\nومنها: أن في ذكر هؤلاء الرسل وتعدادهم من التنويه بهم، والثناء الصادق عليهم، وشرح أحوالهم مما يزداد به المؤمن إيمانا بهم ومحبة لهم، واقتداء بهديهم، واستنانا بسنتهم ومعرفة بحقوقهم، ويكون ذلك مصداقا لقوله (سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) (سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ) (سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).\nفكل محسن له من الثناء الحسن بين الأنام بحسب إحسانه والرسل -خصوصا هؤلاء المسمون- في المرتبة العليا من الإحسان.\n• قال المفسرون: إنما بدأ تعالى بذكر نوح، لأنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الأحكام والحلال والحرام، ثم قال تعالى (والنبيين مِن بَعْدِهِ) ثم خصّ بعض النبيّين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم كقوله (وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال).\n• قال البغوي: وبدأ بذكر نوح ﵇ لأنه كان أبا البشر مثل آدم ﵇، قال الله تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) ولأنه أول نبي من أنبياء الشريعة، وأول نذير على الشرك، وأول من عذبت أمته لردِّهم دعوته، وأهُلك أهل الأرض بدعائه وكان أطول الأنبياء عمرًا وجعلت معجزته في نفسه، لأنه عمّر ألف سنة فلم تسقط له سن ولم تشب له شعرة ولم تنتقص له قوة، ولم يصبر نبيٌّ على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره.","vol":"6","page":31},{"text":"• وقال أبو حيان: وقدم نوحًا وجرده منهم في الذكر لأنه الأب الثاني، وأول الرسل.\n• والوحي لغة: الإعلام بخفاء، واصطلاحًا: الإعلام بالشرع. [الفتح]\nفالوحي: ما أوحاه الله ﷿ إلى نبيه -ﷺ- سواء كان بواسطة أو بغير واسطة.\n(وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ) أي: وأوحينا إلى سائر النبيين إبراهيم وإسماعيل الخ، خص تعالى بالذكر هؤلاء تشريفًا وتعظيمًا لهم، وبدأ بعد محمد -ﷺ- بنوح لأنه أول رسول وأبو البشر الثاني، ثم ذكر إبراهيم لأنه الأب الثالث ومنه تفرعت شجرة النبوة كما قال تعالى (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ)\n• قوله تعالى (وَالأَسْبَاطِ) أولاد يعقوب.\n(وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) أي: وأعطينا داود الكتاب وهو الزبور.\n• قال ابن كثير: الزبور اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود.\n• وقال القرطبي: كان فيه مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم من الأحكام وإنما هي حكم ومواعظ.\n(وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ) أي: من قبل هذه الآية، يعني في السور المكية وغيرها.\n(وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أي: خلقًا آخرين لم يذكروا في القرآن.\n• والله تعالى أرسل في كل أمة رسولًا كما قال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ).\n• قال ابن عطية (وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) يقتضي كثرة الأنبياء دون تحديد بعدد، وقد قال تعالى (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) وقال تعالى (وقرونًا بين ذلك كثيرًا) وما يذكر من عدد الأنبياء فغير صحيح.\n(وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) هذا تشريف لموسى ﵇ بهذه الصفة ولهذا يقال له: الكليم.\n• وفي هذا إثبات الكلام لله تعالى.","vol":"6","page":32},{"text":"(رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) أي: يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب.\n• والتبشير: الإخبار بما يسر، والإنذار: الإعلام المقرون بالتخويف.\n• قال الرازي: سمّى الله تعالى النبيين بهذين الاسمين، فقال (كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) ثم سمّى المرسلين خاصة بهذا الإسم، فقال (مبشرين ومنذرين) ثم سمّى نبينا خاصة بهذين الإسمين، فقال (إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ).\n(لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (لئلا) للتعليل، أي لأجل ألا يكون.\n• قال ابن الجوزي: أي: لئلا يحتجوا في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل، لأن هذه الأشياء إنما تجب بالرسل.\n• وقال ابن كثير: أنه تعالى أنزل كتبه، وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبيّن ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه، لئلا يبقى لمعتذر عذر كما قال تعالى (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزى) وكذا قوله تعالى (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).\nوعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ ﷿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ) متفق عليه.\n• وقال البغوي: وفيه دليل على أن الله لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسل.\nوالعذر بالجهل معتبر بالشريعة.\nقال تعالى (وما كنا معذبين …).\nوقال تعالى (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون).\nوقال تعالى (وجاءكم النذير).\n• والحجة: ما يحتج به الغير على آخر لدفع الملامة ورفع العقوبة عنه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1783> الحكمة من إرسال الرسل:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1784>أولًا: التبشير للمؤمن والإنذار للكافر.</span>\nقال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ).\nوقال تعالى (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).\nوقال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).\nوقال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-1785>ثانيًا: رحمة للناس.</span>\nقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).","vol":"6","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1786>ثالثًا: البلاغ المبين.</span>\nقال تعالى (وإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).\nوقال تعالى (مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ).\nوقال تعالى (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1787>رابعًا: الدعوة إلى الله.</span>\nقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ).\nوقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1788>خامسًا: إقامة الحجة.</span>\nوقال تعالى (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).\nوقال تعالى (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى).\nوعندما يصيحون بالنار بعد أن يحيط بهم العذاب من كل جانب وينادون ويصرخون تقول لهم خزنة جهنم\nكما قال تعالى (قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ).\n(وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) تقدم شرحها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1789>الفوائد:</span>\n١ - أن أول الرسل نوح ﵇.\n٢ - أن الوحي إلى جميع الأنبياء والرسل كان من جنس واحد.\n٣ - أن الله قص أنباء بعض الرسل لا كل الرسل.\n٤ - أن الله كلم موسى كلامًا حقيقيًا.\n٥ - أن مهمة الرسل التبشير والإنذار.\n٦ - أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه.\n٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم.\n(الثلاثاء: ٢٥/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"6","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1790>(لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا (١٦٦»</span> [النساء: ١٦٦].\n<hr><s0>\n\n(لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) قال ابن كثير: لما تضمن قوله تعالى (إنا أوحينا ..) إلى آخر السياق إثبات نبوته -ﷺ- والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب قال الله تعالى (لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ) أي: وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزله عليه الكتاب، وهو القرآن العظيم الذي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).\n• قال القرطبي (لكن الله يَشْهَدُ) في الكلام حذف دل عليه الكلام؛ كأنّ الكفار قالوا: ما نشهد لك يا محمد فيما تقول فمن يشهد لك؟ فنزل: لَكِن اللَّهُ يَشْهَدُ.\n• وقال الشوكاني: وشهادة الله سبحانه هي: ما يصنعه من المعجزات الدالة على صحة النبوة، فإن وجود هذه المعجزات شهادة للنبيّ -ﷺ- بصدق ما أخبر به من هذا، وغيره.\n• وقد شهد الله لنبيه -ﷺ- بالرسالة شهادة قولية، وفعلية.\nأما الشهادة القولية: ففي قوله تعالى (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا).\nوأما الشهادة الفعلية: فهي تمكينه من إبلاغ الرسالة ونصره على أعدائه، لأن الله لن ينصر أحدًا على باطل نصرًا مؤبدًا أبدًا.\n• وفي هذا تسلية للرسول -ﷺ-، والله تعالى يدافع عن نبيه -ﷺ-:\nكما قال تعالى (يس والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين).\nوقال تعالى (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم).\nوقال تعالى (ما أنت بنعمة ربك بمجنون).\n(أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه، من البينات والهدى والفرقان وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يُعلمه الله به كما قال تعالى (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء) وقال تعالى (ولا يحيطون به علمًا).\n• قال السعدي: يحتمل أن يكون المراد، أنزله مشتملًا على علمه، أي: فيه من العلوم الإلهية، والأحكام الشرعية، والأخبار الغيبية، ما هو من علم الله تعالى، الذي علم به عباده.\nورجحه ابن القيم حيث قال: أي: أنزله وفيه علمه الذي لا يعلمه البشر، فالباء للمصاحبة، وذلك من أعظم البراهين على صدق نبوة من جاء به.\nويحتمل: أن يكون المراد، أنزله صادرًا عن علمه.","vol":"6","page":35},{"text":"• وقال الآلوسي: (أنزله بعلمه) ذكر فيه أربعة أوجه:\nالأول: أن يكون المعنى أنزله بعلمه الخاص به الذي لا يعلمه غيره سبحانه، وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، واختاره جماعة من المفسرين.\nوالثاني: أن يكون المعنى أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك لقيامك فيه بالحق ودعائك الناس إليه، واختاره الطبرسي.\nوالثالث: أن يكون المعنى أنزله بما علم من مصالح العباد مشتملًا عليه.\nوالرابع: أن يكون المعنى أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة.\n(وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ) أي: بصدق ما جاءك وأوحي إليك وأنزل عليك، مع شهادة الله لك بذلك.\n• قال السعدي: وإخباره تعالى بشهادة الملائكة على ما أنزل على رسوله، لكمال إيمانهم، ولجلالة هذا المشهود عليه، فإن الأمور العظيمة، لا يستشهد عليها إلا الخواص، كما قال تعالى في الشهادة على التوحيد (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائمًا بالقسط …).\n(وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا) أي: كفى الله شاهدًا فشهادته تعالى تغنيك وتكفيك وإن لم يهد غيره.\n• قال الخازن: يعني وحسبك يا محمد أن الله يشهد لك وكفى بالله شهيدًا وإن لم يشهد معه أحد غيره ففيه تسلية للنبي -ﷺ- عن شهادة أهل الكتاب له فإن الله يشهد له وملائكته كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1791>الفوائد:</span>\n١ - إثبات الشهادة لله تعالى.\n٢ - إثبات رسالة النبي -ﷺ-.\n٣ - أن القرآن كلام الله تعالى.\n٤ - أن إنزال الله للقرآن كان بعلمه.\n٥ - إثبات الملائكة.","vol":"6","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1792>(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا (١٦٩»</span> [النساء: ١٦٧ - ١٦٩].\n<hr><s0>\n\n(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ) أي: بكل ما يجب الإيمان به.\n(وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ) أي: وسعَوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به.\n(قَدْ ضَلُّواْ ضَلَالًا بَعِيدًا) أي: قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه، وبعُدوا منه بعدًا عظيمًا واسعًا.\n• قال السعدي: وأي ضلال أعظم من ضلال من ضل بنفسه وأضل غيره، فباء بالإثمين ورجع بالخسارتين وفاتته الهدايتان.\n(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ) بالله وبرسوله وجحدوا رسالته.\n(وَظَلَمُواْ) غيرهم بصدهم عن سبيل الله، أو ظلموا محمدًا بكتمانهم نبوته، أو ظلموا أنفسهم بكفرهم، ويجوز الحمل على جميع هذه المعاني.\nلأن الإنسان إذا كفر ظلم نفسه، فقال تعالى (وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم).\nوالظلم في الأصل هو النقص، وسمي المعتدي ظالمًا لأنه نقّص من حق المعتدَى عليه.\n(لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) أي: لا يوفقهم للتوبة حتى يغفر لهم، وليس المعنى: لم يكن الله ليغفر لهم إذا تابوا، فإن الله ﷾ يتوب على من تاب مهما كان عمله.\nوالمغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه.\n(وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا) أي: لا يوفقهم، فالهداية هنا هداية توفيق.\n(إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ) وهي اسم من النار، سميت بذلك لغلظها وبعد قعرها.\n(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) أي: ماكثين فيها لا يخرجون منها.\n• وقد ذكر الله أبدية النار في ثلاثة مواضع:\nفي سورة النساء:\nقال تعالى (وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا. إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا).\nوفي سورة الأحزاب:\nقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا).\nوفي سورة الجن:\nقال تعالى (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).\nوقال تعالى (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)","vol":"6","page":37},{"text":"(وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا) أي: تخليدهم في جهنم لا يصعب عليه ولا يستعظمه.\n• قال السعدي: أي لا يبالي الله بهم ولا يعبأ لأنهم لا يصلحون للخير ولا يليق بهم إلا الحالة التي اختاروها لأنفسهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1793>الفوائد:</span>\n١ - ضلال من كفر وصد هو وصد غيره عن طريق الحق.\n٢ - أن الضلال ينقسم إلى ضلال قريب، وضلال بعيد.\n٣ - أن من اتصف بهذين الوصفين: الكفر والظلم فإنه مسدود عنه باب التوفيق.\n٤ - أن الكافر لا يوفق للهدى.\n٥ - إثبات الخلود الأبدي للكفار في نار جهنم.\n٦ - أن كل شيء يسير على الله تعالى.","vol":"6","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1794>(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠».</span> [النساء: ١٧٠].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ) أي: جاءكم محمد -ﷺ- (بالحق) أي أنه جاء بالحق ولم يأت بالباطل، وأنه رسول حق ليس بكاذب. (من ربكم) أي: خالقكم ومالككم والمدبر لأموركم.\nقوله تعالى (بالحق) فما جاء به فهو حق، وهو أيضًا رسول من عند الله حق.\n(فَآمِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ) أي: آمنوا بما جاء به فهو خير لكم من الكفر والتكذيب.\nولاشك أن الإيمان خير من الكفر، لأن الإيمان به سعادة الدنيا والآخرة.\nقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).\n• قال السعدي: والخير ضد الشر، فالإيمان خير للمؤمنين في أبدانهم وقلوبهم وأرواحهم ودنياهم وأخراهم. وذلك لما يترتب عليه من المصالح والفوائد، فكل ثواب عاجل وآجل فمن ثمرات الإيمان، فالنصر والهدى والعلم والعمل الصالح والسرور والأفراح، والجنة وما اشتملت عليه من النعيم كل ذلك مسبب عن الإيمان.\nكما أن الشقاء الدنيوي والأخروي من عدم الإيمان أو نقصه. وأما مضرة عدم الإيمان به ﷺ فيعرف بضد ما يترتب على الإيمان به. وأن العبد لا يضر إلا نفسه، والله تعالى غني عنه لا تضره معصية العاصين، ولهذا قال:\n(وَإِن تَكْفُرُواْ) أي: بالرسول -ﷺ- وبما جاء به.\n(فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم، لأن له ما في السماوات والأرض.\nقال تعالى (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ).\nوقال تعالى (وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).\nوقال تعالى (وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ).\nوقال -ﷺ- (قال تعالى (لو أن أولكم وآخركم …).","vol":"6","page":39},{"text":"(وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا) بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه.\n(حَكِيمًا) أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1795>الفوائد:</span>\n١ - بيان أن محمدًا رسول الله -ﷺ-.\n٢ - عموم رسالة النبي -ﷺ- لجميع الناس.\n٣ - أن ما جاء به الرسول حق.\n٤ - إثبات الربوبية لله تعالى.\n٥ - عموم ملك الله تعالى.\n(الإربعاء: ٢٦/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).","vol":"6","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1796>(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَاثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١».</span> [النساء: ١٧١].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ) ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزا حد التصديق بعيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله يعبدونه، بل غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه صحيحًا أو كذبًا وهذا قال -ﷺ- (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله) رواه البخاري.\n• قال الشنقيطي: هَذَا الْغُلُوُّ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ هُوَ وَقَوْلُ غَيْرِ الْحَقِّ هُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: هُوَ اللَّهُ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: هُوَ إِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﷾ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عُلُوًّا كَبِيرًا، كَمَا بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) وَقَوْلُهُ (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)، وَقَوْلُهُ (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ).\nوَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَدْخُلُ فِي الْغُلُوِّ وَغَيْرِ الْحَقِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا قَالُوا مِنَ الْبُهْتَانِ عَلَى مَرْيَمَ أَيْضًا، وَاعْتَمَدَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ الْغُلُوُّ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ شَامِلًا لِلتَّفْرِيطِ وَالْإِفْرَاطِ.\nوَقَدْ قَرَّرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْحَقَّ وَاسِطَةٌ بَيْنَ التَّفْرِيطِ وَالْإِفْرَاطِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: الْحَسَنَةُ بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَنْ جَانَبَ التَّفْرِيطَ وَالْإِفْرَاطَ فَقَدِ اهْتَدَى.\n• قال ابن الجوزي: والجمهور على أن المراد بهذه الآية: النصارى.\nوقيل: نزلت في اليهود والنصارى، فإنهم جميعًا غلو في أمر عيسى، فاليهود بالتقصير، والنصارى مجاوزة الحد، وأصل الغلو مجاوزة الحد.\n(وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ) أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدًا - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - فلا إله إلا هو، ولا رب سواه.\n• قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات اليهود تكلم بعد ذلك مع النصارى في هذه الآية، والتقدير يا أهل الكتاب من النصارى لا تغلوا في دينكم أي لا تفرطوا في تعظيم المسيح، وذلك لأنه تعالى حكى عن اليهود أنهم يبالغون في الطعن في المسيح، وهؤلاء النصارى يبالغون في تعظيمه وكلا طرفي قصدهم ذميم، فلهذا قال للنصارى (لَا تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ) وقوله (وَلَا تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق) يعني لا تصفوا الله بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان أو روحه، ونزهوه عن هذه الأحوال.\nولما منعهم عن طريق الغول أرشدهم إلى طريق الحق، وهو أن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله.","vol":"6","page":41},{"text":"(إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ) أي: إنما هو عبد الله من عباد الله خلْق من خلقه، ورسول من رسله.\n(وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) أي: وقد خلقه بكلمته تعالى (كن) من غير واسطة أب ولا نطفة كما قال تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى\nعِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).\n(وَرُوحٌ مِّنْهُ) أي: هو روح من الأرواح التي خلقها الله تعالى، من أثر نفخة جبريل في مريم حيث حملت بتلك النفخة بعيسى، وإنما أضيف إلى الله تشريفًا وتكريمًا. كقوله تعالى (ناقة الله) وقوله (وطهر بيتي).\n• قال ابن كثير: أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه ﷿، فكان عيسى بإذن الله، وصار تلك النفخة التي نفخها في جيْب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب الأم، والجميع مخلوق لله ﷿، ولها قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولّد منه، وإنما هو ناشيء عن الكلمة التي قال له بها: كن، فكان، والروح التي أرسل بها جبريل.\n• قوله تعالى (وروح منه) من هنا ليست تبعيضية، حيث ضلت النصارى وقالوا هو جزء من الله.\nفقوله هنا (وروح منه) كقوله (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) أي: من خلْقه ومن عنده، وليست (من) للتبعيض كما تقوله النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعة - بل هي لابتداء الغاية.\n• قال الماوردي: قوله تعالى (وَرُوحٌ مِّنْهُ) فيه ثلاثة أقاويل:\nأحدها: سُمِّي بذلك لأنه رُوح من الأرواح، وأضافه الله إلى نفسه تشريفًا له.\nوالثاني: أنه سُمِّي روحًا؛ لأنه يحيا به الناس كما يُحْيَون بالأرواح.\nوالثالث: أنه سُمِّي بذلك لنفخ جبريل ﵇، لأنه كان ينفخ فيه الروح بإذن الله، والنفخ يُسَمَّى في اللغة روحًا، فكان عن النفخ فسمي به.\n(فَآمِنُواْ بِاللّهِ) أي: وحدوا بأن إله واحد أحد، لا صاحبة له ولا ولد، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله.\n(وَرُسُلِهِ) وصدقوا بجميع رسله ومنهم محمد -ﷺ- وأنه آخر الأنبياء ورسول لجميع العالمين.\n(وَلَا تَقُولُواْ ثَلَاثَةٌ) أي: لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nكما قال تعالى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).\nوقال تعالى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ).","vol":"6","page":42},{"text":"(انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ) أي: انتهوا عن الشرك والتثليت يكن خيرًا لكم.\n(إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) لا شريك له.\nكما قال تعالى (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).\nوقال تعالى (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ).\nوقال تعالى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ).\nوقال تعالى (قلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ).\nوقال تعالى (وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).\n(سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) أي: تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له ولد.\n• وما تضمنته هذه الآية الكريمة: من أنه لما ذكر وصف الكفار له بما لا يليق به، نزه نفسه عن ذلك، معلمًا خلقه في كتابه أن ينزهوه عن كل ما لا يليق به، جاء موضحًا في آيات كثيرة:\nكقوله تعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ).\nوقوله تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ).\nوقوله تعالى (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ).\nوقوله تعالى (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ).\nوقوله تعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ).\nوقوله تعالى (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا).\nوقوله تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).","vol":"6","page":43},{"text":"وقوله تعالى (سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1797> والله منزه عن الولد لأمور متعددة:</span>\nأولًا: لأنه مالك كل شيء، والمالك لا بد أن يكون المملوك مباينًا له في كل الأحوال.\nثانيًا: أنه ليس له زوجة، والابن إنما يكون غالبًا ممن له زوجة كما ذكر الله ذلك في سورة الأنعام (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ).\nثالثًا: أن الولد إنما يكون لمن يحتاج للبقاء، أي: بقاء النوع باستمرار النسل، والرب ﷿ ليس بحاجة إلى ذلك، لأنه الحي الذي لا يموت.\nرابعًا: أن الابن إنما يحتاج إليه والده ليساعده ويعينه على شؤونه وأموره، والله ﷾ غني، وقد أشار إلى ذلك بقوله (سبحانه هو الغني). … [قاله الشيخ ابن عثيمين].\n(لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ) أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟\n(وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا) أي: كافيًا في تدبير مخلوقاته وحفظها، فلا حاجة إلى صاحبة ولا ولد ولا معين.\nوقيل: معناه كفيلًا لأوليائه.\nوقيل: المعنى يكل الخلق إليه أمورهم، فهو الغني عنهم، وهم الفقراء إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1798>الفوائد:</span>\n١ - تحريم الغلو في الدين.\n٢ - يجب أن ننزل كل إنسان منزلته، فعيسى عبد الله ورسوله.\n٣ - إثبات رسالة عيسى.\n٤ - تحريم القول على الله بغير الحق.\n٥ - إثبات أن عيسى من أم بلا أب.\n٦ - أن عيسى من جملة الأرواح التي خلقها الله.\n٧ - وجوب الإيمان بالله.\n٨ - وجوب الإيمان بجميع الرسل.\n٩ - تحريم التثليث.\n١٠ - وجوب توجيد الله بالألوهية.\n١١ - تنزيه الله أن يكون له ولد.\n١٢ - وجوب تنزيه الله عن كل نقص وعيب.\n١٣ - كمال الله وعزه واستغنائه.","vol":"6","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1799>(لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلَا الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣».</span> [النساء: ١٧٢ - ١٧٣].\n<hr><s0>\n\n(لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ) يقول تعالى ردًا على النصارى ومزاعمهم الباطلة (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ) أي: لن يأنف ويسستكبر المسيح - الذي زعتم أنه إله - أن يكون عبدًا لله.\n• قال البغوي: الاستنكاف: التكبر مع الأنفة.\n(وَلَا الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) أي: لا يستنكفون أيضًا أن يكون عبيدًا لله تعالى.\n• وأصل العبادة في لغة العرب: الذل والخضوع، وقيل للعبد (عبد) لذله وخضوعه لسيده، فالعبادة: الذل والخضوع على وجه المحبة خاصة، فلا تكفي المحبة دون الذل والخضوع، ولا يكفي الذل والخضوع دون المحبة، لأن الإنسان إذا كان ذله متجردًا عن محبة الله يُبغض الذي هو يذل له، ومن أبغض ربه هلك، وإذا كانت محبةً خالصة لا خوف معها، فإن المُحب الذي لا يُداخله خوف يحمله الدلال على أن يسئ الأدب، ويرتكب أمورًا لا تنبغي، والله ﷿ لا يليق به شيء من ذلك (قاله الشنقيطي).\n• فالعبادة تطلق على معنيين: احدهما: التعبد: يعني التذلل لله، كما سبق، وتطلق على المتعبد به (بالنسبة لأفعال العباد) وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1800> مباحث العبادة:</span>\no  وجوب عبادة الله ﷿، وقد جاءت النصوص الآمرة بذلك:\nقال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا).\nوقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).\nوقال تعالى (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا).\nوقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).\nوقال تعالى (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ).\nوقال تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ).\no  وأمر تعالى بعبادته حتى الموت فقال تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).\no  بل الناس ما خلقوا إلا لعبادة الله تعالى كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).","vol":"6","page":45},{"text":"o  وأمر الله بها جميع رسله:\nكما قال نوح لقومه (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ)، وكذلك قال هود، وصالح، وشعيب، وغيرهم.\no  وأخبر الله أنه أرسل في كل أمة رسولًا لهذا الغرض.\nقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).\no  ووصف ملائكته بذلك.\nفقال تعالى (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ).\no  ونعت صفوة خلقه بالعبودية له:\nفقال تعالى (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) وقال تعالى (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا).\no  وقد نعت الله نبيه بالعبودية في أكمل أحواله:\nفقال في الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا).\nوقال في الإيحاء (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى).\nوقال في الدعوة (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا).\nوقال في التحدي (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ).","vol":"6","page":46},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله تعالى.\nقال ابن كثير: إنما ذكروا لأنهم اتّخذوا آلهة مع الله، كما تخذ المسيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عبيده وخلقٌ من خلقه كما قال تعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ).\n(وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ) أي: ومن يأنف ويتكبر عن عبادة الله تعالى.\n(فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا) أي: فسيجمعهم إليه سبحانه يوم القيامة ويفصل بينهم بحكمه العدْل، الذي لا يجور فيه ولا يَحيف.\n• قال البغوي: قيل الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار: هو العلو والتكبر من غير أنفة.\nولهذا قال:\n(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ) بقلوبهم.\n(وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) أي: وعملوا الأعمال الصالحات من واجبات ومستحبات بجوارحهم.\n• والعمل الصالح لا يكون صالحًا إلا بشرطين:\nالشرط الأول: أن يكون خالصًا لله، قال -ﷺ- (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه\nالشرط الثاني: أن يكون متابعًا للنبي -ﷺ-، لقوله -ﷺ- (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم\n• قال السعدي: ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه.\n(فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) أي: يعطيهم على أعمالهم الصالحة ثوابهم.\n(وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ) أي: بل ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه.\nوقد ورد في كتاب الله أن الله يضاعف الحسنة بعشر أمثالها كما قال تعالى (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا).\nوقال تعالى (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).","vol":"6","page":47},{"text":"وجاء في الحديث قال -ﷺ- (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ..... ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون كالجبل) متفق عليه.\n(وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ) أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك.\n(فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا) أي: عذابًا حسيًا ومعنويًا مؤلمًا موجعًا، وقد جاء وصف عذاب النار للكافرين في آيات كثيرة من القرآن الكريم.\nوقد قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) أي: صاغرين حقيرين ذليلين كما كانوا ممتنعين.\n(وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1801>الفوائد:</span>\n١ - أن المسيح ليس يستنكف أن يكون عبدًا لله.\n٢ - إن أعظم ما يتشرف به الإنسان أن يكون عبدًا لله.\n٣ - وجوب عبادة الله.\n٤ - وعيد وتهديد من استنكف عن عبادة الله.\n٥ - فضيلة الإيمان والعمل الصالح.\n٦ - ينبغي الحرص على أن يكون العمل صالحًا.\n٧ - يشترط لقبول العمل الإيمان.\n٨ - عظم رحمة الله وفضله حيث يزيد في أجور الأعمال الصالحات.","vol":"6","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1802>(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (١٧٥».</span> [النساء ١٧٤ - ١٧٥].\n<hr><s0>\n\n(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ) يقول تعالى مخاطبًا جميع الناس ومخبرًا بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر، والحجة المزيلة للشبهة.\nوالمراد به محمد -ﷺ- والمعجزات التي أيده الله بها.\n• قال الخازن: قوله ﷿ (قد جاءكم برهان من ربكم) يعني محمدًا -ﷺ- وما جاء به من البينات من ربه ﷿ وإنما سماه برهانًا لما معه من المعجزات الباهرات التي تشهد بصدقة ولأن للبرهان دليل على إقامة الحق وإيصال الباطل والنبي ﷺ كان كذلك ولأنه تعالى جعله حجة قاطعة قطع به عذر جميع الخلائق.\n• وقال البغوي: قوله تعالى (قد جاءكم برهان من ربكم) يعني محمدًا، هذا قول أكثر المفسرين، وقيل: هو القرآن.\nوقال الرازي: والبرهان هو محمد ﵊، وإنما سماه برهانًا لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل.\n(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) أي: ضياء واضحًا على الحق.\nوالمراد بالنور القرآن الكريم.\n• قال ابن عاشور: وأمّا النور المبين فهو القرآن لقوله (وأنزلنا).\n• قال الرازي: والنور المبين هو القرآن، وسماه نورًا لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب.\n• وقال القرطبي: النور المنزل هو القرآن؛ عن الحسن؛ وسماه نورًا لأن به تتبين الأحكام ويهتدى به من الضلالة، فهو نور مبين، أي واضح بَيِّن.\n• وقال الخازن: وإنما سماه نورًا لأن به تتبين الأحكام كما تتبين الأشياء بالنور بعد الظلام ولأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب فسماه نورًا لهذا المعنى.","vol":"6","page":49},{"text":"• وقال الشنقيطي: الْمُرَادُ بِهَذَا النُّورِ الْمُبِينِ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ; لِأَنَّهُ يُزِيلُ ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ وَالشَّكِّ كَمَا يُزِيلُ النُّورُ الْحِسِّيُّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ.\n• وقال ابن الجوزي: وإنما سماه نورًا، لأن الأحكام تبين به بيان الأشياء بالنور.\nقال تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).\nوقال تعالى (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).\n• قال ابن كثير: وقد سمى الله تعالى الوحي الذي أنزله نورًا لما يحصل به من الهدى، كما سماه روحًا لما يحصل به من حياة القلوب.\n• وقال الشوكاني: قوله تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) هو القرآن، وسماه نورًا لأنه يهتدي به من ظلمة الضلال.\n(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ) بما يجب الإيمان به.\n(وَاعْتَصَمُواْ بِهِ) أي: تمسكوا بكتابه المنير.\n• قال ابن الجوزي: وفي هاء (به) قولان:\nأحدهما: أنها تعود إلى النور وهو القرآن، واختاره ابن جرير.\nوالثاني: تعود إلى الله تعالى.\n(فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ) أي: يرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابًا ومضاعفة ورفْعًا في درجاتهم، من فضله عليهم وإحسانه إليهم.\n• فالمراد بالرحمة هنا الرحمة المخلوقة وهي الجنة، لأن الرحمة الصفة لا يمكن أن يدخل الناس فيها.\nقال -ﷺ- (قال تعالى للجنة: أنتي رحمتي أرحم بك من أشاء).\n(وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) أي: طريقًا واضحًا قصْدًا قوامًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف.\n• قال ابن كثير: وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات.\n\n<span data-type='title' id=toc-1803>الفوائد:</span>\n١ - أن القرآن نازل لجميع الخلق.\n٢ - أن القرآن نور.\n٣ - أن القرآن الكريم فيه بيان لجميع الناس.\n٤ - فضيلة الإيمان بالله والاعتصام به.\n٥ - أن من آمن بالله واعتصم به فسيرحمه الله.\n٦ - بيان فضل الله على هؤلاء.","vol":"6","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1804>(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦».</span> [النساء: ١٧٦]\n<hr><s0>\n\n(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ عَادَنِى النَّبِىُّ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ فِى بَنِى سَلَمَةَ يَمْشِيَانِ فَوَجَدَنِى لَا أَعْقِلُ فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَشَّ عَلَىَّ مِنْهُ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ فِى مَالِى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَتْ (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ).\n• والكلالة: قال ابن كثير: فسرها أكثر العلماء بمن يموت وليس له ولد ولا والد.\n• والإستفتاء: طلب الإفتاء، والإفتاء: هو الإخبار عن حكم شرعي.\n(إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ) أي: مات.\n(لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) أي: ليس له فرع وارث، سواء كان ذكرًا أو أنثى.\n• قال السعدي: وكذلك ليس له والد، بدليل أنه ورث فيه الأخوة، والإخوة بالإجماع لا يرثون مع الوالد، فإذا هلك، وليس له ولد، ولا والد.\n(وَلَهُ أُخْتٌ) شقيقة أو لأب، لا لأم، فإنه قد تقدم حكمها.\nأما الأخت لأم فقد تقدم ميراثها في أول السورة (وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ).\n(فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) أي: فلها نصف ما ترك أخوها من الميراث، وذلك من بعد الدين والوصية كما تقدم في أول السورة.\n(وَهُوَ) أي: أخوها الشقيق، أو للذي للأب.\n(يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ) أي: وأخوها الشقيق أو لأب يرث جميع ما تركت إن لم يكن لها ولد.\n• قال ابن كثير: والأخ يرث جميع مالها إذا ماتت كلالة، وليس لها ولد، أي: ولا والد، لأنه لو كان لها والد لم يرث الأخ شيئًا، فإن فرض أن معه من له فرض، صرف إليه فرضه، كزوج أو أخ من أم وصرف الباقي إلى الأخ لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله -ﷺ- قال (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر). متفق عليه","vol":"6","page":51},{"text":"(فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) أي: وإن كانت الأختان اثنتين فأكثر فلهما الثلثان مما ترك أخوهما.\n• قال ابن كثير: أي، فإن كان لمن يموت كلالة أختان، فرض لهما الثلثان وكذا ما زاد على الأختين في حكمهما.\n(وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) أي: وإن كان الورثة مختلطين إخوة وأخوات فللذكر مثل نصيب الأختين.\n(يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ) أي: يفرض لكم فرائضه، ويحد لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه.\n(أَن تَضِلُّواْ) أي: لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان، وبعضهم يقول: كراهية أن تضلوا.\n(وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي: هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها، وما فيها من الخير لعباده، وما يستحقه كل واحد من القربات بحسب قربه من المتوفى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1805>الفوائد:</span>\n١ - حرص الصحابة على معرفة الحق.\n٢ - إطلاق الإفتاء على الله.\n٣ - بيان متى ترث الأخت النصف.\n٤ - أنه لو ماتت امرأة عن أخيها الشقيق أو لأب فقط فالمال له.\n٥ - أن الأختين فأكثر لهما الثلثان.\n٦ - حكمة الشرع في تفضيل الذكر على الأنثى.\n٧ - أن الله بيّن لنا كل ما نحتاج إليه.\n٨ - عموم علم الله تعالى.\n\nتمت بحمد الله تعالى\nالإربعاء: ٢/ ٨/ ١٤٣١ هـ عصرًا\nوالله أعلم\nأخوكم\nسليمان بن محمد اللهيميد\nالسعودية - رفحاء","vol":"6","page":52}]}