{"ً":{"ٌ":833,"ٍ":"قطع العلائق للتفكر في عبودية الخلائق","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: قَطْعُ العَلائِقِ للتَّفَكُرِ فِي عُبُودِيَّةِ الخَلائِقِ\nالمؤلف: عرفة بن طنطاوي\nالناشر: مركز تأصيل علوم التنزيل للبحوث العلمية والدراسات القرآنية، القاهرة - مصر\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٣ هـ\nعدد الصفحات: ١٠٤\n[كتاب إلكتروني بترقيم الشاملة]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3169,"ٕ":1,"ٖ":1780758791,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"ديباجة البحث","level":1,"page":5},{"title":"المقدمة","level":1,"page":6},{"title":"ملخص البحث","level":2,"page":7},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":8},{"title":"تفصيل منهجية البحث","level":2,"page":11},{"title":"أولا: أهمية موضوع البحث","level":3,"page":11},{"title":"ثانيا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها","level":3,"page":11},{"title":"الدراسة الأولى","level":4,"page":11},{"title":"وصف الدراسة","level":5,"page":11},{"title":"الدراسة الثانية","level":4,"page":12},{"title":"وصف الدراسة","level":5,"page":12},{"title":"ثالثا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث","level":5,"page":12},{"title":"رابعا: أهداف البحث","level":5,"page":13},{"title":"خامسا: منهج البحث","level":5,"page":13},{"title":"الفصل الأول تعريف العبودية","level":1,"page":14},{"title":"المبحث الأول: مفهوم العبودية","level":2,"page":14},{"title":"المطلب الأول: مفهوم العبودية في اللغة","level":3,"page":14},{"title":"العبودية","level":4,"page":14},{"title":"قال الخليل","level":4,"page":14},{"title":"وقال الفراء","level":4,"page":14},{"title":"وقال ابن الأنباري -﵀-","level":4,"page":15},{"title":"وقال الزبيدي -﵀-","level":4,"page":15},{"title":"المطلب الثاني: مفهوم العبودية في الشرع","level":3,"page":15},{"title":"والعبودية مشتقة من العبادة، وقد عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) -﵀- بقوله","level":4,"page":15},{"title":"وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) -﵀-","level":4,"page":16},{"title":"ويعرفها المناوي (ت: ١٠٣١ هـ) -﵀-: بقوله","level":4,"page":16},{"title":"المبحث الثاني: بيان أقسام العبودية","level":2,"page":17},{"title":"المطلب الأول: القسم الأول من أقسام العبودية \"عبودية الغلبة والقهر والملك\"","level":3,"page":17},{"title":"يقول شيخ المفسرين ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) -﵀-","level":4,"page":17},{"title":"ويقول البغوي (ت: ٥١٠ هـ) -﵀-","level":4,"page":17},{"title":"ويقرر أبو السعود (ت: ٩٨٢ هـ) -﵀-: ما قرراه، أعني: شيخ المفسرين، والإمام البغوي بقوله","level":4,"page":18},{"title":"وفي صدد ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-","level":4,"page":18},{"title":"يقول ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) -﵀-","level":4,"page":18},{"title":"وفي بيان معنى القنوت الوارد في قول الله تعالى: (كل له قانتون)","level":4,"page":19},{"title":"يقول شيخ المفسرين ابن جرير الطبري -﵀-","level":5,"page":19},{"title":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-","level":5,"page":19},{"title":"المطلب الثاني: القسم الثاني من أقسام العبودية \"عبودية الاختيار والانقياد والطاعة والمحبة\"","level":3,"page":19},{"title":"ويقرر ابن القيم -﵀- أن: «العبودية نوعان: عامة وخاصة»","level":4,"page":20},{"title":"وأهل هذه العبودية","level":4,"page":20},{"title":"والخلاصة","level":4,"page":22},{"title":"المطلب الثالث: بيان حقيقة العبودية","level":3,"page":22},{"title":"قال ابن جرير الطبري -﵀-","level":4,"page":22},{"title":"وقال ابن القيم -﵀-","level":4,"page":23},{"title":"قال ابن القيم -﵀- في الشافية الكافية","level":4,"page":23},{"title":"المطلب الرابع: بيان شرطي تحقيق العبودية","level":3,"page":23},{"title":"الأصل الأول: إفراده الله تعالى بالعبادة ونبذ عبادة كل ما سواه","level":4,"page":23},{"title":"الأصل الثاني: ألا يعبد الله إلا بما شرع","level":4,"page":23},{"title":"المطلب الخامس: تقرير عبودية الله تعالى في القرآن الكريم","level":3,"page":23},{"title":"وفي نحو ذلك يقرر الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) -﵀- فيقول","level":4,"page":24},{"title":"المبحث الثالث: أصل الدين مبني على أصلين عظيمين (العبودية - والاستعانة)","level":2,"page":26},{"title":"المطلب الأول: الغاية من خلق المكلفين تحقيق العبودية","level":3,"page":26},{"title":"قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) -﵀-","level":4,"page":27},{"title":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-","level":4,"page":27},{"title":"وقال الإمام ابن القيم -﵀-","level":4,"page":27},{"title":"قال ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) -﵀-","level":4,"page":28},{"title":"يقول الفخر الرازي -﵀-","level":4,"page":28},{"title":"قال ابن القيم -﵀-","level":4,"page":29},{"title":"المطلب الثاني: مكانة العبودية والاستعانة وتحقيق التلازم بينها","level":3,"page":30},{"title":"وتقديم العبادة على الاستعانة","level":4,"page":30},{"title":"والعبادة والاستعانة","level":4,"page":30},{"title":"وفي بيان فضلها وعظيم منزلتها يقول ابن القيم -﵀-","level":4,"page":31},{"title":"وقد جمعت هذه الآية على وجازتها من الفوائد دررا، ومن البلاغة كنوزا، وسنشير إلى شيء من ذلك","level":4,"page":31},{"title":"أولا: السر في تقديم ما حقه التأخير.","level":5,"page":31},{"title":"ثانيا: السر في تقديم العبادة على الاستعانة.","level":5,"page":32},{"title":"ثالثا: السر في إعادة العامل (إياك) وعدم الاكتفاء بالعطف.","level":5,"page":32},{"title":"رابعا: السر في إطلاق الاستعانة وعدم تقييدها بالمفعول","level":5,"page":33},{"title":"المطلب الثالث: أقسام الخلق في منازل\" إياك نعبد وإياك نستعين\"","level":3,"page":33},{"title":"القسم الأول: المؤمنون المتقون الذين جمعوا بين الأمرين","level":4,"page":33},{"title":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-","level":5,"page":34},{"title":"قال شيخنا الفقيه العلامة ابن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) -﵀-","level":5,"page":34},{"title":"القسم الثاني: من لا عبادة ولا استعانة لهم","level":4,"page":34},{"title":"القسم الثالث: من لهم نوع عبادة بلا استعانة","level":4,"page":35},{"title":"القسم الرابع: من عندهم استعانة بلا عبادة","level":4,"page":36},{"title":"الفصل الثاني عبودية البشر","level":1,"page":37},{"title":"المبحث الأول: عبودية النبين والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام-","level":2,"page":37},{"title":"المطلب الأول: عبودية خاتم النبين والمرسلين ﷺ","level":3,"page":37},{"title":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-","level":4,"page":37},{"title":"قال ابن سعدي -﵀-","level":4,"page":38},{"title":"قال القرطبي","level":4,"page":38},{"title":"المطلب الثاني: عبودية أولي العزم من الرسل -﵈- بأعيانهم","level":3,"page":39},{"title":"قال ابن سعدي -﵀-","level":4,"page":40},{"title":"قال الفخر الرازي مبينا وجه التناسب والترابط بين هذه الآية وبين الآيات قبلها","level":4,"page":40},{"title":"المطلب الثالث: عبودية عموم المرسلين -﵈-","level":3,"page":41},{"title":"عبودية بعض الأنبياء ﵈ أجمعين","level":4,"page":42},{"title":"وهنا نورد ذكر عبودية بعض الأنبياء ﵈ أجمعين بأعيانهم","level":4,"page":42},{"title":"وقد اتضح فيما مضى أمران ظاهرا الدلالة على أفضلية النبين والمرسلين على البشر وهما","level":4,"page":43},{"title":"أولا: أن الله تعالى اصطفاهم على عموم البشر فخصهم برسالته","level":5,"page":43},{"title":"ثانيا: أنهم أفضل الخلق وأعلاهم منزلة وقدرا لكمال عبوديتهم لربهم","level":5,"page":44},{"title":"المبحث الثاني: عبودية عموم البشر","level":2,"page":44},{"title":"المطلب الأول: عبودية الصحابة -﵃-","level":3,"page":44},{"title":"يقول ابن مسعود ﵁","level":4,"page":44},{"title":"وها هنا نذكر جوانب من أبرز معالم عبوديتهم لله تعالى","level":4,"page":44},{"title":"أولا: التفاضل بينهم","level":5,"page":44},{"title":"ثانيا: اصطفاء الله تعالى لهم","level":5,"page":45},{"title":"قال ابن كثير (ت: ٧٤٤ هـ) -﵀-","level":6,"page":45},{"title":"قال عمر -﵁-","level":6,"page":46},{"title":"ثالثا: كثرة صلاتهم وصحة عبوديتهم لله","level":5,"page":46},{"title":"رابعا: سبقهم للإيمان وصحبة النبي العدنان ﷺ","level":5,"page":47},{"title":"خامسا: هجرتهم في سبيل الله","level":5,"page":47},{"title":"سادسا: جهادهم في سبيل الله","level":5,"page":48},{"title":"سابعا: صدق إيمانهم بالله","level":5,"page":49},{"title":"عن عبد الله بن عمر -﵄-","level":6,"page":49},{"title":"ثامنا: تحليهم بالإيثار مع خصاصتهم","level":5,"page":49},{"title":"قال الطبري -﵀-","level":6,"page":49},{"title":"وقال ابن كثير -﵀-","level":6,"page":49},{"title":"ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-","level":6,"page":50},{"title":"تاسعا: انتسابهم للأمة الوسط الشاهدة على الأمم","level":5,"page":50},{"title":"قال الطبري -﵀-","level":6,"page":50},{"title":"وقال ابن كثير -﵀-","level":6,"page":50},{"title":"قال الكلبي -﵀-","level":6,"page":50},{"title":"عاشرا: عموم فضائل الصحابة","level":5,"page":51},{"title":"قال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) -﵁-","level":6,"page":51},{"title":"المطلب الثاني: عبودية حواريي الأنبياء وأصحابهم","level":3,"page":51},{"title":"المطلب الثالث: عبودية عموم الخلق","level":3,"page":52},{"title":"أما أهل عبودية الاختيار","level":4,"page":52},{"title":"وأما أهل عبودية الغلبة والقهر","level":4,"page":52},{"title":"الفصل الثالث عبودية الملائكة والجن","level":1,"page":53},{"title":"المبحث الأول: عبودية الملائكة","level":2,"page":53},{"title":"المطلب الأول: التعريف بالملائكة","level":3,"page":53},{"title":"أ- الملائكة لغة","level":4,"page":54},{"title":"ب- الملائكة اصطلاحا","level":4,"page":54},{"title":"المطلب الثاني: حكم الإيمان بالملائكة","level":3,"page":54},{"title":"المطلب الثالث: مكانتهم وخلقتهم","level":3,"page":55},{"title":"المطلب الرابع: أعداد الملائكة","level":3,"page":56},{"title":"المطلب الخامس: مهام ووظائف الملائكة","level":3,"page":56},{"title":"١ - حملة العرش ومن حوله ولهم مهام عظيمة","level":4,"page":57},{"title":"ومما ورد في عظم خلقتهم","level":5,"page":57},{"title":"٢ - ومنهم جبريل -﵇-","level":4,"page":57},{"title":"قال ابن كثير -﵀-","level":5,"page":58},{"title":"قال النووي -﵀-","level":5,"page":59},{"title":"٣ - ومنهم ميكائيل -﵇-","level":4,"page":59},{"title":"٤ - ومنهم إسرافيل -﵇-","level":4,"page":60},{"title":"ويقول الإمام ابن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) -﵀-","level":5,"page":62},{"title":"٥ - ومنهم ملك الموت -﵇-","level":4,"page":62},{"title":"قال ابن كثير -﵀-","level":5,"page":62},{"title":"قال الطبري -﵀-","level":5,"page":62},{"title":"وقال القرطبي -﵀-","level":5,"page":63},{"title":"قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) -﵀-","level":5,"page":63},{"title":"قال ابن كثير -﵀-","level":5,"page":63},{"title":"وقال المناوي -﵀-","level":5,"page":64},{"title":"وقال الشيخ بكر أبو زيد -﵀-","level":5,"page":64},{"title":"٦ - ومنهم عموم الملائكة","level":4,"page":64},{"title":"المطلب السادس: عبادة الملائكة","level":3,"page":65},{"title":"المبحث الثاني: عبودية الجن","level":2,"page":66},{"title":"المطلب الأول: التعريف بالجن","level":3,"page":67},{"title":"أ- الجن لغة","level":4,"page":67},{"title":"قال ابن عقيل","level":5,"page":67},{"title":"ب- الجن اصطلاحا","level":4,"page":67},{"title":"محمد فريد وجدي (ت: ١٣٧٣ هـ) يقول -﵀-","level":5,"page":67},{"title":"ويقول محمود حجازي (ت: ١٣٩٢ هـ) -﵀-","level":5,"page":67},{"title":"ويقول الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ) -﵀-","level":5,"page":68},{"title":"المطلب الثاني: حقيقة وجود الجن وتكليفهم بالعبادة","level":3,"page":69},{"title":"وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيميةـ ﵀ عن الجان المؤمنين","level":4,"page":71},{"title":"ويقول ابن سعدي -﵀-","level":4,"page":72},{"title":"المطلب الثالث: رسالة النبي ﷺ عامة لجميع عموم الثقلين","level":3,"page":73},{"title":"يقول ابن تيمية","level":4,"page":73},{"title":"قال القرطبي -﵀- في تفسير سورة الرحمن","level":4,"page":75},{"title":"قال ابن القيم -﵀-","level":4,"page":75},{"title":"وقال -﵀- أيضا","level":4,"page":76},{"title":"وقال نجم الدين الطوفي (ت: ٧١٦ هـ) -﵀-","level":4,"page":76},{"title":"الفصل الرابع عبودية الكائنات","level":1,"page":77},{"title":"المبحث الأول: عبودية الكائنات لله عبودية طاعة وانقياد","level":2,"page":77},{"title":"المطلب الأول: غني الخالق عن خلقه، وافتقار جميع خلقه إليه","level":3,"page":77},{"title":"المطلب الثاني: سجود جميع الكائنات لله وخضوعها لسلطانه","level":3,"page":78},{"title":"يوضح شيخ الإسلام مفهوم سجود الكائنات فيقول -﵀-","level":4,"page":78},{"title":"ويقول -﵀- أيضا -","level":4,"page":78},{"title":"ويوضح البقاعي (ت: ٨٨٥) معنى السجود أيضا فيقول ﵀","level":4,"page":79},{"title":"فقال في نظم الدرر","level":4,"page":79},{"title":"ويقول الإمام ابن القيم -﵀-","level":4,"page":80},{"title":"المطلب الثالث: تسبيح الكائنات لخالقها -سبحانه-","level":3,"page":81},{"title":"يقول الإمام ابن كثير -﵀-","level":4,"page":81},{"title":"فعن ميمون بن مهران (ت: ١١٧ هـ) -﵀- قال","level":4,"page":82},{"title":"المبحث الثاني: ذكر نماذج من تسبيح الكائنات","level":2,"page":83},{"title":"المطلب الأول: تسبيح الرعد خاصة","level":3,"page":83},{"title":"المطلب الثاني: تسبيح جميع كائنات العالم العلوي والسفلي كلها","level":3,"page":83},{"title":"يقول الطبري -﵀-","level":4,"page":83},{"title":"يقول الشيخ الشنقيطي -﵀-","level":4,"page":84},{"title":"المطلب الثالث: مشاهد من عبودية الطير في القرآن","level":3,"page":84},{"title":"المطلب الرابع: مشاهد من عبودية وتسبيح النمل وبعض المخلوقات","level":3,"page":85},{"title":"والنمل أمة معظمة للعلم داعية لأهله","level":4,"page":85},{"title":"وهناك مخلوقات كثيرة ورد في عبوديتها لله نصوص صحيحة منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي","level":4,"page":86},{"title":"١ - عبودية أذان الديك للصلاة","level":5,"page":86},{"title":"٢ - عبودية استغفار الحيتان للعالم","level":5,"page":86},{"title":"٣ - عبودية الجنة والنار","level":5,"page":86},{"title":"عقيدة أهل السنة والجماعة في الجنة والنار","level":6,"page":87},{"title":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀ -","level":6,"page":89},{"title":"مشاهد من عبودية الجنة والنار","level":6,"page":89},{"title":"عبودية اختصام الجنة والنار","level":7,"page":89},{"title":"قال النووي -﵀-","level":8,"page":90},{"title":"مشاهد من عبودية والنار","level":7,"page":90},{"title":"ومن مشاهد عبودية النار: استجابتها لأمر الله","level":7,"page":91},{"title":"٤ - عبودية القلم والعرش","level":5,"page":91},{"title":"من مشاهد عبودية القلم الاستجابة لأمر الله","level":6,"page":91},{"title":"العرش أعظم المخلوقات","level":6,"page":92},{"title":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-","level":7,"page":92},{"title":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-","level":7,"page":92},{"title":"قال عبد الله بن رواحة (ت: ٨ هـ) -﵁-","level":7,"page":92},{"title":"من مشاهد عبودية العرش","level":6,"page":93},{"title":"المطلب الخامس: مشاهد من عبودية بعض الجمادات كالحجارة والجبال","level":3,"page":93},{"title":"مشاهد من عبودية خشية الحجارة لله","level":4,"page":93},{"title":"مشاهد من عبودية خشية الجبال وتصدعها إجلالا لكلام الله تعالى","level":4,"page":94},{"title":"يقول شيخ المفسرين الإمام الطبري ﵀","level":5,"page":94},{"title":"مشاهد من عبودية الجمادات غيرة على عقيدة التوحيد","level":4,"page":94},{"title":"مشاهد من عبودية خضوع الجمادات لسلطان الله وانقيادها واستجابتها لأمره","level":4,"page":96},{"title":"مشاهد من عبودية الحجر والشجر وتلبيتهما بالحج والعمرة","level":4,"page":96},{"title":"مشاهد من عبودية نصرة الحجر والشجر للمسلمين","level":4,"page":96},{"title":"مشاهد من عبودية الحجر والشجر شاهدتهما للمؤذن","level":4,"page":97},{"title":"مشاهد من عبودية انقياد الشجرة لرسول الله -ﷺ-","level":4,"page":97},{"title":"مشاهد من عبودية أعضاء بني آدم في الدنيا","level":4,"page":98},{"title":"مشاهد من عبودية أعضاء بني آدم في الآخرة","level":4,"page":98},{"title":"مشاهد من عبودية محبة جبل أحد لرسول اللهﷺ- وللمؤمنين","level":4,"page":99},{"title":"المطلب السادس: مشاهد من عبودية الطعام وتسبيحه","level":3,"page":99},{"title":"تنبيه لبني آدم","level":4,"page":100},{"title":"أبرز النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة وتوصيات البحث وخاتمته","level":1,"page":100},{"title":"فهرس المراجع","level":1,"page":103}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":5,"1,4":6,"1,5":7,"1,6":8,"1,7":9,"1,8":10,"1,9":11,"1,10":12,"1,11":13,"1,12":14,"1,13":15,"1,14":16,"1,15":17,"1,16":18,"1,17":19,"1,18":20,"1,19":21,"1,20":22,"1,21":23,"1,22":24,"1,23":25,"1,24":26,"1,25":27,"1,26":28,"1,27":29,"1,28":30,"1,29":31,"1,30":32,"1,31":33,"1,32":34,"1,33":35,"1,34":36,"1,35":37,"1,36":38,"1,37":39,"1,38":40,"1,39":41,"1,40":42,"1,41":43,"1,42":44,"1,43":45,"1,44":46,"1,45":47,"1,46":48,"1,47":49,"1,48":50,"1,49":51,"1,50":52,"1,51":53,"1,52":54,"1,53":55,"1,54":56,"1,55":57,"1,56":58,"1,57":59,"1,58":60,"1,59":61,"1,60":62,"1,61":63,"1,62":64,"1,63":65,"1,64":66,"1,65":67,"1,66":68,"1,67":69,"1,68":70,"1,69":71,"1,70":72,"1,71":73,"1,72":74,"1,73":75,"1,74":76,"1,75":77,"1,76":78,"1,77":79,"1,78":80,"1,79":81,"1,80":82,"1,81":83,"1,82":84,"1,83":85,"1,84":86,"1,85":87,"1,86":88,"1,87":89,"1,88":90,"1,89":91,"1,90":92,"1,91":93,"1,92":94,"1,93":95,"1,94":96,"1,95":97,"1,96":98,"1,97":99,"1,98":100,"1,99":101,"1,100":102,"1,101":103,"1,102":104,"1,103":105,"1,104":106},"ٜ":{"1":[1,104]},"ٝ":["1,1","1,2","1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104"],"ٞ":{"5":[1],"6":[2],"7":[3],"8":[4],"11":[5,6,7,8,9],"12":[10,11,12],"13":[13,14],"14":[15,16,17,18,19,20],"15":[21,22,23,24],"16":[25,26],"17":[27,28,29,30],"18":[31,32,33],"19":[34,35,36,37],"20":[38,39],"22":[40,41,42],"23":[43,44,45,46,47,48],"24":[49],"26":[50,51],"27":[52,53,54],"28":[55,56],"29":[57],"30":[58,59,60],"31":[61,62,63],"32":[64,65],"33":[66,67,68],"34":[69,70,71],"35":[72],"36":[73],"37":[74,75,76,77],"38":[78,79],"39":[80],"40":[81,82],"41":[83],"42":[84,85],"43":[86,87],"44":[88,89,90,91,92,93],"45":[94,95],"46":[96,97],"47":[98,99],"48":[100],"49":[101,102,103,104,105],"50":[106,107,108,109,110],"51":[111,112,113],"52":[114,115,116],"53":[117,118,119],"54":[120,121,122],"55":[123],"56":[124,125],"57":[126,127,128],"58":[129],"59":[130,131],"60":[132],"62":[133,134,135,136],"63":[137,138,139],"64":[140,141,142],"65":[143],"66":[144],"67":[145,146,147,148,149,150],"68":[151],"69":[152],"71":[153],"72":[154],"73":[155,156],"75":[157,158],"76":[159,160],"77":[161,162,163],"78":[164,165,166],"79":[167,168],"80":[169],"81":[170,171],"82":[172],"83":[173,174,175,176],"84":[177,178],"85":[179,180],"86":[181,182,183,184],"87":[185],"89":[186,187,188],"90":[189,190],"91":[191,192,193],"92":[194,195,196,197],"93":[198,199,200],"94":[201,202,203],"96":[204,205,206],"97":[207,208],"98":[209,210],"99":[211,212],"100":[213,214],"103":[215]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"تم نشره في مجلة البحوث في ٤/ ١٤٤٣ هـ\nقَطْعُ العَلائِقِ للتَّفَكُرِ فِي عُبُودِيَّةِ الخَلائِقِ\nكَتَبَهُ\nالفَقِيِرُ إلى عَفْوِ رَبِهِ البَارِيِ\nعَرَفةُ بْنُ طَنْطَاوِيِّ\n- عَفَا اللَّهُ عَنْهُ -\n- وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوالِدَيهِ وَلِمشَايِخِهِ وَلِذُريَّتِهِ ولِلمُؤْمِنِينَ والمُوْمِنَاتِ -\nعَمِيِدُ كُلْيَّةِ أُصُوِلِ الدِّيِنِ والدِرَاسَاتِ الإِسْلَامِيةِ بِجَامِعَةِ خَاتَمِ المُرْسَلِيِنَ العَالَمِيَّةِ\nوَأُسْتَاذُ التَّفْسِيرِ وَعُلُوُمِ القُرَآنِ لِلدِّرَاسَاتِ الْعُلِيَا\nبِالجَامِعَةِ الإِسْلامِيَّةِ والمَعْهَدِ العَاليِ للأَئِمَّةِ والخُطَبَاءِ- بـ \" مِنِيسُوتَا \"\nوَالرَّئِيسُ العَامُ لِمَرْكَزِ تَأْصِيِل عُلُومِ التَنْزِيِلِ لِلبُحُوثِ العِلْمِيِةِ وَالدِّرَاسَاتِ القُرّآنِيِةِ\n-١٤٤٢ هـ -","vol":"1","page":1},{"text":"من إصدارات\nتأصيل\nمركز تأصيل علوم التنزيل\nللبحوث العلمية والدراسات القرآنية\n\nhttps://taaselcenter.com\narafatantawy440@gmail.com","vol":"1","page":2},{"text":"موسوعة تأصيل علوم التنزيل\n(٣١)\nقَطْعُ العَلائِقِ للتَّفَكُرِ فِي عُبُودِيَّةِ الخَلائِقِ\nكَتَبَهُ\nالفَقِيِرُ إلى عَفْوِ رَبِهِ البَارِيِ\nعَرَفةُ بْنُ طَنْطَاوِيِّ\n- عَفَا اللَّهُ عَنْهُ -\n- وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوالِدَيهِ وَلِمشَايِخِهِ وَلِذُريَّتِهِ ولِلمُؤْمِنِينَ والمُوْمِنَاتِ -\nعَمِيِدُ كُلْيَّةِ أُصُوِلِ الدِّيِنِ والدِرَاسَاتِ الإِسْلَامِيةِ بِجَامِعَةِ خَاتَمِ المُرْسَلِيِنَ العَالَمِيَّةِ\nوَأُسْتَاذُ التَّفْسِيرِ وَعُلُوُمِ القُرَآنِ لِلدِّرَاسَاتِ الْعُلِيَا\nبِالجَامِعَةِ الإِسْلامِيَّةِ والمَعْهَدِ العَاليِ للأَئِمَّةِ والخُطَبَاءِ- بـ \" مِنِيسُوتَا \"\nوَالرَّئِيسُ العَامُ لِمَرْكَزِ تَأْصِيِل عُلُومِ التَنْزِيِلِ لِلبُحُوثِ العِلْمِيِةِ وَالدِّرَاسَاتِ القُرّآنِيِةِ\n-١٤٤٢ هـ -","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nمجلة البحوث والدراسات الشرعية\nإصدار علمي متخصص جامعي محكم\n\nإلى من يهمه الأمر\nيرجى التكرم بالعلم بأن البحث المقدم من:\nالدكتور / عرفة بن طنطاوي\nعميد كلية أصول الدين والدراسات الإسلامية بجامعة خاتم المرسلين العالمية، وأستاذ التفسير وعلوم القرآن للدراسات العليا، بالجامعة الإسلامية والمعهد العالي للأئمة والخطباء - بـ \"منيسوتا\"، والرئيس العام لمركز تأصيل علوم التنزيل للبحوث العلمية والدراسات القرآنية.\nوعنوانه: (قطع العلائق للتفكر في عبودية الخلائق).\nقد ورد إلى هيئة الإصدار وخضع للتحكيم العلمي المتخصص، وأجيز للنشر بأحد أعداد المجلة وتم نشره بالعدد الرابع والسبعين من مجلة البحوث الإسلامية، الذي صدر في شهر ربيع الآخر ١٤٤٣ هـ، هذا وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nمؤسس الإصدار ورئيس التحرير\nأ. د. عبد الفتاح محمود إدريس\n\nرقم إيداع المجلة بدار الكتب: (١٨٦٢٠/ ٢٠١٢) - الترقيم الدولي الموحد لها: (ISSN. ٢٠٩٠ - ٩٩٩٣)\nرابط موقع المجلة على الانترنت:  journalofshareiarchandstudies.com\nرابط معامل التأثير العربي للمجلة:  journal impact factors-php.mht\nجمهورية مصر العربية، القاهرة، مساكن مدينة نصر، رمز بريدي: ١١٣٧١. ص. ب: ٨١٣١","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>دِيْبَاجَةُ البَحْثِ</span>\nالحمد لله الذي سبح بحمد كل من في أرضه وسماوته، وخضع لكبريائه وعظمته كل من يليه من كائناته، وشهدت له بالربوبية جميع موجوداته، وأقرت له بالإلهية جميعُ مصنوعاته، فشهدت كلها له بأنه الخالق البارئ لجميع مخلوقاته، وأقرت بعظمته بما أودعها من عجائب صنعه وبديع آياته، كما قال ربنا في محكم كلماته: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) (الرعد: ١٥).\nفيا ليتنا نعي ما أمرنا به ربنا من تدبر كتابه الذي قال فيه في محكم آياته: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (ص: ٢٩).\nوسبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، وأشهد ألا إله إلا الله وحده، لا شريك له في ألوهيته، كما أنه لا شريك له في ربوبيته، ولا شبيه له في أفعاله، ولا مثيل له في صفاته، ولاند له في ذاته، … والله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.\nوسبحان من سبحت له السموات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكانها، والبحار وحيتانها، والنجوم والجبال، والشجر والدواب، والآكام والرمال، وكل رطب ويابس، وكل من في ملكوته من أرضه وسماواته قد خضع وذل لكبريائه وعظمته وسبحه وعظمه لذاته، كما قال تعالى في محكم آياته: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن من شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء: ٤٤).\nوقد قهر بربوبيته كل مخلوقاته، فأولياؤه أتوه طوعًا، وقد أتوه قهرًا وغلبة جميع لداته وعداته كما قال ربنا في محكم آياته: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) (مريم: ٩٣ - ٩٥).\nوأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خير من عبد ربه في حياته وحتى مماته، صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وتسليماته وتبريكاته.","vol":"1","page":3},{"text":"وبعد\nفإن هذا الكون الفسيح، وهذا العالم كله بعالمه العلوي والسفلي خاضع لسلطان الله ولا يسع أيُّ أحدٍ فيه- كائنًا من كان- الخروج عن ربوبية الله التي قهر بها كل مخلوقاته، ثم إنه سبحانه قد سَخَّر لهذا المخلوق-الإنسان-الضعيف كل ما في السموات وما في الأرض ليتهيأ لعبادة الله وليتفكر في عظمة خالقه ويتأمل كيف قهر الله كل هذه المخلوقات، وأنه جزءٌ لا يتجزَّأ مِن هذا العالم وتلك المصنوعات، وأنه من أضعفها وأفقرها إلى خالقها وبارئها، وأن طاعته لله تنسجِم مع طاعة كلِّ تلك الكائنات،\nووا أَسَفاه على كل من انتكب الصراط وتمرد على الله من جهلة بني آدم ممن طمس الله فِطَرهم وَسَكَّرَ نورَ الحق عن بصائرهم فغشَّاها ظلام الجهل والإعراض والصَّد عن سبيل الله، ممن عطلوا نعمة العقل والفهم والإدراك ولم يتفكروا في عبودية الكائنات من حولهم لبارئها وانصياعها لأمره وخضوعها لسلطانه، فلم يسيروا وفق منهج عبودية الكون لله منسجمين مع جميع تلك المخلوقات.\nولقد ذم الله تعالى الذين عطلوا تلك النعم العظيمة فقال سبحانه فيهم: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف: ١٧٩).\nوهذا البحث هو مجرد دعوى لإعادة النظر وإعمال القلب وفتح مسامعه لإعادة التفكر في عظمة الله وفي إخضاعه- سبحانه- جميع العوالم علويها وسفليها لسلطانة وجبروته وقهره وقوته وعظمته، وبذلك ينتبه القلب من غفلته ويرجع ويؤب هذا المخلوق الفقير إلى الله من كل الوجوه، الضعيف الذي لا حولا ولا قوة له إلا بخالقه سبحانه، فيعود ويؤوب إلى حظيرة الإيمان، ويرسخ في نفسه اليقين، ويغلب عليه جانب الخشية، فيعرف للخالق العظيم قدره ويعظمه حق تعظيمه ويعبده حق عبادته، وكلما كان الإنسان أكثر إعمالًا لعقله وفكره وكان أكثر تأملا في عبودية جميع المخلوقات لله، كان كل ذلك أدعى لتحقيق معرفته بالله والعلم به جل في علاه، وهذه","vol":"1","page":4},{"text":"الخصال من أعظم ما يجلب للعبد خشية الله وإجلاله وتعظيمه، كما قال - سبحان-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (فاطر: ٢٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-3>ملخص البحث</span>\nهذا بحثٌ مختصرٌ مفيدٌ وقصير، تفضل به الرب العليم الخبير على عبده الضعيف الفقير، وقد تناول فيه الباحثُ دارسةَ جانبٍ من جوانبِ عبوديةِ الخلائقِ لخالقها وباريها جَلَّ في علاه، ودعا للتفكر فيها كما أمر بذلك سيده ومولاه، وقد أسماه \" قَطْعَ العَلائِقِ للتَّفَكُرِ فِي عُبُودِيَّةِ الخَلائِقِ\" داعيًا قبوله عند الله، راجيًا أن يجزيه به أحسن الجزاء وأتمه وأوفاه، وأن يجعله له ذخرًا يوم يلقاه، وأن ينتفع به كل من يطالعه ويراه.\nResearch Summary\nThis is a brief، useful and short treatise، which the All-Knowing، bestowed on His weak، poor servant.The researcher dealt with it، studying an aspect of the servitude of creatures to their Creator، the Most High، and called for contemplation of it as ordered by his master.He called it \"cutting ties to contemplate the servitude of creatures. \" He prayed for his acceptance with God، hoping that He would reward him with the best، most complete and most fulfilling recompense، and that He would make him a treasure on the day he met him، and that everyone who read and saw him would benefit from it.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>خطة البحث</span>\nوقد ضمَّن الباحثُ بحثَه خطة بحث مكونة من أربعة فصول، وكل فصل يندرج تحته عدد من المباحث، وكل مبحث يندرج تحته عدد من المطالب، وقد بيَّن فيه ما يلي:\nأولًا: أهمية موضوع البحث\nثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها\nثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث\nرابعًا: أهداف البحث\nخامسًا: منهج البحث\nسادسًا: أبرز النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة وتوصيات البحث وخاتمته.\nسابعًا: مجموع الفهارس\nوخطة البحث مكونة من أربعة فصول، وقد بيَّنها مفصلة على النحو التالي:\nالفصل الأول: تعريف العبودية\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: مفهوم العبودية\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: مفهوم العبودية في اللغة\nالمطلب الثاني: مفهوم العبودية في الشرع\nالمبحث الثاني: بيان أقسام العبودية\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: القسم الأول من أقسام العبودية \"عبودية الغلبة والقهر والملك\"\nالمطلب الثاني: القسم الثاني من أقسام العبودية \"عبودية الاختيار والانقياد والطاعة والمحبة\"\nالمطلب الثالث: بيان حقيقة العبودية","vol":"1","page":6},{"text":"المطلب الرابع: بيان شرطي تحقيق العبودية\nالمطلب الخامس: تقرير عبودية الله تعالى في القرآن الكريم\nالمبحث الثالث: أصل الدين مبني على أصلين عظيمين (العبودية - والاستعانة)\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الغاية من خلق المكلفين تحقيق العبودية\nالمطلب الثاني: مكانة العبودية والاستعانة وتحقيق التلازم بينها\nالمطلب الثالث: أقسام الخلق في منازل\" إياك نعبد وإياك نستعين\"\nالفصل الثاني: عبودية البشر\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: عبودية النبين والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام -\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: عبودية خاتم النبين والمرسلين ﷺ\nالمطلب الثاني: عبودية أولي العزم من الرسل - ﵈ - بأعيانهم\nالمطلب الثالث: عبودية عموم المرسلين - ﵈ -\nالمبحث الثاني: عبودية عموم البشر\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: عبودية الصحابة - ﵃-\nالمطلب الثاني: عبودية حواريي الأنبياء وأصحابهم\nالمطلب الثالث: عبودية عموم الخلق\nالفصل الثالث\nعبودية الملائكةِ والجنِّ\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: عبودية الملائكةِ\nوفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: التعريف بالملائكة","vol":"1","page":7},{"text":"المطلب الثاني: حكم الإيمان بالملائكة\nالمطلب الثالث: مكانتهم وخلقتهم\nالمطلب الرابع: أعداد الملائكة\nالمطلب الخامس: مهام ووظائف الملائكة\nالمطلب السادس: عبادة الملائكة\nالمبحث الثاني: عبودية الجنِّ\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: التعريف بالجنِّ\nالمطلب الثاني: حقيقة وجود الجنِّ وتكليفهم بالعبادة\nالمطلب الثالث: رسالة النبي ﷺ عامة لجميع عموم الثقلين\nالفصل الرابع\nعبودية الكائنات\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: عبودية الكائنات لله عبودية غلبة وقهر\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: غني الخالق عن خلقه، وافتقار جميع خلقه إليه\nالمطلب الثاني: سجود جميع الكائنات لله وخضوعها لسلطانه\nالمطلب الثالث: تسبيح الكائنات لخالقها - سبحانه -\nالمبحث الثاني: ذكر نماذج من تسبيح الكائنات\nوفيه مطالب:\nالمطلب الأول: تسبيح الرعد خاصة\nالمطلب الثاني: تسبيح جميع كائنات العالم العلوي والسفلي كلها\nالمطلب الثالث: مشاهد من عبودية الطير في القرآن\nالمطلب الرابع: مشاهد من عبودية وتسبيح النمل وبعض المخلوقات\nالمطلب الخامس: مشاهد من عبودية بعض الجمادات كالحجارة والجبال","vol":"1","page":8},{"text":"المطلب السادس: مشاهد من عبودية الطعام وتسبيحه\n\n<span data-type='title' id=toc-5>تفصيل منهجية البحث</span>\n<span data-type='title' id=toc-6>أولًا: أهمية موضوع البحث</span>\nتكمن أهمية موضوع البحث في إبراز قدرة الله تعالى في خضوع كل مخلوقاته لجلاله وكبريائه وعظمته، وأن كل الكون خاضع لربه سواء كان هذا الخضوع خضوع اختيار وانقياد، أم كان خضوع قهر وغلبة، فلا يسع أحد من مخلوقاته\nالخروج عن ربوبيته التي قهر بها جميع خلقه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها</span>\n<span data-type='title' id=toc-8>الدراسة الأولى:</span>\n\"عبودية الكائنات لرب العالمين\"، تأليف الباحث: فريد إسماعيل التوني، ط ١، عدد الأجزاء ١، وتلك الدراسة نال بها الباحث درجة الماجستير من كلية الدعوة وأصول الدين- جامعة أم القرى- بمكة المكرمة- بالمملكة العربية السعودية- وقد قامت الجامعة بنشرها عام ١٤١١ هـ، كما نشرتها دار الإيمان للطباعة والنشر والتوزيع بالإسكندرية، عام ٢٠١٥ م.\nولم يقف الباحث على أطروحة علمية تناولت بحث هذا الموضوع سوى هذه الدراسة.\n\n<span data-type='title' id=toc-9>وصف الدراسة:</span>\nقد تناول الباحث في تلك الدراسة الكلام على العبودية ومفهومها، ثم أعقبها بالكلام على مفهوم الكائنات وأنواعها، ثم تناول بيان أنواع العبادات، وأعقبها بالحديث عن عبودية الأنبياء، ثم ثنى بعبودية النبي صلى الله وسلم عليهم أجمعين، ثم ثلث بعبودية أتباع الأنبياء، ثم تناول عبودية الكائنات، ثم تناول أسباب انحراف الكثير من المسلمين عن معنى العبودية الحقة، ثم تكلم عن أسباب هذا الانحراف وآثاره وختمه ببيان طرق النجاة منه.","vol":"1","page":9},{"text":"وتلك الدراسة مع حسنها وبهائها فيها نوع توسع لأنها أطروحة علمية، وقد أجاد فيها الباحث وأفاد، وقد توسع في الشرح والاستدلال، وليته ضم إلى سبب انحراف الكثير من المسلمين عن معنى العبودية الحقة- انحراف عموم البشر عن الفطرة السوية والصبغة التي صبغهم الله عليها أول مرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>الدراسة الثانية:</span>\n\"عبودية الكون والكائنات\"، تأليف: مؤيد حمدان، وجدان العلي. دار النشر: مؤسسة الجديد النافع للنشر والتوزيع -الكويت، والكتاب عبارة عن (غلاف) يقع في ٢٥٦ صفحة، تاريخ النشر: ٤/ ٦/ ٢٠٢١ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>وصف الدراسة:</span>\nتكلم المؤلفان عنها فقالا:\nالكون بكل ما فيه من مخلوقات وعجماوات وجمادات قد تعبد لله ﷾، فهو يعبده سبحانه حبًا وتعظيمًا، وتذللًا وتقديسًا، في مشهد غيبي عظيم تكرر ذكره القرآن مرارًا وتكرارًا، لن يفقه معناه إلا من استضاء بنور الوحي والإيمان.\nومن هنا جاءت فكرة هذا الكتاب ليكشف لنا حقيقة مفادها أننا إذا عبدنا الله ﷾ فقد انسجمنا مع هذا الكون الفسيح بكل مخلوقاته وعوالمه الغيبية والمشاهدة.\nوالحقيقة لم يقف الباحث على هذه الدراسة، وهذا الكتاب لا يعد دراسة تأصيلية أو أطروحة علمية، لكنه يندرج تحت مسمى الكتابات الحرة، وهو يبدوا من أسلوب التعريف به أنه من كتابات الأقلام الشابة.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث</span>\nإن من أهم الدواعي والبواعث على تناول موضوع البحث بالمدارسة والمناقشة\nالتنبه لأمور من أبرزها ما يلي:\n١ - تنبيه العباد إلى أن الغاية التي خلقهم الله لها وأوجدهم من العدم من أجلها هي عبادته وطاعته، فيجب عليهم التنبه لها والعناية بها والانقياد والاستجابة لأمره خالقهم والخضوع والذل له سبحانه وتحقيق العبودية لجلاله بمحض الإرادة والاختيار.","vol":"1","page":10},{"text":"٢ - السعي في إبراز عظمة الخالق في خضوع جميع مخلوقاته- سبحانه- مع تعددها وتنوعها وكثرتها، وأن تلك المخلوقات بعالمها العلوي والسفلي منقادة لأمره جل في علاه، فعلى الإنسان العاقل الناصح لنفسه الحريص على نفعها وفكاكها من النار سلوك مسلك تلك الكائنات والحرص على تحقيق العبودية لرب البريات قبل الحسرة والفوات.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>رابعًا: أهداف البحث</span>\nتُعد من أبرز أهداف البحث الحث على تحقيق الإيمان بالله وزيادته والثبات عليه وذلك بالدعوة للتأمل في عظمة الله في عالمه العلوي والسفلي الذي خضع لخالقه وبارئه جلَّ في علاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>خامسًا: منهج البحث</span>\nلقد استخدم الباحث المنهج الوصفي الذي يُعد أحد أهم أساليب مناهج البحث العلمي.\nوقد تناول الباحث فيه معنى العبودية وأقسامها ووصف حقيقتها، ثم عرَّج على وصف شرطي تحقيقها، ثم انتقل لوصف عبودية البشر خواصهم وعمومهم، ثم انتقل لوصف عبودية العالم العلوي والعالم السفلي بعموم مخلوقاته، ثم ختم بحثه بعرض وصف لنماذج من تسبيح الكائنات.","vol":"1","page":11},{"text":"الفصل الأول\nتعريف العبودية\nوفيه مبحثان:\n\n<span data-type='title' id=toc-16>المبحث الأول: مفهوم العبودية</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-17>المطلب الأول: مفهوم العبودية في اللغة</span>\n<span data-type='title' id=toc-18>العبودية:</span> مصدر عبد يعبد عبادةً ومعبدًا ومعبدةً، فهو عبدٌ، أي: ذلّ وخضع.\n<span data-type='title' id=toc-19>قال الخليل:</span>\n«أما عَبد يعبد عبادة، فلا يقال إلا لمن يعبد الله تعالى، يقال منه: عبد يعبد عبادة وعبودة وعبودية ومعبدًا، وتعبد يتعبد تعبدًا، فالمتعبد: المنفرد بالعبادة» (^١).\nويجلي ابن منظور ا مفهوم العبودية في اللغة فيقول:\n«أصل العبودية الخضوع والتذلل … وعَبَدَ اللهَ تألّه له … والتعبّد التنسك، والعبادة: الطاعة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>وقال الفراء:</span>\n«معنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، ومنه طريق معبد إذا كان مذللًا بكثرة الوطء» (^٣).\nقال الراغب: العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل. (^٤)\n_________\n(^١) العين (٢/ ٤٨).\n(^٢) لسان العرب (٥/ ٢٧٧٦)، مادة: (ع ب د). لسان العرب المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقي (المتوفى: ٧١١ هـ) الناشر: دار صادر - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤١٤ هـ عدد الأجزاء: ١٥.\n(^٣) لسان العرب (٥/ ٢٧٧٨)، مادة: (ع ب د).\n(^٤) - مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني (ص: ٥٤٢). المفردات في غريب القرآن المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: ٥٠٢ هـ) المحقق: صفوان عدنان الداودي الناشر: دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":12},{"text":"وقيل: «عبادة الله: طاعته بفعل المأمور وترك المحذور» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-21>وقال ابن الأنباري -﵀</span>-: (^٢)\n«فلان عابد وهو الخاضع لربه المستسلم المنقاد لأمره» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-22>وقال الزبيدي -﵀</span>-:\n«أصل العبودية الذل والخضوع، وقال آخرون: العبودية الرضا بما يفعل الرب، والعبادة فعل ما يرضى به الرب» (^٤).\nفالعبادة إذًا: الطاعة المقرونة بالذل والخضوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>المطلب الثاني: مفهوم العبودية في الشرع</span>\n<span data-type='title' id=toc-24>والعبودية مشتقة من العبادة، وقد عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) -﵀- بقوله:</span>\n«هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة» (^٥)، وقيل: «وَهِيَ اسْمٌ يَجْمَعُ كَمَالَ الْحُبِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ وَكَمَالَ الذُّلِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ» (^٦).\n_________\n(^١) ابن تيمية العبودية، العبودية المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: محمد زهير الشاويش الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت الطبعة: الطبعة السابعة المجددة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n(^٢) هو الإمام الحافظ اللغوي ذو الفنون محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان ابن سماعة بن فروة بن قطة بن دعامة أبو بكر الأنباري. (٢٧١ هـ - ٣٢٨ هـ) المقرئ النحوي. نقلًا عن: الموسوعة الحرة.\n(^٣) لسان العرب (٥/ ٢٧٧٨)، مادة: (ع ب د).\n(^٤) تاج العروس (٢/ ٤٠٩).\n(^٥) العبودية لابن تيمية (ص: ٤٤).\n(^٦) مجموع الفتاوى (١٠/ ١٩).","vol":"1","page":13},{"text":"ولا شك أن تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- تعريف جامع مانع، وهو أفضل مَن عرف معنى العبودية وكتابه: (العبودية) شاهد عيان على ذلك، وقد عرض فيها حقيقة العبودية في الإسلام بشموليتها وكمالها وتمامها، وهو من أنفع وأمتع ما كُتِبَ في بابه تحقيقًا وتدقيقًا وسبكًا وحبكًا للأسلوب وعرضًا للمادة العلمية، لم لا وهو إمام جهبذ وعالم نحرير ما جادت لنا بمثله الأرحام من ذاك الزمان.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) -﵀</span>-:\n«العبودية اسم جامع لمراتب أربع: من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح.\nفقول القلب هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته على لسان رسله -﵈-.\nوقول اللسان الإخبار عن قول القلب بما فيه من الاعتقاد والدعوة إليه والذّب عنه، وتبيين بطلان البدع المخالفة والقيام بذكره وتبليغ أوامره.\nوعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له وإخلاص الدين له والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والمعاداة فيه والخضوع والذل له وغير ذلك من أعمال القلب.\nوأعمال الجوارح كالصلاة والحج والجهاد وغيرها» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-26>ويُعرِّفها المناوي (ت: ١٠٣١ هـ) -﵀-: بقوله:</span>\n«العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيمًا لربه. وقيل: هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض، ولذلك اختصت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل» (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٠٠). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ) المحقق: محمد المعتصم بالله البغدادي الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الثالثة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م عدد الأجزاء: ٢.\n(^٢) التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (٢٣٤). التوقيف على مهمات التعاريف المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: ١٠٣١ هـ) الناشر: عالم الكتب ٣٨ عبد الخالق ثروت-القاهرة الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ-١٩٩٠ م عدد الأجزاء: ١.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>المبحث الثاني: بيان أقسام العبودية</span>\nوفيه خمسة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-28>المطلب الأول: القسم الأول من أقسام العبودية \"عبودية الغلبة والقهر والملك</span>\"\nوهي عبودية كل من في السماوات والأرض مؤمنهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم، قال تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم: ٩٣ - ٩٥]، كما تسمى أيضًا بالعبودية العامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>يقول شيخ المفسرين ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) -﵀</span>-:\n«ما جميع من في السماوات من الملائكة، وفي الأرض من البشر والإنس، يقول: إلا يأتي ربه يوم القيامة عَبْدًا له، ذليلًا خاضعًا، مُقِرًّا له بالعبودية، لا نسب بينه وبينه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>ويقول البغوي (ت: ٥١٠ هـ) -﵀</span>-:\n(إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ) أي: إلا آتيه يوم القيامة (عَبْدًا) ذليلًا خاضًعا يعني: أن الخلق كلهم عبيده (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري: القول في تأويل قوله تعالى: (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا) [مريم: ٩١] (١٨/ ٢٦١). جامع البيان في تأويل القرآن المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ) المحقق: أحمد محمد شاكر الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ٢٤.\n(^٢) تفسير البغوي: تفسير: قوله تعالى [مريم: ٩١] (٥/ ٥٢٧). معالم التنزيل في تفسير القرآن، المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: ٥١٠ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ عدد الأجزاء: ٥.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>ويقرر أبو السعود (ت: ٩٨٢ هـ) -﵀-: ما قرراه، أعني: شيخَ المفسرين، والإمامَ البغوي بقوله:</span>\n«أي: ما منهم أحد من الملائكة والثقلين (إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) إلا وهو مملوك له، وهو مملوك له، يأوي إليه بالعبودية والانقياد» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-32>وفي صدد ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀</span>-:\n«المخلوقون كلُّهم عبادُ الله: الأبرار منهم والفجَّار، والمؤمنون والكفَّار، وأهل الجنَّة وأهل النار؛ إذ هو ربُّهم كلهم ومليكُهم، لا يخرجون عن مشيئتِه وقدرته … فهو سبحانه ربُّ العالمين وخالقُهم ورازقُهم، ومُحييهم ومميتُهم … سواء اعترَفوا بذلك أو أنْكروه، وسواء علِموا ذلك أو جهلوه.\nلكنَّ أهلَ الإيمان منهم عرَفوا ذلك وآمَنوا به؛ بخلافِ مَن كان جاهلًا بذلك؛ أو جاحدًا له مستكبرًا على ربِّه …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-33>يقول ابنُ القيِّمُ (ت: ٧٥١ هـ) -﵀</span>-:\nإنّ تمام العبوديةِ يكون بتكميل مقام الذلِّ والانقياد، وأكملُ الخلقِ عبودية أكملهم ذلًا لله وانقيادًا وطاعة، والعبدُ ذليلٌ لمولاه الحقِّ بكل وجه من وجوه الذلّ، فهو ذليلٌ لعزِّه، وذليلٌ لقهره، وذليلٌ لربوبيته فيه وتصرُّفهِ، وذليلٌ لإحسانِه إليه وإنعامه عليه. (^٣)\nوفي صدد بيان هذه العبودية أيضًا يقول سبحانه: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) [آل عمران: ٨٣].\n_________\n(^١) تفسير أبي السعود: تفسير قوله تعالى (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: ٩٣]، (٥/ ٢٨٣).\n(^٢) العبودية لابن تيمية: ينظر (ص: ٥٠ - ٥١)، وينظر: أيضًا (ص: ١٠٤).\n(^٣) - مفتاح دار السعادة (١/ ٢٨٩). مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ) المحقق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، راجعه: مُحَمَّدْ أَجْمَل الإصْلاحِي، سليمان بن عبد الله العمير، الناشر: دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ، عدد الأجزاء: ٥.","vol":"1","page":16},{"text":"ويقول سبحانه: (وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ؟بَل لَّهُ؟ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ؟ قَانِتُونَ) [البقرة: ١١٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-34>وفي بيان معنى القنوت الوارد في قول الله تعالى: (كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ)</span>\n<span data-type='title' id=toc-35>يقول شيخ المفسرين ابن جرير الطبري -﵀</span>-:\n«وأولى معاني القنوت في قوله: (كُلٌّ لَّهُ؟ قَانِتُونَ) الطاعة والإقرار لله ﷿ بالعبودية بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة، والدلالة على وحدانية الله ﷿، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها، وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الذين زعموا أن لله ولدًا بقوله: (لَّهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [البقرة: ١١٦] ملكًا وخلقًا، ثم أخبر عن جميع ما في السماوات والأرض أنها مقرة بدلالتها على ربها وخالقها، وأن الله تعالى بارئها وصانعها، وإن جحد ذلك بعضهم فألسنتهم مذعنة له بالطاعة بشهادتها له بآثار الصنعة التي فيها بذلك، وأن المسيح أحدهم، فأنَّى يكون لله ولدًا وهذه صفته؟!» (^١).\nويقول الله تعالى: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) [آل عمران: ٨٣]\n\n<span data-type='title' id=toc-36>قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀</span>-:\n«فذكر إسلام الكائنات طوعًا وكرهًا؛ لأن المخلوقات جميعها متعبّدةٌ له التعبد العام، سواءٌ أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم مدينون له مُدبّرون، فهم مسلمون له طوعًا وكرهًا، ليس لأحد من المخلوقات خروجٌ عما شاءه وقدّره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين ومليكهم، يُصرّفهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلّهم، وبارئهم ومُصورهم، كل ما سواه فهو مربوب مصنوعٌ مفطورٌ، فقيرٌ محتاجٌ معبَّد مقهورٌ، وهو سبحانه الواحد القهار الخالق البارئ المصوّر» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-37>المطلب الثاني: القسم الثاني من أقسام العبودية \"عبودية الاختيار والانقياد والطاعة والمحبة</span>\"\n_________\n(^١) تفسير الطبري: (١/ ٥٠٧ - ٥٠٨).\n(^٢) العبودية (ص ١٤٥).","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>ويقرر ابن القيم -﵀- أن: «العبودية نوعان: عامة وخاصة»</span>.\nثم يقول -﵀-:\n«وأما النوع الثاني: فعبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر، كما قال تعالى: (يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) [الزخرف: ٦٨]، وكما قال تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزمر: ١٨، ١٧]، وقال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلَامًا)\n[الفرقان: ٦٣].\nفالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأهل طاعته وولايته هم عبيد ألوهيته» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-39>وأهل هذه العبودية:</span>\nأقبلوا على ربهم وخالقهم ورازقهم طائعين منقادين لعبوديته سبحانه، مطيعين لأوامره بمحض إرادتهم واختيارهم، فهي عبودية محبة وانقياد وطاعة وذل وخضوع، وقد نسبهم الله إليه نسب تكريم وتشريف فقال في حقهم: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلَامًا) [الفرقان: ٦٣].\nوهذه العبودية خاصة بالمؤمنين الذين يطيعون الله تعالى باختيارهم وإرادتهم لا يشاركهم فيها أحد من الكفار الذين خرجوا عن شرعه وتمردوا على أوامره ونواهيه. فنالوا بذلك عز الدنيا وشرفها وكرامة الآخرة وفضلها وأجرها.\nوالخلق في هذه العبودية ترى بينهم بونًا شاسعًا، وهم متفاوتون فيها تفاوتًا كبيرًا وعظيمًا؛ فكلما كان العبد محبًّا لربه متبعًا لأوامره، منتهيًا عن نواهيه، منقادًا لشرعه، خاضعًا لسلطانه، كان تحقيقه لعبودية ربه أجل وأعظم وأكمل.\nوأعظم الناس تحقيقًا لمقام العبودية هم صفوة خلقه وأمنائه على وحيه وسفرائه بينه وبين عباده من النبين والمرسلين، وأعبدهم لله أجمعين هو سيدهم وإمامهم وأفضلهم وخاتمهم نبينا محمد -ﷺ-، ولذا خُص بالذكر بوصف العبودية مجردة في كتاب الله في أشرف المقامات وأعلاها وأزكاها، سبحانه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) [الكهف: ١] وهذا في مقام الوحي وهو من أشرف\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٠٥).","vol":"1","page":18},{"text":"المقامات وأعظمها وأجلها، وفي مقام الدعوة إلى الله قال سبحانه: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) [الجن: ١٩].\nوفي مقام الإسراء قال سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) [الإسراء: ١] ولا شك أن مقام الإسراء مقام تشريف كذلك.\nفالشرف المروم لمن استكمل تحقيق العبودية، ولا يكون تحقيقها إلا مع كمال الذل والخضوع\nوالافتقار لله الواحد القهار، والعبودية المتعلقة بربوبية الله هي العبودية العامة التي تشمل جميع الخلائق مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم.\nفإذا علم العبد أن له ربًّا وخالقًا ورازقًا ومدبرًا لكل شؤونه، وأنه فقير إليه -عرف تلك العبودية العامة المتعلقة بربوبيته سبحانه، وَقد يعبده مَعَ ذَلِك وَقد يعبد غيره من الأصنام والأوثان، وإن لم يقرّ بها فهو داخل تحتها شاء أم أبى، لأنها شاملة له قهرًا وغلبة.\nوالعبودية العامة التي هي عبودية القهر والغلبة، لا تكفي للدخول في الإسلام، فقد أقر بها كفار قريش ومع ذلك قاتلهم النبي -ﷺ- واستحل دماءهم وأموالهم وسبى ذريتهم ونساءهم، ذلك لأنهم لم يقروا بالعبودية الخاصة، وهي عبودية الألوهية التي توجب تحقيق التوحيد وصرف العبادة كلها لله، ربنا في ذلك: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].\nفهم قد أقروا بربوبيته سبحانه وأقروا أنه تعالى هو الخالق قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لُقْمَان: ٢٥]، فهذا إقرار صريح بربوبيتهم لربهم، ومع ذلك لم ينفعهم إقرارهم بالربوبية لعدم تحقيق توحيد الألوهية، قال الله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) [يوسف: ١٠٦]. لأنهم مع ذلك يعْبدُونَ الاصنام والأوثان، ولم يصرفوا العبادة للإله الواحد الملك الديان.\nأما العبودية المتعلقة بألوهيته سبحانه فهي العبودية الخاصة المتعلقة بعبادته سبحانه وتأليهه وتوحيده وإخلاص الوجه له وقصده وحده بالعبادة دون ما سواه، خوفُا وطمعًا، رغبًا ورهبًا.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>والخلاصة:</span>\nأنَّ جميعَ المخلوقات عبيدٌ مقهورون لربوبيته تبارك تعالى، أما أهل طاعته وأهل كرامته فهم عبيد ألوهيته تعالى، الخاضعون المتذللون لربهم، خضوع تذللٍ، وعبوديةَ اختيارٍ، لا عبودية قهرٍ وغلبة، وتلك هي العبودية الخاصة.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>المطلب الثالث: بيان حقيقة العبودية</span>\nأما حقيقة العبودية: فهي الغاية العظمى التي خلق الله من أجلها الخلق كما بين ذلك في محكم كتابه، فقال سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-42>قال ابن جرير الطبري -﵀</span>-:\n«اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فقال بعضهم: معنى ذلك: وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم لمعصيتي.\nأي: خلقهم لأجل أن يعبدونه سبحانه فمن عبده أكرمه، ومن ترك عبادته أهانه» (^١).\nوحَصَرَ ﷾ الحِكمة من خلقهم في قوله: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ليتبين ويتأكد لهم أن الحِكمة من خلقهم هي: عبادته ﷾، وخلق كل شيء لرعايتهم ورعاية مصالحهم ومصالح معاشهم، وسَخَّر لهم كل ما في السموات والأرض ليستعينوا بها على عبادته وطاعته ﷾.\nومعنى (لِيَعْبُدُونِ)؛ أي: يوحدونني، فيفردونني بالعبادة، ولا يعبدوا سواي، والعبادة لا تُسمَّى عبادة إلا مع التوحيد ولا تصح ولا تقبل إلا به، فهو قوامها وأسها وأساسها المتين الذي لا قوام لها ولا ووجود إلا به، فهو كالطهارة للصلاة لا تصح ولا تقبل إلا بها فهي شرط صحة، كما أن التوحيد شرط صحة في صحة العبادة وقبولها.\nوتحقيق العبودية لرب البرية هي المهمة العظيمة التي من أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وقام سوق الآخرة ففريق في الجنة، وفريق في السعير، كما قال تعالى:\n_________\n(^١) تفسير الطبري: (٢٢/ ٤٤٥).","vol":"1","page":20},{"text":"(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٢٥]، وقال لرسوله -ﷺ-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: ٩٩]، واليقين هنا هو: الموت.\n\n<span data-type='title' id=toc-43>وقال ابن القيم -﵀</span>-:\n«والمحبة مع الخضوع هي العبودية التي خلق الخلق لأجلها، فإنها غاية الحب بغاية الذل، ولا يصلح ذلك إلا له سبحانه، والإشراك به في هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ولا يقبل لصاحبه عملًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>قال ابن القيم -﵀- في الشافية الكافية:</span>\nوعبادة الرحمن غاية حبه … مع ذل عابده هم قطبان\nوعليهما فلك العبادة دائر … ما دار حتى قام القطبان (^٢)\nوالدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة هي أساس دعوة المرسلين؛ إذ ما بعث الله رسولًا منهم إلا قال لقومه: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: ٦٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-45>المطلب الرابع: بيان شرطي تحقيق العبودية</span>\nوأخيرًا: فإن العبودية الحقة لا تتحقق إلا بتحقيق أصلين عظيمين:\n\n<span data-type='title' id=toc-46>الأصل الأول: إفراده الله تعالى بالعبادة ونبذ عبادة كل ما سواه</span>، وهذا هو مقتضى تحقيق شهادة ألا إله إلا الله - نفيًا وإثباتًا-.\n<span data-type='title' id=toc-47>الأصل الثاني: ألا يُعبد اللهُ إلا بما شرع</span>، وهذا هو مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله.\nفمن حقق هذين الأصلين العظيمين بكمالهما وتمامهما، فقد حقق العبودية الحقة التي ينال به العبدُ سعادةَ الدارين.\n\n<span data-type='title' id=toc-48>المطلب الخامس: تقرير عبودية الله تعالى في القرآن الكريم</span>\nإن المتأمل في القرآن الكريم من أوله إلى آخره يتجلى له محوره الرئيس هو قضية تحقيق التوحيد وتقرير العبودية التي خلق الله من أجلها الجن والإنس، كما قال ربنا: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]. ويتجلى له أن الله سبحانه لم\n_________\n(^١) الفوائد (ص: ١٨٣).\n(^٢) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (ص: ٣٢).","vol":"1","page":21},{"text":"يخلق الخلق عبثًا ولم يتركهم سدى، كما قال جل في: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: ١١٥]، وكما قال تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) (الإنسان: ٣٦).\nوالمتأمل في مطلع فاتحة الكتاب يتضح له جليًا أمر تحقيق التوحيد وتقرير العبودية وذلك في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٥)، ثم إن المتتبع لسور القرآن كلها يراها تقرر هذا الأصل العظيم بوضوح وجلاء، وذلك من أول الأوامر الواردة في القرآن في قوله تعالى في أوائل سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) (البقرة: من آية: ٢١)، وبأول النواهي في المحذرة من الشرك المنافي للتوحيد بعدها مباشرة في سورة البقرة - كذلك - في قوله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) (البقرة: من آية: ٢٢) وانتهاءً بسورتي الإخلاص \"الكافرون والإخلاص\" وختام القرآن بـ\"المعوذتين\".\nيرى تقرير العبودية في القرآن الكريم واضحًا جليًا في كل سور القرآن وآياته.\nومن هنا يتبين أن بيان تقرير العبودية لله هو المحور الرئيس في القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-49>وفي نحو ذلك يقرر الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) -﵀- فيقول:</span>\n«والمقصود من كل القرآن تقرير أمور أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوات، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى،\nفقوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة: ٣) يدل على الإلهيات،\nوقوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: ٤) يدل على المعاد،\nوقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٥) يدل على نفي الجبر والقدر، وعلى إثبات أن الكل بقضاء الله وقدره،\nوقوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) (الفاتحة: ٦ - ٧) يدل أيضًا على إثبات قضاء الله وقدره وعلى النبوات، فلما","vol":"1","page":22},{"text":"كان المقصد الأعظم من القرآن هذه المطالب الأربعة، وكانت هذه السورة مشتملة عليها - لقبت بأم القرآن» (^١).\nوفيما ذكره الفخر الرازي وقرره إنما هو تقرير لكل أنواع العبودية في فاتحة الكتاب، فاشتمال السورة على حمده تعالى وتمجيده بأسمائه وصفاته والثناء عليه والإقرار باليوم الآخر وإثبات البعث والجزاء، وتنزيه الله عن كل نقص ووصفه تعالى بكل كمال يليق بذاته المقدسة، وحصر العبادة والاستعانة فيه وحده، وطلب الهداية إلى صراطه المستقيم، والإلحاح عليه بالثبات على هذا الصراط، صراط المنعم عليهم، وطلب البعد عن طريق أهل الغواية والزيغ ممن غضب عليه وأضلهم، كل ذلك يؤكد ويبرهن ويوضح تقرير فاتحة الكتاب للعبودية بمعناها الشامل والكامل، وآيات السورة مقررة لأنواع التوحيد الثلاثة.\nومما يبرهن ويؤكد تقرير الفاتحة للعبودية حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ «قَالَ اللَّهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) قَالَ اللَّهُ تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة: ٣) قَالَ اللَّهُ تعالى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: ٤) قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٥) قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) (الفاتحة: ٦ - ٧) قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (^٢).\nولاشك أن الفاتحة اشتملت على ما في القرآن إجمالًا فناسب افتتاح الكتاب بها، ثم تلتها باقي سور القرآن لتورد كل ما ورد فيها تفصيلًا.\n_________\n(^١) تفسير الفخر الرازي: (ص: ١٤٥). مفاتيح الغيب = التفسير الكبير المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: ٦٠٦ هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ.\n(^٢) مسلم (٣٩٥).","vol":"1","page":23},{"text":"ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-50>المبحث الثالث: أصل الدين مبني على أصلين عظيمين (العبودية - والاستعانة)</span>\nوالمقصود من بيانه في هذا المبحث أن أصل الدين مبنى على (العبودية-والاستعانة).\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-51>المطلب الأول: الغاية من خلق المكلفين تحقيق العبودية</span>\nإن العبودية: هي المهمة العظيمة والغاية الجليلة التي خلق الله تعالى المكلفين من الثقلين من أجلها، فالله تعالى خلقهم ليعبدوا وهو غني عنهم غنى تام، وهم فقراء إليه سبحانه فقرًا تامًّا.\nكما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦) «أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس - ﵁-: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) «أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا»، وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال ابن جُرَيْج: «إلا ليعرفون».\nوقال الربيع بن أنس: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أي: «إلا للعبادة» (^١).\nوقال القرطبي﵀-: «أي: ليذلوا ويخضعوا لي» (^٢).\n«قال علي بن أبي طالب - ﵁-: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أي: إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي، يؤيده قوله ﷿ (وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِدًا) [التوبة: ٣١].\nوقال مجاهد: «إلا ليعرفوني».\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢٥)\n(^٢) تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٥٦). الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: ٦٧١ هـ) تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة الطبعة: الثانية، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م عدد الأجزاء: ٢٠ جزءا (في ١٠ مجلدات).","vol":"1","page":24},{"text":"وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرفوا وجوده وتوحيده، و«قيل: معناه إلا ليخضعوا إليّ ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه.\nوقيل: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) إلا ليوحدوني، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء،\nوأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله ﷿: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [العنكبوت: ٦٥] (^١).\nقال القرطبي﵀-: «أي: ليذلوا ويخضعوا لي» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-52>قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) -﵀</span>-:\n«وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور» (^٣).\nوأهل العبودية الحقة موقنون بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-53>قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀</span>-:\n«إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-54>وقال الإمام ابن القيم -﵀</span>-:\n«وبنى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح، فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب\n_________\n(^١) تفسير البغوي (٧/ ٣٨١).\n(^٢) تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: (١٧/ ٥٦).\n(^٣) رياض الصالحين للنووي بتخريج الألباني (ص: ٣٧).\n(^٤) العبودية (ص ٨٠).","vol":"1","page":25},{"text":"الأربع. كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦)». (^١)\nوفي ضوء بيان أهل العلم وأئمة التفسير ﵏ حول آية الذاريات يتبين لنا:\n١ - أن الحكمة والغاية المحمودة التي خلق الله تعالى الخلق من أجلها هي العبادة.\n\n<span data-type='title' id=toc-55>قال ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) -﵀</span>-:\n«هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته المتضمنة لمعرفته ومحبته والإنابة إليه والإقبال عليه والإعراض عما سواه، وكلما ازداد العبد معرفة بربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله تعالى المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم» (^٢).\n٢ - وأن الله خلقهم وهو غني عنهم مع فقرهم إلى خالقهم.\nكما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: ١٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-56>يقول الفخر الرازي -﵀</span>-:\n«فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم، وإنما هو لإشفاقه عليكم» (^٣).\n٣ - وأن العبادة هي: الخضوع والذل والانقياد.\n٤ - وأن عبودية القهر والغلبة تشمل كل الخلق مؤمنهم وكافر.\nقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) -﵀-:\n«قوله تعالى: (اعْبُدُوا) [المائدة: ٧٢] أمر بالعبادة له، والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه، وأصل العبادة الخضوع والتذلل، يقال: طريق معبّدة إذا كانت موطوءة بالأقدام … والعبادة الطاعة، والتعبد التنسّك» (^٤).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٠٠).\n(^٢) تفسير الكريم الرحمن (٧/ ١٨١).\n(^٣) تفسير الفخر الرازي، مفاتيح الغيب- للفخر الرازي - تفسير سورة فاطر قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: ١٥]. (ص: ٢٣).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦).","vol":"1","page":26},{"text":"٥ - وأن العبادة التي هي التوحيد، هي عبودية الاختيار، التي لا يُوفق لها إلا من اصطفاه الله تعالى من عباده المؤمنين.\n٦ - وأن التكليف بالعبودية لا ينفك عن العبد أبدًا حتى الممات.\nوقال الله تعالى لنبيه -ﷺ-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: ٩٩]، واليقين هو الموت.\n\n<span data-type='title' id=toc-57>قال ابن القيم -﵀</span>-:\n«قال الله تعالى لرسوله -ﷺ-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: ٩٩]، وقال أهل النار: (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) [المدثر: ٤ - ٤٧]، وفي الصحيح في قصة عثمان بن مظعون ﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه» (^١) أي: الموت وما فيه، فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد فهو زنديق كافر بالله ورسوله، وإنما وصل لمقام الكفر بالله والانسلاخ من دينه، بل كلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم، والواجب عليه منها أكبر وأكثر من الواجب على من دونه، ولهذا كان الواجب على رسول الله -ﷺ- بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم، والواجب على أولي العزم أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولي العلم أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته» (^٢).\nوكلام ابن القيم حول معنى اليقين يبين حقيقة العبودية التي لا تنفك عن العبد أبدًا، ومن يُسَمُّوا أنفسهم بأهل الوجد من المتصوفة ونحوهم، يدّعي رؤوسهم أنهم من شدة عبادتهم قد رُفِعَ عنهم التكليفُ.\nثم عرج -﵀- على مقام العبودية وأن العبد كلما تمكن في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم، وكلما ارتفع قدر العبد علمًا ومنزلة ومكانة، كانت عبوديته أعظم وآكد، كعبودية المرسلين وعبودية أولي العزم منهم، وعبودية ورثة الأنبياء من العلماء الربانيين.\n_________\n(^١) وأصل الحديث رواه البخاري (١٢٤٣).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"1","page":27},{"text":"٧ - وأن المؤمن يعبد الله في الشدة والرخاء، وأما الكافر فلا يعبد الله إلا في الشدائد، قال الله تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) [العنكبوت: ٦٥].\n٨ - أن العبودية مع كون مضمونها الذل والخضوع والافتقار فهي متضمنة لأعلى مقامات العبد، فهي المنزلة الرفيعة السامية العالية التي ارتضاها الله لأشرف خلقه -ﷺ-، وارتضاها هو -ﷺ- لنفسه حيث يقول: \"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-58>المطلب الثاني: مكانة العبودية والاستعانة وتحقيق التلازم بينها</span>\nقال تعالى في مستهل افتتاح القرآن في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥).\nوهذه الآية تُعَدُ من أجمع الآيات التي جمعت بين منزلتي العبادة والاستعانة ليبين الله لعباده أن تحقيق العبودية -عبادة واستعانة- والتلازم بينهما- هي الغاية من وجود الخلق.\nوإنما قدم المعمول في \"إياك\" ليفيد حصر العبودية والاستعانة واختصاصها بالخالق وحده جل في علاه دون سواه، فلا يُعْبد إلا إياه ولا يستعان إلا به.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>وتقديم العبادة على الاستعانة:</span> من باب تقديم العام على الخاص، ومن باب تقديم حق الخالق العظيم الغني- سبحانه- عن خلقه من كل الوجوه، على حق المخلوق الضعيف الفقير إلى ربه وإلى معونته من كل الوجوه.\n<span data-type='title' id=toc-60>والعبادة والاستعانة:</span> \"هُمَا الْكَلِمَتَانِ الْمَقْسُومَتَانِ بَيْنَ الرَّبِّ وَبَيْنَ عَبْدِهِ نِصْفَيْنِ، فَنَصِفُهُمَا لَهُ تَعَالَى، وَهُوَ \"إِيَّاكَ نَعْبُدُ\" وَنِصْفُهُمَا لِعَبْدِهِ وَهُوَ \"إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ\". (^٢)\nوإذا تأملنا في تعريف شيخ الإسلام للعبادة بأنه: \"اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة\" (^٣) لوجدنا أن الاستعانة تدخل في مسمى\n_________\n(^١) البخاري (٣٤٤٥) من حديث عمر بن الخطاب - ﵁-.\n(^٢) - مدارج السَّالكين (١/ ٩٥).\n(^٣) - مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية - ١٠/ ١٤٩، الموسوعة الفقهية (٢٩/ ٢٥٦).","vol":"1","page":28},{"text":"العبادة، وقد أُفْرِدَت الاستعانةٌ هنا عن العبادة في هذا المقام وذكرت معها؛ لكونها وسيلة وطريق مؤد إليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-61>وفي بيان فضلها وعظيم منزلتها يقول ابنُ القيِّم -﵀</span>-:\nوَسِرُّ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، وَالْكُتُبِ وَالشَّرَائِعِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ انْتَهَى إِلَى هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارُ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّوْحِيدِ، حَتَّى قِيلَ: أَنْزَلَ اللَّهُ مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ، جَمَعَ\nمَعَانِيَهَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَجَمَعَ مَعَانِيَ هَذِهِ الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ فِي الْقُرْآنِ، وَجَمَعَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ فِي الْمُفَصَّلِ (^١)، وَجَمَعَ مَعَانِيَ الْمُفَصَّلِ فِي الْفَاتِحَةِ، وَمَعَانِيَ الْفَاتِحَةِ فِي (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٥). (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-62>وقد جمعت هذه الآية على وجازتها من الفوائد دررًا، ومن البلاغة كنوزًا، وسنشير إلى شيء من ذلك:</span>\n<span data-type='title' id=toc-63>أولًا: السرُّ في تقديم ما حقُّه التَّأخير</span>.\nفقد قُدِّم المفعولُ على الفعل في الآية وهذا فيه ثلاث فوائد (^٣):\nالأولى: فيه أَدَبُ العِبَادِ مَعَ اللَّهِ بِتَقْدِيمِ اسْمِهِ عَلَى فِعْلِهِمْ.\nالثَّانية: فِيهِ الِاهْتِمَامُ وَشِدَّةُ الْعِنَايَةِ بِهِ.\nالثَّالثة: فِيهِ الْإِيذَانُ بِالِاخْتِصَاصِ، الْمُسَمَّى بِالْحَصْرِ، فَهُوَ فِي قُوَّةٍ: لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاكَ، وَلَا نَسْتَعِينُ إِلَّا بِكَ.\n_________\n(^١) - والمفصل هو ما يلي المثاني من قصار السُّور إلى آخر القرآن، وَهو: مِنَ الْحُجُرَاتِ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وسمِّي بالمفصَّل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، وقيل: لقلّة المنسوخ منه، ولهذا يسمّى بالمحكم أيضًا، كما روى أحمد في المسند (٢٢٨٣) بسند صحيح عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ﵄، قَالَ: (إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّلَ هُوَ الْمُحْكَمُ)، ورواه البخاري في صحيحه (٥٠٣٥) ولكن جعله من كلامِ ابنِ جبير﵀-.\n(^٢) - وهذ الأثر قد عزاه غير واحد من أهل العلم ونسبه للحسن البصري، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٤/ ٧)، وابن عادل الحنبلي في: اللباب في علوم الكتاب (١/ ١٦٤)، والفخر الرازي في تفسيره: مفاتيح الغيب (١/ ١٦٠).\n(^٣) - مدارج السَّالكين (١/ ٩٨).","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>ثانيًا: السرُّ في تقديم العبادة على الاستعانة</span>.\nذكر أهل العلم عدَّة حكم منها (^١):\n١ - تَقْدِيمُ الْعِبَادَةِ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ فِي الْفَاتِحَةِ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْغَايَاتِ عَلَى الْوَسَائِلِ، إِذِ الْعِبَادَةُ غَايَةُ الْعِبَادِ الَّتِي خُلِقُوا لَهَا، وَالِاسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا.\n٢ - وَلِأَنَّ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُلُوهِيَّتِهِ وَاسْمِهِ (اللَّهِ)، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ\nوَاسْمِهِ (الرَّبِّ)، فَقَدَّمَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ عَلَى إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، كَمَا قَدَّمَ اسْمَ (اللَّهِ) عَلَى (الرَّبِّ) فِي أَوَّلِ الْسُورَةِ.\n٣ - وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُطْلَقَةَ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعَانَةُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَكُلُّ عَابِدٍ لِلَّهِ عُبُودِيَّةً تَامَّةً مُسْتَعِينٌ بِهِ وَلَا يَنْعَكِسُ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَغْرَاضِ وَالشَّهَوَاتِ قَدْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى شَهَوَاتِهِ، فَكَانَتِ الْعِبَادَةُ أَكْمَلَ وَأَتَمَّ.\n٤ - وَلِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ جُزْءٌ مِنِ الْعِبَادَةِ مِنْ غَيْرٍ عَكْسٍ (^٢).\n٥ - وَلِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ طَلَبٌ مِنْهُ، وَالْعِبَادَةَ طَلَبٌ لَهُ.\n٦ - وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ مُخْلِصٍ، وَالِاسْتِعَانَةَ تَكُونُ مِنْ مُخْلِصٍ وَمِنْ غَيْرِ مُخْلِصٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>ثالثًا: السرُّ في إعادة العامل (إيَّاك) وعدمِ الاكتفاء بالعطف</span>.\nالتَّكرارُ يفيد التَّنْصيصَ على حصرِ الاستعانة به كذلك مثلَ العبادة، فلو اقتصرنا على ضمير واحد (إيَّاك نعبد ونستعين) لم يفهم حصر المستعان إنَّما حصْرُ المعبود فقط.\nففِي إِعَادَةِ (إِيَّاكَ) مَرَّةً أُخْرَى دَلَالَةٌ عَلَى تَعَلُّقِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفِعْلَيْنِ، فَفِي إِعَادَةِ الضَّمِيرِ مِنْ قُوَّةِ الِاقْتِضَاءِ لِذَلِكَ مَا لَيْسَ فِي حَذْفِهِ، فَإِذَا قُلْتَ لِمَلِكٍ مَثَلًا: (إِيَّاكَ أُحِبُّ، وَإِيَّاكَ أَخَافُ)، كَانَ فِيهِ مِنَ اخْتِصَاصِ الْحُبِّ وَالْخَوْفِ بِذَاتِهِ وَالِاهْتِمَامِ بِذِكْرِهِ،\n_________\n(^١) مدارج السَّالكين (١/ ٩٧).\n(^٢) - قال شيخ الإسلام -﵀-: (والتَّوَكُّل هُوَ الِاسْتِعَانَة وَهِي من عبَادَة الله لَكِن خصّت بِالذكر ليقصدها المتعبد بخصوصها فَإِنَّهَا هِيَ العون على سَائِر أَنْوَاع الْعِبَادَة إِذْ هُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُعبد إِلَّا بمعونته). العبودية (٧٥).","vol":"1","page":30},{"text":"مَا لَيْسَ فِي قَوْلِكِ: (إِيَّاكَ أُحِبُّ وَأَخَافُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-66>رابعًا: السرُّ في إطلاق الاستعانة وعدمِ تقييدها بالمفعول</span>.\nأطلق سبحانه فعل الاستعانة ولم يحدد نستعين على شيء أو نستعين على طاعة أو غيره إنما أطلقها لتشمل كل شيء وليست محددة بأمر واحد من أمور الدّنيا أو الآخرة، والمعنى: إيّاك نستعين يا الله على عبادتنا، وعلى أعمالنا، وعلى دراستنا،\nوعلى تربية أبنائنا، وعلى خدمة ديننا، وعلى نصرة شريعتنا، وعلى كلّ صغيرة وكبيرة في أمور دنيانا وأخرانا، لأنَّ حذف المعمول يؤذن بالعموم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-67>المطلب الثالث: أقسام الخلق في منازل\" إياك نعبد وإياك نستعين</span>\"\nإذا علم هذا فلا بدَّ أن يُعلم بأنَّ النَّاسَ في هذين الأصلين-وهما العبادة والاستعانة- أربعةُ أقسام (^٣):\n\n<span data-type='title' id=toc-68>القسم الأوَّل: المؤمنون المتَّقون الذين جمعوا بين الأمرين</span>\nفهم يعبدونَ الله ويستعينُون به، وهؤلاء قامت جوارحُهم بالأسباب واعتمد قلبُهم على مسبِّبِ الأسباب - ﷾فَعِبَادَةُ اللَّهِ غَايَةُ مُرَادِهِمْ، وَطَلَبُهُمْ مِنْهُ أَنْ يُعِينَهُمْ عَلَيْهَا، وَيُوَفِّقَهُمْ لِلْقِيَامِ بِهَا، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَفْضَلِ مَا يُسْأَلُ الرَّبُّ ﵎ الْإِعَانَةُ عَلَى مَرْضَاتِهِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- لِحِبِّهِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁-، فَقَالَ «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَنْسَ أَنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ (^٤).\n_________\n(^١) - مدارج السَّالكين (١/ ٩٩).\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (٤/ ٢٢١)، ومناهل العرفان للزرقاني (١/ ١٣٣)، وجواهر البلاغة للهاشمي (١٥٦)، ويُنظر: الدِّينُ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ وَالاسْتِعَانَةِ بِهِ وَحْدَهُ، مصطفى قاليه، عن موقع التصفية والتربية، بتاريخ: ٣١/ ٥/ ٢٠١٢ م.\n(^٣) - التّدمرية (٢٣٤ - ٢٣٥)، ومجموع الفتاوى (٣/ ١٢٤) وما بعدها، ومدارج السَّالكين (١/ ٩٩) وما بعدها، وأعلام الموقعين (٢/ ١٢٣).\n(^٤) - رواه أحمد (٢٢١١٧)، وأبو داود (١٥٢٢)، والنسائي (١٣٠٣) من حديث معاذ بن جبل، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (٩٤٩).","vol":"1","page":31},{"text":"فَأَنْفَعُ الدُّعَاءِ طَلَبُ الْعَوْنِ عَلَى مَرْضَاتِهِ، وَأَفْضَلُ الْمَوَاهِبِ إِسْعَافُهُ بِهَذَا الْمَطْلُوبِ، وَجَمِيعُ الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ مَدَارُهَا عَلَى هَذَا، وَعَلَى دَفْعِ مَا يُضَادُّهُ، وَعَلَى تَكْمِيلِهِ وَتَيْسِيرِ أَسْبَابِهِ، فَتَأَمَّلْهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-69>وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ</span>-:\nتَأَمَّلْتُ أَنْفَعَ الدُّعَاءِ فَإِذَا هُوَ سُؤَالُ الْعَوْنِ عَلَى مَرْضَاتِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي الْفَاتِحَةِ فِي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥) (^١).\nوحالة المتوكِّل على الله تشبه حَالَةَ الطِّفْلِ مَعَ أَبَوَيْهِ فِيمَا يَنْوِيهِ مِنْ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ …، فَانْظُرْ فِي تَجَرُّدِ قَلْبِهِ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِ أَبَوَيْهِ، وَحَبْسِ هَمِّهِ عَلَى إِنْزَالِ مَا يَنْوِيهِ بِهِمَا، فَهَذِهِ حَالُ الْمُتَوَكِّلِ، وَمَنْ كَانَ هَكَذَا مَعَ اللَّهِ فَاللَّهُ كَافِيهِ وَلَا بُدَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: ٣) أَيْ كَافِيهِ. (^٢)\nتنبيه:\n\n<span data-type='title' id=toc-70>قال شيخنا الفقيه العلامة ابنُ عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) -﵀</span>-:\nوأعلى المراتب: الأولى، أن تجمع بين العبادة والاستعانة. ولننظر في حالنا الآن -وأنا أتكلَّمُ عن حالي- دائما نغلِّب جانب العبادة، فتجد الإنسان يتوضّأ وليس في نفسه شعورٌ أنْ يستعينَ اللهَ على وضوئِه، ويصلِّي وليس في نفسه شعورٌ أنْ يستعينَ اللهَ على الصَّلاة وأنَّه إنْ لَمْ يُعِنْهُ ما صلَّى؛ … فإذا صلَّيتَ - مثلًا - وشعرتَ أنَّك تصلِّي لكن بمعونةِ الله وأنَّه لولا معونةُ الله ما صلَّيتَ، وأنَّك مفتقرٌ إلى اللهِ أن يعينَكَ حتَّى تصلِّيَ وتتمَّ الصَّلاةَ، حَصَّلْتَ عبادتين: الصَّلاةَ والاستعانةَ … (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-71>القسم الثَّاني: من لا عبادةَ ولا استعانةَ لهم</span>\n_________\n(^١) - مدارج السَّالكين (١/ ١٠٠).\n(^٢) مدارج السَّالكين (١/ ١٠٣).\n(^٣) - شرح الأصول من علم الأصول (١٩٠ - ١٩١). شرح الأصول من علم الأصول المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ) الناشر: دار ابن الجوزي الطبعة: الرابعة، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م عدد الأجزاء: ١.","vol":"1","page":32},{"text":"وهؤلاء هم الملحدون من المادِّيين والعقلانيِّين-والعياذُ بالله- (^١)، وهؤلاء وقعوا في الشِّرك لأنَّهم أثبتُوا مُوجدًا مع الله مستقلًا بالضّر والنّفع، وهذا باطل مخالف للكتاب والسّنّة والإجماع، كما أنّ الأسباب قد تتخلَّف عن مسبِّباتها بإذن الله كما يشهد لذلك الحسُّ؛ والواحدُ من هؤلاء إن استعان بالله وسأله، فعلى حظوظه وشهواته، لا على\nمرضاة ربِّه وحقوقه، واللهُ سُبْحَانَهُ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَسْأَلُهُ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَعْدَاؤُهُ وَيَمُدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَأَبْغَضُ خَلْقِهِ عَدُّوُهُ إِبْلِيسُ وَمَعَ هَذَا فَقَدَ سَأَلَهُ حَاجَةً فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، وَمَتَّعَهُ بِهَا، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ تَكُنْ عَوْنًا لَهُ عَلَى مَرْضَاتِهِ، كَانَتْ زِيَادَةً لَهُ فِي شِقْوَتِهِ، وَبُعْدِهِ عَنِ اللَّهِ وَطَرْدِهِ عَنْهُ (^٢)، وَهَكَذَا كُلُّ مَنِ اسْتَعَانَ بِهِ عَلَى أَمْرٍ وَسَأَلَهُ إِيَّاهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَوْنًا عَلَى طَاعَتِهِ كَانَ مُبْعِدًا لَهُ عَنْ مَرْضَاتِهِ، قَاطِعًا لَهُ عَنْهُ وَلَا بُدَّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-72>القسم الثَّالث: من لهم نوعُ عبادةٍ بلَا استعانةٍ</span>\nفحظُّهم ناقصٌ من التَّوكلِ والاستعانةِ به، ولهؤلاء من الخُذلانِ والضّعفِ والعجزِ بحسَبِ قلَّةِ استعانتِهم وتوكُّلهم،\nوَهَؤُلَاءِ نَوْعَانِ:\nأَحَدُهُمَا: من نفى تأثير الأسباب بالكليَّة: وهم القدريَّة الجبْرية، الذين جعلوا العبد مجبورًا على أفعاله، وأنَّ حركاته جميعا حركات اضطراريَّة كالورقة في مهبِّ الرِّيح، وهؤلاء يرون أنَّ الأسباب لا تأثير لها في مسبِّباتها، فالله لم يجعل في الأسباب قُوًى وطبائعَ تؤثِّر، وهذا الموقف فاسد باطل مخالف للكتاب والسنَّة والإجماع.\n_________\n(^١) - المرجع السابق (١٩١).\n(^٢) يقول الله سبحانه: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) (الإسراء: ١٨ - ٢٠).\n(^٣) - مدارج السَّالكين (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":33},{"text":"وقد وصف العلماء هذا القول بأنّه (قدح في العقل).\nالنَّوْعُ الثَّانِي: من أعرض عن الأسباب بالكليِّة: كحال غالب الصُّوفيَّة، فهم لا يرون تحقيق التَّوكُّلِ إلَّا في ترك الأسباب بالكليَّة، فتركوا التَّكسُّب والعمل والاحتراز والاحتياط والتَّزوُّد في السَّفر والطَّعام، ويرون ذلك كلَّه منافيًا للتَّوكُّل، ولهم شبه ضعيفة أجاب عنها العلماء. وقد وصف العلماء هذا القول بأنّه (قدح في الشَّرع).\nفَهَؤُلَاءِ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ التَّوْفِيقِ وَالنُّفُوذِ وَالتَّأْثِيرِ، بِحَسَبِ اسْتِعَانَتِهِمْ وَتَوَكُّلِهِمْ، وَلَهُمْ مِنَ الْخُذْلَانِ وَالضَّعْفِ وَالْمَهَانَةِ وَالْعَجْزِ بِحَسَبِ قِلَّةِ اسْتِعَانَتِهِمْ وَتَوَكُّلِهِمْ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-73>القسم الرَّابع: من عندهم استعانةٌ بلا عبادة</span>\nوهؤلاء استعانوا بربِّهم، لكن ما استعانوا به على العبادة، وإنما استعانوا به على الدِّرهم والدِّينار، واستعانوا به على الدُّنيا، والواحد منهم قد شَهِدَ تَفَرُّدَ اللَّهِ بِالنَّفْعِ وَالضُّرِّ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَمْ يَدُرْ مَعَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، فَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَاسْتَعَانَ بِهِ عَلَى حُظُوظِهِ وَشَهَوَاتِهِ وَأَغْرَاضِهِ، وَطَلَبَهَا مِنْهُ، وَأَنْزَلَهَا بِهِ، فَقُضِيَتْ لَهُ، وَأُسْعِفَ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ أمْوَالًا أَوْ رِيَاسَةً أَوْ جَاهًا عِنْدَ الْخَلْقِ، أَوْ أَحْوَالًا مِنْ كَشْفٍ وَتَأْثِيرٍ وَقُوَّةٍ وَتَمْكِينٍ، وَلَكِنْ لَا عَاقِبَةَ لَهُ، فَإِنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْمُلْكِ الظَّاهِرِ، وَالْأَمْوَالُ لَا تَسْتَلْزِمُ الْإِسْلَامَ، فَضْلًا عَنِ الْوِلَايَةِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللَّه (^٢).\nولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) - مدارج السَّالكين (١/ ١٠٢ - ١٠٣).\n(^٢) - مدارج السَّالكين (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":34},{"text":"الفصل الثاني\nعبودية البشر\nوفيه مبحثان:\n\n<span data-type='title' id=toc-75>المبحث الأول: عبودية النبين والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام</span>-\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-76>المطلب الأول: عبودية خاتم النبين والمرسلين ﷺ</span>\nلاشك في أن أكمل العبودية وأشرفها وأعظمها قدرًا وأعلاها رتبة ومكانة عبودية النبين والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام -، ذلك لأنهم أفضل البشر على الإطلاق، وذلك بدلالة نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة والنظر الصحيح - كذلك-، وإن أعظمها وأجلَّها وأعلاها قدرًا عبودية خاتمهم وإمامهم وسيدهم وقدوتهم نبينا محمد ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀</span>-:\n\"حقق الله له نعت العبودية في أرفع مقاماته حيث قال (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا) (الإسراء: ١)، وقال تعالى: (فأوحى إلى عبده ما أوحى) (النجم: ١٠)، وقال تعالى: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا) (الجن: ٩)، ولهذا يشرع في التشهد وفى سائر الخطب المشروعة كخطب الجمع والأعياد وخطب الحاجات عند النكاح وغيره أن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. \" (^١)\nهذا ولقد وُصِفَ النبيُ ﷺ في كتاب الله بالعبودية في أشرف المقامات\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٦٦). مجموع الفتاوى المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية عام النشر: ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م.","vol":"1","page":35},{"text":"وأعلاها وأزكاها كما مر آنفًا بيان شيخ الإسلام لبعضها، ونعيد بيان تلك المقامات بشيء من الإيضاح،\nقال سبحانه في مقام الوحي: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) [النجم: ١٠]، وقال سبحانه: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا) (الكهف: ١)، وقال أيضًا: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا) (الفرقان: ١)، والوحي من أعلى المقامات وأشرفها.\nوقال في مقام الدعوة إلى الله: (وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) [الجن: ١٩]، والدعوة التي هي إبلاغ الحق للخلق بأمر الخالق، شرف لا يدانيه شرف.\nوقال في مقام ولايته وكفايته له أيضًا: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَه) [الزمر: ٣٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-78>قال ابن سعدي -﵀</span>-:\n\"أي: أليس من كرمه وجوده، وعنايته بعبده، الذي قام بعبوديته، وامتثل أمره واجتنب نهيه، خصوصًا أكمل الخلق عبودية لربه، وهو محمد ﷺ، فإن الله تعالى سيكفيه في أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه من ناوأه بسوء\". (^١)\nوقال في مقام التحدي: (وَإِن كُنتُمْ في رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ) [البقرة: ٢٣].\nوقال سبحانه في مقام الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ) [الإسراء: ١]، وهو مقام تشريفي خُص به أشرفُ الخلق ﷺ من بين العالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>قال القرطبي:</span>\n\"قال العلماء: لو كان للنبي ﷺ اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية.\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي: (ص: ٧٢٥). تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المؤلف: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: ١٣٧٦ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى ١٤٢٠ هـ -٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ١.","vol":"1","page":36},{"text":"قال القشيري: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعًا للأمة\". (^١)\nويؤكد الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) بيان ما ذكره القرطبي حول آية الإسراء فيقول ﵀:\n\" والتعبير بلفظ العبد في هذا المقام العظيم يدل دلالة واضحة على أن مقام العبودية هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها إذ لو كان هناك وصف أعظم منه لعبر به في هذا المقام العظيم الذي اخترق العبد فيه السبع الطباق ورأى من آيات ربه الكبرى. (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-80>المطلب الثاني: عبودية أولي العزم من الرسل -﵈- بأعيانهم</span>\nقال ﷾ مبينًا مراتب أوليائه: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء: ٦٩).\nفالله قد رتب عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب وبدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم قد شق عليهم أن النبي ﷺ في الجنة يرفع مع النبيين في الدرجات العلا فتكون منزلتهم دون منزلته فلا يصلون إليه ولا يرونه ولا يجالسونه، فنزلت الآية. (^٣)\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: (١٠/ ٢٠٥). تفسير القرطبي، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: ٦٧١ هـ)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة الطبعة: الثانية، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م عدد الأجزاء: ٢٠ جزءا (في ١٠ مجلدات).\n(^٢) تفسير أضواء البيان، للشنقيطي: (٣/ ٨). أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن المؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (المتوفى: ١٣٩٣ هـ) الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان عام النشر: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ مـ.\n(^٣) - تفسير الطبري: (٥/ ١٠٤) و(حلية الأولياء) (٤/ ٢٤٠ و٨/ ١٢٥)، و(أسباب النزول للواحدي) (ص: ٩٤)، و(الدر المنثور) (٢/ ١٨٢)، و(لباب النقول - بهامش الجلاليين) (ص: ١٧٤).","vol":"1","page":37},{"text":"ولقد ذكر الله ﵎ جملة من أنبيائه ورسله في سورة الأنعام ثم قال في ختام ذكرهم: (وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) (الأنعام: ٨٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-81>قال ابن سعدي -﵀</span>-:\nوكلاًّ من هؤلاء الأنبياء والمرسلين فضلنا على العالمين، لأن درجات الفضائل أربع وهي التي ذكرها الله بقوله: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء: ٦٩). فهؤلاء من الدرجة العليا. (^١)\nوقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) (آل عمران: ٣٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-82>قال الفخر الرازي مبينًا وجه التناسب والترابط بين هذه الآية وبين الآيات قبلها:</span>\nاعلم أنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بين علو درجات الرسل وشرف مناصبهم. (^٢)\nوقد قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: (فَاصْبِرْ كما صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) [الأحقاف: ٣٥] (^٣)\n_________\n(^١) - تفسير ابن سعدي: (٢/ ٢٠٠).\n(^٢) - تفسير الفخر الرازي: (٨/ ١٩).\n(^٣) - أولو العزم أي: أصحاب القوة في الدين والثبات عليه، والعزم في تبليغ دين الله لعباده والصبر عل ذلك، ولا نعلم نصًا صريحًا بتسميتهم بأولي العزم إلا ما دلل عليه بعض المفسرين حول الآيات التي ذُكِرُوا فيها. والله أعلم. والمشهور عند أهل التفسير أنهم خمسة وهم: الذين ذكرهم الله في سورة الأحزاب في قوله سبحانه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [الأحزاب: ٧] وذكرهم أيضًا في الشورى في قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) [الشورى: ١٣] وبعض المفسرين يرى أن الرسل كلهم أولو عزم وأن (مِن) في قوله تعالى: (مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: ٣٥] بيانية وليست تبعيضية، ومنهم من يرى غير ذلك.\nولمن أراد البحث المستفيض فالأقوال مبسوطة في مظانها عند أهل التفسير فليرجع إليها، والله تعالى أعلم. الباحث.","vol":"1","page":38},{"text":"وقال الله في حق أول رسله لأهل الأرض وهو نوح ﵇: (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) [القمر: ٩]، فشرفه بعبوديته له سبحانه.\nوقال في وصف عبوديته وإيمانه: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات: ٨١]،\nوقال في وصف عبوديته وشكره: (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء: ٣]،\nوقال في حقه وحق لوط واصفًا عبوديتهما وصلاحهما ﵉:\n(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ([التحريم: ١٠].\nوفي وصف أبي الأنبياء وخليل الرحمن قال تعالى: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات: ٨١]، وقال في وصفه أيضًا ووصف بعض النبيين من ذريته: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْراهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الأيْدِى وَالأبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مّنَ الأخْيَارِ) [ص: ٤٥ - ٤٨].\nوقال في وصف كليمه موسى بن عمران ووصف أخيه هارون: (إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات: ١٢٢].\nوقال في وصف بيان أول ما نطق به عيسى ابن مريم ﵇ في المهد أنه: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) [مريم: ٣٠]، وقال عنه أيضًا: (لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ) [النساء: ١٧٢].\nوقال في حقه أيضًا: (إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ) [الزخرف: ٥٩].\n\"فجعل غايته العبودية لا الإلهية كما يقول أعداؤه النصارى. \" (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-83>المطلب الثالث: عبودية عموم المرسلين -﵈</span>-\nوالعبودية كذلك هي أعظم وأجل وصف لخيرة الله من خلقه الذين اصفاهم الله لرسالاته وليكونوا سفرائه بينه وبين خلقه، وهم رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام.\n_________\n(^١) مدارج السالكين: (١/ ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"1","page":39},{"text":"قال ﷿: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) [الصافات: ١٧١]، فنسب عبوديتهم له سبحانه وهذا نسب تشريف وتكريم لهم ﵈ أجمعين.\nوقال تعالى في وصفهم أيضًا: (قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) [النمل: ٥٩]،\nوقال سبحانه عنهم أيضًا: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [النحل: ٢]،\nوقال سبحانه مزكيًا عبادتهم له سبحانه أيضًا: (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: ٧٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-84>عبودية بعض الأنبياء ﵈ أجمعين:</span>\nإنه لما كانت الغاية الأولى من بعثة الرسل جميعًا هي دعوة الخلق إلى توحيد الخلق وإفراده سبحانه- بالألوهية ونفيها عن كل ما سواه من خلقه، كانوا هم أولى الناس بتحقيق التوحيد واستحقاق لفظ العبودية لأنهم قدوة لأقوامهم، ولذا فقد وصفهم الله في مواطن كثيرة من كتابه بوصف العبودية الذي هو أجلّ الأوصاف وأشرفها، كما وصفهم في قوله سبحانه: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ …) (النحل: ٢).\nفكانت العبودية من أجلِّ وأعظم أوصافهم كما في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) (ص: ٤٥ - ٤٧).\nفقال سبحانه: (مِنْ عِبَادِهِ) فنسبه إليه نسب تشريف.\nقوله تعالى: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا) أي: الذين أخلصوا لنا العبادة ذكرًا حسنًا، وقوله:\n(أُولِي الأيْدِي) أي: القوة على عبادة اللّه تعالى (وَالأبْصَار) أي: البصيرة في دين اللّه. فوصفهم بالعلم النافع، والعمل الصالح الكثير. (^١)\nوقال هنا: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا) فنسبه إليه نسب تشريف - كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-85>وهنا نورد ذكر عبودية بعض الأنبياء ﵈ أجمعين بأعيانهم:</span>\n_________\n(^١) - تفسير ابن سعدي: (١/ ٧١٤). بتصرف يسير.","vol":"1","page":40},{"text":"قال تعالى في وصف عبده داود: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص: ١٧]. أعطي قوّة في العبادة، وفقهًا في الإسلام. (^١)\nوقال في مدح عبده سليمان: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص: ٣٠].\n(نِعْمَ الْعَبْدُ (يقول: نعم العبد سليمان (إِنَّهُ أَوَّابٌ) يقول: إنه رجاع إلى طاعة الله توّاب إليه مما يكرهه منه. وقيل: إنه عُنِي به أنه كثير الذكر لله والطاعة. (^٢)\nوقال في وصف عبده أيوب: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ) [ص: ٤١].\nثم مدح الله عبوديته لما ابتلاه فصبر على البلاء فقال سبحانه: (… إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)، (ص: ٤٤). (إِنَّهُ أَوَّابٌ) و(أَوَّابٌ) على وزن فعَّال، أي: كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة إليه، وما ذلك إلا لكمال عبوديته.\nوامتدح الله يوسف واستخلصه لعبوديته واصطفاه لما صبر عن معصيته وتعفَّف عما حرَّم عليه مولاه فقال اللهُ جلَّ في علاه: (… كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (يوسف: ٢٤). وكان من تعففه عمَّا حرَّم الله أن تولَّاه الله ولطف به وصرف عنه السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ، وما كان ذلك إلا لاصطفاء اللهِ له لكمال إيمانه وتمام وكمال عبوديته.\nوهؤلاء جميعهم من غير أولي العزم من الرسل﵈-، وقد قاموا بعبوديتهم لله تعالى وحده لا شريك له على أكمل وأتم الوجه كما أمرهم الله تعالى، فامتدحهم - سبحانه- ووصفهم بوصف العبودية التي هي من أجلِّ وأعظم الأوصاف.\n\n<span data-type='title' id=toc-86>وقد اتضح فيما مضى أمران ظاهرا الدلالة على أفضلية النبين والمرسلين على البشر وهما:</span>\n<span data-type='title' id=toc-87>أولًا: أن الله تعالى اصطفاهم على عموم البشر فخصهم برسالته </span>وبإبلاغ الحق للخلق، فهم سفراء بين الله وبين عباده.\n_________\n(^١) - تفسير الطبري: (٢٣/ ١٦٢).\n(^٢) - المرجع السابق: (٢٣/ ١٨٢).","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>ثانيًا: أنهم أفضل الخلق وأعلاهم منزلة وقدرًا لكمال عبوديتهم لربهم </span>جلَّ في علاه، وذلك أنهم لمَّا حققوا عبوديتهم لله تعالى على أتم وأكمل الوجوه أضحوا أعلى الخلق وأتمهم عبودية لخالقهم جلَّ في علاه، ولذلك فهم أكمل الخلق وأفضلهم جميعًا ..\n<span data-type='title' id=toc-89>المبحث الثاني: عبودية عموم البشر</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-90>المطلب الأول: عبودية الصحابة -﵃</span>-\nتقدم معنا بيان أعلى الخلق رتبة في العبودية وهي رتبة النبيين والمرسلين، وأن أعلاهم رتبة أولي العزم منهم، ثم تلي هذه الرتبة رتبة أنصار النبيين والمرسلين على دينهم الذين يأخذون بهديهم ويزودون عن دين ربهم، وأفضل هؤلاء قاطبة أصحاب خير الخلق ﷺ، فهم ﵃ خير أصحاب لخير نبي.\n\n<span data-type='title' id=toc-91>يقول ابن مسعود ﵁:</span>\n\"إنَّ اللهَ نظرَ في قلوبِ العبادِ فوجدَ قلبَ محمد ﷺ خيرَ قلوبِ العبادِ فاصطفاهُ لنفسِهِ فابتعثهُ برسالتِهِ.\nثم نظرَ في قلوبِ العبادِ بعدَ قلبِ محمدٍ فوجدَ أصحابه خيرَ قلوبِ العبادِ فجعلهم وُزَرَاءَ نبيِّهِ يُقاتلونَ على دِينِهِ فما رأى المسلمونَ حسنًا فهوَ عندَ اللهِ حَسَنٌ، وما رَأَوا سيِّئًا فهو عندَ اللهِ سيئٌ\". (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-92>وها هنا نذكر جوانب من أبرز معالم عبوديتهم لله تعالى:</span>\n<span data-type='title' id=toc-93>أولًا: التفاضل بينهم</span>\nوالتفاضل بين الصحابة ﵃ معلوم لا يخفى ولقد استقرّ قول أهل السنة والجماعة في التفضيل بين أصحاب النبي ﷺ، على أنهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة: فأفضلهم: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان، ثم علي﵃ أجمعين، ومما يدل على ذلك، ما ثبت عند البخاري من حديث\n_________\n(^١) - رواه أحمد (١/ ٣٧٩) والطيالسي: (٢٤٦) بإسناد حسن، أحمد شاكر، مسند أحمد: (٥/ ٢١١)، وهو موقوف على ابن مسعود ﵁، قال أحمد شاكر: في: مسند أحمد: (٥/ ٢١١)، إسناده صحيح، وهو موقوف على ابن مسعود ﵁.","vol":"1","page":42},{"text":"ابن عمر﵄-، قال: (كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله -ﷺ-، فنُخيَّر أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان - ﵃-) \". (^١)، ثم\nيأتي بعدهم باقي العشرة المبشرين بالجنة، ثم يليهم في الفضل عموم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ثم أهل بدر، فأهل بيعة الرضوان، ثم عموم الصحابة ﵃ جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>ثانيًا: اصطفاء اللهِ تعالى لهم</span>\nلقد اصطفى الله -﷿- جيل الصّحابة ليكونوا في طليعة خير قرون هذه الأمة،\nكما ثبت عند البخاري -﵀- من حديث عِمْرَانَ بن الحُصَيَنٍ - ﵁- أن النبيﷺ- قال في وصفهم: (خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قالَ عِمْرانُ: لا أدْرِي: ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ …). (^٢)\nووصفهم الله تعالى بالخيرية فقال: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، (آل عمران: ١١٠)\n\n<span data-type='title' id=toc-95>قال ابن كثير (ت: ٧٤٤ هـ) -﵀</span>-:\nوالصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ، ثم الذين يلونهم، كما قال سبحانه في الآية الأخرى:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: (٣٦٥٥ - ٣٦٩٨). وهذا الحديث وإن كان من كلام ابن عمر - ﵄-، لكنه في حكم المرفوع إلى النبي - ﷺ-؛ لأنه حكاية لما كانوا يقولون في زمن النبي -ﷺدون إنكار من النبي -ﷺعليهم. وقد جاء التصريح بإقرار النبي -ﷺلذلك، وأنه كان يبلغه هذا التفضيل فلا ينكره، كما في السنة لابن أبي عاصم (١٢٢٧)، والسنة للخلال: (٥٧٧ (.\nوكذلك جاء التصريح بإقرار أصحاب النبي -ﷺ- وهم عدد وفير في حياته ﷺ لذلك، كما في مسند الإمام أحمد: (٤٦٢٦).\n(^٢) - صحيح البخاري: (٦٦٩٥).","vol":"1","page":43},{"text":"(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: ١٤٣). (^١)\nوهذه الآية وإن كانت عامة في الأمة كلها كما قال الحافظ ابن كثير، غير إن جيل الصحابة الكرام - ﵃- في طليعة هذه الأمة لأنهم خير القرون، ولأنهم خير من قام بمهام الدين كلها ولا سيما بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جاءت الخيرية منوطة بالقيام به مقترنًا بالإيمان بالله في هذه الآية.\nوإن كان المعني بالخطاب في هذه الآية الكريمة في قوله سبحانه: (كُنْتُمْ) هو جيل الصحابة الذين عاصروا الرسالة وعايشوا التنزيل، فهي كذلك تعم كل من أدى شرط الله فيها ممن أتى من بعدهم من عموم الأمة ممن قام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقترنًا بالإيمان بالله تعالى- كذلك-.\n\n<span data-type='title' id=toc-96>قال عمر -﵁</span>-:\nمَنْ سرَّه أن يكون من هذه الأُمَّة فليؤدِّ شرط الله فيها. (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-97>ثالثًا: كثرة صلاتهم وصحة عبوديتهم لله</span>\nقال تعالى في وصف كثرة صلاتهم: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ)، (الفتح: ٢٩)\nوقوله سبحانه: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) أي: وصْفُهم كَثرةُ الصَّلاةِ التي أجَلُّ أركانِها الركوعُ والسُّجودُ.\nيَبْتَغُونَ بتلك العبادةِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا أي: هذا مقصودُهم بلوغُ رِضا رَبِّهم، والوُصولُ إلى ثوابِه.\nوقوله: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) أي: قد أثَّرَت العبادةُ - من كَثرتِها\n_________\n(^١) - تفسير ابن كثير: (٣/ ١٤٢). تفسير القرآن العظيم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) المحقق: محمد حسين شمس الدين الناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٩ هـ.\n(^٢) - رواه الطبري بسنده في تفسيره (٧/ ١٠٢) (٧٦١٢).","vol":"1","page":44},{"text":"وحُسْنِها- في وجوهِهم، حتى استنارت، لَمَّا استنارت بالصَّلاةِ بواطِنُهم استنارت بالجَلالِ ظواهِرُهم. (^١)\nوقد تعاملوا مع الله بكل صدق وإيمان وصلاح للنية وإصلاح للطوية، وقد جعلوا حياتهم كله لله ولإعلاء كلمته ونصرة دينه، وقد تمثل ذلك في كلّ حركاتهم، وسَكَناتهم، حتى أضحت العبادة ملئ قلوبهم، وتحقيق كمال العبوديّة لله تعالى بإخلاص واتباع- أسمى أمانيهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>رابعًا: سبقهم للإيمان وصحبة النبيِّ العدنان ﷺ:</span>\nقال تعالى: (وَالسّابِقونَ الأَوَّلونَ مِنَ المُهاجِرينَ وَالأَنصارِ وَالَّذينَ اتَّبَعوهُم بِإِحسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم وَرَضوا عَنهُ)، (التوبة: ١٠٠).\n(وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ). أي: وأصحابُ محمَّدٍ ﷺ الذين سَبَقوا المُسلِمينَ أوَّلًا إلى الإيمانِ، مِن الذين تركوا قومَهم، وفارَقُوا أوطانَهم، ومِن أهلِ المدينةِ الذين نَصَروا الرَّسولَ على الكافرينَ، وآوَوْا أصحابَه المهاجِرينَ. (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-99>خامسًا: هجرتهم في سبيل الله</span>\nقال تعالى في حق المهاجرين والأنصار: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (الأنفال: ٧٢).\nأي: إنَّ المُهاجرينَ الذينَ آمَنوا بكُلِّ ما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وهجَروا قَومَهم،\n_________\n(^١) - تفسير ابن سعدي: (ص: ٧٩٥).\n(^٢) يُنظر: تفسير ابن جرير: (١١/ ٦٣٧)، تفسير البغوي: (٢/ ٣٨٢)، تفسير ابن سعدي: (ص: ٣٥٠)، تفسير ابن عاشور: (١١/ ١٧).","vol":"1","page":45},{"text":"وتَرَكوا دُورَهم، وخَرَجوا من أوطانِهم، وأنفَقوا أموالَهم؛ لِنُصرة دينِ اللهِ، وبالَغُوا في إتعابِ أنفُسِهم وبَذلِها في حَربِ الكافرينِ؛ لإعلاءِ كَلِمةِ الله تعالى. (^١)\nوقال فيهم - سبحانه - أيضًا-: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال: ٧٤).\nأي: والمؤمِنونَ المُهاجِرونَ الذين قاتَلوا الكُفَّارَ؛ لإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ، والأنصارُ الذين ضمُّوا مَن هاجَرَ إليهم، ونَصَرُوهم، ونَصَروا دينَ اللهِ- أولئك هم الكامِلونَ في\nالإيمانِ، الذين حقَّقوا إيمانَهم بفِعلِ ما يقتضيه مِن الهِجرةِ، والنُّصرةِ، والجهادِ في سَبيلِ اللهِ. (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-100>سادسًا: جهادهم في سبيل الله</span>\nقال تعالى في وصف جهادهم: (لكِنِ الرَّسولُ وَالَّذينَ آمَنوا مَعَهُ جاهَدوا بِأَموالِهِم وَأَنفُسِهِم وَأُولئِكَ لَهُمُ الخَيراتُ وَأُولئِكَ هُمُ المُفلِحونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم جَنّاتٍ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها ذلِكَ الفَوزُ العَظيمُ) (التوبة: ٨٨ - ٨٩).\nفالصحابة ﵃- بذلوا الغالي والنفيس في سبيل الله، فقدموا أموالهم وأرواحهم رخيصة أمام نصرة دين الله وإعلاء كلمته في الأرض.\nوإن خير شاهد لجهادهم وتضحيتهم بالنفس والمال في سبيل الله تعالى غزواتهم التي شاهدوهم مع النبي صلى الله عليهم وسلم، وكذلك إنفاقهم لأموالهم في الإعداد للجهاد، واستمر ذلك البذل وتلك التضحيات في عهد الخلفاء الراشدين- كذلك -\nولقد علمنا أن فتوحاتهم الأمصار الواسعة العظيمة المترامية الأطراف كان على أيديهم - ﵃ أجمعين.\n_________\n(^١) يُنظر: تفسير الطبري: (١١/ ٢٨٩)، البسيط، للواحدي: (١٠/ ٢٦٤)، تفسير ابن عطية، (٢/ ٥٥٥)، تفسير ابن كثير: (٤/ ٩٥)، تفسير السعدي: (ص: ٣٢٧)، العذب النمير، للشنقيطي: (٥/ ٢٠٣).\n(^٢) - يُنظر: تفسير الطبري: (١١/ ٢٩٩)، تفسير البغوي: (٢/ ٣١٣)، زاد المسير، لابن الجوزي (٢/ ٢٢٨)، تفسير الشوكاني: (٢/ ٣٧٦)، تفسير السعدي: (ص: ٣٢٨)، العذب النمير، للشنقيطي: (٥/ ٢٢٤).","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>سابعًا: صدق إيمانهم بالله</span>\nقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>عن عبد الله بن عمر -﵄</span>-:\nفي قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (مع محمد ﷺ وأصحابه. وقال الضحاك: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-103>ثامنًا: تحليهم بالإيثار مع خصاصتهم</span>\nلمَّا كان الإيثَار مِن محاسن الشيم وكريم الأخلاق ونبل الطباع وكريم السجايا التي حث عليه ديننا الحنيف وشرعنا المنيف، وكان من المراتب العالية التي لا ينالها إلا الراغبين فيما عند الله تعالى، كان أحق الناس بالاتصاف به من تأسوا بخير الخلق وأعظمهم خلقًاﷺ-، لذا فقد أثنى الله في محكم آياته على إيثارهم، وامتدح فعالهم، ووصفهم بالفلاح.\nكما قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-104>قال الطَّبري -﵀</span>-:\nيقول تعالى ذكره: وهو يصفُ الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ) مِن قبل المهاجرين، (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ (يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثَارًا لهم بِها على أنفسهم (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثَرُوا به مِن أموالهم على أنفسهم. (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-105>وقال ابن كثير -﵀</span>-:\n_________\n(^١) - تفسير ابن كثير: (٤/ ٢٣١).\n(^٢) - تفسير الطبري: (٢٢/ ٥٢٧).","vol":"1","page":47},{"text":"أي: يقدِّمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالنَّاس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-106>ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀</span>-:\nوأمَّا الإيثَار مع الخصاصة فهو أكمل مِن مجرَّد التَّصدق مع المحبَّة، فإنَّه ليس كلُّ متصدِّق محبًّا مؤثرًا، ولا كلُّ متصدِّق يكون به خصاصة، بل قد يتصدَّق بما يحبُّ مع اكتفائه ببعضه مع محبَّة لا تبلغ به الخصاصة. (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-107>تاسعًا: انتسابهم للأمة الوسط الشاهدة على الأمم</span>\nقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: ١٤٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-108>قال الطبري -﵀</span>-:\nفمعنى ذلك: وكذلك (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) عدولًا شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ويكون رسولي محمد ﷺ شهيدًا عليكم بإيمانكم به، وبما جاءكم به من عندي. (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-109>وقال ابن كثير -﵀</span>-:\n(لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) قال: لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم، لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. (^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-110>قال الكلبي -﵀</span>-:\n_________\n(^١) - تفسير ابن كثير: (٨/ ٧٠).\n(^٢) - منهاج السنة النبوية، لشيخ الإسلام ابن تيمية: (٧/ ١٢٩). منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: محمد رشاد سالم الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م عدد المجلدات: ٩.\n(^٣) - تفسير الطبري: (٢/ ٨).\n(^٤) -تفسير ابن كثير: (١/ ١٨١).","vol":"1","page":48},{"text":"(وَسَطًا): يعني: أهل دين وسط، بين الغلو والتقصير، لأنهما مذمومان في الدين. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-111>عاشرًا: عموم فضائل الصحابة</span>\nالصحابة﵃- لهم السبق في كل خير وفضل وبر، فلقد تحلوا بأمهات الفضائل من صدق الإيمان بالله وصحة العلم وسلامة العمل والدعوة إلى الله ونشر الإسلام والنصح لعباد الله والهجرة والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، والقيام بواجبات الدين كلها ونشروا كل هذه الفضائل بين هذه الأمة، ولذا لن تجتمع أمهات الفضائل ومحاسن هذه الدين في أي جيل مثلما اجتمعت واكتملت لهم - رضوان الله عليهم أجمعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>قال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) -﵁</span>-:\nالصحابة أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، اختارهم الله لصحبة نبيه -ﷺ- وإقامة دينه،. (^٢). فحبهم سنة والدعاء لهم قربة والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة. (^٣)\nلذا فقد امتاز جيلهم بالفهم الصحيح للإسلام وبكمال العلم والعمل بأركانها ومبادئه وأوامره وأخلاقه، مقرونًا بصحة المعتقد وكمال الإيمان، مصوبًا بحسن التأسي بنبيهم ﷺ، ويعود ذلك أولًا لمحض فضل الله عليهم، وذلك باصطفائه سبحانه- لهم واختيارهم لصحبة نبيه - ﷺ- ليكون في طليعة الرعيل الأول من خير قرون هذه الأمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-113>المطلب الثاني: عبودية حواريي الأنبياء وأصحابهم</span>\nثم تليهم في رتبة العبودية لرب البرية، رتبة حواريي الأنبياء وأصحابهم وعموم أتباع الرسل كمريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم زوج فرعون، وكالذين ورد ذكر\n_________\n(^١) - حكاه البغوي في تفسيره: (١/ ١٢٢)\n(^٢) تفسير القرطبي: (١/ ٦٠)، وروى نحوه أبو نعيم في الحلية: (١/ ٣٠٥) من قول ابن عمر ﵄.\n(^٣) - السنّة للإمام أحمد -﵀- (٧٧/ ٧٨).","vol":"1","page":49},{"text":"طرف من أخبارهم في القرآن، كمؤمن آل فرعون، ومؤمن آل ياسين، وكذلك سحرة فرعون الذين آمنوا بموسى ﵇ واتبعوه، وكذلك أصحاب الكهف، وغلام الأخدود والذين آمنوا معه، وغيرهم كثير كعلماء كل أمة لأنهم ورثة الأنبياء.\nثم تليهم رتبةَ، رتبةُ المنعمِ عليهم المذكور شأنُهم في سورة النساء بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أجمعين في قوله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء: ٦٩)، وإن كان من سبق ذكرهم يدخل في جملة تعداد المنعم عليهم، وهذا محض فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ثم يليهم رتبة في العبودية، رتبة عموم الخلق كل بحسب تحقيق عبوديته لخالقه ظاهرًا وباطنًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>المطلب الثالث: عبودية عموم الخلق</span>\nوإن الكلام على عبودية عموم الخلق قد سبق بحثه وهنا نشير إليه - مقتضبًا- فحسب.\nوقد قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذريات: ٥٦)، وهذا يشمل جميع المكلفين من عموم الثقلين\nكما أنه قد مر معنا في طيات البحث أن عموم الخلق يشملهم وصف العبودية، فمنهم منهم من أقبل على عبودية الله طائعًا مختارًا، ومنهم من شرد عن عبودية الاختيار فقهره الله بعبودية القهر والغلبة التي لا تنفك عن أهل الجحود والنكران، كما أن عبودية الطاعة والاختيار تميز به عباد الله الأبرار.\n\n<span data-type='title' id=toc-115>أما أهل عبودية الاختيار:</span> فاندرجوا بتلك العبودية تحت عبودية توحيد الألوهية، فألَّهوا ربهم وعبدوه وعظموه وعبدوه خوفًا وطمعًا، ورغبًا ورهبًا.\n<span data-type='title' id=toc-116>وأما أهل عبودية الغلبة والقهر:</span> فإنهم خرجوا عن مسمى الألوهية فَغُلِبوا وقُصِرُوا قَهرًا تحت مسمى الربوبية.\nمن هنا يتجلى الأمر ويتضح أن الخلق جميعًا شاء أم أَبَوا كلهم عبيد لله، فإن أقبلوا على ربهم طائعين مختارين فقد حازوا شرف السبق واندرجوا تحت عبودية التكريم والتشريف، وإن انتكبوا الصراط وامتنعوا عن قبول كرامة الله والدخول تحت مسمى تلك العبودية فإن الله قد قهرهم وغلبهم على أمرهم وقصرهم على عبودية القهرة والغلبة ذليلين صاغرين لأنه- سبحانه- هو خالقهم ورازقهم ومحيهم ومميتهم وباعثهم ومحاسبهم ومجازيهم على أعمالهم، فليس لهم من مهرب ولا مفر ولا محيص عن تلك العبودية ولا انفكاك لهم عنها بحال من الأحوال.","vol":"1","page":50},{"text":"الفصل الثالث\nعبودية الملائكةِ والجنِّ\nوفيه مبحثان\n\n<span data-type='title' id=toc-118>المبحث الأول: عبودية الملائكةِ</span>\nوفيه ستة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-119>المطلب الأول: التعريف بالملائكة</span>\nعالم الملائكة عالم كريم، وهو غير عالم الإنس وغير عالم الجن، وهو عالم كله طهر وصفاء ونقاء، لأنهم لم تغرس فيهم الشهوة الحيوانية ولم تركب فيهم المعصية الآدمية، وهم كرام على ربهم، وهم يعبدون الله كما أمرهم وجبلهم، وهم كما وصفهم الله: (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: ٦).","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>أ- الملائكة لغة:</span>\n\"والملك أصله: أَلكَ، والمألكة، والمألكُ: الرسالة. ومنه اشتق الملائك؛ لأنهم رسل الله.\nوقيل: اشتق من (لَ أك) والملأكة: الرسالة، وألكني إلى فلان؛ أي: بلغه عني، والملأك: الملك؛ لأنه يبلغ عن الله تعالى.\nوقيل: الملك من الملك. قال: والمتولي من الملائكة شيئًا من السياسات يقال له مَلَك، ومن البشر مَلِك. \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-121>ب- الملائكة اصطلاحًا:</span>\n\"خلق من خلق الله تعالى، خلقهم الله ﷿ من نور، مربوبون مسخرون، عباد مكرمون، (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: ٦)، لا يوصوفون بالذكورة ولا بالأنوثة، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملون ولا يتعبون ولا يتناكحون ولا يعلم عددهم إلا الله. \" (^٢)\nوقد نقل السيوطي عن الفخر الرازي: \"أن العلماء اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون\". (^٣)\nوعلاقتهم بالله ﷾، هي علاقة عبودية وخضوع وذل وطاعة مطلقة غير مشوبة بمعصية أبدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-122>المطلب الثاني: حكم الإيمان بالملائكة</span>\nوالإيمان بالملائكة هو أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بها.\n_________\n(^١) يُنظر: بصائر ذوي التمييز، للفيروز آبادي: (٤/ ٥٢٤ (. بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز المؤلف: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروز آبادى (المتوفى: ٨١٧ هـ) المحقق: محمد علي النجار الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة عدد الأجزاء: ٦.\n(^٢) - لوامع الأنوار البهية: (١/ ٤٤٧)، أعلام السنة المنشورة: (ص: ٧٨)، الإيمان-محمد نعيم ياسين: (ص: ٣٢)، علام الملائكة الأبرار-عمر سليمان الأشقر: (ص: ١٣).\n(^٣) الحبائك في أخبار الملائك: (ص: ٢٦٤).","vol":"1","page":52},{"text":"فيؤمن العبد بوجودهم، ويعتقد ذلك اعتقاد جازمًا وأنهم قد خُلِقوا من نور، وأنهم قائمون بمهامهم التي أمرهم ربهم وتعبدهم بها، ويؤمن بما ثبت لهم من صفات وخصال وأعمال في الكتاب والسنة كذلك، بغير زيادة ولا نقصان ولا تحريف ولا تبديل، والعبد غير مكلف بالتنقيب والبحث عما لم يؤمر به ولم يُحِط به علمًا عن عالم غيبي أُمِرَ بالإيمان به جملة، وأمر بالإيمان بهم وبأسمائهم وبوصفهم وأعمالهم وبكل ما ورد عنهم عن طريق الوحي المبين تفصيلًا-وكفى- فلا دخل للعبد فيما استأثر الله سبحانه بعلمه عنهم ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه.\nقال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) (البقرة: ٢٨٥).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ) (^١)\nوفي حديث جبريل المشهور عند مسلم: قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)، قَالَ: صَدَقْتَ. الحديث. (^٢)\nومن لم يؤمن بوجودهم ولم يقر ويعترف بهم فهو كافر بالله تعالى بإجماع المسلمين، كما قال سبحانه في محكم كتابه: (وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء: ١٣٦)\nوقال سبحانه - أيضًا -: (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ) (البقرة: ٩٨)\n\n<span data-type='title' id=toc-123>المطلب الثالث: مكانتهم وخلقتهم</span>\nوهم ليسوا على مقدار واحد في المقام والمكانة والشرف والقدر عند ربهم كما قال تعالى عنهم: (وما منَّا إلاَّ له مقامٌ معلومٌ) (الصافات: ١٦٤)\n_________\n(^١) رواه البخاري: (٤٧٧٧) ومسلم): ٩)\n(^٢) - رواه مسلم (٨).","vol":"1","page":53},{"text":"وسيأتي معنا بيان ذلك بإذن الله.\nوهم متفاوتون كذلك في الخلقة أيضًا، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة كما قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فاطر: ١).\nومنهم من هو فوق ذلك كما ثبت أن لجبريل ستمائة جناح كما سيأتي بإذن الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-124>المطلب الرابع: أعداد الملائكة</span>\nوأعدادهم لا يحصيها خلق أبدًا، فهم جم غفير لا يحصيهم إلا خالقهم كما قال ﷾: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) (المدثر: ٣١)،\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) (^١).\nفيكون بذلك مجموع من يجرون جهنم من الملائكة يوم القيامة هو حاصل ضرب سبعين ألف في سبعين ألف، أي: أربعة مليارات وتسعمائة مليون ملك من الملائكة الكرام.\nويكفي في ذلك دخول سبعين ألف ملك للبيت المعمور كل يوم يصلون فيه ولا يعودون كما سيأتي بيان ذلك في موضعه بإذن الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-125>المطلب الخامس: مهام ووظائف الملائكة</span>\nوالملائكة مع كمال عبوديتهم لله، فإنهم مكلفون أيضًا بتدبير شؤون الخلق بأمر من الله تعالى وتنفيذ ما قدره الله تعالى بعدله وحكمته وإرادته جل في علاه.\nومن أعمالهم أيضًا الدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم وإعانتهم على طاعة الله وحثهم على الخير ودفع الأذى والشر عنهم ونصرتهم وتأييدهم وتثبيتهم.\nوقد ورد في الكتاب والسنة الكثير من أعمالهم ومهامهم التي وكلها الله إليهم.\nومن التكاليف والمهام الأعمال التي تقوم بها الملائكة ما يختص بعالم الغيب، مما أخبرنا الله عنه ومن ذلك:\n_________\n(^١) - صحيح مسلم-كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين: (٢٨٤٢). سنن الترمذي - صفة جهنم: (٢٥٧٣).","vol":"1","page":54},{"text":"١ -<span data-type='title' id=toc-126> حملة العرش ومن حوله ولهم مهام عظيمة:</span>\nقال تعالى مبينًا مهمتهم: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) (الحاقة: ١٧).\nوقال تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) (غافر: ٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-127>ومما ورد في عِظَمِ خلقتهم:</span>\nما ثبت عند أبي داود وصححه الألباني - ﵀ - من حديث جابر بن عبد الله - ﵄- أن رسول الله ﷺ قال: \"أُذن لي أن أُحدِّث عن ملك من ملائكة الله، من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام. \" (^١)\nومما ورد في عظم خلقتهم أيضًا وعبوديتهم لله تعالى ما ثبت عند الطبراني في معجمه الأوسط وصححه الألباني - ﵀ - في صحيح الجامع الصغير من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ-: \"أذن لي أن أحدث عن ملك من\nحملة العرش، رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت\". (^٢).\n\n٢ -<span data-type='title' id=toc-128> ومنهم جبريل -﵇</span>-:\nوهو من أشرف الملائكة الكرام، ذلك لأنه وُكِلَ بأشرف المهام وأعظمها وأجلها، ألا وهي النزول بالوحي من عند الله على رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام أجمعين، والوحي به حياة القلوب.\nكما قال ربنا: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥). والروح الأمين هو جبريل ﵇.\nوهو كذلك من أقرب المقربين من رب العزة جل في علاه: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (التكوير: ١٩ - ٢١).\nوهو مع وصفه بالأمين فهو القوي كذلك كما وصفه الله بقوله سبحانه: (عَلّمَهُ شديدُ القُوَىَ ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوَى) (النجم: ٦ - ٧).\n_________\n(^١) - صحيح سنن أبي داوود للألباني: (٣/ ٨٩٥). ورقمه: (٩٣٥٣).\n(^٢) صحيح الجامع الصغير. الطبعة الثالثة: (١/ ٢٠٨). ورقمه: (٨٥٣).","vol":"1","page":55},{"text":"ولقد رأى النبيُ ﷺ جبريلَ على صورته الحقيقية التي خلقه الله تعالى عليها مرتين، أما الرؤية الأولى: فقد وقعت في الأرض في بداية نزول الوحي، وتتابع الوحي بعدها فنزلت بعدها سورة المدثر.\nويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ - أي انقطاع - الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: (فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - إلى - والرجز فَاهْجُر) (^١).\nوهذه الرؤية هي التي ذكرها الله ﷾ بقوله: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ) (التكوير: ٢٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-129>قال ابن كثير -﵀</span>-:\n\"يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريلَ الذي يأتيه بالرسالة عن الله ﷿ على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، (بِالأفُقِ الْمُبِينِ) أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء (موضع بمكة)، وهي المذكورة في قوله: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إَلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) (النجم: ٥ - ١٠)، كما تقدم تفسيرُ ذلك وتقريره، والدليلُ أن المرادَ بذلك جبريل ﵇. والظاهر-والله أعلم -أن هذه السورة - يعني سورة التكوير -نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية، وهي الأولى.\nوأما الثانية: وهي المذكورة في قوله: (وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) (النجم: ١٣ - ١٦)، فتلك إنما ذكرت في سورة \" النجم \"، وقد نزلت بعد سورة الإسراء \" انتهى. (^٢)\nقال ابن مسعود ﵁ في تفسير هذه الآية: \"رأى جبريلَ له ستمائة جناح\". (^٣)\nوهذا ما قرره العلماء.\n_________\n(^١) - رواه البخاري: (٤٦٤١) ومسلم: (١٦١٦).\n(^٢) -تفسر ابن كثير: (٨/ ٣٣٩).\n(^٣) رواه البخاري: (٣٢٣٢)، ومسلم: (١٧٤).","vol":"1","page":56},{"text":"و\"الذي تقرره الأدلة الصريحة أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ على صورته التي خلقه الله عليها مرتين اثنتين فقط، وقد عد السيوطي ﵀ هذا الأمر من خصائص النبي ﷺ\". (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-130>قال النووي -﵀</span>-:\n\"وهكذا قاله أيضا أكثر العلماء، قال الواحدي: قال أكثر العلماء: المراد رأى جبريل في صورته التي خلقه الله تعالى عليها\" انتهى. (^٢).\n\n٣ -<span data-type='title' id=toc-131> ومنهم ميكائيل -﵇</span>-:\nميكائيل: وهو الملك الموكل بالقطر وإنزال الأمطار التي بها خِصْبُ الأرض وحياتها وبها ينبت النبات وتحيا المخلوقات، إنسها وبهيمها.\nوقد وكل الله لميكائيل أعوانًا من الملائكة يقومون بتصريف الرياح وتوجيه السحب وصرفها حيث يشاء الله تعالى. وهو ثاني ملك بعد جبريل جرى في الفضل والمكانة، ولذا نُصَ على اسمه صراحة في كتاب الله تعالى؛ (هو وجبريل) ﵉.\nوهو في تعداد أشراف الملائكة المقربين، وقد تعددت رؤيةُ رسولِ الله ﷺ لميكائيلَ.\nوذلك لما ثبت من حديث ابن عمر ﵄ قال: \"قال رسول الله ﷺ لجبريل ﵇: ما لي لم أر ميكائيل ضاحكًا قط؟ قال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار \". (^٣)\n_________\n(^١) - الخصائص الكبرى: (١/ ١٩٧).\n(^٢) - شرح النووي على مسلم: (٣/ ٧).\n(^٣) -\"ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار. \" ضعيف: (٤٤٥٤)، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة.\nوالحديث: أخرجه أحمد (٣/ ٢٢٤) عن إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية الأنصاري: أنه سمع حميد بن عبيد مولى بني المعلى يقول: سمعت ثابتًا البناني يحدث عن أنس بن مالك عن رسول الله - ﷺأنه قال لجبريل ﵇:\n\"ما لي لم أر ميكائيل ضاحكًا قط؟ \" قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان: الأولى: جهالة حميد هذا؛ قال في \"التعجيل: \"لا يدري من هو؟ \".\nوالأخرى: إسماعيل بن عياش؛ في روايته عن المدنيين ضعف، وهذا منها.\nثم وجد له الشيخ -﵀طريقا أخرى وشاهدًا، فخرجه في \" الصحيحة\nبرقم: (٢٥١١ (من حديث ابن عمر ﵄، \" السلسلة الصحيحة \" (٦/ ٧٣٩).","vol":"1","page":57},{"text":"٤ -<span data-type='title' id=toc-132> ومنهم إسرافيل -﵇</span>-:\nوإسرافيل ﵇ هو: الملك الموكل بالنفخ في الصُّوُرِ، والصور هو (القَرْن)، وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو - ﵄عند أبي داوود والترمذي وأحمد وصححه الألباني، قال: سُئِل النبي ﷺ عن الصُّور؟ فقال: (قرنٌ ينفخ فيه). (^١)\nوهو في تعداد أشراف الملائكة المقربين، ولم يرد اسمه بنصٍ صريح في القرآن الكريم بل ورد اسمه على لسان المعصوم ﷺ.\nأما حجم خلق إسرافيل ﵇ وعدد أجنحته فلا يعلم الباحثُ نصًا صحيحًا صريحًا في هذا الصدد ولكن عندما يُتصورُ حجمُ الصُّورِ (البوق)، يُعلم تخيل حجمه ﵇ وعظيم خلقته، وهذه أمور كلها غيبية لا دخل في تصور العقل لها وما يملك المؤمن إلا الإيمان بها كسائر المغيبات.\nوإسرافيل ﵇ لشرفه ومكانته عند ربه قد شهد بدرًا مع جبريل وميكائيل\nعن على بن أبي طالب - ﵁ - قال: قال لي النبيُّ - ﷺ - ولأبي بكرٍ يومَ بدرٍ: \"مع أحدِكُما جبريلُ، ومع الآخر ميكائيلُ؛ وإسرافيلُ ملكٌ عظيمٌ يشهدُ القتال، أو قال: يشهدُ الصفَّ. \" (قاله لعليٍّ ولأبي بكر). \" (^٢).\n_________\n(^١) أبو داود (٤٧٤٢) كتاب السنة، والترمذي (٢٤٣٠) كتاب صفة القيامة، وقال: هذا حديث حسن، وأحمد (٦٨٠٥) وزاد أن أعرابيًّا سأل النبي - ﷺ، والدارمي (٢٧٩٨) كتاب الرقاق، واللفظ له، وصححه الألباني في الصحيحة: (٣/ ١٥٤).\n(^٢) -أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢/ ١٦/ ١٢٠٠٢)، وأحمد (١/ ١٤٧)، وابن سعد في \"الطبقات \" (٣/ ١٧٥ - ١٧٦)، والبزار (٢/ ١٤/ ١٧٦٥)، وأبو يعلى (١/ ٢٨٣ - ٢٨٣)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢/ ٥٧٤ - ٥٧٥)، والحاكم (٣/ ٦٨) من طريق مِسعَر عن أبي عون الثقفي عن أبي صالح الحنفي عن علي قال: قال لي النبي -ﷺولأبي بكر﵁يوم بدر: فذكره. وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\". ووافقه الذهبي، وأقره الحافظ في \"الفتح \" (٧/ ٣١٣). وقال البزار: \"لا نعلمه يروى عن النبي ﷺإلا بهذا الإسناد\".\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (٦/ ٨٥) رجاله رجال الصحيح، وقال أحمد شاكر في مسند أحمد: (٢/ ٣٠٨) إسناده صحيح، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة-المجلد السابع: (٧: ٧٢٥) برقم: (٣٢٤١).","vol":"1","page":58},{"text":"وأشراف الملائكة هم من شهدوا غزوة بدر، ففي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري الخزرجي (^١): أن جبريل جاء للنبي ﷺ فقال: \"ما\nتعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة\". (^٢).\nوقد بلغ من ذله وعبوديته لربه وتعظيمه لأمره أنه منذ أن وِكِلَت إليه هذه المهمة العظيمة الجليلة لم يفتأ ينظر إلى عرش ربه ينتظر متى يؤمر بالنفخ في الصور حال صدور أمر ربه جل في علاه، فقد ثبت عند الحاكم وصححه الألباني رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله -ﷺ -:\n\"إن طَرْفَ صاحبِ الصُّور مُذْ وكِّل به مستعدٌّ ينظرُ نحو العرش مخافةَ أن يُؤمَر قبل أن يرتدَّ إليه طَرْفُه، كأن عينيه كوكبانِ دُرِّيَّانِ. \" (^٣)\nوقد وقع خلاف بين العلماء في النفخ في الصور، هل هو نفختان، أم ثلاث نفخات؟ والراجح أنهما نفختان اثنتان، أما النفخة الأولى فهي نفخة (الصَعْق) وأما النفخة الثانية فهي نفخة (البعث).\n_________\n(^١) - رفاعة بن رافع بن مالك (المتوفي سنة ٤١ هـ)، صحابي من بني زريق من الخزرج، شهد بيعة العقبة الثانية، والمشاهد كلها مع النبي محمد. كما شهد وقعتي الجمل وصفين مع علي بن أبي طالب، وتوفي في أول خلافة معاوية بن أبي سفيان. وانظر: الإصابة في تمييز الصحابة -رفاعة بن رافع، عن موقع الموسوعة الحرة: (ويكيبيديا).\n(^٢) - رواه البخاري: (٧/ ٣١٢) ورقمه: (٣٩٩٢).\n(^٣) أخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٣)، وصححه، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في الفتح (١١/ ٣٦٨): سنده حسن، وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٧٨).","vol":"1","page":59},{"text":"كما دل على ذلك قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) (الزمر: ٦٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-133>ويقول الإمام ابن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) -﵀</span>-:\n\" الصور قرن عظيم، ينفخ فيه إسرافيل النفخة الأولى للموت والفزع، والنفخة الثانية للبعث والنشور. هاتان النفختان جاء بهما القرآن الكريم. إحداهما يقال لها: نفخة الصعق، ويقال لها: نفخة الفزع، وبها يموت الناس، والثانية نفخة البعث، وقال جماعة من العلماء: إنها ثلاث: نفخة الفزع، وقد يفزع الناس فقط، ثم تأتي بعدها نفخة الموت،\nثم نفخة البعث والنشور. والمحفوظ نفختان فقط، كما دل عليهما كتاب الله العظيم \" انتهى. (^١)\n\n٥ -<span data-type='title' id=toc-134> ومنهم ملك الموت -﵇</span>-:\nقال تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (السجدة: ١١)\n\n<span data-type='title' id=toc-135>قال ابن كثير -﵀</span>-:\n\"الظَّاهِر مِنْ هَذِهِ الْآيَة أَنَّ مَلَك الْمَوْت شَخْص مُعَيَّن مِنْ الْمَلَائِكَة كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَر\". (^٢).\nوهو الذي \"يتوفى أرواح جميع الخلائق\" (^٣).\nوملك الموت له أعوان من الملائكة كما قال تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (الأنعام: ٦١).\nومن مشاهد العبودية هنا قوله تعالى: (وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) أي: لا يقصرون في قبض روح أحدكم طاعة لله وإنفاذًا لأمره جل في علاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-136>قال الطبري -﵀</span>-:\n\"إن قال قائل: أو ليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت، فكيف قيل: (توفته رسلنا)، و\"الرسل\" جملة، وهو واحد؟\n_________\n(^١) - فتاوى نور على الدرب: (٤/ ٣٢٧).\n(^٢) تفسير ابن كثير: (٦/ ٣٦٠ - ٣٦١).\n(^٣) - القرطبي: (١٤/ ٨٧).","vol":"1","page":60},{"text":"قيل: جائز أن يكون الله تعالى ذكره أعان ملك الموت بأعوان من عنده، فيتولون ذلك بأمر ملك الموت فيكون\" التوفي \" مضافًا إلى ملك الموت، كما يضاف قتلُ من قتله أعوانُ السلطان، وجلدُ من جلدوه بأمر السلطان، إلى السلطان، وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه، ولا وليه بيده \". (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-137>وقال القرطبي -﵀</span>-:\n\"والتوفي تارة يُضاف إلى ملك الموت، كما قال: (قل يتوفاكم ملك الموت)\nوتارة إلى الملائكة لأنهم يتولون ذلك، كما في قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) وتارة إلى الله وهو المتوفي على الحقيقة، كما قال: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) \". (^٢)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) (النساء: ٩٧).\nوقال تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) (النحل: ٢٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-138>قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) -﵀</span>-:\n\"فتحصل أن إسناد التوفي إلى ملك الموت في قوله تعالى: \" قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ \" (السجدة: ١١)، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح. وأن إسناده للملائكة في قوله: \" فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ \" (محمد: ٢٧)، ونحوها من الآيات لأن لملك الموت أعوانا يعملون بأمره.\nوأن إسناده إلى الله في قوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) (الزمر: ٤٢)، لأن كل شيء كائنا ما كان لا يكون إلا بقضاء الله وقدره والعلم عند الله\". (^٣)\nولم يثبت في ذلك حديث صحيح تسميته ملك الموت ﵇ بـ \"عزرائيل\" كما هو مشهور عند الكثير من عموم الخلق قديمًا وحديثًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>قال ابن كثير -﵀</span>-:\n\"وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل\". (^٤).\n_________\n(^١) -تفسير الطبري: (١١/ ٤١٠).\n(^٢) تفسير القرطبي: (٧/ ٧.).\n(^٣) أضواء البيان للشنقيطي: (٦/ ٥٠٤).\n(^٤) البداية والنهاية لابن كثير: (١/ ٤٢). البداية والنهاية المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) الناشر: دار الفكر عام النشر: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م عدد الأجزاء: ١٥.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-140>وقال المناوي -﵀</span>-:\nبعد أن ذكر أن ملك الموت اشتهر أن اسمه عزرائيل، قال: \"ولم أقف على تسميته بذلك في الخبر\". (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-141>وقال الشيخ بكر أبو زيد -﵀</span>-:\n\"عزرائيل: خلاصة كلام أهل العلم في هذا: أنه لا يصح في تسمية ملك الموت بعزرائيل -ولا غيره- حديث، والله أعلم. \" (^٢)\nوالمشهور عند أهل التحقيق أن شيوع هذا الاسم من الإسرائيليات، والآثار الواردة في هذا الصدد لم يقف الباحث لها على شيء ثابت يصلح الاحتجاج به.\n\n٦ -<span data-type='title' id=toc-142> ومنهم عموم الملائكة:</span>\nومن الملائكة الكرام أيضًا رضوان خازن الجنة وأعونه، ومالك خازن النار وأعوانه، وزبانية جهنم وهم تسعة عشر ملكًا، وهناك الحفظة، والكرام الكاتبون، ومنهم الموكلون بسؤال القبر وفتنته، وهما منكر ونكير، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم القرين الذي يحث المؤمن على الخير ويدعوه إليه ويؤزه عليه أزًا، ومنهم من يشهدون جنائز المتقين من عباد الله كما شيع سبعون ألف ملك جنازة سعد بن معاذ ﵁، ومنهم ملائكة سيارة يلتمسون حلق الذِّكر ومجالس العلم، ومنهم من يتعاقبون على العباد في أوقات الصلوات وغيرها، ومنهم من يكتب أسماء المصلين يوم الجمعة في المساجد، ومنهم من لهم أعمال غير ذلك، وغيرهم كثير مما لا يحصيهم غير خالقهم ﷾.\n_________\n(^١) - فيض القدير: (٣/ ٣٢). فيض القدير شرح الجامع الصغير المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: ١٠٣١ هـ) الناشر: المكتبة التجارية الكبرى - مصر الطبعة: الأولى، ١٣٥٦ عدد الأجزاء: ٦.\n(^٢) معجم المناهي اللفظية: (ص: ٣٩٠).","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>المطلب السادس: عبادة الملائكة</span>\nوبعد هذا البيان الوارد في شأن الملائكة الكرام من وصفٍ لخلقتهم ومكانتهم وشرفهم وقدرهم عن ربهم وما وِكِلَ إليهم من مهام عظام وأعمال كبيرة جسام، فهم مع ذلك كله مربوبون مسخرون لخالقهم مطيعون غير خارجين عن أمره وعن طاعته وعبادته، فهم مفطورون على العبادة، ومجبولون عليها، والعبودية وصفٌ لازم لهم، وهم من أشرف الخلق وأكرمهم على ربهم ﷾، وقد وُصِفُوا في كتاب الله بأشرف وصف كما قال سبحانه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (الأنبياء: ٢٦ - ٢٧).\nوقال الله تعالى في وصف طاعتهم المطلقة له سبحانه بأنهم: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). (االتحريم: ٦).\nوقال في وصف عبادتهم وذكرهم له سبحانه: (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبّحُونَ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) (الأنبياء: ١٩، ٢٠).\nوقال سبحانه: (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) (الشورى: ٥).\nووُصِفُوا بأنهم يخافونه سبحانه من فوقهم؛ كما قال ربنا: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [النحل: ٥٠]، وَوُصِفَت خشيتُهم له سبحانه في قوله تعالى: (وَهُمْ مشْفِقُونَ) (الأنبياء: ٢٨) ووُصِفَ ذُلُهم وخُضُوعُهم وصنوفُ عباداتهم لله في قوله سبحانه:\n(إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف: ٢٠٦]،\nوقد ثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة - ﵁-: أن النبي - ﷺ- قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير) (^١).\nومن مشاهدة عبوديتهم وصلاتهم يوميًا في الملأ الأعلى ودخولهم البيت المعمورة للصلاة فيه ما ثبت في الصحيحين حديث منْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ - ﵄-،\n_________\n(^١) - البخاري): ٤٨٠٠).","vol":"1","page":63},{"text":"في حديث المعراج الطويل أن الملائكة كل يومٍ تدخلُ البيتَ المعمور في السماوات العلا تُصلِّي لله تعالى فيه، وفيه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \" فَرُفِعَ لِي البَيْتُ المَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: هَذَا البَيْتُ المَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ\". (^١)\nومن مشاهدة عبوديتهم كذلك: مَن حاله منهم القيام الدائم لله، ومَن حاله منهم السجود الدائم لله ﵎، يبين ذلك ما ثبت عندي الطبراني في الكبير وصححه الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة من حديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺفِي أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: (تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟) قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: (إِنِّي لَأَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ، وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ، وَمَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ). (^٢)\nوما ثبت كذلك عند الترمذي وحسنه الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع منْ حديث أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ\". (^٣) فسبحان من سجدت له الأملاك كلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-144>المبحث الثاني: عبودية الجنِّ</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٢٠٧) ومسلم (١٦٤).\n(^٢) -رواه الطبراني في الكبير (٣١١٢) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٥٠٦).\n(^٣) - رواه الترمذي (٢٣١٢) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٤٨١) قال ابن الأثير: الأَطِيط صَوْتُ الْأَقْتَابِ. وأَطِيطُ الْإِبِلِ: أصْوَاتُها وحَنِينُها. أَيْ أَنَّ كَثْرَةَ ما فيها من الملائكة قد أثقلها حَتَّى أَطَّتْ. وَهَذَا مَثَلٌ وَإِيذَانٌ بِكَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَم أَطِيطٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كلامُ تَقْرِيبٍ أُرِيدَ بِهِ تَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى. النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٥٤)","vol":"1","page":64},{"text":"الجن عالم مستقل غير عالم الإنس وعالم الملائكة، وبينهم وبين الإنس قدر مشترك عقلًا وإدراكًا وحسًا وتكليفًا وتميزًا بين الحق والباطل وبين الخير والشر، وإن كانوا يخالفون الإنس في بعض الأمور.\nوسموا جنًّا لاجتنانهم، أي: استتارهم عن العيون،\n\n<span data-type='title' id=toc-145>المطلب الأول: التعريف بالجنِّ</span>\n<span data-type='title' id=toc-146>أ- الجن لغة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-147>قال ابن عقيل:</span>\n\" إنما سمّي الجن جنًّا لاجتنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه سمي الجنين جنينًا، وسمّي المجنّ مجنًا لستره للمقاتل في الحرب \" (^١).\n\" وأصل الجن: ستر الشيء، تقول جنه الليل، وجن عليه فجنه ستره، يقول تعالى: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) (الأنعام: ٧٧)، أي ستر عليه وأظلم، والجنان: القلب لكونه مستورًا.\nوالجنين: الولد ما دام في بطن أمه، فهي تفيد معنى الاستتار والاختفاء. \" (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-148>ب- الجن اصطلاحًا:</span>\n\"إن الجن عالم من العوالم الغيبية التي نصدق بوجودها ونؤمن بأن هذا العالم يستحيل علينا تعريفه بعيدًا عن الوحي، وأي محاولة لتعريف هذا العالم خارج دائرة الوحي تعتبر ضربًا من العبث لا دليل تقوم عليه، وقد حاول بعض الباحثين والمفسرين تعريف عالم الجن بالاستعانة بالوحي، منهم:<span data-type='title' id=toc-149> محمد فريد وجدي (ت: ١٣٧٣ هـ) يقول -﵀</span>-:\n\"الجن نوع من الأرواح العاقلة المريدة على نحو ما عليه روح الإنسان ولكنهم مجردون من المادة، ليس لنا علم بهذا النوع من الأرواح إلا ما هدانا إليه القرآن العظيم من أنهم عالم قائم بذاته وأنهم قبائل وأن منهم المسلم ومنهم الكافر\". (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-150>ويقول محمود حجازي (ت: ١٣٩٢ هـ) -﵀</span>-:\n_________\n(^١) آكام المرجان في أحكام الجان: ص ٧.\n(^٢) يُنظر: مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني: ص ٢٠٣ - ٢٠٤، دار القلم بدمشق ١٤١٨ هـ -١٩٩٧ م\n(^٣) - دائرة معارف القرن العشرين: (ج: ٣ ص: ١٨٥) ط: الثانية.","vol":"1","page":65},{"text":"\"الجن عالم غير عالمنا مستتر لا يُرى، الله أعلم بحقيقته ولا نعرف عنه إلا ما أخبرنا به الحق أو رسوله ﷺ في خبره الصحيح فهو مخلوق من نار (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ)، (الحجر: ٢٧).\nوقد يبعَث لهم الرسل كما نص القرآن الكريم: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ)، (الأنعام: ١٣٠). وهم كالبشر سواء بسواء يثاب مؤمنهم ويعاقب كافرهم\". (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-151>ويقول الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ) -﵀</span>-:\n\"واحده جني، كروم ورومي، وهم أجسام عاقلة تغلب عليها النارية كما يشهد له قوله تعالى: (وَخَلَقَ الجَانَ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ) (الرحمن: ١٥).\nوقيل الهوائية- منهم-، قابلة جميعها أو صنف منها للتشكل بالأشكال المختلفة، من شأنها الخفاء وقد ترى بصور غير صورها الأصلية، بل وبصورها الأصلية التي خلقت عليها كالملائكة ﵈، وهذا للأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ومن شاء الله تعالى من خواص عباده ﷿، ولها قوة على الأعمال الشاقة ولا مانع عقلًا أن تكون بعض الأجسام اللطيفة النارية مخالفة لسائر أنواع الجسم اللطيف في الماهية ولها قبول لإفاضة الحياة والقدرة على أفعال عجيبة. \" (^٢)\nوقد خلقهم الله من نار السموم كما قال تعالى: (وَالْجَآنَّ خلقناه من قبل من نّار السَّموم) (الحجر: ٢٧)، (وَالْجَآنَّ) \"هو إبليس خُلِقَ قبل آدم، و(نّار السَّموم) \" الحارة التي تقتل \". (^٣)\nوقال سبحانه في سورة الرحمن: (وخلق الجانَّ من مَّارجٍ من نَّارٍ) (الرحمن: ١٥).\nو\"الجان\" أبو الجن. وقيل: هو إبليس. والمارج: اللهب الصافي الذي لا دخان فيه. وقيل: المختلط بسواد النار، من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط\". (^٤).\n_________\n(^١) - التفسير الواضح: (م: ٣ ج: ٢٩ ص: ١١٠) ط: الرابعة ١٩٦٨ م.\n(^٢) - تفسير الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: (ج: ٢٩ ص: ١٠٢). روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المؤلف: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: ١٢٧٠ هـ) المحقق: علي عبد الباري عطية الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ عدد الأجزاء: ١٦.\n(^٣) الطبري: (١٧/ ١٠٠).\n(^٤) - الكشاف للزمخشري: (٦/ ٨).","vol":"1","page":66},{"text":"و\"الشيطان أصل الجن، كما أنّ آدم أصل الإنس\" (^١).\nومما يدلل على أصل خلقتهم من السنة ما ثبت عند مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"خلقتْ الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم\". (^٢)\nوإذا أردنا الخروج بتعريف جامعٍ مانعٍ فلابد من تتبع واستقراء تام لنصوص الوحيين لمعرفة ماهية عالم الجن وطبائع هذا العالم الغيبي، ومعرفة صفاتهم الخِلقِة والخُلقية، وقدراتهم الخارقة\nلعادات البشر وطبيعة تكوينهم من نار وحقيقة أجسامهم وتشكلهم وما أبيح لهم من طعام وشراب، وتناكحهم وتناسلهم وتكليفهم، وحياتهم وموتهم وحشرهم ونشرهم، وإثابتهم وعقوبتهم، وعلاقتهم بالبشر، الجائز منها والممنوع، والممكن منها والمحال. ونصوص الوحيين ولاسيما السنة فيها تفصل لكثير من الحقائق والأخبار والقصص والوقائع والأحكام المتعلقة بالجن، فلعل الله أن يقيض لها باحثًا لبيبًا يتتبع نصوص الوحيين فيخرج منها ما ذكرنا آنفًا من كل ما يتعلق بالجن فيخرج لنا تعريفًا اصطلاحيًا جامعًا مانعًا شاملًا لكل وصف لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-152>المطلب الثاني: حقيقة وجود الجنِّ وتكليفهم بالعبادة</span>\nولقد دلت نصوص الوحيين على وجودهم حقيقة، وأنهم خُلِقوا لعبادة الله وحده لا شريك له كالإنس تمامًا، وعلى أنهم مكلفون بالإيمان بالله تعالى وبشرائعه، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات: ٥٦).\nوأن النبي ﷺ بُعِثَ إليهم كما بُعِثَ إلى الإنس، قال الله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). (الأنبياء: ١٠٧).\nوقال تعالى: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا). (الأنعام: ١٣٠).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: (٤/ ٢٣٥، ٣٤٦).\n(^٢) صحيح مسلم: (٤/ ٢٢٩٤)، ورقمه: (٢٩٩٦).","vol":"1","page":67},{"text":"\" (ألم يأتكم) أي: في الدنيا، (رسل منكم يقصون عليكم آياتي) أي: بالأمر والنهي (وينذرونكم) يخوفونكم: (لقاء يومكم هذا) وهو يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه أفانين الأهوال) قالوا): يعني الجن والإنس: (شهدنا على أنفسنا) أي: أقررنا بإتيان الرسل وإنذارهم، وبتكذيب دعوتهم. \" (^١) ولا شك أن إقرار المؤمنين منهم هو عين العبودية.\nلأنه إقرار بأن رسل الله قد أبلغت رسالات ربها وأوضحت السبيل وأنذرت، وأما إقرار الكفار- فهو إقرار اعتراف بعد إقامة الحجة عليهم، فهو إقرار عبودية قهر وغلبة -، لا إقرار عبودية انقياد وخضوع وذل وإذعان.\nوأن منهم المؤمن والكافر والبر والفاجر كما قال الله ﷿ عنهم: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) (الجنّ: ١٤ - ١٥).\n\"وَ(الْمُسْلِمُونَ) الذين قد خضعوا لله بالطاعة، وَ(الْقَاسِطُونَ) الجائرون عن الإسلام وقصد السبيل\". (^٢)\nوقد ثبت عند مسلم منْ حديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ \"إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ\". (^٣)\nوهم مع إسلامهم متفاوتون في صلاحهم، كما قال تعالى في السورة نفسها: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) (الجن: ١١).\n_________\n(^١) -تفسير القاسمي: (٦/ ١٣٠). محاسن التأويل المؤلف: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: ١٣٣٢ هـ) المحقق: محمد باسل عيون السود الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ.\n(^٢) - تفسير الطبري: (٢٣/ ٦٦١).\n(^٣) - صحيح مسلم رقم ٥٩٧٦ (ج ٧/ ص ٤٠) باب قتل الحية وغيرها. وصفة الإذن والتحريج نسألكم بالله أن لا تؤذنا، ولا تظهروا لنا فإن ظهر بعد ثلاثة أيام فهو شيطان أي كافر لم يسلم فيقتل.\nوللاستزادة: انظر: (الأربعين المدنية).","vol":"1","page":68},{"text":"و(الصالحون) هم: \" الموصوفون بصلاح الحال في شأن أنفسهم وفي معاملتهم مع غيرهم المائلون إلى الخير والصلاح، حسبما تقتضيه الفطرة السليمة لا إلى الشر والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة. (ومنا دون ذلك) أي: قوم دون ذلك وهم المقتصدون. \" (^١).\nو(طرائق قددًا) أي: \"فرقًا مختلفة أهواؤنا.\nوقال أبو عبيدة: واحد الطرائق: طريقة، وواحد القدد: قدة، أي: ضروبًا وأجناسًا ومللًا. وقال الحسن، والسدي: الجن مثلكم، فمنهم قدرية، ومرجئة، ورافضة\" (^٢).\nوكذلك منهم اليهودي والنصراني وغيرها من الملل والنحل فهم طرائق قددًا كما ذُكِرَ لنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-153>وقد سُئِلَ شيْخُ الإسلام ابن تيميةـ ﵀ عن الجان المؤمنين:</span>\nهل هم مخاطبون بفروع الإسلام كالصوم والصلاة، وغير ذلك من العبادات، أوهم مخاطبون بنفس التصديق لا غير؟\nفأجَاب ﵀ بقوله:\n\"لا ريب أنهم مأمورون بأعمال زائدة على التصديق، ومنهيون عن أعمال غير التكذيب، فهم مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلي الإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويًا لما على الإنس في الحد، لكنهم مشاركون الإنسَ في جنس التكليف بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم. وهذا ما لم أعلم فيه نزاعًا بين المسلمين. \" (^٣)\nوقد جاء في خبر إسلام أوائلهم في صدر بعثة النبي صلى الله عله وسلم ما ثبت عند البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n_________\n(^١) - تفسير أبي السعود: (٩/ ٥٤)، بتصرف واختصار يسير جدًا من الباحث.\n(^٢) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي: (٨/ ٣٦٧). تفسير ابن الجوزي = زاد المسير في علم التفسير المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ.\n(^٣) مجموع الفتاوى: (٤/ ٢٣٣)","vol":"1","page":69},{"text":"\"انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا مَا لَكُمْ فَقَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قَالُوا مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلا شَيْءٌ حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ. \" (^١)\nوهم محاسبون يوم القيامة ومكلفون، ومخاطبون بما جاء في القرآن الكريم، ومن أطاع الله منهم دخل الجنة، ومن عصاه سبحانه دخل النار، كما قال ﷿: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) (الصافات: ١٥٨)،\nقال مجاهد: \"أنها ستحضر للحساب. \" (^٢)\nأي: \"ستحضر أمر الله وثوابه وعقابه. \" (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-154>ويقول ابن سعدي -﵀</span>-:\n\"أي: جعل هؤلاء المشركون بين اللّه وبين الجنة نسبًا، حيث زعموا أن الملائكة بنات اللّه، وأن أمهاتهم سروات الجن، والحال أن الجِنَّة قد علمت أنهم محضرون بين يدي اللّه، ليجازيهم عبادًا أذلاء، فلو كان بينهم وبينه نسب لم يكونوا كذلك. \" (^٤)\n_________\n(^١) - رواه البخاري: (٧٣١).\n(^٢) تفسير الطبري (٢١/ ١٢٢).\n(^٣) -تفسير ابن عطية: (٧: ٣١٥). المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز المؤلف: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: ٥٤٢ هـ) المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ.\n(^٤) - تفسير ابن سعدي: (ص/ ٧٠٨)","vol":"1","page":70},{"text":"وقد عقد الإمام البخاري ﵀ في كتاب بدء الخلق من صحيحه الجامع بابًا أسماه: \"باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم\".\nوأن مصير مؤمنيهم وموحديهم الجنة، وأن مثوى كافريهم وعصاتهم النار.\nوالدليل على أن مؤمني الجن يدخلون الجنة قوله الله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنَّتان فَبِأَيِّ آلاء ربكما تكذبان) (الرحمن: ٤٦ - ٤٧).\nفالخطاب في صدر سورة الرحمن للثقلين جميعًا، وما يزال الخطاب هنا متصلًا بهما أيضًا؛ والدليل على أن كفارهم وعصاتهم يدخلون النار قوله تعالى: (قال ادخلوا في أممٍ قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النَّار) (الأعراف: ٣٨).\nوقوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ) (الأعراف: ١٧٩).\nوقوله سبحانه في خطاب إبليس: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) (ص: ٨٥).\nوفي هذا دلالة على أنهم مكلفون ومحاسبون، لأن التكليف يترتب عليه ثواب وعقاب، والثواب والعقاب مترتبان على الاستجابة لله وعدمها، فمن استجاب أُثِيبَ ومن لم يستجب عُقِبَ.\nوقد عقد الشبلي بابًا قال فيه: \" باب في أن الجن مكلفون بإجماع أهل النظر \".\nنقل فيه عن أبي عمر بن عبد البر: أن الجن عند الجماعة مكلفون مخاطبون لقوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ١٣). وقال الرازي في تفسيره: \" أطبق الكل على أن الجن كلهم مكلفون \". (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-155>المطلب الثالث: رسالة النبي ﷺ عامة لجميع عموم الثقلين</span>\nورسولنا محمد ﷺ مرسل إلى الجنّ والإنس.\n\n<span data-type='title' id=toc-156>يقول ابن تيمية:</span> (٢)\n\" وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، وسائر طوائف المسلمين: أهل السنة والجماعة، وغيرهم.\nيدل على ذلك تحدي القرآن الجن والإنس، (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ\n_________\n(^١) - غرائب وعجائب الجن، للشبلي: ص ٤٩.","vol":"1","page":71},{"text":"يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: ٨٨). وقد سارع فريق من الجن إلى الإيمان عندما استمعوا القرآن: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) (الجن: ١ - ٢). \" (^١)\n\"يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يخبر قومه: أن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له\" (^٢).\nفـ\"فيه إثبات سماع الجن للقرآن وإعجابهم به، وهدايتهم بهديه، وإيمانهم بالله\" (^٣).\nوفي استماع الجن للقرآن وإيمانه به ووصفه بأحسن الأوصاف إقرار منهم بالعبودية لله تعالى.\n(قُرْآنًا عَجَبًا) أي: \"بديعًا؛ مباينًا لسائر الكتب في حسن نظمه\" (^٤).\nوفي هذا كله دلالة على فصاحته وبلاغته وحسن مواعظه، وهذا مما لا شك كان له أبلغ الأثر في هداية الجن وسماعهم وإصغائهم لكلام ربهم جل في علاه.\n\"وهؤلاء الذين استمعوا القرآن وآمنوا هم المذكورون في سورة الأحقاف:\nفي قوله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الأحقاف: ٢٩ - ٣١).\nهم: \"من أهل نصيبين، فلما حضروا القرآن ورسول الله -ﷺيقرأ، قال بعضهم لبعض: أنصتوا لنستمع القرآن، وجعلهم رسلًا إلى قومهم\". (^٥).\n_________\n(^١) - مجموع الفتاوى: ١٩/ ٩.\n(^٢) ابن كثير: (٨/ ٢٣٨).\n(^٣) - أضواء البيان للشنقيطي: (٣/ ٨١٧).\n(^٤) - تفسير النسفي: (٣/ ٥٤٨).\n(^٥) الطبري: (٢٢/ ١٣٥ - ١٤٠).","vol":"1","page":72},{"text":"\"ووفود الجن تلقوا العلم من النبي ﷺ، وتلك كانت بداية معرفة الجنّ برسالة محمد ﷺ، استمعوا لقراءَة القرآن بدون علم الرسول ﷺ، فآمن فريق منهم، وانطلقوا دعاة هداة.\nثمّ جاءَت وفود الجنّ بعد ذلك تتلقى العلم من الرسول ﷺ، وأعطاهم الرسول ﷺ من وقته، وعلمهم مما علمه الله، وقرأ عليهم القرآن، وبلغهم خبر السماء … وكان ذلك في مكة قبل الهجرة.\nروى مسلم في صحيحه عن عامر، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلتُ: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناهُ، فالتمسناهُ في الأودية والشعابِ، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال فبتنا بشر ليلة بات بها قومٌ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله! فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قومٌ. فقال: (أتاني داعي الجنّ، فذهبتُ معه، فقرأتُ عليهم القرآن). قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: (لكم كلُّ عظمٍ ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم؛ أوفر ما يكون لحمًا. وكل بعرةٍ علفٌ لدوابّكم). فقال رسول الله ﷺ: (فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعامُ إخوانكم) \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-157>قال القرطبي -﵀- في تفسير سورة الرحمن:</span>\n\"هذه السورة و\" الأحقاف \" و\" قل أوحي \" دليل على أن الجن مخاطَبون مكلَّفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك. \" (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-158>قال ابن القيم -﵀</span>-:\nوبالجملة: فهذا أمر معلوم باضطرار من دين الإسلام، وهو يستلزم تكليف الجن بشرائع، ووجوب اتباعهم لهم، فأما شريعتنا: فأجمع المسلمون على أن محمَّدًا ﷺ\n_________\n(^١) - رواه مسلم: ١/ ٣٣٢. ورقمه: ٤٥٠. وانظر عالم الجن والشياطين: (١: ٤٥).\n(^٢) -تفسير القرطبي: (١٧/ ١٦٩).","vol":"1","page":73},{"text":"بُعث إلى الجن والإنس، وأنه يجب على الجن طاعته كما يجب على الإنس. \" (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-159>وقال -﵀- أيضُا:</span>\n\"الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام: أنهم مأمورون منهيون مكلفون بالشريعة الإسلامية، وأدلة القرآن والسنَّة على ذلك أكثر من أن تُحصر. \" (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-160>وقال نجم الدين الطوفي (ت: ٧١٦ هـ) -﵀</span>-:\nوالدليل على تكليف الجن بالفروع: الإجماع على أن النبي ﷺ أُرسِلَ بالقرآن الكريم إلى الجن والإنس، فجميع أوامره ونواهيه متوجهة إلى الجنسين، وهي مشتملة على الأصول والفروع، نحو (آمِنُوا بِالله) (الحديد: ٧)،\n(وأقيموا الصلاة) (البقرة: ٤٣)، وقد تضمن هذا الدليل على أن كفار الإنس مخاطبون بها، وكذلك كفار الجن؛ لتوجه القرآن بجميع ما فيه إلى مؤمني الجنسين وكفارهم \". (^٣)\nومما يدل على أن الجن كانوا مؤمنين ببعثة الرسل السابقين أيضًا، قوله سبحانه: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) (الأحقاف: ٣٠).\nوهذا كله مما يدلل على عبوديتهم لله ﷾. والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) -طريق الهجرتين: (ص ٦١٦، ٦١٧).\n(^٢) -طريق الهجرتين: (ص: ٦١٩).\n(^٣) - شرح مختصر الروضة: (١/ ٢١٨، ٢١٩)","vol":"1","page":74},{"text":"الفصل الرابع\nعبودية الكائنات\nوفيه مبحثان:\n\n<span data-type='title' id=toc-162>المبحث الأول: عبودية الكائنات لله عبودية طاعة وانقياد</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-163>المطلب الأول: غني الخالق عن خلقه، وافتقار جميع خلقه إليه</span>\nإنَّ الله ﵎ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ومن أسمائه الحسنى (الغنيٌّ) فهو غنى عنى تام عن جميع خلقه، وهم فقراء إليه سبحانه فقرًا تامًا، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: ١٥).\n\"بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه غني عن خلقه، وأن خلقه مفتقرون إليه، أي: فهو يأمرهم وينهاهم لا لينتفع بطاعتهم، ولا ليدفع الضر بمعصيتهم، بل النفع في ذلك كله لهم، وهو جل وعلا الغني لذاته الغنى المطلق\". (^١).\nلقد ذلَّ كل شيءٍ لخالقه - سبحانه- وأسلمَ طوعًا وكرهًا، أما أهل الإيمان فقد استسلمَوا له وانقادوا لأوامره بظواهرهم وبواطنهم طوعًا، وأما أهل الكفر والجحود والنكران فقد استسلموا له كرهًا قهرًا وغلبة كما قال - سبحانه- (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (آل عمران: ٨٣).\nوكما قال- سبحانه-: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلن: ١١)\nفالكون كله خاضع لعبودية الله الواحد القهار لا ينفك أحدُ من خلقه عن عبوديته قهرًا وغلبة.\nوالكون بأسره خاشع خاضع لكبريائه وعظمته، إذ هو مشغولٌ بخضوعه وذله لربِّه، ولذا ترى الكون كله معظمًا له ساجدًا خاشعًا مسبحًا منزهًا لربه جل في علاه.\nومع ذلك كله ترى جحود الإنسان هذا المخلوق الضعيف، بل هو من أضعفُ المخلوقات وأفقرها إلى ربها، تراه معرضًا عمن لا غنى له عن فضله ورحمته طرفة عين ولا أصغر من ذلك، مُعَرِّضًا بذلك نفسه الضعيفة لسخط جبار السماوات والأرض ومقته وغضبه وعذابه وأليم عقابه.\n_________\n(^١) -أضواء البيان: (٦/ ٢٧٦).","vol":"1","page":75},{"text":"ومن شواهد غنى الرب عن خلقه وفقرهم التام إليه جل في علاه قوله سبحانه في الحديث القدسي: (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا). (^١)\nومع فقر الإنسان ترى الكون من حوله كله قد دانَ لله تسبيحًا وتعظيمًا وإجلالًا، أرضه وسمائه، وحشه وطيره، كل الكائنات تُصلِّي لله وتخضع.\n\n<span data-type='title' id=toc-164>المطلب الثاني: سجود جميع الكائنات لله وخضوعها لسلطانه</span>\nإن عموم الكائنات العلوية والسلفية خاضعة لسلطان الله تعالى لا تنفك عن عبوديتها لخالقها.\nوله تسجُد ولعظمته تذل وتخشع كما قال سيحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج: ١٨).\n\"أي: يخضع خضوعًا مطلقًا كل من في السماوات والأرض؛ طوعًا أو كرهًا.\nوالسجود طوعًا هو بإرادة العبادة من العقلاء المختارين؛ والسجود كرهًا؛ أي: بحكم الخضوع المطلق لإرادة المنشئ للكون الواحد القهار\". (^٢)\n\"وهذه آية إعلام بتسليم المخلوقات جميعها لله تعالى وخضوعها\". (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-165>يوضح شيخ الإسلام مفهوم سجود الكائنات فيقول -﵀</span>-:\n\"وَالسُّجُودُ مَقْصُودُهُ الْخُضُوعُ، وَسُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ سُجُودًا يُنَاسِبُهَا وَيَتَضَمَّنُ الْخُضُوعَ لِلرَّبِّ\". (^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-166>ويقول -﵀- أيضًا </span>-:\n_________\n(^١) - رواه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁.\n(^٢) - زهرة التفسير: (٩/ ٤٩٦٠).\n(^٣) - تفسير ابن عطية: (٦/ ٢٢٦).\n(^٤) - مجموع الفتاوى (١/ ٤٥).","vol":"1","page":76},{"text":"\"ومعلوم أن سجود كل شيء بحسبه ليس سجود هذه المخلوقات وضع جباهها على الأرض. \" (^١).\nوالسجود من أعظم مشاهد كمال خضوع وذل هذه المخلوقات وانقيادها لخالقها وبارئها سبحانه وذلها لربوبيته وعظيم سلطانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-167>ويوضح البقاعي (ت: ٨٨٥) معنى السجود أيضًا فيقول ﵀:</span>\n\"يسجد له أي: يخضع منقادًا لأمره مسخرًا لما يريد منه تسخير من هو في غاية الاجتهاد في العبادة والإخلاص فيها\". (^٢).\nوالحقيقة الثابتة كما قرر أئمة التفسير كابن جرير الطبري وابن كثير وغيرهما من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أن الكائنات تسجد سجودًا حقيقيًا علمها ربها إياه وهو يعلمه منها على وجه يليق بها ويناسبها، والبقاعي أول السجود هنا إلى الخضوع نافيًا سجودها مؤولًا له ببعض معانيه وهو الخضوع، والبقاعي مع جلالة قدره له تأويلات لصفات الرب جل في علاه نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر نفيه للحرف والصوت في كلام الرب جل في علاه وقد أجمع السلف على أن الله تعالى تكلم بحرف وصوت،\n\n<span data-type='title' id=toc-168>فقال في نظم الدرر:</span>\n\"والذي سمعه موسى ﵇ عند أهل السنة من الأشاعرة هو الصفة الأزلية من غير صوت ولا حرف، ولا بعد في ذلك كما لا بعد رؤية ذاته سبحانه وهي ليست بجسم ولا عرض ولا جوهر، و(ليس كمثله شيء) (^٣)\n_________\n(^١) المرجع السابق (٢١/ ٢٨٤).\n(^٢) - نظم الدرر للبقاعي: (١٣: ٢٦). نظم الدرر في تناسب الآيات والسور المؤلف: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (المتوفى: ٨٨٥ هـ) الناشر: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة عدد الأجزاء: ٢٢.\n(^٣) - نظم الدرر في التناسب بين الآيات والسور للبقاعي: (٨/ ٧٧). وكثير من المتكلمين يعدون أهل السنة هم: الأشاعرة والماتريدية، ولذا يقول البقاعي: (والذي سمعه موسى ﵇ عند أهل السنة من الأشاعرة). وأهل السنة يقولون أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، ويعتقدون أن القرآن كلام الله وأن الله تعالى تكلم به بحرف وصوت وسمعه جبريل، وأما الأشاعرة فقولهم في القرآن: أن ما بين الدفتين مخلوق؛ لأنه عندهم عبارة عن كلام الله تعالى؛ لأن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت، فينفوا الحرف والصوت، وقد خالفوا أهل السنة في أمور شتى مبسوطة في مظانها فلتراجع ثم. الباحث.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-169>ويقول الإمام ابن القيم -﵀</span>-:\n\"وهو سجود الذل والقهر والخضوع فكل أحد خاضع لربوبيته ذليل لعزته مقهور تحت سلطانه تعالى. \" (^١)\nوسجود الكائنات كلها سجود حقيقي وهو سجود ذل وخضوع وخوف من خالقها وبارئها سبحانه، كما قال تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (النحل: ٤٩ - ٥٠).\nوتأمل قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (النحل: ٤٨ - ٥٠).\nثم تأمل قوله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) (الحج: ١٨).\nحتى الشمس تسجد تحت العرش خاضعة لسلطان خالقها، كما قال سبحانه: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِي وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يس: ٣٨ - ٤٠)\nثبت عند البخاري من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ ﵁ قال: كنتُ معَ النبيِّ ﷺ في المسجدِ عِندَ غُروبِ الشمسِ، فقال: \"يا أبا ذَرٍّ، أتَدري أينَ تغرُبُ الشمسُ، قلتُ:\n_________\n(^١) -مدارج السالكين: (١/ ١٠٧).","vol":"1","page":78},{"text":"اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: فإنها تَذهَبُ حتى تَسجُدَ تحتَ العرشِ، فذلك قولُه تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) \". (^١).\nوثبت في الصحيحين من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ ﵁ أيضًا قَالَ: \"سأَلتُ النبيَّ ﷺ عن قولِه: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)، قال: مُستقَرُّها تحت العرش\". (^٢)\n\"وَقد أنكر قومٌ سُجُود الشَّمْس وَهُوَ صَحِيح مُمكن. وَلَا مَانع من قدرَة الله تَعَالَى أَن يمكَّن كل شَيْء من الْحَيَوَان والجمادات أَن يسْجد لَهُ\". (^٣)\nفالله تعالى قد أثبت سجود الكائنات وبين سبحانه صفة سجود بعضها وهو بفيء ظلالها ذات اليمين والشمال ولا يتبادر للذهن إلى أنه يلزم أن يكون سجودها مثل سجود البشر على سبعة أعظم، وإذا كان الله قد أثبت لها السجود وجب الأخذ به وعدم الحيد عنه وتأويله عن ظاهره، إذا أن الكائنات لها السجود اللائق بها على الوجه الذي جبلها الله عليه وأراده منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-170>المطلب الثالث: تسبيح الكائنات لخالقها -سبحانه</span>-\nقال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (النور: ٤١)\n\n<span data-type='title' id=toc-171>يقول الإمام ابن كثير -﵀</span>-:\n\"يخبر الله تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها؛ جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال أي بكرًة وعشيًا فإنه ساجد لله تعالى.\nقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله ﷿\". (^٤)\n_________\n(^١) -رواه البخاري من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ ﵁، (٤٨٠٢)\n(^٢) - رواه البخاري من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ ﵁، (٧٤٣٣)، (٤٨٠٣).\nوفي صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: (١٥٩)، انظر شرح الحديث رقم: (٦٦٧٦).\n(^٣) - عمدة القاري (١٥/ ١١٩).\n(^٤) - تفسير ابن كثير: (٤/ ٥٧٥).","vol":"1","page":79},{"text":"والكون كله يوحد الله ويسبحه ويمجده كما قال سبحانه تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء: ٤٤)،﴾ \"وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتِ وَالْجَمَادِ\". (١٣)\nوتسبيحها تسبيح حقيقي فطرها وجبلها عليها خالقها لا يعلمُ كيفيته وصفته إلا هو سبحانه، كما قال ﷿: (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء: ٤٤).\nومما ورد في هذا الصدد ما أخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة وغيره وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة من حديث عمرو بن عبسة ﵁ قال رسول ﷺ: (ما تَسْتَقِلُّ الشمسُ فيبقَى شيئٌ من خلق الله إِلاَّ سَبَّح الله بحمدِه إلاّ مَا كان من الشياطين، وأغبياء بني آدم) \". (^١)\nومما يُروى أن ما يصيب بعض المخلوقات من العجماوات والأشجار وغيرها بسبب ما ضيعت من تسبيح الله وتقديسه وتنزيهه وذكره جل في علاه، وفي ذلك إشارة إلى أن الله قد جعل لها إدراكًا خاصًا علمها إياه بارؤها ﷾.\n\n<span data-type='title' id=toc-172>فعن ميمون بن مهران (ت: ١١٧ هـ) -﵀- قال:</span>\n_________\n(^١) - أخرجه ابن السني في \" عمل اليوم والليلة \" (١٤٦) وعنه الديلمي (٤/ ٤٦)\nوأبو نعيم في \" الحلية \" (٦/ ١١١) من طريق بقية بن الوليد حدثني صفوان بن\nعمرو عن عبد الرحمن بن ميسرة أبي سلمة الحضرمي عن عمرو بن عبسة رضي الله\nعنه عن رسول الله ﷺ: فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله\nثقات معروفون غير أبي سلمة الحضرمي، وقد روى عنه جمع منهم حريز بن عثمان، وقد قال أبو داود: \" شيوخ حريز كلهم ثقات \". وقال العجلي: \" شامي تابعي ثقة\".\nوبقية، الكلام فيه معروف، والراجح منه الاحتجاج بحديثه إذا صرح\nبالتحديث عن شيخه، وقد قال الذهبي في \" الكاشف \": \" وثقه الجمهور فيما سمعه من الثقات، وقال النسائي: إذا قال: (حدثنا) و(أخبرنا)، فهو ثقة \".\nويُنظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها: برقم: (٢٢٢٤).","vol":"1","page":80},{"text":"\"أتي أبو بكر الصديق ﵁ بغراب وافر الجناحين، فجعل ينشر جناحه ويقول: ما صيد من صيد ولا عضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح\". (^١)\nو\"لقد تضاءلت لعظمته المخلوقات العظيمة وصغرت لدى كبريائه السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن، وافتقر إليه العالم العلوي والسفلي فقرًا ذاتيًا لا ينفك عن أحد منهم في وقت من الأوقات\". (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-173>المبحث الثاني: ذكر نماذج من تسبيح الكائنات</span>\nوفيه ستة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-174>المطلب الأول: تسبيح الرعد خاصة</span>\nوالرعد يُسبِّح بحمده سبحانه، كما قال تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) (الرعد: ١٣)\nأي\" ويعظم الله الرعد ويمجد، فيثني عليه بصفاته، وينزهه مما أضاف إليه أهل الشرك به ومما وصفوه به من اتخاذ الصاحبة والولد، تعالى ربنا وتقدس\". (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-175>المطلب الثاني: تسبيح جميع كائنات العالم العلوي والسفلي كلها</span>\nوالنباتُ يُسبِّح الله ويوحده كما قال جل في علاه: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) (الرحمن: ٦)\nفالنجم مَا لا سَاق له من النَّبَات، وَالشَّجر مَا كان له سَاق، وَكلهَا سَاجِدَة لله مسبحة بِحَمْدِهِ على وجه يليق بها، وهي خاضعة لأمره ﷾.\nوكذلك كل ما في السماوات والأرض: قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَواتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) (الحج: ١٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-176>يقول الطبري -﵀</span>-:\n_________\n(^١) - رواه إسحاق بن راهويه في تفسيره: (ص:؟؟؟؟)، وذكره الباحث بصيغة التمريض لأنه لم يقف عليه بسند يطمئن إليه وتبرأ به الذمة، ومثل هذا قد لا يُستبعد حسًا وعقلًا إذا ثبت ذلك شرعًا، (الباحث).\n(^٢) - تفسير ابن سعدي: (١/ ٤٥٨)، بتصرف.\n(^٣) - تفسير الطبري: (١٦/ ٣٩١).","vol":"1","page":81},{"text":"\"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ألم تر يا محمد بقلبك، فتعلم أن الله يسجد له من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق من الجن وغيرهم، والشمس والقمر والنجوم في السماء، والجبال، والشجر، والدواب في الأرض، وسجود ذلك ظلاله حين تطلع عليه الشمس، وحين تزول، إذا تحول ظل كل شيء فهو سجوده\". (^١)\nوقال تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) (ص: ١٧ - ١٩)\n\n<span data-type='title' id=toc-177>يقول الشيخ الشنقيطي -﵀</span>-:\n\"وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ تَسْبِيحَ الْجِبَالِ وَالطَّيْرِ مَعَ دَاوُدَ الْمَذْكُورَ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ -جَلَّ وَعَلَا -يَجْعَلُ لَهَا إِدْرَاكَاتٍ تُسَبِّحُ بِهَا، يَعْلَمُهَا هُوَ -جَلَّ وَعَلَا -وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهَا.\nوَالْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ نُصُوصَ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا الْمُتَبَادِرِ مِنْهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ.\nوَالتَّسْبِيحُ فِي اللُّغَةِ: الْإِبْعَادُ عَنِ السُّوءِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا -عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ\". (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-178>المطلب الثالث: مشاهد من عبودية الطير في القرآن</span>\nومن مشاهد عبودية الطير لله وتنزيهه عن الند والشريك ما ذُكِرَ الله لنا من خبر هدهد سليمان من تعظيمه لله وتهويله لأمر الشرك في الألوهية من ملكة سبأ وقومها وإنكاره ونفوره وأنفته من عبادتهم وسجودهم للشمس من دون الله تعالى.\nوفي ذلك قال تعالى: (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (النمل: ٢٢ - ٢٦).\n_________\n(^١) - تفسير الطبري: (١٨/ ٥٨٦).\n(^٢) -أضواء البيان: (٤/ ٢٣٢)، بتصرف","vol":"1","page":82},{"text":"ولا ريب أن هذا شرك واضح بين، ولذا ساء الهدهد وهاله ما رأى من سجودهم للشمس فأنف بفطرته وجبلته من عبادتهم تلك، فتمعر وجهه في ذات الله، وقد تسبب بذلك في هداية أمة بأسرها للإسلام ونجاتهم من الشرك الموجب الخلود في النيران.\n\n<span data-type='title' id=toc-179>المطلب الرابع: مشاهد من عبودية وتسبيح النمل وبعض المخلوقات</span>\nالنمل أمة من الأمم الخاضعة لسلطان بارئها الخاضعة لكبريائه وعظمته المسبحة بحمده المنزهة والمقدسة لذاته، ومن مشاهد عبوديتها وتسبيحها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، فقد ثبت عند البخاري من حديث أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ، فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ\". (^١)\nوفي لفظ مسلم منْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أيضًا، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \" أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ؟ \". (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-180>والنمل أمة معظمة للعلم داعية لأهله:</span>\nومن دلائل عبودية النمل لله تعالى الدعاء لمعلم الناس الخير الذي يدل المخلوق على الخالق جل في علاه.\nفقد ثبت عند الطبراني والترمذي وصححه الألباني من حديث أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ ﵁ قال:\nقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ\". (^٣)\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، رقمك (٣٠١٩).\n(^٢) -رواه مسلم، حديث رقم: (٢٢٤١)، كتاب السلام، باب النهي عن قتل النمل.\n(^٣) -أخرجه الترمذي: (٥/ ٥٠)، رقم: (٢٦٨٥)، وأخرجه الطبراني: (٨/ ٢٣٣)، رقم: (٧٩١١).\nوقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: (١/ ١٨)، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وفى نسخة غَرِيب، وقال الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: (١٨٣٨) في صحيح الجامع.","vol":"1","page":83},{"text":"أي: \"يستغفرون لهم، وذكر النَّملة والحوت بعد ذكر الثَّقلين والملائكة تتميمٌ لجميع أنواع الحيوان على طريقة الرَّحمان الرَّحيم، وخصَّ النَّملة والحوت بالذِّكر للدلالة على إنزال المطر وحصول الخير والخصب ببركتهم، كما قال بهم تنصرون وبهم ترزقون حتَّى أن الحوت الَّذي لا يفتقر إلى العلماء اِفْتقار غيره لكونه في جوف الماء يعيش أبدًا ببركتهم، وأمَّا إلهام الحيوانات الاسْتغفار له، فقيل: لأنَّها خُلقت لمصالح العباد ومنافعهم، والعُلماء هم المبيِّنون ما يحلُّ منها وما يحرم، ويُوصون بالإحسان إليها، ودفع الضُّر عنها، حتَّى بإحسان القِتلة،\nوالنَّهي عَنِ المُثلة، فاسْتغفارهم لهُ شكرٌ لذلك النّعمة (^١)، وذلك في حقِّ البشر آكد لأنَّ اِحتياجهم إلى العلم أشدٌّ وعود فوائده عليهم أتمٌّ. اهـ\". (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-181>وهناك مخلوقات كثيرة ورد في عبوديتها لله نصوص صحيحة منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:</span>\n١ -<span data-type='title' id=toc-182> عبودية أذان الدِّيكِ للصَّلاة:</span>\nنهى رسولُ اللهِ - ﷺ - عن سبِّ الدِّيكِ، وقال: إنهُ يؤذِّنُ للصلاةِ (^٣). وفي رواية: \"لا تسبُّوا الديكَ، فإنه يوقِظُ للصلاةِ\". (^٤)\n\n٢ -<span data-type='title' id=toc-183> عبودية استغفار الحيتان للعالم</span>\nقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنّه ليستغفرُ للعالم من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتانُ في البحر\". (^٥)\n\n٣ -<span data-type='title' id=toc-184> عبودية الجنّةِ والنّارِ:</span>\nاليوم الآخر هو نهاية الزّمان المحدود وآخر أيّام الدنيا، ويُعْرَف بيوم القيامة، ومن مقدّماته الحياة البرزخيّة بعد الموت وأشراط الساعة، فهما جزءٌ منه، (^٦) وكل ما\n_________\n(^١) -الأصل أن يُقال لتلك النعمة لكونها (مؤنث) وحتى ينتظم الكلام. ولعله تصحيف من الكتبة أو النسَّاخين. الباحث.\n(^٢) -فيض القدير للمناوي: (٤/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، بتصرف.\n(^٣) - إسناده صحيح، تخريج مشكاة المصابيح: (٤٠٦٤).\n(^٤) - صحيح أبي داود: (٥١٠١).\n(^٥) صحيح سنن ابن ماجه: (١٩٧).\n(^٦) - منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين، لأحمد بن علي الزاملي: (١/ ٤٧٦). بتصرّف.","vol":"1","page":84},{"text":"يقع في الآخرة من أهوال وشدائد من البعث والنشور والحشر والصراط والميزان وصحائف الأعمال وتطاير الكتب ووجود الجنة ونعيم أهلها، ووجود النار وعذاب أهلها.\nوسمّي بالآخر لأنّه اليوم الأخير الذي لا يوم بعده؛ وفيه يقسّم الناس بعد الحساب والجزاء ويُحشرون إلى مأواهم الأخير؛ إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النار، والإيمان باليوم الآخر شرطٌ من شروط الإيمان، وينبغي ألّا يكون الإيمان به مجملًا فحسب؛ بل يجب الإيمان بكل ما فيه من الأحداث والتفاصيل. (^١)\nلذا يُعَدُ الإيمان باليوم الآخر وبما ورد فيه من تفاصيل أحد أركان الإيمان الثابتة بنصوص الكتاب والسنة والتي لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بها وبما ورد فيها جميعًا، ومن ذلك الإيمان بوجود الجنة والنار وبقائهما وعدم فنائهما أبد الآبدين، فيجب الإيمان بدوام وبقاء الجنة ونعيمها ونعيم أهلها، كما قال سبحانه: (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) (البينة: ٨) أي لا ينقطع خلودهم فيها البتة، كما أنه يجب الإيمان بدوام وبقاء النار وعذابها وعذاب أهلها كما قال تبارك تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (هود: ١٠٨)\n\n<span data-type='title' id=toc-185>عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في الجنّة والنار:</span>\nنوجز عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في الجنّة والنار باختصار فيما يلي:\n١ - أن الجنّة والنار مخلوقتان موجودتان الآن.\n٢ - وأنهما باقيتان لا تفنيان أبدًا.\n_________\n(^١) الإيمان باليوم الآخر، لمحمد بن إبراهيم الحمد: (ص: ٣). بتصرّف.","vol":"1","page":85},{"text":"\" قد علم الله تعالى عدد أهل الجنة ومن يدخلها، وعدد أهل النار ومن يدخلها، لا تفنيان أبدًا، بقاؤهما مع بقاء الله ﵎ أبد الآبدين، ودهر الداهرين\". (^١)\n٣ - وأنهما المصير المحتوم الذي يصير إليه مآلُ العباد أجمعين يوم الدين وذلك (… لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) (النجم: ٣١).\n٤ - وأن الله تعالى أعدهما لأهليهما، وأنهم لا يموتون فيها أبدًا.\n٥ - وأن الجنَّة رحمة الله تعالى ودار كرامته التي أعدَّها لحزبه المفلحين وجنده الغالبين وأوليائه الصالحين وصفوة عباده المقرَّبين الأطهار الأبرار، وأنَّ أهلها في نعيمٍ مقيم أبدي سرمدي مُتجدِّد لا يفنى ولا يبيد، وأنه نعيم دائم مدرار.\n٦ - وأن النار هي دار الهَوانٍ والبوار، وهي دار عَذابه وانتقامه وبطشه قد أعدَّها الجبار القهار سكنى للشيطان وحزبه وأوليائه من سائر الكفار والمشركين والمنافقين وسائر المتمردين المتجبرين من أعدائه الفجار، وأنَّ أهلها في عذاب مقيم أبدي سرمدي مُتجدِّد لا يفنى ولا يبيد، وأنه عذاب دائم مدرار.\n٧ - وأن الإيمان الجازم والتصديق التامّ بهما مندرج تحت الإيمان باليوم الآخِر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة.\nوقد دل على ذلك أدلَّةٌ كثيرة من الكتاب والسُّنَّة وهي أكثر من أن تحصى:\nأما أدلة الكتاب: فمنها قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣)، وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: ٢٤).\nوأما الأدلة من السنة: فهي أكثر من تُحْصى كثرة وعددًا، ومن ذلك ما رآه النبي ﷺ في معراجه حين بلغ سدرة المنتهى والتي رأى جبريلَ﵇- عندها على صورته الملائكية، فانطلق به حتى رأى عندها جنةَ المأوى، وقد ورد ذكر ذلك في قول الله تعالى: (ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ\n_________\n(^١) - السنة للبربهاري: (ص: ٦).","vol":"1","page":86},{"text":"المَأْوى) (النجم: ١٣ - ١٥) (ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) أي: رأى النبيُ - ﷺ- جبريلَ - ﵇ -.\nوقد رأى هناك - عند سدرة المنتهى - جنةَ المأوى كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أنس - ﵁ - في قصة الإسراء، والذي ورد في آخره:\n\" … انطلق بي جبرائيلُ حتى أتى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي قال: ثم دخلت الجنة فإذا هي جنابذ \"أي قباب\" اللؤلؤ وإذا ترابها المسك\". (^١)\nكما ثبت في الصحيحين-أيضًا- من حديث عبد الله بن عمر﵄- أن رسول الله قال: \" إن أحدكم إذا مات عُرِضِ عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة \". (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-186>قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀ </span>-:\nوقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا ينفى بالكلية، كالجنة والنار والعرش. (^٣)\n\n*<span data-type='title' id=toc-187> مشاهد من عبوديةِ الجنّةِ والنّارِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-188>عبوديةُ اختصامِ الجنّةِ والنّارِ:</span> وإن مما يُستدل به على عبودية الجنّةِ والنّارِ اختصامهما إلى ربهما ﵎، ومن أبرز شواهد الأدلة على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁- أن رسول الله - ﷺ- قال: \" تحاجّت الجنّةُ والنّارُ، فقالت النّارُ: أوثرتُ بالمتكبِّرين والمتجبّرين، وقالت الجنّةُ: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاءُ الناس وسقطهم وغبرتهم، فقال الله عزّ\n_________\n(^١) - رواه البخاري: (٣٣٦)، ومسلم (٢٣٧) واللفظ له.\n(^٢) - رواه البخاري: (١٢٩٠)، ومسلم: (٥١١١).\n(^٣) - مجموع الفتاوى: (١٨/ ٣٠٧)؛ بيان تلبيس الجهمية، (١/ ٥٨١).","vol":"1","page":87},{"text":"وجلّ للجنّةِ: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاءُ من عبادي، وقال للنّار: إنما أنت عذابي أعذِّبُ بك من أشاءُ من عبادي ولكل واحدةٍ منكما ملؤها\". (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-189>قال النووي -﵀</span>-:\nوالحديثُ على ظاهره، وأن الله يخلقُ في الجنّةِ والنارِ تمييزًا يدركان به ويقدران على المراجعةِ والاحتجاج. (^٢)\n\n*<span data-type='title' id=toc-190> مشاهد من عبوديةِ والنّارِ:</span>\nومن مشاهد عبودية النّار: تَغَيُّظها لرؤية الكافرين يوم القيامةِ:\nكما قال تعالى: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) سورة الفرقان آية (١٢).\nالتَّحقيقُ أنَّ النَّارَ تُبصِرُ الكُفَّارَ يَومَ القيامةِ، كما صَرَّح اللهُ بذلك في قَولِه هنا:\n(إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)، ورؤيتُها إيَّاهم مِن مكانٍ بَعيدٍ تدُلُّ على حِدَّةِ بَصَرِها، كما لا يخفى، كما أنَّ النَّارَ تتكَلَّمُ، كما صرَّح اللهُ به في قَولِه تعالى: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) (ق: ٣٠)، والأحاديثُ الدَّالَّةُ على ذلك كثيرةٌ؛ كحَديثِ مُحاجَّةِ النَّارِ مع الجنَّةِ (^٣)، وكحديثِ اشتكائِها إلى رَبِّها، فأذِنَ لها في نفَسَينِ (^٤)، ونحوِ ذلك، ويكفي في ذلك أنَّ اللهَ جَلَّ وعلا صَرَّحَ في هذه الآيةِ أنَّها تَراهم، وأنَّ لها تغيُّظًا على الكُفَّارِ، وأنَّها تقولُ: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) (ق: ٣٠ (. واعلَمْ أنَّ ما يزعُمُه كَثيرٌ مِن المفَسِّرينَ، وغيرُهم مِن المنتسبينَ للعِلمِ مِن أنَّ النَّارَ لا تُبصِرُ ولا تتكَلَّمُ ولا تغتاظُ، وأنَّ ذلك كُلَّه مِن قَبيلِ المجازِ، أو أنَّ الذي يفعَلُ ذلك خزَنتُها: كُلُّه\n_________\n(^١) - رواه البخاري: (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦).\n(^٢) - شرح صحيح مسلم للنووي: (١٧/ ١٨١).\n(^٣) - رواه البخاري: (٤٨٥٠)، ومسلم: (٢٨٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁-، وقد سبق تخريجه.\n(^٤) - رواه البخاري: (٤٨٥٠)، ومسلم: (٢٨٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":88},{"text":"باطِلٌ، ولا مُعَوَّلَ عليه؛ لمخالفتِه نُصوصَ الوَحيِ الصَّحيحةَ بلا مُستَندٍ، والحَقُّ هو ما ذكَرْنا. (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-191> ومن مشاهد عبودية النّار: استجابتها لأمر الله</span>\nقال تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء: ٦٩).\nأي: فأوقَدوا له نارًا لِيَحرِقوه، فلمَّا ألقَوا إبراهيمَ فيها قُلْنا لها: يا نارُ، كوني بردًا وسلامًا على إبراهيمَ. فأنجاه اللهُ منها، لم يَنَلْه فيها أذًى، ولا أحسَّ بمكروهٍ. (^٢)\nوبالفعل قد أنجاه الله من نارهم كما قال ربنا ﵎: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)\n(العنكبوت: ٢٤).\nوعن ابنِ عبَّاسٍ - ﵄- قال: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قالها إبراهيمُ ﵇ حينَ أُلقِي في النَّارِ، وقالها مُحمَّدٌ ﷺ حينَ قالوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: ١٧٣). (^٣)\n\n٤ -<span data-type='title' id=toc-192> عبودية القلم والعرش:</span>\nمن الكائنات التي خلقها الله وهي من الأمور الغيبية التي جاءت في النصوص القطعية القلمُ والعرش.\n\n*<span data-type='title' id=toc-193> من مشاهد عبودية القلم الاستجابة لأمر الله:</span>\nعن عبادة بن الصامت - ﵁- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"إنَّ أولَ ما خلق اللهُ القلمُ، فقال لهُ: اكتبْ، قال: ربِّ وماذا أكتبُ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كلِّ شيءٍ حتى تقومَ الساعةُ\".\n_________\n(^١) - أضواء البيان، للشنقيطي: (٦/ ٢٥).\n(^٢) - يُنظر: تفسير الطبري: (١٦/ ٣٠٦)، تفسير الرازي: (٢٢/ ١٥٩)، (أضواء البيان: للشنقيطي (٤/ ١٦٢، ١٦٣).\n(^٣) - رواه- البخاري (٤٥٦٣).","vol":"1","page":89},{"text":"ثم قال عبادةُ - ﵁-: يا بنيَّ إني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: من مات على غيرِ هذا فليسَ مِني. (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-194> العرش أعظم المخلوقات:</span>\nوالعرشُ من أعظم المخلوقات وهو ثابتٌ في الكتابِ والسُنّة، واستواءُ الله ﷿ عليه ثابتٌ أيضًا وهو من أصول اعتقاد أهل السُنّةِ والجماعةِ.\nوفي حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: \" الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ أَحَدٌ قَدْرَهُ\". (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-195>قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀</span>-:\nوقد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه وسع السماوات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله، لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته. (^٣)\nوعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \" كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ\". (^٤)\n<span data-type='title' id=toc-196>قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀</span>-:\nفهذا يدل على أنه قدَّر إذ كان عرشه على الماء، فكان العرش موجودًا مخلوقًا عند التقدير لم يوجد بعده. (^٥)\n\n<span data-type='title' id=toc-197>قال عبد الله بن رواحة (ت: ٨ هـ) -﵁</span>-:\n_________\n(^١) صحيح أبي داود: (٤٧٠٠).\n(^٢) - صححه الشيخ مقبل الوادعي ﵀ في تخريجه لأحاديث تفسير ابن كثير ﵀ (١/ ٥٧١)، وأخرجه الذهبي في كتابه العلو ص ٧٦، وصححه الألباني ﵀ في مختصر العلو ص ٤٥. أهـ. وهذا له حكم الرفع.\n(^٣) -الفتوى الحموية الكبرى، ص ٥٢٦.\n(^٤) - رواه مسلم، في صحيح مسلم: (٢٦٥٣).\n(^٥) - الصفدية: (٢/ ٨٢).","vol":"1","page":90},{"text":"شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ … وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا\nوَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ … وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا\nوتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ كِرَامُ … مَلَائِكَةُ الإِلَهِ مُسَوَّمِينَا. (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-198> من مشاهد عبودية العرش:</span>\nعن جابر بن عبد الله - ﵁-، قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: \"اهتزَّ عرشُ الرحمنِ لموتِ سعدِ بنِ مُعاذٍ\". (^٢)\nوفي رواية أخرى عن جابر بن عبد الله - ﵁أيضًا- قال:، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: وَجَنَازَةُ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ بيْنَ أَيْدِيهِمُ \"اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ\". (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-199>المطلب الخامس: مشاهد من عبودية بعض الجمادات كالحجارة والجبال</span>\n*<span data-type='title' id=toc-200> مشاهد من عبودية خشية الحجارة لله:</span>\nوالحجارة تهبِطُ من علوِّها خشيةً لله وتعظيمًا، خضوعًا له وإجلالًا، مقترنًا ذلك كله بالتسبيح والتقديس لخالقها مع ذل وانكسار لله يعتريها قال ﷿: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (البقرة: ٧٤)\n\"ومذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى علمًا في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقل، لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال جل ذكره: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) (الإسراء: ٤٤) وقال: (والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه) (النور: ٤١) وقال: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر)\n(الحج: ١٨) الآية، فيجب على المؤمن الإيمان به- على الحقيقة- ويكل علمه إلى الله ﷾\". (^٤)\n_________\n(^١) - هذه الأبيات تُروى في قصة مشهورة، وقد ضعفها الشيخ مشهور حسن آل سلمان في كتابه: (قصص لا تثبت)\n(^٢) - متفقٌ عليه، البخاري: (٣٨٠٣)، مسلم: (٢٤٦٦).\n(^٣) - رواه مسلم: (٢٤٦٦).\n(^٤) -تفسير البغوي: (١/ ١١٢).","vol":"1","page":91},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-201> مشاهد من عبودية خشية الجبال وتصدعها إجلالًا لكلام الله تعالى:</span>\nوالجبال تتصدع إجلالًا لكلام الله تعالى كما قال سبحانه: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (الحشر: ٢١).\n\n<span data-type='title' id=toc-202>يقول شيخ المفسرين الإمام الطبري ﵀:</span>\n\"يقول - جل ثناؤه -: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل) - وهو حجر - لرأيته يا محمد خاشعًا يقول: متذللا متصدعًا من خشية الله على قساوته، حذرًا من ألا يؤدي حق الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أنزل على ابن آدم وهو بحقه مستخف، وعنه عما فيه من العبر والذكر معرض، كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرًا.\nثم يقول ﵀: أي: \"لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله، ومن خشية الله، فأمر الله ﷿ الناس إذا أنزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع.\nيعذر الله الجبل الأصم، ولم يعذر شقي ابن آدم، هل رأيتم أحدًا قط تصدعت جوانحه من خشية الله\". (^١)\n\"فإن هذا القرآن لو أنزله على جبل لرأيته خاشعًا متصدعا من خشية الله أي: لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق\". (^٢)\n\n*<span data-type='title' id=toc-203> مشاهد من عبودية الجمادات غِيِرَة على عقيدة التوحيد:</span>\nوالشركُ بالله ظلم عظيم وجرم كبير، فهذه المخلوقات الكبار وتلك الكائنات العظام تكاد تتشقق وتنفطر وتخر هدًا لعظم الشرك وهوله وفظاعته وجرمه، إجلالًا لله وغيرة على توحيده وألوهيته جل في علاه، كما قال سبحانه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)\n(مريم: ٨٨ - ٩١)\nأي: \"من أجل هذه الدعوى القبيحة تكاد هذه المخلوقات أن يكون منها ما ذكر. \" (^٣)\n_________\n(^١) الطبري: (٢٣٣/ ٣٠١).\n(^٢) - تفسير ابن سعدي: (١/ ٨٥٤).\n(^٣) المرجع السابق: (٥/ ١٠١٦).","vol":"1","page":92},{"text":"\"وذلك لغيرتها على المقام الرباني الأحدي أن ينسب له ما ينزه عنه ويعر بحاجته ووجود كفء له وفنائه. وذلك لأن الولادة إنما تكون من الحي الذي له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال وفناء، وهو سبحانه تنزه عن ذلك\". (^١)\nو\"يَكَادُ يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ سَمَاعِهِنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ فَجَرَةِ بَنِي آدَمَ، إِعْظَامًا لِلرَّبِّ وَإِجْلَالًا؛ لِأَنَّهُنَّ مَخْلُوقَاتٌ وَمُؤَسَّسَاتٌ عَلَى تَوْحِيدِهِ\". (^٢)\nوقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [فاطر: ٤١]\n\"فإن قيل: فما معنى ذكر الحلم هاهنا؟ قيل: لأن السماوات والأرض همت بما همت به من عقوبة الكفار فأمسكهما الله تعالى عن الزوال بحلمه وغفرانه أن يعاجلهم بالعقوبة\". (^٣)\nفـ\" في الآية إشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد فيمسكها بحلمه ومغفرته\". (^٤).\nفرحمته جل في علاه سبقت غضبه، وهذا من كمال حكمته ولطفه بخلقه كما قال ربنا جل في علاه: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (النحل: ٦١).\nفـ \"لَوْلَا أَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَمَغْفِرَتَهُ سَبَقَتْ عُقُوبَتَهُ، لَزُلْزِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنْ مَعَاصِي الْعِبَادِ\". (^٥)\nوقال جل شأنه: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب: ٧٢).\n_________\n(^١) تفسير القاسمي: (١١/ ٤١٦٥)\n(^٢) -ابن كثير: (٥/ ٢٢٦).\n(^٣) - تفسير البغوي: (٦/ ٤٢٧).\n(^٤) -عدة الصابرين: (ص: ٢٧٨).\n(^٥) - الداء والدواء: (ص: ٨٨).","vol":"1","page":93},{"text":"\"قال بعض أهل العلم: ركب الله -﷿فيهن العقل والفهم حين عرض الأمانة عليهن حتى عقلن الخطاب\". (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-204> مشاهد من عبودية خضوع الجمادات لسلطان الله وانقيادها واستجابتها لأمره:</span>\nوالسماءُ والأرضُ امتثلتا أمر الله وخضعتا لسلطانه وانقادتا واستجابتا له سبحانه، كما قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت: ١١).\n\"أَيِ: اسْتَجِيبَا لِأَمْرِي، وَانْفَعِلَا لِفِعْلِي طَائِعَتَيْنِ أَوْ مُكْرَهَتَيْنِ.\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلسَّمَوَاتِ: أَطْلِعِي شَمْسِي وَقَمَرِي وَنُجُومِي. وَقَالَ لِلْأَرْضِ: شَقِّقِي أَنْهَارَكِ، وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ.\nفَقَالَتَا: (أَتَيْنَا طَائِعِينَ)، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ -﵀.\nوَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَوْ أَبَيَا عَلَيْهِ أَمْرَهُ، لَعَذَّبَهُمَا عَذَابًا يَجِدَانِ أَلَمَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ\". (^٢)\n\"أي: انقادا لأمري، طائعتين أو مكرهتين، فلا بد من نفوذه، (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) ليس لنا إرادة تخالف إرادتك\". (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-205> مشاهد من عبودية الحجر والشجر وتلبيتهما بالحج والعمرة:</span>\nفالحجر والشجر يذكران الله تعالى ويجيبان دعوته بالتلبية مع من يلبي من عباد الله حاجًا كان أو معتمرًا ويدل على ذلك ما ثبت عند الترمذي وصححه الألباني منْ حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا) \". (^٤)\n\n*<span data-type='title' id=toc-206> مشاهد من عبودية نصرة الحجر والشجر للمسلمين:</span>\n_________\n(^١) - تفسير البغوي: (٦/ ٣٨١).\n(^٢) - ابن كثير: (٧/ ١٦٧)\n(^٣) -ابن سعدي: (٧٤٥).\n(^٤) - رواه الترمذي: (٨٢٨) وصححه الألباني في صحيح الجامع: (٢/ ١٠٠٥).","vol":"1","page":94},{"text":"ومن مشاهد عبودية الحجر والشجر كذلك موالاة المجاهدين من عباد الله المؤمنين وحثهم على قتل اليهود.\nويدل على ذلك ما ثبت عند الإمام مسلم في صحيحه منْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ). (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-207> مشاهد من عبودية الحجر والشجر شاهدتهما للمؤذِّنِ:</span>\nالشجرُ والحجر يشهدان للمؤذِّنِ: كما قال رسولُ الله ﷺ: لا يسمعُه جنٌ ولا أنسٌ ولا شجرٌ ولا حجرٌ إلاّ شهد له. (^٢)\n* مشاهد من عبودية تسليم الحجر على النبي - ﷺ: -\nقال رسولُ اللهِ - ﷺ: - \" إني لأعرفُ حجرًا بمكّة كانَ يُسلِّمُ عليَّ قبل أن أُبعَثَ \".\nقال النوويُّ - ﵀ -: فيه معجزةٌ للنبيِّ ﷺ وفي هذا إثباتُ التمييزِ في بعض الجماداتِ … (^٣)\n\n*<span data-type='title' id=toc-208> مشاهد من عبودية انقياد الشجرة لرسول الله -ﷺ</span>-:\nعن جابر بن عبدالله - ﵄- قال: سِرْنَا مع رَسُولِ اللهِ ﷺ حتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ بإدَاوَةٍ مِن مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَرَ شيئًا يَسْتَتِرُ به، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بشَاطِئِ الوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى إِحْدَاهُمَا، فأخَذَ بغُصْنٍ مِن أَغْصَانِهَا، فَقالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بإذْنِ اللهِ فَانْقَادَتْ معهُ كَالْبَعِيرِ المَخْشُوشِ، الذي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى، فأخَذَ بغُصْنٍ مِن أَغْصَانِهَا،\n_________\n(^١) - رواه مسلم: (٢٩٢٢)\n(^٢) - صحيح سنن ابن ماجه: (٥٩٧) وأصله في البخاري.\n(^٣) -صحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ٢٦).","vol":"1","page":95},{"text":"فَقالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بإذْنِ اللهِ فَانْقَادَتْ معهُ كَذلكَ، حتَّى إِذَا كانَ بالمَنْصَفِ ممَّا بيْنَهُمَا، لأَمَ بيْنَهُمَا، يَعْنِي جَمعهُمَا، فَقالَ: التَئِما عَلَيَّ بإذْنِ اللهِ فَالْتَأَمَتَا … \". (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-209> مشاهد من عبودية أعضاءُ بني آدم في الدنيا:</span>\nقال رسول الله ﷺ: (إذا أصبح ابن آدم فإنّ الأعضاءَ كُلُّها تكفِّرُ اللسانَ فتقول: اتَّقِ الله فينا فإنما نحنُ بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا\". (^٢)\n\n*<span data-type='title' id=toc-210> مشاهد من عبودية أعضاءُ بني آدم في الآخرة:</span>\nقال الله تبارك تعالي عن أهل النار: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (فصلت: ٢٠ - ٢١)\n(حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا) أي انتهوا إليها، وادعوا أنهم مظلومون وأخذوا يتنصَّلون من ذنوبهم، وقالوا إنهم لا يقبلون شاهدًا من غير أنفسهم فيأمر الله تعالى أسماعهم وأبصارهم وجلودهم فتشهد عليهم بما كانوا يعملون، وهو قوله تعالى: (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وهنا رجعوا على جلودهم يلومون عليهم ويعتبون وهو ما أخبر تعالى به في قوله: (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا) فأجابتهم جلودهم بما أخبر تعالى عنهم في هذا السياق (قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). (^٣)\nومثل ذلك قوله تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يس: ٦٥)\nومثل ذلك -أيضًا- قوله تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٢٤: النور)\n_________\n(^١) - رواه مسلم: (٢٠١٢).\n(^٢) - صحيح الترمذي: (٢٤٠٧).\n(^٣) أيسر التفاسير، لأبي بكر الجزائري: (٣/ ٤٧٥).","vol":"1","page":96},{"text":"ويشهد لذلك من السنة ما ثبت عند مسلم من حديث أنس بن مالك - ﵁- قال: كُنَّا عِنْدَ رَسولِ اللهِ ﷺ فَضَحِكَ، فَقالَ: هلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قالَ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسولُهُ أَعْلَمُ، قالَ: مِن مُخَاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ يقولُ: يا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: يقولُ: بَلَى، قالَ: فيَقولُ: فإنِّي لا أُجِيزُ علَى نَفْسِي إلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قالَ: فيَقولُ: كَفَى بنَفْسِكَ اليومَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الكَاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فيُخْتَمُ علَى فِيهِ،\nفيُقَالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قالَ: فَتَنْطِقُ بأَعْمَالِهِ، قالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بيْنَهُ وبيْنَ الكَلَامِ، قالَ فيَقولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ. (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-211> مشاهد من عبودية محبةِ جبلِ أحد لرسولِ اللهِﷺ- وللمؤمنين:</span>\nقال رسول الله -ﷺ-: \"هذِه طَابَةُ (المدينة)، وَهذا أُحُدٌ، وَهو جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ\". (^٢)\nفي روايةٍ أخرى قال رسول الله -ﷺ-: \"اثبتْ أُحدٌ فإنّ عليك نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان\". (^٣).\nفسبحان من أنطق الجوارح كلها لتشهد على صاحبها، أنطق اليدين وأنطق القدمين وأنطق السمع والأبصار والجلود.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>المطلب السادس: مشاهد من عبودية الطعام وتسبيحه</span>\nالطعام يقدس الله تعالى ويسبحه، فقد ثبت عند البخاري منْ حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ: «اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ». فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: «حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ المُبَارَكِ، وَالبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ»، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهْوَ يُؤْكَلُ\". (^٤)\nوبعد هذا البيان يتضح للمتأمل عبودية المخلوقات كلها لربها جل في علاه، العوالم كلها علويها\n_________\n(^١) - رواه مسلم: (٢٩٦٩).\n(^٢) - رواه مسلم: (١٢٩٢).\n(^٣) - فتح الباري: (٧/ ٣٨).\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، رقم: (٣٥٧٩).","vol":"1","page":97},{"text":"وسفليها، الجن والإنس والملائكة، والسموات العلا وما فيها وما حوته من كواكب وأجرام وشمس وقمر ونجوم وأفلاك وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، والأرض وما فيها من جبال وأنهار وبحار وقفار وجنات ونبات وحيوان ووحش وطير ودواب وهوام وجمادات، والعرش والكرسي، والجنة والنار، واللوح والقلم، وغيرها من مخلوقات الله ما علمنا منها وما\nلم نعلم، الكل أقر بعبوديته لله وسبح بحمده وأقر بربوبيته وألوهيته فوحده وقدسه وخضع لكبريائه وعظمته وسجد له وخشع وعبده سبحانه خوفًا وطمعًا رغبًا ورهبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-213>تنبيه لبني آدم:</span>\nوحقيقٌ ببني آدم أن يكونوا في طليعة هذه الكائنات التي خضعت لعبودية الله، فالإنسان من أفقر المخلوقات لبارئها وهو مع ذلك من أكثرها تمردًا وعصيانًا وجحودًا وإنكارًا لربه ولنعمه، كم قال تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) (العاديات: ٦)\n\"أَيْ طُبِعَ الْإِنْسَانُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَكَنُودٌ لَكَفُورٌ جَحُودٍ لِنِعَمِ اللَّهِ.\nوَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ. وَقَالَ: يَذْكُرُ الْمَصَائِبَ وَيَنْسَى النِّعَمَ \". (^١)\nفـ\" مَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ، فَلْيَلْزَمْ عَتَبَةَ الْعُبُودِيَّةِ. فَأَسْعَدُ الْخَلْقِ: أَعْظَمُهُمْ عُبُودِيَّةً لِلَّهِ\". (^٢)\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-214>أبرز النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة وتوصيات البحث وخاتمته:</span>\nتوصلت تلك الدراسة إلى ما يلي:\n١ - أن الله خلق الخلق لمهمة عظيمة وغاية جليلة بها تتحقق لهم سعادة الدارين\n٢ - أن التكليف بالعبادة عمَّ الثقلين جميعًا\n٣ - أن العبادة منقسم لقسمين:\nأما القسم الأول: فهي عبودية اختيار وانقياد وطاعة، وتلك هي عبودية عباد الله الأبرار، وهي العبودية التي تميز بها المؤمنون الأطهار عن الكفار والفجار.\n_________\n(^١) - تفسير القرطبي: (٢٠/ ١٤٣).\n(^٢) - مجموع الفتاوى (١/ ٣٩).","vol":"1","page":98},{"text":"وأما القسم الثاني: فهي عبودية قهر وغلبة، وهي عبودية الطغاة والعتاة الفجار، فقد قهرهم الله فلا يسعهم أحد منهم الخروج عن مشيئته وقدرته النافذة فيهم أبدًا، ذلك لأن أمره سبحانه نفذ فيهم، وأن افتقارهم لخالقهم وبارئهم لا غنى لهم عنه البتة لأن قوام حياتهم به - سبحانه.\n٤ - أن أعظم الخلق عبودية الأنبياء والمرسلين يتقدمهم أولو العزم من الرسل، وأفضلهم بل وأفضل الخلق أجمعين وأكملهم عبودية لله هو خاتم النبين والمرسلين نبينا محمد ﷺ.\n٥ - أنه لمّا كانت عبودية الأنبياء والمرسلين هي أعلى مقامات العبودية، فإنه رتبة عبودية أتباعهم تلي رتبتهم في المكانة والفضل والسبق وفي مقدمتهم أصحاب نبينا محمد ﷺ خير أصحاب لخير نبي- رضوان الله عليهم أجمعين.\n٦ - أنه لمًا كان وصف العبودية من أجلِّ الأوصاف فقد وصف الله به نبيه وصفيه وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه - نبينا محمد -ﷺ- في أرفع المقامات وأجلِّها.\n٧ - أن الكون كله علويه وسفليه بجميع مخلوقاته خضع لسلطانه سبحانه وانقاد لأمره طائعًا، وقد أعطى الله الكائنات والجمادات إدراكًا خاصة تدرك وتميز به عبوديتها لله، فهي تعظم الله وتسبحه وتسجد له وتخشع وتخضع لأوامره سبحانه على الحقيقة على وجه أعلمها الله إياه - سبحانه.\n٨ - أنه ينبغي على الإنسان الذي سخر الله له ما في سماوته وما في أرضه التفكر في عظمة خالقه والانقياد لأمره والخضوع والتذلل له سبحانه والإقبال عليه بمحض إرادته شكرًا لنعمائه واعترافًا له بإحسانه وإفضاله، وعدم التمرد والخروج عن عبوديته اختيارًا، وإلا فإنه مقهور ومغلوب على أمره لضعفه ولا يسعه أن يخرج عن أمر خالقه النافذ فيه بعبوديته له ﷾ غلبة وقهرًا.\n٩ - أن من دواعي وعوامل الثبات على عبودية الله تعالى التفكر في عبودية الكائنات التي خضعت وخشعت وسجدت لخالقها وباريها.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":99},{"text":"وفق الله جامعه للانتهاء من تبيضه في فجر الإثنين الموافق: ٢٥/ ١١/ ١٤٤٢ هـ\nبمدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية.\nأملاه\nالعبد الضعيف الفقير إلى عفو ربه ومغفرته\nعَرَفةُ بْنُ طَنْطَاوِيِّ\nالرياض في: ٣/ ١/ ١٤٤٢ هـ\nالبريد:  arafatantawy@hotmail.com-\nواتساب: ٠٠٩٦٦٥٠٣٧٢٢١٥٣","vol":"1","page":100},{"text":"مجموع الفهارس\n\nأ-<span data-type='title' id=toc-215> فهرس المراجع</span>\n١ - البداية والنهاية المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) الناشر: دار الفكر عام النشر: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م عدد الأجزاء: ١٥.\n٢ - بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز المؤلف: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروز آبادى (المتوفى: ٨١٧ هـ) المحقق: محمد علي النجار الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة عدد الأجزاء: ٦.\n٣ - تفسير ابن سعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المؤلف: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: ١٣٧٦ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى ١٤٢٠ هـ -٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ١.\n٤ - تفسير ابن كثير: (٣/ ١٤٢). تفسير القرآن العظيم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) المحقق: محمد حسين شمس الدين الناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٩ هـ.\n٥ - تفسير ابن الجوزي = زاد المسير في علم التفسير المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ.\n٦ - تفسير ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز المؤلف: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: ٥٤٢ هـ) المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":101},{"text":"٧ - تفسير الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المؤلف: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: ١٢٧٠ هـ) المحقق: علي عبد الباري عطية الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ عدد الأجزاء: ١٦.\n٨ - تفسير الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، المؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (المتوفى: ١٣٩٣ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان عام النشر: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ مـ.\n٩ - تفسير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ) المحقق: أحمد محمد شاكر الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ٢٤.\n١٠ - تفسير البغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن، المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: ٥١٠ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ عدد الأجزاء: ٥.\n١١ - تفسير الفخر الرازي، مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: ٦٠٦ هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ.\n١٢ - تفسير القرطبي، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: ٦٧١ هـ)، تحقيق: أحمد\nالبردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة الطبعة: الثانية، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م عدد الأجزاء: ٢٠ جزءا (في ١٠ مجلدات).","vol":"1","page":102},{"text":"١٣ - تفسير القاسمي، محاسن التأويل المؤلف: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: ١٣٣٢ هـ) المحقق: محمد باسل عيون السود الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ.\n١٤ - التوقيف على مهمات التعاريف، المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: ١٠٣١ هـ) الناشر: عالم الكتب ٣٨ عبد الخالق ثروت-القاهرة الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ-١٩٩٠ م عدد الأجزاء: ١.\n١٥ - شرح الأصول من علم الأصول، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ) الناشر: دار ابن الجوزي الطبعة: الرابعة، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م عدد الأجزاء: ١.\n١٦ - العبودية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: محمد زهير الشاويش الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت الطبعة: الطبعة السابعة المجددة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n١٧ - فيض القدير شرح الجامع الصغير المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: ١٠٣١ هـ) الناشر: المكتبة التجارية الكبرى - مصر الطبعة: الأولى، ١٣٥٦ عدد الأجزاء: ٦.\n١٨ - لسان العرب، المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقي (المتوفى: ٧١١ هـ) الناشر: دار صادر - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤١٤ هـ عدد الأجزاء: ١٥.\n١٩ - مجموع الفتاوى، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الناشر: مجمع\nالملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية عام النشر: ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م.","vol":"1","page":103},{"text":"٢٠ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ) المحقق: محمد المعتصم بالله البغدادي الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الثالثة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م عدد الأجزاء: ٢.\n٢١ - المفردات في غريب القرآن، المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (المتوفى: ٥٠٢ هـ) المحقق: صفوان عدنان الداودي الناشر: دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٢ هـ.\n٢٢ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، راجعه: مُحَمَّدْ أَجْمَل الإصْلاحِي، سليمان بن عبد الله العمير، الناشر: دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ، عدد الأجزاء: ٥.\n٢٣ - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: محمد رشاد سالم الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م عدد المجلدات: ٩.\n٢٤ - مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني: دار القلم بدمشق ١٤١٨ هـ -١٩٩٧ م.\n٢٥ - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور المؤلف: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (المتوفى: ٨٨٥ هـ) الناشر: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة عدد الأجزاء: ٢٢. .","vol":"1","page":104}]}