{"ً":{"ٌ":8515,"ٍ":"العناية بالقرآن الكريم في العهد النبوي الشريف","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: العناية بالقرآن الكريم في العهد النبوي الشريف\nالمؤلف: يوسف بن عبد الله الحاطي\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة\nعدد الصفحات: ٦٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":930,"ٕ":4,"ٖ":1770155358,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول: حول القرآن","level":1,"page":5},{"title":"تعريف القرآن الكريم","level":2,"page":5},{"title":"الفرق بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي","level":2,"page":8},{"title":"فضل القرآن الكريم وفضل تلاوته وأثر ذلك في حياة الناس","level":2,"page":10},{"title":"ذكر فضائل بعض السور والآيات","level":2,"page":26},{"title":"فضل تعلم القرآن وتعليمه","level":2,"page":30},{"title":"فضل حفظ القرآن عن ظهر قلب","level":2,"page":32},{"title":"إثم من راءى بالقرآن أو تأكل به","level":2,"page":35},{"title":"كتاب القرآن الكريم","level":2,"page":38},{"title":"وسائل الكتابة","level":2,"page":41},{"title":"القراء من أصحاب الرسول ﷺ","level":2,"page":46},{"title":"*","level":3,"page":46},{"title":"عائشة أم المؤمنين ﵂","level":3,"page":50},{"title":"أبي بن كعب ﵁","level":3,"page":52},{"title":"زيد بن ثابت ﵁","level":3,"page":54},{"title":"عبد الله بن مسعود ﵁","level":3,"page":56},{"title":"سالم مولى أبي حذيفة ﵁","level":3,"page":59},{"title":"أم ورقة الشهيدة ﵂","level":3,"page":61},{"title":"أبو زيد ﵁","level":3,"page":63},{"title":"الفصل الثاني: عناية النبي ﷺ بالقرآن الكريم","level":1,"page":64},{"title":"حرص النبي ﷺ على تلقي القرآن وحفظه","level":2,"page":64},{"title":"نهيه ﷺ عن كتابة شيء عنه غير القرآن الكريم","level":2,"page":66},{"title":"توجيهه ﷺ الكتاب بكتابة كل آية في موضعها","level":2,"page":67},{"title":"تشجيعه ﷺ على تلاوة القرآن وحفظه","level":2,"page":69},{"title":"أمره ﷺ الصحابة بتعاهد القرآن حتى لا يتفلت","level":2,"page":71},{"title":"أمره ﷺ بتحسين الصوت بالقراءة","level":2,"page":73},{"title":"حرصه ﷺ على استماع القرآن من غيره","level":2,"page":76},{"title":"نهيه ﷺ عن الاستعجال في القراءة","level":2,"page":77},{"title":"تحريم القول في القرآن بغير علم","level":2,"page":81},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":83},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":84}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":9,"1,10":11,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,14":15,"1,15":16,"1,16":17,"1,17":18,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":21,"1,21":22,"1,22":23,"1,23":24,"1,24":25,"1,25":27,"1,26":28,"1,27":29,"1,28":31,"1,29":33,"1,30":34,"1,31":36,"1,32":37,"1,33":39,"1,34":40,"1,35":42,"1,36":43,"1,37":44,"1,38":45,"1,39":47,"1,40":48,"1,41":49,"1,42":51,"1,43":52,"1,44":53,"1,45":55,"1,46":57,"1,47":58,"1,48":60,"1,49":62,"1,51":64,"1,52":65,"1,53":66,"1,54":68,"1,55":70,"1,56":72,"1,57":74,"1,58":75,"1,59":76,"1,60":77,"1,61":78,"1,62":79,"1,63":80,"1,64":82,"1,65":83,"1,66":84,"1,67":85},"ٜ":{"1":[1,67]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,6","1,7","1,8","1,8","1,9","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,24","1,25","1,26","1,27","1,27","1,28","1,28","1,29","1,30","1,30","1,31","1,32","1,32","1,33","1,34","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,38","1,39","1,40","1,41","1,41","1,42","1,43","1,44","1,44","1,45","1,45","1,46","1,47","1,47","1,48","1,48","1,49","1,49","1,51","1,52","1,53","1,53","1,54","1,54","1,55","1,55","1,56","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2,3],"8":[4],"10":[5],"26":[6],"30":[7],"32":[8],"35":[9],"38":[10],"41":[11],"46":[12,13],"50":[14],"52":[15],"54":[16],"56":[17],"59":[18],"61":[19],"63":[20],"64":[21,22],"66":[23],"67":[24],"69":[25],"71":[26],"73":[27],"76":[28],"77":[29],"81":[30],"83":[31],"84":[32]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ملخص البحث\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:\nفهذا بحث موجز حاولت أن أُبيِّن فيه باختصار العناية التي كان يلقاها القرآن الكريم في عهد النبي ﷺ من النبي ﷺ ومن صحابته الكرام ﵃ أجمعين. وقد جعلت هذا البحث في<span data-type=\"title\" id=toc-1> مقدمة </span>وفصلين، الفصل الأول جعلته بعنوان: حول القرآن الكريم، وتحدثت فيه عن مباحث عامة حول القرآن الكريم كتعريف القرآن الكريم والفرق بينه وبين الحديث القدسي والحديث النبوي، ثم ذكرت طرفًا من فضائل القرآن الكريم عمومًا وفضائل بعض السور خصوصًا، وأثر تلاوة القرآن الكريم على الفرد والجماعة، وتحدثت فيه كذلك عن كتّاب القرآن الكريم وقرائه من صحابة النبي ﷺ.\nأما الفصل الثاني فقد جعلته عن عناية النبي ﷺ بالقرآن الكريم فبينت فيه شدة اهتمامه ﷺ بالقرآن، ومن ذلك مثلًا حرصه على تلقي القرآن من الوحي، وأمره بحفظ القرآن والمحافظة عليه من النسيان، وأمره بتحسين الصوت بقراءة القرآن، وغير ذلك من المباحث التي تدل على عنايته ﷺ.","vol":"1","page":1},{"text":"المقدّمة\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:\nفالقرآن كلام الله ﷾ الذي تكلم به وأوحاه إلى نبيه محمد ﷺ بواسطة الملك جبريل ﵇، فهو الهدى والنور وهو الشفاء، وهو الذكر الذي به تطمئن القلوب، من حكم به عدل، ومن استهدى به هدي، ومن استشفى به شفي بإذن الله، عزَّ به أول هذه الأمة، ولا يعز آخرها إلا به، قال ﷺ: \" تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض\" ١.وعن علي ﵁ قال: \"أما إني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول:\"ألا إنها ستكون فتنة\" فقلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: \"كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا:\"إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد\".من قال\n_________\n١ أورده الألباني ﵀ في صحيح الجامع الصغير برقم ٢٩٣٧ وقال: صحيح.","vol":"1","page":2},{"text":"به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هَدَى إلى صراط مستقيم\".١\nولقد اهتم السلف والخلف من هذه الأمة بكتاب ربها، فتلقاه النبي ﷺ من الوحي، وتلقفه الصحابة ﵃ فحفظوه وفهموه وعملوا به، ثم جاءت من بعدهم الأجيال المتعاقبة، جيل من بعد جيل، فألفت فيه التآليف الكثيرة، فكتبٌ في أول ما نزل وآخر ما نزل، وأخرى في ناسخه ومنسوخه وأخرى في محكمه ومتشابهه، وكتبٌ في التفسير بأنواعه، بالإضافة إلى كتب في فضائله. ولو رجعنا إلى محتوى أي كتاب من هذه الكتب لوجدنا الأبواب والفصول الكثيرة التي لا تكاد تحصى، حتى إنه لم يترك شيء يتعلق بالقرآن الكريم إلا دُرس وألِّف فيه، وما ذلك الحفظ إلا لحفظ الله له الذي ذكره بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) .\nوإني في هذا البحث الموجز – الذي أقدمه لهذه الندوة المباركة: \"عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه \" التي يعقدها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة – حاولت جمع ما تيسر لي من الآيات والأحاديث التي تبين العناية بالقرآن الكريم في عهد النبي ﷺ، سواءً كانت تلك العناية منه ﷺ أو من صحابته رضوان الله عليهم أجمعين، ولم يكن هدفي استقصاء جميع طرق الحديث\n_________\n١ أخرجه الترمذي برقم ٢٩٠٦ وقال: (هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال) .وقال ابن كثير في كتابه (فضائل القرآن ص ١٦) وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي ﵁، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ\".","vol":"1","page":3},{"text":"ورواياته، بل الاستدلال للمسألة التي أنا بصدد الحديث عنها، فإذا وجدت حديثًا في صحيح البخاري مثلًا اكتفيت به ولم أبحث عن بقية طرقه. ولقد بذلت وسعي لئلا أستدل في أصل هذا البحث إلا بحديث صحيح قدر المستطاع، وقد تم لي ذلك ولله الحمد والمنة، غير أحاديث في آخر مبحث منه رأيت أنها في مجموع طرقها لا تنزل عن درجة الحسن أي أنها ليست ضعيفة.\nوقد يلحظ القارئ الكريم تكرار الأدلة في مباحث هذا البحث وما ذلك إلا لأن بعض الأدلة فيه دلالة على عدة مسائل، وهذا ما يجعلني أكرر الدليل أو بعضه عند كل مسالة، وقد يكون ذلك أدى إلى بعض الطول في البحث، ولكن هذا الطول غير ممل، إذ القارئ لن يجد في هذا البحث - غالبًا - إلا كلام الله وكلام رسوله ﷺ، وقد حاولت أن لا أكثر من الشرح خشية الإطالة والملل. وما أدليت بدلوي إلا بتقديم بين يدي الدليل أو إشارة إلى بعض ما يحتويه من المعاني.\nأما من ترجمت لهم من الصحابة فقد نقلت تراجمهم من سير أعلام النبلاء للذهبي والإصابة لابن حجر كما هي، مع الإشارة إلى ذلك في الحاشية. وقد اعتمدت في هذا البحث على عدد من المراجع أثبتها في آخره.\nوإني أقدم إليك أخي الكريم عذري عن كل سهو أو تقصير وقع في هذا البحث، فالنقص والنسيان صفتان ملازمتان للإنسان، ولو أعدت النظر في هذا البحث مرات ومرات لعدلت وبدلت وقدمت وأخّرت في كل مرة.\nفسبحان الله المنزّه عن النقص والعيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول: حول القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>تعريف القرآن الكريم</span>\n...\nتعريف القرآن الكريم\nلقد بذل العلماء قديمًا وحديثًا كل وسعهم لإيجاد تعريف للفظة القرآن فتناولوها من الجانبين اللغوي والاصطلاحي كما هو معهود عند كل تعريف، وأوردوا في ذلك أقوالًا وآراء يكاد يكون كل واحد منها تكرارًا للآخر، غير أن كل واحد من أولئك العلماء الأجلاء رجح رأيًا استحسنه ومال إليه، ومن هنا رأيت في بحثي هذا المتواضع أن أضرب عن التعريف اللغوي صفحًا، إذ لا حاجة ولا فائدة من ذكره هنا، أما التعريف الاصطلاحي فسأذكره لأنني فيما بعد سأتعرض للجانب الآخر من الوحي ألا وهو الحديث بقسميه: القدسي والنبوي وذلك عند ذكر الفرق بينهما وبين القرآن الكريم.\nوسبب تناولي لهذه التعريفات أن الرسول ﷺ – كما سيأتي- نَهى عن كتابة شيء عنه غير القرآن وذلك زيادة اهتمام منه ﷺ بالقرآن حتى لا يختلط به غيره من الحديث بنوعيه، ويعلم من ذلك أن الصحابة ﵃ كانوا يفرقون بين ما هو قرآن يجب عليهم كتابته وتدوينه، وما هو غير قرآن نهوا عن كتابته.\nالتعريف الاصطلاحي للقرآن الكريم\nوردت عن العلماء تعريفات كثيرة للقرآن الكريم وهذه التعريفات تتفاوت من ناحية الشمول، فبعضها أشمل من بعض، وتتفاوت كذلك من ناحية الألفاظ. وإني - وإن قل الاعتداد بكثرة ألفاظ التعريف أو قلتها - أقر بأن التعريف ينبغي أن يكون دالًا على جميع أجزاء المعرف بأقل لفظ ممكن، مهما كثرت ألفاظه.","vol":"1","page":6},{"text":"وعند الرجوع إلى كتب علوم القرآن لمعرفة التعريف الاصطلاحي وجدت كما أشرت سابقًا عدة تعريفات فالشيخ مناع القطان ﵀ قال نقلًا عن العلماء – كما يقول: \"كلام الله المنزل على محمد ﷺ المتعبد بتلاوته\"١.\nوقال الشيخ صبحي الصالح ﵀: (هو الكلام المعجز المنزل على النبي ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول عنه بالتواتر المتعبد بتلاوته\" ٢.\nثم قال بعد ذلك: وتعريف القرآن على هذا الوجه متفق عليه بين الأصوليين والفقهاء وعلماء العربية\".\nوأما الشيخ محمد سالم محيسن فعرفه نقلًا عن إرشاد الفحول قائلًا: \"هو كلام الله تعالى المنزل على نبينا محمد ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول إلينا نقلًا متواترًا المتعبد بتلاوته المتحدى بأقصر سورة منه\"٣.\nأما الشيخ الصابوني فقد عرفه بأنه:\"كلام الله المعجز المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين بواسطة الأمين جبريل ﵇ المكتوب في المصاحف المنقول إلينا بالتواتر المتعبد بتلاوته المبدوء بسورة الفاتحة المختتم بسورة الناس\"٤.\n_________\n١ مباحث في علوم القرآن، الشيخ مناع خليل القطان، مكتبة وهبة ص١٦.\n٢ مباحث في علوم القرآن، صبحي الصالح، دار العلم للملايين ط١٦ ص٢١.\n٣ تاريخ القرآن الكريم، رابطة العالم الإسلامي، سلسلة دعوة الحق، السنة الثانية، ١٤٠٢هـ.\n٤ التبيان في علوم القرآن، الشيخ محمد علي الصابوني مكتبة الغزالي ص٦.","vol":"1","page":7},{"text":"وقد خرجت من مجموع هذه التعريفات بتعريف أرى أنه أجمع من غيره وهو: \"القرآن كلام الله الذي أوحاه إلى نبينا محمد ﷺ يقظة بلفظه ومعناه، المعجز والمتعبد بهما والمنقول إلينا تواترًا والمحفوظ بين دفتي المصحف\"١.\nوهذه العبارات التي يحتوي عليها التعريف منتقاة من مجموع التعريفات.\n_________\n١ ترى اللجنة العلمية للندوة أن الراجح في تعريف القرآن هو ما ذكره الطحاوي بقوله: \"إن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر\" شرح العقيدة الطحاوية (طبع مؤسسة الرسالة) ١/١٧٢.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفرق بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي</span>\nلقد نطق الرسول ﷺ بالقرآن الكريم كما نطق بالحديث القدسي والحديث النبوي وكان الصحابة ﵃ حريصين على تسجيل كل ذلك وتدوينه، إذ إن كل ذلك دين ينبغي الحرص عليه، ولكن لما كان من الممكن أن يختلط القرآن بغيره نهى النبي ﷺ عن كتابة أي شيء عنه غير القرآن وقد أوردت مبحثًا خاصًا حول هذا النهي.\nوعلى هذا رأيت أن أذكر –باختصار - الفرق بين القرآن وغيره مما كان ينطق به الرسول ﷺ.","vol":"1","page":8},{"text":"قلت: والمقصود هنا ذكر فروق القرآن عن نوعي الحديث دون حاجة إلى ذكر الفروق بين هذين النوعين، ومن تعريف القرآن الكريم وتعريف نوعي الحديث تتضح لنا فروق القرآن عنها، وهي:\n١- القرآن الكريم نزل بلفظه ومعناه أما الحديث فنزل بمعناه دون لفظه على الصحيح.\n٢- القرآن الكريم معجز بلفظه ومعناه، بخلاف الحديث فليس فيه صفة الإعجاز والتحدي.\n٣- القرآن الكريم جميعه منقول بالتواتر وهو قطعي الدلالة، أما الحديث ففيه المتواتر والآحاد.\n٤- القرآن الكريم تصح به الصلاة ولا تصح بغيره.\n٥- القرآن الكريم متعبد بلفظه ومعناه فمجرد تلاوته عليها أجر عظيم منصوص عليه في الحديث الصحيح، ولا يجري هذا الأجر على الحديث بنوعيه، وإن كانت قراءته عليها أجر عام غير محدد.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>فضل القرآن الكريم وفضل تلاوته وأثر ذلك في حياة الناس:</span>\nالقرآن هو كلام الله الذي يخاطب به كل واحد منا صباح مساء، وقد سبقت في المقدمة الإشارة إلى أوصافه التي تعرف بها مكانته، فالفضل كل الفضل في قراءة حروفه وفهم معانيه والوقوف عند حدوده، لعلَّنا أن نكون","vol":"1","page":9},{"text":"من أهله فقد ورد عنه ﷺ أنه قال: \" إن لله أهلين\" قيل: من هم يا رسول؟ قال: \"أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته\" ١\nوالحديث عن فضل القرآن وفضل تلاوته وأثر تلاوته في حياة الناس حديث قد يطول، لما للقرآن من فضل، ولما ورد فيه من الأدلة الكثيرة، ولما كان من الصعب حصر كل ذلك في هذا البحث الموجز رأيت أن أقدم إشارات لطيفة إلى بعض ذلك، فما لا يدرك كله لا يترك جله. وإليك أيها القارئ الكريم شيء من تلك الأدلة التي جمعتها وحاولت الربط بينها ربطًا خفيفًا إما بتقديم للآية أو بذكر تفسير مختصر لها.\nقلت: وبمعرفة صفات القرآن الكريم الواردة في آياته الكريمة والأحاديث والآثار، وبتدقيق النظر فيها يتجلى لنا فضل القرآن الكريم، ذلك الفضل الذي لم يقتصر على الأمة الإسلامية فقط بل تعداها إلى البشرية بعامة، فالقرآن مصدر الهداية المنزه عن الشك والريب، كيف لا وهو كلام الله الذي قاله بنفسه وأنزله على نبيه محمد ﷺ لهداية الثقلين الجن والإنس، قال تعالى: ﴿آلم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ١) . وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ﴾ (البقرة: ١٨٥) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩) .\nفأصح طريق وأقومه هو ما هدى وأرشد إليه القرآن الكريم لأنه النور المبين الذي ينير الطريق للبشرية في ظلمة هذه الحياة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ\n_________\n١ مسند الإمام أحمد بن حنبل ٣/ ١٢٧ و١٢٨. وأورده الألباني في صحيح الجامع تحت رقم ٢١٦٥ وقال: صحيح.","vol":"1","page":10},{"text":"أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (البقرة: ٩٩) . وقال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (الحجر: ١) .\nولما له من الأثر العظيم والتأثير البالغ في النفوس ما لبثت الجن حين سمعته أن آمنت به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ (الأحقاف: ٢٩-٣١) .\nوقال تعالى مخبرًا عنهم مرة أخرى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنً عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (الجن:١-٢) .\nوانظر إلى أحد فصحاء العرب حين استمع القرآن ماذا قال:\"والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه يعلو ولا يعلى عليه\".١\nلكنه تحت تأثير قومه نكص على عقبيه وافترى على الله الكذب قال الله تعالى في خبره: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ نَظَرَ. ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ. فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (المدثر: ١٨-٢٥) .\nبل ولا أبالغ إذا ما قلت إن عددًا كبيرًا من المسلمين الأوائل كان سبب إسلامهم وهدايتهم سماعهم لآيات القرآن التي انبهروا بها وعرفوا بتوفيق الله لهم أن هذا الكلام وهذه البلاغة والفصاحة لا يمكن أن تصدر عن بشر.\n_________\n١ تفسير ابن كثير ٤/٤٦٦.","vol":"1","page":11},{"text":"والآيات في وصف القرآن بأنه مصدر الهداية والإرشاد، والقيادة إلى طريق السعادة والسداد كثيرة جدًا، ولكني اقتصرت منها على ما ذكرت. والله ولي التوفيق.\nوالقرآن كذلك سبب لتنزل رحمة الله على عباده المؤمنين وسبب لمغفرة الذنوب وحصول الأجر والثواب. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠٣) . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ٥٢) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (الأعراف: ١٧٠) .\nوقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء ٨٢) .فالرحمة من أوصاف القرآن فهو سبب للرحمة المتنزلة من الله على عباده المؤمنين، فمن حفظه استحق الرحمة، ومن قرأه استحق الرحمة، ومن تدارس معانيه فكذلك، قال ﷺ: \"وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطَّأ به عملُه لم يسرع به نسبُه\" ١.بل والرحمة بالقرآن تتجاوز حفظه وتدارسه بكثير فمن استمع له وأنصت استحق الرحمة قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠٤) . أسأل الله أن يرحمني وإياكم برحمته.\n_________\n١ أخرجه مسلم برقم ٢٦٩٩.","vol":"1","page":12},{"text":"والقرآن كذلك دلالة وعلامة على الإيمان، فلا يقرأه إلا مؤمن، ولا يهجره إلا فاسق، ولا يبغضه إلا كافر صريح الكفر أو منافق، قال تعالى في وصف عباده المؤمنين: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (البقرة: ١٢١) .\nوقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (فاطر: ٣٢) . فهولاء التالون لكتاب الله هم المؤمنون حقًا الذين يعبدون الله حق عبادته ويرجون رحمته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ (فاطر: ٢٩) . وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٧) والله ﷾ زكَّى هؤلاء بالقرآن وجعله مصدرًا لتزكية نفوسهم حتى تطهر وتسمو، وأرسل إليهم نبيه محمدًا ﷺ ليزكيهم، قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٥١) ويؤكد الله هذا المعنى في آية أخرى فيقول: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران:","vol":"1","page":13},{"text":"١٦٤) ويؤكد هذا المعنى مرة ثالثة إذ يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: ٢)\nوالقرآن كذلك نور يضيء الطريق للمؤمنين وقد سمَّاه الله تعالى نورًا في كثير من الآيات، وهو نور بذاته وسبب لكل نور يحصل لعباد الله المؤمنين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (النساء: ١٧٤) .\nوقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (المائدة: ١٥،١٦) . وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (الشورى: ٥٢) . وقال تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالإيمان بهذا النور بعد أمره إياهم بالإيمان بذاته وبرسوله ﷺ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (التغابن: ٨) .\nومن رحمة الله تعالى بعباده أن جعل القرآن الكريم شفاءً من كثير من الأدواء الحسية والمعنوية قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: ٨٢) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٥٧) . وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ (فصلت: ٤٤) .\nوقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الاستشفاء بالقرآن الكريم فعن عائشة ﵂ قالت: \"كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات فلما مرض مرضه الذي مات فيه","vol":"1","page":14},{"text":"جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يديَّ\"١.\nوعن أبي سعيد الخدري قال: كنا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم، وإن نَفَرَنا غيب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية، فرقاه فبرأ، فأمر لنا بثلاثين شاة وسقانا لبنًا. فلما رجع قلنا له أكنت تحسن الرقية أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلت: لا تحدِثوا شيئًا حتى نأتي أو نسأل النبي فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي ﷺ فقال: \"وما كان يدريه أنها رقية اقسموا واضربوا لي بسهم\".٢\nوكما أنه سبب في شفاء الأمراض الحسية، هو سبب للوقاية من الأمراض المعنوية وغيرها، وسبب في طرد الشيطان الذي هو سبب لكثير من الأمراض، فعن عائشة ﵂: \"أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات\".٣\nوقد ثبت عن أبي هريرة ﵁ قال: وكَّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام،\n_________\n١ أخرجه مسلم برقم ٢١٩٢.\n٢ أخرجه البخاري برقم ٥٠٠٧.\n٣ أخرجه البخاري برقم ٥٠١٧.","vol":"1","page":15},{"text":"فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: إني محتاج وعليَّ عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﷺ:\n\"يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ \" قال: قلت يا رسول الله شكا إليَّ حاجة شديدة وعيالًا فرحمته فخليت سبيله قال: \"أما إنه قد كذبك وسيعود\" فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ: \"إنه سيعود\" فرصدته فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: \"يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟ \" قلت: يا رسول الله. شكا حاجة شديدة وعيالًا فرحمته فخليت سبيله. قال: \"أما إنه قد كذبك وسيعود\" فرصدته الثالثة فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه،وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن؟ قال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ:\"ما فعل أسيرك البارحة؟ \" قلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: \"ما هي؟ \" قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. -وكانوا أحرص شيء على الخير-. فقال النبي ﷺ: \"أما إنه قد","vol":"1","page":16},{"text":"صدقك وهو كذوب، تعلم مَن تخاطب مِن ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ \" قال: لا، قال: \"ذاك شيطان\".١\nوالقرآن تذكرة وموعظة بما جاء فيه من قصص الأمم الغابرة، وبيان ما جوزي به مؤمنها وما عوقب به كافرها، فقد احتوى القرآن على قصص الأنبياء والصالحين وعلى قصص الكافرين والمعاندين فكأنه يذكرنا ويعظنا، يذكرنا بما حصل لهم وبقوة الله وجبروته وقدرته على خلقه، ويعظنا بأن نتبع سبيل الرشد ونبتعد عن سبل الغي والضلال.\nقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف: ٣) . وقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: ٨٩) . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا. وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ (الكهف: ٥٤-٥٥) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (يونس: ٥٧) . وقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (البقرة: ٢٣١) .\nفالقرآن موعظة بما ضرب الله لنا فيه من الأمثال وقصص وأخبار السابقين وخاصة الكافرين منهم. والمتدبر للآيات السابقة يلمس أن الله ﷾ ما ساق لنا هذه الأمثلة والقصص إلا لنتعظ ونعتبر، وهذا ما قد صرح به القرآن أحيانًا كثيرة حيث قال تعالى معللًا ذلك: ﴿وَكَذَلِكَ\n_________\n١ أخرجه البخاري برقم ٢٣١١.","vol":"1","page":17},{"text":"نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأنعام: ٥٥) . ومن تفصيل الآيات ذِكرُ تلك الأمثال والقصص وقد حذرنا الله تعالى من الوقوع في مثل ما وقعوا فيه، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥) .\nفي السياق نفسه جعل الله في القرآن بيان الوعد والوعيد ترغيبًا في إتباع طريق الحق وتحذيرًا من سلوك طرق الغي والضلال قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (طه: ١١٣) .\nومن فضل القرآن أن يبين الله فيه خبر كل شيء قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٣٨) . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ٥٢) . وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: ١١١) . وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ٨٩) .\nومن عظيم نعمة الله علينا ورحمته أن لم يترك شيئًا مما يهمنا إلا ذَكَرَه في الكتاب فله الحمد وله الشكر.","vol":"1","page":18},{"text":"وبعد أن ذكرت فضل القرآن الكريم وأثره في حياة المؤمنين استحسنت أن أذكر أثره في المعاندين الذين صدوا عنه وأعرضوا، وما نالهم وينالهم من الخسران المبين في الدنيا والآخرة، قال تعالى واصفًا حالهم عند تلاوة القرآن عليهم: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنفال: ٣١) .وقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (لقمان: ٧) . وقال: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ (الإسراء: ٤٦) .\nوقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (الأحقاف: ٧) . وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الجاثية: ٧-٨) . فلما تلي عليهم القرآن وأدركوا قوته وَلَّوْا وأعرضوا عنه، وصمُّوا آذانهم، وأعموا أبصارهم، واتهموه بالسحر لماَّ رأوا ما له من التأثير البالغ.\nوقال بعد بيان حال المؤمنين وما أعد الله لهم من النعيم المقيم والفوز المبين: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ (الجاثية: ٣١) . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الحج ٧٢) . ولكن ليس لهم إلا الحسرة والندامة يوم","vol":"1","page":19},{"text":"القيامة قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (الزمر: ٧١) .\nوبعد أن ذكر الله إقرارهم على أنفسهم بالكفر ذكر ندمهم واعترافهم بذنوبهم فقال: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ. فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك:١٠-١١) . وقال: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ. قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ. رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ (المؤمنون: ١٠٥-١٠٨) .\nوالآيات في ذكر حسرتهم وندمهم يوم لا ينفع الندم كثيرة أكثر من أن أحصيها في هذا البحث، نعوذ بالله من الخزي والخسران.\nوبعد أن ذكرت طرفًا من الآيات في فضل القرآن الكريم وفضل قراءته وأثره في حياة الناس رأيت أن أذكر طرفًا من أقوال الرسول ﷺ التي تدل على ذلك، وإليك أخي الكريم فضل القرآن الكريم كما جاءتنا به السنة المطهرة:\nالقرآن يشفع يوم القيامة لصاحبه، فعن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه\" ١. وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يؤتى يوم القيامة\n_________\n١ صحيح مسلم حديث رقم ١٨٧٤.","vol":"1","page":20},{"text":"بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران، وضرب لها رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: \" كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينها شَرق أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما\" ١.\nتلاوة القرآن سبب في رفعة الدرجات في جنات النعيم فعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: \"يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها\" ٢، وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: \"مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران \" ٣.\nقراءة القرآن سبب في زيادة الحسنات ورضا الرب ﷾: فعن عبد الله ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ: \" من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف\".٤ وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: \"يارب حله فيلبس تاج الكرامة ثم يقول: يارب زده فيلبس حلة\n_________\n١ صحيح مسلم حديث رقم ١٨٧٦ وسنن الترمذي ٢٨٨٦.\n٢ أخرجه الترمذي برقم ٢٩١٤ وقال: حسن صحيح.\n٣ أخرجه البخاري رقم ٤٩٣٧ ومسلم برقم ٧٩٨.\n٤ أخرجه الترمذي برقم ٢٩١٠.","vol":"1","page":21},{"text":"الكرامة ثم يقول يارب ارض عنه فيرضى عنه فيقال له: اقرأ وارق وتزاد بكل آية حسنة\" ١.\nالقرآن يرفع مكانة صاحبه ويكون سببًا في تقديمه على غيره فعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله\" ٢. وعن عامر بن واثلة أن نافع بن عبدا لحارث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله ﷿، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قال: \"إن الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا ويضع به آخرين \" ٣. ومعلوم في قصة غزوة بدر أن الرسول ﷺ عند دفن الشهداء ﵃ كان يقدم أقرأهم لكتاب الله إلى القبلة ثم الذي يليه في القراءة وهكذا.\nضرب رسول الله ﷺ مثل طيب الطعم والرائحة لقارئ القرآن فعن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: \"مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب ولا ريح فيها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن\n_________\n١ أخرجه الترمذي برقم ٢٩١٥ وقال حديث حسن صحيح.\n٢ أخرجه مسلم برقم ١٥٣٢.\n٣ أخرجه مسلم برقم ١٨٩٧.","vol":"1","page":22},{"text":"كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها\" ١. انظر أخي رعاك الله إلى الأثر العظيم لقراءة القرآن كيف أن المنافق والفاجر أصبحت لهما رائحة زكية كرائحة الريحانة بسبب قراءة القرآن، مع أنهما بعيدان عن الإيمان والقرآن كل البعد؟\nوقراءة القرآن سبب في تنزل السكينة والرحمة على قارئه قال ﷺ في الحديث الطويل الذي رواه أبو هريرة: \"وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه\" ٢. وعن أسيد بن حضير قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكنت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تصيبه فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال له: \"اقرأ يابن حضير، اقرأ يابن حضير\"، قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة، فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها. قال: \"وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: \"تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم\" ٣.\n_________\n١ متفق عليه أخرجه البخاري برقم ٥٠٢٠ ومسلم برقم ٧٩٧.\n٢ أخرجه مسلم برقم ٢٦٩٩.\n٣ متفق عليه أخرجه البخاري برقم ٥٠١٨ ومسلم برقم ٧٩٦.","vol":"1","page":23},{"text":"وأخرج البخاري من طريقه عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب ﵄ يقول: قرأ رجل الكهف وفي الدار الدابة فجعلت تنفر فسلم الرجل فإذا ضبابة أو سحابة غشيته فذكره للنبي ﷺ فقال: \"اقرأ فلان فإنها السكينة نزلت للقرآن أو تنزلت للقرآن\" ١.\n_________\n١ أخرجه البخاري برقم ٣٦١٤.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>ذكر فضائل بعض السور والآيات</span>\nوقد رأيت بعد أن ذكرت فضل القرآن وقراءته وقارئه أن أذكر شيئًا من فضائل بعض السور والآيات -كأمثلة - ولم أقصد الحصر، ومن أراد أن يعرف المزيد من ذلك فعليه الرجوع إليه في محله في كتب الحديث وفضائل القرآن.\nولم أجعل عنوانًا لكل سورة أو آية أذكر فضلها، وإنما اكتفيت بذكر الآية والحديث فقط ومنها:\nقول النبي ﷺ لأبي سعيد بن المعلى: \" ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ \" فأخذ بيدي فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله، إنك قلت: \"ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن؟ قال: \" ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته\" ٢.\nوروى الإمام مسلم بسنده عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا\n_________\n١ أخرجه البخاري برقم ٣٦١٤.\n٢ أخرجه البخاري برقم ٥٠٠٦.","vol":"1","page":24},{"text":"لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة\" ١، ففي أول هذا الحديث نص ﷺ على فضل القرآن كله وأنه يشفع لصاحبه يوم القيامة ثم خص من بين سور القرآن سورتي البقرة وآل عمران وضرب لهما مثلًا وهو أنهما تظلان صاحبهما يوم القيامة وتحاجان عنه، ثم خص من بين السورتين سورة البقرة وما يترتب على أخذها، وما يترتب كذلك على تركها، فأخذها بركة تحصل لصاحبها ولمنزله وأهله. وتركها حسرة تنتاب من تركها يوم القيامة – عياذًا بالله - ولا تستطيعها البطلة وهم السحرة وقيل مردة الجن، وقد ورد في حديث أخرجه الإمام الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تجعلوا بيوتكم مقابر وإن البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان \" ٢.\nوقد خصت آيات من سورة البقرة بالفضل مثل آية الكرسي التي ورد في فضلها أحاديث كثيرة، فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: \"يا أبا المنذر أتدري\n_________\n١ أخرجه مسلم برقم ٨٠٤.\n٢ أخرجه الترمذي برقم ٥٨٧٧ وقال حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":25},{"text":"أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ \" قال: قلت: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فضرب في صدري وقال: \"ليهنك العلم أبا المنذر\".١\nوعن أبي مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه\" ٢. وأخرج البخاري من طريقه عن أبي إسحاق: سمعت البراء بن عازب ﵄ يقول: قرأ رجل الكهف وفي الدار الدابة فجعلت تنفر فسلم الرجل فإذا ضبابة أو سحابة غشيته فذكره للنبي ﷺ فقال: \"اقرأ فلان فإنها السكينة نزلت للقرآن أو تنزلت للقرآن\" ٣. وعن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: \"من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال\" ٤، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي سورة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ \" ٥، وعن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، وكأن الرجل تقالها، فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن\" ٦، وعن عقبة بن عامر\n_________\n١ أخرجه مسلم برقم ٨١٠.\n٢ أخرجه البخاري برقم ٥٠٠٩.\n٣ سبق تخريجه.\n٤ أخرجه مسلم برقم ٨٠٩.\n٥ أخرجه الترمذي برقم ٢٨٩١.\n٦ أخرجه البخاري برقم ٥٠١٣.","vol":"1","page":26},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ: ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ \"١.\n_________\n١ أخرجه مسلم برقم ٨١٤.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>فضل تعلم القرآن وتعليمه</span>\nالقرآن صفة من صفات الله ﵎، وهو كلامه الذي خاطب به نبينا محمدًا ﷺ، ولا يزال خطابه مستمرًا لنا ومن هنا تنبع أهميته فقد ثبت في الحديث القدسي الذي أخرجه الترمذي قول الله ﷿ \"وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه\" ٢،ورتب الله الأجر العظيم والجزاء الجزيل على تلاوة القرآن وعلى تدبره وعلى تعلمه وتعليمه وقد سبق أن بينت ما يخص التلاوة، وهنا أريد أن أشير إلى فضل تعلم القرآن وتعليمه:\nفعن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" ٣ وفي لفظ: \"إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه\".\nقال ابن كثير ﵀ بعد إيراده حديث عثمان ﵁: والغرض أنه ﵊ قال: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" وهذه صفات المؤمنين المتبعين للرسل وهم الكُمَّل في أنفسهم المكمِّلون لغيرهم، وذلك جمع بين النفع القاصر والمتعدي وهذا بخلاف صفة الكفار\n_________\n١ أخرجه مسلم برقم ٨١٤.\n٢ أخرجه الترمذي برقم ٢٩٢٦.\n٣ انظر صحيح البخاري الحديثين رقم ٥٠٢٨ - ٥٠٢٧.","vol":"1","page":27},{"text":"الجبارين الذين لا ينفعون ولا يتركون أحدًا ممن أمكنهم أن ينتفع، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (النحل: ٨٨) كما أن شأن الأخيار الأبرار أن يكتمل في نفسه وأن يسعى في تكميل غيره. وقد كان أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي أحد أئمة الإسلام ومشايخهم ممن رغب في هذا المقام فقعد يعلم الناس من إمارة عثمان إلى أيام الحجاج قالوا: وكان مقدار ذلك الذي مكث يعلم فيه القرآن سبعين سنة، ﵀ وأثابه وآتاه ما طلبه ورامه آمين) ١.\nوأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده\" ٢.\n_________\n١ انظر فضائل القرآن لابن كثير ص ١٢٦ – ١٢٧.\n٢ سبق تخريجه.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>فضل حفظ القرآن عن ظهر قلب</span>\nوإذا ثبتت الفضيلة لقارئ القرآن فلا شك أن حفظ القرآن عن ظهر قلب أعلى مرتبة وأشرف منزلة، لأن القرآن قد استقر في قلب حافظه، يقرؤه في كل مكان وزمان لا يشعر من حوله بقراءته، فيسلم بإذن الله من الوقوع في الرياء، أسأل الله أن يعيذني وإياكم من الشرك صغيره وكبيره، عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: \"مثل الذي يقرأ القرآن","vol":"1","page":28},{"text":"القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة\". وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب\" ٢.\nوانظر حفظك الله إلى هذا التمثيل البالغ في الدقة، فالبيت الخرب الذي لا يسكنه أحد يكون مأوىً لكل شر، فهو محل آمن لارتكاب الجريمة أيًا كان نوعها، وهو كذلك مأوىً للكلاب والحيوانات الهاملة تأوي إليه وتقذره، ومأوىً للجن والشياطين. فليحذر كل مؤمن عاقل أن يجعل قلبه كالبيت الخرب، وعليه أن يبذل جهده لحفظ كتاب الله أو شيء منه، فحفظ القرآن يرفع مكانة صاحبه في الدنيا والآخرة، ومن الأدلة على ذلك بالإضافة إلى ما سبق ما أخرجه الشيخان: عن سهل بن سعد: أن امرأة جاءت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال له: \"هل عندك من شيء؟ \" فقال: لا والله يا رسول الله، قال: \"اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئًا: \" فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئًا: قال: \"انظر ولو خاتمًا من حديد\"، فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتمًا من حديد، ولكن هذا إزاري - قال سهل: ماله برداء - فلها نصفه، فقال رسول ﷺ: \"ما تصنع بإزارك \"؟ إن لبستَه لم يكن\n_________\n١ سبق تخريجه.\n٢ أخرجه الترمذي برقم ٢٩١٣ وقال حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":29},{"text":"عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك شيء\" فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام فرآه رسول الله ﷺ موليًا فأمر به فدعي، فلما جاء قال: \"ماذا معك من القرآن\" قال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا عدها، قال: \"أتقرؤهن عن ظهر قلب؟ \" قال: نعم، قال: \"اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن\". ١\nوابن كثير ﵀ عند إيراده لحديث: \" خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب\". قال: \"وقد كان سالم هذا من سادات المسلمين وكان يؤم الناس قبل مقدم النبي ﷺ المدينة، وسالم هذا هو مولى أبي حذيفة ﵄\".\n_________\n١ متفق عليه أخرجه البخاري برقم ٥٠٣٠ ومسلم برقم ١٤٢٥.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>إثم من راءى بالقرآن أو تأكَّل به</span>\nالتأكُّل بالقرآن من جنس الرياء لأن قارئ القرآن حينئذ لم يكن يقصد الإخلاص لله تعالى في قراءته إنما يقصد هدفًا آخر، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه\" ٢.\nويدخل في هذا المعنى من يقرأ القرآن ليقال قارئ، ويدخل فيه كذلك الذي يقرؤه للمسألة والتأكل بل يدخل فيه كل من لم يقرأه إخلاصًا لله\n_________\n٢ أخرجه البخاري برقم (١) ومسلم برقم ١٩٠٧ وغيرهما.","vol":"1","page":30},{"text":"تعالى، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: \"اقرؤوا القرآن ولا تأكَّلوا به ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه\" ١.\nقال ابن حجر ﵀: \" وأخرج أبو عبيد عن عبد الله بن مسعود: \"سيجيء زمان يُسأل فيه بالقرآن فإن سألوكم فلا تعطوهم\" ٢.\nوعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة\" ٣.\nقال ابن حجر: \"وقد أخرج أبو عبيد عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \" تعلموا القرآن واسألوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهي به ورجل يستأكل به ورجل يقرؤه لله\" ٤.\nوأخرج أبو داود عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ:\"اقرؤوا القرآن من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه\" ٥.\n_________\n١ أخرجه أحمد ٣/٤٢٨ و٤٤٤ وذكره الألباني ﵀ بلفظ آخر وقال: صحيح، وعزاه إلى مسند أحمد والمعجم الكبير للطبراني وغيرهما. انظر صحيح الجامع.\n٢ فتح الباري ٨/٧١٩.\n٣ أخرجه الترمذي برقم ٢٩١٩ وقال حديث حسن غريب وقد انتقاه الذهبي ﵀ في الأحاديث العوالي من جزء ابن عرفة العبدي رواية شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ برقم (٢) وقال المحقق د. عبد الرحمن الفريوائي: الحديث في جزء ابن عرفه برقم (٨٤) .\n٤ فتح الباري ٨/٧١٩.\n٥ سنن أبي داود حديث رقم ٨٣٠ وأخرجه أحمد ٣/٣٩٧.","vol":"1","page":31},{"text":"وأخرج الإمام مسلم عن سليمان بن يسار قال: تفرق الناس عن أبي هريرة فقال له ناتل أهل الشام ١: أيها الشيخ حدثني حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ: قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمته فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها. قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار\" ٢\n_________\n١ اسم رجل ويقال له ناتل الشامي.\n٢ صحيح مسلم برقم ١٩٠٥ وأخرجه أحمد في المسند ٢/٣٢٢.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>كُتَّاب القرآن الكريم</span>\nكانت الكتابة قليلة بين أصحاب النبي ﷺ ولكن ثبت أن عددًا منهم تعلموا القراءة والكتابة، وكتبوا القرآن، فمنهم من كتب صحيفة لنفسه ومنهم من كان يكتب للنبي ﷺ، ومن أشهر هؤلاء بل هو إمام الكتاب وسيدهم: زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن البراء: لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال النبي صلى\n_________\n١ اسم رجل ويقال له ناتل الشامي.\n٢ صحيح مسلم برقم ١٩٠٥ وأخرجه أحمد في المسند ٢/٣٢٢.","vol":"1","page":32},{"text":"الله عليه وسلم: \"ادع لي زيدًا وليجئ باللوح والدواة والكتف أو الكتف والدواة\" ثم قال:\"اكتب ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ \"١.\nوفي الصحيح كذلك أن أبا بكر وعمر ﵄ اختاراه لجمع القرآن وكتابته قال زيد ﵁: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه\".٢.\nقال ابن حجر ﵀: \"نعم قد كتب الوحي لرسول الله ﷺ جماعة غير زيد بن ثابت أما بمكة فلجميع ما نزل بها لأن زيد بن ثابت إنما أسلم بعد الهجرة\". أي أن جميع ما نزل قبل الهجرة كتبه كتاب آخرون غير زيد الأنصاري المدني الذي أسلم بالمدينة وقال ابن حجر: \"وأما بالمدينة فأكثر ما كان يكتب زيد ولكثرة تعاطيه ذلك أطلق عليه: الكاتب بلام العهد وقد كتب له قبل زيد بن ثابت أبيُّ بن كعب وهو أول من كتب له بالمدينة، وأول من كتب له من قريش بمكة عبد الله ابن سعد بن أبي سرح وممن كتب له في الجملة الخلفاء الأربعة، والزبير ابن العوام، وخالد وأبَّان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، وحنظلة بن الربيع الأسدي، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة\"٣.\n_________\n١ صحيح البخاري ٤٩٩٠.\n٢ صحيح البخاري ٤٩٨٦.\n٣ فتح الباري ٨/٦٣٩.","vol":"1","page":33},{"text":"ومن كلام ابن حجر هذا يتبين لنا كثرة عدد من كتب للنبي ﷺ.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>وسائل الكتابة</span>\nتنقسم وسائل الكتابة إلى قسمين:-\n١- ما يكتب عليه.\n٢- ما يكتب به.\nلقد ورد في عدد من الأحاديث في الصحيحين وغيرهما ذكر أسماء بعض الأشياء التي كان يكتب عليها القرآن الكريم، وذكر هذه الأحاديث بألفاظها قد يطيل بنا المقام في هذا الموضع، ولكني سأكتفي بذكر هذه الأشياء مع تعريف كل واحد منها، وأشير قبل ذكرها إلى أنها تشترك كلها في شيء واحد ألا وهو العرض والانبساط، فكانوا يستعملون لكتابة القرآن كل شيء طاهر فيه عرض وانبساط ويسهل حمله نسبيًا، فمثلًا الحجارة الكبيرة كالصخور وما أشبهها أو الجدران لم يكن ليكتب عليها القرآن في ذلك العهد لأنها يصعب حملها وجمعها مع بعضها لتكون بمجموعها مجموع نص القرآن الكريم.\nوهذه الأشياء في مجملها لم تكن خارجة عما يوجد في بيئتهم فهم يستخدمون أجزاء من النخلة أو قطعًا من الخشب والحجارة وما شابهها وإليك أخي الكريم ذكر مفصل لما نحن بصدد الحديث عنه:\n- الكَرانيف: جمع كرناف بكسر الكاف أو ضمها، الواحدة منه بالتأنيث يقال لها: كرنافه وكرنافة وكرنوفة قال ابن منظور: \"أصول الكرب التي تبقى في","vol":"1","page":34},{"text":"جذع السعف وما قطع من السعف فهو الكرب\" ونَقل عن ابن سيده قوله في تعريفها: \"أصل السعف الغليظ الملتزق بجذع النخلة\"١. وقريبًا من قول ابن سيده قول الفيروز آبادي٢.\nالعُسب: جمع عسيب، قال الفيروزآبادي: \"جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها، والذي لم ينبت عليه الخوص من السعف\"٣.\nالسعف: قال الفيروز آبادي: \"جريد النخل أو ورقه وأكثر ما يقال إذا يبست، وإذا كانت رطبة فشطبة\" ٤.\nقلت: ويتبين من كلام العرب أن الجريدة اسم يشمل السعف والكرب والعسيب والكرناف والخوص، وأحيانًا قد يطلق على الجريدة: السعفة ولكن لو دققنا النظر في كلام أهل اللغة لما وجدنا تعريفًا دقيقًا لبعض هذه الأجزاء، فاسم العسيب قد يطلق على السعفة وقد يطلق على الجريدة بكاملها، وكذلك الكرب والكرناف لتقاربهما قد يشتبه تعريف أحدهما بالآخر، ولكن المفهوم من مجموع كلامهم أن الجريدة تنقسم إلى أقسام، ترتيبها بحسب بعدها عن الجذع على النحو الآتي:-\n١- السعف: وهو الجزء البعيد عن النخلة الأم الذي ينبت عليه الخوص.\n٢- العسيب: وهو الجزء الذي يليه أي هو أقرب إلى النخلة منه ولا ينبت عليه خوص بل ينبت عليه السُّلاء وهو شوك النخلة.\n_________\n١ انظر: لسان العرب مادة كرنف ٩/٢٩٧.\n٢ انظر: القاموس المحيط مادة كرناف ٢/١١٢٩.\n٣ القاموس المحيط مادة عسب ١/٢٠٠.\n٤ المرجع السابق مادة سعف٢/١٠٩٢.\n٥ فتح الباري ٨/٦٣١.\n٦ اللسان مادة رقع ٨/١٣١.","vol":"1","page":35},{"text":"٣ - الكرب: وهو الجزء العريض الذي يكون أقرب من العسيب إلى النخلة ولا ينبت عليه خوص ولا سُّلاء.\n٤ - الكرناف: وهو الجزء الأعرض الملاصق للنخلة وهذا الجزء هو الذي يبقى في النخلة بعد قطع الجريدة.\n- قلت: المقصود من ذلك كله ما كان يصلح للكتابة عليه بغض النظر عن كونه كرنافًا أو عسيبًا أو سعفًا فما كان فيه عرض وانبساط كتبوا عليه، وقد يصلح كرناف نخلة للكتابة لما فيه من العرض ولا يصلح كرناف نخلة أخرى لأنه غير عريض والناظر إلى جرائد النخل يجد الفرق واضحًا في العرض تبعًا لأنواع النخل.\n٥ - الرقاع: قال ابن حجر: \"جمع رقعة وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد\" ٥ قلت: وهذا يفيدنا أن الرقاع اسم عام يشمل ما يكتب عليه وهو ليس اسمًا لمادة معينة كانت تستعمل في الكتابة بل يشمل الورق والقماش والجلد، ولكن يبدو واضحًا أن الرقاع تطلق على ما كان فيه ليونة ويمكن طيه.\nقال ابن منظور:\" والرقعة واحدة الرقاع التي تكتب، وفي الحديث: \"يجيء أحدكم يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق\" أراد بالرقاع ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع\"٦.\n٦- قطع الأديم هي جلود الحيوانات الطاهرة وربما كانت تمثل أفضل ما يمكن الكتابة عليه لتوفرها وسهولة حملها، وقيل: هي باطن الجلدة التي تلي اللحم أو\n_________\n٥ فتح الباري ٨/٦٣١.\n٦ اللسان مادة رقع ٨/١٣١.","vol":"1","page":36},{"text":"ظاهرها الذي عليه الشعر. قلت: المهم من ذلك معرفة أنه الجلد الذي يكتب عليه وعلى هذا تدخل هذه في عموم لفظة الرقاع.\n٧- الأكتاف قال ابن حجر: \"وهو العظم الذي للبعير أو الشاة كان إذا جف كتبوا عليه\" ١. قلت: والكتف في أصله عضو في الإنسان وغيره من الدواب وللكتف عظمة عريضة تقع تحته من الخلف يسميها الناس لوح الكتف وقد يطلق عليها الكتف من باب إطلاق الكل على الجزء وهي التي يكتب عليها إذا جفت.\n٨- الأقتاب: قال ابن حجر: \"بقاف ومثناة وآخرة موحدة جمع قَتَب بفتحتين وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه\" ٢.\nقال الفيروز آبادي القَتَب والقِتْب: \"إكاف البعير وقيل هو الإكاف الصغير الذي على قدر السنام\"٣.\nفالقتب إذًا يكون لوحًا صغيرًا من الخشب يصلح للكتابة عليه، عُمل أصلًا ليكون إكافًا للبعير، ولكنه صرف عما صنع له واستعمل للكتابة لتوفر صفتي العرض والانبساط فيه.\n٩- الأضلاع: قال ابن منظور: \"والأصل في الضلع ضلع الجنب، وقيل للعود الذي فيه انحناء وعرض: ضلع، تشبيها بالضلع الذي هو واحد الأضلاع\" ٤.\n_________\n١ فتح الباري ٨/٦٣١.\n٢ المرجع السابق ص ٦٣١.\n٣ القاموس المحيط ١/٦٦١.\n٤ لسان العرب مادة ضلع ٨/٢٢٦.","vol":"1","page":37},{"text":"قلت ويظهر من هذا أن الأضلاع تشمل كل عظم أو عود فيه عرض بحيث يصلح للكتابة عليه.\n١٠- اللخاف: قال ابن كثير: \"واللخاف جمع لخفة وهي القطعة من الحجارة مستدقة\" ١. وقال ابن حجر: \"قال أبو داود الطيالسي في روايته: هي الحجارة الرقاق وقال الخطابي: صفائح الحجارة الرقاق. قال الأصمعي: فيها عرض ودقة\" ٢ قال الفيروز آبادي: \"حجارة بيض رقاق\" ٣. زاد عليهم بأن حدد لونها ويبدو أن تحديد لونها ليس له فائدة.\nوروى البخاري عن محمد بن عبيد الله أنه قال: \"اللخاف: يعنى الخزف\"٤.\nوهذا كله فيما يكتب عليه، أما ما يكتب به فمعلوم أن لكل وسيلة مما سبق ما يناسبها للكتابة عليها فقد يكتب بالمداد وقد يكتب بالنقش وغير ذلك والله أعلم.\n_________\n١ فضائل القرآن ص٢٩.\n٢ الفتح ٨/٦٣١.\n٣ القاموس المحيط، مادة لخف ١١٣٥.\n٤ صحيح البخاري حديث رقم ٧١٩١.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13></span><span data-type=\"title\" id=toc-12>القَُّراء من أصحاب الرسول ﷺ</span>\nلقد اهتم صحابة رسول الله ﷺ بالقرآن كتابة وقراءة وضبطًا وحفظًا، واشتهر عدد منهم بالإقراء وذلك لتميزهم","vol":"1","page":38},{"text":"بضبطهم للقرآن، وقد أوصى الرسول ﷺ بأخذ القرآن عن بعض هؤلاء الضابطين، فقد أخرج البخاري ﵀ بسنده عن مسروق: ذكر عبدُ الله بن عمرو عبدَ الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي ﷺ يقول: \"خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبيِّ بن كعب\" ١.\nوالذين اشتهروا بإقراء القرآن من الصحابة كثيرون قال السيوطي: \"المشتهرون بإقراء القرآن من الصحابة سبعة: عثمان وعليُّ وأبيُّ وزيد بن ثابت وابن مسعود وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري كذا ذكرهم الذهبي في طبقات القراء\" ٢.\nوقال ابن حجر: \"وقد ذكر أبو عبيد القرَّاء من أصحاب النبي ﷺ فعد من المهاجرين الخلفاء الأربعة وطلحة وسعدًا وابن مسعود وحذيفة وسالمًا وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة، ومن النساء عائشة وحفصة وأم سلمة. وعد ابن أبي داود في كتاب الشريعة من المهاجرين أيضًا تميم بن أوس الداري وعقبة بن عامر، ومن الأنصار عبادة بن الصامت ومعاذ الذي يكنى أبا حليمة ومجمع بن حارثة وفضالة بن عبيد ومسلمة بن مخلد. وعد بعض المتأخرين من القراء عمرو بن العاص وسعد بن عبادة وأم ورقة\" ٣.\n_________\n١ المرجع السابق حديث رقم ٤٩٩٩.\n٢ الإتقان في علوم القرآن ١/٢٠٤.\n٣ انظر فتح الباري ٨/٦٦٩.","vol":"1","page":39},{"text":"قلت: ولا شك أن عدد الصحابة القراء يفوق ما ذكر أضعافًا مضاعفة فقد ذكر أن سبعين من القراء قتلوا في معركة واحدة وهي اليمامة. وذِكْرُ هذه الأعداد الكبيرة من الصحابة القراء يدل على شدة اهتمامهم بكتاب ربهم في عهد النبي ﷺ، ولا يتعارض هذا العدد الكبير مع حديث الرسول ﷺ الذي سبق ذكره ألا وهو:\" خذوا القرآن من أربعة\" فقد يكون هؤلاء أشد حذقًا وإتقانًا للقراءة من غيرهم وقد يكونون حفاظًا عن ظهر قلب بالإضافة إلى إتقانهم القراءة ولهذا حق لهم أن يكونوا من أشهر الصحابة في الإقراء وشرفوا بنص الرسول ﷺ عليهم.\nوقد ثبت عنه ﷺ أن قرأ سورة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ على أبي بن كعب ﵁. ففي الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك ﵁: قال النبي ﷺ لأبيِّ: إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال: وسمَّاني؟ قال: \"نعم\"، قال فبكى١.وثبت عنه ﷺ أنه قال لعبد الله ابن مسعود ﵁: \" اقرأ علىَّ القرآن\" ٢.وكذلك ثبت عنه ﷺ أنه استمع إلى قراءة أبي موسى الأشعري فأعجب بها ومدحها. وثبت عنه أنه ﷺ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: \"مروا أبا بكر فليصلِّ\n_________\n١ أخرجه البخاري برقم ٤٦٥٩ ومسلم برقم ٧٩٩.\n٢ سبق تخريجه.","vol":"1","page":40},{"text":"بالناس\"١وعن مسروق قال: قال عبد الله ﵁:\"والله الذي لا إله غيره ما أُنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أُنزلت ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو كنت أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه\"٢.\nوقد استحسنت بعد ذكر القراء من أصحاب النبي ﷺ أن أترجم لعدد منهم من الرجال والنساء وهم:\n_________\n١ الترمذي برقم ٣٦٧٢ وقال: حديث حسن صحيح.\n٢ أخرجه البخاري برقم ٥٠٠٢.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>عائشة أمُّ المؤمنين ﵂</span>\nهي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، أفقه نساء الأمة على الإطلاق، التي قال فيها رسول الله ﷺ: \"فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" ٣. وهي التي قال لها رسول الله صلى عليه وسلم: \" يا عائشُ هذا جبريل يقرئك السلام\" ٤. أبوها أبو بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة ﵁ أفضل رجال الأمة على الإطلاق، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر. تزوج النبي ﷺ عائشة بعد موت الصديقة خديجة بنت خويلد ﵂، وذلك قبل الهجرة ببضعة عشر شهرًا ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر سنة اثنتين للهجرة في شوال.\n_________\n٣ جزء من حديث أحرجه البخاري برقم ٣٧٦٩.\n٤ أخرجه البخاري برقم ٣٧٦٨.","vol":"1","page":41},{"text":"لم يتزوج النبي ﷺ بكرًا غيرها ولا أحب أمرأة حبها، وفي الحديث الصحيح عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ: \"أريتك في المنام يجيء بك الملك في سَرَقة من حرير، فقال لي: هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه\" ١.\nوفي الروايات الأخرى أنه ﷺ رأى ذلك ثلاث مرات في ثلاث ليال. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال لنسائه: \"والله ما نزل على الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها\" ٢\nوقد ثبت عن عمرو بن العاص ﵁ أنه سأل النبي الله عليه وسلم: أيُّ الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: \"عائشة\" قال فمن الرجال؟ قال: \"أبوها\" قلت ثم من؟ قال: \"ثم عمر بن الخطاب\" فعد رجالًا٣.\nوقد أطبقت الأمة على حبها وحب أبيها حتى إن حبهما أصبح علامة من علامات الإيمان. فلا يحبهما إلا مؤمن ولا يبغضهما إلا منافق أو كافر نسأل الله أن يرزقنا حبه وحب نبيه ﷺ وحب آله وأصحابه وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم، آمين.\n_________\n١ أخرجه البخاري برقم ٥١٢٥.\n٢ أخرجه البخاري برقم ٣٧٧٥.\n٣ البخاري رقم ٣٦٦٢.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>أبيُّ بنُ كعب ﵁</span>\n\"هو أبي بن كعب بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار سيد القراء المقرئ البدري) ١. \"كان عمر ﵁ يسميه سيد المسلمين\"٢.\nوكان أقرأ الصحابة على الإطلاق بل أقرأ الأمة فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح\" ٣.\nوعن أنس بن مالك ﵁: \"قال النبي ﷺ لأبي: \"إن الله أمرني أن أقرأ عليك: \" لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب\" قال: وسماني؟ قال: \"نعم\"، قال: فبكى) ٤ وحق له ﵁ أن يبكي فرحًا بهذا المقام الرفيع، فالله يأمر الرسول ﷺ أن يقرأ عليه القرآن فمن ذا الذي يستحق أن يذكر الله اسمه فوق سبع سماوات؟ ومن ذا الذي يؤمر النبي أن يقرأ عليه؟\n_________\n١ انظر سير أعلام النبلاء للذهبي ١/٣٨٩.\n٢ انظر الإصابة ١/٣٢.\n٣ أخرجه الترمذي برقم ٣٧٩٣ وقال حسن صحيح.\n٤ سبق تخريجه انظر هامش رقم ١٢٣.","vol":"1","page":43},{"text":"وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: \"خذوا القرآن من أربعة\" وفي رواية: \"استقرئوا القرآن من أربعة\" ذكر منهم أبي بن كعب رضي الله عنه١.\nوثبت عنه ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ \" قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \" يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ \" قال: قلت: \"الله لا إله إلا هو الحي القيوم\" قال: فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر\" ٢.\n_________\n١ أخرجه البخاري برقم ٣٧٥٨.\n٢ أخرجه مسلم برقم ٨١٠.\n٣ الإصابة ١/٥٤٣.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>زيد بن ثابت ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة: هو زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الأنصاري الخزرجي. وكانت معه راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أولًا مع عمارة بن حزم فأخذها النبي ﷺ منه فدفعها لزيد بن ثابت، فقال يا رسول الله بلغك عني شيء؟ قال: \"لا ولكن القرآن مقدم\"٣.\nوهو واحد من الأربعة الذين أمر النبي ﷺ بأخذ القرآن عنهم. وهو أشهر كتاب الوحي لرسول الله ﷺ: فعن البراء قال: لما نزلت \"لايستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل\n_________\n٣ الإصابة ١/٥٤٣.","vol":"1","page":44},{"text":"الله\" قال النبي ﷺ: \"ادع لي زيدًا وليجئ باللوح والدواة والكتف أو الكتف والدواة\" ثم قال: \" اكتب \"لايستوي القاعدون\" ١.\nوهو الذي كلَّفه أبو بكر ﵁ بجمع القرآن وقال له: \"إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه\" ٢.\nقال ابن حجر: \"وروى البخاري تعليقًا والبغوي وأبو يعلى موصولًا عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد عن أبيه قال: \"أُتيَ بي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مقدمه المدينة، فقيل هذا من بني النجار وقد قرأ سبع عشرة سورة فقرأت عليه، فأعجبه ذلك فقال: \"تعلم كتاب يهود فإني ما آمنهم على كتابي\" ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته فكنت أكتب له إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له\"٣.وقال ابن حجر: \"وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن الشعبي قال: ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسك ابن عباس بالركاب فقال: تنحَّ يابن عم رسول الله، قال: لا، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء\" ٤.\n_________\n١ سبق تخريجه انظر هامش رقم ١٠٣.\n٢ سبق تخريجه انظر هامش رقم ١٠٤.\n٣ الإصابة ١/٥٤٣.\n٤ المرجع السابق.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>عبد الله بن مسعود ﵁</span>\nهو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار.","vol":"1","page":45},{"text":"كنيته أبو عبد الرحمن ويكنى كذلك بأمه فيقال له: ابن أم عبد، وكنَّاه النبي ﷺ بكلتا الكنيتين، فقد روي عنه أنه قال: كنَّاني النبي ﷺ: أبا عبد الرحمن قبل أن يولد لي١. وقال ﷺ: \" من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد\" ٢.\nوقد كان شديد الضبط لكتاب الله فقد أخرج البخاري بسنده عن شقيق ابن سلمة قال: خطبنا عبد الله بن مسعود فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة والله لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم\"٣، وما كان هذا الأخذ إلا لشدة ملازمته النبي ﷺ، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي موسى الأشعري قال: \"قدمت أنا وأخي من اليمن فمكثنا حينًا ما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي ﷺ لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي ﷺ\" ٤.\n_________\n١ نقله الذهبي من المستدرك.\n٢ مسند الإمام أحمد ١/٤٤٥ و٤٥٤.\n٣ صحيح البخاري حديث برقم ٥٠٠٠.\n٤ أخرجه البخاري برقم ٣٧٦٣ وأخرجه مسلم برقم ٢٤٦٠.","vol":"1","page":46},{"text":"وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"اقرأ علي القرآن\" قلت آقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: \"فإني أحب أن أسمعه من غيري\" ١.\nوقد كان أذن له النبي ﷺ أن يدخل عليه كل وقت، وهذه فضيلة قلَّما حصلت لغيره، فقد قال له ﷺ: \"يا عبد الله إذنك علىَّ أن ترفع الحجاب وتسمع سِوادي حتى أنهاك\" ٢.والسواد بكسر السين: السر.\nوعن عبد الرحمن بن يزيد قال: \"سألنا حذيفة عن رجل قريب السمت والهدي من النبي ﷺ حتى نأخذ عنه فقال: ما أعرف أحدًا أقرب سمتًا وهديًا ودلًا بالنبي ﷺ من ابن أم عبد\"٣.\n_________\n١ أخرجه البخاري برقم ٤٥٨٢ وقد أوردت الحديث بكامله في الفصل الثاني وانظر الهامش رقم ١٧٠.\n٢ أخرجه مسلم برقم ٢١٦٩.\n٣ البخاري رقم ٣٧٦٢.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>سالم مولى أبي حذيفة ﵁</span>\nهو سالم بن معقل مولى أبي حذيفة، وكانت قد أعتقته زوجة أبي حذيفة ﵃ أجمعين.\nوكان من أشهر قراء القرآن على عهد رسول الله ﷺ.\nأخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي ﷺ في\n_________\n١ أخرجه البخاري برقم ٤٥٨٢ وقد أوردت الحديث بكامله في الفصل الثاني وانظر الهامش رقم ١٧٠.\n٢ أخرجه مسلم برقم ٢١٦٩.\n٣ البخاري رقم ٣٧٦٢.","vol":"1","page":47},{"text":"مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة\" ١وفي رواية وكان أكثرهم قرآنًا.\nوهو أحد الأربعة الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: \"خذوا القرآن من أربعة\" ٢. وأخرج الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن عائشة ﵂ قالت: استبطأني رسول الله ذات ليلة، فقال: \"ما حبسك\" قلت: إن في المسجد لأحسن مَنْ سمعت صوتًا بالقرآن، فأخذ رداءه، وخرج يسمعه فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة، فقال: \"الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك\" ٣.\nقال ابن حجر: \"وروى ابن المبارك أيضًا فيه: أن لواء المهاجرين كان مع سالم فقيل له في ذلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا -يعنى إن فررت – فقطعت يمينه فأخذه بيسار فقطعت فاعتنقه إلى أن صرع، فقال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ يعني مولاه، قيل: قتل، قال: فأضجعوني بجنبه\" ٤.وكان ذلك يوم اليمامة ﵁ وأرضاه.\n_________\n١ أخرجه البخاري برقم ٧١٧٥.\n٢ سبق تخريجه.\n٣ أخرجه أحمد ٦/١٦٥.\n٤ الإصابة ٢/٨.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>أم ورقة الشهيدة ﵂</span>\nهي أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث بن عويمر بن نوفل الأنصارية، روي عنها أن النبي ﷺ لما غزا بدرًا قالت له: ائذن لي فأخرج معك فأمرض مرضاكم، ثم لعل الله أن يرزقني الشهادة\n_________\n١ أخرجه البخاري برقم ٧١٧٥.\n٢ سبق تخريجه.\n٣ أخرجه أحمد ٦/١٦٥.\n٤ الإصابة ٢/٨.","vol":"1","page":48},{"text":"قال: \"قرِّي في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة\" فكانت تسمى الشهيدة. وكان لها غلام وجارية قد دبرتهما فقاما إليها بالليل فغمياها بقطيفة لها حتى ماتت، فلما أصبح عمر ﵁ قال: والله ما سمعت قراءة خالتي أم ورقة البارحة فدخل الدار فلم ير شيئًا فدخل البيت فإذا هي ملفوفة في قطيفة في جانب البيت فقال: صدق الله ورسوله \"أي صدقت نبوءة الرسول ﷺ إذ كان يسميها: الشهيدة\" - وكان ﷺ يقول:\" انطلقوا بنا نزور الشهيدة\" - فصعد عمر المنبر فذكر خبر موتها للناس، وقال: عليَّ بهما، فأتي بهما فسألهما فأقرَّا أنهما قتلاها فأمر بهما فصلبا، وكانا أول من صلب بالمدينة المنورة شرفها الله تعالى.\nوكانت أم ورقة ﵂ قد قرأت القرآن واستأذنت النبي ﷺ في أن تتخذ في دارها مؤذنًا لها وكانت تؤم أهل دارها، وكانت ممن اشتهر بقراءة القرآن من النساء ﵂ وأرضاها.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء ١/٣٣٦.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>أبو زيد ﵁</span>\nهو ثابت بن زيد بن قيس بن زيد بن النعمان بن مالك الأنصاري الخزرجي: وقيل اسمه أوس وقيل معاذ وهو ممن جمع القرآن حفظًا فحفظه كله في زمان النبي ﷺ وهو من كبار الصحابة ﵃ قال الذهبي: (قال النحوي – سعيد بن أوس بن ثابت: هو جدي شهد أحدًا، وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن، نزل البصرة واختط بها ثم قدم المدينة فمات بها فوقف عمر على قبره فقال: يرحمك الله أبا زيد، لقد دفن اليوم أعظم أهل الأرض أمانة\"١.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء ١/٣٣٦.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الفصل الثاني: عناية النبي ﷺ بالقرآن الكريم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>حرص النبي ﷺ على تلقي القرآن وحفظه</span>\n...\nتمهيد:\nالنبي ﷺ أشد الناس عناية بالقرآن الكريم من جميع جوانبه، ومن شدة عنايته ﷺ أمر أصحابه بأمور تزيد من عنايتهم هم بالقرآن، كأمره إياهم بالحفظ والتعاهد والتدبر وغير ذلك، ولقد وردت لنا الأخبار بشيء من ذلك، وأنا أرى أن هذه الأخبار التي وردت ليست إلا إشارات إلى عنايته ﷺ بالقرآن، ولكن واقع حاله وشدة اهتمامه لا يتصور أن تنقله النصوص على حقيقته، كيف لا يكون كل ذلك الاهتمام منه ﷺ وهو المكلف الوحيد من قبل ربه بتبليغ هذا القرآن؟ وما أود أن أشير إليه هنا هو أن تسمية هذا الفصل بـ\"عناية النبي ﷺ بالقرآن الكريم\" ماهي إلا من باب تركيز الحديث على مسائل معينة خاصة، وإلا فكثير من النصوص التي أوردتها في الفصل الأول تدل على عنايته ﷺ وعناية صحبه الكرام بالقرآن الكريم.\nوسأسوق في هذا الفصل بعض الأمثلة الدالة على هذه المسألة:\nحرص النبي ﷺ على تلقي القرآن وحفظه\nأمر النبي ﷺ صحابته بحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في الفصل الأول، وكان هو ﷺ أشد تلهفًا على حفظ القرآن، ولهذا كان إذا نزل عليه الوحي بشيء من القرآن يحرك به لسانه استعجالًا في حفظه فنهاه الله عن ذلك في قوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ","vol":"1","page":51},{"text":"ِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦-١٩) . ولعل ذلك والله أعلم لئلا ينشغل بالحفظ عن الفهم قال ابن حجر ﵀: \"وكان من أصل الدين أن المبادرة إلى أفعال الخير مطلوبة، فنبه أنه قد يعترض على هذا المطلوب ما هو أجل منه وهو الإصغاء إلى الوحي وتفهم ما يرد منه، والتشاغل بالحفظ قد يصد عن ذلك فأمر أن لا يبادر إلى التحفظ لأن تحفيظه مضمون على ربه وليصغ إلى ما يرد عليه إلى أن ينقضي فيتبع ما اشتمل عليه\" ١.\nأخرج البخاري بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل عليه بالوحي وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه وكان يعرف منه، فأنزل الله الآية التي في ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فإذا أنزلناه فاستمع ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ علينا أن نبينه بلسانك، قال: فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله٢.\n_________\n١ الفتح ٨/٥٤٨.\n٢ صحيح البخاري حديث رقم ٤٩٢٩.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>نهيه ﷺ عن كتابة شيء عنه غير القرآن الكريم</span>\nعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج\" ١.\nقال ابن كثير ﵀ في معنى هذا الحديث: \"أي لئلا يختلط بالقرآن، وليس معناه أن لا يحفظوا السنة ويرووها، والله أعلم\" ٢.\nقلت: ويؤيد قول ابن كثير هذا قوله ﷺ في الحديث: \"وحدثوا عني ولا حرج\" فرواية الحديث وتناقله مشافهة لا حرج فيها بل هى ضرورة لا بد منها لنشر الدين حيث كان الصحابة يتناقلون أقوال النبي ﷺ بينهم ويبلغ الشاهد الغائب كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، إنما كان النهي عن كتابة الحديث وكل ما سوى القرآن، ولما مات النبي ﷺ لم يكن ثمة شيء مكتوب متداول غير القرآن الذي باكتمال نزوله اكتملت كتابته وتدوينه.\n_________\n١ أخرجه مسلم برقم ٣٠٠٤.\n٢ فضائل القرآن ٣٠.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>توجيهه ﷺ الكتَّاب بكتابة كل آية في موضعها</span>\nالبحث في هذه المسألة قد يطول، وقد بسط العلماء الحديث عنها عند ذكر ترتيب القرآن هل هو توقيفي أو اجتهادي ممن جمع القرآن؟ قال","vol":"1","page":53},{"text":"ابن حجر ﵀: \"وروى أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عباس عن عثمان بن عفان قال: \"كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: \" ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا\"١.\n_________\n١ فتح الباري ٨/٦٣٩.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>تشجيعه ﷺ على تلاوة القرآن وحفظه</span>\nلمَّا كان ﷺ مهتمًا بتلاوة القرآن وحفظه - وكان ذلك شغله الشاغل - وجه أتباعه إلى ذلك، وقد ورد عدد كبير من الأحاديث الدالة على ذلك منها قوله ﷺ: \"اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه\" ٢.وقوله ﷺ: \"يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرأ بها\" ٣.\nوقوله ﷺ: \"الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران\" (٤) . وقوله صلى\n_________\n٢ سبق تخريجه.\n٣ سبق تخريجه.\n٤ أخرجه مسلم برقم ٧٩٨.","vol":"1","page":54},{"text":"الله عليه وسلم: \"من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف\" ١.\n_________\n١ سبق تخريجه انظر هامش رقم ٦٩.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>أمره ﷺ الصحابة بتعاهد القرآن حتى لا يتفلت</span>\nوكما أمر ورغب ﷺ في حفظ القرآن – كما سبق- أمر ﷺ بتعهد القرآن ومراجعة حفظه باستمرار، حتى لا يتفلت وينسى، ومما ورد في ذلك قوله ﷺ في الحديث الذي رواه عنه ابن عمر ﵄: \" إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت\" ٢.\nوفي رواية لمسلم من حديث موسى بن عقبة:\"وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه\" ٣. وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\"بئس ما لأحدهم يقول نسيت آية كيت وكيت بل هو نُسِّى، استذكروا القرآن فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم بعقلها\" ٤. وعن أبي موسى عن النبي صلى\n_________\n٢ متفق عليه أخرجه البخاري برقم ٥٠٣١ ومسلم برقم ٧٨٩.\n٣ مسلم ٧٨٩.\n٤ متفق عليه البخاري ٥٠٣٣ ومسلم ٧٩١، قال في الفتح ٩/٨١: (أي: تفلُّتًا وتخلصًا) . وقال في القاموس: (فَصَى الشيء من الشيء: فضله، وفصَّيتتُه: خلَّصتُه) القاموس: فصي.","vol":"1","page":55},{"text":"الله عليه وسلم قال: \"تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من الإبل في عقلها\" ١.\nومنها قوله ﷺ: \" مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن ويتعاهده وهو عليه شديد له أجران\" ٢.\nويلحظ في الأحاديث السابقة كلها أن النبي ﷺ شبه تفلت القرآن من صاحبه إن لم يتعاهده - بالمراجعة والحفظ - بالإبل المعقلة فما دام فيها عقالها فهي موجودة محفوظة بإذن الله وإن انفلت عقالها ذهبت ولربما ضاعت قال ابن حجر ﵀: \"شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد، فما زال التعاهد موجودًا فالحفظ موجود كما أن البعير مادام مشدودًا بالعقال فهو محفوظ، وخصّ الإبل بالذكر لأنها أشدُّ الحيوان الإنسي نفورًا وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة\" ٣\n_________\n١ الفتح ٨/٥٤٨.\n٢ سبق تخريجه.\n٣ فتح الباري ٨/٦٩٨.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>أمره ﷺ بتحسين الصوت بالقراءة</span>\nحسن الصوت بالقراءة مطلوب وتزيين الصوت بالقراءة سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ولكن ينبغي ألا يتجاوز هذا التحسين","vol":"1","page":56},{"text":"الحد المطلوب، وقد نص العلماء على تحريم المبالغة والتنطع في بعض الأحكام التي تخرج القراءة عن حدها، وتسلب القرآن حلاوته وطلاوته، ومما ثبت عن الرسول ﷺ في الحث على تحسين الصوت بالقراءة والتغني بالقرآن ما يلي:\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن\" هذا لفظ البخاري وزاد غيره: \" يجهر به\"١.\nوعنه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به\" ٢.\nقال النووي عند شرح هذه الأحاديث: \"وقال الشافعي وموافقوه معناه: تحزين القراءة وترقيقها، واستدلوا بالحديث الآخر: \"زينوا القرآن بأصواتكم\" ٣.\nوعن أبي بردة عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود\" ٤.\nولفظ الإمام مسلم فيه حرص النبي ﷺ على استماع القراءة بالصوت الحسن فعن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال\n_________\n١ أخرجه البخاري برقم ٧٥٢٧ وعيره.\n٢ متفق عليه البخاري ٧٥٤٤ ومسلم ٧٩٢.\n٣ شرح صحيح مسلم ٦/٧٩.\n٤ متفق عليه البخاري برقم ٥٠٤٨ وهذا لفظ البخاري.","vol":"1","page":57},{"text":"رسول الله ﷺ لأبي موسى: \"لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود\" ١.\nولقد كان صوته ﷺ حسنًا بل أحسن الأصوات بقراءة القرآن الكريم وذلك كما جاء في رواية البراء ﵁ قال:\n\"سمعت رسول الله ﷺ قرأ في العشاء بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فما سمعت أحدًا أحسن منه صوتا\" ٢\nهذه الأدلة كما هو واضح من مدلولها فيها الحث الصريح على التغني بالقرآن ولكن فهم بعض من لم يؤت سعة من العلم هذا الأمر على غير مراده حتى دخلت في القرآن ألحان الغناء فأصبحت قراءة بعض القراء ليست مقصودة لذاتها بقدر ما هي مقصودة لصوت القارئ. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nولعل هذا التخبط في طرق الأداء المبتدعة قَوَّى لدى بعض العلماء حمل معنى أحاديث التغني بالقرآن على معنى الاستغناء الذي هو من الغنى نقيض الفقر، قال النووي: \"وأنكر أبو جعفر الطبري تفسير من قال: يستغني به وخطَّأه من حيث اللغة والمعنى. والخلاف جار في الحديث الآخر: \"ليس منا من لم يتغن بالقرآن\" والصحيح أنه من تحسين الصوت\" ٣.\n_________\n١ صحيح مسلم ٧٩٢.\n٢ أخرجه البخاري برقم ٧٥٤٦ ومسلم برقم ٤٦٤.\n٣ شرح صحيح مسلم ٦/٧٩.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>حرصه ﷺ على استماع القرآن من غيره</span>\nومن تمام عنايته ﷺ بالقرآن كان يحب أن يسمعه من غيره من صحابته، فقد أخرج الإمامان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: \"قال لي رسول الله ﷺ: \"اقرأ عليَّ القرآن\" قال فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: \" إني أشتهي أن أسمعه من غيري\" فقرأت النساء حتى إذا بلغت: \"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا\" رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل\" ١. وعن أنس بن مالك ﵁: قال النبي ﷺ لأبيِّ \"إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ \" قال: وسماني؟ قال \"نعم\" قال، فبكى٢. وفي لفظ قال: آلله سماني لك؟ قال: \" آلله سماك\" فجعل أبيٌّ يبكي٣.\nانظر حفظك الله إلى هذه الأحاديث العظيمة وما يستفاد منها وهو تشهى النبي ﷺ أن يستمع القرآن من غيره وإنها لمرتبة عظيمة لأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ﵄.\n_________\n١ متفق عليه أخرجه البخاري برقم ٤٥٨٢ ومسلم برقم ٨٠٠.\n٢ سبق تخريجه.\n٣ انظر حديثا رقم ٤٩٦٠ في البخاري ومسلم برقم ٧٩٩.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>نهيه ﷺ عن الاستعجال في القراءة</span>\nالناس في قراءة القرآن صنفان: صنف يقرأ القرآن بتعقل وتدبر لمعانيه، فهذا لا يهمه أن يختم القرآن في أسبوع أو شهر، وصنف آخر يقرأ القرآن ليزداد عدد الحروف التي يقرأها، ويكون له بكل حرف عشر حسنات، كما ثبت في الحديث الصحيح، وهذا الصنف هو الذي يكون همه أن يختم القرآن في أقصر مدة ممكنة.\nقال ابن حجر \"قال النووي: والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني، وكذا من كان له شغل بالعلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ولا يقرؤه هذرمة. والله أعلم\" ١.\nوقد يجتمع الأمران في شخص واحد فمرة يقرأ القرآن قراءة فهم وتمعُّن في معانيه ومبانيه، ومرة يقرؤه قراءة يريد بها الإكثار من الحسنات، وقد ورد كل ذلك عن صحابة رسول الله ﷺ. ولكن مدار الكلام في هذا المبحث على الأحاديث الواردة في نهيه ﷺ عن الاستعجال، والحقيقة أن أكثر هذه الأحاديث مروية عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فقد كان شابًا قويًا فتيًا يريد أن\n_________\n١ فتح الباري ٨/٧١٥.","vol":"1","page":60},{"text":"يستمتع بقوته وشبابه - ورد نص ذلك في بعض الروايات - في طاعة الله فكان يصوم الأيام المتواصلة، ويقرأ القرآن في ليلة واحدة.\nأخرج البخاري ﵀ بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: \"أنكحني أبي امرأة ذات حسب فكان يتعاهد كنته فيسألها عن بعلها فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشًا ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ فقال: \"القني به\"، فلقيته بعد، فقال: \" كيف تصوم؟ \" قال: قلت: أصوم كل يوم قال: \"وكيف تختم؟ \" قال: كل ليلة، قال: \"صم في كل شهر ثلاثة واقرأ القرآن في كل شهر\". قال: قلت أطيق أكثر من ذلك، قال: \"صم ثلاثة أيام في الجمعة\" قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: \"أفطر يومين وصم يومًا، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: \"صم أفضل الصوم، صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة\". فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ، وذاك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار والذي يقرؤه يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى، وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئًا فارق النبي ﷺ\" ١.\nوقد أخرج الشيخان وغيرهما الحديث بألفاظ متقاربة، ولكنها تختلف في ذكر الأيام التي حددها له الرسول ﷺ ليختم فيها، ففي بعض الروايات ثلاثة أيام وفي بعضها سبعًا.\n_________\n١ البخاري ٥٠٥٢.","vol":"1","page":61},{"text":"وأخرج أبو داود أحد هذه الأحاديث وفي آخره قال - أي رسول الله ﷺ – \"لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث\" ١.\nولعل نهي الرسول ﷺ هذا بسبب أنه يخشى على أمته من الملل، فإذا طال العمر يدبُّ الوهن إلى جسم الإنسان وقد يصيبه الفتور. ولكن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع.\nوقد أخرج الإمام مسلم عن عائشة ﵂ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ في الشهر من السنة أكثر صيامًا منه في شعبان وكان يقول: \"خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لن يملَّ حتى تملوا\" وكان يقول: \"أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل\" ٢.\nومما يدل على أن الرسول ﷺ إنما نهى عن الإسراع في القراءة خوفًا على أتباعه من الملل ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: \" يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل\" ٣.\nوثمة سبب آخر لنهيه ﵊ عن الإسراع ألا وهو الحث على التدبر فالإسراع في التلاوة وتدبر المعاني نقيضان قد لا يلتقيان. وقد سبق ذكر الحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ: \"لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث\". وأخرج مسلم بسنده عن شقيق قال:\n_________\n١ سنن أبي داود رقم ١٣٩٠.\n٢ صحيح مسلم رقم ٧٨٢.\n٣ أخرجه مسلم في صحيحه ١١٥٩.","vol":"1","page":62},{"text":"\"جاء رجل من بني بجيلة يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله، فقال إني أقرأ المفصل في ركعة فقال عبد الله: هذًا كهذ الشعر؟.) ١.\nقال النووي ﵀: \"وهو شدة الإسراع والإفراط في العجلة ففيه النهي عن الهذ، والحث على الترتيل والتدبر وبه قال جمهور العلماء\" ٢.\nوقال النووي - في معنى قول ابن مسعود في إحدى روايات الحديث المذكور: إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع-: \"معناه أن قومًا ليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان فلا يجاوز تراقيهم فيصل إلى قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب، بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب\"٣\n_________\n١ صحيح مسلم حديث رقم ٨٢٢.\n٢ صحيح مسلم الشرح النووي ٦/١٠٥.\n٣ صحيح مسلم في النووي ٦/١٠٥. نفس المرجع.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>تحريم القول في القرآن بغير علم</span>\nومما يدل على شدة عناية النبي ﷺ بالقرآن أنه حرم القول فيه بغير علم، حتى ولو أصاب القائل في قوله، أي أن تفسير القرآن بدون علم حرام وإن كان صوابًا فعن جندب بن عبد الله قال: \"قال رسول الله ﷺ: \"من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ\" ٤.\n_________\n٤ أخرجه الترمذي برقم ٢٩٥٢.","vol":"1","page":63},{"text":"وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: \"اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار\" ١.\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار\" ٢.\nقال محققا شرح السنة للبغوي – بعد أن ذكرا تخريج الأحاديث السابقة - بضعف تلك الأحاديث فالحديث الأول في سنده سهيل بن أبي حزم لا يحتج به، ضعفه البخاري وأحمد وأبو حاتم، أما الحديثان الآخران ففيهما عبد الأعلى بن عامر الثعلبي وقد تكلموا فيه، وأورد المحققان كلام أهل العلم في عبد الأعلى هذا.\nقلت بعد النظر في كلام أهل العلم في عبد الأعلى بن عامر الثعلبي وجدت أن أقوالهم فيه لا تنزل بحديثه عن درجه الحسن فمنهم من قال: يكتب حديثه ومنهم من قال: حدث عنه الثقات. بل قال فيه يعقوب بن سفيان – كما ذكر المحققان-: في حديثه لين وهو ثقة وحسَّن له الترمذي وصحح له الحاكم\" ٣\nقلت: كذلك ضعف هذه الأحاديث – إن ثبت - لا يهون من خطر القول في القرآن بغير علم لأنه سبب كثير من الضلال والهوى، أسأل الله لي ولكم السلامة والعافية.\n_________\n١ أخره الترمذي برقم ٢٩٥١ وقال هذا حديث حسن.\n٢ أخرجه الترمذي برقم ٢٩٥٠ وقال هذا حديث حسن صحيح.\n٣ انظر شرح السنة للبغوي ١/٢٥٧.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الخاتمة</span>\nإن نتيجة هذا البحث معروفة قبل البدء في كتابته ألا وهي بيان عناية النبي ﷺ بالقرآن الكريم، وكذلك عناية صحابته الكرام ﵃، حفظًا وتدبرًا وتعلمًا وتعليمًا، ويتضح لنا جليًا من البحث كذلك شدة متابعة الصحابة ﵃ لأوامر النبي ﷺ.\nوذلك يتجلى واضحًا – على سبيل المثال – عند نهي النبي ﷺ إياهم عن كتابة شيء غير القرآن.\nأما وصيتي في هذا البحث فهي أن أوصي نفسي وإخواني بالحرص على الاقتداء بالنبي ﷺ في كل شيء وعلى رأس ذلك اهتمامه وعنايته بالقرآن الكريم، وأن لا نجعل همنا فقط إقامة حروف القرآن وضبط تجويده دون تدبر لمعانيه وعمل بما فيه، أسأل الله أن يرزقني وإياكم حب القرآن وحفظه والعمل به والوقوف عند حدوده وأن يجعلنا ممن يكون لهم القرآن يوم القيامة شافعًا وأن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>مصادر ومراجع</span>\n...\nالمراجع\n١- الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية – صيدا ١٤٠٨ هـ.\n٢- الأحاديث العوالي من جزء ابن عرفه العبدي رواية شيخ الإسلام ابن تيميه انتقاء الإمام الذهبي، تحقيق د. عبد الرحمن الفريوائي، ط١، دار الكتب السلفية ١٤٠٧ هـ.\n٣- الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني، دار الكتاب العربي.\n٤- تاريخ القرآن الكريم، محمد سالم محيسن – رابطة العالم الإسلامي، سلسلة دعوة الحق، عدد ١٥، ١٤٠٢هـ.\n٥- التبيان في علوم القرآن، محمد علي الصابوني، مكتبة الغزالي، دمشق، ط٢، ١٤٠هـ.\n٦- تفسير القرآن العظيم الحافظ ابن كثير نشر وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ط ١،١٤١٤هـ.\n٧- سنن أبي داود.\n٨- سنن الترمذي، تحقيق كمال يوسف الحوت، دار الكتب العلمية – بيروت.\n٩- سير أعلام النبلاء، الذهبي تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ١٤١٧ هـ.\n١٠- شرح السنة، الإمام البغوي، تحقيق زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، بيروت، ط١، ١٤٠٠ هـ.","vol":"1","page":66},{"text":"١١- شرح صحيح مسلم، الإمام النووي، دار الفكر، بيروت، ١٤٠١هـ.\n١٢- صحيح الإمام البخاري، دار السلام بالرياض، ط١، ١٤١٧ هـ.\n١٣- صحيح الإمام مسلم، دار السلام بالرياض، ط١، ١٤١٩ هـ.\n١٤- صحيح الجامع الصغير للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط٣، ١٤٠٨ هـ.\n١٥- غاية النهاية في طبقات القراء، ابن الجزري، ط٢، ١٤٠٠هـ، دار الكتب العلمية.\n١٦- فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، دار الريان، القاهرة، ط١، ١٤٠٧ هـ ١٧- القاموس المحيط، الفيروز آبادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط١، ١٤١٧ هـ.\n١٨- لسان العرب لابن منظور، دار صادر، لبنان.\n١٩- مباحث في علوم القرآن، صبحي الصالح، دار العلم للملايين.\n٢٠- مباحث في علوم القرآن، مناع خليل القطان، مؤسسة الرسالة، ط٢٣، ١٤١١ هـ.\n٢١- مناهل العرفان، الزرقاني.","vol":"1","page":67}]}